← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وقال الموفق وغيره أجمع العلماء على وجوب رد المغضوب إذا كان بحاله لم يتغير ولم ينشغل بغيره (ويرجع المشتري) إن كان اشتراه (على البائع بالثمن) الذي دفعه (رواه أبو داود) والنسائي ورواه أحمد وابن ماجه. وفي لفظ "ويرجع المشتري" أي للمغصوب ونحوه "على من باعه" أي وأخذه منه الثمن. فإن له أن يخاصمه ويأخذ عين ماله منه. ويرجع مشتري الشيء المأخوذ من يده على من باعه إياه. فمتى ظهر المبيع مستحقاً فللمشتري أن يرجع بالثمن على من قبضه منه أو ببدله. فإن كان القابض غائباً حكم عليه إذا قامت الحجة. وسلم للمحكوم له حقه من مال الغائب مع بقائه على حجته. وإن اختلطت الغصوب واشتبه ملك بعضهم ببعض فقال الشيخ إن عرف قدر المال تحقيقًا قسم الموجود عليهم على قدره وإن لم يعرف إلا عدده على قدر العدد. لأن المالين إذا اختلطا قسما بينهم. وإن كان كل منهم يأخذ عين ما كان للآخر. لأن الاختلاط جعلهم شركاء. وسواء اختلط غنم أحدهما بالآخر عمداً أو خطأ. يقسم المالان على العدد إذا لم يعرف الرجحان. وإن عرف وجهل قدره أثبت منه القدر المتيقن. وأسقط الزائد المشكوك فيه. لأن الأصل عدمه. قال وقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عمل فيه بالاجتهاد

стр. 1367

كما يعمل في قيمته بالاجتهاد. إذ التقويم والخرص واحد. فإن الخرص الاجتهاد في معرفة مقدار الشيء. وتقويمه الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه. بل قد يكون الخرص أسهل. وكلاهما يجوز مع الحاجة. قال ومن ندم ورد المغصوب بعد موت المغصوب منه كان للمغصوب منه مطالبته في الآخرة لتفويته الانتفاع به في حياته. كما لو مات الغاصب فرده وارثه. وقال ومن كانت عنده غصوب وودائع وغيرها لا يعرف أربابها صرفت في المصالح. وقاله العلماء. ولو تصدق بها جاز. وله الأكل منها. ولو كان عاصيًا إذا تاب. وكان فقيرًا. وقيل يدفعه إلى الإمام إن كان عادلًا. أو له نائب كذلك. الأسلم لرجل عالم معروف موثوق به. وأعلمه بالحال ليصرفه في مصارفه. وللعالم أن يصرفه إليه إن كان ممن يجوز الصرف إليه. وله أن يصرفه من نفسه لنفسه إن كان بهذه الصفة. وهو عالم بالأحكام الشرعية. وقال من مات معدمًا يرجى أن الله يقضي عنه ما عليه. (وعن أبي هريرة مرفوعًا: العجماء) البهيمة لأنها لا تتكلم (جبار) بضم الجيم أي جناية البهائم هدر. قال أهل اللغة الجبار الهدر والباطل. وقال الشيخ كل بهيمة عجماء كالبقر والشاة وغيرهما. فجناية البهائم غير مضمونة إذا فعلت بنفسها. كما لو انفلتت ممن هي في يده وأفسدت فلا ضمان على أحد. ما لم تكن عقورًا ولا فرط صاحبها في حفظها في الليل أو في أسواق

стр. 1368

المسلمين ومجامعهم. وكذا قال غير واحد أنه إنما يكون جبارًا إذا كانت منفلتة ذاهبة على وجهها ليس لها قائد ولا سائق إلا الضارية. وكذا الجوارح وشبهها يلزم مالكها وغيره ضمان ما أتلفت. وفي الفصول من أطلق كلبًا عقورًا أو دابة رفوسًا أو عضوضًا على الناس وخلاه في طريقهم ومصاطبهم ورحابهم فأتلف مالًا أو نفسًا ضمن لتفريطه. وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس وحيواناتهم. وقال الشيخ فيمن أمر رجلًا بإمساك الضارية فجنت عليه يضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموصًا. (والبئر جبار) وذلك أن يحفر شخص في ملك نفسه فيتردى فيها إنسان). فإنه هدر. وإن حفر في فناء داره لنفسه ضمن. وكذا إن حفرها في طريق ضيق. وإن حفرها بطريق واسع لنفع المسلمين بلا ضرر في سابلة لم يضمن ما تلف بها لأنه محسن (والمعدن جبار) وذلك أن يستأجر من يستخرجها. فإذا انهارت عليهم فدماؤهم هدر. لأنهم أعانوا على أنفسهم فزال العتب عمن استأجرهم (متفق عليه) فدل الحديث على أن هذه الثلاثة هدر على ما فصل. (ولأبي داود والرجل جبار) أي لا ضمان فيما جنته

стр. 1369

الدابة برجلها. لكن بشرط أن لا يكون بسبب مالكها. كأن يجذبها باللجام زيادة على العادة أو يضرب وجهها فيضمن ما نفحته برجلها. وإن كانت هذه الزيادة فيها مقال فيشهد لها قوله في الحديث الصحيح "جرحها جبار" فإن عمومه يقتضي عدم الفرق بين جنايتها برجلها أو بغيرها. (وعن النعمان) بن بشير ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من أوقف دابة) بعيرًا كان أو حمارًا أو غيرهما (في طريق المسلمين) المسلوك وقيده بعضهم بالضيق (أو سوقهم) أو مجامعهم (فأوطأت) أي داست (بيد أو رجل) فأتلفت شيئًا (فهو ضامن) لأن من طبع الدابة الجناية برجلها أو يدها أو فمها (رواه الدارقطني) قال المجد هذا إذا أوقفها في طريق ضيق أو حيث تضر المار اهـ. وكجعلها في الأسواق والمجامع طردها في تلك الأمكنة. فيضمن جنايتها حيث كانت لسببه. وأن لا يكون في الأوقات التي يجب على المالك حفظها فيها كالليل. وبقرب ما تتلفه عادة. قال الشيخ ولو كان معها قائد أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه. لأنه تفريط. قال الحارثي والبهيمة النزقة التي لا تضبط بكبح ولا نحوه ليس له ركوبها بالأسواق. فإن ركب ضمن لتفريطه. وكذا الرموح التي تضرب برجلها. (وللخمسة) وغيرهم؛ (إلا الترمذي عن البراء) ابن

стр. 1370

عازب ﵁ قال (قضى رسول الله عليه وسلم أن حفظ الحوائط) وهي البساتين إذا كانت محاطة بالجدر. وكذا المزارع حفظها (بالنهار على أهلها) فلا يضمن مالك البهيمة ما جنت بهيمته بالنهار ما لم يرسلها بقرب ما تتلفه عادة. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم (وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها) ومطلقًا عما تتلفه عادة لخبر "لا ضرر ولا ضرار" (وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل) لتفريطهم بإرسالها كما لو أرسلوها قرب الزرع قاله الشيخ وغيره. وقال أيضًا هذا إذا كانت ترعى في المراعي المعتادة فانفلتت نهارًا من غير تفريط من صاحبها حتى دخلت اصطبلًا فأفسدته أو أفسدت زرعًا لم يكن على صاحبها ضمان عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وأحمد لقصة سليمان بن داود والنفش. ولحديث ناقة البراء. فإنها دخلت حائطًا فأفسدته فقضى فيها رسول الله – ﷺ بما تقدم. وأما إن كان صاحبها اعتدى وأرسلها في زرع قوم أو بقرب زرع أو ادخلها إلى اصطبل الحمار بغير إذن صاحبه فأتلفت فهنا يضمن لعدوانه. وقال البغوي ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها. وما أفسدت بالليل ضمنه مالكها. لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار. وأصحاب المواشي بالليل. فمن خالف هذه

стр. 1371

العادة كان خارجًا عن رسوم الحفظ. هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها. فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفته. وهذا مذهب مالك والشافعي. وذهبت الحنفية على أنه إن لم يكن معها فلا ضمان عليه ليلًا كان أو نهارًا، اهـ. وفي قصة داود وسليمان ما يشهد لهذا الخبر. لأن النفش إنما يكون بالليل. كما جزم به الشعبي وشريح ومسروق وغيرهم. وقال الشيخ فصح أنما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها. وصح بنص القرآن الثناء على سليمان بتفهيم الضمان بالمثل. فإن النفش رعي الغنم ليلًا. وكان ببستان عنب. فحكم داود بقيمة المتلف. فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة. فدفعها إلى أصحاب الحرث. وقضى سليمان بالضمان على أصحاب الغنم. وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان. ولم يضيع عليهم مغله من حين الإتلاف إلى حين العود. بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك لياخذوا من ثمارها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم. واعتبر النمائين فوجدهما سواء. وهذا هو العلم الذي خصه الله به وأثنى عليه بإدراكه. قال ابن القيم وصح بالنصوص والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل.

стр. 1372

فصح أنه هو الصواب والحق. وهو أحد القولين في مذهب أحمد ووجه للشافعية والمالكية. (وعن عبد الله بن عمرو) ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من قتل دون ماله) قاتل أو لم يقاتل (فهو شهيد) له أحكام الشهداء في الآخرة والبرزخ وأما تغسيله والصلاة عليه فتقدم (متفق عليه) وفي لفظ "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد" صححه الترمذي وله أيضًا وصححه من حديث سعيد بن زيد "من قتل دون دينه فهو شهيد. ومن قتل دون دمه فهو شهيد. ومن قتل دون ماله فهو شهيد". ولمسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رجل يا رسول الله إن جاء رجل يريد أخذ مالي. قال "فلا تعطه مالك" قال أرأيت إن قاتلني؟ قال "قاتله" قال أرأيت إن قتلني؟ قال "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال "هو في النار". ولأحمد إن عدا على مالي قال "أنشد الله" قال فإن أبى قال "انشد الله" قال فإن أبى قال "قاتل فإن قتلت ففي الجنة وإن قتلته ففي النار" ففيه أنه يدفع بالأسهل فالأسهل. ودلت الأحاديث وما في معناها أنها تجوز مقاتلة من أراد أخذ مال الإنسان من غير فرق بين القليل والكثير. إذا كان الأخذ بغير حق. وهو مذهب الجمهور.

стр. 1373

وقال ابن المنذر الذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عن ماله ونفسه ودينه وحريمه إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل. واستثنى السلطان للآثار الواردة بالصبر على جوره وترك القيام عليه واستثنى بعضهم حالة الفرقة والاختلاف. وأنه يستسلم المبغي على نفسه أو ماله ولا يقاتل. وقال الشيخ يجوز للمظلوم قتل المحاربين والدفع عن النفس والحرمة. ولا يجوز بذلهم من المال لا قليلًا ولا كثيرًا. وقال من طلب منه الفجور كان عليه أن يدفع الصائل عليه. فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك باتفاق الفقهاء. فإن ادعى القاتل أنه صال عليه وأنكر أولياء المقتول. فإن كان المقتول معروفًا بالبر. وقتل في محل لا ريبة فيه لم يقبل قول القاتل. وإن كان معروفًا بالفجور والقاتل معروفًا بالبر فالقول قول القاتل مع يمينه. لا سيما إذا كان معروفًا بالتعرض له قبل ذلك. ومن رأى رجلًا يفجر بأهله جاز له قتلهما فيما بينه وبين الله. سواء كان الفاجر محصنًا أو غير محصن. معروفًا بذلك أم لا كما دل عليه كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة. وليس هذا من باب دفع الصائل كما ظنه بعضهم. بل هو من عقوبة المعتدين المؤذين. وأما إذا دخل الرجل ولم يفعل بعد فاحشة. ولكن دخل لأجل ذلك ففيه نزاع. والأحوط لهذا أن يتوب من القتل في مثل هذه الصورة.

стр. 1374

(وعن ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر) أي ظروفها والزق بالكسر السقاء أو جلد يجز شعره ولا ينتف وقيل كل وعاء اتخذ للشراب وغيره والزق بالضم من أسماء الخمر (رواه أحمد) وذلك أنها جلبت من الشام فشق ما كان من تلك الزقاق. قال ابن عمر وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت. (وللترمذي) وغيره (عن أبي طلحة) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو النجاري كان من النقباء وصلى عليه عثمان (في خمر لأيتام) جمع يتيم وهو من مات أبوه ولم يبلغ (في خمر لأيتام) جمع يتيم وهو من مات أبوه ولم يبلغ (في حجر أبي طلحة) ومن حديث أنس أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا (قال ﷺ لأبي طلحة (أهرق) أي أرق (الخمر) من الإراقة فدل على وجوب إراقتها (واكسر الدنان) الدن الراقود أطول من الحب ولمسلم أفلا أجعلها خلا قال لا وهو مال يتيم ولأحمد أيضًا عن ابن عمر أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ مدية ثم يخرج إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام فشققت بحضرته وأمر أصحابه بذلك. فدلت الأحاديث على وجوب أهراق الخمر وكسر دنانها. وشق أزقاقها وإن كان مالكها غير مكلف. وكذا آلة اللهو كالطنبور والعود والطبل والدف والصنوج والنرد والشطرنج ونحوها. والصليب وآنية الذهب والفضة لقوله ﷺ "إن الله

стр. 1375

حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" وللنهي عن اتخاذ تلك الاشياء في غير ما حديث. ومنه "بعثت بمحق القينات والمعازف" وغير ذلك. وكسوها هدر. لأنه لا يجوز اتخاذها. ولا يحل بيعها وكذا اتلاف كتب كفر وسحر وأكاذيب وبدع وسخافات لأهل الخلاعة والبطالة. وصور وآلاتها. وحرق مخزن خمر ونحوه لأمره ﷺ بتحريق مسجد الضرار. باب الشفعة بضم الشين وسكون الفاء من الشفع. وهو الزوج لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردًا وشرعًا انتقال حصة شريكه بسبب شرعي ممن انتقلت إليه بعوض مالي. كالبيع والصلح والهبة. فيأخذ الشفيع نصيب البائع بثمنه الذي استقر عليه العقد. قال ابن القيم شرع تعالى الشفعة وسلط الشريك على انتزاع الشقص من يد المشتري سدًا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة. قال فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي. ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن. وهذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر. ومصالح العباد. وهي مشروعة بالسنة والإجماع. (عن جابر ﵁ قال: قضى رسول الله – ﷺ ) أي حكم (بالشفعة) وأجمع أهل العلم أنها تجب للشريك.

стр. 1376

غير الذمي في جزيرة العرب لأنهم ممنوعون من البقاء فيها. وكانت الشفعة معروفة عند العرب في الجاهلية. كان الرجل إذا أراد بيع منزل أو حائط أتاه الجار والشريك والصاحب يشفع إليه فيما باعه فيشفعه. وجعله أولى به ممن أبعد منه. فسميت الشفعة. وسمي طالبها شافعًا (في كل ما لم يقسم) من الدور والعقار والبساتين. وهذا مجمع عليه إذا كان مما يقسم. وفيما لا يقسم كالحمام الصغير ونحوه اختاره الشيخ وغيره. وقال الصواب ثبوت الشفعة ولو لم تمكن القسمة لعموم الأخبار. وهو مذهب أبي حنيفة واختيار أبي شريح وابن عقيل وغيرهما. ولأن الشفعة لإزالة الضرر وهو في هذا النوع أكثر (فإذا وقعت الحدود) أي حصلت قسمة الحدود في المبيع واتضحت بالقسمة مواضعها. والحدود جمع حد. وهي هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة. وأصل الحد المنع. ففي تحديد الشيء منع خروج شيء منه، ومنع دخول غيره فيه (وصرفت الطرق) بضم الصاد وتشديد الراء أي بينت مصارفها مشتق من الصرف بالكسب وهو الخالص من كل شيء. سمي بذلك لأنه صرف عنه الخلط. والطرق جمع طريق. وكذا شوارعها. وذلك بأن حصل لكل نصيب طريق مخصوص (فلا شفعة) أي بعد القسمة (متفق عليه) والمراد بينت أقسام الأرض المشتركة بأن قسمت وصار كل نصيب منفردًا. فلا شفعة لأن الأرض بالقسمة

стр. 1377

صارت غير مشاعة. ولأبي داود من حديث أبي هريرة "إذا قسمت الدار وحدت فلا شفعة فيها" وهو إجماع ومفهومه أنها إذا وقعت الحدود ولم تصرف الطرق ثبتت الشفعة. قال ابن القيم وهو أصح الأقوال في شفعة الجوار ومذهب أهل البصرة وأحد الوجهين في مذهب أحمد واختيار الشيخ وغيره. (ولمسلم في كل شرك) بكسر الشين من أشركته في المبيع أي جعلته لك شريكًا وفي لفظ شركة أي قضى بالشفعة في كل مشترك (في أرض) وفي رواية في كل شركة لم تقسم ربعة (أو ربع) بفتح فسكون. وهو المنزل الذي يتربعون فيه ومطلق الأرض (أو حائط) وهو البستان من النخل إذا كان عليه جدار. وخصت الشفعة بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررًا وما سواه قال النووي اتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول اهـ. وللطحاوي "قضى بالشفعة في كل شيء" قال الحافظ ورجاله ثقات. وللترمذي عن ابن عباس مرفوعًا "الشفعة في كل شيء" فيكون مقيدًا بحديث الباب. ففيه إثبات الشفعة بالشركة وهو اتفاق. وأنها لا تجب إلا في الأرض والعقار دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان ونحوها. قال علي الباجي هو قول عامة أهل العلم: وقال غير واحد الجمهور على عدم ثبوتها في المنقول. لقوله:

стр. 1378

"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وقوله "في كل شرك أو ربع أو حائط" وفي لفظ للبيهقي "لا شفعة إلا في ربع أو حائط" ولأحمد من حديث عبادة "قضى بالشفعة بين الشركاء في الأرض والدور" وعن أحمد تجب في الغراس والبناء. والبناء من العقار. (وفيه) أي في صحيح مسلم من حديث جابر (لا يحل له أن يبيع) أي الشريك (حتى يؤذن شريكه) وفيه "فإن شاء أخذ. وإن شاء ترك. فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به" فدل الحديث على أنه لا يحل له أن يبيع حتى يعرض على شريكه. وأنه يحرم عليه البيع قبل عرضه عليه. وحمله بعضهم على الكراهة. وظاهر الخبر وجوب إعلام شريكه وفيه أنها إنما تثبت فيما كان بعقد البيع. وهذا مجمع عليه. وفي الصلح والهبة إذا وقع أحدهما بمعنى البيع لأنهما بيع في الحقيقة يثبت فيهما أحكام البيع. وهذا مذهب الجمهور. وهل له الشفعة. بعد أن آذنه ثم باعه من غيره، الأكثر له الشفعة. ولا يكون مجرد الإذن مبطلاً لها. وقال طائفة من أهل الحديث تسقط شفعته بعد عرضه عليه. وقال ابن القيم إسقاط الشفعة قبل البيع إسقاط لحق كان بعرض الثبوت رضي صاحبها بإسقاط. وأن لا يكون البيع سبباً لأخذه بها. فالحق له. وقد أسقطه. وقد دل النص على

стр. 1379

سقوطها. كما لو أذن له في إتلاف ماله وإسقاط الضمان عنه قبل الإتلاف. فإنه لا يضمن اتفاقاً. فهذا موجب النص والقياس. وقال أيضاً حرم على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه. فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به. وإن أذن في البيع. وقال لا غرض لي فيه. لم يكن له الطلب بعد البيع. وهذا مقتضى حكم الشرع. ولا معارض له بوجه وهو الصواب المقطوع به. (وعن أبي رافع) ﵁ (مرفوعاً: الجار) وهو المجاور, وعن ابن الأعرابي هو الذي يجاورك بيت بيت (أحق بصقبه) ويقال بالسين وهو القرب والمجاورة قال في النهاية والمراد به الشفعة (رواه البخاري) ولفظه أن عمرو بن الشريد قال وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة. ثم جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دارك. فقال سعد والله ما أبتاعها. فقال المسور والله لتبتاعنها. فقال سعد والله ما أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة. قال أبو رافع لقد أعطيت بها خمسمائة دينار. ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول "الجار أحق بسقبه" ما أعطيتكها بأربعة آلاف. وأنا أعطى بها خمسمائة دينار. فأعطاها إياه. ولأحمد والنسائي قلت يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار؟ فقال "الجار أحق بسبقه ما كان" ففيه

стр. 1380

الحث على عرض المبيع على الشريك كما تقدم. ودليل على ثبوت الشفعة بالجوار. (وعن سمرة) بن جندب ﵁ (مرفوعًا جار الدار) أي المجاور لدار الجار (أحق بالدار) وفي لفظ "جار الدار أحق بدار الجار" وللطبراني "أحق بالشفعة" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (وصححه الترمذي) فللجار إذا باع جاره أن يأخذها بالشفعة. وعند ابن سعد أحق بالدار من غيره ولأبي داود "جار الدار أحق بدار الجار أو الأرض" ونحوهما حديث الشريد بن سويد في ثبوت الشفعة بالجوار. والجار وما في معناه قد يحمل على أنه إذا كان طريقها واحدًا. كما يأتي. والجمع بين الأحاديث أن الجوار لا يكون مقتضيًا للشفعة إلا مع اتحاد الطريق ونحوه. لأن شرعية الشفعة لدفع الضرر والضرر إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشيء المملوك أو في طريقه ونحوه. ولا ضرر على جار لم يشارك في أصل ولا طريق ولا شرب إلا نادرًا والنادر غير معتبر. لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة. وقال الشيخ تثبت شفعة الجوار مع الشرك في حق من حقوق الملك من طريق وماء ونحو ذلك نص عليه أحمد واختاره ابن عقيل وأبو محمد وغيرهم. وقال الحارثي هذا الذي يتعين المصير إليه. وفيه جمع بين الأخبار. وقال ابن القيم القول الوسط بين الأدلة الذي لا يحتمل

стр. 1381

سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث: أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة. وإن كان كل واحد منهما متميزًا ملكه. وحقوق الملك فلا شفعة نص عليه أحمد. وهو قول عمر بن عبد العزيز وهو الصواب وأعدل الأقوال والقياس الصحيح اهـ. ويقدم بالشفعة الشريك مطلقًا. ثم المشارك في الشرب. ثم المشارك في الطريق. ويقدم بالجوار الأقرب لقوله ﷺ لعائشة في الهدية "إلى أقربهما منك بابًا". (وعن جابر) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (الجار أحق) من المشتري (بشفعة جاره) أي الجار أحق بشفعة شريكه فالجار يطلق أيضًا على الشريك لغة وشرعًا (ينتظر بها) أي بحقه من الشفعة (وإن كان غائبًا) فشفعة الغائب لا تبطل وإن تراخى. ولا يجب عليه السير حين يبلغه الشراء لأجلها. وكذا إن كان حاضرًا ولم يعلم فهو على شفعته. ولو مضى عليه سنون. وقال الوزير اتفقوا على أنه إذا كان الشفيع غائبًا فله إذا قدم المطالبة بالشفعة ولو تناول المبيع جماعة. (إذا كان طريقهما واحدًا) أي فالجوار بمجرده لا تثبت به الشفعة. بل لا بد معه من اتحاد الطريق. وكذا الشرب وغيره من مصالح العقار. رواه الخمسة و (حسنه الترمذي) وقال الحافظ رجاله ثقات. فدل الحديث على أن الجار أحق بالشقص المبيع. وأنها لا

стр. 1382

تبطل في حق الغائب وإن تراخى. وذلك مع اتحاد الطريق. قال ابن القيم وهذا أعدل الأقوال. واختيار شيخ الإٍسلام وحديث جابر هذا صريح فيه. فإنه أثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق ونفاها مع عدم الاتحاد في قوله "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فمفهوم حديث جابر هذا هو منطوق حديثه المتقدم. فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه. وقال أيضًا فمفهوم حديث عبد الملك هو منطوق حديث أبي مسلمة. وحديث أبي رافع يدل على ما دل عليه حديث عبد الملك. وهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل. وقال الحارثي فيما اختاره الشيخ: إن الشفعة تجب بالشركة في مصالح العقار هذا هو الذي يجب المصير إليه. ثم ذكر أدلته. وقال: وفيه جمع بين الأخبار. (وقال شريح) بن الحارث بن قيس الكندي القاضي ولي لعمر الكوفة فقضى بها ستين سنة وكان من جلة العلماء وأذكياء العالم، قال الشعبي كان أعلم الناس بالقضاء مات سنة ثمانين وله مائة وعشر وقيل وعشرون سنة (الصغير أحق بالشفعة حتى يكبر) أي ينتظر بحقه من الشفعة حتى يدرك فيطالب بها أو يدع وللطبراني عن جابر مرفوعًا الصبي على شفعته حتى يدرك. فإذا أدرك فإن شاء أخذ وإن شاء ترك. ولما ذكر الوزير اتفاقهم على أن للغائب المطالبة بها إذا قدم. قال وكذا أي الصغير إذا كبر إذا طالب وقت علمه وأشهد على نفسه بالمطالبة اهـ.

стр. 1383

ثم إذا أشهد على الطلب له أن يخاصم المشتري ولو بعد أيام أو شهر أو شهرين أو سنين. لأن إشهاده دليل على رغبته. وإن نهاه وليه عن التصرف ولم يطالب بها لم يصر المشتري ممنوعًا. بل تسقط على القول أنها على الفور. واقتصر عليه ابن رجب وغيره. وقال الفقهاء إذا كبر فله الأخذ عفا الولي عنها أو لا. وسواء كان الحظ في الأخذ له أو لا. وقال في الإنصاف إن ترك الولي شفعة للصبي فيها حظ لم تسقط. وإن تركها لعدم الحظ سقطت. اختاره الشيخ. فإن بنى أو غرس في حال يعذر فيه الشريك بالتأخير فقال مالك والشافعي وأحمد والجمهور للشفيع تملكه بقيمته. وله قلعه ويغرم نقصه. ولربه أخذه بلا ضرر. (وعن أبي هريرة مرفوعًا: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود) من حيلهم في تحليل ما حرم عليهم. كنصبهم الشبابيك يوم الجمعة لتقع فيها الحيتان يوم السبت. ويقولون ما اصطدنا يوم السبت. وكجملهم الشحوم وإذابتها وبيعها (فتستحلوا محارم الله) ويدخل فيه التحيل لإسقاط الشفعة (بأدنى الحيل) بأي نوع من التحيل لإسقاطها، وقد قال الله فيهم ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين﴾ يعني من أمة محمد ﷺ ليتعظوا بذلك فيجتنبوا مثل فعلهم بالتحيل على ما نهوا عنه. وفي الخبر "لا تحل الخديعة لمسلم". والله تعالى ذم المخادعين. والمتحيل مخادع. ومن يخدع الله

стр. 1384

يخدعه. واتفق السلف على أن الحيل بدعة محدثة لا يجوز تقليد من يفتي بها. ويجب نقض حكمه. ومن احتال على تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرض الله وتعطيل ما شرعه الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد. والحيلة لإسقاط الشفعة أن يظهر المتعاقدان في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه. وقال الشيخ وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال على إسقاط الشفعة فهو باطل اهـ. لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر فلو شرع التحيل لإبطالها لكان عودًا على إبطال مقصود الشريعة. وقال ابن القيم من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم انصف لم يشك أن تقرير الإجماع من الصحابة على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يدعى فيه إجماعهم. بل أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها. ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة. وذلك كان يقفه المشتري أو يهبه حيلة لإسقاطها. فلا تسقط عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم. ويغلط من يحكم به ممن ينتحل مذهب أحمد. ولو جعله مسجدًا لم تسقط الشفعة. وذكر غير واحد أنه إن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو وصيته به ونحو ذلك قبل الطلب لم تبطل. لأن حق الشفيع أسبق وجنبته أقوى. فلم يملك المشتري تصرفًا يبطل حقه. والمفتى به أنه إذا كان الوقف صحيحًا ولم يكن حيلة سقطت

стр. 1385

نص عليه أحمد. وأختاره الشيخ. وأنها لا تسقط فيما سواه. وقال ابن القيم من الحيل الباطلة أن يتفقا على مقدار الثمن ثم عند العقد يصبره صبرة غير موزونة فلا يعرف الشفيع ما يدفع. فإذا فعلا ذلك فللشفيع أن يستحلف المشتري أنه لا يعرف قدر الثمن. فإن نكل قضي عليه. وإن حلف فللشفيع أخذ الشقص بقيمته. ومنها أن يهب الشقص للمشتري ثم يهبه ما يرضيه. وهذا لا يسقط الشفعة. وهذا بيع. وإن لم يتلفظا به. فله أن يأخذ الشقص بنظير الموهوب. ومنها أن يشتري الشقص ويضم إليه سكينًا. ومنها أن يشتري الشقص بألف دينار ثم يصارفه عن كل دينار بدرهمين. وهذه الحيل ونحوها لا تسقط الشفعة. ومنها أن يشتري بائع الشقص منه عبدًا قيمته مائة درهم بألف في ذمته. ثم يبيعه الشقص بالألف فيأخذه بقيمة العبد. ومنها أن يشتري الشقص بألف وهو يساوي مائة. ثم يبريه من تسعمائة. أو يشتري جزءًا منه بالثمن كله ثم يهب له بقيته وهذا لا يسقطها. ويأخذ الشفيع الشقص بالثمن. ولا تغير حقائق العقود بتغير العبارة. وقال الشيخ يجب على المشتري أن يسلم الشقص المشفوع بالثمن الذي تراضيا عليه في الباطن إذا طالبه الشريك. وإذا حابا البائع المشتري بالثمن محاباة خارجة عن العادة يتوجه أن يكون للشفيع أن لا يأخذه إلا بالقيمة اهـ. وإن أقر البائع بالبيع

стр. 1386

وأنكر المشتري وجبت الشفعة. وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع. (وعن ابن عمر) ﵄ (الشفعة كحل العقال) شبهة بحل عقال البعير لسرعة حله (رواه ابن ماجه بسند ضعيف) ورواه ابن حزم. وزاد "فإن قيدها مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه" وأخرج عبد الرزاق عن شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. أي بادر إليها. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أنها على الفور وقت علمه. وقال الوزير اتفقوا أنه إذا طالب وقت علمه أو أشهد على نفسه بالمطالبة اهـ. أي وقت علمه فإن لم يطلبها إذا بلا عذر بطلت وإذا كان وجه شرعيتها لدفع الضرر ناسبت الفورية. وكيف يقال بالغ الشرع في دفع ضرر الشفيع ولا يبالغ في دفع ضرر المشتري ببقائه معلقًا. وإن قال الشفيع للمشتري بعني أو صالحني قبل أن يشفع بطلت لعدم الفورية أو كذب العدل لتراخيه عن الأخذ بلا عذر أو طلب أخذ البعض لما فيه من الإضرار بالمشتري. وإن كان دلالًا بينهما أو وكيلًا لأحدهما. وشفع إذا تم العقد ثبتت له. وإن اختلفا في قدر الثمن فقول المشتري مع يمينه. ولو أثبت البائع بأكثر وإن قال المشتري ليس لك ملك في شركتي فعلى الشفيع إقامة البينة بالشركة. وإذا ثبتت الشفعة فالغلة

стр. 1387

والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة بعد البيع للبائع. لخبر "الخراج بالضمان". باب الوديعة من ودع الشيء إذا تركه. لأنها متروكة عند المودع. وشرعًا اسم للمال أو المختص المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض. وهي عقد جائز واتفق أهل العلم على أنها من القرب المندوب إليها. وأن في حفظها ثوابًا. ويستحب قبولها لمن علم من نفسه العفة وأنه قادر على حفظها. وفي الحديث "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ولحاجة الناس إلى ذلك. وأجمعوا في كل عصر على جوازها للأمر بأدائها في الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ من دين أو وديعة أو غيرها. فإن الأمر بأداء الأمانة حكم عام يدخل فيه البيع وغيره. كالوديعة. فهو من جوامع الكلم واحكم المحكمات ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أي ليقضه على الأمانة والوديعة أمانة داخلة في عموم الآية ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ يعني المؤتمن في أداء الوديعة في حرز مثلها. كما يحفظ ماله عادة. لأمره بأدائها ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ. لأنه المقصود من الإيداع. والاستبداع التزام ذلك. فإذا لم يحفظ لم يفعل ما التزم به.

стр. 1388

(وتقدم) أي في باب العارية (قوله ﷺ أد الأمانة إلى من ائتمنك) أي من جعلك أمينًا وحافظًا على ماله رواه أبو داود وغيره وله شواهد ينتهض بها للاحتجاج على وجوب أداء الوديعة ونحوها كما هو ظاهر الآية وغيرها وفي الترغيب في أدائها أحاديث كثيرة فمتى أراد المودع أخذ الوديعة لزم المستودع ردها وإن أراد المستودع ردها إلى ربها لزمه قبولها وإن أذن المالك في التصرف فعارية لها حكم العارية. (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من أودع وديعة) ولم يفرط (فليس عليه ضمان) وروي عن أبي بكر وعلي وابن مسعود ﵃ (رواه ابن ماجه بسند ضعيف) والبيهقي وله بسنده عنه لا ضمان على مؤتمن ورواه الدارقطني بلفظ لا ضمان على مؤتمن وفيه ضعف أيضًا ورواه أيضًا بلفظ "ليس على المستودع غير المغل ضمان" وحكي إجماعًا إلا لجناية منه على العين وما حكي عن الحسن أن الوديعة لا يضمن إلا بشرط الضمان حمل على ضمان التفريط لا الجناية المتعمدة. قال ابن رشد اتفقوا على أنها أمانة لا مضمونة قال وبالجملة فالفقهاء بأجمعهم أنه لا ضمان على صاحب الوديعة إلا أن يتعدى وقال الوزير اتفقوا على أن الوديعة أمانة محضة وأن الضمان لا يجب على المودع إلا بتعديه واتفقوا على أنه إذا أودعه على شرط الضمان فإنه لا يضمن بالشرط اهـ. والوجه

стр. 1389

في تضمينه الجناية أنه صار بها خائنًا والخائن ضامن وهو المغل كما في الخبر وكذا إذا وقع منه تعد في حفظ العين لأنه أيضًا نوع من الخيانة. وإن ادعى أنه لم يتعد ولم يفرط فالقول قوله مع يمينه إن كذبه المودع لأن الله أمر برد الأمانة ولم يأمر بالإشهار فوجب أن يصدق المودع في دعواه رد الوديعة قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه أن المستودع إذا أحرز الوديعة ثم ذكر أنها ضاعت قبل قوله بيمينه وحكى الوزير الاتفاق على أن القول قول المودع في التلف والرد مع يمينه وقال ابن القيم إذا لم يكذبه شاهد الحال وقال إذا ادعى الهلاك في الحريق أو تحت الهدم أو في نهب العيارين ونحوهم لم يقبل إلا إذا تحقق وجود هذه الأسباب وإن هلكت من بين ماله فجاء أن عمر ضمنه ولعله لتفريطه. (وروي عنه ﷺ ) أخرجه البيهقي وغيره عن عائشة ﵂ وغيرها من أصحاب النبي ﷺ (أنه كان عنده ودائع) أي عنده للناس بمكة (فلما أراد الهجرة) إلى المدينة حين همت قريش بقتله (أودعها عند أم أيمن) ورواية البيهقي (وأمر عليًا) ﵁ (أن يردها) أي تلك الودائع (على أهلها) فأداها علي عنه ﷺ فدل الخبر على أنه إن حدث للمودع سفر أو خوف ردها على صاحبها وإلا حملها معه إن كان أحرز وإلا أودعها الحاكم أو ثقة لأنه موضع حاجة ولأن في السفر بها غررًا.

стр. 1390

قال مالك والشافعي وأحمد إذا أودعها من غير إذن صاحبها ومن غير ضرورة فتلفت فلصاحبها تضمين أيهما شاء وقال الشيخ لو أودع المودع بلا عذر ضمن المودع الثاني لا يضمن إن جهل نص عليه أحمد وكذا المرتهن منه وإن ركب الدابة أو لبس الثوب أو أخرج الدراهم من حرزها أو رفع الختم ونحوه عنها أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن الوديعة لتعديه وإن غصبت منه فله مطالبة غاصبها ومتى طلبها صاحبها وجب على المودع أن لا يمنعها مع الإمكان باتفاق أهل العلم وإن لم يفعل ضمن. باب إحياء الموات بفتح الميم الأرض التي لم تعمر. شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بالموت. وإحياؤها عمارتها. واصطلاحًا الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم. فلا تملك بالإحياء الطرق والأفنية ومسائل المياه والمحتطبات ونحوها. وما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية أو غيرها. والأصل في إحياء الموات السنة والإجماع في الجملة. (وعن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من أحيى أرضًا) بأن يعمد شخص إلى أرض كانت (ميتة) لم يتقدم ملك لأحد عليها فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء. أو إجراء الماء إليها من عين ونحوها أو حبسه عنها ليزرع

стр. 1391

(فهي له) أي بذلك الإحياء اتفاقًا. مسلمًا كان المحيي أو ذميًا. إلا أن على الذمي خراج ما أحيى وسميت ميتة تشبيهًا لها بالميتة التي لا ينتفع بها لعدم الانتفاع بالأرض الميتة بزرع أو غرس أو غيره وظاهره سواءً كان بإذن الإمام أو لا. فإن هذه كلمة شرط وجزاء فهو غير مقصور على عين دون عين ولا على زمان دون زمان. رواه أحمد والنسائي وغيرهما و (صححه الترمذي). ولهم عن سعيد بن زيد مرفوعًا "من أحيى أرضًا ميتة فهي له" ولأبي داود عن عروة أشهد أن رسول الله ﷺ "قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله ومن أحيى مواتًا فهو أحق بها جاءنا بهذا عن النبي ﷺ الذين جاءوا بالصلوات عنه" ﷺ فدل الحديث وما في معناه مما سيأتي وغيره أن الإحياء بحفر أو تحجير أو إجراء ماء إليه ونحو ذلك من وجوه العمارة. كما لو عمد إلى أرض فقطع شجرها وجمع لها السيل فالإحياء يرجع فيه إلى العرف كالحرز. وتملك به إن لم يكن قد ملكها مسلم. أو ذمي. أو ثبت فيها حق للغير. وذكر الحافظ عن الجمهور أن الأرض التي لا يعلم تقدم ملك أحد عليها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء تصير بذلك ملكه. سواء كانت فيما قرب من العمران أو بعد. أذن الإمام أو لم يأذن. ولو تحول جري الماء عن أرض جاز إحياؤها لانقطاع الحق وعدم تعين أهله.

стр. 1392

(وعن عائشة) ﵂ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من عمر أرضًا) بفتح العين وتخفيف الميم (ليست لأحد) ببناء أو غرس ونحو ذلك (فهو أحق بها) وتصير ملكًا له بذلك. قال عروة وقضى به عمر في خلافته (رواه البخاري) ومالك وغيرهما. وقال ابن عبد البر سنده صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم وما ملك بإحياء ثم دثر فعند الجمهور ملك بالإحياء. وعند مالك للإمام أن يقطعه من شاء لأنه فيء. (ولأبي داود) وغيره وصححه ابن الجارود من حديث جابر وغيره (من أحاط) أي أدار (حائطًا) أي جدارًا منيعًا (على أرض) أي حول أرض بما جرت العادة به (فهي له) أي صارت تلك الأرض المحوطة ملكًا له. ولأحمد وغيره من حديث سمرة نحوه فدل على أن التحيوط على الأرض من جملة ما يستحق به ملكها والمقدار المعتبر ما يسمى حائطًا في اللغة. ولا بد من تقييده بأنه لا حق فيها لأحد كما تقدم. (وله عن أسمر) بن مضرس (مرفوعًا: من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) واتفق عليه علماء الأمصار وفي لفظ:"إلى لفظ "إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له" قال فخرج الناس يتعادون يتخاطون. صححه الضياء في المختارة. وقوله "مسلم لأن الكافر الحربي لا حكم لتقدمه. وأما الذمي فلا لأنه من

стр. 1393

أهل دار الإسلام فيملكه كالشراء. ومن سبق إلى معدن أو حطب أو صيد مباح فهو أحق به. ومن سبق إلى جلوس في طريق واسع فهو أحق به لهذا الخبر. وحديث الزبير فيحتطب فيضعه في السوق. وكذا من سبق إلى رحبة مسجد غير محوطة فهو أحق بها لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه. وإن سبق اثنان معًا اقترعا. ومن جلس في نحو جامع للفتوى أو الإقراء فهو أحق بمكانه ما دام فيه. وإن غاب لعذر أو وعاد قريبًا فهو أحق به. ومن سبق إلى رباط أو تدريس أو نزل فقيه بمدرسة لتدريس لم يبطل حقه بخروجه لحاجة. ومن نزل عن وظيفته لزيد وهو لها أهل لم يتقرر غيره فيها. فإن قرر هو وإلا فهي للنازل. وقال الشيخ لا يتعين المنزول له. ويولي من له الولاية من يستحقها شرعًا. (وله عنه أن رجلين اختصما في أرض غرس أحدهما فيها وهي للآخر فقضى رسول الله ﷺ بالأرض لصاحبها) أي مالكها (وأمر صاحب النخل) الذي غرس في الأرض بغير إذن مالكها (يخرج نخله) منها لظلمه بغرسها (وقال ليس لعرق ظالم) أي لذي عرق ظالم من غرس أو زرع أو بناء أو حفر في أرض غيره بغير حق (حق) ولا شبهة حق. وتقدم أنه قال لقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس. وإنها لنخل عم. وأنه مجمع على أن من اغترس نخلًا أو شجرًا في غير أرضه أنه يؤمر بالقلع. لأنه شغل ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له في نفسه. فلزمه تفريغه.

стр. 1394

(وعن ابن المسيب) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي. أحد العلماء والفقهاء الكبار السبعة من التابعين. قال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. مات بعد التسعين. وقد ناهز الثمانين. وأبوه المسيب صحابي وجده (قال السنة في حريم البئر) الحريم هو ما يمنع منه المحيي والمحتفر لإضراره. سمي بذلك لأنه يحرم منع صاحبه منه ويحرم على غيره التصرف فيه (البدئ) أي المحدثة التي لم يسبق لها عمارة (خمسة وعشرون ذراعًا) لأجل البئر أو سقي الماشية (والعادي) بتشديد الياء أي القديمة. نسبة إلى عاد ولم ترد بعينها وحريمها (خمسون) ذراعًا من كل جانب. والمراد إذا كانت أنطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها. أو انقطع ماؤها فاستخرجه. رواه البيهقي مرسلًا. وقال غير واحد أصح المراسيل مراسيل سعيد. ونحوه عند أحمد وغيره عن أبي هريرة بسند ضعيف. ولابن ماجه بسند ضعيف أيضًا عن عبد الله بن مغفل مرفوعًا "من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا لماشيته" زاد البيهقي من طريق سعيد بن المسيب "وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها" وذلك إذا حفر بئرًا فوصل إلى الماء فإن لم يصل إلى الماء فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء. وإن حفرها ليرتفق بمائها كحفر السفارة في بعض المنازل. كالأعراب ينتجعون فيحفرون لشرابهم وشراب دوابهم لم يملكوها. وهم أحق بمائها ما أقاموا.

стр. 1395

وعليهم بذل الفاضل لشاربه. وبعد رحيلهم تكون سابلة للمسلمين. فإن عادوا إليها كانوا أحق بها. (وللدارقطني من حديث أبي هريرة) نحو خبر ابن المسيب وفيه (والعين السائحة) أي حريم العين الجارية على وجه الأرض (ثلاثمائة ذراع) حريم (وعين الزرع ستمائة ذراع) وحريم النهر قدر ما يلقى منه كسحه. وحريم الأرض قدر ما تحتاج إليه وقت عملها. وإلقاء كسحها. وكذا المسيل حريمه قدر ما يحتاج إليه كسحه. ونحوه قياسًا على البئر بجامع الحاجة. وحريم دار مطرح تراب وكناسة وثلج وماء ميزاب وحريم شجرة مد أغصانها. هذا في الأرض المباحة. وأما الأرض المملوكة فلا حريم في ذلك. بل كل يعمل في ملكه ما شاء فلا حريم لدار ونحوها محفوفة بملك. ويتصرف كل منهم بحسب العادة. ومن تحجر مواتًا بأن أدار حوله أحجارًا ونحوها لم يملكه. وهو أحق به ووارثه من بعده. وقيل ليس له بيعه. وله النزول عنه بعوض. لا على وجه البيع. وقال بعضهم له بيعه. وإن لم يتم إحياؤه لأنه أحق به. (وفي الصحيحين) من حديث أسماء بنت أبي بكر في حديث ذكرته (أن النبي ﷺ أقطع الزبير) وللبخاري من أموال بني النضير أرضًا. قالت كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهو مني على ثلثلي فرسخ.

стр. 1396

(ولأبي داود) وأحمد وغيرهما. قال: اقطع النبي ﷺ الزبير (حضر) بضم الحاء وسكون الضاد أي ارتفاع (فرس) في عدوه وفيه أجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه. فقال "أعطوه حيث بلغ السوط" فدل على جواز إقطاع الموات لمن يحييه ولا يملكه بالإقطاع. بل هو أحق به من غيره. فإذا أحياه ملكه. (وعن وائل) بن حجر ﵁ (أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضر موت) وبعث معاوية ليقطعها إياه رواه أبو داود وغيره و (صححه الترمذي) وابن حبان والبيهقي وغيرهم فدل أيضًا على جواز إقطاع الموات لمن يحييه. قال القاضي عياض الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك. وأكثر ما يستعمل في الأرض وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه. إما بأن يملكه إياه فيعمره. وإما أن يجعل له غلتها مدة. وقال الشيخ الإقطاع نوعان إقطاع تمليك. كما يقطع ولي الأمر الموات لمن يحييه. وإقطاع استغلال وهو إقطاع منفعة الأرض لمن يشاء يستغلها أو يحتجزها. (وللبخاري) من حديث أنس بن مالك ﵁ (أنه ﷺ دعا الأنصار ليقطعهم البحرين) فقالوا يا رسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها. فلم يكن ذلك عند النبي ﷺ يعني بسبب الفتوح. فقال "إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني" ويحتمل أنه أراد الموات ليتملكوه

стр. 1397

بالإحياء. أو أراد أن يخصهم بتناول جزيتها. وقال الحافظ أراد أن يخصهم بما يحصل منها. أما الناجز فالجزية. وأما بعد ذلك فخراج الأرض. وقد وقع منه ﷺ ذلك في عدة أراض بعد فتحها. وقبل فتحها. منها إقطاعه تميمًا الداري بيت إبراهيم. فلما فتحت في عهد عمر، نجز ذلك لتميم. واستمر في يد ذريته. واقطع النبي ﷺ صخر بن أبي العبلة ماء لبني سليم لما هربوا من الإسلام. وتركوا ذلك الماء ثم رده إليهم. ولما خرج إلى تبوك لقيته جهينة بالرحبة. فقال لهم "من أهل ذي المروة" فقالوا بنو رفاعة من جهينة فقال "اقطعتها لبني رفاعة" فاقتسموها. فمنهم من باع. ومنهم من أمسك. فعمل وغير ذلك من الأحاديث الدالة على إقطاع النبي ﷺ . وتخصيصه بعضًا دون بعض. إذا كان فيه مصلحة وجوازه للأئمة من بعده. (ولأبي داود وخط لعمرو بن حريث دارًا بالمدينة) حسنه الحافظ ولفظه عن عمرو بن حريث قال خط لي رسول الله ﷺ دارًا بالمدينة بقوس. وقال "أزيدك أزيدك" وللبيهقي والطبراني وغيرهما أن النبي ﷺ لما قدم المدينة اقطع الدور. واقطع ابن مسعود فيمن اقطع. وللإمام إقطاع جلوس في الطرق الواسعة. ورحاب المساجد غير المحوطة، ما لم يضر بالناس. ويكون المقطع أحق بجلوسها. ولا يزول حقه بنقل متاعه منها. لأنه

стр. 1398

استحق بإقطاع الإمام له. وأما بيعه شيئاً من طريق المسلمين. فقال الشيخ لا يجوز لوكيل بيت المال ولا غيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ. وليس للحاكم أن يحكم بصحته. (وأقطع بلال بن الحارث) المزني وفد في رجب سنة خمس وكان معه لواء مزينة يوم الفتح ومات سنة ستين ﵁ أقطعه النبي ﷺ (المعادن القبلية) بفتح القاف والباء منسوبة إلى قبل. وهي ناحية من ساحل البحر. بينها وبين المدينة خمسة أيام. ولأبي داود وهي من ناحية الفرع. والخبر رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس وعمرو ابن عوف. "وفيه جلسيها وغوريها. وحيث يصلح الزرع من قدس. ولم يعطه حق مسلم" وقدس جبل عظيم معروف. وعند أبي عبيد أقطعه العقيق فدل هذا الحديث على أن النبي ﷺ أقطع المعادن. فكذا الأئمة بعده. وهو جعل بعض الآراض الموات مختصة ببعض الأشخاص سواء كان معدناً أو أرضاً كما تقدم ويصير أولى بها من غيره بشرط كونها من الموات التي لا يختص بها أحد. وإذا ظهر المعدن بإظهاره ملكه. كملح وجص أو المعدن الجامد الباطن كالذهب والفضة. يملك بالإحياء. ولا تملك معادن منفردة مطلقاً ظاهرة أو باطنة. ولا تملك المعادن الظاهرة كملح وكحل وجص. بل هي مشتركة بين الناس. لأنها منافع دائمة إليها حاجات الناس. كالماء ونحوه. ولا الجارية بإحياء الأرض لكن صاحب الأرض أحق بها كما تقدم.

стр. 1399

و (قال عمر) بن الخطاب ﵁ (من تحجر أرضاً) بأن شرع في عمارتها ولم يحيها بما يعد إحياء (فعطلها) من العمارة (ثلاث سنين) وعمرها غيره بعد الثلاث (فعامرها أحق بها) لإحيائه لها وتعطيل المتحجر. (وقال) يعني عمر بن الخطاب ﵁ (لبلال بن الحارث) المتقدم خبره (ما اقطعت) أي ما أقطعك النبي ﷺ (لتحجبه) عن عمارة الناس له (خذ ما قدرت) أي على إحيائه (وذر الباقي) وهذا الأثر مع ما تقدم يدل على أن المقطع أحق من غيره وأولى بالإحياء. ولكن لا يملكه بمجرد الإقطاع. وإنما يملكه بالإحياء فمتى أقطع الإمام أحداً أكثر مما يقدر على إحيائه. ثم تبين عجزه عن إحيائه وحصل متشوف للإحياء. وطالت المدة عرفاً. أو ثلاث سنين. كما تقدم. استرجعه الإمام منه. كما استرجع النبي ﷺ من بني سليم وغيرهم. وكما استرجع عمر من بلال بن الحارث ولم ينكر. (وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "لا يمنع الماء والنار والكلأ) النبات رطباً كان أو يابساً. رواه ابن ماجه وغيره و (صححه الحافظ) وعن رجل من الصحابة قال غزوت مع النبي ﷺ فسمعته يقول "الناس شركاء في ثلاثة الكلأ والماء والنار" رواه أحمد وأبو داود. ووثقه الحافظ أيضاً. وفيه أحاديث أخر. بمجموعها يحتج بها. وفي الماء بخصوصه أحاديث في صحيح مسلم وغيره. وقال "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به

стр. 1400

الكلأ" فلا يرعى ذلك الكلأ بدون ماء ذلك البئر. فدل الحديث وما في معناه على عدم اختصاص أحد من الناس بأحد الثلاثة. الكلأ في الأرض المباحة. والجبال التي لم يحرزها أحد. فأنه لا يمنع من أخذ كلئها أحد. إلا ما حماه ولي أمر المسلمين. وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة فصاحبه أحق به. وما أحرز بعد قطعه فلا شركة فيه بالإجماع. وأما النار فقيل المراد الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها. والمشهور أن المراد الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه. وقيل الأقرب أن المراد بها النار حقيقة. وأما الماء فماء السماء والعيون والأنهار التي لا تملك. والمجتمعة من الأمطار وغيرها في أرض مباحة. وليس أحد أحق بها من أحد إلا لقرب أرضه منها ولو كان في أرض مملوكة فكذلك إلا أن صاحب الأرض المملوكة أحق به يسقيها ويسقي ماشيته إجماعاً. ويجب بذل ما فضل من ذلك فلو كان في أرضه أو داره عين نابعة أو بئر احتفرها فإنه لا يملك الماء بل حقه فيه تقديمه في الانتفاع به على غيره وللغير دخول أرضه. وتقدم. وأما الماء المحرز في الجرار ونحوها فملك إجماعاً. (وقال ﷺ اسق يا زبير) وكان تخاصم مع رجل من الأنصار في شراج الحرة التي يسقون بها النخل إذا سالت من ماء المطر وكان يمر بأرض الزبير فيحبسه لإكمال سقي أرضه. وطلب الأنصاري تعجيل إرساله فقال ﷺ "اسق يا زبير ثم

стр. 1401

أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري فقال "اسق يا زبير (ثم احبس الماء) أي على أرضك (حتى يرجع) أي الماء (إلى الجدر) أي جدران الشربات التي في أصول النخل. والمعنى حتى يبلغ تمام الشرب (متفق عليه) زاد عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال نظرنا إلى قول النبي ﷺ "ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين. وذلك أنه لما علم السلف أن الجدر يختلف بالطول والقصر. قاسوا ما وقعت فيه القصة. فوجدوه يبلغ الكعبين. فجعلوا ذلك معياراً لاستحقاق الأول فالأول. والحديث دليل على أن من سبق إلى شيء من مياه الأدوية والسيول التي لا تملك فهو أحق به. وأنه ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه. (ولأبي داود) وابن ماجه وغيرهما وحسنه الحافظ (من حديث عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ (قضى) يعني في سيل مهزور واد بالمدينة (أن يمسك) يعني الأعلى (حتى يبلغ) السيل (الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل) ورواه الحاكم وغيره من حديث عائشة. ورواه أبو داود من حديث ثعلبة. وعبد الرزاق عن أبي حاتم القرظي أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة. فخاصم إلى النبي ﷺ في مهزور. المسيل الذي يقتسمون ماءه. فقضى أن الماء إلى الكعبين.

стр. 1402

فدلت هذه الأحايث وغيرها على أن الأعلى تستحق أرضه الشرب بالسيل والغيل وماء البئر ونحوها قبل الأرض التي تحتها. وأن الأعلى في السيل ونحوه يمسك الماء حتى يبلغ كعبي الرجل الكائنين عند مفصل الساق والقدم. ثم يرسله بعد ذلك إلى من يليه. وهكذا. فإن كان الماء مملوكاً قسم بين الأملاك بقدر النفقة والعمل. وتصرف كل واحد في حصته بما شاء. (وعن الصعب بن جَثَّامة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا حمى) أي لا مكان محمي من موات كثيرة العشب ونحوه (إلا لله ورسوله) ﷺ فلا يجوز لأحد من الناس أن يحمي مواتاً يختص به (رواه البخاري) وأحمد وأبو داود وغيرهم. وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلاً مخصباً استعوى كلباً على مكان عال. فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب. فلا يرعى فيه غيره. ويرعى هو مع غيره فيما سواه. ومعناه أن يمنع من الإحياء في ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ. وترعاه مواش مخصوصة. ويمنع غيرها. وفرق بين الحمى المنهي عنه. والإحياء المباح مما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة. (وقال بلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع) أصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء. وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث على عشرين فرسخاً من المدينة. قدره ميل في ثمانية أميال. وهو غير نقيع الخضمات. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ -

стр. 1403

حمى النقيع للخيل خيل المسلمين رواه أحمد وغيره. (وعمر) ﵁ (حمى الشرف) سرة نجد قرب الشريف الذي قيل إنه أعلى جبل في بلاد العرب. حمى ضرية والربذة (والربذة) قرية من قرى المدينة على طريق الحاج. فيها قبر أبي ذر ﵁. ولابن أبي شيبة بسند صحيح أن عمر ﵁ حمى الربذة لنعم الصدقة. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه يجوز للإمام أن يحمي الحشيش في أرض الموات لإبل الصدقة. وخيل المجاهدين. ونعم الجزية. والضوال إذا احتاج اليها. ورأى فيه المصلحة. وقال: اتفقوا على أن الأرض إذا كانت أرض صلح, أو ما للمسلمين فيه منفعة. فإنه لا يجوز للمسلم أن ينفرد بها اهـ. وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه. لثبوته بالنص. وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه. لأنه بالاجتهاد. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضاً عن مرعى موات أو حمى. لأنه قد ثبت أن الناس شركاء فيه. ومن أخذ مما حماه إمام عزر في ظاهر كلام بعض أهل العلم. ولا ضمان. (وقال) عمر ﵁ (لمولاه) هني. وكان استعمله على الحمى. يا هني (اضمم جناحك) أي جانبك (على المسلمين, واتق دعوة المظلوم) فإن دعوة المظلوم مستجابة (وادخل رب الصريمة) تصغير صرمة. وهي ما بين العشرين إلى الثلاثين من

стр. 1404

الإبل. أو من العشر إلى الأربعين (والغنيمة) تصغير غنم. وتمام الخبر: وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان. فإنهما أن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع. ورب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه. يقول: يا أمير المؤمنين؟ أفتاركهم أنا لا أبا لك. فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والورِق. وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم. إنها لبلادهم. قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شيئاً. رواه البخاري. وقال مالك بلغني أنه كان يحمل على أربعين ألفاً في سبيل الله. باب الجعالة به بتثليث الجيم. وهي ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله ويقال جعل له كذا على كذا شارطه به عليه. واصطلاحاً جعل جائز التصرف شيئاً متمولاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة. وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة. (قال تعالى: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ﴾ أي دل على سارقه ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا جعل. والعمل الذي يؤخذ عليه الجعل نحو ذلك. والرقية ورد الآبق كما سيأتي. وبناء حائط وسائر ما

стр. 1405

يستأجر عليه من الأعمال. ولا فرق بين أن يجعله لمعين أو غير معين. كما في الآية وقال الوزير اتفقوا على أن رد الآبق يستحق الجعل برده إذا شرط. وقال أبو حنيفة وأحمد وإن لم يشترط. وقال مالك إن كان معروفاً به. وهي عقد جائز لكل منهما فسخه. ولا يشترط العلم بالعمل. ولا المدة ويقوم العمل مقام القبول. بخلاف الإجارة. ومن عمل بعد قول صاحب العمل من فعل كذا فله كذا استحق الجعل. لأن العقد استقر بتمام العمل. وإن بلغه الجعل في أثناء العمل يأخذ قسط تمام العمل. وإن لم يبلغه إلا بعد العمل لم يستحق شيئاً لذلك. وإن كان في يده حرم عليه أخذه إلا أن تبرع له ربه به. (وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (في قصة اللديغ) وهو اللسيع. وهو ضرب ذات الحمة من حية وعقرب وغيرهما وصرح بها في إحدى الروايات. وذكر أنه انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة حتى نزلوا على حي من أحياء العرب. فاستضافوهم فابوا فلدغ سيد ذلك الحي, فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ وسعينا بكل شيء لا ينفعه. فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا. ثم (قال ما أنا براق لكم) أي نافث على لدغته والرقية كلام يستشفى به من كل عرض (حتى تجعلوا لنا جعلاً) وهو ما يعطاه المرء على عمل.
следующие страницы →