Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
أرسل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري فقال "اسق يا زبير (ثم احبس الماء) أي على أرضك (حتى يرجع) أي الماء (إلى الجدر) أي جدران الشربات التي في أصول النخل. والمعنى حتى يبلغ تمام الشرب (متفق عليه) زاد عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال نظرنا إلى قول النبي ﷺ "ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين.
وذلك أنه لما علم السلف أن الجدر يختلف بالطول والقصر. قاسوا ما وقعت فيه القصة. فوجدوه يبلغ الكعبين. فجعلوا ذلك معياراً لاستحقاق الأول فالأول. والحديث دليل على أن من سبق إلى شيء من مياه الأدوية والسيول التي لا تملك فهو أحق به. وأنه ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه.
(ولأبي داود) وابن ماجه وغيرهما وحسنه الحافظ (من حديث عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ (قضى) يعني في سيل مهزور واد بالمدينة (أن يمسك) يعني الأعلى (حتى يبلغ) السيل (الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل) ورواه الحاكم وغيره من حديث عائشة. ورواه أبو داود من حديث ثعلبة. وعبد الرزاق عن أبي حاتم القرظي أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة. فخاصم إلى النبي ﷺ في مهزور. المسيل الذي يقتسمون ماءه. فقضى أن الماء إلى الكعبين.
стр. 1402
فدلت هذه الأحايث وغيرها على أن الأعلى تستحق أرضه الشرب بالسيل والغيل وماء البئر ونحوها قبل الأرض التي تحتها. وأن الأعلى في السيل ونحوه يمسك الماء حتى يبلغ كعبي الرجل الكائنين عند مفصل الساق والقدم. ثم يرسله بعد ذلك إلى من يليه. وهكذا. فإن كان الماء مملوكاً قسم بين الأملاك بقدر النفقة والعمل. وتصرف كل واحد في حصته بما شاء.
(وعن الصعب بن جَثَّامة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا حمى) أي لا مكان محمي من موات كثيرة العشب ونحوه (إلا لله ورسوله) ﷺ فلا يجوز لأحد من الناس أن يحمي مواتاً يختص به (رواه البخاري) وأحمد وأبو داود وغيرهم. وأصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلاً مخصباً استعوى كلباً على مكان عال. فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب. فلا يرعى فيه غيره. ويرعى هو مع غيره فيما سواه. ومعناه أن يمنع من الإحياء في ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ. وترعاه مواش مخصوصة. ويمنع غيرها. وفرق بين الحمى المنهي عنه. والإحياء المباح مما لا منفعة للمسلمين فيه شاملة.
(وقال بلغنا أن رسول الله ﷺ حمى النقيع) أصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء. وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث على عشرين فرسخاً من المدينة. قدره ميل في ثمانية أميال. وهو غير نقيع الخضمات. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ -
стр. 1403
حمى النقيع للخيل خيل المسلمين رواه أحمد وغيره.
(وعمر) ﵁ (حمى الشرف) سرة نجد قرب الشريف الذي قيل إنه أعلى جبل في بلاد العرب. حمى ضرية والربذة (والربذة) قرية من قرى المدينة على طريق الحاج. فيها قبر أبي ذر ﵁. ولابن أبي شيبة بسند صحيح أن عمر ﵁ حمى الربذة لنعم الصدقة. وقال الوزير وغيره اتفقوا على أنه يجوز للإمام أن يحمي الحشيش في أرض الموات لإبل الصدقة. وخيل المجاهدين. ونعم الجزية. والضوال إذا احتاج اليها. ورأى فيه المصلحة.
وقال: اتفقوا على أن الأرض إذا كانت أرض صلح, أو ما للمسلمين فيه منفعة. فإنه لا يجوز للمسلم أن ينفرد بها اهـ. وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه. لثبوته بالنص. وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه. لأنه بالاجتهاد. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضاً عن مرعى موات أو حمى. لأنه قد ثبت أن الناس شركاء فيه. ومن أخذ مما حماه إمام عزر في ظاهر كلام بعض أهل العلم. ولا ضمان.
(وقال) عمر ﵁ (لمولاه) هني. وكان استعمله على الحمى. يا هني (اضمم جناحك) أي جانبك (على المسلمين, واتق دعوة المظلوم) فإن دعوة المظلوم مستجابة (وادخل رب الصريمة) تصغير صرمة. وهي ما بين العشرين إلى الثلاثين من
стр. 1404
الإبل. أو من العشر إلى الأربعين (والغنيمة) تصغير غنم. وتمام الخبر: وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان. فإنهما أن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع. ورب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه. يقول: يا أمير المؤمنين؟
أفتاركهم أنا لا أبا لك. فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والورِق. وأيم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم. إنها لبلادهم. قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شيئاً. رواه البخاري. وقال مالك بلغني أنه كان يحمل على أربعين ألفاً في سبيل الله.
باب الجعالة
به بتثليث الجيم. وهي ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله ويقال جعل له كذا على كذا شارطه به عليه. واصطلاحاً جعل جائز التصرف شيئاً متمولاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة. وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة.
(قال تعالى: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ﴾ أي دل على سارقه ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا جعل. والعمل الذي يؤخذ عليه الجعل نحو ذلك. والرقية ورد الآبق كما سيأتي. وبناء حائط وسائر ما
стр. 1405
يستأجر عليه من الأعمال. ولا فرق بين أن يجعله لمعين أو غير معين. كما في الآية وقال الوزير اتفقوا على أن رد الآبق يستحق الجعل برده إذا شرط. وقال أبو حنيفة وأحمد وإن لم يشترط. وقال مالك إن كان معروفاً به. وهي عقد جائز لكل منهما فسخه. ولا يشترط العلم بالعمل. ولا المدة ويقوم العمل مقام القبول. بخلاف الإجارة. ومن عمل بعد قول صاحب العمل من فعل كذا فله كذا استحق الجعل. لأن العقد استقر بتمام العمل. وإن بلغه الجعل في أثناء العمل يأخذ قسط تمام العمل. وإن لم يبلغه إلا بعد العمل لم يستحق شيئاً لذلك. وإن كان في يده حرم عليه أخذه إلا أن تبرع له ربه به.
(وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (في قصة اللديغ) وهو اللسيع. وهو ضرب ذات الحمة من حية وعقرب وغيرهما وصرح بها في إحدى الروايات. وذكر أنه انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة حتى نزلوا على حي من أحياء العرب. فاستضافوهم فابوا فلدغ سيد ذلك الحي, فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ وسعينا بكل شيء لا ينفعه. فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا. ثم (قال ما أنا براق لكم) أي نافث على لدغته والرقية كلام يستشفى به من كل عرض (حتى تجعلوا لنا جعلاً) وهو ما يعطاه المرء على عمل.
стр. 1406
(فصالحوهم) أي صالحهم الحي أن يرقوا سيدهم (على قطيع) وهو الشيء المنقطع (من غنم) كان أو من غيرها. قال بعضهم الغالب استعماله فيما بين الأربعة والأربعين. وللبخاري إنا نعطيكم ثلاثين شاة. ولعل الرهط نحو من ذلك فكأنهم جعلوا لكل رجل شاة فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ فكأنما نشط من عقال. فانطلق يمشي وما به قَلَبَة. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم اقتسموا ذلك. فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر الذي كان. فنظر الذي يأمرنا. فقدموا على النبي ﷺ (فذكروا ذلك للنبي ﷺ ) فقال وما يدريك أنها رقية (فقال) قد (أصبتم) فصوب صلوات الله وسلامه عليه أخذ الجعل على الرقية. (وقال "اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً) وضحك النبي ﷺ (متفق عليه).
(وعن عمر) ﵁ (وغيره) من الصحابة علي وابن مسعود ﵃ (في رد الآبق) إذا جاء به من خارج الحرم (ديناراً أو اثني عشر درهماً) من المصر أو خارجه. وجزم بعض أهل العلم بمشروعية هذا التقدير لمجيئه مرفوعاً وموقوفاً. قال عمرو بن دينار وابن أبي مليكة أن النبي ﷺ جعل في رد الآبق من خارج الحرم ديناراً. هذا إذا فعل ذلك من
غير جعل, وإن وجد صاحبه وشهدت له به بينة, أو
صدقة مكلف دفعه إليه. وإلا إلى ولي الأمر ليحفظه
стр. 1407
لصاحبه. وليس له تملكه كضوال الإبل. وإنما جاز التقاطه لما تقدم. ولأنه لا يؤمن لحاقه بدار الحرب. وارتداده. واشتغاله بالفساد.
ويرجع راد الآبق وغيره بنفقته. لأنه مأذون في الإنفاق عليه شرعاً. بحرمة النفس. إن لم ينو التبرع. ولو هرب منه في الطريق. والمراد إذا لم يكن ذلك تخليصاً له من هلكة ونحوها. فله أجرة المثل. قال شيخ الإسلام وغيره من استنقذ مال غيره من المهلكة ورده استحق أجره المثل. ولو بغير شرط في أصح القولين. وهو منصوص أحمد وغيره. وقال إذا استنقذ فرساً أو نحوه للغير ومرض بحيث أنه لم يقدر على المشي فيجوز بل يجب في هذه الحال أن يبيعه الذي استنقذه ويحفظ الثمن لصاحبه. نص الأئمة على هذه المسألة ونظائرها.
وقال ابن القيم متى كان العمل في مال الغير انقاذاً له من التلف المشرف عليه كان جائزاً. كذبح الحيوان المأكول إذا خيف موته. ولا يضمن ما نقص بذبح. قال ولهذا جاز لأحدهم ضم اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة. حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة. وينزل انفاقه عليها منزلة انفاقه لحاجة نفسه. لما كان حفظاً لمال أخيه. وإحساناً إليه. فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه
يذهب باطلاً في حكم الشرع لما أقدم على ذلك. ولضاعت مصالح الناس. ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضاً.
стр. 1408
وتعطلت حقوق كثيرة. وفسدت أموال عظيمة.
ومعلوم أن شريعة الإسلام بهرت العقول وفاقت كل شريعة. واشتملت على كل مصلحة. وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك. كل الإباء. وذكر أصولاً. ثم قال: وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملاً بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه. أو فعله حفظاًًًً لمال المالك. وإحرازاً له من الضياع. فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله. وقد نص عليه أحمد في عدة مواضع. منها إذا حصد زرعه في غيبته. ومنها لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلصه. فلو ترك ذلك لضاع. والمؤمنون يرون قبيحاً أن يذهب عمل مثل هذا ضائعاً. ومال هذا ضائعاً. ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا. وينجح سعي هذا.
باب اللُقَطة
بضم اللام وفتح القاف. وهي مال أو مختص ضل عن ربه. وقال ابن رشد اللقطة بالجملة كل مسلم معرض للضياع كان ذلك في عامر الأرض أو غامرها. والجماد والحيوان في ذلك سواء إلا الإبل بالاتفاق. فاللقطة ثلاثة أقسام: ما لا تتبعه همة أوساط الناس كالتمرة والسوط. أولا كالشاة والمتاع. أو نحو ضوال الإبل.
(عن أنسب) ﵁ (أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال لولا أني أخاف أن تكون) يعني تلك التمرة
стр. 1409
(من الصدقة) والصدقة لا تحل له ﷺ ولا لأهل بيته (لأكلتها متفق عليه) فدل على إباحة المحقرات في الحال.
(وقال جابر) ﵁ (رخص لنا ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهها) كشسع النعل والتمرة يلتقطه الرجل ينتفع به (رواه أبو داود) ورواه أحمد وغيره. وفي الحديثين ونحوهما دليل على جواز الانتفاع بما يوجد في الطرقات من المحقرات. كالتمرة والسوط والعصا ونحو ذلك مما لا خطر له. ولا يلزم دفع بدله. ولا يحتاج إلى تعريف لفعله ﷺ وإرخاصه في ذلك. ولم تجرِ عادة المسلمين بالتعريف بمثل ذلك. وهو ظاهر قوله "لأكلتها" أي في الحال. وكذا متروك قصداً. وملقى لعجز. ولقاط ثمرة ونحو ذلك.
(وعن زيد بن خالد) الجهني ﵁ (قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة) وهي مال ضل عن ربه (فقال اعرف عِفاصها) بكسر العين وعاءها التي تكون فيه النفقة جلداً كان أو غيره. من العفص. وهو الثني. لأن الوعاء يثنى على ما فيه. وفي رواية "خرقتها" (ووكاءها) بكسر الواو ممدود, ما يربط به الوعاء الذي تكون فيه النفقة. يقال أوكيته إيكاء فهو موكأ. وفي حديث أبي بن كعب "وجنسها وصفتها وعددها" وغير ذلك مما تتميز به (ثم عرفها سنة) أي اذكرها للناس في مظان اجتماعهم في الأسواق وأبواب المساجد أدبار الصلوات. والمجامع الحافلة ونحو ذلك.
стр. 1410
يقول من ضاعت له نفقة ونحو ذلك. ولا يصفها بصفاتها. لأنه لا يُؤْمَن أن يدعيها من سمع ذلك. ويتوصل الكاذب به إلى أخذها وصحح النووي أن يذكر بعض الصفات ولا يستوعبها. ولا يجب التعرف بعد السنة غير الجمهور. وما ورد في البخاري وغيره من الزيادة على الحول. فقال ابن الجوزي وغيره خطأ من بعض الرواه. ثم ثبت واستمر على حول واحد. ولا يؤخذ إلا بما لا يشك فيه. لا بما يشك في راويه. فدل الحديث على وجوب التعرف لعفاصها ووكائها ونحو ذلك. ووجوب تعريفها سنة. وذلك يكون على المعتاد. كأن يكون في الابتداء كل يوم مرتين في طرفي النهار. ثم في كل يوم مرة. ثم في أسبوع ثم شهر.
ولا يشترط أن يُعَرفها بنفسه. بل له توكيل غيره. ويعرفها في مكان وجودها وغيره وقال الشيخ قريبًا من المكان الذي وجدها فيه وقال الوزير وغيره اتفق فقهاء الأمصار: أنه إذا انقضت له أن يأكلها إن كان فقيراً. أو يتصدق بها إن كان غنياً. والجمهور له أكلها (فإن جاء صاحبها) أي فأعطه إياها. كما في صحيح البخاري. والمراد إذا وصفها بالصفات التي اعتبرها الشارع واتفقوا على أنها لا تُدفع إليه إذا لم يعرف العِفاص ولا الوِكاء ونحوه. وأنه إن غلط لم تدفع إليه. ويجب الرد بالوصف عند الجمهور. وهو ظاهر النص.
ولا يحتاج إلى بينه ولا يمين. بل ربما يكون وصفها أظهر
стр. 1411
وأصدق من البينة واليمين. ويدفع معها نماءها المتصل والمنفصل في حول التعرف. وبعده المنفصل لواجدها (وإلا فشأنك بها) أي فإن لم يأت صاحبها ويصفها فشأنك بها. وللبخاري "ثم كلها" وفي لفظ "فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك. فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه" وفي رواية "فأدها إليه" بعد قوله "كلها" أي أد إليه بدلها. قال ابن رشد اتفق فقهاء الأمصار أن له أن يتصرف فيها. ثم قال مالك والشافعي له أن يتملكها. وكلهم متفقون على أنه إن أكلها ضمنها لصاحبها. إلا أهل الظاهر. ولا يضمن إن تلفت إلا بتفريط أو جناية.
(قال: فضالة الغنم) الضالة تقال على الحيوان. وما ليس بحيوان يقال له لقطة (قال هي لك أو لأخيك أو للذئب) جنس معروف من السباع يأكل الشاة ونحوها. والحديث دليل على جواز أخذها. كأنه قال هي ضعيفة لعدم الاستقلال. معرضة للهلاك. مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك. وهذا حث على أخذها. لأنه إذا علم أنها إن لم يأخذها بقيت للذئب. كان ادعى له إلى أخذها. واتفقوا على أن لواجد الغنم في المكان القفر البعيد من العمران أن يأكلها. يعني بعد معرفة صفاتها. واجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط كان له
أخذها. وإلا بدلها عند الجمهور. بل يخير بين ذبحها وعليه القيمة. أو بيعها ويحفظ ثمنها. أو ينفق عليها من ماله بنية
стр. 1412
الرجوع ويفعل الأحظ.
وكذا حكم كل طعام لا يبقى إذا خشي عليه التلف إن ترك. وهل التقاط اللقطة في الجملة أفضل؟ إن أمن نفسه على ذلك وقوي على التعرف. أم الترك؟ قال أبو حنيفة والشافعي الالتقاط أفضل. لأن من الواجب على المسلم حفظ مال أخيه. وقال مالك وأحمد الترك أفضل. لخبر " ضالة المؤمن حرق النار" وقيل واجب. وتأولوا الحديث على من أراد الانتفاع بها من أول الأمر قبل التعريف. والمراد ما عدا لقطة الحاج. فأجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها. بل تترك في مكانها لنهيه ﵊ عن ذلك.
ولقطة مكة لا يجوز التقاطها إلا لمنشد. وقيل ثم تملك عند الجمهور بعد الحول للعموم. والتخصيص لتأكدها. وقال الشيخ لا تملك بحال للنهي عنها. ويجب تعريفها أبدًا. وهو رواية عن أحمد. واختاره طائفة من العلماء (قال فضالة الإبل) ويقال الهوامي والهوامل (قال مالك ولها) استفهام إنكار أي اتركها (معها سقاؤها) أي جوفها وقيل عنقها (وحذاؤها) بكسر الحاء المهملة فذال معجمة أي خفها (ترد الماء وتأكل الشجر) فحكم ﷺ بأنها لا تلتقط بل تترك ترد المياه وتأكل الشجر. وذلك لشدة صبرها عن الماء لكثرة ما توعي في بطنها منه. وقوتها على وروده.
стр. 1413
(حتى يلقاها ربها) إشارة إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش. وتناول المأكول بغير تعب. لطول عنقها. وقوتها على المشي وامتناعها من السباع.
فلا تحتاج إلى ملتقط كما تقدم ما لم تكن بمهلكة. والحكمة أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها من تطلبه لها في رحال الناس (متفق عليه) وقال ابن رشد اتفقوا على أن الإبل لا تلتقط، والبقر والخيل والظباء ونحوها في معنى الإبل للعلة.
وقال الشيخ وغيره لا يلتقط الطير والظباء ونحوها إذا أمكن صاحبها إدراكها. وأما إذا خيف عليها كما لو كانت بمهلكة أو في أرض مسبعة أو قريبًا من دار الحرب أو بموضع يستحل أهله أموال المسلمين أو ببرية لا ماء فيها ولا مرعى جاز أخذها. ولا ضمان على آخذها. لأنه إنقاذ لها من الهلاك. حتى لو قيل بوجوب أخذها والحالة ما ذكر لكان متوجهًا.
(وللبخاري في ضالة الغنم: وهي تُعرَف) فدل على وجوب تعريفها. ومثل الغنم في جواز الالتقاط إذا أمن نفسه.
ووجوب التعريف: فصلان وعجاجيل وأفلاء ونحو ذلك مما لا يمتنع من صغار السباع. وقال الموفق في الحمر الأهلية الأولى إلحاقها بالشاة لمساواتها لها في العلة. وأنها لا تمتنع من الذئب. وتفارق الإبل في علتها لذلك. ولكونها لا صبر لها عن الماء. ويملك اللقطة بشرطها بعد التعريف ملكًا حكميًا، للخبر مراعي.
стр. 1414
(ولمسلم من آوى ضالة فهو ضال) أي ليس بمهتد. والمراد بالضالة هنا ما يحمي نفسه من إبل وبقر وخيل وبغال. ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء. بخلاف نحو الغنم.
فالحيوان الممتنع من صغار السباع لا يجوز التقاطه. سواء كان كبير الجثة. كالإبل والبقر والخيل والبغال. أو يمنع نفسه بطيرانه كالطيور المملوكة. أو بنابه كالفهود المعلمة بجامع العلة في الإبل.
وما سوى ذلك من نحو الغنم فحقه أن يعرف بها. فإذا أخذها من دون تعريف كان ضالًا أيضًا. لقوله: (ما لم يُعَرفها) ليردها للواصف لها. وظاهر هذه الأخبار وجوب التعريف. لأن الأمر يقتضي الوجوب. ولأنه ﷺ قد سمى من لم يعرفها ضالًا. وثبت عنه ﷺ أنه قال في الضالة المكتومة غرامتها ومثلها معها. بل ولا يجوز التقاطها لمن لم يأمن نفسه عليها. وإلا فكغاصب. ومن التقط ما لا يجوز التقاطه زال ضمانه بدفعه إلى الإمام أو نائبه. ولا يبرأ برده إلى موضعه.
وإلا باعها الملتقط بعد حول التعريف. قال الشيخ الأشبه أن المالك لا يملك انتزاعها من المشتري. وإنما على الملتقط بدلها. كما تقدم.
(وله) أي لمسلم (عن أبي) ابن كعب ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (فإن جاء أحد) أي ممن يطلبها (يخبرك بعدتها) وفي لفظ أنه قال وجدت مائة دينار
стр. 1415
فقال "عرفها حولًا" فعرفتها فلم تعرف فرجعت إليه فقال: اعرف عددها ووعاءها ووكاءها وجنسها وصفتها فإن جاء أحد يخبرك بعدتها (ووعائها ووكائها) وفيه جواز تأخير معرفة عدتها ونحوه إلى تمام الحول. والسنة أن يعرف ذلك حين يلتقطها. وبعضهم يقول يكتب صفتها مخافة النسيان. أو وارث لا يعلم ذلك (فأعطها إياه) أي فادفعها إليه إن كانت موجودة أو بدلها.
وفيه جواز دفعها على من وصفها بالعلامات المذكورة من دون إقامة بينة. وهو مذهب الجمهور. وهذا فيما إذا كان لها عفاص ووكاء أو عدد. فإن كان لها البعض فيكفي ذكره. وإن لم يكن لها شيء من ذلك فلا بد من ذكر أوصاف مختصة بها. تقوم مقام وصفها بالأمور التي اعتبرها الشارع (وإلا فاستمتع بها) ظاهره غنيًا كان أو فقيرًا. والأمر بالاستمتاع للإباحة. وكذا قوله "فاستنفقها" ونحوه. وإن جاء صاحبها فترد العين إن كان موجودة أو البدل إن استهلكت.
(ولأحمد) وغيره (عن عياض) ابن حمار ﵁ (مرفوعًا) أنه ﷺ قال (فليشهد ذوي) أي صاحبي (عدل)
على التقاطه. وقال ابن القيم في السنن الأمر بالإشهاد خوفًا
من تسويل النفس وانبعاث الرغبة فيها. أو حدوث
المنية فيحوزها الورثة في جملة التركة. ومذهب مالك
وأحمد وغيرهما استحباب الإشهاد احتياطًا. لأن النبي ﷺ لم
стр. 1416
يأمر به في حديث زيد وغيره. ولو كان واجبًا لبينه (وليحفظ عفاصها ووكاءها ثم لا يكتم) أي لا يجوز كتم اللقطة إذا جاء صاحبها. وذكر من أوصافها ما يغلب الظن بصدقه. وفي لفظ "فإن جاء صاحبها فلا تكتم فهو أحق بها" وللبيهقي "وليعرف ولا يغيب".
(فإن جاء ربها فهو أحق بها) أي من الملتقط. فهي مال صاحبها ضلت عنه. ثم وجدها فهي له (وإلا فهو مال الله) أضافه إلى الله تعالى. وله ما في السموات والأرض (يؤتيه من يشاء) فيجوز أن يصرفها في نفسه بعد التعريف المشروع.
سواء كان غنيًا أو فقيرًا. للإطلاق. ولقوله "فاستمتع بها" وفي لفظ "فهي كسبيل مالك" وفي لفظ "فاستنفقها" وفي لفظ "فهي لك".
(ولأبي داود عن سهل) ابن سعد الساعدي ﵁ (أن عليًا) يعني ابن أبي طالب ﵁ (وجد دينارًا في السوق فاشترى به طعامًا وأخبر النبي ﷺ فقال كلوا) ولأبي داود أيضًا وغيره من حديث أبي سعيد أن عليًا أتى به فاطمة ﵂ فسألت عنه رسول الله ﷺ فقال كلوا) فقال "هو رزق الله" فأكل منه وأكل علي وفاطمة (ثم جاء صاحبه فدفعوه إليه)، وفي حديث أبي سعيد ثم أتت امرأة تنشد الدينار فقال ﷺ "يا علي أد الدينار" وروي من طرق بألفاظ لا تخلو من مقال. وحسنه الحافظ وغيره. وفي دليل على رد البدل.
стр. 1417
وهو قول الجمهور. وأن اللقطة إذا كانت دراهم أو دنانير ليست بصرة ولا نحوها لا يجب تعريفها. وكذا إذا كان لا يرجى وجود صاحبها. وظاهر المنتهى وغيره يجب مطلقًا.
(وقال ابن شهاب) الزهري (كانت ضوال الإبل في زمن عمر) ابن الخطاب ﵁ يعني في خلافته. وهو الخليفة الراشد الذي قال فيه ﷺ هو وأبو بكر "اقتدوا باللذين من بعدي" وقال "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" أي كانت الضوال (إبلًا مؤبلة) أي كثيرة متخذة للقنية (حتى إذا كان عثمان) أي في خلافة عثمان ثالث الخلفاء الراشدين المهديين ﵃ (أمر بمعرفتها) أي صفة تلك الضوال لئلا تضيع على أصحابها (ثم تباع) أي تلك الضوال (فإذا جاء صاحبها) أي الضالة التي كانت مع تلك الضوال ووصفها بالصفات التي تتميز بها (أعطي ثمنها) فدل على جواز التقاط الإبل ودفعها إلى ولي الأمر.
وجواز بيعها بعد معرفة صفاتها. وإذا جاء مالكها ووصفها دفع ولي الأمر أو نائبه إلى صاحبها ثمنها.
(وعن عبيد بن حميد) ابن عبد الرحمن الحميري ﵀ وقد وثقه بعضهم (عن الشعبي) عامر بن شراحيل
الحميري الكوفي راوية يضرب به المثل مات سنة ثلاث ومائة ﵀ (عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والشعبي قد لقي جماعة من الصحابة ﵃. ومجهولهم مقبول. وقد
стр. 1418
سمع من نحو خمسين منهم (أنه قال) يعني النبي – ﷺ (من وجد دابة) وظاهره العموم (قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيبوها فأخذها فهي له رواه أبو داود) وله عن الشعبي يرفعه "من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل فهي لمن أحياها" يعني بالسقي والعلف إلى أن قويت على المشي والركوب والحمل. ملكها بذلك.
وإن تركها لا لرغبة عنها بل ليرجع إليها أو ضلت عنه فتقدم حكمها. وما يلقى في البحر خوفًا من غرق يملكه آخذه ولا يملك متاعًا ولا عبدًا. لأن المتاع لا حرمة له في نفسه، ولا يخشي عليه التلف. كما يخشي على الحيوان. ولأن العبد يمكنه في العادة التخلص إلى الأماكن التي يعيش فيها وإن انكسرت سفينته فاستخرجه قوم فهو لربه. وعلى الآخذ أجرة المثل. وإن وجد عنبرة على الساحل فله. وإن أخذ نعله ونحوه ووجد موضعه غيره فهو لقطة. له أحكام اللقطة. ويأخذ حقه منه بعد تعريفه.
باب اللقيط
بمعنى ملقوط. وهو طفل لم يميز وقيل من الولادة إلى البلوغ. ذكرًا كان أو أنثى. لا يعرف نسبه ولا رقه. نبذ في شارع أو غيره. أو ضل وأخذه فرض كفاية ويسن الإشهاد عليه.
стр. 1419
(قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فدل عموم الآية على وجوب التقاطه. ولأن فيه إحياء نفس معصومة. فوجب كإطعامه وإنجائه.
(وعن واثلة) ابن الأسقع ﵁ (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (المرأة تحوز ثلاث مواريث عتيقها) ولا نزاع في ذلك (ولقيطها) وبه قال إسحاق وغيره. وقال ابن القيم وهو في غاية القوة اهـ. وإن صح الحديث فالقول ما قاله. والجمهور إنما لها الولاية لا الولاء. لحديث "إنما الولاء لمن أعتق" وإن لم يخلف وارثًا صرف ماله لبيت المال. فإن المسلمين خولوا كل مال لا مالك له (وولدها الذي لا عنت عليه) قال ابن القيم والقول به أصح الأقوال.
وهو مقتضى الآثار والقياس. والحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وغيرهم و (حسنه الترمذي) وتكلم فيه بعضهم.
وهو دليل على جواز التقاط المرأة للطفل. وحضانتها له. وصحة ولايتها عليه. فالحر العدل المكلف الرشيد أولى بالجواز بغير إذن حاكم. لأنه وليه. وإن كان الملتقط فاسقًا أو رقيقًا أو كافرًا. واللقيط مسلم. أو بدويًا ينتقل في المواضع. أو وجده في الحضر. وأراد نقله إلى البادية لم يقر بيده.
(وقال عمر) ابن الخطاب ﵁ (لأبي جميلة)
стр. 1420
واسمه سنين أدرك النبي ﷺ وشهد عام الفتح، وكان وجد لقيطًا فأتى به عمر. فقال عريفي يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح. فقال أكذلك قال نعم، قال فاذهب فـ (ـهو حر) قال ابن المنذر. وأجمع عليه عوام أهل العلم. وقال الوزير اتفقوا على أنه حر وولاؤه لجميع المسلمين (ولك ولاؤه) أي ولايته فدل على أن اللقيط يقر في يد واجده الأمين. لأن عمر أقره في يده حين قيل له إنه رجل صالح (وعلينا نفقته) يعني من بيت مال المسلمين. وفي رواية من بيت المال. هذا إذا لم يكن له مال ينفق عليه منه.
قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إن وجد مع اللقيط مال أنفق عليه منه. فإن لم يوجد معه نفقة أنفق عليه من بيت المال اهـ. ولا تجب نفقته على الملتقط. فإنما هو محسن قام بفرض الكفاية. فإن الولاية هنا كالحضانة. ولا توجب الإنفاق بالاتفاق. وإن تعذر الإنفاق من بيت المال فعلى من علم حاله من المسلمين. فإن تركوه أثموا. قال وعلينا (رضاعه) أي في بيت المال (رواه سعيد) ابن منصور في سننه. وهو مسلم إذا وجد في دار الإسلام. وأما في بلد كفر لا مسلم فيه يمكن كونه منه فكافر.
وما وجد معه من فراش أو ثياب أو مال في جيبه أو تحته ظاهرًا أو مدفونًا طريًا. أو متصلًا به كحيوان وغيره مشدودًا بثيابه. أو مطروحًا قريبًا منه. فهو له عملًا بالظاهر. ولأن له
стр. 1421
يدًا صحيحة كالبالغ ينفقه عليه ملتقطه بالمعروف لولايته عليه ووليه في القتل العمد العدوان: الإمام يخير بين القصاص والدية. لأنه ولي من لا ولي له. والتخيير هنا تفويض النظر إليه في أصلح الأمرين وإن أقر رجل أنه ولده لحقه. ولا يلحق الكافر في دينه. ولا يلحق بامرأة حكاه ابن المنذر إجماعًا. وإن اعترف بالرق مع سبق مناف له لم يقبل منه. وكذا إن قال إنه كافر لم يقبل منه. لأنه محكوم بإسلامه. متى ولد في دار الإسلام بإسلام أبيه. وكذا بإسلام أمه اتفاقًا. وإن وجد في كنيسة أو بيعة أو قرية من قرى أهل الذمة فهو ذمي.
(وله) أي لسعيد بن منصور في سننه (عن عمر) ﵁ (أن امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف قد اشتركا فيه فجعله بينهما) وذلك بحضرة الصحابة ﵃ ولم ينكر ذلك أحد منهم فكان إجماعًا. وكذا إن وطئ امرأة اثنان بشبهة أو جارية مشتركة بينهما في طهر واحد ونحو ذلك أو ادعى اللقيط اثنان فأكثر ولا بينة. أو تعارضت بينتاهما فلمن ألحقته القافة به. وإن ألحقته باثنين فأكثر لحقهم. لا بأكثر من أم. وإن ألحقته بكافر لم يحكم بكفره إلا ببينة مع بقاء أبويه ويلحق به نسبًا. قال الشيخ وغيره قد جعل النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده القافة دليلًا من أدلة ثبوت النسب.
وقال بعض الفقهاء ومن العجيب إنكار لحوق النسب بالقافة التي اعتبرها رسول الله ﷺ وعمل بها الصحابة من بعده.
стр. 1422
وحكم بها عمر ﵁. وإن وصفه أحدهما بعلامة خفية بجسده حكم له به عند الجمهور. والقافة قوم يعرفون الأنساب بالشبه. ولا يختص بقبيلة معينة. ويكفي واحد. وشرطه أن يكون عدلًا مجربًا في الإصابة. . ويكفي مجرد خبره. واختار ابن القيم وغيره أن قوله حكم لا رواية.
باب الوقف
الوقف لغة الحبس. يقال وقف الشيء أي حبسه. وكذا أحبسه وسبله بمعنى. وشرعًا تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. وتسمية الوقف وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة ونحوها تأباه اللغة. والوقف مما اختص به المسلمون فلم يوجد قبل هذه الأمة. وشرطه أن يكون الواقف جائز التصرف. وأركانه الواقف والموقوف عليه. والصيغة التي ينعقد بها. ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه عرفًا. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع في الجملة.
(قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ والوقف من فعل الخير المأمور به. ومن أفضل القرب المندوب إليها ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ تسعدون وتفوزون بالجنة. فدلت الآية الكريمة على مشروعية الوقف في أعمال البر.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال
стр. 1423
إذا مات ابن آدم) يعني العامل بطاعة الله (انقطع عمله) الذي كان يعمل في حياته (إلا من ثلاث) وفي لفظ "ثلاثة أشياء" وضحها بقوله (صدقة جارية) أي وقف كما فسره به أهل العلم (أو علم ينتفع به من بعده) كالتعليم والتصنيف. فيبقى من يرويه عنه. وينتفع به. وكذا كتب العلم النافع. ولو بالأجرة مع النية الصالحة. أو وقف الكتب النافعة (أو ولد صالح يدعو له) ذكرًا كان أو أنثى وشرط صلاحه ليكون الدعاء مجابًا (رواه مسلم) في كتاب الوقف لأنه فسر به. ورواه أحمد وأهل السنن وغيرهم. إلا ابن ماجه. والبخاري تعليقًا.
والحديث دليل على أنه ينقطع أجر كل عمل بعد الموت إلا هذه الثلاثة الأشياء. فإنه يجري أجرها بعد الموت. ويتجدد ثوابها. لكونه كاسبًا لها. وفيه فضيلة الصدقة الجارية. والعلم الذي يبقى بعد موته. والتزوج الذي هو سبب وجود الأولاد. ولابن ماجه بلفظ "إنما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علم نشره. أو ولد صالح تركه. أو مصحف ورثه. أو مسجد بناه. أو بيت لابن السبيل بناه. أو نهر أجراه. أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته" ووردت خصال غير هذه نظمها السيوطي:
إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه من فعال غير عشر
علوم بثها. ودعاء نجل ... وغرس نخل. والصدقات تجري
стр. 1424
وراثة مصحف. ورباط ثغر ... وحفر البئر. أو إجراء نهر
وبيت لغريب بناه يأوي ... إليه أو بناء محل ذكر
(وعن ابن عمر قال أصاب عمر) ﵄ (أرضًا بخيبر) وللنسائي أنه كان لعمر مائة رأس فاشترى بها مائة سهم من خيبر. وهي المسماة بثمغ. كما في رواية لأحمد والبخاري (فقال يا رسول الله لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه) أنفس أي أعظم أو أكثر منه والنفيس الجيد. ويسمى الجيد نفيسًا لأخذه بالنفس (قال فما تأمرني) أي أن أصنع بتلك الأرض (قال إن شئت حبست أصلها) أي أصل الأرض التي لك بخيبر. فهذا أصل في أن الوقف شرعًا تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به (وتصدقت بها) أي بمنفعتها. وللبخاري "حبس أصلها وسبل ثمرتها" وله أيضًا "تصدق بثمره وحبس أصله".
وعند الفقهاء ألفاظ الوقف الصريحة: وقفت وحبست وسبلت. والكنايات تصدقت وحرمت وأبدت. واشترطوا النية مع الكناية. أو اقترانها بأحد الألفاظ الخمسة أو حكم الوقف. وعند الشيخ وغيره يحصل الوقف بكل ما أدى معناه. وأنه لو قال جعلت ملكي للمسجد وفي المسجد ونحو ذلك صار وقفًا على المسجد (غير أنه لا يباع أصلها) وللدارقطني حبيس ما دامت السموات والأرض (ولا يوهب ولا يورث) وللبخاري "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث" ولكن ينفق ثمره.
стр. 1425
وأجاز أبو حنيفة بيع الوقف. وقال أبو يوسف لو بلغه هذا الحديث لقال به ورجع عن بيع الوقف.
وقال القرطبي رد الوقف مخالف للإجماع. فلا يلتفت إلى قول أبي حنيفة. وتقدم قول "صدقة جارية" وللنسائي وغيره عن قتادة مرفوعًا "خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاث منها: صدقة تجري يبلغه أجرها" فدلت هذه الأحاديث على لزوم الوقف. وأنه من أفضل القربات. وعلى عدم جواز نقضه. وأنه عقد لازم بمجرد القول أو الفعل. وإن لم يحكم به حاكم. وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم. فلا يجوز فسخه بإقالة ولا غيرها من واقف وغيره. لأنه مؤبد يتعذر الرجوع فيه بعد التحبيس.
ومذهب الجمهور أنه تشترط فيه المنفعة دائمًا من معين ينتفع به مع بقاء عينه. وعند الشيخ أقرب الحدود في الموقوف أنه كل عين تجوز إعارتها (قال فتصدق بها عمر على الفقراء) وتقدم أنهم من لا يجدون شيئًا أو يجدون بعض الكفاية وإذا أفردوا دخل فيهم المساكين (وذوي القربى) أي: قربى عمر (والرقاب) يعني المماليك في فك رقابهم من الرق (وفي سبيل الله) أي وفي النفقة في سبيل الله يعني الجهاد (وابن السبيل) أي الطريق وهو المسافر المنقطع به (والضيف) وهو من نزل بقوم يريد القرى. وفيه أن الوقف من شرطه أن يكون على بر. لأن المقصود منه التقرب إلى الله.
стр. 1426
وأما الشروط التي يذكرها كثير من الواقفين فخبر "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". متفق على عمومه. وقال الشيخ إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة. وإلا كانت باطلة. فإن شرط فعلًا محرمًا ظهر أنه باطل. أو مباحًا لا قربة فيه كان أيضًا باطلًا. لأنه شرط شرطًا لا منفعة فيه لا له ولا للموقوف عليه. فيكون منفقًا للمال في الباطل. لا سيما والوقف محبس مؤبد. فيكون في ذلك ضرر على الورثة بحبس المال عنهم بلا منفعة. وضرر على المتناولين باستعمالهم بدون مصلحة دينية أو دنيوية.
(لا جناح على من وليها) أي صدقته ﵁ (أن يأكل منها بالمعروف) وهو القدر الذي جرت به العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف. حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل لاستقبح ذلك منه. وقيل المراد أن يأخذ منه بقدر عمله. وفيه صحة شرط الأكل من الوقف واستثناء الغلة مدة حياته ونحو ذلك. فإن عمر ﵁ كان هو الوالي على وقفه. مدة حياته. وكذا فعله جماعة من الصحابة. قال ابن القيم وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيح. وهو مذهب فقهاء الحديث.
واختار هو وشيخه صحة الوقف على نفسه. وفي الإنصاف عليه العمل في زماننا. وقبله عند حكامنا من أزمنة متطاولة وصوبه. ولو وقف على الفقراء فافتقر شمله الوقف. قال (أو
стр. 1427
يطعم صديقًا) وفي لفط "أو يؤكل صديقًا له) وللبخاري وكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر. ويهدي لناس من أهل مكة كان ينزل عليهم (غير متأثل مالا) وهو اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم. وفي لفظ "غير متمول مالاً" أي غير متخذ منها مالاً. أي ملكاً.
والمقصود أنه لا يتملك شيئاً من رقابها. ولا يأخذ من غلتها ما يشتري بدله ملكاً. بل ليس له إلا ما ينفقه (متفق عليه) ورواه الخمسة وغيرهم بألفاظ متقاربة ولأحمد أنه أوصى بها إلى حفصة. ثم إلى الأكابر من آل عمر. وقال ابن عمر أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام صدقة عمر. وتلقاه أهل العلم بالقبول. واتخذوه أصلًا في أحكام الوقف.
(ولهما عن علي مرفوعًا من بني لله مسجدًا) يقصد وقفه لذلك سواء بناه بنفسه أو بني له بأمره (بنى الله له بيتًا في الجنة) ومن حديث عثمان يبتغي به وجه الله ولأحمد من حديث ابن عباس ولو كمفحص قطاة. فدل على فضيلة بناء المساجد. وعظم الجزاء على ذلك. وعلى صحة الوقف بالفعل الدال على التوقيف. وقد استدل البخاري وغيره بهذا الحديث وغيره على صحة وقف المشاع. وهو مذهب الجمهور. وحكى الوزير وغيره الاتفاق على جوازه. وفي قصة بناء مسجد رسول الله ﷺ ما يؤيد ذلك. فإنه قال ثامنوني حائطكم. فقالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله .
стр. 1428
فهذا ظاهر في جواز وقف المشاع. ولو كان غير جائز لأنكر عليهم صلوات الله وسلامه عليه. وقيل لا يصح وقف المجهول. وقال الشيخ المجهول نوعان: مبهم ومعين. مثل دار لم يرها. فمنع هذا بعيد. وكذلك هبته. فأما الوقف على المبهم فهو شبيه بالوصية له. وفي الوصية للمبهم روايتان: أن يوصي لأحد هذين أو لجاره محمد وله جاران بهذا الاسم ووقف المبهم مفرع على هبته وبيعه. وليس عن أحمد في هذا منع. وقال إذا كان الوقف على معين ولم يقبله فالتحقيق أنه ليس كالوقف المنقطع. بل الوقف هنا صحيح قولًا واحدًا. ثم إنه ينتقل إلى من بعده كما لو مات أو تعذر استحقاقه.
(وعن عثمان) بن عفان ﵁ (أنه ﷺ قال من يشتري بئر رومة) بضم الراء وسكون الواو. وتسمى بئر عثمان. مشهورة في العقيق. شمالي غربي المدينة. بقرب مسجد القبلتين. وذلك أنه ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة. فقال "من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين" ففيه فضل وقف الماء. وأنه يجوز للواقف أن يجعل لنفسه نصيبًا من الوقف (يوسع بها على المسلمين) وكانت بيد رجل يغليها عليهم. ولذلك قال (بخير له منها في الجنة).
وللبغوي كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة وكان يبيع منها القربة بمد. فقال له النبي ﷺ "تبيعنيها بعين في
стр. 1429
الجنة" فقال يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها. فبلغ ذلك عثمان بن عفان ﵁ قال (فاشتريتها من صلب مالي) أي أصله أو خالصه. وللبغوي بخمسة وثلاثين ألف درهم. ثم أتى النبي ﷺ فقال أتجعل لي ما جعلت له. قال نعم قال قد جعلتها للمسلمين. والحديث رواه النسائي وغيره (حسنه الترمذي) وأخرجه البخاري تعليقًا. وللنسائي اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك. وقال ذلك أيضًا وهو محصور. وصدقه جماعة من الصحابة ﵃.
(وعن أبي هريرة مرفوعًا من احتبس فرسًا في سبيل الله) أي للجهاد في سبيل الله وتقدم تعريفه (إيمانًا واحتسابًا) وفي لفظ إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده أي من الثواب (فإن شبعه) بكسر أوله أي ما يشبع به وريه (وروثه) أي روث الفرس (وبوله) يوضع يوم القيامة (في ميزانه) حين توزن الأعمال (حسنات رواه البخاري) فدل الحديث على فضل الوقف في سبيل الله. وعلى جواز وقف الحيوان. وهو مذهب الجمهور.
ويشهد له أيضًا ما تقدم من خبر عمر في نهي المتصدق من شراء ما تصدق به. وكان حمل على فرس في سبيل الله. وأراد المحمول بيعه برخص. فنهى النبي ﷺ عمر عن شرائه. ولخبر أم معقل أن ناضح زوجها جعله في سبيل الله. وقال البخاري باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت. وقال الشيخ ولو وقف منفعة يملكها كالعبد الموصى بخدمته. أو منفعة أم
стр. 1430
ولده في حياته. أو منفعة العين المستأجرة. فإنه لا فرق بين وقف هذا. ووقف البناء والغراس. ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه. أو فرس يركبونه. أو ريحان يشمه أهل المسجد. وذكر أن التطيب منفعته مقصودة. لكن قد يطول بقاء مدة التطيب وقد يقصر. ولا أثر لذلك. قال وأقرب الحدود في الموقوف أنهكل عين تجوز إعارتها.
(وتقدم أن خالدًا) يعني ابن الوليد ﵁ (احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله) فدل على جواز وقف المنقولات من عروض وغيرها. وعلى صحة وقف الحيوان. فقد فسرت الاعتاد بالخيل. وهو مذهب الجمهور.
(واحتبست حفصة) بنت عمر بن الخطاب ﵁ أم المؤمنين زوجة رسول الله ﷺ أي وقفت (حليًا) وهو كل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة (على آل الخطاب) أي أهل بيت الخطاب وقفًا حبسته عليهم فدل على جواز وقف الحلي وما في معناه.
(وفي قصة كعب) ابن مالك ﵁ لما نزلت ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ قال (إن من توبتي) لتخلفه عن غزوة تبوك في قصته المشهورة ثم تاب الله عليهم فقال ﵁ (أن أنخلع من مالي) أي أخرج من جميع مالي كله (صدقة)
стр. 1431
مصدر في موضع الحال أي متصدقًا (إلى الله ورسوله) شكرًا لله أن تاب عليه وعفا عن تخلفه عن تلك الغزوة ففيه استحباب الصدقة شكرًا للنعم المتجددة (قال) رسول الله ﷺ (امسك عليك) أي استبق لك (بعض مالك) ولم يعين له بل وكله إليه (فهو خير لك) خشية أن يتضرر بالخروج من ماله بل أمره بالاقتصار على البعض خوفًا ألا يصبر على الإضاقة (رواه البخاري) ومسلم وغيرهما.
ولأبي داود إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله ورسوله صدقة قال لا قلت نصفه قال لا قلت فثلثه قال نعم ولأحمد في قصة أبي لبابة حين قال إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله. صدقة لله ورسوله فقال يجزئ عنك الثلث وخبر الصحيحين لم يعين له فيه قدرًا بل أطلق ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية قال بن القيم وهو الصحيح فإن ما تقصي عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به وما انفرد به أبو داود وغيره نظره وقصة أبي لبابة تقيد إطلاق حديث كعب حيث عزما على الصدقة وأجزأهما بعض المال ولم يحتاجا إلى إخراجه كله والجمع بين قصتيهما وقصة أبي بكر أنه ﷺ عامل كلا منهم بما يعلم من حاله وتقدم.
(ولعن رسول الله ﷺ زائرات القبور) وثبت أنه نهى عن اتباعهن الجنائز وهو مخصوص من عموم زوار القبور لوجوه
стр. 1432
(والمتخذين) أي ولعن البانين (عليها) أي على القبور (المساجد) فتعظم لأجل المقبور (و) لعن المتخذين عليها (السرج) رواه أهل السنن وصححه شيخ الإسلام فدل على تحريم الوقف على تنوير القبور. وعلى ستورها وتبخيرها. وعلى من يقيم عندها أو يخدمها. لأن الوقف على ذلك إعانة على الشرك. فلا يصح.
قال ابن القيم الوقف على المشاهد باطل. وهو مال ضائع. فيصرف في مصالح المسلمين. فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله. فلا يصح على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم وينذر له. ويحج إليه ويعبد من دون الله. ويتخذ وثنًا من دون الله. وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتبع سبيلهم اهـ. ولا يصح الوقف على كنيسة وبيعة وبيت نار وصومعة. لأنها بنيت للكفر. ولا يصح على نسخ التوراة والإنجيل. وكتب زندقة وبدع مضلة. لأنه إعانة على الكفر.
فصل في شرط الواقف
وإبدال الوقف لحاجة وغير ذلك
المراد العمل بما يشترطه في وقفه من اعتبار وصف أو عدمه. أو جمع أو تقديم أو ترتيب أو ضده. ونظر وغير ذلك. ويلزم الوفاء بشرطه إذا كان مستحبًا خاصة. وقول بعض الفقهاء نصوص الواقف كنصوص الشارع يعني في الفهم
стр. 1433
والدلالة. لا في وجوب العمل مع أن لفظ الواقف والموصي والناذر والحالف وكل عاقد يحمل على مذهبه وعادته في خطابه. ولغته التي يتكلم بها. وافق لغة العرب. أو لغة الشارع أو لا.
فإن المقصود في الألفاظ دلالتها على مراد الناطق. والعادة المستمرة والعرف المستقر في الوقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة. قاله الشيخ. وقال ابن القيم شروط الواقف كنصوص الشارع في الدلالة. وتخصيص عامها. وحمل مطلقها على مقيدها. واعتبار مفهومها. كما يعتبر منطوقها. ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدًا. والصواب عرض شروط الواقف على كتاب الله وعلى شرطه. فما وافقه فهو صحيح وما خالفه باطل.
(قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ أمر منه تعالى بالعدل في الأولاد ولفظ الولد يشمل الذكر والأنثى فإذا وقف على الفقير من ولده أو ولد غيره مثل شمل الذكر والأنثى. والأولى كالإرث اتباعًا للنص. واختاره الموفق وغيره. وإن فضل بعضهم لمقصود شرعي جاز وإلا فلا. وحكى الوزير الاتفاق على أنه إذا أوصى لولد فلان كان للذكور والإناث من ولده. وكان بينهم بالسوية. والأول أولى. واستنبط بعض أهل العلم أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها من هذه الآية.
стр. 1434
حيث أوصى الوالدين بأولادهم. ثم بعد أولاده أو أولاد غيره لولد بنيه. وإن سفلوا لأنهم ولده وينتسبون إليه. ويستحقونه مرتبًا كقوله بطنًا بعد بطن. أو الأقرب فالأقرب. قال الشيخ ويستحق ولد الولد وإن لم يستحق أبوه شيئًا. ومن ظن أن الوقف كالإرث فإن لم يكن والده أخذ شيئًا لم يأخذ هو. فلم يقله أحد من الأئمة. ولم يدر ما يقول. ولهذا لو انتفت الشروط في الطبقة الأولى أو بعضها لم تحرم الثانية مع وجود الشروط فيهم إجماعًا. وقال إذا مات شخص من مستحقي الوقف وجهل شرط الواقف صرف إلى جميع المستحقين بالسوية.
وإن قال على ولد فلان وولد ولده اشتركوا. لأن الواو تدل على التشريك. بخلاف ثم فتدل على الترتيب فلا يستحق البطن الثاني شيئًا من الوقف ما دام من البطن الأول مستحق. وإن قال من مات عن ولد فنصيبه لولده استحق كل ولد بعد أبيه نصيبه. لأنه صريح في ترتيب الأفراد. ويدخل فيه أولاد البنات. كما لو قال على ولد زيد فلان وفلان وفلانة. ثم أولادهم. أو على أولاده وفيهم بنات. أو قال من مات عن ولد فنصيبه لولده ونحو ذلك. وإن انقرض الموقوف عليهم أو لم يكن للوقف مصرف فقال بعضهم يكون لورثة الواقف وقفًا عليهم نسبًا بقدر إرثهم. وقال آخرون يكون ملكًا للورثة قال الشيخ وهذا أصح وِأشبه بكلام أحمد.
стр. 1435
(وقال تعالى) في حق الذرية ودخول أولاد البنات فيهم ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي إبراهيم أو نوح ﴿دَاوُودَ﴾ وسليمان وأيوب ويونس (إلى قوله وعيسى ابن مريم) فدل على دخول أولاد البنات في ذرية الرجل. لأن عيسى إنما ينسب إلى إبراهيم بأمه مريم. فإنه لا أب له وروى ابن أبي هاشم أن الحجاج أرسل إلى يحيى بن يعمر بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ تجده في كتاب الله. وقد قرأته من أوله إلى آخره. فلم أجده قال أليس تقرأ سورة الأنعام ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى بلغ (ويحيى وعيسى) قال بل قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم. وليس له أب قال صدقت. فلهذا إذا وقف الرجل لذريته أو على ذرية زيد أو أوصى إليهم أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم. وهو إحدى الروايتين عن أحمد وغيره.
(وقال ﷺ ) فيما رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال للحسن بن علي ﵄ (إن ابني هذا سيد) ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فسماه صلوات الله وسلامه عليه ابنا. وهو أفصح العرب على الإطلاق. فدل على دخول ولد بنت الواقف في الأبناء. وللترمذي وصححه أنه ﷺ قال لصفية بنت حيي "إنك لابنة نبي. وإن عمك لنبي. وإنك لتحت نبي" وذلك أنها من ذرية هارون. وعمها موسى. وبنو قريظة من ذرية هارون فسماه أبًا لها. وبينها وبينه آباء متعددون.
стр. 1436
وقال "اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار. وأبناء أبناء الأنصار" وفي لفظ لذراري الأنصار. وذراري ذراريهم" صححه الترمذي. فدلت هذه الأحاديث على أن حكم الأبناء وأبناء الأبناء وبنات الأبناء وأبناء بنات الأبناء حكم الأبناء. فكذا في الوقف وغيره وأن الأولاد وأولاد الأولاد من باب أولى. ويشهد لذلك قوله "ابن أخت القوم منهم" وهذا مذهب طوائف من أهل العلم. وذهب بعضهم إلى عدم دخول أبناء البنات في لفظ الأبناء إلا بنص أو قرينة والله أعلم.
(وقال عمر) ﵁ (تليه حفصة) يعني بنت عمر إحدى أمهات المؤمنين ﵂ (ما عاشت) وعاشت إلى سنة خمس وأربعين (ثم يليه ذو الرأي من أهله) فوليه بعدها ابنه عبد الله. فدل على اعتبار شرط الواقف في النظر سواء كان لنفسه. فإن عمر ولي وقفه في حياته أو لغيره بالتعيين. أو بالوصف. وسواء كان من أهل الوقف أو لا وإن أطلق ولم يشترط في معين فالنظر للموقوف عليه. وغير المعين للحاكم يولي عليه الأصلح.
قال الشيخ ولا يجوز أن يولي فاسقًا في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا. لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته. ويعتبر في ناظر إسلام وتكليف وكفاية للتصرف وخبرة به، وقوة عليه. ويضم لضعيف: قوي أمين. وفي أجنبي ولايته من حاكم أو ناظر عدالة. فإن فسق عزل. ومن واقف وهو فاسق أو فسق يضم
стр. 1437
إليه أمين. وإن كان الموقوف عليه بجعل. أو لكونه أحق من غيره. فهو أحق مطلقًا.
ووظيفته: حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمته فيه. وتحصيل ريعه والاجتهاد في تنميته. وصرفه في جهاته. وغير ذلك. قال الشيخ وإن فرط سقط مما له بقدر ما فوته من الواجب عليه من العمل. قال وعليه أن لا يؤجر حتى يغلب على ظنه أنه ليس هناك من يزيد. وعليه أن يشهر المكان عند أهل الرغبات. فإن حابا به بعض أصدقائه كان ضامنًا. لما نقص أهل الوقف من أجرة المثل.
قال ﵁ (ينفق حيث يرى) أي أنه الأحق أو الأولى (من السائل والمحروم) أي الذي يسأل والذي لا يسأل فيحسب غنيًا فيحرم ولا مفزع له (وذوي القربى) أي قربى عمر ﵁ (ولا حرج على من وليه) أي بالتعيين كحفصة. أو بالوصف كذي الرأي (إن أكل أو اشترى رقيقًا رواه أبو داود) وتقدم لا متأثلًا مالا وأنه لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف. وهو القدر الذي جرت به العادة.
قال الشيخ ولا أعلم خلافًا أن من قسم شيئًا يلزمه
أن يتحرى فيه العدل. ويتبع ما هو أرضى لله ورسوله. سواء استفاد القسمة بولاية كالإمام والحاكم. أو بعقد كالناظر والوصي. أو باستحقاق النظر كالموقوف عليه. وقال كل
стр. 1438
متصرف بولاية إذا قيل له افعل ما تشاء. فإنما هو لمصلحة شرعية. حتى لو شرط الواقف بفعل ما يهواه أو ما يراه مطلقًا فهو شرط باطل. لمخالفته الشرع. وغايته أن يكون شرطًا مباحًا. وهو باطل على الصحيح المشهور.
(وقال ﷺ لأبي طلحة) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام النجاري الأنصاري ﵁ وذلك أنه قال يا رسول الله إن الله يقول ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تمسك ﵁ بعمومها. وقال إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله. فضعها يا رسول بالله حيث أراك الله. فقال "بخ بخ ذاك مال رابح" مرتين "وقد سمعت (أرى) (أن تجعلها في الأقربين) ففيه دليل على فضل الصدقة على الأقربين. وهو من أفضل أعمال البر. ومن شرط الوقف أن يكون على بر.
(فقال افعل) أي اجعلها في الأقربين (فقسمها) أبو طلحة (في أقاربه وبني عمه) وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم (متفق عليه) وللبخاري "اجعلها لفقراء قرابتك" ولمسلم فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب. قال محمد بن
عبد الله الأنصاري: أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام. وهو الأب الثالث. وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن
стр. 1439
زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. فعمرو يجمع حسانًا وأبا طلحة وأبيًا. وبين أبي وأبي طلحة ستة آباء.
ولما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ دعا قريشًا فعم وخص. قال "يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة بن كعب يا بني عبد شمس يا بني عبد مناف يا بني هاشم. يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار" وذكر فاطمة ابنته وصفية عمته. فجميع من ناداهم يطلق عليهم لفظ الأقربين. فإذا وقف على قرابته أو قرابة زيد. أو أهل بيته أو قومه أو عشيرته. شمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وأولاد جده وإن علا. ويستوي الصغير والكبير والقريب والبعيد. والغني والفقير. لشمول اللفظ لهم. لا من يخالف دينه كحربي ومرتد. وكفقراء أهل الذمة.
ويصح على ذمي معين لأن حفصة وقفت على أخ لها يهودي. وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي. وإن كان لا يمكن حصرهم واستيعابهم كبني هاشم وتميم لم يجب تعميمهم. وجاز تفضيل بعضهم على بعض. والاقتصار على أحدهم. لأن مقصود الواقف بر ذلك الجنس.
وإن وقف مدرسة أو رباطًا ونحوهما على طائفة اختص بهم كعلى العلماء وهم أهل التفسير والحديث والفقه. وكالمتفقهة وهم طلبة الفقه. وكأهل الحديث وهم المشتغلون بالحديث. وإن عين إمامًا ونحوه تعين. أو عين للإمامة بمذهب تعين. ما لم يكن.
стр. 1440
في شيء من أحكام الصلاة مخالفًا لصريح السنة.
قال الشيخ يجب أن يولى في الوظائف الدينية وإمامة المساجد الأحق شرعًا. ومن لم يقم بوظيفته فلمن له الولاية أن يولي من يقوم بها إلى أن يتوب ويلتزم بالواجب. والنيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة جائزة. ولو عينه الواقف. إذا كان مثل مستنيبه. ومن وقف على مدرسة أو فقهاء فللناظر ثم الحاكم تقدير أعطيتهم. ولو زاد النماء فهو لهم. ولو عطل وقف مسجد سنة تقسط الأجرة المستقبلة عليها. وعلى السنة الأخرى. لأنه خير من التعطيل.
وقال ولا ينقص الإمام بسب تعطيل الزرع بعض العام. والأرزاق التي يقدرها الواقفون ثم يتغير النقد يعطي المستحق من نقد البلد ما قيمته قيمة المشروط. وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله. وقال تجب عمارة الوقف بحسب البطون. والجمع بين عمارة الوقف وأرباب الوظائف حسب الإمكان أولى. بل قد يجب.
(وجعل الزبير) بن العوام ﵁ (دوره) وقفًا (على بنيه) الذكور (لا تباع ولا توهب) وتقدم أن الأصل في الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (وأن للمردودة) أي المطلقة (من بناته) المردودة إلى بيت أبيها أو غيره (أن تسكن) أي في تلك الدور الموقوفة (وإن استغنت بزوج) أي
следующие страницы →