Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وقال "اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار. وأبناء أبناء الأنصار" وفي لفظ لذراري الأنصار. وذراري ذراريهم" صححه الترمذي. فدلت هذه الأحاديث على أن حكم الأبناء وأبناء الأبناء وبنات الأبناء وأبناء بنات الأبناء حكم الأبناء. فكذا في الوقف وغيره وأن الأولاد وأولاد الأولاد من باب أولى. ويشهد لذلك قوله "ابن أخت القوم منهم" وهذا مذهب طوائف من أهل العلم. وذهب بعضهم إلى عدم دخول أبناء البنات في لفظ الأبناء إلا بنص أو قرينة والله أعلم.
(وقال عمر) ﵁ (تليه حفصة) يعني بنت عمر إحدى أمهات المؤمنين ﵂ (ما عاشت) وعاشت إلى سنة خمس وأربعين (ثم يليه ذو الرأي من أهله) فوليه بعدها ابنه عبد الله. فدل على اعتبار شرط الواقف في النظر سواء كان لنفسه. فإن عمر ولي وقفه في حياته أو لغيره بالتعيين. أو بالوصف. وسواء كان من أهل الوقف أو لا وإن أطلق ولم يشترط في معين فالنظر للموقوف عليه. وغير المعين للحاكم يولي عليه الأصلح.
قال الشيخ ولا يجوز أن يولي فاسقًا في جهة دينية كمدرسة وغيرها مطلقًا. لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته. ويعتبر في ناظر إسلام وتكليف وكفاية للتصرف وخبرة به، وقوة عليه. ويضم لضعيف: قوي أمين. وفي أجنبي ولايته من حاكم أو ناظر عدالة. فإن فسق عزل. ومن واقف وهو فاسق أو فسق يضم
стр. 1437
إليه أمين. وإن كان الموقوف عليه بجعل. أو لكونه أحق من غيره. فهو أحق مطلقًا.
ووظيفته: حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمته فيه. وتحصيل ريعه والاجتهاد في تنميته. وصرفه في جهاته. وغير ذلك. قال الشيخ وإن فرط سقط مما له بقدر ما فوته من الواجب عليه من العمل. قال وعليه أن لا يؤجر حتى يغلب على ظنه أنه ليس هناك من يزيد. وعليه أن يشهر المكان عند أهل الرغبات. فإن حابا به بعض أصدقائه كان ضامنًا. لما نقص أهل الوقف من أجرة المثل.
قال ﵁ (ينفق حيث يرى) أي أنه الأحق أو الأولى (من السائل والمحروم) أي الذي يسأل والذي لا يسأل فيحسب غنيًا فيحرم ولا مفزع له (وذوي القربى) أي قربى عمر ﵁ (ولا حرج على من وليه) أي بالتعيين كحفصة. أو بالوصف كذي الرأي (إن أكل أو اشترى رقيقًا رواه أبو داود) وتقدم لا متأثلًا مالا وأنه لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف. وهو القدر الذي جرت به العادة.
قال الشيخ ولا أعلم خلافًا أن من قسم شيئًا يلزمه
أن يتحرى فيه العدل. ويتبع ما هو أرضى لله ورسوله. سواء استفاد القسمة بولاية كالإمام والحاكم. أو بعقد كالناظر والوصي. أو باستحقاق النظر كالموقوف عليه. وقال كل
стр. 1438
متصرف بولاية إذا قيل له افعل ما تشاء. فإنما هو لمصلحة شرعية. حتى لو شرط الواقف بفعل ما يهواه أو ما يراه مطلقًا فهو شرط باطل. لمخالفته الشرع. وغايته أن يكون شرطًا مباحًا. وهو باطل على الصحيح المشهور.
(وقال ﷺ لأبي طلحة) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام النجاري الأنصاري ﵁ وذلك أنه قال يا رسول الله إن الله يقول ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تمسك ﵁ بعمومها. وقال إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله. فضعها يا رسول بالله حيث أراك الله. فقال "بخ بخ ذاك مال رابح" مرتين "وقد سمعت (أرى) (أن تجعلها في الأقربين) ففيه دليل على فضل الصدقة على الأقربين. وهو من أفضل أعمال البر. ومن شرط الوقف أن يكون على بر.
(فقال افعل) أي اجعلها في الأقربين (فقسمها) أبو طلحة (في أقاربه وبني عمه) وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم (متفق عليه) وللبخاري "اجعلها لفقراء قرابتك" ولمسلم فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب. قال محمد بن
عبد الله الأنصاري: أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام. وهو الأب الثالث. وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن
стр. 1439
زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. فعمرو يجمع حسانًا وأبا طلحة وأبيًا. وبين أبي وأبي طلحة ستة آباء.
ولما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين﴾ دعا قريشًا فعم وخص. قال "يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة بن كعب يا بني عبد شمس يا بني عبد مناف يا بني هاشم. يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار" وذكر فاطمة ابنته وصفية عمته. فجميع من ناداهم يطلق عليهم لفظ الأقربين. فإذا وقف على قرابته أو قرابة زيد. أو أهل بيته أو قومه أو عشيرته. شمل الذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وأولاد جده وإن علا. ويستوي الصغير والكبير والقريب والبعيد. والغني والفقير. لشمول اللفظ لهم. لا من يخالف دينه كحربي ومرتد. وكفقراء أهل الذمة.
ويصح على ذمي معين لأن حفصة وقفت على أخ لها يهودي. وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم والتساوي. وإن كان لا يمكن حصرهم واستيعابهم كبني هاشم وتميم لم يجب تعميمهم. وجاز تفضيل بعضهم على بعض. والاقتصار على أحدهم. لأن مقصود الواقف بر ذلك الجنس.
وإن وقف مدرسة أو رباطًا ونحوهما على طائفة اختص بهم كعلى العلماء وهم أهل التفسير والحديث والفقه. وكالمتفقهة وهم طلبة الفقه. وكأهل الحديث وهم المشتغلون بالحديث. وإن عين إمامًا ونحوه تعين. أو عين للإمامة بمذهب تعين. ما لم يكن.
стр. 1440
في شيء من أحكام الصلاة مخالفًا لصريح السنة.
قال الشيخ يجب أن يولى في الوظائف الدينية وإمامة المساجد الأحق شرعًا. ومن لم يقم بوظيفته فلمن له الولاية أن يولي من يقوم بها إلى أن يتوب ويلتزم بالواجب. والنيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة جائزة. ولو عينه الواقف. إذا كان مثل مستنيبه. ومن وقف على مدرسة أو فقهاء فللناظر ثم الحاكم تقدير أعطيتهم. ولو زاد النماء فهو لهم. ولو عطل وقف مسجد سنة تقسط الأجرة المستقبلة عليها. وعلى السنة الأخرى. لأنه خير من التعطيل.
وقال ولا ينقص الإمام بسب تعطيل الزرع بعض العام. والأرزاق التي يقدرها الواقفون ثم يتغير النقد يعطي المستحق من نقد البلد ما قيمته قيمة المشروط. وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله. وقال تجب عمارة الوقف بحسب البطون. والجمع بين عمارة الوقف وأرباب الوظائف حسب الإمكان أولى. بل قد يجب.
(وجعل الزبير) بن العوام ﵁ (دوره) وقفًا (على بنيه) الذكور (لا تباع ولا توهب) وتقدم أن الأصل في الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (وأن للمردودة) أي المطلقة (من بناته) المردودة إلى بيت أبيها أو غيره (أن تسكن) أي في تلك الدور الموقوفة (وإن استغنت بزوج) أي
стр. 1441
كانت تحت زوج لم ترد (فلا حق لها في الوقف) وهذا نص في الاستحقاق حالة الرد. وعدمه حالة الاستغناء بالزوج. فمتى وجد نص أو وجدت قرينة تقتضي إرادة الإناث أو حرمانهن عمل بها. أو فضل بعض أهل الوقف لغرض شرعي كالأفقه أو الأضعف ونحوهما.
(وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال لولا أن قومك) يعني قريشًا (حديثو عهد) وفي رواية لولا حدثان قومك (بجاهلية) وكانت تعظم أمر الكعبة جدًا فخشي أن يظنوا أنه غير بناءها لينفرد بالفخر عليهم (لنقضت الكعبة) قال فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت يعني على هذا المقدار لقصور النفقة (ولألصقتها بالأرض) "ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها من الحجر" وفي لفظ: "بابين" (ولأنفقت كنزها في سبيل الله) وهو: المال المجتمع مما يهدي إلهيا وفي رواية في بنائها فدل على جواز تغيير صورة الوقف للمصلحة. وهو مذهب الجمهور. وجواز صرف ما فضل عن حاجة الوقف في مثله. وفي سبيل الله وسائر مصالح المسلمين. وهو مذهب جمهور العلماء (رواه مسلم) وفيه ولأدخلت فيها من الحجر وتقدم ذكر ما فيه منها.
(وللبخاري عن عمر) ﵁ وكان جلس إليه شيبة بن عثمان بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الله بن عبد الدار. فقال له عمر (لقد هممت أن لا أدع فيها) يعني في
стр. 1442
الكعبة المشرفة (صفراء) يعني من الذهب (ولا بيضاء) يعني من الفضة والمراد الكنز الذي بها. وهو ما كان يهدى إليها فيدخر مما يزيد عن الحاجة. أو مما كان يهدى إليها في الجاهلية تعظيمًا لها. فيجتمع فيها (إلا قسمتها بين المسلمين) قال شيبة ما أنت بفاعل. قال لم؟ قال لم يفعله صاحباك. فقال هما المرآن يقتدى بهما. وللبخاري أقتدي بهما.
أراد عمر ذلك لكثرة إنفاقه في منافع المسلمين. قال الحافظ يحتمل أن تركه ﷺ لذلك رعاية لقلوب قريش. كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم. وقال لولا قومك حديثو عهد بجاهلية وفيه ولأنفقت كنزها في سبيل الله. فهم عمر وتركه كترك رسول الله ﷺ فدل على جواز صرف ما فضل عن حاجة الوقف ما لم يكن مانع.
(ونقل) عمر ﵁ (المسجد بالكوفة) وذلك أنه كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب أن أنقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد. فإنه لن يزال في المسجد مصل. وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا. فدل على جواز بيع الوقف وإبداله إذا تعطلت منافعه. كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتًا. ولم تمكن عمارتها. ولو شرط الواقف أن لا يباع إذًا. فشرط فاسد ويصرف ثمنه في مثله ومع الحاجة
стр. 1443
يجب إبداله بمثله. وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة. وهو قياس الهدي.
وجوز شيخ الإسلام بيعه والمناقلة به لنقصه أو رجحان مغله. ولو لأجل ضيقه على أهله. أو خراب محله. ويصح بيع بعضه لإصلاح ما بقي. واتفقوا على أنه إذا خرب لم يعد إلى ملك الواقف. وما فضل عن حاجة المسجد يجوز صرفه في حاجة مسجد آخر. وفي سائر المصالح. وبناء مسكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه. وكان شيبة بن عثمان الحجبي يتصدق بخلقان الكعبة. لما روى الخلال بإسناده أن عائشة أمرته بذلك. ولأنه مال الله لم يبق له مصرف فصرف إلى المساكين. وأما فضل موقوف على معين استحقاقه مقدم فيتعين إرصاده.
وقال الشيخ إن علم أن ريعه يفضل دائمًا وجب صرفه. لأن بقاءه فساد له. وعلى نحو قنطرة فانحرف الماء يرصد لعله يرجع الماء. فيصرف عليها ما وقف عليها. وإلا فإلى أخرى. وعلى ثغر اختل في ثغر مثله. ومن ظهر عليه دين وقد وقف وقفًا مستقلًا ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف وهو في مرض الموت بيع بالإتفاق. وإن كان الوقف في الصحة فقال الشيخ وغيره ليس بأبلغ من التدبير. وقد ثبت أن النبي ﷺ باع المدبر في الدين.
стр. 1444
باب الهبة
بكسر الهاء. مصدر وهبت له وهبًا وهبة. والاتهاب قبول الهبة والاستيهاب سؤال الهبة. والهبة شرعًا التبرع من جائز التصرف بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره. وتطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء. وهو هبة الدين ممن هو عليه. والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة. والهدية وهي ما يلزم الموهوب له عوضه. لأنه المعطي يقصد به الرفد والثواب. وقدر الثواب على العرف والعادة، أو قيمة الموهوب. أو ما يرضي الواهب. وتطلق بالمعنى الأخص على ما يقصد له بدل وقال الموفق الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة. وكلها تمليك في الحياة بغير عوض.
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال تهادوا) أي ليهد بعضكم لبعض (تحابوا) أي ليحب بعضكم بعضًا رواه البيهقي وأبو يعلى والبخاري. في الأدب المفرد و (حسنه الحافظ) وإن كان فيه مقال. فلشواهده. ولموقع الهدية في القلوب.
(وللبزار) الحسن بن الصباح بن محمد أبو علي الواسطي البغدادي أحد أعلام السنة روى بسنده (عن أنس مرفوعًا تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة يعني الحقد وفي لفظ وتذهب وحر الصدر" وللترمذي عن أبي هريرة نحوه وله عن عائشة
стр. 1445
تذهب الضغائن والهدية هي ما يقصد به إكرام شخص معين. إما لمحبة أو صداقة أو قضاء حاجة.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال) يا نساء المسلمات (لا تحقرن جارة لجارتها) أي بهدية تهديها إليها (ولو فرسن شاة) بكسر الفاء والسين. وهو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة. وربما استعير للشاة (متفق عليه) والمراد المبالغة في الحث على هدية الجارة لجارتها لا حقيقة الفرسن. لأنه لم تجدر العادة بإهدائه. وظاهره النهي للمهدي عن استحقار ما يهديه بحيث يؤدي إلى ترك الإهداء. ويحتمل أن المراد المهدي إليه لا يحتقرن ما أهدي إليه. ولو كان حقيرًا ويحتمل إرادة الجميع. وفيه الحث على التهادي. لا سيما الجيران. ولو بالشيء اليسير. لما فيه من جلب المحبة والتأنيس.
ومن أعطى شيئًا يريد به التقرب إلى الله لمحتاج فصدقة. وإلى الشخص والمحبة له فهدية. وإلا فهبة وعطية ونحلة. والكل مندوب إليه إذا قصد به وجه الله. لا مباهات ورياء وسمعة. وقال الشيخ الصدقة أفضل من الهبة إلا لقريب يصل بها رحمه أو أخ له في الله. فقد تكون أفضل من الصدقة. وقال إعطاء المال ليمدح ويثنى عليه مذموم. وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه ولئلا ينسب إلى البخل مشروع. بل محمود مع النية الصالحة ويجوز للمهدي أن يبذل في دفع الظلم عنه. أو التوصل إلى
حقه الذي ما يتوصل إلى أخذه إلا به. أو دفع
стр. 1446
الظلم عنه. وهو المنقول عن السلف والأئمة. والأكابر. وفيه حديث مرفوع رواه أبو داود.
(وقال) ﷺ (لأم سلمة) لما تزوج بها إني (أهديت للنجاشي) واسمه أصحمة (حلة وأواقي من مسك ولا أراه) أي النجاشي (إلا قد مات) "ولا أرى هديتي إلا مردودة" (فإن ردت علي فهي لك) قالت وكان كما قال رسول الله ﷺ وردت عليه هديته فأعطي كل امرأة من نسائه أوقيه مسك. وأعطاني بقية المسك والحلة (رواه أحمد) ورواه الطبراني والحاكم وحسنه الحافظ. وفيه دليل على أن الهبة تصح وتملك بالإيجاب والقبول بأي لفظ دل عليه. وبأي فعل يقترن بما يدل على الهبة. وهو مذهب الجمهور.
لأن النبي ﷺ لما أخذ الهدية التي بعث بها إلى النجاشي بعد رجوعها دل ذلك على أن الهدية لا تملك بمجرد الإهداء بل لا بد من القبول بلفظ أو فعل دال عليه. وذهب الجمهور إلى أن الهدية لا تنقل إلى الهدى إليه وتلزم إلا أن يقبضها هو أو وكيله. ويشهد لقبول الهدية من رسول المهدي ما رواه أ؛ مد أيضًا وغيره عن عبد الله بن بسر أن أخته كانت تبعثه بالشيء إلى النبي ﷺ تطرفه إياه فيقبله مني. وفي لفظ كانت تبعثني بالهدية فيقبلها. وكان عبد الله صبيًا مدة حياة النبي ﷺ .
قال الشيخ وتصح هبة المجهول: كقوله ما أخذت من مالي
стр. 1447
فهو لك. أو من وجد من مالي فهو له. وتصح هبة المعدوم كالثمرة واللبن بالسنة. وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لو دعيت إلى كراع) أو ذراع (لأجبت) والكراع هو ما دون الكعب من الدابة (ولو أهدى إلى كراع) أو ذراع (لقبلت رواه البخاري) وللترمذي وصححه عن أنس مرفوعًا "لو أهدي إلى كراع لقبلت. ولو دعيت إليه لأجبت" وهذا ترغيب منه ﷺ في قبول الهدية وإن كانت من شيء يسير. وعند الطبراني عن أم حكيم قلت يا رسول الله تكره رد اللطف قال "ما أقبحه لو أهدى إلي كراع لقبلته" خطأ منه ﷺ على إجابة الدعوة. ولو كانت إلى شيء يسير كالكراع. وعلى قبول الهدية ولو كانت شيئًا يسيرًا من كراع ونحوه.
وعلى أنها تصح وتملك بالقبول. وأن الإيجاب والقبول ليسا شرطًا بل تصح وتملك بالمعاطاة الدالة على الهبة. ولأنه ﵊ يهدي ويهدى إليه. وكذا أصحابه, ولو كان الإيجاب والقبول باللفظ شرطًا لنقل عنهم نقلًا متواترًا. وكان ابن عمر على بعير لعمر فقال ﷺ لعمر بعنيه. فقال هو لك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع ماشئت. وقال الموفق ولا خلاف بين العلماء في أن
стр. 1448
تقديم الطعام بين يدي الضيفان والإذن في الأكل لا يحتاج إلى إيجاب وقبول.
فمتى وجد ما يدل على التراضي بنقل الملك أكتفي به. وإنما يجب مع الإطلاق وعدم العرف القائم من المعطي والمعطي. وقال الشيخ صحح الجمهور الهبة بمثل آجرتك وأطعمتك وحملتك على هذه الدابة ونحو ذلك مما يفهم منه أهل الخطاب الهبة. قال وتجهيز المرأة بجهاز إلى بيت زوجها تمليك وأفتى به طوائف من اتباع الأئمة اهـ. والهبة المطلقة التي لم يشترط لها عوض لا تقتضي عوضًا ولو دلت قرينة على العوض كقضاء حاجة وشفاعة ونحو ذلك. وسواء كانت لمثله أو دونه عند جمهور العلماء. أو أعلى منه لأنه عطية على وجه التبرع.
(وله) أي البخاري ﵀ (عن عائشة) ﵂ (كان) يعني رسول الله ﷺ (يقبل الهدية) من مسلم وكافر ككسرى. وغير واحد من المشركين. كما هو مشهور عنه ﷺ (ويثيب عليها) أي يعطي المهدي بدلها. والمراد بالثواب المجازاة. وأقله ما يساوي قيمة الهدية. فدل على أن عادته ﷺ كانت جارية بقبول الهدية والمكافأة عليها. ولابن أبي شيبة "ويثيب عليها ما هو خير منها" ولأحمد وغيره عن ابن عباس ﵄ قال وهب رجل لرسول الله ﷺ ناقة فأثابه عليها فقال"رضيت" قال لا "فزاده" فقال "رضيت" قال
стр. 1449
لا "فزاده" فقال "رضيت" قال نعم ورواه الترمذي وبين أن العوض ست بكرات.
فتسن الإثابة على الهدية. لهذا الخبر وغيره قال الشيخ ومن العدل الواجب من له يد أو نعمة أن يجزيه بها. ولا ترد وإن قلت خصوصًا الطيب للخبر. ويجوز لأمور نحو لو يريد أخذها بعقد معاوضة أو لا يقنع بالثواب المعتاد. أو تكون بعد السؤال أو استشراف النفس. أو لقطع المنة. ويجب كهدية صيد صيد لمحرم.
(وعن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: من أتى) أي صنع (إليكم معروفًا) أي إحسانًا والمعروف اسم جامع لكل ما ندب إليه الشرع من طاعة الله والإحسان إلى الناس (فكافئوه) أي جازوه عن المعروف الذي أسداه إليكم (فإن لم تجدوا ما تكافئوه) عند ذلك العرف (فادعوا له) أي كافئوه بالدعاء له (حتى تروا) بضم التاء أي حتى يغلب على ظنكم. وبفتحها حتى تعلموا (أنكم قد كافأتموه) أي جازيتموه على معروفه الذي صنع إليكم (رواه أبو داود) وغيره والعرف والغالب أن الواهب لا يهب إلا لغرض. فالهبة من الغني والأعلى ونحوهما للأدنى أكثر ما تكون كالصدقة. وللمساوي معاشرة لحسن العشرة. وجلب المودة.
ولا يستريب العارف بتخالف الهدايا باعتبار حال المهدي
стр. 1450
والمهدي إليه. فالمهدي لنحو الملوك غرضه التكسب. ومن مراده تحصيل المودة وصفاء ذات البين لا تهمه المكافأة. ومن غرضه التماس الثواب كالصدقة. وإن شرط فيها عوضًا معلومًا فهي بيع. وإن كان مجهولًا فقيل لا يصح. ويكون حكمها كالبيع الفاسد. وثبت عن ابن عمر أنه قال من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب عليها. وروي مرفوعًا وصححه الحاكم. والحديث فيه دليل على المكافأة.
والأثر على جواز الرجوع فيها ما لم يثبت عليها. وعدم جواز الرجوع في المثاب عليها. وما ورد في الصحيحين من قوله ﷺ "العائد في هبته كالعائد في قيئه" ونحو ذلك فالمراد به الرجوع في الهبة بعد أن تقبض. كما هو مذهب الجمهور. والغني يهب الفقير ونحو من يصل رحمه والصدقة يراد بها ثواب الآخرة وقال الحافظ اتفقوا على أنه لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض.
(وعن عائشة) ﵂ (أن أبا بكر) الصديق ﵁ (نحلها) أي أعطاها ووهبها ابتداء من غير عوض (جذاذ) أي صرام (عشرين وسقًا) أي ستين صاعًا. والمراد أنه يحصل من ثمرته عشرين وسقًا (بالغابة) المعروفة في المدينة المنورة من ماله بالعالية (فلما مرض) يعني أبا بكر ﵁ (قال كنت نحلتك) أي أعطيتك في حال الصحة (ولو حزتيه) أي قبضتيه (لكان لك) لصحة الهبة إذ ذاك
стр. 1451
(وإنما هو اليوم مال وارث) فاقتسموه على كتاب الله تعالى (رواه مالك) والبيهقي وغيرهما ولابن عيينة عن عمر نحوه.
ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة حكاه الموفق وغيره.
وقال المروذي اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. كما لو مات الواهب. فدل على أن الهبة لا تملك وتلزم إلا بالقبض. وهو مذهب الجمهور. وأن قبض الثمر يكون بالجذاذ وما كان في يد متهب أو وديعة أو غصب أو نحوهما فيلزم بالعقد لأن قبضه مستدام. وقال الوزير اتفقوا على أنها تصح بالإيجاب والقبول والقبض. وتلزم به عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وعند مالك لا تفتقر صحتها ولزومها إلى القبض. ولكنه شرط في نفوذها وتمامها. لا في صحتها ولزومها. وأنه يقبض للطفل أبوه ووليه اهـ. ومن وهب غريمه من دينه برئت ذمته. وإن وقع الإبراء بلفظ الإحلال أو الصداقة أو الترك أو العفو أو نحو ذلك برئ. ولو لم يقبل لأنه إسقاط فلم يفتقر إلى القبول.
(وعن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال العمرى) من العمر وهو الحياة سميت بذلك لأنهم في الجاهلية كان الرجل يعطي الرجل الدار ويقول له أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك فقضى ﷺ بها (لمن وهبت له) وهو مذهب جمهور العلماء أنها إذا وقعت كانت ملكًا للآخذ ولا ترجع إلى الأول. إلا أن يصرح باشتراط ذلك
стр. 1452
(متفق عليه) وللخمسة "العمرى جائزة لأهلها. والرقبى جائزة لأهلها" والرقبى بوزن العمرى من المراقبة. لأن كلا منهما يرقب الآخر متى يموت لترجع إليه فقضى ﷺ أنها لمن أعطيها.
(زاد مسلم حيًا وميتًا) أي مدة حياته وبعد موته (ولعقبه) وأول الحديث "امسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها. فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه" ولأبي داود "لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقب شيئًا أو أعمر شيئًا فهو لورثته" فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على مشروعيتها وأنها ملك لمن وهبت له. وهو مذهب العلماء إلا ما روي عن داود أنها لا تصح والأحاديث الصحيحة حجة عليه. وأن العمرى صحيحة في جميع الأحوال وأن الموهوب له يملكها ملكًا تامًا يتصرف فيه بالبيع وغيره. لتصريح الشارع بأنها لمن أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه.
وقال بعض أهل العلم إن قال هي لك ما عشت فإذا مت فإنها ترجع إلي فهي عارية صحيحة. ترجع إلى صاحبها. وكما لو أعمره شهرًا أو سنة. فإنها عارية إجماعًا. وقال الشيخ تصح العمرى وتكون للمعمر ولورثته. إلا أن يشترط المعمر عودها إليه فيصح الشرط. وهو قول طائفة من العلماء ورواية عن أحمد.
стр. 1453
فصل في العطية
أي في بيان حكم العطية ووجوب تعديل الوالد بين أولاده فيها. والعطية تمليك عين مالية موجودة مقدور على تسليمها معلومة أو مجهولة تعذر علمها في الحياة بلا عوض. قال الحارثي وغيره فهي مصدر. وليس عند أهل اللغة كذلك بل نفس الشيء المعطى. والجمع عطايا. وأما المصدر فالإعطاء. والاسم العطى. وأكثر المراد بالعطية هنا الهبة في مرض الموت.
(عن النعمان بن بشير) ﵁ (أن أباه أتى به النبي ﷺ ) ومن حديث جابر عند مسلم وغيره أن امرأة بشير وهي عمرة بنت رواحة قالت انحل ابني غلامًا وأشهد لي رسول الله ﷺ (فقال) بشير (إني نحلت) أي أعطيت (ابني هذا غلامًا كان لي) يعني بلا عوض. فالنحلة: العطية بلا عوض ولا استحقاق؛ والهبة. ولابن حبان أخذ بيدي وأنا غلام. ولمسلم انطلق بي يحملني فهو إذ ذاك صغير السن حين جيء به إلى رسول الله ﷺ وجاء بألفاظ كثيرة والقصة مشهورة (فقال رسول الله ﷺ أكل ولدك نحلته مثل هذا) أي هذا الغلام (فقال لا قال فارجعه) ولمسلم "أردده " أي أردد ما نحلته ولدك هذا دون إخوته.
(وفي لفظ انطلق بي) أي انطلق بشير بابنه النعمان إلى رسول الله ﷺ (ليشهده على صدقتي) أي على عطيته الغلام.
стр. 1454
(فقال) يعني رسول الله ﷺ (أفعلت هذا بولدك كلهم قال لا) ولمسلم من حديث جابر سأتلني أن أنحل ابنها غلامي فقال (له إخوة) قال نعم قال (فكلهم أعطيته مثل ما أعطيته) قال لا (قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ولمسلم أيضًا عن جابر "لا يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق" فدل على تحريم الشهادة على التفضيل تحملًا وأداء إن علم. ولأحمد وأبي داود والنسائي "اعدلوا بين أولادكم" ثلاث مرات ولأحمد "إن لنبيك عليك من الحق أن تعدل بينهم" (فرجع أبي في تلك العطية) أي ردها (متفق عليه) ولمسلم "فاشهد على هذا غيري" من باب التهديد. ثم قال "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء"؟ قال بلى قال "فلا إذًا".
فدل الحديث على وجوب العدل بين الأولاد في العطية. وهو قول جمهور أهل العلم. وفي بعض ألفاظ الحديث "لا أشهد على جور" قال ابن القيم وكل هذه ألفاظ صحيحة صريحه في التحريم والبطلان من عشرة أوجه تؤخذ من الحديث. وقال الشيخ الحديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك. وهو في ماله ومنفعته التي ملكهم. والذي أباحهم كالمسكن والطعام. قال ثم هنا نوعان: نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك. فتعديله في أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه. ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير. ونوع تشترك حاجتهم إليه من عطية أو نفقة أو تزويج
стр. 1455
فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.
وينشأ من بينهما نوع ثالث وهو أن ينفرد أحدهما بحاجة غير معتادة. مثل أن يقضي عن أحدهما ما وجب عليه من أرش جناية. أو يعطي عنه المهر. أو يعطيه نفقة الزوجية ونحو ذلك. ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر. وتجهيز البنات بالنحل أشبه. والأشبه في هذا أن يكون بالمعروف. فلو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر انفق عليه قدر كفايته. وأما الزيادة فمن النحل. قال ويتوجه في ولد البنين التسوية كآبائهم. ولا يجب بين سائر الأقارب الذين لا يرثونه كالأعمام والإخوة مع وجود الأب. وأما التسوية بين الذكور والإناث فقال ابن القيم وغيره عطية الأولاد المشروع أن تكون على قدر ميراثهم. لأن الله منع مما يؤدي إلى القطيعة والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفضيل. فيفضي ذلك إلى العداوة ولأن الشرع أعلم بمصالحنا اهـ.
وإن أعطاه لمعنى فيه من حاجة أو زمانة أو عمى. أو كثرة عائلة أو لاشتغاله بالعلم ونحوه كصلاحه. أو منع بعض ولده لفسقه أو بدعته. أو لكونه يعصى الله بما يأخذه ونحوه جاز التخصيص والتفضيل. وبدون معنى يخصه تجب التسوية برجوع حيث أمكن الرجوع فيما فضل به بعضهم على بعض أو بإعطاء المفضول ليستوي بمن فضل. ولو في مرض الموت. لأنه من العدل الواجب وإن مات قبل ذلك فقال الشيخ وغيره
стр. 1456
للباقين الرجوع على المفضل.
(ولهما عن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا العائد في هبته) أي الذي يهب شيئًا ثم يرجع فيه (كالكلب يقيء) أي يستخرج ما في جوفه (ثم يرجع) وفي لفظ ثم يعود (في قيئه) وهذا من أبلغ الزجر. وللبخاري "ليس لنا مثل السوء الذي يعود من أبلغ الزجر. وللبخاري "ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" فدل على تحريم الرجوع في الهبة اللازمة. وهو مذهب جمهور أهل العلم. سواء عوض عنها أولًا. لأن الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابًا إلا ما استثناه الشارع. وهو ما إذا وهب لولده فله الرجوع فيه.
(وعنه مرفوعًا لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها) وفيه "مثل الرجل يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم رجع في قيئه" إلا ما استثناه النبي ﷺ كقوله (إلا الوالد فيما يعطي ولده) أي فله الرجوع بشرطه (رواه الخمسة) وغيرهم (وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم. قال الحافظ وغيره القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض مذهب جمهور العلماء. إلا هبة الوالد لولده فيجوز له أن يرجع فيما وهب لابنه. وهذا مذهب الجمهور. وذلك بأن يكون ما وهبه عينًا باقية في ملك الابن. وباقية في تصرفه. وأن لا تزيد عند الولد زيادة متصلة. وأن لا يكون الأب قد أسقط حقه من الرجوع. وإن أفلس الابن وحجر عليه فلا رجوع للأب.
стр. 1457
وكذا قال الشيخ ما لم يتعلق به حق رغبة. فلا يرجع بقدر الدين. ولا بقدر الرغبة. وعموم لفظ الوالد يدل على أن للأم الرجوع كالأب. ولأنه طريق إلى التسوية وربما لا يكون لها طريق غيره. ولأنها ساوته في تحريم تفضيل بعض ولدها. فينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضلت به تخليصًا لها من الإثم. وإزالة التفضيل المحرم. قال الموفق وهذا الصحيح إن شاء الله تعالى.
(ولهم) أي وللخمسة وابن حبان والحاكم وغيرهم (من حديث عائشة) ﵂ أي أنها قالت قال رسول الله ﷺ (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم) سواء كان عملًا بيد أو اتجار أو غير ذلك من أنواع المكاسب المباحة (وإن أولادكم من كسبكم حسنه الترمذي) وفي لفظ "ولد الرجل من أطيب كسبه. فكلوا من أموالهم هنيئًا " رواه أحمد.
(ولابن ماجه من حديث جابر: أنت ومالك لأبيك) وذلك أن رجلًا قال يا رسول الله إن لي مالًا. وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال ذلك. ولفظ أبي داود من حديث عمرو بن شعيب إن لي مالًا وولدًا وإن والدي يريد أن يجتاح مالي فقال: "أنت ومالك لأبيك. إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئًا " وفي البزار وغيره عن سمرة وغيره نحوه. وبمجموعها تدل على أن للوالد الأخذ والتملك والأكل من مال ولده ما لم يضره ولا يحتاجه. قال الشيخ له
стр. 1458
التملك من مال ولده ما لم يتعلق به حق كالرهن والفلس. وإن قوله "أنت ومالك لأبيك" يقتضي إباحة نفع نفسه كإباحة ماله.
وإنه يجب على الولد خدمة أبيه. ويقويه جواز منعه من الجهاد والسفر ونحو ذلك فيما يفوت انتفاعه به. لكن هذا يشترك فيه الأبوان. واشترط بعض أهل العلم ستة شروط: أن يكون ما يأخذه من مال ولده فاضلًا عن حاجة الولد. وأن لا يعطيه لولد آخر. وأن لا يكون في مرض موت أحدهما. وأن لا يكون الأب كافرًا والابن مسلمًا. وأن يكون عينًا موجودة. والسادس حصول تملكه بقبض مع قول أو نية. وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه إلا بنفقته الواجبة عليه. وله المطالبة بعين مال له بيد أبيه. وإن مات رجع الابن بدينه في تركته.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ سئل أي الصدقة أفضل) وأعظم أجرًا قال "أما وأبيك لتفتأن" من الفتيا وفي نسخة "لتنبأن" من النبأ (قال أن تصدق) بتخفيف الصاد. وأصله أن تتصدق (وأنت صحيح) أي سليم من مرض مخوف (شحيح) أي حريص على الضنة بالمال. وهو الجامع للبخل مع الحرص. فهو أبلغ منه (تأمل الغنى) أي تطمع في الغنى (وتخشى الفقر) فمجاهدة النفس حينئذ على إخراج المال آية صحة القصد وقوة الرغبة. فكان ذلك أفضل. لأن صحة البدن تجعل للمال موقعًا في القلب. لما يأمله من
стр. 1459
البقاء. والمرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه. فاشترطت صحة البدن في الشح بالمال.
وحيث أن الشح غالبًا في الصحة. فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر. بخلاف من يئس من الحياة. ورأى مصير المال لغيره (ولا تمهل) أي لا تؤخر الصدقة في الصحة (حتى إذا بلغت الحلقوم) أي قاربت الروح بلوغ الحلقوم. وهو الوصول إلى مجرى النفس عند الغرغرة ولم تبلغه بالفعل. إذ لو بلغته لما صح تصرفه (قلت لفلان كذا) أي لمن يعطيه أو يوصي له (ولفلان كذا) أي لمن يعطيه. أو يوصي له أيضًا على سبيل المثال (وقد كان لفلان) يعني الوارث (متفق عليه).
فدل على أن التصدق في حال الصحة أفضل منه في حال المرض. لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبًا. لما يخوفه به الشيطان. ويزين له من إمكان طول العمر. والحاجة إلى المال. كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ وللترمذي وصححه "مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل
الذي يهدي إذا شبع" ولأبي داود "لأن يتصدق الرجل
في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند
موته بمائة" وفي معنى ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا
رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ وجاء في
فضل الصدقة آيات وأحاديث كثيرة. منها ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ وخبر "والصدقة تطفيء الخطيئة" وغير
стр. 1460
ذلك فدل على فضلها في الصحة وجوازها عند الموت قبل الغرغرة.
(ولمسلم) وغيره (عن عمران بن حصين) ﵁ (أن رجلًا أعتق في مرضه) أي الذي مات فيه (ستة أعبد) قال القرطبي ظاهره أنه نجز عتقهم في مرضه. ولأحمد عن أبي زيد عند موته (لم يكن له مال غيرهم) أي غير ستة الأعبد (فاستدعاهم النبي ﷺ فجزأهم أثلاثًا) أي اعتبر عدد أشخاصهم (فأعتق اثنين وأرق أربعة) وقال له قولًا شديدًا وفي لفظ فجاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله ﷺ بما صنع. قال "أو فعل ذلك؟ لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه" ولأحمد "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين" قاله تغليظًا شديدًا وذمًا بليغًا. لأن الله لم يأذن للمريض بالتصرف إلا في الثلث. فإذا تصرف في أكثر منه كان مخالفًا لحكم الله. مشابهًا لمن وهب غير ماله.
وحكي الإجماع على أن تصرفات المريض لا تجوز بأزيد من الثلث لمن له وارث لهذا الخبر وغيره. ولابن ماجه وغيره "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم " وقال سعد لرسول الله ﷺ لا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بشطر مالي قال "لا" قال فالثلث قال: "الثلث والثلث كثير" ففيها ونحوها أن تبرع المريض مرضًا مخوفًا متصلًا بالموت بعتق أو عطية أو هبة أو نحوها لا يصلح إلا من الثلث عند الموت. وهو مذهب جمهور
стр. 1461
العلماء أبي حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي.
والمراد بالمرض المخوف كبرسام وذات الجنب ووجع قلب ودوام قيام ورعاف. وأول فالج وآخر سل. والحمى المطبقة ومثله من وقع الطاعون ببلده. أو كان بين الصفين عند التحام حرب. أو في لجة بحر عند هيجانه. أو قدم أو حبس للقتل. ونحو ذلك. قال الشيخ وأقرب ما يقال ما يكثر حصول الموت منه. فلا يلزم تبرعه بما فوق الثلث. ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة لهما إن مات منه. وإن عوفي من ذلك فتبرعه كتبرع الصحيح في نفوذ عطاياه كلها. وكذا من مرضه غير مخوف كصداع يسير ووجع ضرس ونحو ذلك. لأنه في حكم الصحيح.
وإن ملك من يعتق عليه بهبة أو وصية. أو أقر أنه أعتق ابن عمه في صحته عتق من رأس المال. لأنه لا تبرع فيه. بل كالحقوق التي تلزم بالشرع. وإن اشترى في مرضه المخوف من يعتق عليه ويرث منه كأبيه ونحوه عتق من الثلث وورث. وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدره. وإن قال أنت حر آخر حياتي عتق وورث. وإن دبره عتق ولم يرث. وإن ضاق الثلث عن العطايا في مرض الموت والوصايا قدمت العطايا لأنها لازمة ويبدأ بالأول فالأول في العطايا. ويعتبر القبول لها عند وجودها
ويثبت الملك إذًا وإن اتهموا المريض بالتبرع زيادة
стр. 1462
على الثلث مثل أن يتصدق أو يهب أو يحابي ولا يحسب ذلك. أو خافوا أن يعطي بعض المال لإنسان يمتنع عطيته ونحو ذلك.
فقال الشيخ يملك الورثة أن يحجروا على المريض إذا اتهموه. وكذلك لو كان المال بيد وكيل أو غير ذلك أو مضارب وأرادوا الاحتياط على ما بيده. بأن يجعلوا معه يدًا أخرى فالأظهر أنهم يملكون ذلك. وهكذا يقال في كل عين تعلق بها حق الغير. وقال نكاح المريض في مرض موته صحيح. وترث المرأة في قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. ولا تستحق إلا مهر المثل لا الزيادة عليه. بالاتفاق وقال ابن رشد دلت الدلائل على أنه إن قصد بالنكاح خيرًا لا يمنع. وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع. كما في أشياء من الصنائع.
باب الوصايا
جمع وصية. من وصيت الشيء إذا وصلته. فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته. واصطلاحًا الأمر بالتصرف بعد الموت. أو التبرع بالمال بعده. قال ابن رشد الوصية بالجملة هي هبة الرجل ماله لشخص آخر أو لأشخاص بعد موته. أو عتق غلامه. سواء صرح بلفظ الوصية أو لم يصرح به.
وهذا العقد عند أهل العلم من العقود الجائزة اهـ. وتصح
من البالغ الرشيد. ومن الصبي العاقل والسفيه
стр. 1463
بالمال. ومن الأخرس بإشارة مفهومة. وإن وجدت وصية إنسان بخطه الثابت ببينة أو إقرار ورثته صحت. وقال الشيخ تصح الوصية بالرؤيا الصادقة المقترنة بما يدل على صدقها لقصة ثابت بن قيس. والأصل في الوصية الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي فرض عليكم ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ أي جاء ﴿أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي أسبابه وآثاره من العلل والأمراض ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي مالًا كثيرًا عرفًا ورجح الموفق أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لم تستحب الوصية لقوله "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" وقال الشعبي ما من مال أعظم أجرًا من مال يتركه الرجل لولده يغنيهم به عن الناس ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير أو من غير إسراف ولا تقتير.
وكان ذلك واجبًا في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ثم نسخت بآية الميراث. وقال ﷺ "إن الله قد أعطى كل ذي جق حقه فلا وصية لوارث" فرفع حكم أهل الفروض والعصبات بالكلية. وبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم. يستحب أن يوصي لهم من الثلث فما دونه في قول عامة أهل العلم. استئناسًا بهذه الآية الكريمة وما اشتملت عليه وبينته السنة مما سيأتي وغيره. ومنها الحديث القدسي "ابن آدم جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك به
стр. 1464
وأزكيك" فالوصية لمن له مال مستحبة قال الوزير أجمعوا على أنه مستحبة مندوب إليها لمن لا يرث الموصي من أقاربه وذوي أرحامه.
وقال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء إذا كانوا ذوي حاجة. لأن الله كتب الوصية للوالدين والأقربين فخرج منه الوارثون بقوله ﷺ "لا وصية لوارث" وبقي سائر الأقارب على الوصية لهم. وأقله الاستحباب فإن أوصي لغيرهم وتركهم صحت في قول أكثر أهل العلم. وإن لم يكن له قريب منه فقير فللمساكين. وعالم ودين ونحوهم. وأجمعوا على أن من كانت ذمته معلقة بأمانة أو دين ونحو ذلك فالوصية واجبة عليه. وأن الوصية غير واجبة لمن ليس عنده أمانة يجب عليه الخروج منها. ولا عليه دين. أو عليه ولا يعلم من هو له. أو ليس عند وديعة بغير إشهاد.
(وقال ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ أي الإرث من بعد وصية إن كان أو دين إن كان. والإرث مؤخر عن كل واحد منهما إجماعًا. وللترمذي وغيره عن علي ﵁ "قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية" قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم فيخرج الواجب كله من دين لله أو لآدمي من كل ماله. وإن لم يوص به وإنما قدم الوصية لأنها كانت على وجه البر والصلة والدين يقع بعد الميت بنوع تفريط. بدأ بالوصية لكونها أفضل. أو لأن الوصية شيء يؤخذ
стр. 1465
بغير عوض فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين فبدأ بها. أو لأنها حظ الفقير غالبًا. والدين حظ الغريب ويطلبه بقوة. أو قدمت لأجل ذلك كله وغيره. ولا نزاع في أن الدين مقدم على الوصية.
﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ أي لتكن وصيته على العدل. لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه أو يزيده على ما فرض الله له من الفريضة. أو يجاوز الثلث في الوصية أو غير ذلك مما يخالف السنة. فقيد تعالى ما شرعه من الوصية بعدم الضرار. فتكون الوصية المشتملة على الضرار باطلة لمخالفتها لما شرعه الله تعالى. وللترمذي وغيره وحسنه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ﴾ إلى قوله ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾. وفي هذا الوعيد الشديد لأن مجرد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعددة فلا ريب أنها من أشد الذنوب. وعن ابن عباس وصية الضرار من الكبائر.
(وعن أبي الدرداء) عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي أسلم يوم بدر وشهد أحدًا وولاه معاوية قضاء دمشق أيام عمر
стр. 1466
ومات في أيام عثمان ﵃ (أن النبي ﷺ قال إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم) وذلك أن الميت ينتقل عنه ماله بالموت إلى ورثته وإنما أذن له بالثلث ليتقرب به إلى الله (عند وفاتكم) يعني ما يتقرب به مما يخلف (زيادة في حسناتكم ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم) وتقدم "أو صدقة جارية" لما ذكر أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث (رواه الدارقطني) ونحوه لأحمد وابن ماجه والبزار. وسكت عليه الحافظ في التخليص. وفيه وما في معناه دليل على أن الإذن بالتصرف في ثلث المال عند الوفاة من الألطاف الإلهية. والتكثير للأعمال الصالحة. وهو من الأدلة على اشتراط القربة في الوصية.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال ما حق امرئ) ولابن عبد البر لا يحل لامرئ (مسلم) وقال الشافعي والخطابي وغيرهما ما الحزم والاحتياط لمسلم (له شيء يريد أن يوصي فيه) بتصرف بعد الموت أو تبرع بمال بعده (يبيت ليلتين) ولمسلم "ثلاث" والمراد لا يمضي عليه زمان ,عن كان قليلًا (إلا ووصيته مكتوبة عنده) لأنه لا يدري متى يأتيه منيته فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك (متفق عليه) وذكر المسلم لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك. وإلا فوصية الكافر جائزة في الجملة. وحكى ابن المنذر فيه الإجماع. قال ابن عمر ﵄ لم أبت ليلة منذ
стр. 1467
سمعت رسول الله ﷺ إلا ووصيتي عندي. وتقدم الإجماع على الندب عليها. وأن المراد الحزم والاحتياط. لئلا يفجأه الموت وهو على غير وصية. وتفويض الأمر إلى إرادة الموصي يدل على عدم الوجوب. بخلاف من عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالدين والوديعة ونحوهما. فترجح قول الجمهور أن الوصية غير واجبة بعينها. وإنما الواجب بعينة الخروج من الحقوق الواجبة للغير. سواء كان بتنجيز أو وصية.
ومحل وجوب الوصية إذا كان عاجزًا عن تنجيزه ولم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته.
وقالوا لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة. ولا ما جرت العادة بالخروج منه. والوفاء به عن قرب. وفي الحديث دليل على جواز الاعتماد على الكتابة والخط. ولو لم يقترن ذلك بالشهادة. فإذا عرف خط الموصي عمل به. ومثله خط الحاكم. وعليه عمل الناس قديمًا وحديثً. وقد كان رسول الله ﷺ يبعث الكتب وتقوم بها الحجة. ما جرت به عادة الناس من كتب الشاهدين ونحو ذلك فليس فيه نص من الشارع. واستحبه بعضهم قطعًا للنزاع. واحتياطًا وحفظًا لما فيها.
وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن أنس موقوفًا: كانوا يعني أصحاب رسول الله ﷺ يكتبون في صدور وصاياهم هذا ما أوصى به فلان ابن فلان. أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأن محمدًا عبده ورسوله. وأن الساعة آتية لا ريب
стр. 1468
فيها وأن الله يبعث من في القبور. وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين. وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ وفي وصية أبي الدرداء وغيره نحو ذلك.
(ولهما عن سعد بن أبي وقاص) ﵁ (قلت يا رسول الله أنا ذو مال) وفي رواية كثير أو كبير (ولا يرثني إلا ابنة لي) واحدة قاله في حجة الوداع. ثم ولد له بعد ذلك قيل أكثر من عشرة. ومن البنات اثنتا عشرة (أفأتصدق بثلثي مالي؟) وفي لفظ أوصي بثلثي مالي (قال لا قولت فالشطر قال لا) وفي لفظ قلت أفأتصدق بشطر مالي أي النصف (قال لا قلت فالثلث) أي أتصدق بثلثه (قال الثلث والثلث كثير) وصفه بالكثرة بالنسبة إلى ما دونه وأن الأولى الاقتصار عليه. كما قال ابن عباس وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية.
(إنك أن تذر) بفتح الهمزة وكسرها (ورثتك أغنياء) عبر ﷺ بلفظ الورثة ولم يكن له إذ ذاك إلا ابنة لكون الوارث لم يتحقق أو لوجود أولاد أخيه وإنما قال سعد ذلك بناء على موته في ذلك المرض (خير من أن تذرهم عالة) أي فقراء جمع عائل (يتكففون الناس أي يسألون الناس بأكفهم. فعلل كثرة الوصية بذلك. وفيه دليل على منع الوصية بأكثر من الثلث لمن
стр. 1469
له وارث. وعلى هذا استقر إجماع أهل العلم.
واستحب الجمهور الأقل من الثلث. كما ذهب إليه ابن عباس. وبه أوصى أبو بكر وعمر: أبو بكر بالخمس. وعمر بالربع. قال قتادة والخُمس أحبّ إليَّ. وقال الموفق وغيره هو أفضل للغني. وقال الوزير أجمعوا على أنه إنما يستحب للموصي أن يوصي بدون الثلث مع إجازتهم له عملا بإطلاق النصوص. وقوله "إنك أن تذر ورثتك أغنياء" يشعر باعتبار الورثة. وقال ابن القيم الصحيح أن له ذلك. لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث إذا كان له ورثة. فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله. فتجوز وصيته إذًا بكل ماله. إذا لم يكن له ورثة لا بفرض ولا عصبة ولا رحم ولا ولاء ولا نكاح. ولو ترك زوجًا أو زوجة لا غير. وأوصى بجميع ماله ورد أحد الزوجين بطلت بقدر فرضه من الثلثين. ولو أوصى أحد الزوجين للآخر بماله كله وليس له وارث غير الزوج أخذ المال كله فرضًا ووصية.
وإن لم يف الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط عند الجمهور فيتحاصون لا فرق بين متقدمها ومتأخرها والعتق وغيره لأنهم تساووا في الأصل. وإن تفاوتوا في المقدار. فوجبت المحاصة كمسائل العول. وهذا مذهب جمهور العلماء أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم. وإن قال أدوا الواجب من ثلثي بدئ به من الثلث فإن فضل شيء من الثلث أخذه صاحب التبرع.
стр. 1470
وإلا سقط التبرع إلا أن يجيز الورثة ولا يعتبر القبول ولا يثبت الملك إلا بعد الموت قال الوزير: أجمعوا على أن لزوم العمل بالوصية إنما هو الموت. واتفقوا أنها إنما تلزم بعده.
(وللخمسة) إلا أبا داود من حديث عمرو بن خارجة. ولهم إلا النسائي من حديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال (إن الله أعطى كل ذي حق حقه) بما قدره من الفروض فلا وصية لوارث، وصححه الترمذي) وحسنه الحافظ وقال ولا يخلو إسناد كل منها من مقال لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا. وذكر الشافعي أنه متواتر. فقال وجدنا أهل الفُتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح "لا وصية لوارث" ويأثرونه عمن حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم. فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد. وأخرج نحوه البخاري عن ابن عباس موقوفًا وله حكم الرفع.
وقال الحافظ الحجة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره قال الشيخ ولما كان ما ذكره تعالى من تحريم تعدي الحدود عقب ذكر الفرائض المحدودة دل على أنه لا يجوز أن يزاد أحد من أهل الفرائض على ما قدر له ودل على أنه لا تجوز الوصية لهم وكان هذا ناسخًا لما أمر به أولًا من الوصية للوالدين والأقربين. ولهذا قال ﷺ عام حجة الوداع "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" رواه
стр. 1471
أهل السنن والسير. واتفقت الأمة عليه اهـ. والمراد بعدم صحة الوصية للوارث عدم اللزوم. لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة.
(وللدارقطني إلا أن يجيز الورثة) ولفظه من حديث عمرو بن شعيب " إلا أن يجيز الورثة " وحسنه الحافظ. فإذا رضي الوارث صارت صحيحة كما هو شأن بناء الخاص على العام. ولأن المنع إنما كان لحق الورثة. فإذا أجازوه لم يمتنع. قال الموفق في قول الجمهور. وقال الوزير أجمعوا على أن الوصية بالثلث لغير وارث جائزة. وأنها لا تفتقر إلى إجازة الورثة. وعلى أن ما زاد على الثلث إذا أوصى به من ترك بنين أو عصبة أنه لا ينفذ إلا الثلث. وأن الباقي موقوف على إجازة الورثة. فإذا أجازوه نفذ. وإن أبطلوه لم ينفذ. واتفقوا على أن لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك الورثة. وقال الموفق وغيره لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت. وهو كون الموصى له عند الموت وارثاً أولا.
(ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً في الرجل يعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فيحيف في وصيته) كأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث. أو فيما لا تجوز فيه الوصية (فيختم له بشر عمله) وتمامه " وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيدخل الجنة" ولفظ أبي داود والترمذي "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت
стр. 1472
فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" حسنه الترمذي. وفيه وعيد شديد وزجر وتهديد في الحيف في الوصية. كما أن له الأجر الجزيل في العدل فيها. وتقدم أن الضرار فيها يوجب بطلانها.
ويؤيد هذا الحديث ما رواه ابن عباس "إن الضرار في الوصية من الكبائر" وتقدم قوله (غير مضار) وذكر تعالى بعد التبديل في الوصية أن (من خاف من موص جنفاً أو إثماً) بأن زاد وارثاً ولو ببيع شيء محاباة ونحو ذلك إما مخطئًا غير عامد بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر. أو متعمدًا آثم في ذلك. (فأصلح بينهم) أي الوصي أو غيره فيصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي (فلا إثم عليه) وليس من التبديل في شيء.
فصل في الموصى له وإليه
والموصى به والوصية بالأنصباء والأجزاء. وما يتعلق بذلك. وأركان الوصية أربعة موص وصيغة والثالث موصى له والرابع موصى إليه.
﴿قال تعالى: إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ ذكرها تعالى بعد قوله ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ أي بالتوارث لما نسخ بالحلف
стр. 1473
والهجرة. أي إلا أن تواصوا لمن تولونه بما تحبون من ثلث أموالكم. وتقدم قوله (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين) ويأتي الأمر به. فتصح لمن يصح تملكه من مسلم وكافر معين كالهبة. وهو مذهب مالك وأحمد وأكثر أصحاب الشافعي. وقال محمد بن الحنفية في الآية هو وصية المسلم لليهودي أو النصراني. وعمر كسا خاله حلة وهو بمكة مشرك. وأسماء وصلت أمها وهي راغبة عن الإسلام. وصحح الحارثي أنه إذا لم يتصف بالقتال أو المظاهرة وإلا فلا. والمراد المعين فلا تصح لكافر غير معين كاليهود والنصارى والمجوس. أو فقرائهم كالوقف عليهم. وتصح الوصية لمكاتبه ومدبره وأم ولده. ولعبده بمشاع كثلثه. وبعتق منه بقدره. ولعبد غيره فهو من كسبه. لعموم هذه الآية وغيرها.
﴿وقال: فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أي بدل الوصية وحرفها فغير حكمها وزاد فيها أو نقص. وأعظم من ذلك لو كتمها من الأوصياء أو الأولياء أو الشهود ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ أي من بعد ما سمع قول الموصي ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ أي إثم التبديل والتغيير ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ والميت بريء منه. وقد وقع أجره على الله. وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لما أوصى به الموصي قد اطلع عليه ﴿عَلِيم﴾ بذلك وبما بدله الموصى إليهم أو غيرهم. حتى قال بعض أهل العلم الأولى ترك الدخول في الوصايا لما فيه من الخطر. وخصوصاً في هذه الأزمنة.
стр. 1474
لكن قال الحارثي وغيره الوصية إما واجبة أو مستحبة وأولوية ترك الدخول يؤدي إلى تعطيلها فالدخول قد يتعين فيما هو معرض للضياع. ولما فيه من درء المفسدة وجلب المصلحة. فيجوز أو يستحب الدخول لمن قوي عليه ووثق من نفسه. وقال بعضهم قربة مندوبة. وكما أن التغيير والتبديل مذموم. فحفظ مال المسلم مندوب وهو فعل أصحاب رسول الله ﷺ .
(وأمر النبي ﷺ عمر وأبا طلحة) ﵄ (وغيرهما) من الصحابة (أن يجعلوا وصاياهم في القربى) كقربى عمر وغيره (وللفقراء) وتقدم تعريفهم (وغير ذلك) كسبيل الله وابن السبيل وغير ذلك من أبواب البر. مما هو مشهور مستفيض بين المسلمين. جار عليه عملهم قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل. فعمر ﵁ جعلها في الفقراء وفي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل. بعد أن أمره النبي ﷺ بذلك. ومن الرواه من رفعه إلى النبي ﷺ . وأبو طلحة قال له النبي ﷺ " اجعلها في قرابتك" كما تقدم. فجعلها في حسَّان وأبي وغيرهما.
ولو أوصى لزيد والفقراء والمساكين فله التسع. ولو أوصى بثلثه للمساكين وله أقارب محاويج غير وارثين لم يوص لهم فهم أحق به. وفي أعمال بر وذريته ضعفاء جاز لمتوليها أن يدفع لهم ما يستغنون به. وإذا كانت غير حجة الإسلام صرفت عليهم.
стр. 1475
وكذا الأضحية لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا ولابد من تنفيذ الوصية ابتداء ثم النظر للمتولي عليها. كما أفتى به الشيخ عبد الرحمن بن حسن. وتصح الوصية لحمل تحقق وجوده قبل الوصية. ويقبل عنه وليه بعد موت الموصي. لا لما تحمل به هذه المرأة ما لم يتحقق وجوده قبل الوصية.
ولا تصح لملك أو بهيمة أو ميت. وإن أوصى لحي وميت فللحي نصف الوصية. وكذا لو مات أحدهما أو رد الوصية لعدم الأهلية. وإن أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه بألف مثلاً صرف من ثلثه مؤونة حجة بعد أخرى حتى ينفد وإن قال. بألف دفع لمن يحج به واحدة. وقال الشيخ لو وصى أن يحج عنه زيد تطوعاً بألف فيتوجه إذا أبى المعين حج عنه غيره. وقال ومن أوصى بإخراج حجة فولاية الدفع والتعيين للوصي الخاص إجماعاً. وإنما للولي العام الاعتراض عليه لعدم أهليته أو فعله محرماً.
(وأوصى عمر) ﵁ (بثمغ) أرض بخيبر وللبخاري كان أرضاً تقدم خبرها في الوقف.
(وأوصى أبو طلحة) ﵁ (ببيرحاء) بئر وبستان شمالي سور المدينة من جهة الشرق مربعة الطي يستقى الماء منها بالدلاء وقال ﷺ مال رابح وتصح بالمجهول كعبد وشاة عند جمهور العلماء وتقدم نحوه وبما يعجز عن تسلمه كآبق وطير
следующие страницы →