Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
أهل السنن والسير. واتفقت الأمة عليه اهـ. والمراد بعدم صحة الوصية للوارث عدم اللزوم. لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة.
(وللدارقطني إلا أن يجيز الورثة) ولفظه من حديث عمرو بن شعيب " إلا أن يجيز الورثة " وحسنه الحافظ. فإذا رضي الوارث صارت صحيحة كما هو شأن بناء الخاص على العام. ولأن المنع إنما كان لحق الورثة. فإذا أجازوه لم يمتنع. قال الموفق في قول الجمهور. وقال الوزير أجمعوا على أن الوصية بالثلث لغير وارث جائزة. وأنها لا تفتقر إلى إجازة الورثة. وعلى أن ما زاد على الثلث إذا أوصى به من ترك بنين أو عصبة أنه لا ينفذ إلا الثلث. وأن الباقي موقوف على إجازة الورثة. فإذا أجازوه نفذ. وإن أبطلوه لم ينفذ. واتفقوا على أن لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك الورثة. وقال الموفق وغيره لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن اعتبار الوصية بالموت. وهو كون الموصى له عند الموت وارثاً أولا.
(ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعاً في الرجل يعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فيحيف في وصيته) كأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث. أو فيما لا تجوز فيه الوصية (فيختم له بشر عمله) وتمامه " وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيدخل الجنة" ولفظ أبي داود والترمذي "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت
стр. 1472
فيضاران في الوصية فتجب لهما النار" حسنه الترمذي. وفيه وعيد شديد وزجر وتهديد في الحيف في الوصية. كما أن له الأجر الجزيل في العدل فيها. وتقدم أن الضرار فيها يوجب بطلانها.
ويؤيد هذا الحديث ما رواه ابن عباس "إن الضرار في الوصية من الكبائر" وتقدم قوله (غير مضار) وذكر تعالى بعد التبديل في الوصية أن (من خاف من موص جنفاً أو إثماً) بأن زاد وارثاً ولو ببيع شيء محاباة ونحو ذلك إما مخطئًا غير عامد بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر. أو متعمدًا آثم في ذلك. (فأصلح بينهم) أي الوصي أو غيره فيصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي. ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعاً بين مقصود الموصي والطريق الشرعي (فلا إثم عليه) وليس من التبديل في شيء.
فصل في الموصى له وإليه
والموصى به والوصية بالأنصباء والأجزاء. وما يتعلق بذلك. وأركان الوصية أربعة موص وصيغة والثالث موصى له والرابع موصى إليه.
﴿قال تعالى: إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا﴾ ذكرها تعالى بعد قوله ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ أي بالتوارث لما نسخ بالحلف
стр. 1473
والهجرة. أي إلا أن تواصوا لمن تولونه بما تحبون من ثلث أموالكم. وتقدم قوله (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين) ويأتي الأمر به. فتصح لمن يصح تملكه من مسلم وكافر معين كالهبة. وهو مذهب مالك وأحمد وأكثر أصحاب الشافعي. وقال محمد بن الحنفية في الآية هو وصية المسلم لليهودي أو النصراني. وعمر كسا خاله حلة وهو بمكة مشرك. وأسماء وصلت أمها وهي راغبة عن الإسلام. وصحح الحارثي أنه إذا لم يتصف بالقتال أو المظاهرة وإلا فلا. والمراد المعين فلا تصح لكافر غير معين كاليهود والنصارى والمجوس. أو فقرائهم كالوقف عليهم. وتصح الوصية لمكاتبه ومدبره وأم ولده. ولعبده بمشاع كثلثه. وبعتق منه بقدره. ولعبد غيره فهو من كسبه. لعموم هذه الآية وغيرها.
﴿وقال: فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أي بدل الوصية وحرفها فغير حكمها وزاد فيها أو نقص. وأعظم من ذلك لو كتمها من الأوصياء أو الأولياء أو الشهود ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ أي من بعد ما سمع قول الموصي ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ أي إثم التبديل والتغيير ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ والميت بريء منه. وقد وقع أجره على الله. وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لما أوصى به الموصي قد اطلع عليه ﴿عَلِيم﴾ بذلك وبما بدله الموصى إليهم أو غيرهم. حتى قال بعض أهل العلم الأولى ترك الدخول في الوصايا لما فيه من الخطر. وخصوصاً في هذه الأزمنة.
стр. 1474
لكن قال الحارثي وغيره الوصية إما واجبة أو مستحبة وأولوية ترك الدخول يؤدي إلى تعطيلها فالدخول قد يتعين فيما هو معرض للضياع. ولما فيه من درء المفسدة وجلب المصلحة. فيجوز أو يستحب الدخول لمن قوي عليه ووثق من نفسه. وقال بعضهم قربة مندوبة. وكما أن التغيير والتبديل مذموم. فحفظ مال المسلم مندوب وهو فعل أصحاب رسول الله ﷺ .
(وأمر النبي ﷺ عمر وأبا طلحة) ﵄ (وغيرهما) من الصحابة (أن يجعلوا وصاياهم في القربى) كقربى عمر وغيره (وللفقراء) وتقدم تعريفهم (وغير ذلك) كسبيل الله وابن السبيل وغير ذلك من أبواب البر. مما هو مشهور مستفيض بين المسلمين. جار عليه عملهم قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل. فعمر ﵁ جعلها في الفقراء وفي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل. بعد أن أمره النبي ﷺ بذلك. ومن الرواه من رفعه إلى النبي ﷺ . وأبو طلحة قال له النبي ﷺ " اجعلها في قرابتك" كما تقدم. فجعلها في حسَّان وأبي وغيرهما.
ولو أوصى لزيد والفقراء والمساكين فله التسع. ولو أوصى بثلثه للمساكين وله أقارب محاويج غير وارثين لم يوص لهم فهم أحق به. وفي أعمال بر وذريته ضعفاء جاز لمتوليها أن يدفع لهم ما يستغنون به. وإذا كانت غير حجة الإسلام صرفت عليهم.
стр. 1475
وكذا الأضحية لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا ولابد من تنفيذ الوصية ابتداء ثم النظر للمتولي عليها. كما أفتى به الشيخ عبد الرحمن بن حسن. وتصح الوصية لحمل تحقق وجوده قبل الوصية. ويقبل عنه وليه بعد موت الموصي. لا لما تحمل به هذه المرأة ما لم يتحقق وجوده قبل الوصية.
ولا تصح لملك أو بهيمة أو ميت. وإن أوصى لحي وميت فللحي نصف الوصية. وكذا لو مات أحدهما أو رد الوصية لعدم الأهلية. وإن أوصى من لا حج عليه أن يحج عنه بألف مثلاً صرف من ثلثه مؤونة حجة بعد أخرى حتى ينفد وإن قال. بألف دفع لمن يحج به واحدة. وقال الشيخ لو وصى أن يحج عنه زيد تطوعاً بألف فيتوجه إذا أبى المعين حج عنه غيره. وقال ومن أوصى بإخراج حجة فولاية الدفع والتعيين للوصي الخاص إجماعاً. وإنما للولي العام الاعتراض عليه لعدم أهليته أو فعله محرماً.
(وأوصى عمر) ﵁ (بثمغ) أرض بخيبر وللبخاري كان أرضاً تقدم خبرها في الوقف.
(وأوصى أبو طلحة) ﵁ (ببيرحاء) بئر وبستان شمالي سور المدينة من جهة الشرق مربعة الطي يستقى الماء منها بالدلاء وقال ﷺ مال رابح وتصح بالمجهول كعبد وشاة عند جمهور العلماء وتقدم نحوه وبما يعجز عن تسلمه كآبق وطير
стр. 1476
في هواء. وبالمعدوم كما يحمل حيوانه وشجرته. وبما فيه نفع مباح ككلب حرث وماشية وزيت متنجس ونحو ذلك. وإن أوصى بثلث ماله فاستحدث مالاً دخل في الوصية. وإن تلف الموصى به بطلت وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة. والاعتبار حالة الموت.
(وأوصت أم الشريد) ابن سويد الثقفي ﵄ (أن يعتق عنها رقبة مؤمنة) فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال عندي جارية سوداء فقال "ائت بها" فدعا بها فجاءت فقال لها "من ربك" قالت الله قال "من أنا" قالت أنت رسول الله قال "اعتقها فإنها مؤمنة" رواه أحمد وأبو داود والنسائي فدل الحديث على صحة الوصية بعتق الرقبة المؤمنة وفضلها ودل على جواز النيابة في العتق بالوصية. واكتفى بمعرفة الله ورسوله في كون تلك الأمة مؤمنة. وقد ثبت نحو ذلك في غير ما حديث.
(وعن عمرو) ابن شعيب عن أبيه عن جده (أن العاص) ابن وائل بن هشام القرشي السهمي (أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة) وكان عتق الرقاب معهوداً في الجاهلية (فأعتق) ابنه
(هشام خمسين رقبة) تنفيذاً لوصية أبيه العاص ابن وائل
(وأراد ابنه عمرو) ﵁ تنفيذ وصية أبيه كما فعل أخوه هشام (أن يعتق عنه الخمسين) الرقبة (الباقية) عليه
فجاء عمرو إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن أبي أوصى
стр. 1477
أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاماً أعتق عنه خمسين رقبة. وبقيت خمسون أفأعتق عنه؟.
(فقال رسول الله ﷺ لو كان) يعني العاص بن وائل (مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم أو حججتم عنه) وتقدم حكم النيابة في الحج (نفعه ذلك) فدل على صحة الوصية بالعتق. وفضل الوصية ونفعها لو كان مسلماً (رواه أبو داود) وقد صحح له بهذا الإسناد الترمذي وغيره فدل الحديث على صحة الوصية وصحة وصية الكافر بالمباح فالمندوب أولى ودل على أن الكافر إذا أوصى بقربة من القرب لم ينفعه ذلك لأن الكفر مانع لحبوط العمل بالكفر قال تعالى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ فأثبت لهم عملاً وقال ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا َ﴾ وقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم﴾.
فلا ينفع الكافر ما عمله ولا ما أوصى بفعله. ولا ما فعله له قرابته المسلمون من أي قربة من القرب كالصدقة والحج والعتق وغير ذلك. ولا يلزم تنفيذ وصيته. وأما صحتها فتصح وصية الذمي عند جمهور أهل العلم أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم. ولم يتعرض في هذا الخبر لعدم صحتها. وإنما ذكر عدم القبول. فتصح بالمباح إذ لا مانع. فلا تصح وصية مسلم ولا كافر لكنيسة وبيت نار وبيعة وصومعة. ولا أي مكان من أماكن الكفر أو عمارتها أو سدنتها. ولا لشيء من الإنفاق عليها لأنه معصية. ولا لكتب التوراة والإنجيل وبدع ونحوها.
стр. 1478
(وروي عن ابن مسعود) ﵁ من طريق محمد العزرمي (أن رجلاً أوصى) يعني في زمن النبي ﷺ (لرجل بسهم) أي من ماله (فأعطاه النبي ﷺ السدس) ومحمد العزرمي تكلم فيه أهل العلم. لكن هو قول علي وابن مسعود. وقال الموفق وغيره لا نعلم عن غيرهما خلافهما. وقال إياس بن معاوية السهم في كلام العرب السدس. وهو مذهب أحمد وغيره.
وإن صح الحديث المذكور. أو صح أن السهم في لسان العرب السدس فكما لو وصى له بسدس من ماله. والإ فقال الموفق وغيره الذي يقتضيه القياس أنه كما لو وصى له بجزء من ماله على ما اختاره الشافعي وغيره أن الورثة يعطونه ما شاءوا.
وإن أوصى بشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء قولاً واحداً. لأن القصد بالوصية بره. وإنما وكل قدر الموصى به وتعيينه إلى الورثة. لأنه لا حد له في لغة ولا في شرع. فكان على إطلاقه. وإن كان له ثلاث أولاد مثلاً فأوصى لشخص بمثل نصيب أحدهم. فقال الجمهور: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم له الربع. وإن أوصى بمثل نصيب أحد ورثته ولم يعين كان له مثل ما لأقلهم نصيباً.
(وقال سعد بن أبي وقاص) ﵁ (أوصى أخي) عتبة بن أبي وقاص (أن أنظر ابن أمة زمعة) فأقبضه له
стр. 1479
يعني أنه ابن له من أمة زمعة والحديث رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن أمة زمعة. فقال سعد يا رسول الله أوصاني أخي إذا قدمت أن أنظر ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابني. وقال ابن زمعة أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي. فرأى النبي ﷺ شبهاً بينا بعتبة. فقال "هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش. واحتجبي منه يا سودة" وسيأتي إن شاء الله. ووجه الاستدلال به هنا جواز الإيصاء بالنيابة في دعوى النسب. والمحاكمة في ذلك. فإن النبي ﷺ لم ينكر على سعد دعواه بوصاية أخيه في ذلك. بل أقرها وحكم بينهما.
(وأوصى أبو عبيدة) ابن الجراح الفهري أمين هذه الأمة وأحد العشرة ﵃ واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح أوصى (إلى عمر) ﵁ وأوصى عمر إلى ابنه عبد الله وأوصى عبد الله إلى ابنه جابر ﵄ في قضاء دينه وغيره (و) أوصى (إلى الزبير) ابن العوام جماعة من الصحابة ﵃ بسهم (عثمان بن عفان) ﵁ كما رواه البيهقي وأوصى الزبير إلى ابنه عبد الله في قضاء دينه وغيره (وغيره) أي وأوصى إلى الزبير غير عثمان منهم ابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والمقداد ومطيع واشتهر فكان كالإجماع.
حتى قال عمر لو تركت تركة أو عهدت عهداً إلى أحد لعهدت إلى الزبير إنه ركن من أركان الدين وقال الوزير اتفقوا
стр. 1480
على أن الوصية إلى العدل جائزة. وأن الوصية إلى الكافر لا تصح. وتصح وصية الكافر إلى المسلم إن لم تكن تركته نحو خمر. وتصح الوصية إلى عاجز. ويضم إليه أمين. وتصح إلى زيد وبعده إلى عمر. لقوله ﷺ "أميركم زيد فإن قتل فجعفر" وإلى صبي إذا بلغ كغائب إذا حضر. وتقدم أنه لا بأس بالدخول في الوصية لمن قوي عليها ووثق من نفسه. وأن الدخول فيها للقوي قربة.
وإذا أوصى إلى رجلين وأطلق لم يجيز لأحدهما التصرف دون الآخر. وهو مذهب الجمهور. مالك والشافعي وأحمد. وليس له أن يوصي إلا أن يجعل إليه. وله أن يوكل فيما لا يباشره مثله أو يعجز عنه كالوكالة. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد. وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيداً اشتراكا وإن جعل الحل واحد التصرف صح وإن مات أو غاب جعل الحاكم مكانه أميناً.
ولا تصح التوصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي كقضاء دينه وتفرقة وصيته والنظر لصغاره ونحو ذلك فلا تصح بالنظر على بالغ رشيد من أولاده من ورثته ولا بالنظر على أولادهما الأصاغر. ويصح قبول الوصية في حياة الموصي وبعد موته. وله عزل وصيه متى شاء كالوكالة. وقال بعضهم ليس للوصي عزل نفسه إن لم يجد حاكماً. لأنه تضييع للأمانة. وإبطال لحق المسلم. وكذا إن تعذر تنفيذ حاكم للموصى به.
стр. 1481
أو غلب على الظن إسناده إلى من ليس بأهل.
(وعن سعد) ﵁ ابن الأطول بن عبد الله بن خالد (الجهني) من جهينة القبيلة المشهورة (أن أخاه) يسار بن الأطول (ترك دراهم وعيالاً) وعليه دين قال فأردت أن أنفق الدراهم على عياله (فقال ﷺ إنه محتبس بدينه) فاقض عنه (فقال يا رسول الله قد أديت عنه) فيه استقلال الوصي في قضاء ديون الميت لإقرار النبي ﷺ ذلك. وحكى إجماعاً لنيابته عنه. ثم قال (إلا دينارين ادعتهما امرأة ولا بينة) أي وليس لها بينة
(قال فاعطها فإنها محقة رواه أحمد) وابن ماجه وغيرهما.
وفيه دليل على تقديم إخراج الدين على ما يحتاج إليه من نفقة أولاد الميت ونحوها. ولا خلاف في ذلك. وتقدم أن الدين يقدم على الوصية. وقال بعض أهل العلم لا يدفع إلا إذا ثبت ببينة. وقال الشيخ من ادعى ديناً على ميت وهو ممن يعامل الناس نظر الوصي إلى ما يدل على صدقه ودفع إليه. وإلا فتحريم الإعطاء حتى يثبت عند القاضي خلاف السنة والإجماع. وكذلك ينبغي أن يكون حكم ناظر الوقف ووالي بيت
المال. وكل وال على حق غيره إذا تبين له صدق الطالب
دفع إليه. وذلك واجب عليه إن أمن التبعية. وإن خاف التبعية فلا اهـ.
وإن ظهر دين يستغرق التركة بعد تفرقة الوصي لم يضمن
стр. 1482
لرب الدين شيئاً. لأنه معذور بعدم علمه بالدين. وإن أمكن الرجوع فعل. ووفى الدين. وإن قال الموصي ضع ثلثي حيث شئت. أو تصدق به على من شئت ونحو ذلك. فقال الجمهور لا يحل للوصي أخذه. وقال أصحاب الرأي وغيرهم له أخذه لنفسه وولده. وقال الموفق يحتمل أن يجوز ذلك عندنا أيضاً. لأن لفظ الموصي يحتمله. ويحتمل أن ينظر إلى قرائن الأحوال. فإن دلت على أنه أراد أخذه منه مثل أن يكون من جملة المستحقين أو عادته الأخذ من مثله فله الأخذ منه.
وقال الحارثي المذهب جواز الدفع إلى الولد والوالد ونحوهم. واختاره المجد وغيره. فإن عبارته تستعمل في الرضا بصرف الوصي إلى ما يختاره كيف كان. لا إلى ورثة الموصي. وإن قال اصنع في مالي ما شئت أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت ونحو ذلك من ألفاظ الإباحة لا الأمر فقال الشيخ له أن يخرج ثلثه. وله أن لا يخرجه. فلا يكون الإخراج واجباً ولا محرماً. بل هو موقوف على اختيار الوصي. وقال له صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عينها الموصي اهـ. والمال الموصى به في يد الموصى إليه أمانة يجب عليه حفظه حيث تحفظ الأمانات. وإن أودعه لخائن مع إمكانه أن لا يفعل فهو مفرط.
стр. 1483
كتاب الفرائض
جمع فريضة بمعنى مفروضة. أي مقدرة. فهي نصيب مقدر شرعاً لمستحقه. وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى نصيباً مفروضاً أي مقداراً معلوماً والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. وقد رغب في تعلمها الشارع صلوات الله وسلامه عليه. وأفردت بالتصانيف.
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال تعلموا الفرائض) أي أحكام المواريث (وعلموها الناس) ليتناقلوها فلا تنسى (فإنها نصف العلم) لأن للناس حالتين حياة وموتاً. وفي الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت. أو لأنه يبتلى بها الناس كلهم (رواه ابن ماجه) وفيه ضعف ولأحمد وأبي داود والترمذي والحاكم وغيرهم " تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض. وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما" ففيهما وغيرهما التحريض على تعلمها وتحفظها. لأنها لما كانت تنسى. وكانت أول ما ينزع من العلم. كان الاعتناء بحفظها
стр. 1484
أهم ومعرفتها لذلك أقوم. وعلمها هو العلم بقسمة المواريث الآتي تفصيله.
(وعن عبد الله بن عمرو) ﵁ (مرفوعاً العلم ثلاثة) أي العلم النافع المستمد من الكتاب والسنة ثلاثة. أو أصل علوم الدين ومسائل الشرع ثلاثة وضحها ﷺ بقوله (آية محكمة) وهي في كتاب الله العربي. واشترط فيها الإحكام. لأن من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به. وإنما يعمل بناسخه (أو سنة قائمة) أي دائمة متميزة وهي الثابتة بما جاء عن رسول الله ﷺ من السنن المروية (أو فريضة عادلة) إما من العدل فى القسمة فيكون معدله على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة. أو أن تكون مستنبطة منهما. ومن معانيهما. فتكون هذه الفريضة تعدل بما أخذ من الكتاب والسنة إن كانت في معنى ما أخذ عنهما نصاً. وفيه "وما سوى ذلك فهو فضل " أي زائد لا ضرورة فيه (رواه أبو داود) وغيره بسند صحيح.
فدل الحديث على أن العلم النافع الدي ينبغي تعلمه وتعليمه هو الثلاثة المذكورة. وما سواها فضل لا تمس الحاجة إليه. وإن زاحم العلم الشرعي. أو أضعفه كره أو حرم. وحد علم الفرائض هو العلم بفقه المواريث. وما يضم إلى ذلك من حسابها. وموضوعه التركات. وثمرته إيصال ذوي الحقوق حقوقهم. وحكمه في الشرع فرض كفاية وأركانه ثلاثة وارث. ومورث وحق موروث. وشروطه ثلاثة تحقق موت المورث
стр. 1485
وحياة الوارث. والعلم بمقتضى التوارث. والحقوق المتعلقة بتركة الميت: مؤونة التجهيز. ثم الديون. ثم الوصايا وتقدم ذلك. ثم الإرث.
باب الفروض
أي المقدرة في كتاب الله تعالى. وفي السنة عن رسول الله ﷺ وما أجمع عليه المسلمون. أو كان عليه الجمهور. والفروض بنص القرآن ستة: نصف وربع وثمن. وثلثان وثلث وسدس. والسابع وهو ثلث الباقي بالاجتهاد. وأسباب الإرث: رحم ونكاح وولاء والورثة ذو فرض وعصبة ورحم. وسيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
(قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وذلك أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة. فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان. فأبطل الله ذلك بالإسلام. ونزلت هذه الآية والتي بعدها. وخاتمة هذه السورة فهن آيات علم الفرائض. وهو مستنبط منها ومن الأحاديث الواردة في ذلك. مما هو كالتفسير لذلك. فقال تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ﴾ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم ﴿فِي﴾ أمر ﴿أَوْلاَدِكُمْ﴾ إذا متم. ويأمركم بالعدل فيهم. حتى استنبط بعض أهل العلم من ذلك أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها. حيث أوصى الوالدين بأولادهم. وقال ﷺ في امرأة من السبي تدور على
стр. 1486
ولدها "والله لله أرحم بعباده من هذه بولدها".
قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ أي ضعف ما للأنثى. لأن الرجال قوامون على النساء. والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى. فكان أحق بالتفضيل. سوى ولد الأم. لأنه لا يرث إلا بالرحم المجردة أو لأن الذكر مكلف أن ينفق على نفسه وعلى زوجته. فهو محتاج للتكسب وتحمل المشاق.
فناسب أن يعطي ضعفي ما تأخذه الأنثى. فللبنين والبنات المال المخلف عن الميت للذكر مثل حظ الأنثيين. وكذا أبناء البنين وبنات البنين. وإن نزلوا ومع الأبوين وإن عليا. أو أحد الزوجين ما بقي: للذكر مثل حظ الأنثيين ما ترك الميت من بعد وصية يوصي بها أو دين.
﴿فَإِن كُنَّ﴾ يعني المتروكات من الأولاد ﴿نِسَاء﴾ بنات صلب أو بنات أبناء. وإن نزلوا ﴿فَوْقَ﴾ صلة أي كن نساء ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ فصاعدًا ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ بشرط عدم المعصب. واستفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة. ومن خبر ابنتي سعد: أخذ عمهما ما لهما. فجاءت أمهما بهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله ﷺ "اعط ابنتي سعد الثلثين. وأمهما الثمن. وما بقي فهو لك" وهذا نص في المسألة. ولا نزاع في ذلك.
﴿وَإِن كَانَتْ﴾ يعني البنت ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ يعني
стр. 1487
مما ترك الميت بشرط عدم المعصب. وهو أخوها. والمشارك وهو أختها. وهكذا حكم بنت الابن وإن نزل. بشرط عدم الفرع الوارث الذي أعلى منها. وعدم المشارك. وهو أختها. والمعصب وهو أخوها. أو ابن عمها الذي في درجتها ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ أي لأبوي الميت ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ أي الأب والأم ﴿السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ الميت ﴿إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ فيرث كل واحد منهما السدس بشرط وجود الفرع الوارث. وهو الولد وولد الابن وإن نزل. وإن لم يكن له إلا بنت أو بنت ابن وأب وأم فللأب السدس وللأم السدس وللبنت أو بنت الابن النصف. ويبقى سدس للأب تعصيبًا.
والجد مثل الأب في هذه الصور. يرث بالفرض مع ذكور الولد أو ولد الابن. وبالتعصيب مع عدم الولد وولد الابن. وبالفرض والتعصيب مع إناثهما عند فقد الأب. ومع الإخوة كالأب في أصح القولين كما سيأتي. وتفارق أحكامه أحكام الأب في العمريتين والجدة فأكثر ترث السدس مع عدم الأم كما سيأتي. وكل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة. إلا ولد الأم لا يحجبون بها. بل يحجبونها من الثلث إلى السدس. وإلا أم الأب وأم الجد ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ﴾ أي للميت ﴿وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فرضًا والباقي للأب تعصيبًا.
﴿فَإِن كَانَ لَهُ﴾ أي للميت ﴿إِخْوَةٌ﴾ اثنان فأكثر ذكورًا أو إناثًا أو ذكورًا وإناثًا ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ إجماعًا سواء كان الإخوة
стр. 1488
وارثين أو غير وارثين عند الجمهور. والباقي يكون للأب إن كان معها أب أو جد. ولا ميراث للإخوة مع الأب. ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. ويقال إنهم إنما حجبوا أمهم لأن أباهم يلي إنكاحهم ونفقته عليهم دون أمهم. وهذه الفروض ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إن كان، فإن الإرث مؤخر عن الدين والوصية.
﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ يعني الذين يرثونكم ﴿لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ أي لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنكم من يظن أن الأب أنفع له فيكون الابن أنفع. ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع. وأنا العالم بما هو أنفع لكم. وقد دبرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ﴾ أي ما قدر الله من المواريث فرض من الله حكم به وقضاه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيما﴾ بأمور العباد ﴿حَكِيمًا﴾ يضع الأشياء في مواضعها. ويعطي كلًا ما يستحقه بحسبه.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ أي لكم أيها الرجال من الميراث نصف ما ترك أزواجكم ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ أي إن متن عن غير ولد ذكرًا كان أو أنثى واحدًا أو متعددًا. فالزوج يرث النصف من بعد الوصية. والدين. بشرط عدم الفرع الوارث. وهو الولد أو ولد الابن وإن نزل إجماعًا ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ
стр. 1489
وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فالزوج يستحق الربع بشرط وجود الفرع الوارث إجماعًا. وحكم أولاد البنين وإن نزلوا حكم أولاد الصلب بلا نزاع بين العلماء.
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ﴾ سواء كن واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا بشرط عدم الفرع الوارث إجماعًا ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فتستحق الزوجة أو الزوجات الثمن بشرط وجود الفرع الوارث إجماعًا. ففي زوج وأخ شقيق أو لأب، للزوج النصف والباقي للأخ. وفي زوج وابن، للزوج الربع وللابن الباقي. وفي زوجة وعم، للزوجة الربع وللعم الباقي. وفي زوجة وابن، للزوجة الثمن والباقي للابن.
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ﴾ أي تورث كلالة من الإكليل. وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه. والمراد هنا من يرثه من حواشيه. لا أصوله ولا فروعه. قال أبو بكر وعمر وابن عباس وغيرهم: الكلالة من لا ولد له ولا والد. وهو قول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة والفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف. وقد حكى الإجماع عليه غير واحد. وبيان ذلك مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله حيث قال: إنما يرثني كلالة. أي يرثني ورثة ليسوا بولد ولا والد. لأن
стр. 1490
آية الكلالة نزلت فيه. ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن. فصار شأن جابر بيانًا لمراد الآية ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي من أم بالإجماع. كما هو في قراءة بعض السلف. وكذا فسرها به أبو بكر ﵁ ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ أي الأخ من الأم أو الأخت من الأم. بشرط انفراده وعدم الفرع الوارث. وعدم الأصل من الذكور الوارث.
﴿فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أي فإن كان ولد الأم أكثر من واحد. بأن كانوا اثنين فصاعدًا ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ ذكرهم وأنثاهم فيه سواء بالإجماع. قال ابن القيم هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة القرآن. وفهم أكابر الصحابة. فيستحقون الثلث بشرط أن يكونوا اثنين فأكثر. وعدم الفرع الوارث. والأصل من الذكور الوارث. قال تعالى ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ أي الإرث المذكور من بعد الوصية والدين وغير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزة الثلث أو لوارث ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيم﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي ما ذكر من الفرائض المحدودة والمقادير التي جعلها للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه هي حدود الله ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ولا تجاوزوها ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي فيها فلم يزد أحداً ولم ينقصه بحيلة أو وسيلة بل تركهم على حكم الله ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
стр. 1491
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم. وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ لكونه غير ما حكم الله به ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين﴾.
(وقال في الكلالة) أي في آية الكلالة أيضًا في آخر سورة النساء وتسمى آية الصيف. وذلك أن الله أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في أول النساء وتقدمت. والأخرى في الصيف وهي التي في آخر النساء. قال عمر –﵁ ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة. فقال "ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء" وفيها من البيان ما ليست في آية الشتاء. فلذلك أحاله عليها. قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ أي عن الكلالة. وفي الصحيحين وغيرهما أن جابرًا قال يا رسول الله لا يرثني إلا كلالة فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي مات ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي من أم وأب أو من أب ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.
فتستحقه بشرط عدم المشارك. وهو أختها. والمعصب وهو أخوها إجماعًا، وكذا بنت الابن تستحق النصف بشرط عدم الفرع الوارث الذي أعلى منها. وعدم المعصب وهو أخوها. أو ابن عمها الذي في درجتها. وعدم المشارك وهو أختها أو بنت عمها التي في درجتها. بالإجماع. ولأحمد عن زيد بن ثابت أنه سئل عن زوج وأخت لأبوين فأعطى الزوج النصف والأخت
стр. 1492
النصف. وقال حضرت رسول الله ﷺ قضى بذلك
﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ أي أخوها لأبوين أو لأب ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ يرث جميع ما لها إذا ماتت. فإن كان لها ابن فلا شيء للأخ. وإن كان ولدها أنثى فللأخ ما فضل عن فرض البنت أو البنات إجماعًا.
﴿فَإِن كَانَتَا﴾ أي الأختان لأوبين أو لأب ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ فأكثر ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ إن لم يكن له ولد بالنص ووالد بالنص عند التأمل. لأنه لو كان معها أب لم ترث شيئًا. لأن يحجبها بالإجماع ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً﴾ لأبوين أو لأب ﴿رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ لما تقدم من أن الذكر أحوج إلى المال. ولأن الرجال قوامون على النساء ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ﴾ أي يفرض لكم فرائضه ويحد لكم حدوده ويوضح لكم شرائعه ﴿أَن تَضِلُّواْ﴾ أي لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ أي هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده. وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.
(وعن ابن مسعود) ﵁ (في بنت وبنت ابن وأخت، قضى النبي ﷺ للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت رواه البخاري) والخمسة إلا النسائي وفيه قصة. وذلك أن أبا موسى سئل عن هذه المسألة فقال للبنت النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود فقال قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. اقضي فيها بما قضى
стр. 1493
النبي ﷺ فذكر ذلك. قال: فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. وفيه دليل على أن الأخت مع البنت عصبة. لا يفرض لها معها. ولا مع البنتين. ولا مع بنت الابن وإن نزل. وأن للبنت النصف كما تقدم.
وأن بنت الابن فأكثر مع البنت تستحق السدس بشرط عدم المعصب. وعدم الفرع الوارث الذي أعلى منها سوى صاحبة النصف. فإنها لا ترث السدس إلا معها. وهذا لا نزاع فيه. وفي الصحيح أن معاذًا ورث أختًا وابنة. جعل لكل واحدة منهن النصف. وهو باليمن. والنبي ﷺ حي. ولا يقضي إلا بدليل يعرفه. ونصيب البنت فرض. ونصيب الأخت عصب. وهذا مجمع عليه. فإن الأخوات مع البنات عصبات.
قال ابن القيم ميراث البنات مع الأخوات وأنهن عصبة دل عليه القرآن. كما أوجبته السنة الصحيحة. وقضى به الصحابة ﵃ اهـ. والأخت لأب فأكثر مع أخت وإخوة لأبوين كبنت الابن مع بنت الصلب سواء للشقيقة، النصف وللأخت لأب فأكثر السدس تكملة الثلثين. مع عدم المعصب. والفرع الوارث. والأصل من الذكور الوارث.
(وعن بريدة) ابن الحصيب ﵁ (أن النبي ﷺ -
стр. 1494
جعل للجدة) من تركة الميت (السدس إذا لم يكن دونها أم رواه أبو داود) والنسائي وغيرهما. وللخمسة إلا النسائي عن المغيرة أن النبي ﷺ أعطاها السدس. فدل الحديث وغيره على أن فرض الجدة السدس. ولا نزاع في ذلك بشرط عدم الأم.
(وقال أبو بكر) الصديق ﵁ (في جدتين هو بينكما) يعني السدس رواه مالك في الموطأ. وكذا رواه الدارقطني وغيره. ورواه الخمسة إلا النسائي عن عمر ﵁ (وصححهما الترمذي) وحديث بريدة صححه أيضًا ابن السكن وابن خزيمة وابن الجارود وغيرهم. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ "قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما" رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند. ولا نزاع في ذلك.
(وروي) عن عبد الرحمن بن يزيد (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ (أنه) يعني النبي ﷺ (أعطاه) أي أعطى السدس (ثلاثًا) يعني ثلاث جدات ثنتين من قبل الأب. وواحدة من قبل الأم. رواه الدارقطني وغيره مرسلًا. ورواه البيهقي أيضًا عن زيد بن ثابت والأحاديث المذكورة وغيرها تدل على أن فرض الجدة الواحدة السدس. وكذلك فرض الجدتين إذا استوين بلا نزاع والثلاث. وحكاه ابن نصر وغيره إجماع الصحابة والتابعين. وإن كثرن إذا استوين وتستوي أم الأم وأم الأب لا فضل بينهما.
стр. 1495
فإذا اختلفن سقط الأبعد بالأقرب. سواء كن من جهة أو جهتين. وسواء كانت القربى من جهة الأم والبعدى من جهة الأب إجماعًا. أو بالعكس. وكل جدة أدلت بأب بين أمين فهي ساقطة. وقال الشيخ وغيره لا يرث غير ثلاث جدات: أم الأم وأم الأب وأم أب الأب وإن علون أمومة وأبوة. إلا المدلية بغير وارث كأم أب الأم اهـ. وترث أم الأب وأم الجد معهما كالعم. لما روى الترمذي وغيره عن ابن مسعود أول جدة أطعمها رسول الله ﷺ السدس أم أب مع ابنها وابنها حي وترث الجدة المدلية بقرابتين ثلثي السدس والأخرى ثلثه.
(وقضى عمر) ﵁ (بثلث الباقي للأم مع زوج) وأب أصلها من ستة للزوج النصف وللأم ثلث الباقي وهو سدس في الحقيقة والباقي للأب (أو زوجة وأب) وأصلها من أربعة للزوجة الربع وللأم ثلث الباقي واحد والباقي للأب. وتبعه الأئمة الأربعة وغيرهم. وتسمى العمريتين. لقضاء عمر ﵁ فيهما. وعبر فيهما بثلث الباقي للأم تأدباً مع القرآن. قال شيخ الإسلام وقول عمر ﵁ أصوب. لأن الله إنما أعطى الأم الثلث إذا ورثه أبواه. كما قال تعالى ﴿وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فأعطاها الثلث إذا ورثه أبواه. والباقي بعد فرض الزوجين هو ميراث بين الأبوين يقتسمانه. كما اقتسما الأصل. كما لو كان على الميت دين أو وصية فإنهما يقتسمان ما بقي أثلاثًا.
стр. 1496
باب التعصيب
أي بيان ذوي التعصيب وأقسامه. التعصيب مصدر عصب يعصب تعصيبًا فهو عاصب ويجمع العاصب علىعصبة. وتجمع العصبة على عصبات. ويسمى بالعصبة الواحد فأكثر. والعصبة لغة بنو الرجل وقرابته لأبيه. سموا بذلك لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به. وقيل لتقوي بعضهم ببعض.
من العصب وهو الشد. واصطلاحًا من يرث بلا تقدير. فإن انفرد أخذ جميع المال. ومع ذي فرض يأخذ الباقي. ومن الحكمة الإلهية أن جعل الميراث لأقارب الأب. وقدمهم على أقارب الأم. وجعل العصبة القائمين بنصرته وموالاته والذب عنه وحمل العقل عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً﴾ أي فإن كان ورثة الميت إخوة له من أبويه أو من أبيه ﴿رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وتقدم قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين) قال ابن كثير وغيره هذا حكم العصبات من البنين وبني البنين والإخوة يعني لأبوين أو لأب إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين. وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤونة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق. فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى. وتقدم أنه مكلف أن ينفق على نفسه وعلى زوجته.
стр. 1497
(وعن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ قال ألحقوا الفرائض) أي الأنصباء المنصوص عليها في الكتاب والسنة (بأهلها) المستحقين لها بالنص. وتقدم موضحًا (فما بقي) أي فضل بعد إعطاء ذوي الفروض فروضهم المقدرة لهم (فهو لأولى) أي لأقرب (رجل) من الميت (ذكر) تأكيد أنه ليس المراد بالرجل البالغ. بل الذكر وإن كان صغيرًا (متفق عليه) فدل الحديث على أنه يبدأ بذوي الفروض فيعطون فروضهم المنصوص عليها. وأن ما أبقت الفروض بعد أخذ مستحقيها يكون لأقرب العصبات من الرجال. لا يشاركه من هو أبعد منه. وحكاه النووي وغيره إجماعًا. وإن استووا اشتركوا.
وخرج من ذلك الابن وأخته. وابن الابن وأخته. والأخ لأبوين أو لأب وأخته. فتقدم أنهما يرثان معهم بنص القرآن. قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وقال: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وغيرهم من العصبة لا ترث أخته معه شيئًا. لأنهن من ذوي الأرحام. والعصبة ثلاثة أقسام عصبة بالنفس: وهم الابن وابنه وإن نزل. والأب والجد له وإن علا. والأخ لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك. ثم العم لأبوين ثم لأب ثم بنوهم كذلك. ثم المعتق والمعتقة. هؤلاء هم العصبة بالنفس.
والعصبة بالغير البنت مع الابن. وبنت الابن مع ابن
стр. 1498
الابن. والأخت الشقيقة مع أخيها. والأخت لأب مع أخيها. والعصبة مع الغير الأخوات مع البنات.
والأقرب من العصبة يحجب من دونه. وتقدم حجب الجد بالأب. والجدة بالأم. وابن الابن بالابن. ويسقط العم بالأخ. وابن العم بالعم. ومع الاستواء يقدم الأقوى. فيسقط الأخ لأب بالأخ لأبوين. والعم لأب بالعم لأبوين وهكذا. والحجب من أعظم أبواب الفرائض وأهمها. حتى قال بعضهم حرام على من لم يعرف الحجب أن يفتي في الفرائض.
والحجب من حيث هو قسمان: حجب أوصاف. وهي موانع الإرث الثلاثة: الرق والقتل واختلاف الدين. ويتأتى على جميع الورثة. والمحجوب به وجوده كعدمه. وحجب أشخاص: وينقسم إلى حجب حرمان. وحجب نقصان وحجب الحرمان يتأتى على جميع الورثة إلا الأبوين والولدين والزوجين. وأما حجب النقصان فيتأتى على جميع الورثة.
(ولهما عن أبي هريرة مرفوعًا أيما مؤمن مات وترك مالًا) بعد مؤنة تجهيزه وقضاء دينه إن كان (فليرثه عصبته من كانوا) ولمسلم فإلى العصبة يعني ما خلف إن لم يكن ثم ذو فرض. وهذا لا نزاع فيه. وإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن وإن نزل ولا أب ولا وجد وإن علا. ولا أخ لأبوين أو لأب ولا بنوهم وإن نزلوا. ولا عم لأبوين أو أب ولا بنوهم ورثه أعمام جده. ثم
стр. 1499
بنوهم. ثم أعمام أبي جده ثم بنوهم. وهكذا ثم معتق ثم عصبته ثم مولى مولى معتق ثم عصبته وهكذا فإن لم يوجد عصبة ووجد ذو فرض رد عليه غير الزوجين. وإن لم يوجد فذو الأرحام كما يأتي.
(وعن عمران بن حصين) ﵁ (قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن ابن ابني مات فمالي من ميراثه) فالميت ابن ابن السائل خلف ابنتين وجد (قال) ﷺ للسائل وهو جد الميت (لك السدس) وهو أقل ما يرثه الجد (فلما ولى دعاه) وفي لفظ فلما أدبر دعاه (فقال لك سدس آخر) أي غير السدس المفروض لك (فلما ولى دعاه) أي فلما ذهب ناداه رسول الله ﷺ (فقال إن السدس الآخر طعمة) أي رزقكه الله طعمة بسبب عدم كثرة أصحاب الفروض. فإنهم إن كثروا لم يبق لك هذا السدس الآخر. لأنه ورثه بالتعصيب لا بالفرض. رواه الخمسة (وصححه الترمذي) فدل الحديث على أن للجد الباقي بعد الفروض. وأصل المسألة من ستة: للجد السدس فرضًا. وللبنتين الثلثان. وبقي سدس للجد تعصيبًا. ولذلك لم يدفع إليه السدس الآخر. أولًا. لئلا يظن أن فرضه الثلث. وتركه حتى ولى. فقال لك سدس آخر. وهو بقية التركة. فلما ذهب دعاه فقال إن السدس الآخر طعمة أي زيادة على الفرض الذي لك فله سدس فرض. والباقي تعصيب. فهو كالأب مع البنات أو بنات الابن بلا نزاع في ذلك بين المسلمين.
стр. 1500
وتفارق أحكامه أحكام الأب في العمريتين إجماعًا. ومع الإخوة عند بعض أهل العلم فيجعلونه كأخ منهم. ما لم تنقصه المقاسمة عن الثلث أو السدس مع ذي فرض. فيأخذه ومذهب أبي بكر وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين وأبي حنيفة أنه كالأب. فيحجب الإخوة مطلقًا. وهو رواية عن أحمد. اختارها شيخ الإسلام وابن القيم. واستظهرها في الفروع.
واختاره بعض الشافعية. والشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقال ابنه عبد الله هو المفتى به عندنا. وقال شيخنا هو الصواب.
ورجح بأمور أحدها العمومات. ولم يسم الله الجد بغير اسم الأبوة. والثاني محض القياس. قال ابن عباس ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنًا. ولا يجعل أبا الأب أبًا. والثالث أن توريثهم معه وكيفياته لو كان من الله لم يهمله النبي ﷺ بل وضحه والرابع أن الذين ورثوا الإخوة معه اختلفوا في كيفية ذلك ولم يجزموا بل معهم شك ومقرون أنه محض رأي لا حجة فيه ولا قياس. ولا ريب أن من ورث الجد وأسقط الإخوة هو أسعد الناس بالنص والإجماع والقياس. وعدم التناقض. وقد فاز بدلالة الكتاب والسنة والقياس. وأيضًا لم يختلف على الصديق ﵁ في زمانه فكان إجماعًا قديمًا.
(وعن علي) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال إن أعيان بني الأم يتوارثون) أي يرث الإخوة الأشقاء (دون بني العلاة) أي الإخوة لأب فقط سمي الإخوة الأشقاء بني الأعيان
стр. 1501
لأنهم من عين واحدة والإخوة لأب بني العلات جمع علة بفتح العين وهي الضرة. فكأنه قيل بني الضرات. لأنهم من أمهات شتي ومن رجل واحد ويقال للإخوة للأم فقط بني الأخياف. أي الأخلاط لأنهم من أخلاط الرجال. ليسوا من رجل واحد. فقال (الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه رواه الترمذي).
فدل الحديث على أن الإخوة لأبوين تقدم على الأخوة لأب ولا نزاع في ذلك بين أهل العلم. ثم أبناء الأخ لأبوبين ثم لأب وإن نزلوا. ثم الأعمام لأبوين ثم لأب ثم بنوهم كذلك. فمع اتحاد الجهة يعتبر التقديم بالقرب. ومع الاستواء في الدرجة تعتبر القوة كما قال الجعبري:
فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا
(ولأبي داود عن بريدة) ﵁ (قال توفى رجل من الأزذ) قبيلة مشهورة من قحطان (فلم يدع وارثًا) وفي لفظ أتي بميراثه فقال: التمسوا له وارثًا أو ذا رحم" فلم يجدوا وارثًا (فقال) رسول الله ﷺ (ادفعوه) أي ادفعوا ميراثه (إلى أكبر خزاعة) قبيلة مشهورة من الأزد. وفي لفظ أن رجلًا قال للنبي ﷺ إن عندي ميراث رجل من الأزد ولست أجد أزديًا أدفعه إليه قال "فاذهب فالتمس أزديًا حولًا" فأتاه بعد الحول فقال يا رسول الله لم أجد أزديًا أدفعه إليه قال "فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه" فلما ولي قال "علي بالرجل"
стр. 1502
فلما جاء قال "انظر أكبر خزاعة فادفعه إليه".
فدل الحديث على جواز صرف ميراث من ليس له وارث معين إلى أكبر قومه إن كان يجتمع هو وقبيلته في جد معلوم ولم يعلم له وارث منهم على التعيين. فأكبرهم سنًا أقربهم إليه نسبًا. لأن كبر السن مظنة لعلو الدرجة. فالمراد الأقرب عصبة بالنسب.
(وقال علي) ﵁ (إذا استغرقت الفروض المال) فلم يفضل بعد ذوي الفروض شيء (سقطت العصبة) ولا نزاع في ذلك. لقوله "ألحقوا الفرائض بأهلها" وغيره. وحتى في المشركة.
(وقضى به عمر) ﵁ (في المشركة) أي قضى بسقوط العصبة إذا استغرقت الفروض المال في المشركة. وهي زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أيضًا لأم وأب فإن مسألتهم من ستة: للزوج النصف. وللأم السدس. وللإخوة للأم الثلث.
فلم يبق بعد الفروض شيء فسقط الإخوة لأبوين. وهذا مقتضى النص والقياس. ومذهب علي وابن مسعود وابن عباس وأبي موسى وغيرهم ومذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد. لعموم قوله تعالى ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ فإنه دل على اختصاص ولد الأم بالثلث. فإذا شرك معهم غيرهم لم يأخذوا الثلث وللخبر فإن من شرك لم يلحق الفرائض بأهلها.
стр. 1503
ولم يبق بعد الفرائض للأشقاء شيء فيسقطون. وقال ابن القيم تشريكهم خروج عن القياس. كما هو خروج عن النص.
(وعن سهل) بن سعد الساعدي ﵁ (في) حكم (الملاعنة) في الميراث. وأما حكم اللعان فسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى قال (جرت السنة أنه يرثها) أي يرث ابن الملاعنة أمه (وترث منه) أي من ولدها ذكرًا كان أو أنثى (ما فرض الله لها) وهو في الصحيحين. ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. وتقدم أن المرأة تحوز ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه. وقول ابن القيم أنه أصح الأقوال. ولو لم ترد به الآثار. فهو محض القياس الصحيح. وعند الأكثر أن عصبته عصبة أمه في إرث لا في عقل ولا ولاية.
ودلت هذه الأحاديث وما في معناها أن ميراث ابن الملاعنة لأمه وعصبتها. فيكون لأمه ثم لعصبتها إذا لم يكن غير الأم وقرابتها. لأنها قامت مقام أبيه في انتسابه إليها. ولأنهم أدلوا بها. فلا يرثون معها. وذكر أنه اختيار الشيخ. وهو قول ابن مسعود ورواية عن أحمد. والجمهور على التسوية بين ولد الزنا وولد الملاعنة. فإن كان له ابن أو زوجة أعطي كل واحد ما يستحقه. كما في سائر المواريث فأما الملاعن وعصبته فلا يرثون منه شيئًا. وكذلك ولد الزنا. وهذا إجماع من أهل العلم.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا) إلى
стр. 1504
النبي ﷺ أنه قال: (من ترك مالًا فلورثته متفق عليه) فدل عموم هذا الحديث وغيره. وعموم قوله تعالى ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ على رد ما بقي بعد الفروض إن لم يوجد عصبة على ذوي الفروض بقدر إرثهم سوى الزوجين لأنه لا رحم لهما وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة وقال ابن سراقة عليه العمل في الأمصار. فيعطى كل من ذوي الفروض غير الزوجين من أصل ستة. وهي أربعة أصول: أصل اثنين واصل ثلاثة. وأصل أربعة. وأصل خمسة وإن كان هناك أحد الزوجين ففرضه من مخرج فرض الزوجية.
واحد من اثنين أو أربعة أو ثمانية. وإن كان المردود عليه شخصًا واحدًا أخذه فرضًا وردًا كأم. أو عدد كإخوة لأم. وإن اختلف إرثهم فأنصباؤهم من أصل مسألة الرد كما هو معروف عند أهل هذا الفن.
باب ميراث ذوي الأرحام
جمع رحم. وهم كل قريب ليس بذي فرض ولا تعصيب. فمتى لم يوجد وارث صاحب فرض. ولم يوجد معصب. ورث أولو الأرحام عند أكثر أهل العلم. منهم عمر وعلي وعبد الله ومعاذ وغيرهم من الصحابة. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد والأصح عند الشافعية إن لم ينتظم بيت المال. لعموم الآية والأخبار.
стр. 1505
قال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ﴾ أطلقهم علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا تعصيب. بل يدلون بوارث كخال والخالة والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ أي أحق بالتوارث ﴿فِي كِتَابِ اللهِ﴾ أي في حكم الله تعالى. والآية عامة. وتشمل ذوي الأرحام الذين لا فرض لهم ولا تعصيب بالاسم الخاص. فالجد أبو الأم ينتسب بالولادة اشبه أبا الأب ولأن لهم نسبًا فكانوا مقدمين على بيت المال كالعصبات وذوي الفروض. ولأن لهم سببين إسلامًا ورحمًا. وبيت المال ليس له إلا سبب واحد وهو الإسلام.
وقال تعالى ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ولفظ الرجال والنساء والأقربين يشمل ذوي الأرحام. ويرثون بالتنزيل عند أحمد وغيره. لأن بنت العمة بمنزلة الأب. وبنت الأخ بمنزلة الأخ ويصل كل منهما إلى الوارث في درجة واحدة. ومن قال بالقرابة فعلى ترتيب العصبة. وارثهم بشرط عدم أهل الفروض غير الزوجين وبعدم العصبة. وذكرهم وأنثاهم سواء كولد الأم.
(وعن عائشة) ﵂ (أن مولى للنبي ﷺ خر) أي سقط (من عذق نخلة) العذق بالفتح النخلة وبالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ (فمات فأتى به النبي ﷺ فقال هل له من نسيب أو رحم) يعني قريبًا له بعد أصحاب الفروض
والعصبة (قالوا لا) أي لا قرابة له بنسب ولا رحم
стр. 1506
(قال اعطوا ميراثه بعض أهل قريته رواه الخمسة) وغيرهم. فدل الحديث على إرث ذوي الأرحام. وهو مذهب أكثر أهل العلم. وعن المقدام بن معد يكرب مرفوعًا "الخال وارث من لا وارث له" رواه الخمسة إلا الترمذي. ولهم سوى أبي داود كتب عمر إلى أبي عبيدة أن رسول الله ﷺ قال: "الخال وارث من لا وارث له" وصححه الترمذي.
وذكر ابن القيم أن أحاديث الخال رويت من وجوه مختلفة. رواتها ليسوا بمجروحين. وحكم ابن حبان بصحتها. وليس في أحاديث الأصول ما يعارضها. وجمهور العلماء يورثونه. وهو قول أكثر الصحابة. قال وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها اهـ. والمراد إذا لم يكن ثم وارث من جميع الجهات من ذوي الفروض أو العصبات. وفي كتاب عمر والله ورسوله مولى من لا مولى له. فمن لم يكن له وارث ولا من ذوي الأرحام فلمصالح المسلمين. ولا يكون لبيت المال إلا مع عدم أهل الفروض والعصبة وذوي الأرحام. كما هو قول جمهور أهل العلم. ويدل له عمومات الكتاب والسنة والآثار. ومما يؤيد ميراث ذوي الأرحام أيضًا قوله ﷺ "ابن أخت القوم منهم" ولا ريب في انتهاض مجموع الأحاديث للاستدلال بميراث ذوي الأرحام.
(ونزل عمر) ﵁ (العمة أبا) أي تنزل منزلته في الإرث مع عدم وعدم أهل الفروض والعصبة (والخالة
стр. 1507
أما) تنزل منزلتها مع عدم أهل الفروض والعصبة وهو الصحيح عنه وعلي وغيرهما. قال الموفق وغيره لا مخالف لهم في الصحابة وأنه الصحيح لوجوه: منها الخبر الآتي وغيره ولأن الأم أقوى جهات الخالة.
(وروي) عن الزهري (مرفوعًا) ولفظه "العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن هناك أب. والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم" أي ولا أهل فرض ولا عصبة.
(وعلي) بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهما (نزل بنت البنت بمنزلة البنت وبنت الأخ والأخت بمنزلة الأخ والأخت) فدل على أن إرث ذوي الأرحام بالتنزيل. ويجعل كل وارث بمنزلة من أدلى به. وهم أحد عشر صنفًا الأول: أولاد البنات وأولاد بنات البنين وإن نزلوا. الثاني أولاد الأخوات مطلقًا الثالث بنات الإخوة لغير أم وبنات بنيهم. والرابع أولاد الإخوة لأم. الخامس العم لأم. سواء كان عم الميت أو عم أبيه أو عم جده. السادس العمات مطلقًا وبنات بنيهم. السابع بنات الأعمام وبنات بنيهم. الثامن الأخوال والخالات مطلقًا.
التاسع الأجداد الساقطون من جهة الأم والأب. العاشر الجدات السواقط.
الحادي عشر كل من أدلى بأحد هذه الأصناف العشرة، كعمة العمة وخالة الخالة. وأبي أبي الأم وأخ العم لأمه وعمه
стр. 1508
وعمته. ونحو ذلك. فينزل كل واحد من هذه الأصناف بمنزلة من أدلى به من الورثة. فأولاد البنات وإن نزلوا بمنزلة البنات.
وأولاد بنات البنين وإن نزلوا بمنزلة بنات البنين. وبنات الإخوة وبنات بنيهم بمنزلة آبائهن. وأولاد الإخوة لأم ذكورًا كانوا أو إناثًا بمنزلة الإخوة لأم. والعم لأم والعمات مطلقًا بمنزلة الأب.
والأخوال والخالات مطلقًا بمنزلة الأم. وأخوال الأب وخالاته مطلقًا بمنزلة أم الأب وأخوال الأم وخالاتها مطلقًا بمنزلة أم الأم وأبو الأم. وكل من أدلى به بمنزلة الأم. وأبو أم الأب وكل من أدلى به بمنزلة أم الأب وهكذا.
فيجعل نصيب كل وارث لمن أدلى به. فإن كان واحدًا أخذ المال كله. وإن أدلى جماعة بجماعة قسمت المال بين المدلى بهم فما صار لكل واحد أخذه المدلى به. وإن أدلى جماعة بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق فنصيبه لهم الذكر والأنثى سواء.
فلو خلف شخص ثلاثة أولاد بنت فالمال بينهم أثلاثًا. وإن اختلفت منازلهم منه جعلتهم معه كميت اقتسموا إرثه. ففي ثلاث خالات متفرقات للشقيقة ثلاثة. وللخالة لأب واحد.
وللخالة لأم واحد. وفي ثلاثة أخوال متفرقين لذي الأم السدس. والباقي لذي الأبوين. وإن كان معهم أبو أم أسقطهم. وإن حجب بعضهم بعضًا عملت به. ويسقط بعيد من
وارث بأقرب منه إلا إذا اختلفت الجهة فينزل بعيد من
وارث درجة درجة حتى يلحق به. فإن أدلى بعصبة أخذه
стр. 1509
تعصيبًا وإن أدلى بذي فرض أخذه فرضًا وردًا.
وجهاتهم أبوة وأمومة وبنوة. ومن أدلى بقرابتين ورث بهما. كبنت أخ لأم هو ابن عم مع بنت ابن عم. وإن كان مع ذوي الأرحام أحد الزوجين أخذ فرضه كاملًا. والباقي لذوي الأرحام. فإن كان واحدًا أخذه. وإن كانوا جماعة وانقسم فكذلك. كزوجة وبنت أخت وبنت أخ. وإن لم ينقسم نظرت بينه وبين مسألة الأرحام. فإن تباينا ضربت مسألة ذوي الأرحام في مسألة الزوج. فما بلغ فمنه تصح.
باب ميراث الحمل والمفقود والخنثى والغرقي
المراد بالحمل ما في بطن الآدمية المتوفى عنه وهي حامل به. يقال امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى. والمفقود هو من انقطع خبره فلم تعلم له حياة ولا موت. سواء كان بأسر أو سفر غالبه السلامة. أو كان بما غالبه الهلاك. كمن غرق في مركب أو فقد من بين أهله. أو في مفازة مهلكة ونحو ذلك. والخنثى هو من لم تتضح ذكورته ولا أنوثته له شكل ذكر وفرج امرأة. أو ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول. والغرقي جمع غريق مثل قتلى وقتيل. والمراد الميت في الماء. وكذا من خفي موتهم بنحو هدم أو غربة أو نار.
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال إذا
стр. 1510
استهل المولود) أي رفع صوته بالبكاء وصاح شديدًا عند ولادته (ورث) وفي لفظ "إذا استهل المولود صارخًا ورث" فصارخًا حال مؤكدة (رواه أبو داود) وللترمذي وغيره من حديث جابر "إذا استهل السقط صلي عليه وورث" فدل الحديثان على أن المولود إذا وقع منه الاستهلال. أو ما يقوم مقامه. كما لو عطس أو رضع أو تنفس وطال زمن التنفس. أو وجد منه دليل على حياته. كحركة طويلة أو سعال. ورث. لأن هذه الأشياء تدل على الحياة المستقرة.
فيرث بشرطين بأن ولد حيًا لا ميتًا بالاتفاق. وبتحقيق وجوده في الرحم حين موت الموروث. ولو نطفة بلا نزاع. ومن خلف ورثة فيهم حمل يرثه. ولم يرضوا بوقف الأمر إلى وضعه.
وطلبوا القسمة لم يعطوا كل المال بلا نزاع. ووقف للحمل الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين. لأن وضعهما كثير معتاد. فإذا ولد أخذ حقه من الموقوف. وما بقي فلمستحقه من الورثة.
ومن لا يحجبه الحمل يأخذ إرثه كاملًا كالجدة. فإن فرضها السدس مع الولد وعدمه. ومن ينقصه الحمل شيئًا يعطى اليقين. كالزوجة والأم. فيعطيان الثمن والسدس. ومن سقط به كعصبة لم يعط شيئًا. للشك في إرثه.
(وروي) من حديث أبي هريرة وغيره أخرجه الترمذي وغيره (أنه ﷺ قال أعمار أمتي) أي غالب أعمارهم (ما بين الستين) سنة (والسبعين) سنة لأن الغالب أن لا يعيش أكثر
следующие страницы →