← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأقدام بالمرور عليها وهو ما كثر سلوك السالكين فيها لما في ذلك من شغل الخاطر المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها. عند الجمهور تصح مع الكراهة (وفي الحمام وفي أعطان الإبل) وتقدما (وفوق ظهر بيت الله) الحرام إذا لم يكن بين يديه شاخص منها لأنه مصل على البيت لا إلى البيت. وقال الموفق والصحيح جواز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم لعموم جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. ولابن المنذر وغيره بسند صحيح جعلت لي كل أرض طيبة أي طاهرة مسجدًا واستثنى منه المقبرة. والحمام ومعاطن الإبل. بأحاديث صحيحة ففيما عداها يبقى على العموم. وحديث ابن عمر يرويه العمري وقد تكلم فيه فلا يترك به الحديث الصحيح اهـ. والجمهور على صحة الفريضة فيه وفوقه إذا استقبل شاخصًا. فأما النافلة فتصح إجماعًا لصلاته ﵊ فيه متفق عليه. والحجر منه ستة أذرع وشيء فمن استقبل ما زاد لم تصح صلاته ألبتة وقال غير واحد من كان فرضه المعاينة لم تصح لأن الحجر في المشاهدة ليس من الكعبة فعمل به في الطواف دون الصلاة احتياطًا. ولو غيرت مواضع النهي بما يزيل اسمها كجعل الحمام دارًا. ونبش المقبرة. ونحو ذلك صحت.

стр. 177

وتحرم في الحش. وهو ما أعد لقضاء الحاجة لمنع الشرع من الكلام وذكر الله فيه فالصلاة أولى قال. ابن عباس لا يصلين إلى حش ولا يعلم له مخالف. قال الشيخ وكره عامة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حش. قال ولا فرق عند عامة أصحابنا وغيرهم بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو باطنه وهو المنصوص عن أحمد والمأثور عن السلف. وذكر مواضع الأجسام الخبيثة ثم قال ولهذا كانت الحشوش محتضرة تحضرها الشياطين والصلاة فيها أولى بالنهي عن الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل والصلاة على الأرض النجسة. ولم يرد في الحشوش نص خاص لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى بيان. ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في الحشوش ولا يصلي عليها. وإذا سمعوا نهيه عن الصلاة في الحمام وأعطان الإبل علموا أن الصلاة في الحشوش أولى وأحرى. وتكره في الكنيسة المصورة والبيعة وقال هما كالمسجد على القبر وكل مكان فيه تصاوير لخبر عائشة وتكره في أرض الخسف وأرض بابل وتكره في الرحى وعلله بما يلهي المصلي من الصوت ويشغله. وقال النووي الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق. وذكر مثل مواضع الخمر والحانة ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة لقوله: "إن هذا موضع حضرنا فيه الشيطان" وتكره إلى نار لأنه من فعل المجوس

стр. 178

ويحرم أن يصلي في الأرض المغصوبة لما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه كما لو ستر عورته بمغصوب وذكر بعضهم غير ذلك. فصل في استقبال القبلة أي في بيان أحكام استقبال القبلة. واستقبالها شرط من شروط الصلاة لا تصح بدونه مع القدرة إجماعًا وقال شيخنا شرعية استقبال القبلة من العلم العام عند كل أحد وأنه من شرائط صحة الصلاة. (قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي حول وجهك نحو المسجد الحرام وتلقاءه والشطر الناحية والمراد به الكعبة والحرام المحرم واستقباله لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها وقد كان – ﷺ يحب أن يوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم فأنزل عليه القرآن وذلك بعد ما صلى ستة عشر شهرًا إلى بيت المقدس ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْْ﴾ أي في بر أو بحر أو شرق أو مغرب ﴿فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي قبل البيت ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون﴾. (وعن ابن عمر في صلاة أهل قباء) قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال "إن النبي – ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنًا و (قد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها) أنتم

стр. 179

وتحولوا إلى جهة الكعبة (وكانت وجوههم إلى الشام) وهذا تفسير من الراوي فإنه لما أنزل على رسول الله – ﷺ القرآن في تحويل القبلة. وكان أول صلاة صلاها قبل البيت صلاة العصر في أصح الروايات. وصلى معه – ﷺ قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون قبل بيت المقدس فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله – ﷺ قبل مكة (فاستداروا) كما هم (إلى الكعبة) أي البيت الحرام (متفق عليه) ولهما "أنه صلى ركعتين قبل الكعبة وقال هذه القبلة" أي أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت فلا نسخ بعد اليوم فكونوا إليه أبدًا فهو قبلتكم. وقال للمسيء "ثم استقبل القبلة فكبر" وقال "قبلتكم أحياء وأمواتًا" رواه أبو داود وغير ذلك مما تواتر نقله قولاً وفعلاً خلفًا عن سلف. وقال ابن رشد ما نقل بالتواتر كاستقبال القبلة وأنها الكعبة لا يرده إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل فلا تصح بدونه إلا لعاجز كالمربوط. والمصلوب. وعند اشتداد الحرب في حال الطعن والكر والفر. وكهرب من سيل. أو نار ونحو ذلك فتصح في ذلك إلى غير القبلة إجماعًا لأنه شرط عجز عنه فسقط كغيره من الشروط لقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وفيه دلالة على أنه إذا صلى باجتهاد فبان أنه أخطأ فلا إعادة عليه وهو إجماع. وفيه أنه يستدير إلى الجهة التي ظهرت له ويبني على ما

стр. 180

مضى من الصلاة قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا. (وعن أبي هريرة مرفوعًا "ما بين المشرق والمغرب قبلة) بالنسبة إلى المدينة وما وافق قبلتها (صححه الترمذي) ورواه ابن ماجه والحاكم وغيرهم. ويعضده حديث أبي أيوب ولكن شرقوا أو غربوا. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي جهته وناحيته فلسائر البلدان من السعة مثل ما للمدينة وعكسها بين الجنوب والشمال. قال ابن عبد البر وهذا صحيح لا مدفع له ولا خلاف فيه بين أهل العلم. وقال أحمد هذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت فإنه إذا زال عنه شيئًا وإن قل فقد ترك القبلة. وبين القاضي وغيره أنما وقع عليه اسم مشرق ومغرب فالقبلة ما بينهما وينبغي أن يتحرى أوسط ذلك لا يتيامن ولا يتياسر. وتعرف دلائل القبلة في الحضر بمحاريب المسلمين إجماعًا لاتفاقهم عليها. وفي السفر بالقطب والشمس والقمر وغير ذلك. وإن اجتهد فأخطأ صحت لما تقدم ولحديث "فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ ضعفه الترمذي. وللطبراني "صلى في غيم إلى غير القبلة. وقال قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله" وتقدم أن من اتقى الله ما استطاع لا إعادة عليه ولا إثم. قال ابن القيم ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها

стр. 181

أولاً. كتارك الطمأنينة. والمصلي بلا وضوء. ونحوه وأما أن يأمره بصلاة فيصليها ثم يأمره بإعادتها بعينها فهذا لم يقع قط وأصول الشريعة ترده. (وعن ابن عمر كان – ﷺ يسبح) أي يتنفل (على راحلته) أي بعيره الذي كان يركبه (قبل أي جهة) أي ناحية (توجه) إليها وأصل الجهة الوجهة، والوجهة اسم للمتوجه إليه وفي لفظ "حيث كان وجهه" ولهما من حديث عامر بن ربيعة" يصلي علي راحلته حيث توجهت "وللشافعي من حديث جابر "رأيته يصلي وهو علي راحلته النوافل" قال ابن القيم وسائر من وصف صلاته – ﷺ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها. فالمتنقل السائر في سفر يجوز له التطوع على راحلته حيثما توجهت به إجماعًا حكاه النووي والحافظ وغيرهما لهذا الخبر ولقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قال ابن عمر: نزلت في التطوع خاصة ولمسلم وغيره كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾، ولأن إباحته كذلك تخفيف لئلا يؤدي إلى تقليله أو قطعه. والجمهور على أنه يجوز التنفل عليها في طويل السفر وقصيره وأجيز في الحضر للإطلاق في الأحاديث (ويوتر عليها)

стр. 182

فدل على أنه ليس بواجب (غير أنه) – ﷺ لا يصلي عليها) أي لا يصلي على راحلته (المكتوبة) أي الفريضة (متفق عليه) وفي لفظ " ولم يكن يصنع ذلك في المكتوبة" أي الصلاة على الراحلة ويأتي ذكر صحة الفريضة على الراحلة إذا كان مستقبل القبلة في هودج ونحوه للعذر. ولو كانت سائرة كالسفينة فإنها تصح فيها إجماعًا. (وللبخاري "يومئ برأسه) ولأحمد عن جابر "ولكن يخفض السجود عن الركوع يومئ إيماء" (وللترمذي) "فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق" (والسجود أخفض من الركوع) وصححه وفي هذا الباب عن جماعة من الصحابة والحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه إن قدر وجوبًا اتفاقًا وإن عجز سقط بلا نزاع ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج ولا بذل غاية الوسع في الإنحناء بل يخفض بمقدار يفترق به السجود عن الركوع. وقال بعض أهل العلم ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة كراكب محفة واسعة وراحلة واقفة وإلا يمكنه فيومئ إلى جهة سيره وسجوده أخفض من ركوعه. وكذا المسافر الماشي قياسًا على الراكب. قال الشيخ وهو الأظهر لأن الركوع والسجود وما بينهما يتكرر في كل ركعة ففي الوقوف له وفعله بالأرض قطع لمسيره فأشبه الوقوف في حالة القيام.

стр. 183

فصل في النية النية شرط من شروط الصلاة إجماعًا. ولا تسقط بحال إجماعًا لأن محلها القلب فلا يتأتى العجز عنها. قال عبد القادر النية قبل الصلاة شرط وفيها ركن وعن أحمد رواية أنها فرض. (قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فنفى أن يكون أمرنا بشيء إلا بعبادته مفردين له نياتنا بدينه الذي أمرنا به والإخلاص عمل القلب وهو محض النية فأمر تعالى بإخلاصها له فدلت الآية على وجوب الإتيان بالنية في العبادة وصدورها خالصة لوجهه والرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض صلاة وصوم. وقد يصدر في نحو صدقة وحج وهذا لا يشك مسلم أنه حابط وإن شارك العلم الرياء فإن كان من أصله فالنصوص طافحة ببطلانه وإن كان العلم لله ثم طرأ عليه الرياء ودفعه لم يضر بلا خلاف. وإن استرسل معه فخلاف رجح أحمد وغيره أنه لا يبطل بذلك ذكره ابن رجب. وقال الشيخ المرائي بالفرائض كل يعلم قبحه. وأما بالنوافل فلا يظن الظان أنه يكتفي فيه بحبوط عمله لا له ولا عليه بل هو مستحق للذم والعقاب ولا يترك عبادة خوف رياء. (وتقدم حديث "إنما الأعمال بالنيات) وأن العمل الذي لم ينو ليس بعبادة ولا مأمورًا به فلا يكون فاعله متقربًا إلى الله

стр. 184

وهذا أمر مجمع عليه. فإن النية روح العمل ولبه وقوامه وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها. والنية لغة القصد وهو عزم القلب على الشيء وشرعًا العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى والتلفظ بها بدعة لم يفعله رسول الله – ﷺ ولا أصحابه. قال الشيخ وتلميذه لم ينقل عنه – ﷺ ولا عن أصحابه أنه تلفظ قبل التكبير بلفظ النية لا سرًا ولا جهرًا فإن النية تتبع العلم ومن علم ما يريد فعله قصده ضرورة. قال أحمد إذا خرج من بيته يريد الصلاة فهو نية أتراه كبر وهو لا ينوي الصلاة فمن خرج للصلاة فقد نواها وإن كان مستحضرًا لها إلى حين الصلاة أجزأ قال الشيخ باتفاق العلماء وذهب الأئمة إلى الاكتفاء بوجودها قبل التكبير واختار النووي وغيره الاكتفاء بالاستحضار العرفي بحيث لا يعد غافلاً عن الصلاة اقتداء بالأولين في تساهلهم. ويجب أن ينوي عين صلاة معينة فرضًا كالظهر أو نفلاً كالوتر لتميز عن غيرها. فلو كان عليه صلاة رباعية وصلى أربع ركعات لم ينو بها ما عليه لم تجزئه إجماعًا وإلا أجزأته نية صلاة مطلقة إجماعًا كصلاة الليل لعدم التعيين فيها. وإن قطع النية في أثناء صلاة بطلت لأنها شرط في جميعها أشبه ما لو سلم لا إن نوى الخروج منها بناء على ظن التمام ككلام من ظن التمام لخبر ذي اليدين وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف وعامة أهل الحديث. ولا أثر للشك في النية.

стр. 185

قال الشيخ يحرم خروجه للشك في النية للعلم أنه ما دخل إلا بالنية ولا أثر للشك بعد الفراغ إجماعًا. ولا يشترط في الأداء ولا في القضاء نيتهما. قال الشيخ قد اتفق العلماء فيما أعلم على أنه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواها أداء ثم تبين أنه صلى بعد خروج الوقت صحت صلاته. ولو اعتقد خروجه فنواها قضاء ثم تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته اهـ. فإن علم بقاء الوقت أو خروجه ونوى خلافه لم يصح لأنه متلاعب. (وعن ابن عباس قال قام النبي – ﷺ يصلي من الليل) يعني منفردًا في بيت ميمونة (فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه متفق عليه) ولمسلم معناه من حديث أنس ومن حديث جابر في الفرض ونحوه من حديث عائشة وغير ذلك. فدلت هذه الأحاديث على جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته. قال النووي وهو صحيح على المشهور من مذاهب أهل العلم فإنها تحصل الجماعة للمأموم وإن لم ينو الإمام الإمامة لأن الغرض حصول الجماعة وقد حصلت بواسطة الاقتداء لأن صلاته حينئذ وقعت جماعة كما صلى الناس بصلاة النبي – ﷺ وهو في حجرته وهو مذهب الأئمة الثلاثة. والرواية الثانية عن أحمد اختارها الموفق والشيخ وغيرهما لأنه ثبت في النفل والأصل المساواة والحاجة داعية إلى ذلك فصح كحالة الاستخلاف. وقال الشافعي لأنه ثبت في النقل بحديث ابن عباس والأصل المساواة بل قد دل على ذلك قصة جابر وجبار وهي في

стр. 186

الفرض. قال شيخنا فالدليل واضح وأما المأموم فيجب أن ينوي أنه مقتد اتفاقًا. وقال في الإنصاف يشترط نية حاله بلا نزاع ولأن الجماعة يتعلق بها أحكام وإنما تتميز بالنية ولا يتصور أن المأموم لا ينوي أنه مؤتم. فإن من وجد إمامًا يصلي أو شخصًا يصلي فإن نوى أنه يقتدي به فهو مأموم وقد حصلت له نية الاقتداء وإن نوى أن يصلي لنفسه ولم ينو أنه مقتد بذلك الإمام فهو منفرد. أما إذا أحرم بالصلاة منفردًا ثم في أثناء الصلاة نوى أن يقتدي بشخص آخر فروى مسلم من حديث المغيرة بن شعبة في صلاة عبد الرحمن بن عوف وأنه صلى معه النبي – ﷺ ركعة فلما سلم قام النبي – ﷺ وقام معه المغيرة فركعا الركعة التي سبقا بها والصديق تأخر واقتدى بالنبي – ﷺ قال في الإنصاف وإن سبق اثنان فائتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما جاز. وهو المذهب سواء نوياه حال دخولهما أولا. (ولهما عن جابر في صلاة معاذ) وذلك أنه مد في القراءة (فتأخر رجل فصلى وحده) والقصة مشهورة. ومن حديث أنس فدخل حرام وهو يريد أن يسقي نخلة فدخل المسجد مع القوم فلما رأى معاذًا طول تجوز في صلاته ولحق بنخله يسقيه. فدل على أنها تصح صلاة من فارق إمامه لعذر. ولا نزاع في ذلك ومحل إباحة المفارقة للعذر إن استفاد بمفارقته تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه.

стр. 187

فإن كان إمامه يعجل ولا يتميز إنفراده عنه بنوع تعجيل لم يجز الإنفراد فيه ذكره ابن عقيل وغيره. وقال في الفروع لم أجد خلافه. وإذا زال عذر مأموم بعد المفارقة لم يلزمه الدخول معه وله ذلك وعدم الرجوع أولى لأنه قد فارق إمامه بوجه شرعي فينبغي أن يبقى على مفارقته. وإن فارقه في ثانية جمعة لعذر أتمها جمعة. (و) لهما أيضًا (عن سهل في صلاة أبي بكر) وذلك أن رسول الله – ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال أتصلي بالناس فأقيم قال نعم قال فصلى أبو بكر (فجاء رسول الله – ﷺ والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف) ثم اتسأخر أبو بكر في الصف (وتقدم) النبي – ﷺ (فصلى) الحديث ويأتي قصة صلاته – ﷺ لما مرض. وفيهما دلالة على جواز إمامة إمام الحي الراتب بمن أحرم بهم نائبه لغيبة ونحوها وبنائه على صلاة نائبه وجواز عودة النائب مأمومًا. وصحة صلاة المأمومين خلفهما. وجواز الاستخلاف لعذر. ويأتي أن عمر وعليًا استخلفا. وقال النووي وغيره جاء الاستخلاف عنهما وغيرهما من الصحابة ولم يحك ابن المنذر منعه عن أحد وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة فيتمونها جماعة. ويجوز فرادى احتج أحمد بأن معاوية لما طعن صلوا وحدانًا.

стр. 188

باب آداب المشي إلى الصلاة التي ينبغي أن يتأدب بها عند التوجه إليها والخروج لها. والآداب جمع أدب الظرف وحسن التناول وما يحترز به من جميع أنواع الخطأ ومشى مر وسار على الرجل سريعًا وغير سريع. (عن أبي هريرة عن النبي – ﷺ قال إذا أتيتم الصلاة) أي توجهتهم إليها (وفي لفظ إذا سمعتم الإقامة) يعني للصلاة (فامشوا) إليها (وعليكم السكينة) أي التأتي في الحركات واجتناب العبث (والوقار) يعني في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت وعدم الالتفات. والسكينة هي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على الله بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه (متفق عليه). وقوله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا واهتموا ليس المراد السعي السريع. وقال الشيخ إن خشي فوات الجمعة أو الجماعة بالكلية فلا ينبغي أن يكره له الإسراع لأن ذلك لا ينجبر إذا فاته والحكمة في شرع هذا الأدب بينه – ﷺ بقوله "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فإنه في صلاة" رواه مسلم أي فإنه في حكم المصلي فينبغي اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده. واجتناب ما ينبغي اجتنابه. فلا يتكلم بمستهجن. ولا يتعاطى ما يكره.

стр. 189

ويستحب كونه متطهرًا لقوله ﷺ «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا ُ إلي المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة» رواه أبو داود وغيره ٠ويسن أن يقارب خطاه لتكثر حسناته ففي الصحيحين "إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامداً إلي المسجد لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه. والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه يقولون "اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه ما لم يؤذ أو يحدث فيه". وفي ذلك أحاديث كثيرة ولأبي داود وغيره فإذا أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له فإن جاء وقد صلوا بعضًا فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا كان كذلك وفي رواية "أعطاه الله أجر من صلاها وحضرها" وهذا قول الجمهور. (ولمسلم عن ابن عباس سمعته) يعني الرسول الله ﷺ (يقول حين خرج إلى الصلاة اللهم اجعل في قلبي نورًا) أي عظيمًا كما يفيده التنكير (وفي لساني) أي نطقي (نورًا واجعل في بصري نورًا) ليتجلى بأنوار المعارف (وأمامي نورًا وخلفي نورًا ومن فوقي نورًا ومن تحتي نورًا) لأكون محفوظًا بالنور من جميع الجهات (واعطني نورًا وزدني نورًا) لينكشف به الحق.

стр. 190

ويستحب أن يقول إذا خرج من بيته ولو لغير الصلاة "بسم الله آمنت بالله. اعتصمت بالله. توكلت على الله. لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي" صححه الترمذي وأن يقول "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك يعني الإثابة وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء. ولا سمعة. خرجت اتقاء سخطك. وابتغاء مرضاتك. أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" رواه أحمد وغيره وفيه "أقبل الله عليه بوجهه. واستغفر له سبعون ألف ملك" يعني إذا قال ذلك. رواه عطية عن أبي سعيد مرفوعًا. (وعن فاطمة) الزهراء بنت رسول الله – ﷺ زوجة علي ولدت له الحسن والحسين وبقيت بعد رسول الله – ﷺ ستة أشهر (قالت كان – ﷺ إذا دخل المسجد) أي إذا أراد دخول المسجد (قال "بسم الله والسلام على رسول الله) ولابن ماجه وغيره عن أنس مرفوعًا "بسم الله اللهم صلى على محمد" والنووي من حديث ابن عمر وفيهما مقال (اللهم اغفر لي ذنوبي) أي معاصي وإثمي واحدها ذنب والغفر الستر مع المحو والتجاوز عن السيئات (وافتح لي أبواب رحمتك) لما كانت متوجهًا للعبادة ناسب سؤال الرحمة. (وإذا خرج قال) يعني "بسم الله. والسلام على رسول الله

стр. 191

اللهم اغفر لي ذنوبي (وافتح لي أبواب فضلك) لما كان متوجهًا للأمور المباحات غالبًا ناسب أن يطلب فضل الله (رواه أحمد) ورواه ابن ماجه وغيره وفيه مقال. ويشهد له ما رواه مسلم وغيره إذا دخل أحدكم المسجد فليقل "اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل. اللهم إني أسألك من فضلك" وسؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وينبغي لداخل المسجد والخارج منه أن يجمع بين التسمية والصلاة والسلام على رسول الله – ﷺ وسؤال المغفرة والدعاء بالفتح لأبواب الرحمة وأبواب الفضل وفاقًا. وينبغي أيضًا أن يقول في بعض الأحيان "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. اللهم صلى على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال. وافتح لي أبواب فضلك. وإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم". ولا يهجر ما جاء به الشرع من أي نوع من الأدعية. ويسن عند الدخول أن يقدم رجله اليمنى لما تقدم أنه – ﷺ يحب التيامن في شأنه كله ويأمر به. وكذا يسن تقديم اليسرى عند الخروج. وقاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمن في كل ما كان من باب التكريم والتزيين وما كان بضدها استحب فيه التياسر. (وعن أبي قتادة مرفوعًا إذا دخل أحدكم المسجد) خرج

стр. 192

مصلى الجنائز فليس بمسجد والعيد لما يأتي (فلا يجلس) نهى الداخل إلى المسجد عن الجلوس فيه (حتى يصلي ركعتين) يعني تحية المسجد أو ما يقوم مقامهما من صلاة فرض ونفل (متفق عليه) وجاء بلفظ الأمر من غير وجه. وحكى النووي الإجماع على سنيتها في جميع الأوقات قال الشيخ والصحيح قول من استحب ذلك وظاهر الخبر الوجوب بشرط الطهارة وعدم الإطالة للجلوس. وإن لم يطل فينبغي التدارك لقوله ﷺ "قم فاركعهما" وفي المرقاة ما يفعله بعض العوام من الجلوس أولاً ثم القيام باطل لا أصل له. وأما المسجد الحرام فالداخل يبدأ بالطواف ثم يصلي ركعتي الطواف. وإن أراد الجلوس قبل الطواف فكغيره من سائر المساجد. فصل في الصفوف أي في مشروعية تسوية الصفوف في صلاة الجماعة وفضيلة ميامنها وإكمال الأول فالأول. (عن أنس قال قال رسول الله ﷺ سووا صفوفكم) وفي لفظ "أقيموا صفوفكم" أي اعدلوها وسووها. ولهما أيضًا "رصوا صفوفكم" أي لاصقوها حتى لا يكون بينكم فرج. ويأتي قوله"رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق".وفي

стр. 193

لفظ "حاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفًا وصله الله. ومن قطعه قطعه الله" رواه أبو داود وغيره. فالتسوية مسنونة إجماعًا وكذا محاذات المناكب والأكعب. وقال (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة متفق عليه) وللبخاري "فإن إقامة الصف من حسن الصلاة" وفي رواية "فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة" ولهما "لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" أي يمسخها ويحولها عن صورتها والأمر بتعديل الصفوف متواتر لا نزاع فيه والجمهور أنه مسنون وظاهر كلام الشيخ وجوبه وقال: من ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه لا نفي وجوبه. (ولهما عنه "كان – ﷺ يقبل علينا بوجهه) قبل أن يكبر (فيقول تراصوا) أي تلاصقوا بغير خلل (واعتدلوا) أي على سمت واحد فلا يتقدم أحد على أحد ولا يتأخر. ولأبي داود "اعتدلوا وسووا صفوفكم" وعن أنس "كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله استووا وتعادلوا" ولأحمد "سووا صفوفكم وحاذوا بمناكبكم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" وسره أن مخالفة الصفوف مخالفة في الظواهر واختلاف الظواهر سبب اختلاف البواطن. ولمسلم عن أبي سعيد "كان يمسح مناكبنا" وللبخاري "فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب

стр. 194

صاحبه" فثبت من غير وجه التفاته عن يمينه وعن شماله استووا تراصوا وكذا خلفاؤه يتعاهدون ذلك. (وعن عاشة مرفوعًا "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" رواه أبو داود) وفيه وفي غيره من الأحاديث كحديث ابن عباس وحديث البراء: استحباب الكون في يمين الصف. ويمينه يصدق على الملاصق للإمام وعلى من وراءه من يمين كل صف, والبعد من اليمين ليس بأفضل من قرب اليسار. وقال الشيخ وقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام وإن كان في الصف الثاني أو الثالث أفضل من الوقوف في طرف الصف الأول مع البعد عن سماع قراءة الإمام لأن الأول صفة في نفس العبادة فهي أفضل من مكانها. (وعن أبي هريرة مرفوعًا) إلى النبي – ﷺ أنه قال (لو يعلم الناس ما في النداء) يعني من الأجر وفيه دلالة على فضيلة الآذان وبيان ما فيه (والصف الأول) ومن الأجر يعني لتسارعوا إلى الصف الأول حتى أخذوا المواضع منه (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا) أي يضربوا القرعة عليه (لاستهموا) أي لاقترعوا (متفق عليه) ولأحمد وأبي داود من حديث البراء "إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول" وله من حديث أنس "أتموا الصف الأول ثم الذي يليه" ولمسلم "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها. وخير

стр. 195

صفوف النساء آخرها. وشرها أولها" وله من حديث أبي سعيد أنه – ﷺ "رأى في أصحابه تأخرًا فقال له تقدموا وأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله" فالتقدم مشروع. وتستحب المحافظة على إدراك تكبيرة الإحرام بأن يتقدم إلى المسجد قبل وقت الإقامة وقد جاء في فضل الصف الأول فالأول وإدراك تكبيرة الإحرام أحاديث كثيرة وأما النساء فالأفضل بعدهن عن الرجال لما تقدم ولأمن الفتنة وأما إذا أمتهن امرأة فصفوفهن كصفوف الرجال أفضلها أولها. باب صفة الصلاة أي كيفيتها وهي الهيئة الحاصلة للصلاة وبيان ما يكره فيها وأركانها وواجباتها وسننها وما يتعلق بذلك وهذا شروع في المقصود بعد الفراغ من مقدماته. (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ لما ذكر تعالى أنه اصطفى رسلاً من البشر إلى الخلق أمرهم بإقامة ما جاءت به الرسل من العبادات الشرعية وهو الصلاة قيل كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود. وأجمع المسلمون أنها لا تصح بدون ركوع وسجود. ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحدوه بالعبادة ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ صلة الرحم ومكارم الأخلاق ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ تسعدون

стр. 196

وتفوزون بالجنة والآيات في الأمر بها كثيرة. وبينت السنة ما جاء مجملاً في القرآن العزيز أتم بيان. وصح عنه – ﷺ أنه قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" فقوله وفعله بيان للواجب وبيان الواجب واجب كما تقرر في الأصول. (وعن أبي هريرة أن رسول الله – ﷺ قال) أي للمسيء في صلاته وهو خلاد بن رافع (إذا قمت إلى الصلاة) أي إذا أردت القيام إلى الصلاة وأنت على غير طهر (فأسبغ الوضوء" أي أتمه كما تقدم "ثم استقبل القبلة" وتقدم أن وجوب استقبالها إجماع في الجملة (فكبر) أي تكبيرة الإحرام وفي حديث رفاعة عند أحمد وغيره (ثم يقول الله أكبر)، ومن حديث أبي حميد عند ابن ماجه وغيره وصححه ابن خزيمة وغيره "إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه ثم قال الله أكبر" ونحوه لأحمد وغيره من النصوص الصحيحة الصريحة في تعيين التكبير للدخول في الصلاة. ونقل الخلف عن السلف. فتكبيرة الإحرام ركن لا تنعقد إلا به مع القيام في الفرض للقادر. ولأحمد وغيره "تحريمها التكبير" وحديث يقتتح الصلاة بالتكبير". وعلى هذا عوام أهل العلم لنقلهم ذلك عنه – ﷺ نقلاً متواترًا. وتكبيره تعالى جامع لإثبات كل كمال له وتنزيهه عن كل نقص وعيب. وحكمته ليستحضر عظمة من يقف بين يديه وأنه أكبر من كل شيء وأعظم وأجل فيخشع ويذل له ﵎ متخليًا عن الشواغل متهيئًا للدخول عليه دخول العبد

стр. 197

على الملك بالتعظيم والإجلال لما في هذا اللفظ من التعظيم والتخصيص وغيره لا يقوم مقامه كما قال ابن القيم وغيره. بل لا يؤدي معناه فلا تنعقد الصلاة إلا به ويستحيي أن يشتغل بغيره من استحضر كبرياءه وعظمته ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه. (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة" فإن كان معك قرآن فاقرأ" وله في رواية "بأم القرآن وبما شاء الله" فدلت مع غيرها على وجوب القراءة في الصلاة بالفاتحة أو ما تيسر. قال الشيخ ويلزمه قراءة قدرها من أي سورة شاء. فإن لم يعرف إلا آية كررها بقدرها. فإن عجز لزمه قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. لحديث إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وهلله وكبره فإن لم يعرف شيئًا وقف بقدر الفاتحة اتفاقًا. ويحرم أن يترجم عنه بلغة أخرى لقوله قرآنًا عربيًا وقوله بلسان عربي ولأنه معجزة باللفظ والمعنى. وقال لا يقرأ القرآن بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور وهو الصواب الذي لا ريب فيه. ولا يدعى الله ويذكر بغير العربية. واللسان العربي شعار الإسلام وأهله. واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون. (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) ولأحمد وغيره "وإذا ركعت

стр. 198

فاجعل راحتيك على ركبتيك وأمدد ظهرك ومكن ركوعك" وفي رواية "ثم تكبر وتركع حتى تطمئن مفاصلك وتسترخي" ففيه إيجاب الركوع والاطمئنان فيه. وهما ركنان. وأجمعوا على مشروعية الانحناء حتى تبلغ كفاه ركبتيه. وقال الشيخ الركوع في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين انحنائه. وأما مجرد الخفض فلا يسمى ركوعًا. ومن سماه ركوعًا فقد غلط على اللغة والشرع. قال وهذا مما لا سبيل إليه ولا دليل عليه. وإن حصل الشك لم يكن ممتثلاً بالاتفاق وعن عقبة بن عمرو "أنه ركع فجافى يديه ووضع يديه على ركبتيه وقال هكذا رأيت رسول الله يصلي" رواه أحمد وأبو داود. (ثم ارفع) أي من الركوع (حتى تعتدل قائمًا) ولابن ماجه بسند جيد "حتى تطمئن قائمًا" ولأحمد "فأقم صلبك حتى ترجع العظام" أي التي انخفضت حال الركوع تعود "إلى ما كانت عليه" حال القيام للقراءة. وذلك بكمال الاعتدال ونحوه أيضًا على شرط الشيخين فالاعتدال والطمأنينة ركنان في كل ركعة إجماعًا. وفي السنن وصححه الترمذي "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم صلبه في الركوع والسجود" أي عند رفعه منهما وقال لمن تركها "صل فإنك لم تصل". فنفى أجزاء الصلاة بدون الطمأنينة ونفى مسماها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها وهذا شرع محكم صحيح

стр. 199

صريح لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا قال الشيخ وهو صريح في أنه لا تجزئ الصلاة حتى يعتدل الرجل من الركوع وينصب من السجود. وفي الصحيح أن حذيفة رأى رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فقال "لو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا – ﷺ " وفي لفظ "على غير سنة محمد – ﷺ " وكان – ﷺ يطيل الرفع بقدر الركوع وفي صحيح مسلم "حتى نقول قد أوهم" (ثم اسجد) أي على سبعة أعضاء (حتى تطمئن ساجدًا) وللنسائي "ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وجبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي" ولأبي داود من حديث رفاعة تكبيرات النقل وذهب أحمد وأهل الحديث وغيرهم إلى وجوبها واستقر عمل الأمة عليه. وثبت عن النبي – ﷺ من غير وجه واتفقت الأمة على ذلك (ثم ارفع) من السجود (حتى تطمئن جالسًا) وهو ركن بلا نزاع. وفي الصحيحين عن عائشة "إذا رفع من السجدة لم يسجد حتى يستوي قاعدًا". ولحديث أبي حميد وغيره. وفي رواية "فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى". (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) كالأولى فهذه الأركان مجمع عليها (ثم افعل ذلك) أي جميع ما ذكرت من الأفعال والأقوال (في صلاتك) أي ركعات صلاتك (كلها) إلا تكبيرة الإحرام فإنها مخصوصة بالركعة الأولى لما علم شرعًا من

стр. 200

عدم تكرارها (متفق عليه) وهو في السنن وغيرها بألفاظ متقاربة. واعلم أن هذا الحديث حديث جليل تلقته الأئمة بالقبول واستدلوا به على وجوب ما ذكر فيه وأنها لا تسقط بحال لأنها لو سقط على أحد لسقطت عن هذا الأعرابي الجاهل. ولا ريب أن هناك أركانًا أخر يأتي الكلام فيها. (وعن أبي حميد) عبد الرحمن بن سعد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) نسبة إلى ساعدة وهو أبو الخزرج المدني غلب عليه كنيته توفي في آخر ولاية معاوية (قال) وهو في عشرة من أصحاب النبي – ﷺ أنا أعلمكم بصلاة رسول الله – ﷺ قالوا فاعرض فقال: (رأيت رسول الله – ﷺ إذا كبر) يعني للإحرام (جعل يديه) أي كفيه (حذو) أي مقابل (منكبيه) من حذوته احذوه وحاذيته محاذاة وازنته ولفظ أهل السنن وغيرهم وصححه الترمذي "إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه ثم يكبر". قال ابن عمر رفعهما زينة الصلاة. وقال الشافعي وغيره تعظيم واستسلام وخضوع لله تعالى واتباع لسنة نبيه – ﷺ وقيل رفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بين العبد وبين ربه. وقيل ليستقبل بجميع بدنه. ورفعهما معًا في فرض أو نقل ندب بلا نزاع رواه عنه – ﷺ خمسون صحابيًا منهم العشرة حتى قيل بوجوبه.

стр. 201

(وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه) كما في حديث المسيء (ثم هصر ظهره) أي ثناه في استواء من غير تقويس وفي رواية "حنى" وهو بمعناه. وفي رواية "غير مقنع رأسه ولا مصوبه" وفي رواية "ثم فرج بين أصابعه". ولابن ماجه عن وابصة "وكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر" أي سكن على ظهره في قعر عظم الصلب. وسوى الشيء تسوية جعله سويًا. (قإذا رفع رأسه) أي من الركوع (استوى) زاد أبو داود فقال "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد. ورفع يديه" وفي رواية "حتى يحاذي بهما منكبيه" معتدلاً " (حتى يعود) أي يرجع (كل فقار) أي من عظام الظهر (مكانه) والمراد منه كمال الاعتدال ففي رواية "ثم مكث قائمًا حتى يقع كل عضو موضعه" وهو معنى ما تقدم من قوله "حتى ترجع العظام". ولمسلم عن عائشة "وإذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا" وتقدم أن هذا الاعتدال ركن. (فإذا سجد وضع يديه) أي على الأرض (غير مفترش) أي لهما وعند ابن حبان "غير مفترش ذراعيه" (ولا قابضهما) أي وغير قابض يديه بأن يضمهما إليه. ولفظ الترمذي وغيره "كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه ووضع يديه حذو منكبيه وفرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه" وله أن يعتمد بمرفقيه على فخذيه إن طال السجود لقوله "استعينوا بالركب" رواه أبو داود (واستقبل بأطراف أصابع

стр. 202

رجليه القبلة) قال الشيخ وإذا رفع قدميه في السجود فإنه مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال ولو لم يضعهما لم يصح السجود. (وإذا جلس في الركعتين) جلوس التشهد الأول (جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى) ولفظ السنن وغيرهما "ثم ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضع" وفي الصحيحين عن عائشة "وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى" وعن عبد الله بن زيد قال "كنا نعلم إذا جلسنا في الصلاة أن يفرش الرجل منا قدمه اليسرى وينصب قدمه اليمنى. وإن كانت إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدلها" ولم يحفظ عنه – ﷺ في هذا الموضع جلسة غيرها. (وإذا جلس في الركعة الأخيرة) من ثلاثية أو رباعية للتشهد الأخير جلس متوركًا بلا نزاع فـ (قدم رجله اليسرى) ففرشها وفي لفظ "أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض" (ونصب الأخرى) يعني اليمنى ولأبي داود "وأخرج قدميه من ناحية واحدة" (وقعد على مقعدته) أي جلس على عجيزته وكيفما جلس في التشهدين وبين السجدتين جاز إجماعًا وهاتان الهيئتان قارقتان بين ما يسن تخفيفه فيكون الجالس فيه متهيئًا للقيام أو مستقرًا وكل منهما مذكرة للمصلي حاله فيهما (رواه البخاري) وأهل السنن وغيرهم قولاً وفعلاً وفيها قالوا صدقت.

стр. 203

(وعن ابن عمر أن رسول الله – ﷺ كان يرفع يديه حذو) أي مقابل (منكبيه) وفي رواية "حتى يكونا حذو منكبيه" (إذا افتتح الصلاة) وتقدم أنه متواتر عن النبي – ﷺ (وإذا كبر للركوع) رفعهما كذلك (وإذا رفع رأسه) أي اراد أن يرفعه (من الركوع) رفعهما كذلك وكان لا يفعل ذلك في السجود (متفق عليه) ولمسلم عن مالك بن الحويرث نحو حديث ابن عمر لكن قال "حتى يحاذي بهما فروع أذنيه". ويمكن الجمع بأن يحاذي بظهر كفيه المنكبين وبأطراف أنامله الأذنين كما في حديث وائل وهذا مذهب الجمهور. أو هذا مرة وذاك أخرى وفي حديث أبي حميد عند أبي داود نحو حديث ابن عمر ونقل البخاري عن الحسن أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال علي بن المديني حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه لهذا الخبر. (وفي رواية "وإذا قام من الركعتين) رفعهما كذلك" وفي حديث أبي حميد "ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه" كما صح عند افتتاح الصلاة رواه مسلم وصححه الترمذي من حديث علي وصححه البخاري في جزء رفع اليدين وقال ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة صحيح. وقال ابن بطال هذه زيادة يجب قبولها. وقال الشيخ مندوب إليه عند محققي العلماء العاملين بالسنة. وقد ثبت في الصحاح والسنن ولا معارض لها ولا مقاوم اهـ.

стр. 204

وينبغي أن يبتدئ رفع يديه مع ابتداء التكبير وينهيه معه لأن الرفع للتكبير فكان معه وهذا مذهب الجمهور. ولأحمد وأبي داود من حديث وائل "كان يرفع يديه مع التكبير". وفي الصحيح عن ابن عمر "حين يكبر" ولا استصحاب في انتهائه وصححه النووي وغيره وإن فرغ قبله حطهما ولم يستدم الرفع وإن كان ثبت تقديم التكبير على الرفع فقد قال الحافظ وغيره لم أر قائلاً به. (ولمسلم عن وائل) يعني ابن حجر أن رسول الله – ﷺ (وضع يده اليمنى على اليسرى) ولفظ أحمد وأبي داود بسند صحيح "وضع كفه اليمنى على كفه اليسرى والرسغ على الساعد" ونحوه عن ابن مسعود. وفي الصحيح من حديث سهل "كانوا يؤمرون" ووضع اليدين إحداهما على الأخرى متواتر عن النبي – ﷺ والتابعين ومن بعدهم وهو أقرب للخشوع وأمنع من العبث. قال الوزير أجمعوا على أنه يسن وضع اليمين على الشمال في الصلاة إلا في إحدى الروايتين عن مالك فقال يباح والأخرى مسنون. وقال ابن عبد البر لم يأت عن النبي – ﷺ فيه خلاف ولم يحك عن مالك ولا غيره. ولأبي داود وغيره عن ابن مسعود أنه "وضع اليسرى على اليمنى فرآه النبي – ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى" ولا خلاف في ذلك (زاد ابن خزيمة) وغيره (على صدره) وصححه ولأحمد عن هلب رأيته يضع هذه على صدره

стр. 205

قال النووي رواتهما كلهم ثقات. وصح عن علي من فعله فوق السرة. وعنه مرفوعًا تحت السرة وسنده ضعيف. وقال ابن القيم لما ساق حاله ﷺ في صلاته ثم كان يمسك شماله بيمينه فيضعهما عليها فوق المفصل ثم يضعهما على صدره. وقال في موضع لم يصح موضع وضعهما. وعن أحمد وغيره هو مخير والأمر فيه واسع. (وعن عمر ﵁ أنه كان) يجهر بهؤلاء الكلمات يعني بعد تكبيرة الإحرام يعلمهن الناس في مسجد رسول الله بحضرة الأكابر من الصحابة –﵃. وقال الحافظ وابن القيم هو بهذا الوجه في حكم الرفع (يقول سبحانك اللهم) أي أنزهك التنزيه اللائق بجلالك وأصل التسبيح التنزيه والتقديس ثم استعمل في مواضع تقرب منه اتساعًا. (وبحمدك) أي وبكل ما يليق تسبيحك به وبحمدك سبحتك وبنعمك التي توجب علي حمدًا سبحتك لا بحولي ولا بقوتي. فيشاهد بقلبه ربًا منزهًا عن كل عيب محمودًا بكل حمد. وحمده يتضمن وصفه بكل كمال (وتبارك) أي كمل وتقدس (اسمك) من باب مجد والمجد كثرة صفات الجلال ولا يقال تبارك إلا له (وتعالى جدك) أي تعاظم شأنك وارتفع قدرك جاء على بناء السعة فدل على كمال العلو ونهايته والجد العظمة.

стр. 206

(ولا إله غيرك) أي لا معبود بحق سواك بل أنت المستحق للعبادة وحدك لا شريك لك بما اتصفت به الصفات التي تستلزم أن تكون المحبوب غاية المحبة المخضوع له غاية الخضوع (رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي سعيد مرفوعًا وقال العمل عليه عند أكثر أهل العلم. ولأبي داود والحاكم نحوه عن عائشة قال أحمد وأنا أذهب إليه ولولا أن النبي – ﷺ كان يقوله في الفريضة ما فعل ذلك عمر وأقره المسلمون. وروي عن أبي بكر وابن مسعود. قال المجد وغيره واختيار هؤلاء. وجهر عمر به يدل على أنه الأفضل وأنه الذي كان النبي – ﷺ يداوم عليه غالبًا. وقال الضحاك والربيع في قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُوم﴾ أي إلى الصلاة تقول سبحانك اللهم إلخ. ولاشتماله على أفضل الكلام بعد كتاب الله. ولأنه خاص في الثناء على الله وغيره من الاستفتاحات وإن كانت أصح منه فإنما هي متضمنة للدعاء والثناء على الله أفضل من جنس الدعاء عند الافتتاح وعامتها في قيام الليل. وقال أحمد إنما هي في التطوع ولأنه إنشاء للثناء على الرب متضمن للأخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله وغير ذلك مما يرجح الأخذ به. ويجوز الاستفتاح بكل ما ورد. قال الشيخ الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين ولم يكن – ﷺ يداوم على استفتاح واحد قطعًا. والأفضل أن يأتي بالعبادات

стр. 207

المتنوعة على وجوه متنوعة كل نوع منها على حدته ولا يستحب الجمع. (وقال ابن المنذر) محمد بن إبراهيم النيسابوري الإمام المشهور صاحب التصانيف المتوفى سنة ثلاثمائة وتسع عشرة (جاء عن النبي ﷺ ) وكذا قال أبو حيان عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجبير ابن مطعم (أنه كان يقول) ﷺ يعني في صلاته (قبل القراءة) وكذا خارج الصلاة (أعوذ بالله) أي ألجأ إلي الله واعتصم به (من الشيطان الرجيم) المطرود المبعد عن رحمة الله لا يضرني في ديني ولا في دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به ٠أويحثني علي فعل ما نهيت عنه فإنه لا يكفه إلا الله ٠ والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس من شطن أي بعد لبعده عن الخير أو من شاط إذا هلك. والرجيم بمعني المرجوم أي المطرود المبعد أو بمعني راجم أي يرجم غيره بالإغواء. والتعوذ بهذا اللفظ مجمع عليه. لقوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي إذا أردت قراءة القرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ فإنك إذا استعذت بالله منه فقد أويت إلى ركنه الشديد واعتصمت بحوله وقوته من عدوك الذي يريد أن يقطعك عن ربك ويباعدك منه. وكيف ما تعوذ به من الوارد فحسن. ومنه ما رواه الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد "كان إذا قام إلى الصلاة

стр. 208

استفتح ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. من همزه ونفخه ونفثه" ونفثه الشعر. ونفخه الكبر. وهمزه الموتة خنق يشبه الجنون. وحكى ابن جرير وغيره الإجماع على استحباب التعوذ قبل القراءة وأوجبه عطاء والثوري للآية والأخبار ولدرء الشيطان. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وعامة السلف أنه سنة واختار الشيخ التعوذ عند أول قراءة. (وعن أنس أن النبي – ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) أي القراءة في الصلاة بهذا اللفظ (متفق عليه) ولمسلم "صليت خلف النبي – ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" (زاد أحمد "لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) وإسناده على شرط الصحيح وفيه دليل على أنهم كانوا لا يسمعون من خلفهم لفظ البسملة عند قراءة الفاتحة في الصلاة جهرًا فلا يسن الجهر بها فيها. قال الترمذي وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي – ﷺ ومن بعدهم. وقال الشيخ المداومة على الجهر بها بدعة مخالفة للسنة الصحيحة الصريحة عن رسول الله – ﷺ والسلف. والأحاديث الصريحة في الجهر بها كلها موضوعة. وذكر الطحاوي أن ترك الجهر بالبسملة في الصلاة تواتر عن النبي – ﷺ وخلفائه وذكر الشيخ أنه يستحب الجهر بها للتأليف. وأنه يستحب الجهر بها

стр. 209

وبالتعوذ والفاتحة في الجنازة ونحوها تعليمًا للسنة اهـ. وأما التعوذ والاستفتاح فيسر بهما إجماعًا وليست البسملة من الفاتحة ذكره القاضي إجماعًا سابقًا. وقال الشيخ البسملة آية من كتاب الله في أول كل سورة سوى براءة وليست من السور على المنصوص. وهو أوسط الأقوال وأعدلها وبه تجتمع الأدلة. وتستحب البسملة في ابتداء جميع الأفعال المهمة وهي تطرد الشيطان. ومستحبة تبعًا لا استتقلالاً. وتكتب أوائل الكتب كما كتبها سليمان ونبينا عليهما الصلاة والسلام. وذكر بعض أهل العلم أربعة أقسام: قسم تجب فيه وهو الوضوء والغسل والتيمم. وعند الصيد. والتزكية. وقسم تسن فيه: قراءة القرآن. والأكل والشرب والجماع وعند دخول الخلاء ونحو ذلك. وقسم لا تسن فيه كالصلاة والأذان والحج والأذكار والدعوات. وقسم تكره فيه وهو المحرم. والمكروه. لأن المقصود بها البركة. والزيادة. وهذان لا تطلب فيهما. وقيل تحرم عند أكل الحرام. وفي البزازية اختلف في كفره. (وعن عبادة) بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري السلمي أحد النقباء شهد العقية والمشاهد واستقضاه عمر على

стр. 210

الشام ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون (أن رسول الله – ﷺ قال لا صلاة) أي مجزئة (لمن لم يقرأ بأم القرآن، متفق عليه) ولابن حبان "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" ففيه دلالة على نفي إجزاء الصلاة الشرعية إذا لم يقرأ فيها المصلي بفاتحة الكتاب لأن الصلاة فرضت مركبة من أقوال وأفعال لا تصح بدونها. والمركب ينتفي بانتفاء جميع أجزائه وبانتفاء البعض. وتقدم أمره – ﷺ المسيء بقراءة الفاتحة. وسمي كل ركعة صلاة. وفي بعض ألفاظه قال الراوي فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ ثم قال "لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" ولغير ذلك من الأخبار وجمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم أنها ركن في كل ركعة. ولمسلم من حديث أبي هريرة "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" وسمعت رسول الله – ﷺ يقول "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ قال الله حمدني عبدي فإذا قال ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ قال أثنى علي عبدي وإذا قال ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ قال مجدني عبدي، وإذا قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾، قال هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وهي أفضل سورة في القرآن لما في الصحيح "أعظم سورة

стр. 211

في القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه" وهي أم القرآن لأن فيها تقرير الإلهيات والمعاد والنبوات، قال الحسن أودع فيها معاني القرآن كما أودع فيه معاني الكتب السابقة. وقال ابن كثير وغيره. قد اشتملت على حمد الله. وتمجيده والثناء عليه، وعلى المعاد والنبوات وإثبات القدر، والإرشاد إلى سؤال الله، والتضرع إليه، وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك، أو مماثل، وإلى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، والتثبيت عليه، والترغيب في الأعمال الصالحة، والتحذير من مسالك أهل الغضب والضلال. وجمعت معانيها في إياك نعبد وإياك نستعين. ففيها سر الخلق وأمر الدنيا والآخرة ويستحب أن يقرأها مرتلة لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ محسنة لقوله ﵊ "زينوا القرآن بأصواتكم" قال شيخ الإسلام هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب وتفكر وتفهم ينفذ اللفظ إلى الأسماع. والمعاني إلى القلوب لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وشغله بالفصل والوصل والإضجاع والإرجاع والتطريب وغير ذلك مما هو مفض إلى تغيير كتاب الله والتلاعب به حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه.

стр. 212

ويستحب أن يقف عند كل آية، وإن كانت متعلقة بما بعدها. قالت أم سلمة "كان يقطع قراءته آية آية" وقال الشيخ وقوف القاري على رؤوس الآي سنة وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف، وتصح الصلاة بقراءة وافقت مصحف عثمان. وصح سندها اتفاقًا، وبما خالفه. وصح سنده لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض. قال شيخ في أصح القولين وقال الذي عليه السلف أن كل قراءة وافقت العربية أو أحد المصاحف العثمانية وصح إسنادها فهي قراءة وافقت العربية أو أحد المصاحف العثمانية وصح إسنادها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها وهي من الأحرف السبعة. (ولهما) أي البخاري ومسلم (عن أبي هريرة مرفوعًا إذا أمن الإمام فأمنوا) يعني إذا شرع في التأمين فأمنوا أنتم حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا. أو إذا أراد التأمين لكي يتوافق تأمينكم وتأمينه ويكون بعد سكتة لطيفة ليعلم أنها ليست من الفاتحة. ولهما أيضًا "إذا قال (ولا الضالين) فقولوا آمين" ففيها مشروعية تأمين الإمام والمأموم معًا جهرًا. ولأحمد وغيره من حديث وائل "كان يقول آمين يمد بها صوته" صححه الحافظ. ولأبي داود قال "آمين يرفع بها صوته ويأمر بذلك" وللحاكم والبيهقي وصححاه من حديث أبي هريرة "حتى يسمع أهل الصف الأول فيرتج المسجد". وفي رواية "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين (فإنه من وافق تأمينه

стр. 213

تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفي لفظ: «إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة: أمين فوافق أحدكم الآخر غفر له ما تقدم من ذنبه»، وجمهور أهل العلم علي المقارنة وسنية التأمين. وحكي وجوبه علي المأمومين. وآمين بفتح الهمزة مع المد ويجوز القصر والإمالة وهي اسم فعل معناه اللهم استجب لنا ما سألناك من الهداية إلي الصراط المستقيم إلخ. وليست من الفاتحة إجماعاً. وإنما هي طابع الدعاء وينبغي أن يؤمن المأموم وإن لم يسمع قراءة الإمام ولا تأمينه لبعد ونحوه لكونه معلوماً. (وعن أبي قتادة أن النبي – ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الأوليين) تثنية أولى (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منهما (وسورتين) أي في كل ركعة سورة وفي رواية سورة سورة. وسميت سورة لارتفاعها وشرفها كسور بلد. أو لكونها قطعة من القرآن. أو لتمامها وكمالها، وفيه دلالة على مشروعية قراءة سورة في كل ركعة بعد الفاتحة من الأوليين. ولا نزاع في ذلك، وعن أبي برزة وخباب وغيرهما نحو ذلك. بل نقل نقلاً متواترًا وأمر به معاذًا وغيره. وليست قراءة السورة بعد الفاتحة واجبة فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته اتفاقًا. و (ويسمعنا الآية أحيانًا) أي تكرر منه ذلك وللنسائي من حديث البراء نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. ولابن خزيمة عن أنس (سبح). و (هل أتى)

стр. 214

وكأنه من هنا علموا مقدار قراءته وفيه دلالة على جواز الجهر في السرية أحيانًا وأنه لا سجود على من فعل ذلك (ويطول الركعة الأولى) أي السورة فيها أطول من الثانية. أو بترتيل القراءة فيها، ويقال بسبب دعاء الاستفتاح والتعوذ وجمع البيهقي وغيره بين هذا وهذا. وحزر بعض الصحابة بثلاثين ثلاثين في الظهر وأنه إنما يطيل الأولى إن كان منتظرًا لآحد وفي رواية عبد الرزاق قال ظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. ولمسلم عن أبي سعيد "كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي – ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها (ويقرأ في الأخريين) تثنية أخرى (بفاتحة الكتاب) من غير زيادة عليها (متفق عليه). وفي لفظ "كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ويسمعنا الآية أحيانًا ويطول، وفي الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية. وهكذا في العصر. وهكذا في الصبح" فدل على أنه هو السنة في جميع الصلوات. وفيه دليل على مشروعية قراءة الفاتحة في الأربع الركعات في كل واحدة كما تقدم. ولهما عن جابر قال عمر لسعد لقد شكوك في كل شيء قال أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله – ﷺ قال صدقت ذلك الظن بك. وهذا الخبر يحتمل

стр. 215

ما هو أعم من القراءة كالأذكار والركوع والسجود. قال شيخ الإسلام ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية. ويستحب أن يمد في الأوليين ويحذف في الأخريين لهذا الخبر. وعامة فقهاء الحديث على هذا اهـ. وما روى مسلم عن أبي سعيد "كنا نحزر قيام رسول الله – ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر (ألم تنزيل) السجدة. وفي الأخريين قدر النصف من ذلك. وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر. والأخريين على النصف من ذلك": فحزر وتقدير، وظاهر حديث أبي قتادة أنه لا يزيد في الأخريين من الظهر على أم الكتاب وهو متفق على صحته وخبر مجزوم به فيتعين الأخذ به. ويحتمل أنه – ﷺ فعل ذلك لما أخرجه مالك "أن أبا بكر ﵁ قرأ في ثالثة المغرب ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية" قال الموفق وغيره أكثر أهل العلم يرون أنه لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير الأوليين من كل صلاة. قال ابن سيرين لا أعلم أنهم يختلفون في أنه يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة. وفي الأخريين بفاتحة الكتاب وهو قول مالك وأحمد وأصحاب الرأي واحد قولي الشافعي. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإن زاد على الفاتحة لم يكره. (وعن سليمان بن يسار) مولى ميمونة أم المؤمنين أخي عطاء وأحد الفقهاء السبعة المتوفى سنة مائة من الهجرة (قال
следующие страницы →