Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
(قال اعطوا ميراثه بعض أهل قريته رواه الخمسة) وغيرهم. فدل الحديث على إرث ذوي الأرحام. وهو مذهب أكثر أهل العلم. وعن المقدام بن معد يكرب مرفوعًا "الخال وارث من لا وارث له" رواه الخمسة إلا الترمذي. ولهم سوى أبي داود كتب عمر إلى أبي عبيدة أن رسول الله ﷺ قال: "الخال وارث من لا وارث له" وصححه الترمذي.
وذكر ابن القيم أن أحاديث الخال رويت من وجوه مختلفة. رواتها ليسوا بمجروحين. وحكم ابن حبان بصحتها. وليس في أحاديث الأصول ما يعارضها. وجمهور العلماء يورثونه. وهو قول أكثر الصحابة. قال وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها اهـ. والمراد إذا لم يكن ثم وارث من جميع الجهات من ذوي الفروض أو العصبات. وفي كتاب عمر والله ورسوله مولى من لا مولى له. فمن لم يكن له وارث ولا من ذوي الأرحام فلمصالح المسلمين. ولا يكون لبيت المال إلا مع عدم أهل الفروض والعصبة وذوي الأرحام. كما هو قول جمهور أهل العلم. ويدل له عمومات الكتاب والسنة والآثار. ومما يؤيد ميراث ذوي الأرحام أيضًا قوله ﷺ "ابن أخت القوم منهم" ولا ريب في انتهاض مجموع الأحاديث للاستدلال بميراث ذوي الأرحام.
(ونزل عمر) ﵁ (العمة أبا) أي تنزل منزلته في الإرث مع عدم وعدم أهل الفروض والعصبة (والخالة
стр. 1507
أما) تنزل منزلتها مع عدم أهل الفروض والعصبة وهو الصحيح عنه وعلي وغيرهما. قال الموفق وغيره لا مخالف لهم في الصحابة وأنه الصحيح لوجوه: منها الخبر الآتي وغيره ولأن الأم أقوى جهات الخالة.
(وروي) عن الزهري (مرفوعًا) ولفظه "العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن هناك أب. والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم" أي ولا أهل فرض ولا عصبة.
(وعلي) بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهما (نزل بنت البنت بمنزلة البنت وبنت الأخ والأخت بمنزلة الأخ والأخت) فدل على أن إرث ذوي الأرحام بالتنزيل. ويجعل كل وارث بمنزلة من أدلى به. وهم أحد عشر صنفًا الأول: أولاد البنات وأولاد بنات البنين وإن نزلوا. الثاني أولاد الأخوات مطلقًا الثالث بنات الإخوة لغير أم وبنات بنيهم. والرابع أولاد الإخوة لأم. الخامس العم لأم. سواء كان عم الميت أو عم أبيه أو عم جده. السادس العمات مطلقًا وبنات بنيهم. السابع بنات الأعمام وبنات بنيهم. الثامن الأخوال والخالات مطلقًا.
التاسع الأجداد الساقطون من جهة الأم والأب. العاشر الجدات السواقط.
الحادي عشر كل من أدلى بأحد هذه الأصناف العشرة، كعمة العمة وخالة الخالة. وأبي أبي الأم وأخ العم لأمه وعمه
стр. 1508
وعمته. ونحو ذلك. فينزل كل واحد من هذه الأصناف بمنزلة من أدلى به من الورثة. فأولاد البنات وإن نزلوا بمنزلة البنات.
وأولاد بنات البنين وإن نزلوا بمنزلة بنات البنين. وبنات الإخوة وبنات بنيهم بمنزلة آبائهن. وأولاد الإخوة لأم ذكورًا كانوا أو إناثًا بمنزلة الإخوة لأم. والعم لأم والعمات مطلقًا بمنزلة الأب.
والأخوال والخالات مطلقًا بمنزلة الأم. وأخوال الأب وخالاته مطلقًا بمنزلة أم الأب وأخوال الأم وخالاتها مطلقًا بمنزلة أم الأم وأبو الأم. وكل من أدلى به بمنزلة الأم. وأبو أم الأب وكل من أدلى به بمنزلة أم الأب وهكذا.
فيجعل نصيب كل وارث لمن أدلى به. فإن كان واحدًا أخذ المال كله. وإن أدلى جماعة بجماعة قسمت المال بين المدلى بهم فما صار لكل واحد أخذه المدلى به. وإن أدلى جماعة بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق فنصيبه لهم الذكر والأنثى سواء.
فلو خلف شخص ثلاثة أولاد بنت فالمال بينهم أثلاثًا. وإن اختلفت منازلهم منه جعلتهم معه كميت اقتسموا إرثه. ففي ثلاث خالات متفرقات للشقيقة ثلاثة. وللخالة لأب واحد.
وللخالة لأم واحد. وفي ثلاثة أخوال متفرقين لذي الأم السدس. والباقي لذي الأبوين. وإن كان معهم أبو أم أسقطهم. وإن حجب بعضهم بعضًا عملت به. ويسقط بعيد من
وارث بأقرب منه إلا إذا اختلفت الجهة فينزل بعيد من
وارث درجة درجة حتى يلحق به. فإن أدلى بعصبة أخذه
стр. 1509
تعصيبًا وإن أدلى بذي فرض أخذه فرضًا وردًا.
وجهاتهم أبوة وأمومة وبنوة. ومن أدلى بقرابتين ورث بهما. كبنت أخ لأم هو ابن عم مع بنت ابن عم. وإن كان مع ذوي الأرحام أحد الزوجين أخذ فرضه كاملًا. والباقي لذوي الأرحام. فإن كان واحدًا أخذه. وإن كانوا جماعة وانقسم فكذلك. كزوجة وبنت أخت وبنت أخ. وإن لم ينقسم نظرت بينه وبين مسألة الأرحام. فإن تباينا ضربت مسألة ذوي الأرحام في مسألة الزوج. فما بلغ فمنه تصح.
باب ميراث الحمل والمفقود والخنثى والغرقي
المراد بالحمل ما في بطن الآدمية المتوفى عنه وهي حامل به. يقال امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى. والمفقود هو من انقطع خبره فلم تعلم له حياة ولا موت. سواء كان بأسر أو سفر غالبه السلامة. أو كان بما غالبه الهلاك. كمن غرق في مركب أو فقد من بين أهله. أو في مفازة مهلكة ونحو ذلك. والخنثى هو من لم تتضح ذكورته ولا أنوثته له شكل ذكر وفرج امرأة. أو ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول. والغرقي جمع غريق مثل قتلى وقتيل. والمراد الميت في الماء. وكذا من خفي موتهم بنحو هدم أو غربة أو نار.
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال إذا
стр. 1510
استهل المولود) أي رفع صوته بالبكاء وصاح شديدًا عند ولادته (ورث) وفي لفظ "إذا استهل المولود صارخًا ورث" فصارخًا حال مؤكدة (رواه أبو داود) وللترمذي وغيره من حديث جابر "إذا استهل السقط صلي عليه وورث" فدل الحديثان على أن المولود إذا وقع منه الاستهلال. أو ما يقوم مقامه. كما لو عطس أو رضع أو تنفس وطال زمن التنفس. أو وجد منه دليل على حياته. كحركة طويلة أو سعال. ورث. لأن هذه الأشياء تدل على الحياة المستقرة.
فيرث بشرطين بأن ولد حيًا لا ميتًا بالاتفاق. وبتحقيق وجوده في الرحم حين موت الموروث. ولو نطفة بلا نزاع. ومن خلف ورثة فيهم حمل يرثه. ولم يرضوا بوقف الأمر إلى وضعه.
وطلبوا القسمة لم يعطوا كل المال بلا نزاع. ووقف للحمل الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين. لأن وضعهما كثير معتاد. فإذا ولد أخذ حقه من الموقوف. وما بقي فلمستحقه من الورثة.
ومن لا يحجبه الحمل يأخذ إرثه كاملًا كالجدة. فإن فرضها السدس مع الولد وعدمه. ومن ينقصه الحمل شيئًا يعطى اليقين. كالزوجة والأم. فيعطيان الثمن والسدس. ومن سقط به كعصبة لم يعط شيئًا. للشك في إرثه.
(وروي) من حديث أبي هريرة وغيره أخرجه الترمذي وغيره (أنه ﷺ قال أعمار أمتي) أي غالب أعمارهم (ما بين الستين) سنة (والسبعين) سنة لأن الغالب أن لا يعيش أكثر
стр. 1511
من هذا. ويشهد له الحال وأقلهم من يجوز ذلك ومنهم من لا يبلغ الستين وفي القرون الماضية كانت أعمارهم وأبدانهم وأرزاقهم أضعاف ذلك ولم يزل الخلق يضعف حتى صارت هذه الأمة هي آخر الأمم فمن انقطع خبره ولا يدري حياته وموته. له حالتان: حالة يكون الغالب عليه السلامة. كمن سافر لتجارة أو سياحة أو طلب علم أن نحو ذلك. انتظر به حتى يتيقن موته أو تمضي عليه مدة لا يعيش في مثلها. وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم. وهو قول الشافعي والمشهور عن مالك وأبي حنيفة. لأن الأصل حياته.
واتفقوا على أنه لا يقسم ماله حتى تمضي مدة لا يعيش في مثلها. وعن أحمد ينتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر منها. والحالة الثانية يكون الغالب عليه الهلاك. كمن غرق في مركب فسلم قوم دون قوم. أو فقد من بين أهله. أو من بين الصفين. أو في مفازة مهلكة. أو نحو ذلك انتظر به تمام أربع سنين منذ فقد. وقد اتفق الصحابة على اعتداد امرأة المفقود بعد التربص هذه المدة. وحلها للأزواج بعد ذلك. وانقطاع خبره في تلك المدة يغلب على الظن هلاكه. ثم بعد مضي المدة يقسم ماله بين ورثته الأحياء. حين يحكم الحاكم بموته.
وإن مات مورثه في مدة التربص أخذ كل وارث إذًا اليقين. وهو ما لا يمكن أن ينقص عنه مع حياة المفقود أو موته.
стр. 1512
ووقف ما بقي. فإن قدم أخذ نصيبه الذي وقف. ورد الباقي على مستحقه. وإن مضت المدة ولم يعلم خبره فعن أحمد يرد إلى ورثة الميت الذي مات في مدة التربص قطع به الموفق وغيره. وإن بان موته قبل موت مورثه رد الموقوف على مستحقه بلا خلاف. وكذا إن بان ميتًا ولم يتحقق أنه قبل موت مورثه. واتفقوا على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته.
(وأنه سئل) أي وروي أنه ﷺ سئل (عن مولود) خنثى (له قبل) كفرج المرأة (وذكر) كذكر الرجل (من أين يورث) وهو ينقسم إلى مشكل وغير مشكل. فمن ثبت فيه علامات الرجال أو النساء فيعلم أنه رجل أو امرأة. وليس بمشكل. وأخبر ﷺ أنه يعتبر إرثه بمباله. (قال) يورث (من حيث يبول) فأخبر ﷺ أن حكمه حكم من ظهرت علاماته فيه.
(وأنه) ﷺ (أتى بخنثى من الأنصار فقال ورثوه من أول ما يبول منه) وهو قول علي ومعاوية وغيرهما وقال الموفق يعتبر بمباله في قول من بلغنا قوله من أهل العلم. وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الخنثى يورث من حيث يبول. إن بال من حيث يبول الرجل فهو رجل. وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة. ولأن خروج البول أعم العلامات لوجودها في الصغير والكبير وإن كان مشكلًا فلا يخلو من حالتين. أما أن يرجى انكشاف حاله أولا.
стр. 1513
فإن رجي بأن كان صغيرًا عومل هو ومن معه من الورثة بالأضر إن طلبوا القسمة ووقف الباقي عند الجمهور إلى أن يتضح أمره كبوله من أحد آلتيه. فإن بال منهما فبأسبقهما عند الجمهور. وإن استويا فبأكثرهما. وكحيضه وتفلك ثدييه ونبات لحيته. وإن لم يرج انكشاف حاله بأن مات وهو صغير. أو بلغ ولم يتضح أمره. أعطي نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى.
قال الموفق وهو قول ابن عباس ولا يعلم له في الصحابة منكر. هذا إن ورث بهما متفاضلًا. وإن ورث بهما على السواء أعطي نصيبه كاملًا. وإن ورث بالذكورية فقط أعطي نصف ميراث ذكر. أو بالأنوثية فقط فنصف ميراث أنثى. وكخنثى مشكل في الحكم من لا ذكر له ولا فرج. ولا فيه علامة. ذكر ولا أنثى. وذكر الموفق وغيره أنه قد وجد ذلك.
(ولم يورث أبو بكر) الصديق الخليفة الراشد ﵁ وأرضاه (و) لا (غيره) من أصحاب النبي ﷺ كابن عباس وزيد بن ثابت والحسن بن علي وغيرهم (من علم موتهم معًا) أي جميعًا بعضهم من بعض (أو جهل السابق) منهم موتًا (بعضهم من بعض) وهو قول عمر بن عبد العزيز والزهري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد. وروى سعيد وغيره أن قتلى اليمامة وصفين والحرة لم يورث بعضهم من بعض.
وأن أم كلثوم بنت علي وابنها زيدًا لم يدر أيهما مات أول
стр. 1514
فلم ترثه ولم يرثها. ولأنه لم يكن حيًا حين موت الآخر. وشرط الإرث حياة الوارث بعد موت الموروث. وإذا مات متوارثان بغرق أو هدم أو حرق أو غربة أو نار ونحو ذلك فلهم خمسة أحوال إما أن يتأخر موت أحد المتوارثين ولو بلحظة. فيرث المتأخر إجماعًا. أو يتحقق موتهما معًا فلا إرث إجماعًا. أو تجهل كيفية موتهما. أو يعلم سبق أحدهما الآخر لا بعينه. أو يعلم السابق بالموت ثم ينسى. ففي هذه الأحوال الثلاثة عند الأئمة الثلاثة وإحدى الروايتين عن أحمد لا إرث بينهم. لما تقدم.
وعنه إذا جهل السابق بالموت ولم يختلفوا فيه ورث كل منهما من الآخر من تلاد ماله دون ما ورثه منه دفعًا للدور. واحتجوا بما رواه الشعبي عن عمر لما وقع الطاعون بالشام: أن ورثوا بعضهم من بعض. وبما روي عن إياس بن معاوية مرفوعًا في قوم وقع عليهم بيت فقال يرث بعضهم من بعض ولكن قال الموفق إنما هو عن إياس نفسه. وحكاه أحمد عنه. والقول الأول مذهب الجمهور. وجزم به شيخ الإسلام. وقال لو مات متوارثان وجهل أولهما موتًا لم يرث بعضهم من بعض. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي. اهـ. وإن تداعيا ولا بينة. أو تعارضت بينتاهما حلف كل منهما على إبطال دعوى صاحبه. ولم يتوارثا لعدم وجود شرطه.
стр. 1515
باب ميراث أهل الملل
جمع ملة بكسر الميم وهي الدين والشريعة. وتقدم أن اختلاف الدين من موانع الإرث.
(وعن أسامة بن زيد) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" متفق عليه) ورواه الخمسة وغيرهم. وفي رواية قال يا رسول الله أتنزل غدًا في دارك بمكة قال "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب. ولم يرث جعفر ولا علي شيئًا. لأنهما كانا مسلمين. وكان عقيل وطالب كافرين. فدل الحديثان وغيرهما أن الكافر لا يرث المسلم. وهذا بإجماع المسلمين. وأن المسلم لا يرث الكافر وهو مذهب جمهور العلماء. وقال الموفق عند عامة الفقهاء. وعليه العمل والمرتد لا يرث أحدًا من المسلمين. وقال لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم. لأنه لا يقر على ما هو عليه. وإن مات فقال شيخ الإسلام المرتد إن قتل في ردته أو مات عليها فماله لوارثه المسلم. وهو رواية عن أحمد وهو المعروف عن الصحابة. ولأن ردته كمرض موته.
وقال ابن القيم القول الراجح أنه لورثته من المسلمين. وهو الصواب. قال الشيخ. والزنديق منافق يرث ويورث. لأنه ﵊ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا. ولا جعله
стр. 1516
فيئًا. فعلم أن التوارث مداره على النظرة الظاهرة. واسم الإسلام يجري عليه في الظاهر إجماعًا اهـ. واستثنى بعض الأصحاب الولاء. لما رواه الدارقطني. إلا أن يكون عبده أو أمته. فقالوا لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر إلا بالولاء. وجمهور العلماء أنه لا يرثه مع اختلاف دينهما. لخبر أسامة ولأنه ميراث فيمنعه اختلاف الدين كميراث النسب. وأولى. وميراث النسب أقوى. وإذا منع الأقوى فالأضعف أولى.
(وللخمسة) وغيرهم فلأحمد وأبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر وللترمذي وغيره من حديث جابر ﵄ (أنه ﷺ قال لا يتوارث أهل ملتين شتى) أي متفرقين في أديانهم. ورواه الحاكم وغيره وللبزار وغيره لا ترث ملة ملة. وقال علي ﵁ الكفر ملل شتى. وقال الموفق لا نعلم له مخالفًا في الصحابة فكان إجماعًا فدل على أنه لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين بالكفر. أو بالإسلام والكفر وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما.
وذهب جماعة إلى أن المراد بالملتين الكفر والإسلام. فيكون كالحديث المتقدم. ولفظ الحديث ظاهر في عدم التوارث بين أهل ملل الكفر. ولأن كل فريق منهم لا موالاة بينهم. ولا اتفاق في دين. فلم يرث بعضهم بعضًا كالمسلمين والكفار. ويرث المجوسي وكل من يرى كل نكاح ذوي المحارم بقرابتين
стр. 1517
إن أسلموا. أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم. لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ وكذا حكم المسلم يطأ ذات رحم محرم منه بشبهة نكاح أو تسر. يثبت به الميراث والنسب. لا بنكاح ذات رحم محرم فلا يرثها ولا ترثه. ولو بعقد لا يقر عليه لو أسلم كمطلقته ثلاثًا قبل أن تنكح زوجًا غيره.
(ولأبي داود عن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (كل قسم في الجاهلية) أي كل ميراث قسم في الجاهلية (فهو على ما قسم) لا يرجع على من أخذ نصيبه. لاعتقاده ملكًا له أو استولى عليه وتملكه في جاهليته ومنع مالكه منه بحيث أيس منه ثم أسلم وهو في يده لا ينازعه فيه فله. (وكل قسم أدركه الإسلام) قبل أن يقسم (فإنه على قسم الإسلام) المنصوص عليه في شريعة الإسلام.
فدل الحديث على أنه لو أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم ورث لهذا الخبر. ولقوله ﷺ "من أسلم على شيء فهو له" رواه سعيد.
وقضى به عمر وعثمان. واشتهر فلم ينكر فكان إجماعًا. ولأن الناس أسلموا في عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ولم ينطروا في أنكحة الجاهلية. ولا في عقودهم قال ابن جريج لعطاء أبلغك أن النبي ﷺ أقر أهل الجاهلية على ما كانوا عليه.
قال لم يبلغنا إلا ذلك. وأفتى أهل هذه الدعوة بأن المواريث التي قسمت في الشرك وتملكها أهلها ثم أسلموا لا تعاد. وأنه إذا
стр. 1518
منع الوارث شريكه من نصيبه في الإرث وأسلم والمال في يده فالمال له دون شريكه. سواء كان الممنوع رجالًا أو نساء. وإن كان لم يقسم قسم على فراض الله.
باب ميراث المطلقة والمقربة
أي باب بيان من يرث من المطلقات طلاقًا رجعيًا أو بائنًا يتهم فيه بقصد الحرمان. ومن لا يرث. وبيان إرث المقربه.
(قضى أبو بكر وعمر) وعلي وغيرهم (بميراث المطلقة الرجعية) سواء كان في المرض أو في الصحة ولم تنقض عدتها. وهو إجماع من أهل العلم حكاه غير واحد. لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها. وإن أبانها في صحته لم يتوارثا إجماعًا. أو في مرضه غير المخوف ومات به لم يتوارثا عند الجمهور. أو المخوف ولم يمت به لم يتوارثا. لانقطاع النكاح وعدم التهمة.
(وورث عثمان) رضي الله (تماضر) بنت رباب بن الأصبغ بن ثعلبة وهي أم مسلمة بن عبد الرحمن بن عوف (من عبد الرحمن بن عوف) بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي ﵁ (وكان طلقها في مرضه وبتها) واشتهر
فلم ينكر. وقال له عمر إن مت لأورثنها منك فقال قد
علمت. قال ابن القيم ووافقه الصحابة على ذلك معارضة له
стр. 1519
بنقيض قصده. وهذا مذهب جمهور أئمة الإسلام. وقضى به أيضًا عمر بن الخطاب. ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف.
وجزم ابن القيم وغيره أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ورثوا المطلقة المبتوتة في مرض الموت. حيث يتهم بقصد حرمانها الميراث بلا تردد. وإن لم يقصد الحرمان لأن الطلاق ذريعة. وأما إذا لم يتهم ففيه خلاف معروف. مأخذه أن المرض أوجب تعلق حقها بماله. فلا يمكن من قطعه. أو سدًا للذريعة بالكلية. اهـ. وإن أبانها ابتداء بلا سؤال منها. أو سألته أقل من ثلاث فطلقها ثلاثًا. أو علق إبانتها في صحته على مرضه. أو على فعل له ففعله في مرضه لم يرثها إن ماتت لقطعه نكاحها. وترثه هي في العدة عند الجمهور. وبعدها في المشهور عن أحمد. وقول مالك وغيره. ما لم تتزوج فيسقط ميراثها. أو ترتد. ولو أسلمت بعد. لأن مجرد ارتدادها يسقط إرثها. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي واحمد لأنها فعلت باختيارها ما ينافي النكاح الأول.
وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أباه طلق أمه وهو مريض فمات فورثته بعد انقضاء العدة. ولأن سبب توريثها فراره من ميراثها. وهو لا يزول بانقضاء العدة. ولو تزوج في مرض موته مضارة لتنقيص إرث غيرها وأقرت به فقال الشيخ ترثه. لأن له أن يوصي بالثلث. وإن فعلت في مرض موتها ما
стр. 1520
يفسخ نكاحها ورثها إن اتهمت بقصد حرمانه. وإن ارتد أحد الزوجين ثم عاد إلى الإسلام قبل انقضاء العدة ورثه الآخر. لأن النكاح باق.
(وعن عائشة) ﵂ (أن سعد بن أبي وقاص) ﵁ (اختصم هو وعبد بن زمعة) في ابن أمة زمعة فقال سعد يا رسول الله أوصاني أخي إذا قدمت أن أنظر ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه إبني. وقال ابن زمعة أخي وابن أمة أبي ولد على فراش أبي. فرأى النبي ﷺ شبهًا بينًا بعتبة فقال "هو لك يا عبد بن زمعة" قالت عائشة (فقال النبي ﷺ الولد للفراش) وكانت فراشًا لأبيه "وللعاهر الحجر" فلا تلحق به (متفق عليه) فدل الحديث على أنه إذا أقر الورثة بوارث للميت ولو أنه واحد وصدق المقر به. أو كان صغيرًا أو مجنونًا والمقربه مجهول النسب. ثبت نسبه بشرط إمكان كونه منه. وثبت إرثه حيث لا مانع. لأن الوارث يقوم مقام مورثه في بيناته ونحوها. فكذلك النسب.
ويعتبر إقرار زوج ومولى إن ورثا. وإن أقر بعض الورثة دون بعض بوارث للميت لم يثبت نسبه إجماعًا. لأن النسب لا يتبعض. ويثبت بشهادة عدلين منهم أو من غيرهم. ويثبت نسبه من مقر فقط. ويأخذ الفاضل بيده. أو ما في يده إن أسقطه. فإن أقر أحد ابني الميت بأخ مثله فله ثلث ما بيده. أو ببنت فلها خمسه. وإن أقر ابن ابن بابن دفع له كل ما بيده.
стр. 1521
باب ميراث القاتل والمبعض والولاء
أي باب بيان الحال التي يرث القاتل فيها. والحال التي لا يرث فيها. وبيان ميراث المعتق بعضه. والميراث بالولاء. وهو بالمد. والمراد ولاء العتاقة. وهو لغة الملك. وشرعًا ثبوت حكم شرعي بعتق أو تعاطي سببه.
(عن عمر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال ليس للقاتل من الميراث شيء رواه أحمد) ومالك وابن ماجه. وعن عمرو بن شعيب مرفوعًا "لا يرث القاتل شيئًا" رواه أبو داود والنسائي. ولهما شواهد. وإن كان فيها مقال فبمجموعها يحتج بها. وقضى بذلك عمر وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأكثر أهل العلم. قالوا لا يرث القاتل من المال. ولا من الدية شيئًا سواء انفرد بقتل مورثه أو شارك فيه مباشرة أو سببًا بلا حق. إن لزمه قود أو دية أو كفارة. والمكلف وغيره في ذلك سواء. قال شيخ والآمر بقتل مورثه لا يرثه. ولو انتفى عنه الضمان.
وقال ابن القيم ﵀ قتلًا مضمونًا بقصاص أو دية أو كفارة أو قتلًا مطلقًا. سواء قصد القاتل أن يتعجل الميراث أو لم يقصده فإن رعاية هذا القصد غير معتبرة في المنع اتفاقًا لأن توريث القاتل ذريعة إلى وقوع هذا الفعل. فسد الشارع الذريعة بالمنع، اهـ. أما إن قتل بحق قودًا كقصاص. أو حدًا
стр. 1522
كترك زكاة أو لزنا ونحوه أو لصيالة دفعًا عن نفسه. أو بشهادة وارثه عليه بما يوجب القتل. أو تزكية الشاهد عليه بحق. أو قتل العادل الباغي وعكسه. ورثه لأنه فعل مأذون فيه فلم يمنع الميراث. كما لو أطعمه وسقاه باختياره. فأفضى إلى تلفه. وكذا لو أدب ولده أو زوجته ولم يسرف ومات ورثه.
(وعنه) أي عن عمر ﵁ (أنه ﷺ ورث الزوجة من دية زوجها) أخبره بذلك الضحاك بن سفيان الكلابي أن النبي كتب إليه "أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. و (صححه الترمذي) فدل على أنه لا تختص به العاقلة.
(وفي السنن عن عمرو) بن شعيب عن أبيه عن جده (مرفوعًا قضى) يعني النبي ﷺ (أن العقل) ميراث (بين ورثة القتيل) لا تختص به العاقلة (على فرائضهم) المقدرة لهم شرعًا. ورواه أحمد وغيره. والبخاري في تأريخه عن قرة بن دعموص قال أتيت النبي ﷺ أنا وعمي فقلت يا رسول الله عند هذا دية أبي فمره يعطنيها. وكان قتل في الجاهلية فقال أعطه دية أبيه" فقلت هل لأمي فيها حق قال "نعم" وكانت ديته مائة من الإبل. فدلت هذه الأحاديث وغيرها أن الدية ميراث كسائر ماله لا يختص بها العاقلة بل ترث الزوجة من دية زوجها كما ترث من ماله وكذلك الأم وغيرها.
стр. 1523
(وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعا المكاتب يورث بقدر ما عتق منه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم و (حسنه الترمذي) وقال الحافظ إسناده ثقات. وهو قول علي وابن مسعود وغيرهما. فيثبت له حكم الحرية فيما يتبعض من الأحكام حيًا وميتًا كالإرش والحد ويرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وكسب وارثه بحريته لورثته كما إذا كان نصفه حرًا وهاياه مالك نصفه بأخذ نصف كسبه فنصف كسبه له. يختص به ورثته. ومن كله رقيق لا يرث ولا يورث إجماعًا ولو كان مدبرًا أو مكاتبًا أو أم ولد لخبر "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" واختاره الموفق وغيره. ولأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي ولا يورث لأنه لا مال له ومن قال يملك فملكه غير مستقر. ويرث الأسير عند الكفار إذا علمت حياته اتفاقًا.
(وقال ﷺ إنما الولاء لمن أعتق) وهو حديث متفق
عليه. فأثبت الولاء ومقتضاه نفيه عمن سواه. وولاء
العتاقة عصوبة سببها نعمة المعتق على رقيقه بالعتق. فمن
أعتق عبدًا أو أمة أو أعتق بعضه فسرى إلى باقيه أو عتق عليه برحم أو كتابة أو إيلاد فله عليه الولاء إجماعًا. وقيل ولو أعتقه في زكاة أو كفارة. وقال أبو عبيد ولاؤه لصاحب الصدقة. وهو قول الجمهور ومن له عليه الولاء فله الولاء على أولاده. وأولادهم وإن سفلوا من زوجة عتيقة أو سرية وعلى من له
стр. 1524
أو لهم ولاؤه، لأنه ولي نعمتهم، وبسببه عتقوا، ولأن الفرع يتبع أصله.
ويرث ذو الولاء مولاه عند عدم عصبة النسب، وعدم ذوي فرض تستغرق فروضهم المال لخبر "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" ثم عصبة ذي الولاء بعده الأقرب فالأقرب، فمتى وجد عصبة النسب أو ذي فرض يستغرق المال فلا شيء للمولى ولا عصبته بلا خلاف.
(وقال) يعني رسول الله ﷺ (الولاء لحمة كلحمة النسب) أي يجري الولاء مجرى النسب. كما تخالط اللحمة سدى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد (لا يباع ولا يوهب) وفي المتفق عليه "نهى عن بيع الولاء وعن هبته" (ولا يورث) ولا يوقف ولا يوصى به بل إنما يورث به (صححه الترمذي) وقال الشيخ معناه صحيح، وتكلم فيه بعضهم، فدل هو وغيره على عدم صحة بيع الولاء وهبته. فإن الولاء أمر معنوي كالنسب، لا يتأتى انتقاله، كالأبوة والأخوة لا يتأتى انتقالها.
وعلى هذا جماهير العلماء ولا فرق بين كون ذلك في دار الإسلام أو الحرب، لتشبيه الشارع له بالنسب، ولو اختلف دينهما في قول جمهور العلماء.
(ويروى) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله ﷺ قال ميراث الولاء للكبر من الذكور) بضم الكاف وسكون الموحدة أقرب عصبة السيد إليه يوم موت عتيقه ولا.
стр. 1525
يرث النساء من الولاء إلا ولاء من أعتقن، أي باشرن عتقه، أو عتق عليهن بنحو كتابه، أو أعتقه من أعتقن، أي عتيق عتيقهن وأولادهم، ومن جروا ولاءه (قال أحمد وهو قول أكثر الناس) فمن أعتقن أو عتق عليهن ورثته بلا خلاف، لما تقدم من قوله ﷺ "إنما الولاء لمن أعتق" وأن "المرأة تحوز إرث عتيقها" ولأنها منعمة بالإعتاق كالرجل، ما لم يوجد عصبة نسب أو ذي فرض يستغرق المال.
ولا يرث بالولاء ذو فرض إلا أب وجد يرثان السدس مع الابن أو ابنه. وإن مات السيد عن ابنين ثم مات أحدهما عن ابن ثم مات عتيقه فإرثه لابن سيده وحده، لأنه أقرب عصبة إليه، وهو معنى قوله "للكبر" ولو مات ابنا السيد وخلف أحدهما ابنًا والآخر تسعة، ثم مات العتيق فإرثه على عددهم كالنسب، وهو قول أكثر العلماء، ولو اشترى أخ وأخته أباهما فعتق عليهما، ثم ملك قنا فاعتقه، ثم مات الأب ثم العتيق، ورثه الابن بالنسب دون أخته بالولاء، وتسمى مسألة القضاة، فروي عن مالك أنه سأل عنها سبعين من قضاة العراق فأخطأوا فيها.
باب العتق
وهو لغة الخلوص ومنه عتاق الخيل أي خالصها وعتق الفرخ إذا طار. والرقيق يخلص بالعتق ويذهب حيث شاء.
стр. 1526
وسمي البيت العتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة وشرعًا تحرير الرقبة وتخليصها من الرق. وهو مندوب إليه بالكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ أي عتق ﴿رَقَبَةٍ﴾ كفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم. وهو قتل المؤمن وإن كان خطأ وإنما كانت كفارة لعظم الأجر في تحريرها وتخليصها من الرق وخصت الرقبة مع وقوعه على جميع البدن لأن ملك السيد له كالغل في رقبته المانع له من التصرف. فإذا عتق فكأن رقبته أطلقت من ذلك الغل. وجعلها تعالى كفارة للظهار. فقال (فتحرير رقبة) وكفارة للأيمان فقال (وتحرير رقبة مؤمنة. ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وكفارة للوطء في نهار رمضان بالسنة الصحيحة. ومتى كانت الرقبة مسلمة صح عتقها عن الكفارة فدلت الآية على فضيلة العتق.
وقال ﴿فَكُّ رَقَبَة﴾ أي إعتاقتها وإطلاقها فداء له من النار. وذلك أنه قال تعالى ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَة﴾ أي فهلا أنفق ما له فيم يجوز به العقبة. ثم قال ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَة﴾ تعظيمًا لشأنها. قيل عقبة في جهنم ثم أخبر عن مجاوزتها بفك الرقبة. ويشهد له الأحاديث الآتية في فكاكة من النار بعتق الرقبة فدلت هذه الآيات على عظم فضل عتق الرقاب. واتفق أهل العلم على أن العتق من القرب المندوب إليها بل من أفضلها لفك الرقبة من المحنة والبلوى بالرق.
стр. 1527
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من أعتق رقبة مسلمة) وفي لفظ "ايما امرئ مسلم أعتق امرءًا مسلمًا (أعتق الله) وفي لفظ "استنقذ الله" (بكل عضو منه) أي من المعتق (عضوًا منه) أي من المعتق (من النار متفق عليه) وللبخاري "حتى فرجه بفرجه" وللترمذي نحوه وزاد فامرأتين كانتا فكاكه من النار" ولأحمد "أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار".
فدل الحديث على أن العتق من القرب الموجبة للسلامة من النار. وأن إعتاق الذكر أفضل من المرأة. وأن التعدد أفضل. وأن اشتراط الإسلام لأجل هذا الأجر الجزيل وأنه بعد استحقاق المعتق للنار. وأنه لا نجاة له من النار بسبب عتق الكافرة وإن فيه فضل بلا نزاع لخبرا أسلمت على ما أسلفت" لكن ليس ثوابه كثواب الرقبة المسلمة. وإلا فعتق الكافرة يصح ولا أجر له، إلا أن انتهى أمره إلى الإسلام. وأجمعوا على أنه يصح عتق المالك التام الملك الصحيح الرشيد الغني غير العديم. وصريح العتق نحو أنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق أو حررتك أو أعتقتك وهذه تلزم بالإجماع وكنايته نحو خليتك والحق بأهلك أو لا سبيل أو لا سلطان لي عليك وأنت لله أو مولاي وملكتك نفسه. فيقع العتق بها مع النية عند الجمهور والجمهور أن الأبناء تابعون في العتق والعبودية للأم.
стр. 1528
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن أبي ذر) ﵁ (قلت يا رسول الله أي الرقاب أفضل) أي عتقها (قال أنفسها عند أهلها) أي أعظمها وأعزها في نفوس أهلها. واغتباطهم بها أشد فإن عتق مثل ذلك ما يقع غالبًا إلا خالصًا كما قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
(وأكثرها ثمناً) للبخاري "أعلاها ثمناً" بالعين المهملة. ومعناهما متقارب. فالأكثر قيمة أفضل من الأدنى قيمة. وهذا والله أعلم كما قال النووي وغيره فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة. أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلاً أراد أن يشتري به رقاباً يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضوليتن. فالثنتان أفضل.
إلا أنه يختلف باختلاف الأشخاص. فلو كان شخص بمحل عظيم من العلم والعمل وانتفاع المسلمين به. فعتقه أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه الصفات فيكون الضابط الأكثر نفعًا. ويستحب عتق من له كسب لانتفاعه بكسبه وكره بعضهم عتق من لا كسب له لئلا يسقط نفقته عنه ويصير كلام على الناس وكذا من يخاف منه زنا أو فساد، وإن علم أو ظن حرم لأنه وسيلة إلى فعل المحرم ويصح مع التحريم لصدوره في محله.
(وعن سفينة) أبي عبد الرحمن مولى رسول الله ﷺ كان أصله من فارس فاشترته أم سلمة (قال أعتقتني أم سلمة)
стр. 1529
بنت أبي أمية بن المغيرة أم المؤمنين واسمها هند ﵂ (وشرطت علي أن أخدم رسول الله ﷺ ما عاش (رواه أحمد) والنسائي وابن ماجه ولأبي داود كنت مملوكًا لأم سلمة فقالت اعتقك واشترك عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت فقال لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت فأعتقتني واشترطت علي.
فدل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق. وصحة العتق المعلق على شرط. وأنه يقع بوقوع الشرط. لتقريره ﷺ لذلك. قال ابن رشد لم يختلفوا أن العبد إذا اعتقه سيده على أن يخدم سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته ولخبر "المؤمنون على شروطهم " ولأن منافعه لسيده. فإذا أعتقه واستثنى منافعه فقد أخرج الرقبة وبقيت المنفعة. وإن علق عتقه على قدوم زيد أو رأس الحول عتق إذا قدم وجاء رأس الحول ولا يملك إبطاله ويصح على مال معلوم وإذا أداه عتق وإن كان له مال فلسيده عند الجمهور.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا لا يجزي ولد عن والده) أي لا يكافئه بماله من الحقوق عليه (إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه رواه مسلم) وإنما كان العتق جزاء لأبيه. لأن العتق أفضل ما من به أحد على أحد. لتخليصه بذلك من الرق فتكمل له أحوال الأحرار. والحديث نص في عتق الوالد. ومثله الأم لما ثبت لها من الحقوق.
стр. 1530
(وللخمسة) وغيرهم (عن سمرة مرفوعاً من ملك ذا رحم محرم) أي عليه (فهو حر) أي يعتق بملكه إياه. والرحم أصله موضع تكوين الولد ثم استعمل للقرابة فيقع على كل من بينك وبينه نسب يوجب تحريم النكاح. فإنه يعتق عليه. كالآباء وإن علوا والأولاد وإن سفلوا. والإخوة وأولادهم. والأخوال والأعمام دون أولادهم. ودون من حرم عليه برضاع. ومذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم أن من ملك ذا رحم محرم عليه. يعني بنسب عتق. ذكراً كان أو أنثى. وحكاه ابن رشد قول جمهور العلماء.
إلا داود الظاهري فعنده لا يعتق إلا بالإعتاق. والسنة حجة عليه. وقد صحح هذا الحديث جماعة من الأئمة. فتعين العمل به. وقوله في حديث أبي هريرة فيعتقه. والله أعلم أنه لما كان شراؤه تسبب عنه العتق. نسب إليه العتق. لهذا الخبر ولما عليه الجمهور. فإن استنادهم إلى السنة واجتهادهم في اتباعها.
(وللبخاري استأذن رجال من الأنصار) من الطائفة المشهورة من بني النجار (أن يتركوا لابن أختهم العباس فداءه) وكانوا أخوال أبيه عبد المطلب. فإن أم عبد المطلب منهم. فهي سلمى بنت عمرو بن أحيحة من بني النجار ومثله قصة الهجرة ونزوله على أخواله بني النجار. وإنما هم أخوال جده
(فقال) يعني رسول الله ﷺ (لا) أي لا تتركوا فداءه. فدل الحديث على أنه إذا كان في الغنيمة ذو رحم لبعض الغانمين
стр. 1531
ولم يتعين له لم يعتق عليه. فإن العباس ذو رحم محرم من النبي ﷺ . ومن علي ﵁. ومفهومه أنه لو تعين له لعتق فمن ملك سهماً ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله. وإن ملك جزءاً منه بميراث لم يعتق عليه إلا ما ملك منه. ولو كان موسراً.
(وتقدم) أي في باب الغصب (حديث من أعتق شركًا له في عبد) أي حصة ونصيبًا وفي لفظ "شقصًا" وهون النصيب أيضًا (وكان له مال) أي يبلغ ثمن العبد (قوم عليه قيمة عدل) بلا زيادة ولا نقص. وأعطى شركاءه حصصهم (وعتق عليه) أي العبد. والحديث متفق عليه وفيه "وإن لم يكن له مال يبلغ ثمن العبد فقد عتق منه ما عتق" وفي رواية "من أعتق عبدًا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل ولا وكس ولا شطط ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا".
وفي رواية للبخاري "فإن كان موسرًا قوم عليه ثم يعتق" وفي رواية "وجب عليه أن يعتق كله إن كان له مال. قدر ثمنه يقام قيمة عدل ويعطى شركاءه حصصهم ويخلى سبيل المعتق" وفي رواية "وكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق" ولمسلم "عتق ما بقي في ماله إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد" ولأحمد وقال "ليس لله شريك" فدلت هذه الأحاديث وغيرها على أن من له حصة في عبد إذا أعتق حصته فيه وكان موسرًا لزمه تسليم حصة شريكه بعد تقويم الشريك تقويم
стр. 1532
مثله. وعتق عليه العبد جميعه.
وأجمع أهل العلم على أن نصيب المعتق يعتق بنفس الإعتاق. واختار الشيخ بدفعها وأنه إن أعتق الشريك قبل الدفع نفذ. ودلت على أنه لا يعتق سنصيب شريكه إلا مع يسار المعتق لا مع إعساره. لقوله "وكان له مال" وإن لم يكن له مال فقد عتق منه ما عتق" وهي حصته. أما لو كان يملكه كله فأعتق بعضه عتق عليه كله. قال ابن رشد هذا متفق عليه. وقال أيضًا جمهور علماء الحجاز والعراق مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وغيرهم يقولون يعتق عليه كله. لما ثبتت به السنة في إعتاق نصيب الغير على الغير لحرمة العتق. فلأن يجب ذلك عليه في ملكه أولى وأحرى.
(ولهما من حديث أبي هريرة) ﵁ نحو ما تقدم ولفظه "من أعتق شقصًا له من مملوكه فعليه خلاصه في ماله (وإلا) أي وإن لم يكن له مال (قوم العبد عليه) أي قيمة عدل لا جور ولا شطط (ثم استسعى) يعني العبد في النصيب الذي لم يعتق (غير مشقوق عليه) قال جماعة من أهل التحقيق هذه الزيادة ثابتة في الصحيحين والجمع ممكن فالمعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه بل تبقى حصة
شريكه على حالها. وهي الرق ثم يستسعى العبد في عتق بقيته
إن اختار ذلك. واختاره الشيخ وغيره لقوله "غير مشقوق
عليه" فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده ويدفعه إليه.
стр. 1533
ويعتق. وجعلوه في ذلك كالمكاتب وجزم بذلك الجمهور ولأبي داود "واستسعى في قيمته لصاحبه".
(ولهما عن جابر أن رجلًا) اسمه أبو مذكور كما في مسلم (أعتق غلامًا له عن دبر) وفي لفظ أعتق رجل من الأنصار غلامًا له اسمه يعقوب عن دبر. بضم الباء وهو العتق في دبر الحياة سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة. أو لأنه دبر أمر دنياه باستخدامه ذلك المدبر. واسترقاقه. ودبر أمر آخرته بإعتاقه. وتحصيل أجر العتق. وسيده علق عليه عتقه بموته. والتعليق نحو أن يقول أنت حر بعد موتي. أو أنت حر عن دبر مني أو إذا مت فأنت حر أو أنت مدبر. هذه ألفاظ التدبير بالاتفاق. فدل على مشروعية التدبير وهو إجماع.
واتفقوا على أن الذي يقبل هذا العقد هو كل عبد صحيح العبودية. ليس يعتق على سيده سواء ملكه كله أو بعضه. وأن من شروط المدبر أن يكون مالكًا تام الملك غير محجور عليه سواء كان صحيحًا أو مريضًا وأن من شرطه أن لا يكون الدين أحاط بماله. ولا يبطل بإبطال ولا رجوع لأنه تعليق للعتق بالموت. ويتنجز به وهل ينفذ من رأس المال. أو من الثلث الجمهور على أنه من الثلث حكاه الوزير وغيره. وتقدم خبر الذي أعتق ستة أعبد فأعتق ﷺ اثنين واسترق أربعة. فالعتق أقرب شبهًا بالوصية فإن خرج من الثلث وإلا عتق منه بقدره.
стр. 1534
قال جابر (فاحتاج) أي السيد (فباعه رسول الله ﷺ ودفع ثمنه إليه) وفي لفظ ولم يكن له مال غيره. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني" فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. وللنسائي فأعطاه وقال "اقض دينك وأنفق على عيالك" فدل على جواز بيع المدبر لحاجة النفقة. أو قضاء الدين. وقال ابن رشد وغيره اتفقوا على أن الدين يبطل التدبير ويصح وقف المدبر ويبطل به التدبير ويصح بيعه ونحوه. قال الجوزجاني صحت أحاديث بيع المدبر باستفاضة الطرق ولأنه عتق بصفة.
باب الكتابة
اسم مصدر بمعنى المكاتبة مشتقة من الكتب. وهو الجمع. لأنها تجمع نجومًا بمعنى الجمع. أو لأن السيد يكتب بينه وبين رقيقه كتابًا بما اتفقا عليه. وشرعًا بيع سيد عبده نفسه بمال معلوم مؤجل في ذمته. وقيل إنها متعارفة قبل الإسلام. . فأقرها النبي ﷺ والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ وأول الآية ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ أي يطلبون المكاتبة ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر تعالى السادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة
أن يكاتبوهم. واتفق أهل العلم على أنها مستحبة مندوب إليها.
стр. 1535
وروي عن أحمد وغيره وجوبها إذا دعا العبد سيده إليها على قدر قيمته أو أكثر. وقال الموفق لا تجب في ظاهر المذهب. وهو قول عامة أهل العلم اهـ. وتكون منجمة نجمين فأكثر رفقًا بالمملوك يسعى ويؤدي لا بواحد ولو طال قال الموفق روي عن جماعة من الصحابة. ولم ينقل عنهم عقدها حالة ولأن الكتابة مشتقة من الكتب وهو الضم. ولما يأتي. أو لعجزه عن أدائها في الحال وتصح بمنفعة مفردة أو معها مال.
ولا تصح إلا من جائز التصرف. ولا يكاتب مجنونًا ولا طفلًا غير مميز وتصح بكاتبتك على كذا مع قبول العبد قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه إذا قال كاتبتك على ألف درهم ونحوها. ونوى العتق أنه متى أداها عتق. ولم يفتقر إلى أن يقول إذا أديت لي فأنت حر. لأن اسم الكتابة لفظ شرعي. فهو يتضمن جميع أحكامه. ويملك كسبه ونفعه. وكل تصرف يصلح ماله. كبيع وإجارة إجماعًا لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق ولا يحصل إلا بأداء عوضه. ولا يمكنه إلا بالاكتساب وقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي قوة على الكسب. وأمانة وصلاحًا ونحو ذلك قال ابن رشد وغيره اتفق أهل العلم على أن من شرط المكاتب أن يكون قويًا على السعي لقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قيل الاكتساب والأمانة. وقيل الصلاح والدين.
وأنكر بعض أهل العلم أن يكاتب من لا حرفة له. مخافة
стр. 1536
السؤال وكرهها لئلا يكون كلا على الناس. وقال الموفق ينبغي أن ينظر في المكاتب. فإن كان ممن تضرر بالكتابة ويضيع لعجزه على الإنفاق على نفسه. ولا يجد من ينفق عليه كرهت كتابته. وإلا لم تكره لحصول النفع بالحرية من غير ضرر. ومتى أدى ما عليه من الكتابة. أو أبرأه سيده عتق إجماعًا
﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قيل الثلث وقيل الربع وهو قول أكثر المفسرين وقدره أحمد بالربع واستحبه مالك وغيره وقال بعضهم بلا تقدير. بل بجزء من المال بلا حد للإطلاق.
(قال على ربع الكتابة) أي في قوله: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وقاله طائفة من أهل التفسير وأوجب أحمد وغيره أن على السيد أن يؤدي إلى من وفى كتابته ربعها. ورفعوا أثر علي إلى النبي ﷺ . ولا يثبت وإنما هو موقوف على علي ﵁ كما صرح به النسائي وغيره ورواه ابن جرير وغيره عن علي أنه قال أمر الله السيد أن يدع الربع للمكاتب من ثمنه. وهذا تعليم من الله وليس بفريضة ولكن فيه أجر وهو مذهب جماهير أهل العلم.
(وفي الصحيحين) وغيرهما من غير وجه عن عائشة
﵂ (أن بريرة) مولاة عائشة قيل كانت مولاة
لقوم من الأنصار وقيل غير ذلك (جاءت عائشة) رضي الله
стр. 1537
عنها وهي مكاتبة على تسع أواق (تستعينها في كتابتها) وكانت قالت لعائشة كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فاعينيني فقال ﷺ "اشتريها" فاشترتها قال ابن المنذر بيعت بريرة بعلم من النبي ﷺ وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك ففيه أبين البيان أن بيعه جائز. ولا أعلم خبرًا يعارضه اهـ. ولأنه قن ما بقي عليه درهم. ومشتري المكاتب يقوم مقام مكاتبه.
ويبقى المكاتب على كتابته عند المشتري. وعلى نجومه. كما كان عند البائع. ويؤدي له ما بقي من كتابته ولا تنفسخ كتابته بالبيع ولا يجوز إبطالها قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا لأنها عقد لازم ومتى أدى إليه عتق باتفاق أهل العلم وولاؤه له لما في هذا الحديث وغيره "إنما الولاء لمن أعتق" وإن عجز عاد قنا. كما لو كان عند مكاتبه وفيه جواز طلب الإعانة على الكتابة.
(ولأحمد عن سهل) بن سعد الساعدي ﵁ (مرفوعًا من أعان مكاتبًا في رقبته) أي في فكاك رقبته من الرق بنحو أداء بعض النجوم عنه (أظله الله) من حر الشمس عند دنوها من الرؤوس يوم القيامة (في ظله) أي في ظل عرشه كما تشهد له النظائر (يوم لا ظل إلا ظله) جزاء بما فعل، وأضاف الظل إليه للتشريف فدل على عظم أجر إعانة المكاتب.
(وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده رضي الله
стр. 1538
عنه (أن النبي ﷺ قال أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو رقيق) وفي لفظ فهو عبد فلا يعتق إلا بالأداء (رواه الخمسة) ولأبي داود "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم" حسنه الحافظ. قال الشافعي وعليه فتيا المفتين. فدل على أن المكاتب إذا لم يف بما كوتب عليه فهو عبد له أحكام المماليك وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وأخذ بالاحتياط فلا يزول ملك السيد إلا بما قد رضي به من تسلم ما عند عبده. وكذا مشتريه له حكم بائعه.
(ولهم عن أم سلمة) ﵂ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال لها (إذا كان لأحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي) كتابته (فلتحتجب منه صححه الترمذي) فدل على أن المكاتب إذا صار معه جميع مال الكتابة فقد صار حرًا وإن لم يكن قد سلمه فتحتجب منه سيدته. وهذا أيضًا أخذ بالاحتياط لأنه بوجود ما يفدي به نفسه قد صار له ما للأحرار وتقدم أنه متى أدى كتابته عتق ولم يفتقر أن يقول فإذا أديت لي فأنت حر. لأن اسم الكتابة أمر شرعي. فهو يتضمن جميع أحكامه.
واتفقوا على أنه إنما يرق إذا عجز عن البعض أو الكل. ومن عنده ما يفدي ليس بعاجز. أما إذا عجز عن البعض وقد أدى البعض فهو عبد ما بقي عليه درهم. وأنه يرق إذا عجز عن البعض. وهو قول جماهير العلماء. وفيه جواز النظر إلى
стр. 1539
سيدته ما لم يكاتبها ويجد مال الكتابة ويشهد له قوله ﷺ لفاطمة لما تقنعت بثوب "إنما هو أبوك وغلامك" رواه أبو داود. وكان مماليك أزواج النبي ﷺ يدخلون عليهن وهو مذهب جمهور أهل العلم.
(وسأل سيرين) وهو والد محمد بن سيرين الفقيه المشهور وكان من سبي عين التمر اشتراه أنس في خلافة أبي بكر فسأل (أنسا) يعني ابن مالك ﵁ (الكتابة وكان كثير المال فأبى) يعني أنسا فانطلق سيرين إلى عمر فقال عمر كاتبه فأبى (فضربه عمر) يعني بالدرة (وتلا) عمر ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (رواه البخاري) فدل على جواز إجبار السيد على مكاتبة عبده ولم يخالف أحد من أصحاب النبي ﷺ واختار ابن جرير وغيره وجوب الكتابة كما تقدم والجمهور على الندب.
(وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه رواه أحمد) وابن ماجه. وفي لفظ "أيما امرأة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه" أو قال من بعده وللدارقطني ذكرت أم إبراهيم عند النبي ﷺ فقال "أعتقها ولدها" وروي عن عمر وغيره من أصحاب النبي ﷺ وهذه الأحاديث وما جاء من الآثار ظاهرة الدلالة على أن الأمة إذا ولدت من سيدها
стр. 1540
صارت أم ولد له. تعتق بموته من كل ماله.
وكذا إن أولد أمته المدبرة أو المكاتبة أو أمة له ولغيره. أو أمة لولده لم يطأها وهو مذهب جماهير العلماء أبي حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي. بشرطين: أحدهما أن تكون حملت به في ملكه. قال ابن رشد اتفقوا على أنه إن ملكها قبل حملها منه فإن وطئها حاملًا حرم عليه بيع الولد ويعتقه لأن الماء يزيد في الولد. وقال الموفق إنما ثبت الإجماع فيمن حملت منه في ملكه.
قال ابن رشد والقياس أن تكون أم ولد في جميع الأحوال. إذ ليس من مكارم الأخلاق أن يبيع أم ولده الثاني إذا تبين فيه خلق الإنسان قال عمر إذا ولدت الأمة من سيدها فقد عتقت وإن كان سقطًا وعن ابن عمر أعتقها ولدها وإن كان سقطًا. وقال الموفق لا أعلم فيه خلافًا بين من قال بثبوت حكم الاستيلاد اهـ. وسواء ولدت منه في الصحة أو في المرض.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن عمر نهى عن بيع أمهات الأولاد) أصل أم أمهة فلذا جمعت على أمهات باعتبار الأصل (وقال لا يبعن) لأنهن يعتقن بموت سيدهن وبيعهن
يمنع ذلك (ولا يوهبن) لأن الهبة في معنى البيع (ولا يورثن)
فلسن بمال بل يعتقن بموت سيدهن. وذكره غير واحد
إجماع الصحابة (يستمتع بها ما بدا له حيًا) فهي كأمته
стр. 1541
القن في سائر أمورها إلا أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث. قال الوزير اتفقوا على أنها لا تباع أمهات الأولاد والهبة في معنى البيع وكذا لا تجعل صداقًا ولا عوض خلع ولا يوصى بها لأنها تعتق بموته ولا ترهن لأنه يراد للبيع.
(وإذا مات فهي حرة رواه مالك) والدارقطني وغيرهما ورفعاه في رواية والموقف أصح وعليه أصحاب النبي ﷺ وجماهير العلماء لحكمه ﷺ أنها معتقة عن دبر منه قال ابن رشد الثابت عن عمر أنه قضى بأنها لا تباع أمهات الأولاد.
وأنها حرة من رأس مال سيدها إذا مات. وروي مثله عن عثمان. وهو قول أكثر التابعين وجمهور فقهاء الأمصار. وحكى ابن عبد البر وأبو حامد الاسفيرائني وأبو الوليد الباجي وابن بطال والبغوي وغيرهم الأجماع على أنه لا يجوز وما في يدها من شيء فلورثة سيدها لأنها أمة وكسبها لسيدها فإذا مات انتقل إلى ورثته وإن ماتت في حياته فارثها له لأنها رقيقة.
(ولأبي داود عن جابر) بن عبد الله ﵁ قال (بعناهن على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر فلما كان عمر
نهانا فانتهينا) فدل على عدم جواز بيعهن وهو قول
الجمهور وحكى الموفق إجماع الصحابة عليه ولا يقدح فيه ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير لأنه قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة. قال عبيدة لعلي رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. وعللوا ما على
стр. 1542
عهد النبي ﷺ وأبي بكر أنه لم يصرح بعلمهما وإلا لم تجتمع الصحابة على مخالفتهما ويؤيده قوله تعتق عن دبر منه والبيع يمنع ذلك. وتصح مكاتبتهن لأنها تراد للعتق فإذا أدين في حياة سيدهن عتقن وما بيدهن لهن. وإن مات وعليهن شيء عتقن بموته وما بيدهن للورثة ويتبعهن أولادهن في الرق والحرية عند جمهور العلماء.
* * *
стр. 1543
كتاب النكاح
هو في اللغة الوطء والضم والتداخل والجمع بين الشيئين وقد يطلق على العقد. فإذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان أرادوا تزوجها وعقد عليها. وإذا قالوا نكح امرأته لم يريدوا إلا المجامعة. وقال الزجاج النكاح في كلام العرب بمعنى العقد والوطء جميعًا وفي الشرع والعرف لفظ مشترك يعم العقد والوطء جميعًا ليس أحدهما أخص به من الآخر فهو من الألفاظ المتواطئة إلا قوله: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وقال الشيخ النكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل منهما. والمقعود عليه منفعة الاستمتاع أو الحل. ومال الشيخ إلى أن المعقود عليه الإزدواج كالمشاركة. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع في الجملة. فلو جعل عتقها صداقها لم يحتج إلى لفظ انكاح. وفوائده كثيرة. منها
أنه سبب لوجود هذا النوع الإنساني ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة وهي الفائدة في الجنة ومنها غض
стр. 1544
البصر وكف النفس عن الحرام وغير ذلك.
(قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ أمر تعالى بنكاح ما طاب لنا من النساء والأمر يقتضي الوجوب. وهو رواية عن أحمد. وقول بعض أهل العلم لكن الجمهور أنه في حق من يخاف زنا بتركه. والسنية لذي شهوة لا يخاف زنا من رجل وامرأة وحكاه الوزير وغيره إجماعًا ﴿مَثْنَى﴾ أي اثنتين ﴿وَثُلاَثَ﴾ أي ثلاثًا ﴿وَرُبَاعَ﴾ أي أربعًا أي إن شاء أحدكم فليتوزج اثنتين. وإن شاء فليتزوج ثلاثًا وإن شاء فليتزوج أربعًا قال أهل العلم المقام مقام امتنان وإباحة فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.
وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة كما دلت عليه السنة الصحيحة المستفيضة مما سيأتي وغيره ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أي خشيتم أو علمتم من تعددهن ﴿أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ بين الأزواج ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي فانكحوا واحدة. لأن الزيادة عليها والحال ما ذكر تعريض للمحرم.
كما قال تعالى ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء
وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي فمن خاف من ذلك فليقتصر على
واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني السراري. لأنه لا
يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر. ولا قسم لهن. ولا وقف في عددهن ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أي أقرب ﴿أَلاَّ تَعُولُوا﴾ أي أن
стр. 1545
لا تجوروا ولا تميلوا يقال عال في الحكم إذا جار.
ففي الآية الأمر بالنكاح. ويجب على من يخاف زنا بتركه ومن تاقت نفسه إليه فإنه تتأكد مشروعيته في حقه وهو أفضل له من التطوع وإن حصل الإعفاف بواحدة وإلا استحب الزيادة إن لم تعفه. إن كان قادرًا على كلفة ذلك مع توقان النفس إليه. ولم يترتب عليه مفسدة أعظم من فعله. وقال الشيخ يجب على من خاف على نفسه العنت في قول عامة الفقهاء. إذا قدر على مهر حرة ويجزئ التسري حيث وجب. أو استحب لقوله ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
(وقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الأيامى جمع أيم. وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة يقال رجل أيم وامرأة أيم وأيمة أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ خص الصالحين لأن إحصان دينهم والاعتناء بحالهم أهم وأكثر. وهذا إيجاب وندب إيجاب على من خاف العنت. وندب واستحباب على من تاقت نفسه إليه وأمن العنت. وهذا مذهب جماهير العلماء. وقال الشيخ تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا. فإن أباه حاكم إلا بظلم كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده كعدمه.
(وعن ابن مسعود) عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال) لنا (يا معشر الشباب) جمع
следующие страницы →