Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
القن في سائر أمورها إلا أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث. قال الوزير اتفقوا على أنها لا تباع أمهات الأولاد والهبة في معنى البيع وكذا لا تجعل صداقًا ولا عوض خلع ولا يوصى بها لأنها تعتق بموته ولا ترهن لأنه يراد للبيع.
(وإذا مات فهي حرة رواه مالك) والدارقطني وغيرهما ورفعاه في رواية والموقف أصح وعليه أصحاب النبي ﷺ وجماهير العلماء لحكمه ﷺ أنها معتقة عن دبر منه قال ابن رشد الثابت عن عمر أنه قضى بأنها لا تباع أمهات الأولاد.
وأنها حرة من رأس مال سيدها إذا مات. وروي مثله عن عثمان. وهو قول أكثر التابعين وجمهور فقهاء الأمصار. وحكى ابن عبد البر وأبو حامد الاسفيرائني وأبو الوليد الباجي وابن بطال والبغوي وغيرهم الأجماع على أنه لا يجوز وما في يدها من شيء فلورثة سيدها لأنها أمة وكسبها لسيدها فإذا مات انتقل إلى ورثته وإن ماتت في حياته فارثها له لأنها رقيقة.
(ولأبي داود عن جابر) بن عبد الله ﵁ قال (بعناهن على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر فلما كان عمر
نهانا فانتهينا) فدل على عدم جواز بيعهن وهو قول
الجمهور وحكى الموفق إجماع الصحابة عليه ولا يقدح فيه ما روي عن علي وابن عباس وابن الزبير لأنه قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة. قال عبيدة لعلي رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. وعللوا ما على
стр. 1542
عهد النبي ﷺ وأبي بكر أنه لم يصرح بعلمهما وإلا لم تجتمع الصحابة على مخالفتهما ويؤيده قوله تعتق عن دبر منه والبيع يمنع ذلك. وتصح مكاتبتهن لأنها تراد للعتق فإذا أدين في حياة سيدهن عتقن وما بيدهن لهن. وإن مات وعليهن شيء عتقن بموته وما بيدهن للورثة ويتبعهن أولادهن في الرق والحرية عند جمهور العلماء.
* * *
стр. 1543
كتاب النكاح
هو في اللغة الوطء والضم والتداخل والجمع بين الشيئين وقد يطلق على العقد. فإذا قالوا نكح فلانة أو بنت فلان أرادوا تزوجها وعقد عليها. وإذا قالوا نكح امرأته لم يريدوا إلا المجامعة. وقال الزجاج النكاح في كلام العرب بمعنى العقد والوطء جميعًا وفي الشرع والعرف لفظ مشترك يعم العقد والوطء جميعًا ليس أحدهما أخص به من الآخر فهو من الألفاظ المتواطئة إلا قوله: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وقال الشيخ النكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل منهما. والمقعود عليه منفعة الاستمتاع أو الحل. ومال الشيخ إلى أن المعقود عليه الإزدواج كالمشاركة. والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع في الجملة. فلو جعل عتقها صداقها لم يحتج إلى لفظ انكاح. وفوائده كثيرة. منها
أنه سبب لوجود هذا النوع الإنساني ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة وهي الفائدة في الجنة ومنها غض
стр. 1544
البصر وكف النفس عن الحرام وغير ذلك.
(قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ أمر تعالى بنكاح ما طاب لنا من النساء والأمر يقتضي الوجوب. وهو رواية عن أحمد. وقول بعض أهل العلم لكن الجمهور أنه في حق من يخاف زنا بتركه. والسنية لذي شهوة لا يخاف زنا من رجل وامرأة وحكاه الوزير وغيره إجماعًا ﴿مَثْنَى﴾ أي اثنتين ﴿وَثُلاَثَ﴾ أي ثلاثًا ﴿وَرُبَاعَ﴾ أي أربعًا أي إن شاء أحدكم فليتوزج اثنتين. وإن شاء فليتزوج ثلاثًا وإن شاء فليتزوج أربعًا قال أهل العلم المقام مقام امتنان وإباحة فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.
وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة كما دلت عليه السنة الصحيحة المستفيضة مما سيأتي وغيره ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أي خشيتم أو علمتم من تعددهن ﴿أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ بين الأزواج ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي فانكحوا واحدة. لأن الزيادة عليها والحال ما ذكر تعريض للمحرم.
كما قال تعالى ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء
وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي فمن خاف من ذلك فليقتصر على
واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني السراري. لأنه لا
يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر. ولا قسم لهن. ولا وقف في عددهن ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أي أقرب ﴿أَلاَّ تَعُولُوا﴾ أي أن
стр. 1545
لا تجوروا ولا تميلوا يقال عال في الحكم إذا جار.
ففي الآية الأمر بالنكاح. ويجب على من يخاف زنا بتركه ومن تاقت نفسه إليه فإنه تتأكد مشروعيته في حقه وهو أفضل له من التطوع وإن حصل الإعفاف بواحدة وإلا استحب الزيادة إن لم تعفه. إن كان قادرًا على كلفة ذلك مع توقان النفس إليه. ولم يترتب عليه مفسدة أعظم من فعله. وقال الشيخ يجب على من خاف على نفسه العنت في قول عامة الفقهاء. إذا قدر على مهر حرة ويجزئ التسري حيث وجب. أو استحب لقوله ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
(وقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الأيامى جمع أيم. وهو من لا زوج له من رجل أو امرأة يقال رجل أيم وامرأة أيم وأيمة أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ خص الصالحين لأن إحصان دينهم والاعتناء بحالهم أهم وأكثر. وهذا إيجاب وندب إيجاب على من خاف العنت. وندب واستحباب على من تاقت نفسه إليه وأمن العنت. وهذا مذهب جماهير العلماء. وقال الشيخ تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا. فإن أباه حاكم إلا بظلم كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده كعدمه.
(وعن ابن مسعود) عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال) لنا (يا معشر الشباب) جمع
стр. 1546
شاب كالشبان. وأصله الحركة والنشاط. واسم لمن بلغ حتى يبلغ ثلاثين. ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين ثم هو شيخ والمعشر الجماعة خاطب الشباب لأنهم أغلب شهوة (من استطاع منكم الباءة) بالمد والهاء وفيها لغة بالقصر وأصلها النكاح من البات وهو المنزل لأن من تزوج امرأة بوأها منزلًا. والمراد بها هنا الجماع أو مؤن النكاح. ومراده من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النكاح.
قال الحافظ ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزويج وقال الشيخ استطاعة النكاح هي القدرة على المؤونة ليس القدرة على الوطء. فإن الحديث إنما هو خطاب على القادر على فعل الوطء (فليتزوج) وفي رواية "من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج" وللنسائي من كان ذا طول فلينكح أمر ندب عند جمهور الفقهاء. وحمله الظاهرية وغيرهم على الوجوب وهو رواية عن أحمد وتقدم أنه واجب على من خاف العنت وقال القرطبي لا يختلف في وجوبه عليه.
وأجمع أهل العلم على استحبابه لمن تاقت نفسه إليه وأمن العنت. واتفقوا على أنه يتأكد في حقه ويكون له أفضل من حج التطوع وجهاد التطوع وصلاة التطوع وصوم التطوع لأنه طريق إعفاف نفسه وصونها عن الحرام ولا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه وقال الشيخ ظاهر كلام أحمد
стр. 1547
والأكثرين عدم اعتبار الطول. لأن الله وعد عليه الغناء لقوله: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وتقدم أنه يجزئ التسري حيث وجب أو استحب وقال إذا خشيه جاز تزوج الأمة مع أن تركه أفضل. وإن احتاج إلى النكاح وخشي العنت بتركه قدمه على الحج الواجب. وإن لم يخف قدم الحج. وقال إن كانت العبادات فرض كفاية كالعلم والجهاد قدمت على النكاح إذا لم يخف العنت.
ولم يتزوج أحمد إلا بعد أربعين سنة. وشيخ الإسلام لم يتزوج لاشتغالهما بالعلم. وذكر القرطبي وغيره من الأئمة أنه يحرم بدار حرب إلا لضرورة. فيباح لغير أسير وأنه يحرم على من يخل بالزوجة في الوطء والإنفاق مع قدرته عليه وتوقانه إليه. ويكره في حق مثل هذا. حيث لا إضرار بالزوجة. ويندب في حق كل من يرجى منه النسل. ولو لم يكن له في الوطء شهوة للحث عليه والأمر به. ويباح فيما إذا انتفت الدواعي والموانع. وعدم النسل (فإنه أغض للبصر) أي أشد غضًا وأخفض لعين المتزوج (وأحصن للفرج) أي أشد إحصانًا له وحفظًا ومنعًا من الوقوع في الفاحشية.
(ومن لم يستطع) الباءة لعجزه عن مؤنة النكاح (فعليه الصوم) ليدفع شهوته ويقطع شرفيته كما يقطعه الوجاء (فإنه له وجاء) بكسر الواو والمد رض عروق الخصيتين. فيكون
شبيهًا بالخصاء (متفق عليه) وإنما جعل الصوم وجاء
стр. 1548
لأنه بتقليل الطعام والشراب يحصل للنفس انكسار عن الشهوة ولسر جعله الله في الصوم. فإنه لا ينفع تقليل الطعام وحده من دون صوم.
(ولهما عن أنس) ﵁ (قال) يعني رسول الله ﷺ (وأتزوج النساء) وذلك أنه جاء ثلاثة نفر فسألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عبادته فكأنهم تقالوها فقالوا أين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج فقال ﷺ "ولكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء".
فدل على الترغيب في التزوج والحث عليه. وأنه سنة المرسلين المتبعة وأن الإعراض عن الأهل والأولاد ليس مما يحبه الله ورسوله. ولا هو دين الأنبياء. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ وتقدم أن فعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة لاشتماله على مصالح كثيرة. وقال ﷺ (فمن رغب عن سنتي) أي أعرض عن طريقتي (فليس مني) وهذا وعيد شديد ويجري على ظاهره أبلغ في الزجر. فإن من تبرأ منه سيد الخلق ﷺ فقد اقترف ذنبًا عظيمًا يعد من الكبائر قال أحمد ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء
وروي "لا صرورة في الإسلام" والصرورة الذي لم يتزوج
وقال من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير
стр. 1549
الإسلام ولو تزوج بشر كان قد تم أمره ولو كان التخلي والتبتل أفضل لانعكست الأحكام.
وقال ابن عباس لرجل تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء والمشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الانهماك والإضرار بالنفس. وهجر المألوفات كلها. وهذه الأمة المحمدية مبنية شريعتها على الاقتصاد والتيسير. وعدم التعسير ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ والأولى التوسط في الأمور. وعدم الإفراط والتفريط. والأخذ بالتشديد يؤدي إلى الملل. وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا وترك النفل يفضي إلى البطالة. وخير الأمور أوساطها. قال تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وهديه ﷺ أكمل هدي. وسنته أكمل السنن. وأعدلها. ولا يعدل عنها إلا مبتدع.
(ولأحمد عنه) أي عن أنس ﵁ (كان) يعني رسول الله ﷺ (يأمرنا بالباءة) يعني التزوج (وينهانا عن التبتل) وهو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله. وأصل البتل القطع. ومنه قيل لمريم البتول. ولفاطمة البتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينًا وفضلًا. ورغبة في الآخرة (نهيًا شديدًا) وتقدم قوله "فليتزوج" وقال "من رغب عن سنتي" وغير ذلك (ويقول تزوجوا الودود) أي المودودة المحبوبة بكثرة ما هي عليه من خصال الخير. وحسن الخلق والتحبب إلى زوجها.
стр. 1550
(الولود) أي كثيرة الولد. ويعرف ذلك في البكر بحال قرابتها. بأن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة. إذ الغالب سراية طباع الأقارب بعضهن إلى بعض. ولأبي داود والنسائي جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب. إلا أنها لا تلد. أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية والثالثة فقال ﷺ "تزوجوا الودود الولود" قيد بهاتين الصفتين لأن الولود إذا لم تكن ودودًا لم يرغب الزوج فيها. والودود إذا لم تكن ولودًا لم يحصل المطلوب. وهو تكثير الأمة. ثم قال ﷺ (فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) وفي غير ما حديث "مكاثر بكم الأمم" أي بأمته صلوات الله وسلامه عليه.
والمكاثرة المفاخرة ففيه جوازها في الدار الآخرة ولأحمد "أنكحوا أمهات الأولاد فإني مباه بكم يوم القيامة" ووجه ذلك أن أمته أكثر فثوابه أكثر. لأن له مثل أجر من تبعه. وفي هذه الأحاديث وما في معناها مشروعية النكاح. والترغيب فيه. وفي المرأة الصالحة الودود الولود. وقال ﷺ "حبب إلي من دنياكم النساء والطيب" وقال "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" وللحاكم من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه".
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ
قال تنكح المرأة) لأربع أي يرغب في نكاحها ويدعو إليه
منها لأجل أربع خصال في غالب العادة (لمالها) حتى قيل
إنه حسب من لا حسب له (ولحسبها) الحسب في الأصل.
стр. 1551
الشرف بالآباء والأقارب. وقيل هنا الفعل الجميل للرجل وآبائه ويقال الحسب المال والكرم والتقوى إلا أنه هنا لا يراد به المال فالحسيبة هي النسيبة طيبة الأصل ليكون ولدها نجيبًا فإنه بما أشبه أهلها. ونزع إليهم وكان يقال إذا أردت أن تزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها. ويؤخذ منه أن الشريف النسيب ينبغي له أن يتزوج نسيبة.
(ولجمالها) في الذات والصفات فلا يسأل عن دينها حتى يحمد له جمالها. وللنسائي عن أبي هريرة قيل يا رسول الله أي النساء خير قال "التي تسره إن نظر وتطيعه إن أمر ولا تخالفه في نفسها وما له بما يكره" وللبزار "المرأة لعبة زوجها فإن استطاع أحدكم ان يحسن لعبته فليفعل" وروي "خير فائدة الرجل بعد إسلامه امرأة جميلة" فيسن أن يتخير الجميلة لأنه أغض لبصره وأمكن لنفسه. وأكمل لمودته. ولو قيل للشحم أين تذهب لقال أقوم الأعوج. وليستجد الشعر ويتخير ما يليق به مما يعجبه.
(ولدينها) فهو غاية البغية وورد النهي عن نكاح المرأة لغير دينها فقال "لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن. ولا لمالهن فلعله يطغيهن وانكحوهن للدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل" رواه ابن ماجه وغيره. فيكون الدين مطمح نظره.
ولأن مصاحبة أهل الدين في كل شيء هو الأولى لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وطرائقهم ولا سيما الزوجة فهي أولى من يعتبر دينه. لأنها ضجيعته وأم أولاده
стр. 1552
وأمينته على ماله ومنزله. وعلى نفسها.
(فاظفر بذات الدين) أي فز بنكاحها. ففيه مراعاة الكفاءة وأن الدين أولى ما اعتبر فيها لأمره ﷺ بتحصيل صاحبة الدين وقال عمر وغيره الكفاءة في الدين وقيل والحسب (تربت يداك) كلمة جارية على ألسنة العرب على صورة الدعاء. كأنه قال تلصق بالتراب. ولا يريدون بها الدعاء على المخاطب كقولهم أنعم صباحًا تربت يداك. بل إيقاظ المخاطب لذلك المذكور ليعتني به. والحث والتحريض على الجد والتشمير في طلب المأمور به. وقيل معناها لله درك أو صار مالك كثيرًا كالتراب. وأضيف إلى اليد لأن التصرفات تقع بها غالبًا (متفق عليه) ورواه الخمسة وغيرهم ولمسلم من حديث جابر "تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك صححه الترمذي فالائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء لا سيما فيمن تطول صحبته كالزوجة.
(ولهما) أي البخاري ومسلم في صحيحهما (عن جابر)
ابن عبد الله ﵁ قال (قال لي) يعني رسول
الله ﷺ (تزوجت بكرًا) وهي التي لم توطأ سميت بكرًا
لكونها عذراء لم تثقب (أم ثيبًا) وهي التي قد وطئت سميت
ثيبًا لكونها بعد نكاح ضد البكر (قلت ثيبًا) أي تزوجت
ثيبًا (فقال فهلا بكرًا) أي فهلا تزوجت بكرًا (تلاعبها
стр. 1553
وتلاعبك) زاد البخاري "وتضاحكها وتضاحكك" ولأبي عبيد "تداعبها وتداعبك" تعليل للتزوج بالبكر. لما فيه من الإلفة التامة.
فإن الثيب قد تكون متعلقة القلب بالزوج الأول. فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر وقد لا تصلح من طال لبثها مع رجل. وعن عطاء مرفوعًا "عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنقى أرحامًا وأرضى باليسير" فدل على استحباب نكاح الأبكار إلا لمقتض لنكاح الثيب كما وقع لجابر فإنه قال توفي أبي وترك سبع بنات فكرهت أن أجيئهن بمثلهن. فقال "بارك الله لك" وقال عثمان لابن مسعود ألا نزوجك بكرًا لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تعهد وذلك أنه ينعش البدن وأحسن ما تكون ابنة أربع عشرة سنة إلى العشرين. ويتم نشوها إلى الثلاثين ثم تقف إلى الأربعين ثم تنزل.
وينبغي أن يختار ذات العقل ويجتنب الحمقاء، لأن النكاح يراد للعشرة. ولا تصلح العشرة مع الحمقاء. ولا يطيب العيش معها. وربما تعدى حمقها إلى ولدها. وقد قيل اجتنبوا الحمقاء فإن ولدها ضياع وصحبتها بلاء. وأصلحهن الجلب التي لم تعرف أحدًا والأصلح منعها الاجتماع بالنساء فإنهن يفسدنها عليه والأولى أن لا يسكن بها عند أهلها.
(وعن ابن عباس) ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلاَ
стр. 1554
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾ يقول إني أريد التزويج رواه البخاري) ومثله أن يقول إني في مثلك لراغب. وما أحوجني إلى مثلك. وإن قضى شيء كان ونحو ذلك مما يفهم النكاح ويدل على رغبته فيها. فإن التعريض يفهم منه النكاح مع احتمال غيره. وتخصيص التعريض بنفي الحرج يدل على عدم جواز التصريح به. وهو ما لا يحتمل غير النكاح نحو أريد أن أتزوجك أو زوجيني نفسك أو فإذا انقضت عدتك تزوجتك ونحو ذلك.
فيحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة وقال ابن القيم حرم خطبة المعتدة صريحًا حتى حرم ذلك في عدة الوفاة وإن كان المرجع في انقضائها ليس إلى المرأة. فإن إباحة الخطبة قد تكون ذريعة إلى استعجال المرأة بالإجابة. والكذب في انقضاء عدتها اهـ. ويحرم التصريح بخطبة المبانة حال الحياة بطلاق ثلاث أو فسخ ويحرم التصريح والتعريض لرجعية. لأنها في حكم الزوجات. ويباح التصريح والتعويض من صاحب العدة فيها.
(ولمسلم عن فاطمة بنت قيس) قيل هي بنت أبي
حبيش الأسدية ﵂ (أنه ﷺ قال لها لا تفوتينا بنفسك) وقال ﷺ لأم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة "لقد علمت أني رسول الله وخيرته من خلقه. وموضعي من قومي" فكانت تلك خطبته ﷺ ففعله تفسير لقوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ
стр. 1555
عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء﴾ وقال شيخ الإسلام التعريض أنواع تارة بذكر صفات نفسه. مثل ما ذكر "النبي ﷺ لأم سلمة وتارة يذكر لها طلبًا لا بعينه لقوله رب راغب فيكي وطالب لكي وتارة يذكر أنه طالب للنكاح ولا يعينها وتارة يذكر لها ما يحتمل النكاح وغيره كقوله إن قضي شيء كان.
(وعن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال إذا خطب أحدكم المرأة) أي أراد خطبتها (فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها) أي يحمله ويبعثه (فليفعل) الأمر للإباحة لحديث أبي حميد وغيره. قال جابر فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت ما دعاني إلى نكاحها. فتزوجتها (رواه أبو داود) ووثقه الحافظ ورواه أحمد وغيره وله من حديث أبي حميد "إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها" إذا كان إنما ينظر لخطبة. إن كانت لا تعلم من حديث محمد بن مسلمة "إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها".
ففيها الحث على النظر إذا أراد أن يخطب امرأة يغلب على ظنه إجابتها. واستحبابه مذهب الجمهور. ولا يشترط رضاها بذلك. بل له أن يفعل ذلك على غفلتها. كما فعله جابر. وإن لم يغلب على ظنه إجابتها لم يجز كمن ينظر إلى امرأة جليلة يخطبها مع علمه أنه لا يجاب إلى ذلك.
стр. 1556
(ولمسلم عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لرجل تزوج امرأة) أي أرد تزوجها فللنسائي بلفظ خطب رجل امرأة ولما في السنن وغيرها (أنظرت إليها؟ قال لا) أي لم أنظر إليها (قال اذهب فانظر إليها) وفي السنن عن المغيرة أن رجلًا خطب امرأة فقال النبي ﷺ أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" ولأحمد عن أبي هريرة قال خطب رجل امرأة فقال النبي ﷺ "انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا" وفي الصحيحين في قصة الواهبة فصعد فيها النظر وصوبه.
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على الندب إلى تقديم النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها وهو مذهب جمهور العلماء إذا غلب على ظنه إجابتها وإباحته بالاتفاق. فينظر ما يظهر غالبًا كالوجه بلا خلاف بين العلماء وهو مجمع المحاسن فيستدل به على الجمال أو ضده والكفين عند الجمهور. وهي تدل على خصوبة البدن أوعدمها. وقيل ورأس وساق للإذن في النظر من الشارع. فأبيح له ذلك. وقال أحمد لا بأس أن ينظر لها عند الخطبة حاسرة وقال جمع إلى البدن سوى السوأتين. ويكرر النظر بلا خلوة إن أمن ثوران الشهوة. وقالت طائفة ينبغي أن يكون النظر قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلافه بعد الخطبة.
وإذا لم يمكنه النظر إليها استحب له أن يبعث امرأة يثق بها
стр. 1557
تنظر إليها وتخبره بصفتها فقد روى أنس أنه ﷺ بعث أم سليم إلى امرأة فقال "انظري إلى عرقوبها وشمي معاطفها" رواه أحمد وفي رواية "شمي عوارضها" وهي الأسنان التي في عرض الفم ما بين الثنايا والأضراس والمراد اختبار رائحة النكهة. ولا يجوز أن تنعتها لغير خاطب. لنهي النبي ﷺ "أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" سدًا للذريعة. وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه. وعلى من استشير في خاطب ومخطوبة أن يذكر ما فيه من مساو وغيرها. ولا يكون غيبة.
(وعن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها) أي ومن فعل ذلك لم يكن كامل الإيمان بالله واليوم الآخر (متفق عليه) ولأحمد "فإن ثالثهما الشيطان" وله من حديث عامر نحوه. وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على تحريم الخلوة بالأجنبية. وحكى الحافظ وغيره الإجماع على ذلك لما يوقع في المعصية. ومع وجود المحرم فلا مانع لامتناع وقوع المعصية مع حضوره وظاهر الحديث أن غير المحرم لا يقوم مقامه.
وذكر ابن القيم وغيره تحريم الخلوة ولو في اقراء القرآن. سدًا للذريعة ما يحاذر من الفتة وغلبات الطباع وقال يحرم خلوة النساء بالخصي والمجبوب لإمكان الاستمتاع من القبلة والاعتناق، والخصي يقرع قرع الفحل، والمجبوب يساحق.
стр. 1558
وفي الاختيارات: تحرم الخلوة بغير محرم ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد وتحرم الخلوة بأمرد غير حسن.
ومضاجعته كالمرأة الأجنبية. ولو لمصلحة التعليم والتأديب. والمقر موليه عند من يعاشره لذلك ملعون ديوث. ومن عرف بمحبتهم ومعاشرة بنيهم منع من تعليمهم.
(وللبخاري عن عقبة) بن عامر ﵁ أنه قال (أفرأيت يا رسول الله الحمو) واحد الأحماء. وهم أقارب الزوج. والمراد هنا أخو زوج المرأة فإنه ليس بمحرم لها (قال الحمو الموت) يعني دخول الحمو على المرأة في الخلوة سبب الموت. وأشد من الموت. فإنه حرام وارتكاب الحرام سبب الهلاك في الدنيا والآخرة. فخلوته بزوجة أخيه أشد تحريمًا.
(ولمسلم من حديث أبي سعيد) الخدري ﵁ يعني أن رسول الله ﷺ قال (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل) يعني العورة المغلظة (ولا المرأة) أي لا تنظر المرأة (إلى عورة المرأة) أي العورة المغلظة. فيجب ستر العورة المغلظة من غير من له الوطء. وحكي إجماعًا لهذا الخبر.
ولقوله ﷺ "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" وفيه "ولا يفضي الرجل إلى الرجل" أي يضطجع الرجل مع الرجل في الثوب الواحد "ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" مع الإفضاء ببعض البدن لأن ذلك مظنة وقوع المحرم من المباشرة أو من العورة أو غير ذلك.
стр. 1559
(وله) أي لمسلم في صحيحه (عن جرير) بن عبد الله البجلي ﵁ (سألته) يعني رسول الله ﷺ (عن نظر الفجاءة) بالضم أي البغتة (فقال اصرف بصرك) أي لا تنظر ثانية. لأن الأولى إذا لم تكن بالاختيار فهو معفو عنها. فإن أدام النظر أثم ويروى "اطرق بصرك" والإطراق أن يقبل ببصره إلى وجهه والصرف أن يفتله إلى الشق الآخر والناحية الأخرى.
فدل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمد لا يوجب إثم الناظر. لأن التكليف به خارج عن الاستطاعة. وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريق التعمد أو ترك صرف البصر بعد نظر الفجأة. ودل على تحريم النظر إلى الأجنبية.
ووجوب غض البصر عنها في جميع الأحوال. إلا لغرض صحيح شرعي. وفي الصحيحين "زنا العين النظر" أي حظها منه النظر على قصد الشهوة فيما لا يحل له.
(ولأحمد) وأبي داود والترمذي وغيرهم (عن بريدة) ﵁ أنه ﷺ قال (لك الأولى) أي قال لعلي ﵁ "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى" أي النظرة الأولى إذا كانت من غير قصد (وليست لك الآخرة) أي النظرة الآخرة لأنها باختيارك فتكون عليك. وفي لفظ "لا تعد الثانية" ولمفهوم "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" وغير ذلك من الأحاديث. فالنظر إلى الأجنبية من غير
стр. 1560
سبب محرم لهذه الأخبار ولقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وقوله ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ وسدًا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور.
ومن فوائد غض البصر عن الصور التي يحرم النظر إليها حلاوة الإيمان ولذته. وكونه يورث نور القلب والفراسة. والتعلق بالصور يورث فساد العقل وعمى البصر. وسكر القلوب وجنونه فمن غض بصره عن محارم الله عوضه بما هو خير منه فيطلق عين بصيرته. ويفتح عليه أبواب العلم والمعارف وقوة القلب وشجاعته. قال الشيخ والمس أولى بالمنع من النظر.
(وعن ابن مسعود) ﵁ (مرفوعًا المرأة عورة صححه الترمذي) فيحرم النظر إليها ويحرم نظر خصي ومجبوب وممسوح إلى الأجنبية ولو امرأة سيده. ويلزمها ستر جميع بدنها حتى شعرها إلا وجهها في الصلاة كما تقدم ويباح نظر ما يظهر غالبًا كوجه وساق ورقبة ويد وقدم من ذات محرم وأمة. ولعبد نظر ذلك من مولاته قال الباجي: لا خلاف في النظر على الوجه المباح إلى ذ وات المحارم كأمه وأخته وابنته، كما أنه لا خلاف في منعه على وجه الالتذاذ والاستمتاع.
وقال ابن عبد البر وأما النظر للشهوة فحرام تأملها فوق ثيابها بالشهوة. فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة. ويحرم تزينها لمحرم غير زوج وسيد. وقال الشيخ يحرم النظر بشهوة إجماعًا.
стр. 1561
يعني لغير زوج وسيد. ومن استحله كفر إجماعًا. ونص أيضًا مع خوفها. وذكر أنه قول جمهور العلماء في النظر إلى الأمرد وغيره. قال ويحرم تكرار النظر إليه. ومن كرر وقال لا أنظر لشهوة فقد كذب إنما ينظر لما في القلب من اللذة وحكى ابن القطان الإجماع على أنه يحرم النظر إلى غير الملتحي لقصد التلذذ بالنظر إليه وامتاع حاسة البصر بمحاسنه.
وأجمعوا على جواز النظر إليه بغير قصد اللذة. والناظر مع ذلك آمن من الفتنة قال النووي وربما كان المنع فيه أحرى من المرأة. وغض البصر وإن كان إنما يقع على محاسن الخلقة والتفكر في صنع الله فمنع منه سدًا لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور. ويدخل في ذلك نظر المرأة إلى الرجل.
قال النووي بلا خلاف. قال الشيخ وكل قسم كان معه شهوة كامه كان حرامًا بلا ريب. سواء كانت شهوة تمتع بنظر أو نظر شهوة الوطء وقال النظر إلى المردان أقسام: ما تقترن به الشهوة فحرام بالاتفاق. وما لا شهوة معه كالنظر إلى ولده الحسن أو من لا يميل قلبه إلى المردان كما كان الصحابة والأمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة. فإن أحدهم لا يفرق بين نظره إلى ابنه أو ابن جاره.
وقد كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين في الطرقات مكشوفات الوجوه. ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب. إلا أن ذلك لا ينبغي اليوم لعموم الفساد في أكثر الناس. فلو أراد
стр. 1562
الرجل أن يدع نحو التركيات يمشين بين الناس لكان من باب الفساد. وكذا المردان الحسان. لا يجوز أن يخرجوا في الأمكنة التي يخاف فيها الفتنة بهم. قال وينظر ما يظهر غالبًا ممن لا تشتهي كعجوز وبرزة وقبيحة ونحوهن. وأمة ولا يحرم النظر إلى عورة الطفل والطفلة قبل السبع ولا لمسها. ولا يجب سترها مع أمن الشهوة. ولا يجب استتار ممن له دون سبع في شيء.
ولكل من الزوجين نظر جميع بدن الآخر ولمسه. بلا كراهة حتى الفرج. وكره النظر إليه حال الطمث وتقبيله بعد الجماع لا قبله. وكره أحمد مصافحة النساء حتى لمحرم غير أب. وسئل يقبل ذوات المحرم منه قال إذا قدم من سفر ولم يخف على نفسه.
لكن لا يفعله على الفم أبدًا الجبهة والرأس. واستدل بحديث خالد أنه ﷺ قدم من سفر فقبل فاطمة ومن له النظر لا يحرم البروز له ولطبيب ونحوه نظر ما دعت الحاجة إليه.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) بكسر الخاء التماس النكاح. وأما الخطبة في الجمعة والعيد والحج وبين يدي عقد النكاح ونحوه فبضم الخاء (حتى يترك) الخاطب قبله (أو يأذن) أي للثاني (متفق عليه) وفي رواية للبخاري " حتى ينكح
أو يترك" ولمسلم "لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه
ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر" وللبخاري من
حديث ابن عمر "لا يخطب الرجل على الرجل حتى يترك
стр. 1563
الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب" وعبر بالأخ للتحريض على كمال التودد وقطع صور المنافرة.
فدلت هذه الأحاديث وغيرها على تحريم خطبته على خطبة أخيه. وهو مذهب جمهور العلماء وحكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع. لما فيه من الإفساد على الخاطب وإيقاع العداوة بين الناس. ولكنهم اختلفوا في شروطه فقال الجمهور محل التحريم إذا صرحت المخطوبة بالإجابة أو وليها الذي أذنت له. وإن وجد منها ما يدل على الرضى تعريضًا لا تصريحًا فحكمه حكم ما لو أجيب صريحًا وهو ظاهر الخبر فلم يرد فيه ذكر الإجابة. فإن ترك الخاطب الأول أو أذن للثاني جاز. أو استأذن الثاني الأول. أو سكت جاز. لأنه في معنى الترك. أو رد الخاطب الأول جاز. لما روت فاطمة بنت قيس أنها ذكرت معاوية وأبا جهم خطباها فقال "انكحي أسامة" ولو كان الرد بعد الإجابة. لأن الإعراض عن الأول ليس من قبله وكذا إن لم يركن إليه أو جهل الثاني حال الأول جاز لأنه معذور.
وإن كان الأول خطب تعريضًا في العدة أو بعدها فقال الشيخ لا ينهى غيره عن الخطبة. ويكره رد بلا غرض صحيح بعد إجابة قال الشيخ ولو خطب المرأة أو وليها رجلًا ابتداء فأجابها فينبغي أن لا يحل لرجل آخر خطبتها. إلا أنه أضعف
من أن يكون هو الخاطب ونظير الأولى أن تخطبه امرأة أو
وليها بعد أن خطب هو امرأة. فإن هذا إيذاء للمخطوبة في
стр. 1564
الموضعين. كما أن ذلك إيذاء للخطاب. وهو بمنزلة البيع على بيع أخيه قبل انعقاد العقد. وهذا كله ينبغي أن يكون حرامًا.
واستدل الجمهور بهذا الحديث على جواز خطبة المسلم على خطبة الكافر. فإنه ليس بأخ للمسلم. وإن خطب المسلم على أخيه وعقد مع علمه صح العقد مع الإثم.
(وعن ابن مسعود) ﵁ (قال علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة) وأراد بالتشهد كل كلام فيه النبأ عن الله وفي كلمتا الشهادتين. أي إذا كان لنا حاجة وشغل إذا أردنا ذلك الشغل. فهو عام لكل حاجة ومنها النكاح وزاد ابن كثير في الإرشاد في النكاح وغيره. وقال أبو إسحاق تقال في خطبة النكاح وغيره في كل حاجة. (أن الحمد لله) بتخفيف أن ورفع الحمد. وقال الجزري يجوز تخفيفها وتشديدها (نحمده ونستعينه) أي في حمده وغيره (ونستغفره) أي من تقصيرنا في عبادته وطاعته ونتوب إليه.
(ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي من ظهور شرور أخلاق نفوسنا الردية وأحوال طباع أهوائنا الدنية (وسيئات أعمالنا)
أي ونستغفره تعالى من سيئات أعمالنا (من يهد الله فلا
مضل له) أي من يوفقه للعبادة فلا مضل له من شيطان
ونفس وغيرهما (ومن يضلل فلا هادي له) لا من نبي ولا ولي ولا غيرهما. بل الهداية بيده سبحانه. وكذا الإضلال.
стр. 1565
يهدي من يشاء ويضل من يشاء بيده الخيروهو على كل شيء قدير.
(وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) أي أجزم واقطع بذلك. قال الشيخ ولما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها. ذكره ابن القيم. قال وفيه معنى آخر وهو أنها إخبار عن شهادته لله بالوحدانية. ولنبيه بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله. وما سواه طلب وإنشاء فيطلب لنفسه وإخوانه المسلمين (ويقرأ ثلاث الآيات رواه الخمسة) وحسنه الترمذي وصححه الحاكم.
وعن ابن كثير الآيات في نفس الحديث: الأولى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله تعالى ﴿رقيبًا﴾ والثانية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ والثالثة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ إلى قوله ﴿عظيمًا﴾ ويجزئ أن يحمد الله ويشهد ويصلي على النبي ﷺ ويخطب بها العاقد بنفسه حال العقد أو غيره من الحاضرين واستحبها جمهور أهل العلم لهذا الخبر.
وقوله "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع"
стр. 1566
وفي رواية "ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء وغير ذلك" وليست بواجبة لقوله "زوجتكها بما معك من القرآن" وقال أهل العلم النكاح جائز بغير خطبة. وينبغي أن يكون يوم الجمعة مساء. لأن فيه ساعة الإجابة. وبالمسجد ذكره ابن القيم وغيره. واستحبه الجمهور. ويأتي خبر "واجعلوه في المساجد".
(ولهم) أي للخمسة وغيرهم (عن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا كان إذا رفأ إنسانًا إذا تزوج) بتشديد الفاء أي هنأه ودعا له. وكان من دعائهم للمتزوج أن يقولوا بالرفاء والبنين فنهى عنه ﷺ لأنه كان من عادتهم. والرفاء الالتئام والاتفاق والبركة والنماء. وسن لهم إذا دعا أحدهم لأخيه (قال: بارك الله لك) أي أدام لك وأثبت ما أعطاك (وبارك عليك) أي أدامه عليك دعاء له بالبركة وثبوت الخير (وجمع بينكما في خير) وإلف وسرور فوضع هذا الدعاء موضع الترفيه. صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان. ولمسلم من حديث جابر أنه قال له "تزوجت" قال نعم قال "بارك الله لك" زاد الدارمي "وبارك عليك".
وللطبراني أنه ﷺ شهد نكاح رجل فقال "على الخير والبركة والإلفة والسعة والرزق بارك الله لكم" ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. وغير ذلك وتزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقالوا بالرفاء والبنين. فقال "لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ "اللهم بارك لهم وبارك عليهم" رواه النسائي.
стр. 1567
وفي رواية "بارك الله فيك وبارك لك فيها" وإنما كرهه ﷺ لما فيه من موافقة أهل الجاهلية كانوا يقولونه تفاؤلًا لا دعاء.
وأما المتزوج فينبغي له أن يقول ما رواه أبو داود وغيره عن عمرو بن شعيب مرفوعًا "إذا فاد أحدكم امرأة أو خادمًا فليأخذ بناصيتها وليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه" ولا بأس بالصدقة عند العقد.
فصل في أركانه
أي أركان النكاح وركن الشيء هو جانبه الأقوى. وجزء ماهيته. والماهية لا توجد ولا تتم بدون أجزائها فكذا النكاح لا يتم بدون ركنه. وأركانه عند طائفة من العلماء ثلاثة: الزوجان الخاليان من الموانع. والإيجاب والقبول. والأكثر لا يعد الأول لوضوحه.
قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي بعد طلاقها من زيد وانقضاء عدتها. وكان السفير جبرئيل. وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ فاستدل بعض الفقهاء بها على اعتبار لفظ زوجت وانكحت وحكى الموفق والشيخ وغيرهما الإجماع على أن النكاح ينعقد بلفظ الإنكاح والتزويج وعند الأكثر ينعقد بكل لفظ يدل عليه وقال الوزير اتفقوا على أنه إذا قال الولي
стр. 1568
زوجتك وأنكحتك فقال الزوج قبلت هذا النكاح أو رضيت هذا النكاح فإنه ينعقد هذا النكاح إذا كان مع شروطه على اختلاف بينهم فيها.
(وقال ﷺ للرجل الذي قال في الواهبة) وهي التي قالت يا رسول الله جئت أهب لك نفسي. فنظر إليهاه ثم طأطأ رأسه فجلست فقام رجل من الصحابة فقال (إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها) فقال هل عندك من شيء فقال لا والله. وفيه. (قال زوجتكها بما معك من القرآن متفق عليه) فدل على أن النكاح ينعقد بلفظ التزويج. ولا خلاف في ذلك. وعند بعض الأصحاب لا يصح إذا تقدم القبول الإيجاب. وقال المحققون يحتمل أن يصح إذا تقدم بلفظ الطلب لهذا الخبر.
ولو قال زوجني ابنتك فقال زوجتكها. أو تقدم بلفظ الاستفهام. وهو رواية عن أحمد وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي. لأنه قد وجد الإيجاب والقبول فهو كما لو تقدم الإيجاب وإن تأخر القبول عن الإيجاب صح ما داما في المجلس. ولو تشاغلا بما لا يقطعه عرفا.
وفيه أن للإمام الولاية على المرأة التي لا قريب لها إذا أذنت. وأن يعقد لها من غير سؤال عن وليها.
(وللبخاري أمكناكها بما معك من القرآن) ولأبي داود
стр. 1569
قم فعلمها عشرين آية (وفي رواية قد ملكتكها بما معك من القرآن) فدل على انعقاده بنحو هذه الألفاظ. ولو قال زوجت بضم الزاي وفتح التاء. أو قال قبلت تجوزيها ونحوه صح.
وقال الشيخ ينعقد بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ وفعل. فالأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع وتارة باللغة وتارة بالعرف وقال ابن القيم أصح قولي العلماء أن النكاح ينعقد بكل لفظ يدل عليه. لا يختص بلفظ الإنكاح والتزويج وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحد القولين في مذهب أحمد. بل نصوصه لا تدل إلا على هذا الوجه.
وفيه أنه لا بد من الصداق في النكاح وصحته على شيء ولو من القرآن. ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يصح على ما لا قيمة له. والآيات القرآنية تدل على اعتبار المالية في الصداق وهذا الخبر يدل على صحته بمنفعة. وفيه أنه ينبغي ذكر الصداق. وهذا الخبر يدل على صحته بمنفعة. وفيه أنه ينبغي ذكر الصداق في العقد. لأنه اقطع للنزاع. وأنفع للمرأة ولو عقد بدون ذكر صداق صح. ووجب لها مهر المثل بالدخول.
ويصح إيجاب السيد لأمته أن يقول اعتقتك وجعلت عتقك صداقك. فقد ثبت أنه ﷺ اعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
ويصح جعل شيء آخر مع عتقها صداقًا لها كدراهم ونحوها نص عليه الشيخ وغيره.
(وعن أبي هريرة) رضي الله (مرفوعًا ثلاث) أي يجزن
على المرء ولو لم يقصدهن حقيقة (هزلهن جد) والهزل
стр. 1570
أن يراد بالشيء غير ما وضع له بغير مناسبة بينهما (وجدهن جد) والجد ما يراد به ما وضع له إحداهن (النكاح) كان يقول زوجتك ابنتي ويقول قبلت فيصح ولو لم يقصدا نكاحًا حقيقة. فإنه لو أطلق الناس لتعطلت الأحكام. ولم يؤمن ناكح أن يقول كنت في قولي هازلًا فيكون في ذلك إبطال حكم الله. وكذا يصح ولو تلجئة كان يزوج ابنته ونحوها رجلًا خوفًا من أن يتزوجها من يكرهه. كحاكم أو أمير. فإنه صحيح في حق الرجل المتزوج.
(والطلاق) كأن يقول طلقت ولم أقصد (والرجعة) أي وكذا أي الرجعة تثبت أحكامها بالهزل أو الجد. ولو لم يقصدها حقيقة (حسنه الترمذي) وعن الحسن مرفوعًا "من نكح لاعبًا جاز" وقال عمر: أربع جائزات إذا تكلم بهن الطلاق والعتاق والنكاح والنذر. وقال علي لا لعب فيهن فدل الحديث والآثار على أن من تكلم بشيء مما مر لزمه حكمه ولم يقبل منه خلافه.
وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له. ولا ينفعه. ولا يقبل منه لو قال كنت لاعبًا أو هازلًا. أو لم أنوه وما أشبه ذلك. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِ هُزُوًا﴾ ولا يصح تعليق النكاح على شرط مستقبل كزوجتك ما في بطنها. أو من في هذه الدار. بخلاف الشروط الحاضرة. كزوجتك ابنتي إن كانت
стр. 1571
انقضت عدتها. ولا يثبت خيار الشرط ولا خيار المجلس في النكاح إجماعًا.
فصل في اشتراط الرضى
أي ممن يشترط له. فلا يصح أن يكره على النكاح الرجال البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم بغير حق ولا الثيب البالغ فقد اتفق العلماء على اشتراط رضاهم وقبولهم في صحة النكاح إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير والبكر على ما سيأتي ولا ريب أن الشارع اشترط للنكاح شروطًا زائدة على العقد تقطع عنه شبه السفاح. منها تعيين الزوجين ورضاهما والولي. والشهادة عند الجمهور. ومنع المرأة أن تليه بنفسها وندب الشارع إلى إعلانه. لأن في الإخلال به ذريعة إلى وقع السفاح بصورة النكاح. وزوال بعض مقاصده.
وأثبت له أحكامًا زائدة على مجرد الاستمتاع. وجعله وصلة بين الناس بمنزل الرحم. فأما تعيين الزوجين فلأنه المقصود في النكاح فلا يصح بدونه كزوجتك بنتي وله غيرها أو زوجتها ابنك وله بنون وإن أشار الولي إليها أو وصفها بما تتميز به أو قال زوجتك ابنتي وليس له إلا واحدة صح لعدم الالتباس. وأما الرضى فبالكتاب والسنة والإجماع في الجملة.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء﴾
стр. 1572
وأول الآية ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ وهو ما تقدم من قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾.
(قالت عائشة) ﵂ (نزلت في اليتيمة يرغب فيها وليها) ونحوه عن ابن عباس وغيره. وذلك أن اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات مال وجمال بغير رضاها. وبأقل من سنة صداقها. فنهوا عن ذلك فدلت الآية على اعتبار الرضى في الجملة على ما يأتي تفصيله.
(وعنها) أي عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ تزوجها بنت سبع سنين) وقيل بنت ست سنين قبل الهجرة (وأدخلت عليه بنت تسع سنين) سنة الهجرة أو السنة الثانية (متفق عليه) فدل الحديث على أن للأب تزويج ابنته البكر. والتي لم يكن لها إلا دون تسع سنين بغير إذنها ورضاها إذا وضعها عند كفء بلا نزاع حكاه ابن رشد والوزير وغيرهما وقال المهلب أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة والبكر. ولو كانت لا يوطأ مثلها. ودل على تزويج الصغيرة بالكبير. وحكاه الحافظ إجماعًا. قال ولو كانت في المهد لكن لا يمكن منها حتى تصلح للوطء. وله تزويج ابنه الغلام. فإن ابن عمر زوج ابنه وهو غلام. وليس له تزويج البالغ العاقل من بنيه بلا إذنه بلا نزاع.
стр. 1573
(ولهما عن أبي هريرة مرفوعًا لا تنكح الأيم) وهي من فارقت زوجها بطلاق أو موت أو غيرهما (حتى تستأمر) من الاستئمار طلب الأمر. أي لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. فلهذا يحتاج إلى صريح إذنها. قال الشيخ وغيره وإذنها الكلام بلا خلاف اهـ. وإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا (ولا البكر حتى تستأذن وإذنها أن تسكت) أي قال رسول الله ﷺ حيث قالوا له وكيف إذنها؟ قال "أن تسكت" وفي لفظ "صماتها" ولأحمد "وإن سكتت فهو إذنها وإن أبت لم تكره" وهو قول عامة أهل العلم.
فدل الحديث على أنه لا بد من طلب الأمر بالتزويج من الثيب. فلا يعقد عليها حتى يطلب الولي منها الإذن بالعقد. والمراد من ذلك اعتبار رضاها. وهو معنى أحقيتها بنفسها من وليها، كما جاء في غير ما حديث. وعبر بالاستئذان بحق البكر إشارة إلى الفرق بينهما. وأنها متأكدة مشاورة الثيب. ومحتاج الولي إلى صريح القول بالإذن منها في العقد عليها. وأما البكر فإذنها دائر بين القول والسكوت. واكتفي منها بالسكوت لأنها قد تستحي من التصريح وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قلت يا رسول الله إن البكر تستحي؟ قال "رضاها صماتها".
وحكى ابن رشد وغيره الإجماع على أن الإذن في حق الإبكار المستأذنات واقع بالسكوت وهو الرضى. وأما الرد
стр. 1574
فباللفظ للخبر وقال ابن المنذر يستحب أن يعلم أن سكوتها رضى. والأولى أن يرجع إلى القرائن. فإنها لا تخفى. والحديث عام الأولياء من أب وغيره من أنه لا بد من إذن البكر البالغة.
(ولمسلم: والبكر يستأذنها أبوها) والمراد البالغة. إذ لا معنى الاستئذان الصغيرة لأنها لا تدري ما الإذن. وله عن ابن عباس "الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها" وفي لفظ لأبي داود وغيره "ليس للولي مع الثيب أمر. واليتيمة تستأمر".
(وفي السنن لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن) واليتيمة في الشرع الصغيرة التي لا أب لها وقال ابن عمر زوجني قدامة بن مضعون بنت أخيه عثمان. ودخل المغيرة إلى أمها فأرغبها في المال فأبتا علي حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ فقال "هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها" فانتزعت مني. فلا يجبر اليتيمة وصي ولا غيره وظاهر الأحاديث أن البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد. وحكاه الترمذي قول أكثر أهل العلم. ويعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على وجه تقع به المعرفة من ذكر نسبه ومنصبه ونحو ذلك. لتكون على بصيرة.
(وللبخاري) من طريق مالك (عن خنساء) بنت خدام بن خالد الأنصاري من بني عمرو بن عوف ﵂ (أن أباها زوجها وهي ثبت فكرهت) ورواه النسائي من
стр. 1575
طريق سفيان وهي بكر (فرد رسول الله ﷺ نكاحها) ولأحمد وأبي داود وغيرهما أن بكرًا ذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة. فخيرها النبي ﷺ . قال ابن القيم وهذا الحديث على طريقة أكثر الفقهاء. وجميع أهل الأصول صحيح. وذكر أحاديث في معناه. وحديث مسلم "البكر يستأمرها أبوها" ثم قام وهذا خبر في معنى الأمر على إحدى الطريقتين. أو خبر محض ويكون خبرًا عن حكم الشرع. لا عن الواقع. وهي طريقة المحققين.
فقد توافق أمره وخبره ونهيه على أن البكر لا تزوج إلا بإذنها ومثل هذا يقرب من القاطع ويبعد كل البعد حمله على الاستحباب ثم قال وحمل هذه القضايا وأشباهها على الثيب دون البكر خلاف مقتضاها. فلا بد من رضاها من غير فرق بين أن يكون الذي زوجها هو الأب أو غيره. وقال الشيخ الصحيح أن البكر البالغة لا يجبرها أحد. وقال ليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يريد فلا يكون عاقًا كأكله ما لا يريد وللأب أو وصيه تزويج ابنه البالغ المعتوه والمجنونة والصغير فابن عمر زوج ابنه صغيرًا.
ومن يخنق بعض الأحيان أو زال عقله ببرسام ونحوه لم يصح إلا بإذنه قاله الشيخ وغيره. فإن من أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت ولاية تزويجه كالعاقل. ويزوج المجنونة مع شهوتها كل ولي الأقرب فالأقرب لحاجتها إليه وصيانتها وغير ذلك.
وتعرف شهوتها من كلامها وتتبعها الرجال وتؤامر المرأة
стр. 1576
في بنتها لما روى أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر "آمروا النساء في بناتهن" وذلك استطابة للنفس. ولا خلاف أنه ليس لها فيها أمر.
فصل في الولي
أي في اشتراط الولي عند عقد النكاح. فلا يصح إلا بولي وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. والولي هو متولي أمر المرأة
(قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الأيم المرأة التي لا زوج لها. أمر تعالى بإنكاحها ولم يكله إليها فدلت على اعتبار الولي. وقال ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قال الشافعي هي أصرح آية في اعتبار الولي. وإلا لما كان لعضله معنى ويأتي ذكر سبب نزولها. وقال الشيخ تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا. وتقدم بيان الإذن وأنه لا يزوج غير الأب صغيرًا إلا الحاكم لحاجة. ولا كبيرة عاقلة ولا بنت تسع سنين إلا بإذن. وإذن بنت تسع فأكثر معتبر وقالت عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.
(وقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي مواليهن. فدلت الآية على أن السيد هو ولي أمته. ويزوجها بغير إذنها. لأنه يملك منافع بضعها. ولا تزوج إلا بإذنه وكذلك وهو ولي
стр. 1577
عبده. وليس له أن يتزوج بغير إذنه. ويزوج الصغير بغير إذنه. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج سيدتها بإذنها لما في الحديث "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
(وعن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال لا نكاح) أي لا يصح عقد النكاح (إلا بولي) يعقده. وهو أقرب العصبة بالنسب ثم السبب ثم عصبته ثم المولى. ثم عصبته (رواه الخمسة وصححه أحمد) وابن المديني وابن مهدي والترمذي والبيهقي وابن القيم وغيرهم من الحفاظ. وعن جابر نحوه وقال الضياء رجاله كلهم ثقات. وذكر المناوي أنه متواتر فدل الحديث: أنه لا يصح النكاح إلا بولي. لأن الأصل في النفي نفي الصحة وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم. وهكذا روي عن فقهاء التابعين أنهم قالوا لا نكاح إلا بولي. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والولي هو الأقرب إلا المرأة من عصبتها دون ذوي أرحامها وهذا مذهب جمهور العلماء. واشترطوا في الولي التكليف لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له. والذكورية والحرية لأن المرأة والعبد لا ولاية لهما على أنفسهما فغيرهما أولى والرشد في العقد واتفاق الدين والعدالة وقال الشيخ في عقد الكتابي لابنته على المسلم ليس على بطلانه دليل شرعي ولا ينبغي أن يكون متوليًا لنكاح مسلم.
стр. 1578
(ولهم) أي للخمسة وغيرهم (عن عائشة) ﵂ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ قال (أيما امرأة نكحت) أي تزوجت (بغير إذن وليها فنكاحها باطل) فنكاحها باطل كرره ثلاثًا تأكيدًا لبطلانه. وهذا مع ما تقدم وما يأتي من خبر معقل وغيره يدل على اشتراط الولي. وقال الخطابي في قوله ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أدل آية في كتاب الله على أن النكاح لا يصح إلا بعقد ولي. وأنه لو كان لها سبيل إلى أن تنكح نفسها لم يكن للعضل معنى (فإن دخل بها) أي بمن نكحت بغير إذن ولي (فلها المهر بما استحل من فرجها) قال الرافعي فيه أن وطء الشبهة يوجب المهر وإذا وجب ثبت النسب وانتفى الحد.
(فإن اشتجروا) أي منعوها من كفء، فالاشتجار منع الأولياء المرأة من التزويج من كفء (فالسلطان ولي من لا ولي له) أي فيزوجها السلطان. لأن الولي إذا امتنع فكأنه لا ولي لها فيكون السلطان وليها (صححه الترمذي) وأبو عوانة وابن معين وابن حبان والحاكم وغيرهم. قال الحاكم وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب وعلي وابن عباس وغيرهم. وذكر ثلاثين صحابيًا.
وجمهور العلماء على اشتراط الولي. كما هو ظاهر هذا الحديث وغيره. وأن المرأة لا تزوج نفسها. وقال ابن المنذر لا يعرف عن الصحابة خلاف في ذلك.
وعن أبي هريرة "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" وقال
стр. 1579
الحافظ رجاله ثقات وظاهره لا بإذن الولي ولا غيره. وجعلت امرأة أمرها بيد رجل غير الولي فانكحها فبلغ عمر فجلد الناكح والمنكح. ورد نكاحها. وكان علي يضرب فيه بغير ولي. رواها الدارقطني. وفيه أن المرأة تستحق المهر بالدخول وإن كان النكاح باطلًا. وأن بطلانه يقع مع العلم بالحكم والجهل به.
ويسمى باطلًا أو صحيحًا. ولا واسطة بينهما. وأنه إن اشتجر الأولياء أي عضلوا انتقلت الولاية إلى السلطان.
وظاهره أنه إن عضل الأقرب تنتقل إلى الأبعد وهو مذهب الجمهور. وكذا إن غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة أو جهل مكانه. أو تعذرت مراجعته. تنتقل إلى من يليه ثم إلى السلطان فلأبي داود وغيره أن النجاشي زوج النبي ﷺ أم حبيبة وقال ابن القيم وهو المعروف عند أهل العلم. وقال الموفق وغيره للسلطان تزويج من لا ولي لها عند عدم الأولياء أو عضلهم لا نعلم فيه خلافًا. فالسلطان ولي من لا ولي لها لعدمه أو منعه أو غيبته. وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له".
رواه الطبراني وغيره. والمراد بالسلطان من إليه الأمر.
وقال الموفق وغيره هو الإمام أو الحاكم أو من فوض إليه ذلك. وعن أحمد عند عدم القاضي. وقال إذا لم يكن لها ولي فالسلطان المسلط على الشيء القاضي يقضي في الفروج والحدود. وقال أيضًا ما للوالي ولاية إنما هو القاضي وقال
стр. 1580
بعضهم إن الوالي أذن له في التزويج ويحتمل أنه إذا لم يكن في موضع ولايته قاض. قال الشيخ لأنه موضع ضرورة ويقدم أبو المرأة في إنكاحها لأنه أكمل نظرًا وأشد شفقة. ثم وصيه في النكاح. ولا إشكال في جواز توكيله. لأن ولايته ثابتة شرعًا.
وكذلك لا يعتبر معه إذن كموكله. قال في الإنصاف قطع به الجمهور. وكذا إن كان غير مجبر. لأن ولايته ثابتة بالشرع. فلا تتوقف استنتابته إلى إذنها كالمجبر. وإنما افترقا على إذنها في صحة النكاح. قال وهذه طريقة الموفق وغيره. وهو الأقوى دليلًا انتهى.
وتقدم الكلام في الأب فكذا وكيله. ثم جدها لأب وإن علا. ثم ابنها ثم بنوه وإن نزلوا الأقرب فالأقرب. لما روى النسائي وغيره أن النبي ﷺ قال لعمر بن أبي سلمة "قم فزوج رسول الله" فزوجه. ثم أخوها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك. ثم عمها لأبوين ثم لأب ثم بنوهم على ما سبق في الميراث. ثم أقرب عصبة نسب كالإرث ثم المولى ثم المنعم ثم عصبته ثم ولاء. قال الوزير اتفقوا على أن الولاية في النكاح لا تثبت إلا لمن يرث بالتعصيب ولا ولاية لأخ من أم ولا خال ونحوه من ذوي الأرحام وهو مذهب الشافعي.
ولا تزول ولاية بالإغماء ولا بالعمى ولا بالسفه. وإن جن أحيانًا أو أغمي عليه أو أحرم انتظر زوال ذلك. ولا ينعزل الولي بطريان ذلك. ثم السلطان أو نائبه. وقال الشيخ إذا تعذر.
следующие страницы →