Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
في بنتها لما روى أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر "آمروا النساء في بناتهن" وذلك استطابة للنفس. ولا خلاف أنه ليس لها فيها أمر.
فصل في الولي
أي في اشتراط الولي عند عقد النكاح. فلا يصح إلا بولي وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. والولي هو متولي أمر المرأة
(قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الأيم المرأة التي لا زوج لها. أمر تعالى بإنكاحها ولم يكله إليها فدلت على اعتبار الولي. وقال ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قال الشافعي هي أصرح آية في اعتبار الولي. وإلا لما كان لعضله معنى ويأتي ذكر سبب نزولها. وقال الشيخ تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعًا. وتقدم بيان الإذن وأنه لا يزوج غير الأب صغيرًا إلا الحاكم لحاجة. ولا كبيرة عاقلة ولا بنت تسع سنين إلا بإذن. وإذن بنت تسع فأكثر معتبر وقالت عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.
(وقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي مواليهن. فدلت الآية على أن السيد هو ولي أمته. ويزوجها بغير إذنها. لأنه يملك منافع بضعها. ولا تزوج إلا بإذنه وكذلك وهو ولي
стр. 1577
عبده. وليس له أن يتزوج بغير إذنه. ويزوج الصغير بغير إذنه. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج سيدتها بإذنها لما في الحديث "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
(وعن أبي موسى: أن النبي ﷺ قال لا نكاح) أي لا يصح عقد النكاح (إلا بولي) يعقده. وهو أقرب العصبة بالنسب ثم السبب ثم عصبته ثم المولى. ثم عصبته (رواه الخمسة وصححه أحمد) وابن المديني وابن مهدي والترمذي والبيهقي وابن القيم وغيرهم من الحفاظ. وعن جابر نحوه وقال الضياء رجاله كلهم ثقات. وذكر المناوي أنه متواتر فدل الحديث: أنه لا يصح النكاح إلا بولي. لأن الأصل في النفي نفي الصحة وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم. وهكذا روي عن فقهاء التابعين أنهم قالوا لا نكاح إلا بولي. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والولي هو الأقرب إلا المرأة من عصبتها دون ذوي أرحامها وهذا مذهب جمهور العلماء. واشترطوا في الولي التكليف لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له. والذكورية والحرية لأن المرأة والعبد لا ولاية لهما على أنفسهما فغيرهما أولى والرشد في العقد واتفاق الدين والعدالة وقال الشيخ في عقد الكتابي لابنته على المسلم ليس على بطلانه دليل شرعي ولا ينبغي أن يكون متوليًا لنكاح مسلم.
стр. 1578
(ولهم) أي للخمسة وغيرهم (عن عائشة) ﵂ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ قال (أيما امرأة نكحت) أي تزوجت (بغير إذن وليها فنكاحها باطل) فنكاحها باطل كرره ثلاثًا تأكيدًا لبطلانه. وهذا مع ما تقدم وما يأتي من خبر معقل وغيره يدل على اشتراط الولي. وقال الخطابي في قوله ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أدل آية في كتاب الله على أن النكاح لا يصح إلا بعقد ولي. وأنه لو كان لها سبيل إلى أن تنكح نفسها لم يكن للعضل معنى (فإن دخل بها) أي بمن نكحت بغير إذن ولي (فلها المهر بما استحل من فرجها) قال الرافعي فيه أن وطء الشبهة يوجب المهر وإذا وجب ثبت النسب وانتفى الحد.
(فإن اشتجروا) أي منعوها من كفء، فالاشتجار منع الأولياء المرأة من التزويج من كفء (فالسلطان ولي من لا ولي له) أي فيزوجها السلطان. لأن الولي إذا امتنع فكأنه لا ولي لها فيكون السلطان وليها (صححه الترمذي) وأبو عوانة وابن معين وابن حبان والحاكم وغيرهم. قال الحاكم وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب وعلي وابن عباس وغيرهم. وذكر ثلاثين صحابيًا.
وجمهور العلماء على اشتراط الولي. كما هو ظاهر هذا الحديث وغيره. وأن المرأة لا تزوج نفسها. وقال ابن المنذر لا يعرف عن الصحابة خلاف في ذلك.
وعن أبي هريرة "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" وقال
стр. 1579
الحافظ رجاله ثقات وظاهره لا بإذن الولي ولا غيره. وجعلت امرأة أمرها بيد رجل غير الولي فانكحها فبلغ عمر فجلد الناكح والمنكح. ورد نكاحها. وكان علي يضرب فيه بغير ولي. رواها الدارقطني. وفيه أن المرأة تستحق المهر بالدخول وإن كان النكاح باطلًا. وأن بطلانه يقع مع العلم بالحكم والجهل به.
ويسمى باطلًا أو صحيحًا. ولا واسطة بينهما. وأنه إن اشتجر الأولياء أي عضلوا انتقلت الولاية إلى السلطان.
وظاهره أنه إن عضل الأقرب تنتقل إلى الأبعد وهو مذهب الجمهور. وكذا إن غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة أو جهل مكانه. أو تعذرت مراجعته. تنتقل إلى من يليه ثم إلى السلطان فلأبي داود وغيره أن النجاشي زوج النبي ﷺ أم حبيبة وقال ابن القيم وهو المعروف عند أهل العلم. وقال الموفق وغيره للسلطان تزويج من لا ولي لها عند عدم الأولياء أو عضلهم لا نعلم فيه خلافًا. فالسلطان ولي من لا ولي لها لعدمه أو منعه أو غيبته. وعن ابن عباس ﵄ مرفوعًا "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له".
رواه الطبراني وغيره. والمراد بالسلطان من إليه الأمر.
وقال الموفق وغيره هو الإمام أو الحاكم أو من فوض إليه ذلك. وعن أحمد عند عدم القاضي. وقال إذا لم يكن لها ولي فالسلطان المسلط على الشيء القاضي يقضي في الفروج والحدود. وقال أيضًا ما للوالي ولاية إنما هو القاضي وقال
стр. 1580
بعضهم إن الوالي أذن له في التزويج ويحتمل أنه إذا لم يكن في موضع ولايته قاض. قال الشيخ لأنه موضع ضرورة ويقدم أبو المرأة في إنكاحها لأنه أكمل نظرًا وأشد شفقة. ثم وصيه في النكاح. ولا إشكال في جواز توكيله. لأن ولايته ثابتة شرعًا.
وكذلك لا يعتبر معه إذن كموكله. قال في الإنصاف قطع به الجمهور. وكذا إن كان غير مجبر. لأن ولايته ثابتة بالشرع. فلا تتوقف استنتابته إلى إذنها كالمجبر. وإنما افترقا على إذنها في صحة النكاح. قال وهذه طريقة الموفق وغيره. وهو الأقوى دليلًا انتهى.
وتقدم الكلام في الأب فكذا وكيله. ثم جدها لأب وإن علا. ثم ابنها ثم بنوه وإن نزلوا الأقرب فالأقرب. لما روى النسائي وغيره أن النبي ﷺ قال لعمر بن أبي سلمة "قم فزوج رسول الله" فزوجه. ثم أخوها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك. ثم عمها لأبوين ثم لأب ثم بنوهم على ما سبق في الميراث. ثم أقرب عصبة نسب كالإرث ثم المولى ثم المنعم ثم عصبته ثم ولاء. قال الوزير اتفقوا على أن الولاية في النكاح لا تثبت إلا لمن يرث بالتعصيب ولا ولاية لأخ من أم ولا خال ونحوه من ذوي الأرحام وهو مذهب الشافعي.
ولا تزول ولاية بالإغماء ولا بالعمى ولا بالسفه. وإن جن أحيانًا أو أغمي عليه أو أحرم انتظر زوال ذلك. ولا ينعزل الولي بطريان ذلك. ثم السلطان أو نائبه. وقال الشيخ إذا تعذر.
стр. 1581
من له ولاية النكاح انتقلت الولاية إلى أصلح من يوجد ممن له نوع ولاية ككبير قرية أو وليها أو أمير قافلة ونحوه. وقال إذا ادعت خلوها من الموانع وأنها لا ولي لها زوجت ولو لم يثبت ذلك ببينة اهـ. وإن زوج الأبعد من غير عذر للأقرب أو زوج أجنبي ولو حاكمًا من غير عذر لم يصح العقد لعدم الولاية من العاقد عليها. مع وجود مستحقها.
وإن كان الأقرب لا يعلم أنه عصبة أو أنه صار أهلًا بأن بلغ أو عاد أهلًا بعد مناف من نحو فسق صح العقد استصحابًا للأصل. ووكيل كل ولي يقوم مقامه لأنه ﷺ وكل أبا رافع وعمرو بن أمية بشرط إذنها للوكيل بعد توكيله إن لم تكن مجبرة ويشترط في وكيل ولي ما يشترط فيه. ويقول ولي أو وكيله لوكيل الزوج زوجت موكلك فلانًا فلانة وينسبها. ويقول وكيل الزوج قبلته لفلان وينسبه بما يتميز به. وإن استوى وليان فالأكثر سنًا يقدم. فأسن فإن تشاحوا أقرع.
(وعن عقبة) بن عامر ﵁ (مرفوعًا أيمًا امرأة زوجها وليان) استويا في الولاية لرجلين (فهي للأول) أي لمن عقد له أولًا (رواه أبو داود) وأحمد والنسائي وغيرهم والخمسة عن الحسن عن سمرة وحسنه الترمذي فدل الحديثان على أنه إذا عقد لها وليان لرجلين وكان العقد مرتبًا إنها للأول منهما سواء دخل بها الثاني أولا. لأنه تزوج زوجة غيره. أما إن دخل بها عالمًا فأجمعوا على أنه زنا. وأنها للأول وإن كان جاهلًا إلا أنه لا
стр. 1582
حد عليه للجهل. فإن وقع العقدان معًا في وقت واحد بطلا عند أكثر الفقهاء وكذا إذا علم ثم التبس. واختار الشيخ يقرع بينهما. وهي للقارع من غير تجديد عقد. وهو ظاهر كلام الجمهور. إلا إذا دخل بها أحدهما برضاها فإنه يقرر العقد الذي أقرت بسبقه.
(وعن جابر) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه وأهله فهو عاهر) أي زان رواه أحمد وأبو داود و (صححه الترمذي) وابن حبان. وله عن ابن عمر أنه وجد عبدًا له تزوج بغير إذنه ففرق بينهما. وأبطل عقده. وضربه الحد. فدل على أن نكاح العبد بغير إذن وليه باطل. وحكمه حكم الزنا عند الجمهور. إلا أنه يسقط عنه الحد إذا كان جاهلًا التحريم. ويلحق به النسب. ولا ولاية لأحد عليها معه. ولو أبوها أبو ابنها قال الموفق بلا خلاف.
(وعن معقل بن يسار) ﵁ (قال كانت لي أخت) قال الطبري اسمها جميل بالتصغير. وقيل غير ذلك.
قال وكانت تخطب إلي (فأتى ابن عم لي فأنكحتها إياه) وفي رواية أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ (ثم طلقها) طلاقًا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها وذكر أنها خطبت إليه قال (ثم أتاني) يخطبها (فقلت لا أنكحها) وفي لفظ لا والله لا أنكحها أبدًا (فنزلت) ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أن ينكحن أزواجهن) الآية أي
стр. 1583
لا تمنعوهن عن النكاح بعد انقضاء العدة. والعضل المنع. وأصله الضيق والشدة. وفيه فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه (رواه البخاري) وفي رواية وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه وفي رواية فهويها وهويته.
فدل الحديث على اعتبار الولي. وإلا لكان رغوب أحدهما في الآخر كافيًا. ودل على أن السلطان لا يزوج المرأة إلا بعد أن يأمر وليها بالرجوع عن العضل. وقال الشافعي هذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًا وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف. قال وجاءت السنة بمعنى ما في كتاب الله . اهـ. واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كفء. وبصداق مثلها.
وقال الشيخ إذا خطبها كفؤ وآخر وآخر فمنع صار ذلك كبيرة يمنع الولاية لأجل الإضرار والفسق. وتمام الآية: ﴿تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾، وهذا خطاب مع الأولياء. وهو أظهر ما يحتج به في اعتبار الولي في العقد. فلو كانت تملك عقد النكاح لم يكن هناك عضل ولا للنهي معنى. وهل أبلغ من هذا الخطاب.
(ولهما عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ أعتق صفية) بنت حيى بن أخطب من سبط هرون بن عمران كانت تحت ابن أبي الحقيق. وقتل يوم خيبر ووقعت في السبي.
стр. 1584
فاصطفاها ﷺ فأعتقها (وتزوجها) ولأحمد اصطفى صفية بنت حي فاتخذها لنفسه. وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو يلحقها بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته وتوفيت ﵂ سنة الخمسين. وفي الصحيحين "أيما رجل كانت عندة وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران" وذهب جمهور العلماء إلى ما دل عليه الحديث من صحة العقد والعتق والمهر. وقال ابن القيم هو القول الصحيح الموافق للسنة وأقوال الصحابة والقياس وفي الحديث الثاني أيضًا مشروعية إعتاق الإماء والتزوج بهن وأنه يستحق بذلك أجرين.
فصل في الشهادة
أي على عقد النكاح لأن الفرض إعلانه احتياطًا للنسب خوف الإنكار. واتفق أهل العلم العلم على أنه لا يجوز نكاح السر. وأنه ينعقد بحضور شاهدين مع الولي.
(عن جابر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل رواه البرقاني) في صحيحه واسمه أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الشافعي صاحب التصانيف. وضمن صحيحه ما اشتمل عليه الصحيحان. وحديث النووي والشعبي وطائفته توفي سنة أربعمائة وخمس وعشرين
وعن عائشة ﵂ مرفوعًا "لا نكاح إلا بولي
стр. 1585
وشاهدي عدل" رواه الدارقطني ولأحمد نحوه عن عمران بن حصين. وعنها لا بد في النكاح من حضور أربعة الولي والزوج والشاهدين. وللترمذي وغيره عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا "البغايا التي يزوجن أنفسهن بغير بينة" وروي عن أبي هريرة وابن عمر وفيها مقال. وثبت عن ابن عباس لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد وفي لفظ إلا بينة. ولا يعلم له مخالف من الصحابة.
فدلت هذه الأحاديث والآثار وغيرها على اعتبار الشاهدين. وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجمهور العلماء. وقال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم. قالوا لا نكاح إلا بشهود لم يختلف في ذلك من مضى منهم. إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم. وتعتبر العدالة ظاهرًا عند جماهير العلماء.
(وعن عبد الله بن الزبير) بن العوام ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال أعلنوا النكاح رواه أحمد) وصححه الحاكم وغيره وعن عائشة ﵂ "أعلنوا النكاح وأضربوا عليه بالغربال" رواه الترمذي وتكلم فيه. وله أيضًا وحسنه "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" فدلت هذه الأحاديث وغيرها على الأمر بإعلانه وهو خلاف السر لأنهم لو لم يعلنوه فربما لم يدر الناس فينسبونها إلى الزنا فيقعون في الغيبة والبهتان.
стр. 1586
(ولمالك) بن أنس ﵀ في الموطأ (أن عمر أتى بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال هذا نكاح السر ولا أجيزه) ولو كنت تقدمت فيه لرجمت. فهذه الأحاديث وغيرها تدل على اعتبار الإشهاد. وأنه لا يكتفى فيه إلا برجلين وتدل على اعتبار الإعلان به واتفق أهل العلم أنه لا يجوز نكاح السر لهذه الأخبار وغيرها. وفي الاختيارات والذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإعلان يصح. وإن لم يشهد شاهدان وأما مع الكتمان والإشهاد فينظر فيه وإذا اجتمع الإعلان والإشهاد فلا نزاع في صحته. وإن خلا من الإعلان والإشهاد فهو باطل عند عامة العلماء.
وقال أبو بكر من شروط النكاح الإظهار. فإذا دخله الكتمان فسد. وقال مالك يبطله وهو رواية عن أحمد ولا تشترط الشهادة بخلوها من الموانع وقيل إن لم يعلم لها سابقة تزوج ولا على إذنها للولي أن يزوجها والاحتياط الإشهاد فإن أنكرت الإذن صدقت قبل الدخول لا بعده لأن دخوله بها دليل كذبها وإن ادعت الإذن فأنكر صدقت.
* * *
стр. 1587
فصل في الكفاءة
وهي لغة المساواة والمثل تتكافأ دمائهم أي تتساوى. والمراد بالكفاءة في باب النكاح الدين والمنصب والحرية والصناعة واليسار. وإذا رضيت المرأة والأولياء صح النكاح بالاتفاق إلا في الدين.
(قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لما ذكر تعالى أنه خلقنا من ذكر وأنثى وجعلنا شعوبًا وقبائل لنتعارف: بين الخصلة التي بها فضل الإنسان وأنها التقوى. وكأنه لما قال ليس الشعوب والقبائل للتفاخر. قيل فبأي شيء يستحق الشخص المفخرة قال "من كان أتقى لله وأخشى له" وإلا فالناس متشاركون في الجد والجدة والكل واحد وإنما التفاوت بالدين.
(وعن فاطمة بنت قيس) أخت الضحاك بن قيس القرشية الفهرية. وكانت من المهاجرات الأول. ذات جمال وفضل وكمال (أن رسول الله ﷺ . قال لها انكحي أسامة) بن زيد ﵄ وكانت جاءت إلى النبي ﷺ بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة. فأخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها فقال لها "أما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة" (رواه مسلم) وأسامة مولاه بن مولاه وهي قرشية وقدمه ﷺ على أكفائها ممن ذكر فدل على أنه لا عبرة في الكفاءة بغير الدين.
(ولأبي داود) وغيره (عن أبي هريرة) ﵁-
стр. 1588
(مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (يا بني بياضة) القبيلة المشهورة من الأمصار من بياضة ابن عامر بن زريق الخزرجي ﵁ (أنكحوا أبا هند) واسمه يسار. وهو الذي حجم النبي ﷺ وكان مولى لبني بياضة (وأنكحوا إليه) وكان حجامًا والحديث صححه الحاكم وجوده الحافظ وغيره فدل على عدم اعتبار كفاءة الأنساب. وثبت أن بلالًا نكح هالة بنت عوف. أخت عبد الرحمن بن عوف ﵃. وعرض عمر ابنته على سلمان الفارسي.
وذهب الجمهور إلى أن الكفاءة النسب ليست شرطًا في صحة النكاح كما دلت عليه هذه الأحاديث وغيرها ففي الصحيح أن أبا حذيفة بن عتبة تبني سالمًا وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة. وهو مولى لامرأة من الأنصار. وقال الموفق وغيره الصحيح أن الكفاءة غير مشروطة وهي المذهب عند أكثر المتأخرين. وقول أكثر أهل العلم. وعن أحمد أنها مشروطة لأنها حق لله ولها وأوليائها وأوردوا فيه أخبارًا. قال وما روي فيه يدل على اعتبارها في الجملة. ولا يلزم منه اشتراطها. أما الدين وهو أداء الفرائض واجتناب النواهي فمعتبر باتفاق الأئمة. فلا تزوج عفيفة بفاجر.
وأما المسلمة بمجوسي ونحوه فلا نزاع في بطلانه. وأما المنصب وهو النسب فليس العجمي كفوًا للعربية وروي عن عمر لأمنعن أن تزوج ذات الأحساب إلا من الأكفاء وأما
стр. 1589
الحرية فليس العبد كفوًا للحرة ولو عتيقة لقصة بريرة ولأنه منقوص بالرق. ممنوع من التصرف وأما الصناعة فكما روي "العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" وضعفه أحمد وغيره لكن قال العمل عليه عند أهل العرف. وأما اليسار بحسب ما يجب لها من مهر ونفقة. فلما روي "الحسب المال" وأحساب الناس بينهم هذا المال. ولأن عليها ضررًا في إعساره وبه تملك الفسخ كما يأتي.
وقال الخطابي الكفاءة معتبرة في قول أكثر العلماء بأربعة أشياء: الدين والحرية والنسب والصناعة. ومنهم من اعتبر السلامة من العيوب. واعتبر بعضهم اليسار. ومذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن النسب شرط للزوم النكاح. فلو زوج الأب عربية بعجمي أو حرة بعبد فلمن لم يرض من المرأة والأولياء الفسخ. لأن العار عليهم جميعًا وخياره على التراخي. ولا يسقط بإسقاط بعض العصبة. وقال الشافعي ليس نكاح غير الأكفاء حرامًا فيرد به النكاح. وإنما هو تقصير بالمرأة والأولياء. فإذا رضوا صح ويكون حقًا لهم تركوه فلو رضوا إلا واحدًا فله الفسخ.
وفي الاختيارات الذي يقتضيه كلام أحمد أن الرجل إذا تبين له أنه ليس بكفء فرق بينهما وأنه ليس للولي أن يزوج المرأة من غير كفء ولا للزوج أن يتزوج ولا للمرأة أن تفعل ذلك وأن الكفاءة ليست بمنزلة الأمور المالية. ولكنه أمر ينبغي
стр. 1590
لهم اعتباره. وإن كانت منفعته تتعلق بغيرها. وفقد النسب والدين لا يقر معهما النكاح بغير خلاف عن أحمد. وحيث يثبت الخيار بفقد الكفاءة للمرأة أو وليها يسقط خيارها بما يدل على رضاها. من قول أو فعل. وأما الأولياء فلا يسقط إلا بالقول ويفتقر الفسخ إلى حاكم. ولهم الفسخ ولو مع ما يدل على رضاها به إذا لم يرضوا به وأما كفاءة المرأة فليست شرطًا اتفقاً. فقد تزوج ﷺ صفية بنت حيي. وتسرى بالإماء.
باب المحرمات في النكاح
وعبر بعضهم بموانع النكاح والمحرمات في النكاح ضربان: من يحرمن إلى الأبد أو إلى أمد ومن يحرمن إلى الأبد أقسام: وفي كتاب الله بالنسب سبع وسبع بالسبب. وقال الشيخ موانع النكاح الرحم والصهر والرضاع. وجمع الرحم المحرم وجمع العدد. والكفر والرق والنكاح والعدة والإحرام والطلاق الثلاث. واللعان في أشهر الروايتين والزنا وتزويجها في العدة في رواية. والخنوثة والملك من الجانبين أو ملك الولد والمكاتب وفضل المرأة على الرجل إذا قلنا الكفاءة شرط.
(قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم جمع أم. ويدخل فيها الجدات وإن علون من قبل الأم ومن قبل الأب قال ابن رشد اتفقوا على أن الأم ههنا
стр. 1591
اسم لكل أنثى لها عليك ولادة من جهة الأم أو من جهة الأب اهـ فسواء أمك التي ولدتك أو التي ولدت من ولدتك. وإن علت ومنه جداتك أم أبيك وأم أمك. وجدتا أبيك وجدتا أمك وجدات أجدادك جدات جداتك وإن علون. وارثات أو غير وارثات لقوله ﷺ في هاجر أم إسماعيل "تلك أمكم يا بني ماء السماء".
﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ جمع بنت ويدخل فيها بنات الأولاد وإن سفلن قال ابن رشد اتفقوا على أن البنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة من قبل الإبن أو من قبل البنت أو مباشرة اهـ. وتحرم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم الآية. وهو مذهب جمهور أهل العلم أبي حنيفة ومالك وأحمد. وقال غير واحد تحرم ابنته وابنة ابنه وأخته وابنة أخيه من الزنا في قول عامة الفقهاء. ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمع أخت سواء كانت من قبل الأب والأم أو من قبل أحدهما. قال ابن رشد وغيره اتفقوا على أن الأخت اسم لكل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو مجموعهما أعني الأب أو الأم أو كليهما.
﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمع عمة ويدخل فيهن جميع أخوات آبائك وأجدادك وإن علوا واتفقوا على أن العمة اسم لكل أنثى هي أخت لأبيك أو لكل ذكر له عليك ولادة. ﴿وَخَالاَتُكُمْ﴾ جمع خالة ويدخل فيهما جميع أخوات أمهاتك وجداتك. واتفقوا على أن الخالة اسم لكل أخت لأمك أو أخت كل أنثى لها عليك
стр. 1592
ولادة ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ ويدخل فيها بنات أولاد الأخ والأخت وإن سفلن. وحكى ابن رشد وغيره الاتفاق على أن بنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها أو من قبل أبيها أو مباشرة وبنات الأخت اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة أومن قبل أمها أو من قبل أبيها.
﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أي كما تحرم عليك أمك التي ولدتك كذلك تحرم عليك أمك التي أرضعتك فتحرم الأمهات وجداتهن وإن علت ﴿وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أي وكما تحرم عليك أختك من النسب تحرم عليك أختك من الرضاعة. فكل امرأة أرضعتك أمها أو أرضعتها أمك أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة. أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد فهي أختك محرمة عليك. ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ أي وحرمت عليكم أمهات نسائكم. فكل من عقد النكاح على امرأة حرم عليه أمهاتها وجداتها وإن علون من النسب والرضاعة بنفس العقد دخل بها أو لم يدخل بها. وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.
وقال الوزير اتفقوا على أن نفس العقد على المرأة يحرم أمها على العاقد على التأبيد وأنه لا يعتبر الوطء في ذلك وقال ابن رشد ذهب الجمهور من كافة فقهاء الأمصار إلى أن الأم تحرم بالعقد على البنت دخل بها أو لم يدخل. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ﴾ الربائب جمع ربيبة وهي بنت المرأة.
стр. 1593
سميت ربيبة لتربيته إياها غالبًا وكذا بنات أولادها الذكور والإناث وإن نزلن. وقوله: ﴿فِي حُجُورِكُم﴾ أي في تربيتكم يقال فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته. والجمهور على أن الربيبة حرام. سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن في حجره فليس شرطًا كونها في حجر الزوج فهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
وقال الوزير اتفقوا على أن الرجل إذا دخل بزوجته حرمت عليه بنتها على التأبيد وإن لم تكن الربيبة في حجره وقال ﷺ "لا تعرضوا علي بناتكن ولا أخواتكن" قال الشيخ وتحرم بنت الربيبة لأنها ربيبة وبنت الربيب أيضًا وقال لا أعلم فيه خلافًا. ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ أي نكحتموهن فإن المراد بالدخول هنا الوطء وإنما كني عنه بالدخول قال ابن جرير وفي إجماع الجميع أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها. وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ أي وطأتموهن كما هو قول الجمهور ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن أو متن. قال ابن المنذر أجمع عوام علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج امرأة ثم طلقها وماتت قبل أن يدخل بها حل له أن يتزوج ابنتها فإن خلا بها ولم يطأها لم تحرم ابنتها عليه. وقال القاضي إن تجردت الخلوة عن نظر أو مباشرة لم تحرم وإن
стр. 1594
وجد معها نظرة وقبلة وملامسة دون الفرج فروايتان وقال الشيخ إن اتصلت بعقد النكاح قامت مقام الوطء.
﴿وَحَلاَئِلُ﴾ أي زوجات ﴿أَبْنَائِكُمُ﴾ واحدتها حليلة والذكر حليل. سميا بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه. أو لأنها تحل إزار زوجها. وقيل غير ذلك. ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ أي الذين ولدتموهم من أصلابكم فأخرج زوجة المتبني فإن النبي ﷺ تزوج امرأة زيد وكان قد تبناه. قال الشيخ لا تحرم عليه زوجة ربيبه لا أعلم فيه نزاعًا وتحرم بنت ابن زوجته لا أعلم فيه نزاعًا. فيحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا بنفس العقد. من نسب أو رضاع وارثات أو غير وارثات باتفاق أهل العلم.
ويباح للمرأة ابن زوجة ابنها وابن زوج ابنتها وابن زوج أمها وزوج أبيها وزوج زوجة ابنها ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ أي وحرم الله عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج. وكذا في ملك اليمين وأجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة وسائر السلف. على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح. وكذلك الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء بل أجمع المسلمون على أن معنى (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء. وكذلك عند الجمهور الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. قال ابن كثير وهم الحجة.
стр. 1595
وقال الشيخ يحرم الجمع بين الأختين بالوطء بملك اليمين كقول جمهور العلماء. ومن قال كرهه أحمد فغلط. مأخذه الغفلة عن دلالة الألفاظ. ومراتب الكلام ﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي إلا ما قد مضى منكم في الجاهلية فقد عفونا عنه وغفرناه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ وكذلك لا يجوز له الجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها كما سيأتي ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات وهن المزوجات فلا يحل للغير نكاحها قبل مفارقة الأزواج وفراغ العدة وهذه السابعة من اللاتي حرمن بالسبب.
﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن. لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها وثبت عن أبي سعيد أنها نزلت في سبايا أوطاس لهن أزواج فكرهوا أن يقعوا عليهن فنزلت هذه الآية. وقيل المراد بالمحصنات من النساء ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم فالزموا كتابه ولا تخرجوا عن حدوده. والزموا شرعه وما فرضه.
﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ أي ما عدا ما ذكر من المحارم هن حلال لكم ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم﴾ أي تطلبوا وتحصلوا بأموالكم فتنكحوا بصداق إلى أربع. أو تشتروا بثمن ما شئتم بالطريق الشرعي ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ أي متزوجين أو متعففين.
стр. 1596
وقال الشيخ المحصن هو الذي أحصن المرأة من غيره أي منعها من غيره فلا يشركه فيها غير ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي غير زانين مأخذو من سفح الماء وصبه وهو المني.
ثم قال تعالى وَمَن ﴿لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فلا ينكح حر مسلم أمة مسلمة إلا بشرطين أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة والخدمة. ويعجز عن طول حرة وقيل وثمن أمة قال الموفق فتحل له الأمة المسلمة بهذين الشرطين خوف العنت وعدم الطول عند عامة العلماء وإن اشترط حرية الولد فقال ابن القيم وغيره يكون حرًا ولا ينكح عبد سيدته ولا سيد أمته وللحر نكاح أمة أبيه بشرط دون أمة ابنه. لأن له التملك من ماله وليس للحرة نكاح عبد ولدها.
(وقال: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ حرم تعالى نكاح زوجات الآباء على الأبناء تكرمة للآباء وإعظامًا واحترامًا أن يطأها ابنه من بعده حتى إنها لتحرم على الإبن بمجرد العقد عليها بإجماع المسلمين. وكذا زوجة كل جد وإن علا. قال ابن رشد وغيره إجماعًا. وذلك أن أهل الجاهلية كان منهم من ينكح زوجة أبيه فروي أن هذه الآية نزلت في أبي قيس وفي الأسود بن خلف وفي فاختة. وقال السهيلي كان معمولًا به
стр. 1597
في الجاهلية ولهذا قال تعالى ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي معنى في الجاهلية.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ وهي أقبح المعاصي ﴿وَمَقْتًا﴾ أي يورث مقت الله والمقت أشد البغض ﴿وَسَاء سَبِيلا﴾ أي وبئس ذلك طريقًا لمن سلكه. فهو حرام بإجماع المسلمين. بشع غاية البشع. فمن تعاطاه بعد هذا الوعيد الشديد والتهديد الأكيد فقد ارتد عن دينه فيقتل كما سيأتي ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع بل حبه ﷺ مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ أي لا يتزوجها أو لا يطؤها (إلا زان) أي عاص بزنا (أو مشرك) لا يعتقد تحريمه ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أي نكاح الزانية ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِين﴾ أي حرم تعالى تعاطيه والتزويج بالبغايا. وهذه الآية كقوله تعالى ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ وقوله (والمحصنات من النساء) أي العفيفات فمفهومها أو غير العفيفة لا تباح والآية وإن كان لفظها الخبر فالمراد النهي.
قال ابن القيم وأما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور وأخبر أن من نكحها فهو زان أو مشرك. فهو إما أن يلتزم حكمه تعالى ويعتقد وجوبه عليه فإن لم يعتقده فهو
стр. 1598
مشرك. وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان ثم صرح تعالى بتحريمه فقال: "وحرم ذلك على المؤمنين"
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي الطلقة الثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ﴾ أي تحرم عليه ﴿مِن بَعْدُ﴾ أي من بعد الطلقة الثالثة ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي غير المطلق فيجامعها. والنكاح تقدم أنه يتناول الوطء والعقد جميعًا. والمراد هنا الوطء لما يأتي من قوله ﷺ "حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" قال الشيخ لو قتل رجل آخر ليتزوج امرأته فإنها لا تحل للقاتل أبدًا عقوبة له، ولو خبب رجل امرأة على زوجها يعاقب عقوبة بليغة ونكاحه باطل في أحد قولي العلماء ويجب التفريق بينهما.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ أي حرم تعالى على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ثم أخبر أن أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ومالها وقال الوزير اتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم نكاح المجوسيات ولا الوثنيات ولا غيرهما من أنواع المشركات اللاتي لا كتاب لهن. وسواء في ذلك حرائرهن وإماؤهن. وحكاه ابن رشد اتفاق المسلمين. وعموم الآية غير مراد فلا يدخل فيها الكتابية لما يأتي.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ أي لا
стр. 1599
تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات (حتى يؤمنوا) وقال تعالى ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ولا نزاع في ذلك ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى الأعمال الموجبة للنار. فمعاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا وإيثارها على الدار الآخرة. وعاقبة ذلك النار. ﴿وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون﴾ يتعظون.
(وقال في الكتابية) أي في إباحة نكاح الحرة الكتابية واستثنائها من المشركات
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ أي العفائف ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ممن دان بالتوراة أو الإنجيل خاصة كاليهود والسامرة والنصارى ومن وافقهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم. وقال الموفق ليس بين أهل العلم اختلاف في حل نساء أهل الكتاب وقال ابن المنذر لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك. اهـ. وأما المتمسك بصحف إبراهيم وشيث وزبور داود فليسوا بأهل كتاب. فلا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم كالمجوس. وأهل الأوثان. وكذا الدروز والنصيرية ونحوهم.
ويحل نكاح نساء بني تغلب ومن في معناهن من نصارى العرب ويهودهم لأنهم كتابيات قال في الفروع والأولى تركه. وكرهه القاضي وشيخنا. وذكر أنه قول أكثر العلماء كأكل
стр. 1600
ذبائحهم بلا حاجة. ولكن لا يحرم وقال القاضي يكره نكاح الحرائر الكتابيات مع وجود الحرائر المسلمات. وهو قول أكثر العلماء كما يكره أن يجعل أهل الكتاب ذباحين مع وجود ذباحين مسلمين. ولكن لا يحرم اهـ.
ولو ولدت بين كتابي وغيره أو كان أبواها غير كتابيين واختارت دين أهل الكتاب قيل لا تباح وقال الشيخ قول أحمد لم يكن لأجل النسب ومنصوصه أنها لا تحرم اعتبارًا بنفسها. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور. واختاره هو والموفق وغيرهما.
(ويأتي قوله ﷺ ) في باب الرضاع (ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) فالمرتضعون من الرجال والنساء باللبن الواحد كالمنتسبين منهم إلى النسب الواحد لا فرق. وفي لفظ "أن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" وقال في ابنة أم سلمة "لو لم تكن ربيبتي ما حلت لي إنها ابنة أخي أرضعتني وإياها شويبة) وقال لعائشة وكانت امرأة أخي أفلح أرضعتها إنه عملك فكل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع كالعمة والخالة والبنت وبنت الأخ وبنت الأخت قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا إلا أم أخته وأم أخيه من رضاع وأخت ابنه.
قال الشيخ لا يثبت به تحريم المصاهرة فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع. ولا على المرأة نكاح
стр. 1601
أبي زوجها وابنته من الرضاع ولم يقل ﷺ ما يحرم من المصاهرة وقال وامرأة ابنه أو أبيه من الرضاع حرمن بالمصاهرة لا بالنسب. ولا نسب بينه وبينهن فلا تحريم اهـ وكل ما يلحق به النسب من نكاح صحيح أو نكاح بشبهة فإنه يحرم بالرضاع فيه النكاح.
(وقال البراء) بن عازب بن الحارث الأوسي ﵁ (لقيت خالي) يعني أبا بردة بن نيار (ومعه الراية) ولأحمد مر بي عمي الحارث بن عمير ومعه لواء قد عقده له رسول الله ﷺ فقلت له أي عم أين بعثك النبي ﷺ (قال أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه رواه النسائي) ورواه أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء عن خاله أبي بردة. وفي رواية ابن عمر وفي رواية ابن عمه أنه بعثه ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله وأجمع أهل العلم على تحريم من وطأ الأب على الابن وإن سفل بتزويج أو ملك أو شبهة.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المراة على عمتها أو) تنكح المرأة على (خالتها متفق عليه) وفي لفظ "نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها" ولابن حبان نهى أن تزوج المرأة على العمة والخالة وقال "إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن" ولأبي داود في المراسيل "مخافة القطيعة" ولأحمد وأبي داود وغيرهما كره أن يجمع بين العمة
стр. 1602
والخالة وبين الخالتين والعمتين وقال ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين".
وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على تحريم الجمع بين من ذكر وحكاه الترمذي بعد حديث الباب عن عامة أهل العلم. والشافعي عن جميع المفتين. وقال ابن المنذر لا أعلم في ذلك خلافًا وحكى القرطبي الإجماع واستثنى الخوارج. وقال ولا يعتد بخلافهم. وقال ابن رشد اتفق المسلمون على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد نكاح. وإن جمع بينهما في عقد بطل وفي عقدين بطل الثاني. وتقدم أن العلة قطيعة الرحم وهي من الكبائر بالاتفاق. وما كان مفضيًا إليها يكون محرمًا.
ويدخل في العمات عمات آبائها وخالاتهم وعمات أمهاتها وخالاتهن وإن علت درجتهن. حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة قبل الدخول أو بعده للعموم وحكاه ابن المنذر إجماعًا وخالفه الشيخ في الرضاع. وقال الوزير اتفقوا على أن العمة تنزل في التحرير منزلة الخالة إذا كانت الأولى أخت الأم لأمها أو امرأتين لو كانت إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرم نكاحه لها لقرابة. وحكاه الشعبي عن أصحاب رسول الله ﷺ رواه أحمد.
ويحرم الجمع بين المرأة وأمها في العقد لأن المرأة وأمها أولى من الأختين. وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يتزوج بكل
стр. 1603
واحدة ممن يحرم عليه الجمع بينها وبين المعتدة منه إذا كن معتدات من طلاق رجعي أو بائن. ولا يحرم الجمع بين ابنة العم وابنة الخال في قول عامة أهل العلم ولا الجمع بين أخت شخص من أبيه وأخته من أمه. ولا بين مبانة شخص وبنته من غيرها ولو في عقد لأنه لا قرابة بينهما ومتى طلقت المرأة وفرغت عدتها أبيحت أختها أو عمتها أو خالتها ونحوهن لعدم المانع وسائر القرابات الإلزام بتحريمه يرده الإجماع على خلاف.
(وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (لا توطأ حامل) أي من غيره (حتى تضع رواه أبو داود) وتقدم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ فتحرم المعتدة من الغير وكذا المستبرأة لأنه لا يؤمن أن تكون حاملًا فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب وأجمعوا على أنه لا يصح العقد في مدة العدة وحكاه ابن رشد وغيره سواء كانت عدة حمل أو عدة حيض أو عدة أشهر. وسواء كانت من وطء مباح أو محرم أو من غير وطء.
(وله) أي لأبي داود في سننه (عن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله) أي لا يحل لرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنا وكذلك لا يحل للمرأة أن تتزوج بمن ظهر منه الزنا وقوله "المجلود" خرج مخرج الغالب.
стр. 1604
فلا مفهوم له. وتقدم قوله ﴿حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين﴾ ولا نزاع في ذلك وقال بعضهم حتى تتوب وتنقضي عدتها وقيل توبتها أن تراود فتمتنع. والصواب توبتها بالندم والاستغفار والعزم على أن لا تعود. فإذا تابت وانقضت عدتها حل نكاحها لزان تائب وغيره. وعن أحمد لا تشترط التوبة وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم.
وأما انقضاء العدة فهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما ولقوله "لا توطأ حامل حتى تضع وغير ذلك وإن زنت قبل الدخول أو بعده لم ينفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم وحكاه الوزير اتفاقًا وقال الشيخ إذا كانت المرأة تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال بل يفارقها إلا إذا كان ديوثًا ولا يطؤها وفي بطنها جنين لغيره. قال ابن عبد البر هذا مجمع على تحريمه.
(ويأتي خبر الذي طلق امرأته ثلاثًا) في باب الطلاق وإن شاء الله تعالى قالت عائشة ﵂ طلق رجل امرأته ثلاث (فتزوجها آخر ثم طلقها قبل أن يدخل بها فأراد الأول أن يتزوجها) فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك (فقال رسول الله ﷺ لا) أي لا تحل لك (حتى يذوق الآخر عسيلتها) وتذوق عسيلته أي حلاوة الجماع التي تحصل بتغيب الحشفة وفي لفظ حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول".
قال جمهور العلماء والعسيلة كناية عن المجامعة، وهو
стр. 1605
تغييب الحشفة في فرج المرأة ويكفي منه ما يوجب الغسل كما تقدم. ويجب الحد والصداق فدل الحديث كما دلت الآية على تحريم نكاح مطلقته ثلاثًا حتى يطأها زوج غيره بلا نزاع ولو كافرًا في كتابية وتحرم الملاعنة على الملاعن على التأبيد. قال سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا مقال الموفق لا نعلم أحدًا قال بخلاف ذلك.
(وعن قيس بن الحارث) الأسدي وقيل الحارث بن قيس الأسدي ﵁ (قال أسلمت وعندي ثمان نسوة فقال رسول الله ﷺ اختر منهن أربعًا رواه أبو داود) وعن سالم عن أبيه أو غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يتخير منهن أربعًا رواه أحمد والشافعي والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم قال أحمد والعمل عليه وروى الشافعي والبيهقي عن نوفل بن معاوية أنه قال أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي – ﷺ "فارق واحدة وامسك أربعًا " وإن كان فيها مقال فبمجموعها يحتج بها. كما هو مفهوم الآية.
وحكي الإجماع على تحريم الزياد على أربع، وأن الزيادة من خصائصه ﷺ وقال عمر ينكح العبد امرأتين وقال الحكم بن عتبة أجمع الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنتين
وقال ابن القيم وقصر عدد المنكوحات على أربع وإباحة ملك اليمن بغير حصر من تمام نعمة الله وكمال شريعته. وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة. فإن النكاح يراد للوطء
стр. 1606
وقضاء الوطر ثم من الناس من يغلب عليه سلطان الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة فاطلق له ثانية وثالثة ورابعة.
ورحم الضرة بأن جعل عامة انقطاع زوجها عنها ثلاثاً ثم يعود. وأما الإماء فلما كن بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصره على أربع منهن أو غيرهن من العدد معنى. وأيضاً للزوجة حق على الزوج اقتضاه عقد النكاح. ويجب القيام به. فقصره على عدد يكون العدل فيه أقرب وجعل العبيد على النصف من الأحرار في الجملة.
(وتقدم) في كتاب الحج قوله ﷺ (لا ينكح المحرم) بفتح الياء أي لا يعقد المحرم بحج أو عمرة لنفسه (ولا ينكح) بضم الياء أي لا يتولى العقد لغيره. وفيه "ولا يخطب" أي لا يطلب امرأة للنكاح. فدل الحديث على أنه يحرم على المحرم أن يعقد النكاح في حال إحرامه. وهو مذهب جماهير العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وحكى إجماعاً. فإن فعل فالنكاح باطل. وهو قول عمر وعلي وابن عمر وزيد وغيرهم. ولأن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه فمنع صحة عقده حسمًا لمواد النكاح عن المحرم. وصلى الله عليه محمد وآله وصحبه وسلم.
آخر المجلد الثالث من شرح أصول الأحكام، ويليه
المجلد الرابع، وأوله: باب الشروط في النكاح.
стр. 1607
جمع الفقير إلى الله تعالى
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الحنبلي النجدي
رحمه الله تعالى
(١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ)
المجلد الرابع
стр. 1608
باب الشروط في النكاح
تقدم تعريف الشروط. والمراد هنا ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض. والمعتبر منها ما كان في صلب العقد أو اتّفاقًا عليه قبله. والشروط في النكاح منها ما هو صحيح يجب الوفاء به بالاتفاق. وهو ما يقتضيه العقد. كتسليم الزوجة. والاستمتاع بها. وغير ذلك مما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ومنها ما تنتفع به المرأة ولا ينافي مقتضى العقد كأن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى ونحو ذلك. ومنها ما هو فاسد لا يصح على ما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
(وعن عقبة) ابن عامر ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إن أحقَّ الشروط أن يوفى بها) وفي لفظ «أحق ما أوفيتم به من الشروط» وفي لفظ «إن أحق الشروط أن توفوا به» (ما استحللتم به الفروج متفق عليه) أي أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح، فهي أولى من الشروط في البيوع وغيرها. لأن أمره أحوط. وبابه أضيق والمراد الجائزة لا المنهي عنها. فقد قال علي ﵁ سبق شرط الله شرطها.
стр. 1609
(وقال) يعني رسول الله ﷺ (المسلمون على شروطهم) وتقدم وفيه «إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً» فيدخل فيه شرط ما يقتضيه العقد وما تنتفع به المرأة ولا ينافي الشرع، وبطلان ما أحل حرامًا أو حرم حلالاً كشرط طلاق أختها.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا نهي) أي أنه ﷺ نهى (أن تشترط المرأة طلاق أختها متفق عليه) وسواء كانت أختها من النسب أو الرضاع أو الدين، وقال ابن عبد البر الأخت هنا الضرة، وفي لفظ لهما «ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في صحفتها» وفي لفظ «إنائها فإنما رزقها على الله تعالى» ولأحمد من حديث عبد الله بن عمر «لا يحل أن تنكح امرأة بطلاق أخرى».
والنهي يقتضي بطلان الشرط. وهو مذهب جماهير العلماء، ولأنها شرطت عليه فسخ عقده وإبطال حقه وحق امرأته فلم يصح الشرط، وهذا التحريم فيما إذا لم يكن هناك سبب يجوز ذلك لريبة، أو على سبيل النصيحة المحضة أو لضرر أو غير ذلك من المقاصد المسوغة لطلبها ذلك.
(وقال عمر) ﵁ (فيمن شرطت دارها أي على من تزوجها ثم أراد نقلها) فقضى عليه بلزوم الشرط، قال المشروط عليه إذ يطلقنا فقال عمر (لها شرطها) أي بقاؤها في دارها عملاً بالشرط. ثم قال ﵁ (مقاطع الحقوق عند الشروط) وتقدم أمره ﷺ بالوفاء بالشروط، وإن أحق الشروط بالوفاء ما استحلت به الفروج. فدلت الأحاديث
стр. 1610
والأثر على الوفاء بالشروط. فإذا شرطت دارها أو بلدها صح الشرط، وكذا لو شرطت أن لا يتزوج عليها أو أن لا يتسرى عليها فيصح الشرط، فإن وفى به وإلا فلها الفسخ، كما هو ظاهر النصوص. وقول عمر. وقال الموفق وغيره هو قول غيره من الصحابة ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم.
وقال ابن القيم يجب الوفاء بهذه الشروط التي هي أحق أن يوفى بها، وهو مقتضى الشرع والعقل، والقياس الصحيح، فإن المرأة لم ترض ببذل بضعها للزوج إلا على هذا الشرط، ولو لم يجب الوفاء به لم يكن العقد عن تراض وكان لزامًا لها بما لم تلتزمه، وبما لم يلزمها الله به ولا رسوله، وكذا لو شرطت أن لا يسافر بها. وقال الشيخ لو خدعها فسافر بها ثم كرهته لم يكن له أن يكرهها بعد ذلك، وقال إذا أراد أن يتزوج عليها أو يتسرى وقد شرط لها عدم ذلك فقد يفهم من إطلاق أصحابنا جوازه بدون إذنها. لكونهم إنما ذكروا أن لها الفسخ، ولم يتعرضوا للمنع، قال وما أظنهم قصدوا ذلك. وظاهر الأثر والقياس يقتضي منعه كسائر الشروط الصحيحة اهـ.
ولو شرطت أن لا يفرق بينها وبين أولادها، وأبويها. أو أن ترضع ولدها الصغير صح الشرط، أو شرطت نقدًا معينا أو زيادة في مهرها، أو نفقة ولدها وكسوته صح، قال الشيخ لو شرطت مقام ولدها عندها ونفقته على الزوج كان مثل اشتراط الزيادة في الصداق، ويرجع إلى العرف كالأجير بطعامه وكسوته وقال إذا شرطت عليه أن لا يخرجها من دارها، ونحوه صح في
стр. 1611
مذهب أحمد ومالك ووجه في مذهب الشافعي وكذا إن كان متقدمًا على العقد ولو لم يذكره حين العقد. وقال عامة نصوص أحمد وقدماء أصحابه ومحققي المتأخرين على أن الشروط والمواطأة التي تجري بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حين العقد. فإن العقد يقع مقيدًا بها.
وقال ابن القيم في قصة ابنة أبي جهل يؤخذ منها أن المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، وأنه يملك به فسخ العقد، فقوم لا يخرجون نساءهم من ديارهم عرفًا وعادة، أو امرأة من بيت قد جرت عادتهم أن الرجل لا يتزوج على نسائهم، أو يمنعون الأزواج منه. أو يعلم عادة أن المرأة لا تمكن من إدخال الضرة عليها كان ذلك كالمشروط لفظًا، وهذا عرف مطرد إلى آخر كلامه ﵀، وإن شرط أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات أحدهما بطل الشروط واستظهره الشيخ وغيره، وقال يحتمل أن لا يخرجها منزل أمها، إلا أن تتزوج الأم، وقال فيمن شرط لامرأته أن يسكنها بمنزل أبيه فسكنت ثم طلبت النقلة عنه وهو عاجز لا يلزمه ما عجز عنه. بل لو كان قادرًا فليس لها عند مالك واحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما غير ما شرط لها.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ نهى عن الشغار) بكسر الشين سمي شغارًا لخلوه عن العوض، من قولهم شغر المكان إذا خلا، أو من شغر الكلب إذا رفع رجله يبول، ولمسلم عنه «لا شغار في الإسلام» وللترمذي عن
стр. 1612
عمران بن حصين نحوه وصححه (والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق متفق عليه" وفي لفظ لهما أن التفسير من كلام نافع، ولأحمد من حديث أبي هريرة "نهى عن الشغار، والشغار أن يقول الرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي. أو زوجني أختك وأزوجك أختي.
وللبيهقي عن جابر: "أن تنكح هذه بهذه بغير صداق بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه" قال القرطبي تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضًا. لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، وقال شيخ الإسلام: حقيقته أنه مبادلة بضع ببضع، كما قال أحمد فرج بفرج. واتفق أهل العلم أن هذه صفته، وقال ابن رشد اتفقوا على أن نكاح الشغار غير جائز لثبوت النهي، والنفي، وهو دال على أن الشغار حرام باطل، ولا نزاع في تحريمه، ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلمًا في الآخر، فصار فساده أنه وقفه على شرط فاسد.
قال الشيخ ولم يقابل كل منهما إلا بمنفعة البضع الآخر، فالنفع للولي، وهو البضع خاصة فهذا إشغار للنكاح من المهر، وإخراج للمرأة عن استحقاق المهر، وهذا هو النكاح الذي نفي فيه المهر، فعلم أن النكاح بشرط نفي المهر باطل، قال وحقيقة الأمر أن كل واحدة قد رضيت ببذل بضعها بلا مهر، لأجل ما تبذله لوليها من بضع الأخرى فكأنها رضيت بمهر يستحقه
стр. 1613
الولي، ولا تستحقه هي. ولو جاز هذا لجاز أن المرأة تملك بضع المرأة لتزوجها لرجل، إما بعوض وإما بغير عوض اهـ.
والتحريم غير مختص بالبنات فقد أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات. كما حكاه النووي وغيره، ولو جعل بضع كل واحدة مع دراهم معلومة مهرًا للأخرى لم يصح. أو سمى مهرًا قليلاً كان أو كثيرًا حيلة لم يصح. وذلك بأن يكون العوض المقصود هو الفرج الآخر، حيث أنه لا يزوج به هذا الرجل قط لولا ابنته معه، ففرج هذه هو المقصود لا المهر، ولأحمد أن العباس بن عبد الله أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان بالتفريق بينهما، وقال في كتابه هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ .
وذكر الشيخ الأخبار، وأقوال الناس. ثم قال وفصل الخطاب أ، الله حرم نكاح الشغار، لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفوء، ونظره لها نظر مصلحة لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، قال، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوجها بالزوج الناقص لغرض له، وإذا زوجها برجل ليزوجه وليته كان قد زوجها لغرضه لا لمصلحتها. وبمثل هذا تسقط ولايته، ومتى كان غرضه أن يعاوض فرجها بفرج الأخرى لم ينظر في مصلحتها وصار كمن زوجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز.
стр. 1614
وعلى هذا فلو سمي صداقًا حيلة والمقصود المشاغرة لم يجز كما نص عليه أحمد، لأن مقصوده أن يزوجها بتزوجه بالأخرى، والشرع قد بين أنه إذا زوج وليت هو على أن يزوجه الآخر وليته لا يقع هذا إلا لغرض الولي لا لمصلحة المرأة سواء سمي مع ذلك صداقًا أو لم يسمه كما قال معاوية وغيره، وأحمد ﵀ جوزه مع تسمية الصداق المقصود دون الحيلة. .
مراعاة لمصلحة المرأة في الصداق، وقد يصدق صداق المثل، لكن الولي إنما رغب في الخاطب لغرضه إلا لمصلحتها، وقد يكون هناك خاطب أصلح منه، قال والظاهر أن هذا وإن لم يسم شغارًا فهو في معناه من جهة أن الولي زوجها لغرض يصلح له من الزوج، كما يحصل له إذا زوجه موليته.
وذكر أن لها حقين حقًا في مال الزوج وهو الصداق فإذا أسقط هذا بالشغار كان حرامًا باطلاً وحقًا في بدن الزوج، وهو كفاءته، فلو زوجها الولي بغير كفء لغرض له لم يجز ذلك، وإن أذنت له لجهلها بحقيقة الأمر فوجود هذا الإذن كعدمه.
وقال أيضًا أما إذا سمي لها صداق مثلها فهذا يجوز في الجملة لكن يبقى تخصيصها بهذا الخاطب دون غيره، أما إن كان لغرضه لم يكن له ذلك، وأما إذا كان الخاطب أصلح لها، ولم يبذل للولي شيئًا، بل كل من الزوجين راغب في المرأة المخطوبة، وكل من المرأتين راغبة في خاطبها، فهذا جائز مع الصداق الشرعي.
стр. 1615
(وعن ابن مسعود) ﵁ أنه قال: (لعن رسول الله ﷺ المحلل) سمي محللاً لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل (والمحلل له) أي ولعن المحلل له (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وابن القطان وابن دقيق وغيرهم.
وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعثمان وابن عمر، هو قول الفقهاء من التابعين، ولابن ماجه والحاكم من حديث عقبة: "ألا أخبركم بالتيس المستعار" قالوا بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له" وعن علي نحوه.
وهذه الأحاديث دالة على تحريم التحليل، لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل محرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، فإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها بطل النكاح في قول عامة أهل العلم.
سواء قال زوجتكها إلى أن تطأها، أو أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، وكذا إن نوى التحليل بلا شرط، وحكي عن طائفة من الصحابة، ولا مخالف لهم، ولأنه قصد التحليل فلم يصح النكاح كما لو شرطه، قال الشيخ لا يصح نكاح المحلل ونية ذلك كشرطه، وكذا إن اتفقا عليه قبل العقد ولم يرجع عن نيته بطل النكاح ولو لم يذكر في العقد لم يصح العقد.
وقال أجمعوا على تحريم نكاح المحلل، واتفق أئمة الفتوى على أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلاً والصحابة والتابعون وأئمة الفتوى لا فرق عندهم بين الشرط المتقدم
следующие страницы →