Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
مذهب أحمد ومالك ووجه في مذهب الشافعي وكذا إن كان متقدمًا على العقد ولو لم يذكره حين العقد. وقال عامة نصوص أحمد وقدماء أصحابه ومحققي المتأخرين على أن الشروط والمواطأة التي تجري بين المتعاقدين قبل العقد إذا لم يفسخاها حين العقد. فإن العقد يقع مقيدًا بها.
وقال ابن القيم في قصة ابنة أبي جهل يؤخذ منها أن المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، وأنه يملك به فسخ العقد، فقوم لا يخرجون نساءهم من ديارهم عرفًا وعادة، أو امرأة من بيت قد جرت عادتهم أن الرجل لا يتزوج على نسائهم، أو يمنعون الأزواج منه. أو يعلم عادة أن المرأة لا تمكن من إدخال الضرة عليها كان ذلك كالمشروط لفظًا، وهذا عرف مطرد إلى آخر كلامه ﵀، وإن شرط أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات أحدهما بطل الشروط واستظهره الشيخ وغيره، وقال يحتمل أن لا يخرجها منزل أمها، إلا أن تتزوج الأم، وقال فيمن شرط لامرأته أن يسكنها بمنزل أبيه فسكنت ثم طلبت النقلة عنه وهو عاجز لا يلزمه ما عجز عنه. بل لو كان قادرًا فليس لها عند مالك واحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما غير ما شرط لها.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ نهى عن الشغار) بكسر الشين سمي شغارًا لخلوه عن العوض، من قولهم شغر المكان إذا خلا، أو من شغر الكلب إذا رفع رجله يبول، ولمسلم عنه «لا شغار في الإسلام» وللترمذي عن
стр. 1612
عمران بن حصين نحوه وصححه (والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق متفق عليه" وفي لفظ لهما أن التفسير من كلام نافع، ولأحمد من حديث أبي هريرة "نهى عن الشغار، والشغار أن يقول الرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي. أو زوجني أختك وأزوجك أختي.
وللبيهقي عن جابر: "أن تنكح هذه بهذه بغير صداق بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه" قال القرطبي تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضًا. لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، وقال شيخ الإسلام: حقيقته أنه مبادلة بضع ببضع، كما قال أحمد فرج بفرج. واتفق أهل العلم أن هذه صفته، وقال ابن رشد اتفقوا على أن نكاح الشغار غير جائز لثبوت النهي، والنفي، وهو دال على أن الشغار حرام باطل، ولا نزاع في تحريمه، ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلمًا في الآخر، فصار فساده أنه وقفه على شرط فاسد.
قال الشيخ ولم يقابل كل منهما إلا بمنفعة البضع الآخر، فالنفع للولي، وهو البضع خاصة فهذا إشغار للنكاح من المهر، وإخراج للمرأة عن استحقاق المهر، وهذا هو النكاح الذي نفي فيه المهر، فعلم أن النكاح بشرط نفي المهر باطل، قال وحقيقة الأمر أن كل واحدة قد رضيت ببذل بضعها بلا مهر، لأجل ما تبذله لوليها من بضع الأخرى فكأنها رضيت بمهر يستحقه
стр. 1613
الولي، ولا تستحقه هي. ولو جاز هذا لجاز أن المرأة تملك بضع المرأة لتزوجها لرجل، إما بعوض وإما بغير عوض اهـ.
والتحريم غير مختص بالبنات فقد أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات. كما حكاه النووي وغيره، ولو جعل بضع كل واحدة مع دراهم معلومة مهرًا للأخرى لم يصح. أو سمى مهرًا قليلاً كان أو كثيرًا حيلة لم يصح. وذلك بأن يكون العوض المقصود هو الفرج الآخر، حيث أنه لا يزوج به هذا الرجل قط لولا ابنته معه، ففرج هذه هو المقصود لا المهر، ولأحمد أن العباس بن عبد الله أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان بالتفريق بينهما، وقال في كتابه هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ .
وذكر الشيخ الأخبار، وأقوال الناس. ثم قال وفصل الخطاب أ، الله حرم نكاح الشغار، لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفوء، ونظره لها نظر مصلحة لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، قال، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوجها بالزوج الناقص لغرض له، وإذا زوجها برجل ليزوجه وليته كان قد زوجها لغرضه لا لمصلحتها. وبمثل هذا تسقط ولايته، ومتى كان غرضه أن يعاوض فرجها بفرج الأخرى لم ينظر في مصلحتها وصار كمن زوجها على مال له لا لها، وكلاهما لا يجوز.
стр. 1614
وعلى هذا فلو سمي صداقًا حيلة والمقصود المشاغرة لم يجز كما نص عليه أحمد، لأن مقصوده أن يزوجها بتزوجه بالأخرى، والشرع قد بين أنه إذا زوج وليت هو على أن يزوجه الآخر وليته لا يقع هذا إلا لغرض الولي لا لمصلحة المرأة سواء سمي مع ذلك صداقًا أو لم يسمه كما قال معاوية وغيره، وأحمد ﵀ جوزه مع تسمية الصداق المقصود دون الحيلة. .
مراعاة لمصلحة المرأة في الصداق، وقد يصدق صداق المثل، لكن الولي إنما رغب في الخاطب لغرضه إلا لمصلحتها، وقد يكون هناك خاطب أصلح منه، قال والظاهر أن هذا وإن لم يسم شغارًا فهو في معناه من جهة أن الولي زوجها لغرض يصلح له من الزوج، كما يحصل له إذا زوجه موليته.
وذكر أن لها حقين حقًا في مال الزوج وهو الصداق فإذا أسقط هذا بالشغار كان حرامًا باطلاً وحقًا في بدن الزوج، وهو كفاءته، فلو زوجها الولي بغير كفء لغرض له لم يجز ذلك، وإن أذنت له لجهلها بحقيقة الأمر فوجود هذا الإذن كعدمه.
وقال أيضًا أما إذا سمي لها صداق مثلها فهذا يجوز في الجملة لكن يبقى تخصيصها بهذا الخاطب دون غيره، أما إن كان لغرضه لم يكن له ذلك، وأما إذا كان الخاطب أصلح لها، ولم يبذل للولي شيئًا، بل كل من الزوجين راغب في المرأة المخطوبة، وكل من المرأتين راغبة في خاطبها، فهذا جائز مع الصداق الشرعي.
стр. 1615
(وعن ابن مسعود) ﵁ أنه قال: (لعن رسول الله ﷺ المحلل) سمي محللاً لقصده الحل في موضع لا يحصل فيه الحل (والمحلل له) أي ولعن المحلل له (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وابن القطان وابن دقيق وغيرهم.
وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعثمان وابن عمر، هو قول الفقهاء من التابعين، ولابن ماجه والحاكم من حديث عقبة: "ألا أخبركم بالتيس المستعار" قالوا بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له" وعن علي نحوه.
وهذه الأحاديث دالة على تحريم التحليل، لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل محرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، فإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها بطل النكاح في قول عامة أهل العلم.
سواء قال زوجتكها إلى أن تطأها، أو أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، وكذا إن نوى التحليل بلا شرط، وحكي عن طائفة من الصحابة، ولا مخالف لهم، ولأنه قصد التحليل فلم يصح النكاح كما لو شرطه، قال الشيخ لا يصح نكاح المحلل ونية ذلك كشرطه، وكذا إن اتفقا عليه قبل العقد ولم يرجع عن نيته بطل النكاح ولو لم يذكر في العقد لم يصح العقد.
وقال أجمعوا على تحريم نكاح المحلل، واتفق أئمة الفتوى على أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلاً والصحابة والتابعون وأئمة الفتوى لا فرق عندهم بين الشرط المتقدم
стр. 1616
والعرف وهو قول أهل المدينة وأهل الحديث وقال ولا يحصل به الإحصان، ولا الإباحة للزوج الأول، ويلحق فيه النسب.
ومن عزم على تزويجه بالمطلقة ثلاثا، ووعدها كان أشد تحريمًا من التصريح بخطبته المعتدة إجماعًا، لا سيما إذا اتفق عليها، وأعطاها ما تحلل به اهـ.
وإن لم يكن للزوج نية فقال ابن القيم وغيره إنما تؤثر نيته وشرط الزوج، ولا أثر لنية الزوجة، ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللاً فيستحق اللعنة، ويستحق الزوج المطلق اللعنة، إذا رجعت إليه، بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة، أو وليها من التحليل، لم يضر ذلك العقد شيئًا، وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه، ولم يجعل ذلك مانعًا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: «حتى تذوق عسيلته».
(وعن سبرة) بن معبد الجهني ﵁ (أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة، أيها الناس إني كنت أذنت لكم) وفي رواية أمرنا بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة (في الاستمتاع) بالجماع (من النساء) وهو النكاح الموقت.
بأمد معلوم أو مجهول، سميت بذلك لأنه يتزوجها ليتمتع بها إلى أمد. قال ﷺ «وإن الله قد حرم ذلك» أي نكاح المتعة (إلى يوم القيامة رواه مسلم) وفي رواية فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" وفي رواية أنه غزا
стр. 1617
مع النبي ﷺ عام فتح مكة قال فأقمنا بها خمسة عشر فأذن لنا في متعة النساء" ثم قال: فلم نخرج حتى حرمها رسول الله ﷺ .
ولهما عن ابن مسعود كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا أفلا نختصي " فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل" وللترمذي من حديث سهل "إنما رخص في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة ثم نهى عنها بعد ذلك" والمقصود أنه إنما رخص فيها بسبب العزوبة ثم حرمت.
قال الحافظ ولا يصح من روايات الإذن بالمتعة شيء إلا في غزوة الفتح، وحرمت فيها، والإذن الواقع منه منسوخ بالنهي المؤبد، وقال شيخ الإسلام الروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه تعالى حرم المتعة بعد إحلالها، والصواب أنها بعد أن حرمت لم تحل، وأنها لما حرمت عام فتح مكة لم تحل. بعد ذلك، ولم تحرم عام خيبر.
وذكر ابن القيم أن المسلمين لم يكونوا يستمتعون بالكتابيات، يقوي أن النهي فيها لم يقع عام خيبر، وذكر السهيلي وغيره أنه لا يعرف عن أهل السير ورواة الآثار أنه ﷺ نهى عن نكاح المتعة عام خبير، وذكر ابن عيينة وغيره أن النهي زمن خبير عن لحوم الحمر الأهلية.
وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم
ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض، وقال الحازمي وكان تحريمًا
стр. 1618
مؤبدًا لم يبق اليوم خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا أشياء ذهب إليها بعض الشيعة.
وما روي عن ابن عباس ثبت رجوعه فيها، وكانت تقرأ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ حتى نزلت: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فتركت المتعة، وكان الإحصان وتحريمها كالإحماع بين المسلمين لم يبقى خلاف إلا من بعض الروافض.
وقال الوزير أجمعوا على أن نكاح المتعة باطل لا خلاف بينهم في ذلك، فإذا تزوج الغريب بنية طلاقها، أو قال الولي زوجتك وإذا جاء غد فطلقها أو وقت كذا فطلقها، أو وقته بمدة، بأن قال زوجتكها شهرًا أو سنة لم يصح النكاح، وإن زوجها إلى انقضاء الموسم أو قدوم الحاج، أو يقول الزوج أمتعيني نفسك، أو نوى بقلبه فكالشرط، ولا فرق بينه وبين نية التحليل أيضًا وكذا لو شرط الزوج في النكاح طلاقها ولو مجهولاً فكالمتعة لا يصح.
وإن علق النكاح على شرط مستقبل كاذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها ونحوه، فقال ابن رجب رواية الصحة أقوى، وإن قال زوجتك إن كانت بنتي، أو إن انقضت عدتها، وهما يعلمان ذلك، أو إن شئت فقال قد شئت وقبلت ونحوه صح لأنه تقوية، وإن شرط فيها خيارًا صح النكاح عند الجمهور.
стр. 1619
وإن شرط أن لا مهر ولا نفقة، أو أن يقسم لها أقل من ضرتها صح النكاح، وبطل الشرط عند الجمهور، واختار الشيخ صحته كترك ما تستحقه، وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية فله الفسخ، أو شرطها بكرًا أو جميلة أو نسيبة وبانت بخلافه فله الفسخ، وكذا لو شرط نفي عيب لا ينفسخ به النكاح، لا إن شرط صفة فبانت أعلى منها، وإن ظنها مسلمة أو جميلة ونحو ذلك فقال الشيخ لو قال ظننتها أحسن مما هي أو ما ظننت فيها هذا لم يلتفت إلى قوله.
وكان هو المفرط حيث لم يسأل ولم يرها، ولا أرسل إليها من رآها له، وإذا فرط فله التخلص بالطلاق.
وقال إن شرط وصفًا مقصودًا فبانت بخلافه فإلزامه بما لم يرض به لم يأت به شرع ولا عرف، بل هو مخالف للأصول والعقول، ولا شيء عليه إن فسخ قبل الدخول، وبعده يرجع بالمهر على الغار، وإن شرط أنها حرة فكانت أمة، فإن كان ممن يحل له نكاح الإماء فله الخيار، ولا فرق بينهما وما ولدته قبل العلم حر يفديه بقيمته يوم ولادته بلا خلاف، وإن كان عبدًا فولده حر أيضًأ يفديه إذا عتق عند الجمهور ويرجع على من غره، وكذا إن تزوجت على أنه حر فبان عبدًا فلها الخيار، أو شرطت صفة فبان بخلافها.
(ولهما) أي البخاري ومسلم (عن عائشة أنه) يعني رسول الله ﷺ (خير بريرة على زوجها حين عتقت) وللبخاري من
стр. 1620
حديث ابن عباس أنه كان عبدًا، وروي أنه كان حرًا، وقال الحافظ وغيره رواية كونه عبدًا أثبت وأكثر، ولأبي داود أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمى مغيثًا فخيرها النبي ﷺ وأمرها أن تعتد.
وفي الصحيح ذاك مغيث عبد بني فلان، وللترمذي لبني مغيرة، ولأبي داود عبد لبني أحمد، وفيها: "إن قربك فلا خيار لك" فدل الحديث على ثبوت الخيار للمعتقة بعد عتقها في زوجها إذا كان عبدًا وهو إجماع.
وإن كان حرًا فالجمهور على أنه لا يثبت لها خيار، لأن العلة في ثبوت الخيار إذا كان عبدًا هو عدم المكافأة من العبد للحرة في كثير من الأحكام. وقال ابن القيم عقد عليها السيد بحكم الملك حيث كان مالكًا لرقبتها، ومنافعها، والعتق يقتضي تمليك الرقبة والمنافع للمعتق، وهذا مقصود العتق وحكمته، فإذا ملكت رقبتها ملكت بضعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البضع، فلا تملك عليها إلا باختيارها، فخيرها الشارع بين الأمرين من البقاء تحت الزوج. أو الفسخ منه.
وفي بعض طرق حديثها " ملكت نفسك فاختاري" وهذا إشارة إلى علة التخيير، فيقتضي ثبوت الخيار، وإن كانت تحت حر، وهذا مذهب أصحاب الرأي، واختاره شيخ الإسلام لهذا الخبر، ولأنها ملكت رقبتها وبضعها فلا يملك ذلك عليها إلا باختيارها.
فتقول فسخت نكاحي، واخترت نفسي ولو متراخيًا
стр. 1621
كخيار عيب ما لم يوجد دليل الرضا، كتمكين من وطء أو قبلة ونحوها، ويجوز للزوج الإقدام على الوطء إذا كانت غير عالمة ولو بذل لها عوضًا على أن تختاره جاز، ولو شرط المعتق عليها دوام النكاح تحت حر أو عبد إذا أعتقها ورضيت لزمها، وهو الذي يقتضيه مذهب أحمد.
قاله الشيخ ولا يحتاج فسخها لحاكم، لأنه مجمع عليه، وإن فسخت قبل الدخول فلا مهر لها، لمجيء الفرقة من قبلها، وبعده هو لسيدها لوجوبه بالعقد, وهي ملك له حالة العقد، وإن رضيت المقام معه فليس لها فراقه قال الموفق بلا خلاف نعلمه.
فصل في العيوب
أي في العيوب في النكاح مما يثبت به الخيار منها، وما لا خيار به، وبيان ما يختص بالرجال، وما يختص بالنساء، وما هو مشترك بينهما وثبوته لأحد الزوجين إذا وجد بالآخر عيبًا في الجملة، روي عن عمر وابنه وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب الشافعي، لأنه يمنع الوطء فأثبت الخيار، ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح فجاز ردها بعيب كالصداق، ولأن الرجل أحد الزوجين فيثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة.
(عن عمر) ﵁ أنه قال (في) حكم (العنين) وهو من لا يقدر على الوطء، من عن يعن إذا اعترض لأن ذكره يعن يعني يعترض إذا أراد أن يولجه، فيعجز
стр. 1622
عن الوطء وربما اشتهاه ولا يمكنه، ومتى ثبتت عنته بإقراره أو ببينة على إقراره فكما قال عمر ﵁ (قال يؤجل) أي العنين (سنة) وهو قول عثمان وابن مسعود والمغيرة وغيره، ولا يعلم لهم مخالف، وقال الوزير اتفقوا على أنها إذا وجدت زوجها عنينا أجل سنة، وعليه فتوى علماء الأمصار، لاختيار زوال ما به. لأنه إذا مضت الفصول الأربعة ولم تزل العنة علم أنه جبلة وخلقة ولو كان عبدًا.
فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وعكسه، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراق زال في فصل الاعتدال، والسنة المعتبرة في التأجيل هي الهلالية، ومبتدأ الأجل من المحاكمة، ولا تعتبر عنته إلا بعد بلوغه، وإن وطيء في السنة فليس بعنين، وإلا فلها الفسخ، ولا تزول بوطئه غيرها، وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين، ولو قالت في وقت رضيت به عنينًا سقط خيارها، وإن ادعت عجزه لم تسمع دعواها، ولم تضرب له مدة، وإن علم أن عجزه لعارض من صغر أو مرض مرجو الزوال لم تضرب له مدة أيضًا.
وإن كانت عجزه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه ضربت له المدة، وإن كان مجبوبًا بأن قطع ذكره فلها الفسخ في الحال. وكذا إن قطع بعضه وبقي له ما لا يطأ به، قال القاضي عياض وغيره اتفق كافة العلماء: أن للمرأة حقًا في الجماع فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والمسموح جاهلة بهما، وكذا
стр. 1623
الأشل. قال عمر لرجل متزوج وهو خصي أعلمتها قال لا: قال أعلمها ثم خيرها، وكذا وجاء وهو رضهما لأن ذلك يمنع الوطء.
(وبعث) أي عمر ﵁ (رجلاً على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان عقيمًا فقال أعلمتها أنك عقيم قال لا قال فأعلمها ثم خيرها) رواه سعيد بن منصور في سننه، ونقل ابن منصور عن أحمد، إن كان عقيمًا أعجب إلي أن يبين لها، وقال الشيخ إن بان عقيمًا فقياس قولنا ثبوت الخيار للمرأة، لأن لها حقًا في الولد، ولهذا قلنا لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها.
(وقال الزهري) الإمام المشهور ﵀ (يرد النكاح) فيثبت الخيار لأحد الزوجين (من كل داء) بالآخر (عضال) أي صعب، يعجز الأطباء فلا دواء له، ونقل أبو البقاء ثبوت الخيار بكل عيب يرد به المبيع، وقال أحمد إذا كان به جنون أو وسواس أو تغير في عقل، أو كان يعبث ويؤذي رأيت أن يفرق بينهما، وقال الشيخ ترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع.
وقال ابن القيم فيمن به عيب كقطع يد أو رجل أو عمى أو خرس أو طرش وكل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة يوجب الخيار، وأنه أولى من البيع، وإنما ينصرف الإطلاق إلى السلامة، فهو المشروط
стр. 1624
عرفًا وقال ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتملت عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة.
(وعن كعب) بن عجرة (قال تزوج النبي ﷺ العالية من بني غفار) القبيلة المشهورة (فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها رأى بكشحها وضحا فقال البسي ثيابك وألحقي بأهلك وأمر لها بالصداق رواه الحاكم" ورواه أحمد عن كعب بن يزيد أو زيد بن كعب، وقال امرأة من بني غفار، فلما دخلت عليه ووضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضًا فانحاز عن الفراش.
ثم قال: "خذي عليك ثيابك" ولم يأخذ مما آتاها شيئًا ورواه سعيد وقال عن زيد بن كعب بن عجرة، ورواه أبو نعيم من حديث ابن عمر، ولفظ ابن كثير أنه ﷺ تزوج امرأة من بني غفار فلما دخلت عليه رأى بكشحها وضحا فردها إلى أهلها، وقال: "دلستم علي" فدل الحديث على فسخ النكاح بالعيب، وأكثر الأمة على ثبوته به.
(وقال عمر) ﵁ (أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها) أو خلا بها (فوجدها برصاء) أي أبيض جلدها أو أسود (أو مجنونة) لا إن زال عقلها بمرض فإغماء لا خيار به، فإن زال المرض ودام زوال عقلها فجنون (أو مجذومة) داء معروف تتهافت منه الأطراف ويتناثر منه اللحم فللزوج الخيار في فسخ النكاح عند جمهور العلماء فإن اختار الفسخ فقال عمر:
стр. 1625
رضي الله عنه (فلها الصداق بمسيسه إياها) ولعموم فلها المهر بما استحل من فرجها" (وهو) أي المهر للزوج إن غرم يرجع به (على من غره منها) لأنه غرم لحقه بسببه إلا أنهم اشترطوا علمه بالعيب.
فإن كان جاهلاً فلا غرم عليه، إذ لا غرر منه (رواه سعيد) بن منصور في سننه ومالك وابن أبي شيبة وغيرهم، وقال الحافظ رجاله ثقات، ويشهد لرجوعه به على الغار قوله ﷺ «من غش فليس منا» ولمالك وذلك لزوجها على وليها والغار من علم العيب وكتمه من زوجة عاقلة وولي ووكيل، وأيهم انفرد ضمن، ومن زوجة وولي الضمان على الولي، ومن الزوجة والوكيل الضمان بينهما، ويقبل قول ولي في عدم علمه بالعيب، وكذا قولها إن احتمل. ومثل ذلك لو زوج امرأة فأدخل عليه غيرها.
(وزاد) أي سعيد بن منصور في سننه (عن علي) ﵁ أنه قال: (وبها قرن) بفتح فسكون هو العفلة بفتحتين وهي لحمة زائدة تخرج في قبل بعض النساء فتسد وقيل عظم أو غدة تمنع ولوج الذكر، وقيل العفل ورم في اللحمة شبيه بالإدرة التي للرجال في الخصيتين (فزوجها بالخيار) أي يثبت له الخيار في فسخ نكاحها لما فيه من النفرة المانعة من الوطء. وكذا الرتق بأن يكون فرجها مسدودًا بأصل الخلقة لا يسلكه ذكر، وكذا الفتق وهو انخراق ما بين سبيلها، واستطلاق بول ونجو وقروح
стр. 1626
سيالة في فرج، واستحاضة ونحو ذلك.
قال الشيخ يثبت بالاستحاضة الفسخ في أظهر الوجهين، وترد المرأة بكل عيب ينفر من كمال الاستمتاع اهـ، وكذا باسور وناصور وقرع رأس معه ريح منكرة، وبخر فم وغيره ذلك مما يوجب النفرة، ولو كان بالآخر عيب مثله، أو مغاير له، يثبت بكل واحد منها الفسخ، فأما القرن والعفل والفتق والقطع والعنة والجنون والبرص والجذام فقولاً واحدًا، وهو مذهب مالك والشافعي، وما عداه كالبخر واستطلاق البول والنجو والباسور والناصور والخصاء، وكون أحدهما خنثى فاختار ابن القيم وغيره ثبوت الفسخ به، وبكل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح.
وقال الشيخ قد علم أن عيوب الفرج المانعة من الوطء لا يرضى بها في العادة، بخلاف اللون والطول والقصر والعرج ونحو ذلك مما ترد به الأمة المعيبة، فإن الحرة لا تقلب كالأمة والزوج قد رضي بها رضي مطلقًا، بخلاف البيع، وهو مع هذا لم يشترط فيها صفة فبانت دونها.
والشرط إنما يثبت شرطًا وعرفًا، وما أمكن معه الوطء وكماله فلا ينضبط فيه أغراض الناس، والنساء يرضى بهن في العرف والعادة مع الصفات المختلفة، والمقصود من النكاح المصاهرة والاستمتاع وذلك يختلف باختلاف الصفات، فهذا فرق شرعي معقول في عرف الناس.
стр. 1627
وقال وأما الرجل فأمره ظاهر يراه من شاء، فليس فيه عيب يوجب الرد، والمرأة إذا فرط الزوج في بصرها أولاً فله طريق إلى التخلص منها بالطلاق، فإنه بيده دون المرأة وقال وإن كان الزوج صغيرًا وبه جنون أو جذام أو برص فلها الفسخ في الحال، وكذا الزوجة إذا كانت صغيرة أو مجنونة أو عفلاء أو قرناء، ولكل منهما الفسخ في الحال.
ولا ينتظر وقت إمكان الوطء، لأن الأصل بقاؤه بحاله، ومن ادعى الجهل بالخيار كعامي لا يخالط الفقهاء فاستظهر غير واحد ثبوت الفسخ عملاً بالظاهر، ولا يثبت إلا بفسخ حاكم لأنه مجتهد فيه.
وقال الشيخ ليس هو الفاسخ، وإنما يأذن ويحكم به، فمتى أذن أو حكم باستحقاق عقد أو فسخ لم يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته بلا نزاع والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب يرد به في النكاح، وكذا ولي صغير ومجنون ليس له تزويجهما بمعيبة ترد في النكاح فإن فعل لم يصح، فإن رضيت الكبيرة مجبوبًا أو عنينًا لم تمنع، بل تمنع من مجنون ومجذوم وأبرص، ومتى علمت العيب أو حدث به العيب لم يجبرها وليها على الفسخ.
قال علي ﵁: (فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها) وكذا بعد الدخول أو الخلوة، لأمره ﵊ للعالية بالصداق، وقول عمر بمسيسه إياها، وغير ذلك لوجوبه بالعقد واستقراره بالدخول، وقيل في فسخ الزوج بعيب
стр. 1628
قديم أو بشرط ينسب قدر نقص المثل لأجل ذلك إلى مهر المثل كاملاً فيسقط من المسمى بنسبته فسخ أو أمضى، ورجحه الشيخ، وقال وكذا إن ظهر الزوج معيبًا فلها الرجوع عليه بنقص مهر المثل، وكذا في شرط وهو العدل.
ويرجع به على الغار إن وجد، فإن كان من الزوجة، والولي فعلى الولي، ومن المرأة والوكيل فبينهما، وأيهم انفرد بالغرر ضمن، لانفراده بالسبب الموجب، ومتى زال العيب قبل الفسخ فلا فسخ، ولا ينقص الفسخ عدد الطلاق، سواء كان لعيب أو إعسار بنفقة، أو صداق، وكذا فسخ الحاكم على المولي بشرطه إلا فرقة اللعان فعلى الأبد.
باب نكاح الكفار
من أهل الكتاب وغيرهم وبيان حكمه وما يترتب عليه من صحة وفساد وغير ذلك، ومذهب جمهور العلماء أن حكمه كحكم نكاح المسلمين في الصحة والفساد، ووقوع الطلاق والظهار والإيلاء ووجوب المهر والنفقة والقسم والإحصان وغير ذلك.
(قال تعالى) ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا (اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ)﴾ أي جعل الله امرأة فرعون مثلاً للذين آمنوا واسمها آسية، وكانت آمنت بموسى ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ
стр. 1629
وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *﴾ فسماها امرأة مع كفر فرعون، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة (وقال) في حق الكافرين (وامرأته) أي امرأة أبي لهب واسمها أروى (حمالة الحطب) قيل إنها تلقي الشوك في طريق رسول الله ﷺ وقيل تحمل النميمة وهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان من سادات نساء قريش.
وكانت عونًا لزوجها على كفره، فكانت عونًا عليه في عذابه، تحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد عذابا على ما هو فيه من العذاب، قال تعالى ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ سلسلة في عنقها نعوذ بالله من أليم عقابه. فسماها امرأة مع كفرهما.
والإضافة تقتضي زوجية صحيحة، كما في الآية قبلها، فتتعلق بنكاح الكفار الأحكام المتعلقة بأحكام نكاح المسلمين عند جمهور العلماء، وقال الشيخ وأما صحة أنكحة الكفار وفسادها فالصواب أنها صحيحة من وجه فاسدة من وجه، فإن أريد بالصحة إباحة التصرف فإنما يباح لهم بشرط الإسلام، وإن أريد نفوذه وترتب أحكام الزوجية عليه من حصول الحل به للمطلق ثلاثًأ ووقوع الطلاق فيه وثبوت الإحصان به فصحيح اهـ.
فيقرون على فاسد النكاح بشرطين: إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا، لمفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ولأنه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يعترض
стр. 1630
عليهم في أنكحتهم، وأسلم خلق كثير في زمنه ﷺ ولم يكشف عن كيفيتها، ولأنا صالحناهم على إقرارهم على دينهم، وإذا لم يرتفعوا إلينا لم نتعرض لهم، وإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا لقوله ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وإن أتونا بعده، أو أسلما على نكاح بدون صيغته أو ولي ونحو ذلك لم نتعرض لكيفية صدوره.
بل إن كانت المرأة تباح إذا أقرا عليه، وإلا فرق بينهما، كما قال عمر فرقوا بين كل ذي رحم من المجوس، وإن كان المهر صحيحًا أخذته، وإن كان فاسدًا وقبضته استقر، وإن لم يسم لها مهر فرض لها مهر المثل، جزم به الشيخ وغيره وقال ويتوجه إن كان بعد الدخول فإيجاب مهرها فيه نظر، فإن الذين أسلموا على عهد رسول الله ﷺ كان في بعض أنكحتهم شغار ولم يأمر أحدًا منهم بإعطاء مهر.
(وقال: لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) أي لا المؤمنات حلال للكفار ولا الكفار يحلون للمؤمنات، فدلت الآية: أن المسلمة لا تحل للكافر، ولا نزاع في ذلك (إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾) فحرم تعالى نكاح المشركات بل حرم موالاة المشركين وموادتهم، فكيف بضجيعته، ولأن اختلاف الدين سبب العداوة والبغضاء، ومقصود النكاح الاتفاق والائتلاف وإن أسلما فلهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع.
стр. 1631
وقال ﷺ ولدت من نكاح لا من سفاح) كان جده عبد المطلب زوج أباه عبد الله بآمنة بنت وهب بن عبد مناف سيدة نساء قومها، فدخل عليها حين أملكها، فحملت منه برسول الله ﷺ وقد أسلم خلق كثير في عهده ﷺ وأسلم نساؤهم فأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم على شروط النكاح، ولا كيفيته، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة فكان يقينًا ولا تعتبر له شروط أنكحة المسلمين بلا خلاف.
(وقالت عائشة) ﵂ (كان نكاح الجاهلية) وهو ما كان قبل الإسلام (على أربعة أنحاء) جمع نحو أي ضرب وزنًا ومعنى، ومرادها الأكثر، فقال الداودي بقي أنحاء لم تذكرها، نكاح الخدن، وهو قوله (غير متخذات أخذان) كانوا يقولون ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم، ونكاح المتعة، ونكاح البدل، واستنكرها بعض أهل العلم.
وذكرت ﵂ (منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته) وفيه أو ابنته، والتخيير للتنويع لا للشك (فيصدقها ثم ينكحها) أي يعين صداقها ويسمى مقداره ثم يعقد عليها.
(وذكرتها) أي الثلاثة الأخر، وهي أن الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه أي اطلبي منه الجماع، ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، فإذا تبين حملها أصهابها زوجها إذا
стр. 1632
أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم فيصيبونها، فإذا حملت ووضعت ومر ليال أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها.
فتقول قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، فتسمى من أحبت باسمه فيلحق به، ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.
ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة، لا تمتنع من جاءها، وهن البغايا، ينصبن على أبوابهن الرايات، وتكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت جمعوا لها ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به أي استلحقه ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك (ثم قالت فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم) أي الذي بدأت بذكره وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل موليته فيزوجه (رواه البخاري) وأبو داود وغيرهما، فدل الحديث على إقرار المشركين على ما اعتقدوه نكاحًا، ولو لم يكن بصيغة أنكحة المسلمين، وأن هذا الضرب من أنكحة الجاهلية مقر في الإسلام بشرطه.
(وعن ابن عباس) ﵄ (قال رد النبي ﷺ ابنته زينب) ﵂ (على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين) وكان أقام بمكة على كفره، واستمرت زينب عند
стр. 1633
أبيها بالمدينة. وخرج بتجارة لقريش فلقيه سرية فأخذوا ما معه وهرب واستجار بزوجته فأجارته، ورد عليه ما كان ورجع به إلى أهله، ثم أسلم، وقدم علي رسول الله ﷺ فردها عليه (بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحًا رواه الخمسة وصححه أحمد) وقال في رواية أنه ردها بمهر جديد ونكاح جديد هذا حديث ضعيف.
والحديث الصحيح الذي جاء فيه أنه أقرهما على النكاح الأول، وقال الدارقطني الصواب حديث ابن عباس، أنه ردها بالنكاح الأول، وكذا صححه البيهقي، وحكاه عن حفاظ الحديث، وقال الخطابي هو أصح من حديث عمرو بن شعيب، وكذا قال البخاري، وقال ابن كثير هو حديث جيد قوي، وقال ابن عباس فلم يحدث شهادة ولا صداقًا ويشهد له ما رواه البخاري عن ابن عباس: إن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، فإنه يقتضي أنه إن هاجر بعد انقضاء العدة أنها تعود إليه ما لم تنكح زوجًأ غيره، كما هو الظاهر من قصة زينب وذهب إليه طوائف من العلماء.
ولأنه لا ذكر للعدة في حديث. ولا أثر لها في بقاء النكاح، ولم ينجز الشارع الفرقة في حديث، ولا جدد نكاحًا فيتعين القول به، وقال ابن شهاب بلغني أن ابنة الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان ابن أمية فأسلمت يوم الفتح، وهرب صفوان، فبعث إليه رسول الله ﷺ أمانًا، وشهد حنينًا
стр. 1634
والطائف، وهو كافر، وامرأته مسلمة، فلم يفرق رسول الله ﷺ بينهما حتى أسلم صفوان واستقرت عنده بذلك النكاح. رواه مالك.
وله عنه أن أم حكيم ابنة الحارث بن هشام أسلمت يوم الفتح وهرب عكرمة حتى قدم اليمن فقدمت عليه ودعته إلى الإسلام فأسلم وقدم على رسول الله ﷺ فبايعه فثبتا على نكاحهما، قال ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت وزوجها كافر إلا فرقت هجرتها بينهما، إلا أن يقدم قبل أن تنقضي عدتها، ولم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها.
قال ابن القيم اعتبار العدة لم يعرف في شيء من الأحاديث، ولا كان النبي ﷺ يسأل المرأة هل انقضت عدتها أم لا، ولو كان الإسلام بمجرده فرقة لكانت طلقة بائنة ولا رجعة فيها فلا يكون الزوج أحق بها إذا أسلم، وقد دل حكمه ﷺ أن النكاح موقوف، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت.
وإن أحبت انتظرته، وإذا أسلم كانت زوجته من غير تجديد نكاح، ولا نعلم أحدًا جدد بعد الإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد الأمرين، إما افتراقهما ونكاحها غيره، وإما بقاؤهما على النكاح الأول، إذا أسلم الزوج، وأما تنجيز الفرقة، أو مراعاة العدة، فلم يعلم أن رسول الله ﷺ قضى بواحدة منهما مع كثرة من أسلم في عهده، وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه.
стр. 1635
قال ولولا إقراره ﷺ الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وذكر قضايا تدل لما نصره، وهو أقرب الأقوال وأسعد بالحجة، وفي غاية الحسن، قال وهذا اختيار الخلال وأبي بكر وابن المنذر وابن حزم، وهو مذهب الحسن وطاووس وعكرمة وقتادة والحكم.
وهو مذهب عمر وجابر وابن عباس وآخرين، واختار شيخ الإسلام فيما إذا أسلمت قبله بقاء نكاحه قبل الدخول وبعده ما لم تنكح غيره، وأن الأمر إليها ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه، لأن الشارع لم يستفصل.
وكذا إن أسلم قبلها، وليس له حبسها، بل متى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده فهي امرأته إن اختار، وكذلك فيما إذا ارتد أحدهما، قال، وقياس المذهب أن الزوجة إذا أسلمت قيل الزوج فلا نفقة لها لأن الإسلام سبب يوجب البينونة، والأصل عدم إسلامه في العدة، فإذا لم يسلم حتى انقضت العدة تبينا وقوع البينونة بالإسلام، ولا نفقة للبائن عندنا ويجب الصدق بالدخول، وينتصف بالعقد كنكاح المسلمين.
(وله) أي أحمد وأبي داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما (عنه) أي عن ابن عباس ﵄ (قال أسلمت امرأة) أي وزوجها باق على كفره (فتزوجت)
стр. 1636
آخر (فجاء زوجها) الأول (فقال يا رسول الله إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر وردها على زوجها الأول" والمراد بلا تجديد عقد بل حكم صلوات الله وسلامه عليه بأن النكاح الأول باق والثاني باطل، فدل الحديث على أنه إذا أسلم الزوج وعلمت امرأته بإسلامه فهي في عقدة النكاح.
وإن تزوجت فهو تزوج باطل تنتزع من الزوج الآخر، والحديث محتمل أنه أسلم بعد انقضاء عدتها أو قبلها، وأنها ترد إليه على كل حال، وإن علمها بإسلامه قبل تزوجها بغيره يبطل نكاحها مطلقًا، سواء انقضت عدتها أم لا، لأن تركه ﷺ الاستفصال هل علمت بعد انقضاء العدة أو قبلها دليل على أنه لا حكم للعدة، أما إذا أسلم وهي فيها فالنكاح بينهما باق فتزوجها بعد إسلامه باطل.
لأنها باقية في عقدة نكاحه، وهذا الحديث دليل على بطلانه بعلمها قبل تزوجها ولو بعد انقضائها.
(وعن فيروز الديلمي) ويقال الحميري لنزوله حمير، وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء، كان ممن وفد على النبي ﷺ وهو الذي قتل العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة سنة إحدى عشرة، وأتى حين قتله إلى النبي ﷺ وهو مريض مرض موته وكان بين ظهوره وقتله أربعة أشهر، قال: (قلت يا رسول الله أسلمت وتحتي) امرأتان (أختان) علم ﵁ تحريم
стр. 1637
الجمع بين الأختين فأخبر النبي ﷺ (فقال) رسول الله ﷺ (طلق أيهما شئت) وفي لفظ "أمرني أن أطلق إحداهما (رواه أحمد) ورواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والدارقطني وغيرهما.
وهو دليل على اعتبار أنكحة الكفار، وإن خالفت نكاح الإسلام، وأنها لا تخرج المرأة عن الزوج إلا بطلاق بعد الإسلام، وأنه يبقى بعد الإسلام بلا تجديد عقد، وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وفي الصحيحين عن أم حبيبة أنها عرضت على رسول الله ﷺ أن ينكح أختها فقال: «لا تحل لي» وتقدم تحريم الجمع بين الأختين، وأنه لا نزاع في ذلك، فإذا أسلم وتحته أختان أجبر على طلاق إحداهما، وكذا إن كان تحته امرأة وعمتها أو خالتها ونحو ذلك.
(وله) أي ولأحمد والنسائي وابن ماجه، وغيرهم والترمذي، وابن حبان وصححاه (عن ابن عمر) ﵄ (أن غيلان) بن سلمة وهو ممن أسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر وهو من أعيان ثقيف، ومات في خلافة عمر فذكر ابن عمر أن غيلان (أسلم وله عشرة نسوة فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يتخير منهن أربعًا) أي ويفارق ستًا. وفي لفظ "أسمك منهن أربعًا وفارق سائرهن" قال ابن كثير رواه الإمامان أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه، وهذا الإسناد رجاله على شرط الشيخين إلا أن الترمذي
стр. 1638
قال سمعت البخاري يقول هذا الحديث غير محفوظ والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري قال: حدثت عن محمد بن شعيب الثقفي أن غيلان فذكره، قال البخاري وإنما حديث الزهري عن مسلم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال عمر لتراجعن نساءك.
قال ابن كثير قد جمع الإمام أحمد في روايته لهذا الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند، فليس ما ذكره البخاري قادحًا وساق رواية النسائي له برجال ثقات، وقال أحمد العمل عليه ولأبي داود أن قيس بن الحارث أسلم وعنده ثمان نسوة فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا، وروى البيهقي عن نوفل أنه قال أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت النبي ﷺ فقال: «فارق واحدة وأمسك أربعًا» فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة فقارقتها، وعاش نوفل مائة وعشرين سنة في الإسلام، وستين في الجاهلية.
فدلت هذه الأحاديث وغيرها على أن من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه أو كن في العدة لم يكن له إمساكهن كلهن بلا خلاف، وكذا لو كن كتابيات، فليس له أمساكهن كلهن، بل يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن، أو أسلم وتحته إماء أكثر من أربع فأسلمن معه. أو في العدة اختار أربعًا إن جاز له نكاحهن بشرط، قال الشيخ ولا يشترط في جواز وطئه انقضاء العدة لا في جمع العدد ولا في جمع الرحم اهـ. وقيل إن
стр. 1639
كان الزوج مكلفًا وإلا وقف الأمر حتى يكلف، وإن أبى الاختيار أجبر بحبس ثم تعزير، وقال الشيخ يقوم الولي مقامه في التعيين، كما يقوم في تعيين الواجب عليه من زكاة وغيرها.
(وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (في) حكم (سبايا أوطاس) وذلك أن النبي ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقي عدوًا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناسًا من أصحاب النبي ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فنزلت (والمحصات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم) فقال رسول الله ﷺ (هن لكم حلال) أي تطؤنهن (إذا انقضت عدتهن رواه مسلم) وللترمذي أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج في قومهن، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وله عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ "حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" وله من حديث رويفع " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره" وفي هذه الأحاديث دليل على أن السبايا حلال، من غير فرق بين ذوات الأزواج وغيرهن، ولا نزاع في ذلك، لكن بعد مضي العدة المعتبرة شرعًا لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي من اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين وإن كن محصنات.
стр. 1640
باب الصداق
الصداق عوض في النكاح ونحوه، يقال أصدقت المرأة ومهرتها مأخوذ من الصدق لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة وله تسعة أسماء.
صداق ومهر نحلة وفريضة، حباء وأجر ثم عقد علائق.
والتاسع الصدقة، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، واتفقوا على أنه شرط من شروط صحة النكاح وتسن تسميته في العقد قطعًا للنزاع، وكان في شرع من قبلنا للأولياء.
(قال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ تطلبوا أن تنكحوا بصداق ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوجين فالإحصان العفة، فإنها تحصين للنفس عن اللوم والعقاب، وكان ﷺ يزوج ويتزوج بصداق ولم يكن يخلي التزويج من صداق، وقال: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فلا بد من صداق إجماعًا.
(وقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي مهورهن (نحلة) أي عطية. وقالوا النحلة المهر والفريضة والواجب، وروي عنه ﷺ أنه قال " ما تراضى عليه أهلوهم" والمقصود أنه يجب على الرجل دفع صداق على المرأة حتمًا، وأجمعوا على مشروعيته، وأن يكون طيب النفس بذلك، وإن طابت نفسها به أو بشيء منه فكما قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ سائغًا طيبًا.
стр. 1641
وقال ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن، فالمهر في مقابلة الاستمتاع (فريضة) بمعنى مفروضة، أو إيتاء مفروض، فدلت هذه الآيات على مشروعية الصداق، وأنه لا يجوز التواطؤ على تركه.
(وقال) تعالى ﴿وَآتَيْتُمُ﴾ أي أعطيتم ﴿إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ وهو المال الكثير صداقًا ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *﴾ فدلت الآية على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وأجمعوا على أنه لا حد لأكثره.
ولو تزوج امرأة اتفق معها على نحو عشرة دنانير وأنه يظهر عشرين دينارًا وأشهد عليها بقبض عشرة فقال الشيخ لا يخل لها أن تغدر به، بل يجب عليها الوفاء بالشرط ولا يجوز تحليف الرجل على وجود القبض في مثل هذه الصورة، لأن الإشهاد بالقبض في مثل هذا يتضمن الإبراء.
(وقال) تعالى (عن شعيب) بعد ذكر قصة ورود موسى ماء مدين وسقيه لابنتي شعيب، وقول إحداهما (يا أبت استأجره قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ قيل اسمهما صفوراء وليًا، وقيل صفرًا وصفيرًا، وقال الأكثر إنه زوجه الصغرى وهي التي ذهبت لطلب موسى، أي طلب إليه شعيب أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى ابنتيه، وقال تعالى: ﴿عَلَى
стр. 1642
أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ يعني أن تكون أجيرًا لي ثمان سنين.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ أي إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع، وإلا ففي الثمان كفاية (وما أريد أن أشق عليك) أي ألزمك تمام العشر إلا أن تبرع ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في حسن الصحبة والوفاء.
(قال) موسى (ذلك بيني وبينك) يعني هذا الشرط فما شرطت علي فلك وما شرط من تزويج إحداهما فلي والأمر بيننا ثم قال: (أيما الأجلين قضيت) أي أتممت من الثمان أو العشر (فلا عدوان علي) بأن أطالب بأكثر منهما (والله على ما نقول وكيل) شهيد فيما بيني وبينك وقضى العشر. كما قاله ابن عباس وغيره، وروي مرفوعًا.
وأعطاه في العام الأخير كلما ولدت غنمه على غير صفتها فولدن كذلك، ووفى له شرطه، وذهب بأولادهن ذلك العام، فتلك منفعة يصح أخذ العوض عليها فهي مال، وكذا كل عمل معلوم منه أو من غيره، والحر والعبد في ذلك سواء، وهذا مذهب جماهير العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من السلف فكلما صح أن يكون ثمنًا أو أجرة صح أن يكون مهرًا قال الشيخ وتعليل المنع لما فيه من كون كل من الزوجين يصير ملكًا للآخر، ويجوز أن يكون المنع مختصًا بمنفعة الخدمة خاصة لما فيه من المهنة والمنافاة، وأما إن كانت لغيرها فتصح لقصة شعيب، وإذا لم تصح المنفعة فقيمتها.
(وعن عقبة) بن عامر ﵁ (أن رسول الله ﷺ -
стр. 1643
قال: «خير الصداق أيسره» أي أسهله (رواه أبو داود) وصححه الحاكم.
فدل على استحباب تخفيف المهر، وأن غير الأيسر على خلاف ذلك، وإن كان جائزًا كما تقدم في الآية وكما سيأتي، وفي الحديث: «أبركهن أيسرهن مؤنة» ولفظ أحمد "إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة" فالنكاح بمهر يسير لا يستصعبه من يريده، فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان المهر كثيرًا فإنه لا يتمكن من الزواج إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء الذين هم أكثر في الغالب غير متزوجين، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي ﷺ .
(وعن أنس) بن مالك ﵁ (أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف) ﵁ (أثر صفرة) أي أثر صفرة الزعفران، فكره ﷺ تلك الصفرة منه، لأن استعمال الزعفران والخلوق وما كان له لون منهي عنه في حق الرجال، لأن ذلك تشبه بالنساء (فقال ما هذا) يعني لما استعملت هذه الصفرة (قال تزوجت امرأة) فسكت ﷺ ولم يأمره بغسل ذلك الأثر، ورجح النووي أنها كانت من جهة امرأته من غير قصد منه وقال: «على وزن نواة من ذهب» متفق عليه، وفي روايات للبخاري على نواة من ذهب.
قيل المراد واحدة نوى التمر، وإن القيمة عنها يومئذ كانت
стр. 1644
خمسة دراهم، وقيل كان قدرها ربع دينار، وقيل عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق، ونقله عياض عن أكثر العلماء وللبيهقي وزن نواة من ذهب قومنت خمسة دراهم، وقال أبو عبيد إن عبد الرحمن دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة كما تسمى الأربعون أوقية، والحديث دليل على أنه يجوز أن يكون المهر شيئًا قليلاً كالنعلين والمد من الطعام.
وحكى القاضي الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتمول ولا له قيمة لا يكون صداقا، ولا يحل به النكاح، وفي الصحيحين " التمس ولو خاتمًا من حديد" وكل ما له قيمة يصح أن يكون مهرًا.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال كان صداقنا إذا كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق رواه أحمد) والنسائي وغيرهما وإسناده ثقات، وفي لفظ لأحمد وطبق يديه، وذلك أربع مائة أي أربع مائة درهم؛ لأن الأوقية كانت قديمًا عبارة عن أربعين درهمًا، وقال الشيخ كلام أحمد يقتضي أن المستحب أربع مائة درهم وهو الصواب مع اليسار، فيستحب بلوغه ولا يزاد عليه.
وقال عمر ﵁: (ما أصدق النبي ﷺ امرأة من نسائه) يعني أكثر من ثنتي عشرة أوقية والمراد الأكثر، فإن أم حبيبة أصدقها النجاشي أربعة آلاف إلا أنه تبرع به إكرامًا لرسول الله ﷺ (ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية) رواه الخمسة و (صححه الترمذي) أول الأثر
стр. 1645
«ألا لا تغالوا» أي لا تكثروا "صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ " فيسن الاقتداء به ﷺ .
وذكر عبد الرزاق عن عمر أنه قال: لا تغالوا في مهر النساء. فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ من ذهب كما في قراءة ابن مسعود، فقال عمر امرأة خاصمت عمر فخصمته ولفظ الزبير بن بكار امرأة أصابت ورجل أخطأ.
وقالت عائشة ﵂ كان صداقه ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، فتلك خمس مائة درهم، وقد وقع الإجماع على أنه لا حد لأكثر المهر بحيث تصير الزيادة على ذلك الحد باطلة للآية، وقد كان عمر أراد قصر أكثره على قدر مهور أزواج النبي ﷺ ورد الزيادة إلى بيت المال، وتكلم به في الخطبة، فردت عليه تلك المرأة، فرجع وقال: كلكم أفقه من عمر.
ويستحب أن لا ينقص عن أقل من عشرة دراهم خروجًا من خلاف من قدر أقله بذلك، وكانت خطبة عمر بمحضر من الصحابة ﵃ فلم ينكر فكان اتفاقًا منهم ودل الأثر وغيره على صحة تزويج الرجل ابنته بدون مهر مثلها، لأنه ليس المقصود من النكاح العوض، وكذا لو زوجها ولي غير الأب بإذنها، لأن الحق لها، وإن لم تأذن فلها مهر المثل، وقال الشيخ على الولي كالوكيل في البيع.
стр. 1646
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل) من أصحابه ﵃ «علي كم تزوجتها قال علي أربع أواق فقال له: على أربع أواق؟» استفهام استنكار (كأنما تنحتون الفضة) أي تقشرون وتقطعون الفضة (من عرض هذا الجبل) أي ناحيته (رواه مسلم) فأنكر عليه ﷺ بالنسبة إليه حيث كان فقيرًا ففيه " ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه" قال فبعث بعثًا إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم.
قال الشيخ والصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك لم يكره، إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهات ونحو ذلك، فأما إذا كان عاجزًا عن ذلك فيكره، بل يحرم: إذا لم يتوصل إليه إلا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة، فأما إن كثر، وهو مؤخر في ذمته، فينبغي أن يكره لما فيه من تعريض نفسه لشغل ذمته اهـ، ومتى أجل الصداق أو بعضه صح، وإن عينا أجلاً وإلا فمحله الفرقة.
قال ابن القيم: إذا اتفق الزوجان على تأخير المطالبة وإن لم يسميا أجلاً فلا تستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة، هذا الصحيح ومنصوص أحمد اختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى والشيخ، وهو ما عليه الصحابة حكاه الليث إجماعًا عنهم، وهو محض القياس والفقه. فإن المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين، وقال الشيخ إن كان
стр. 1647
العرف جاريًا بين أهل تلك الأرض أن المطلق يكون مؤجلاً فينبغي أن يحمل كلامهم على ما يعرفونه، ولو كانوا يفرقون بين لفظ المهر والصداق، فالمهر عندهم ما يعجل والصداق ما يؤجل، كان حكمهم على مقتضى عرفهم.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (في قصة الواهبة) خولة بنت حكيم أو أم شريك التي قالت يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، ولما لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من الصحابة فقال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها (قال التمس) وفي لفظ: انظر (ولو خاتمًا من حديد) أي موجود عندك (فلم يجد) أي ولا خاتمًا من حديد، قال ولكن هذا إزاري قال الراوي ما له رداء فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ «ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء».
ثم قال: «ماذا معك من القرآن» قال معي سورة كذا، وكذا (فزوجه إياها بما معه من القرآن) أي أن يعلمها إياه، وفي رواية: "فعلمها إياه" وفي بعض الروايات "عشرين آية" وفي بعضها "عشرًا" ويكون ذلك صداقًا وهو مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، لأنها منفعة معينة مباحة.
وقال ابن القيم إذا رضيت بعلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من الانتفاع بالقرآن والعلم هو صداقها، وهذا هو الذي اختارته أم سليم لما
стр. 1648
خطبها أبو طلحة، فاشترطت عليه أن يسلم وتزوجته على إسلامه.
فإن انتفاعها بإسلامه أحب إليها من المال الذي يبذله، وهذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها والتعليم تفهيمها إياه وتحفيظها، وكذا تعليم فقه وأدب ونحوه، وصنعة وكتابة وخياطة وغير ذلك هي أو غلامها، وقوله: «ولو خاتمًا من حديد» مبالغة في التقليل، ولا ريب أن له قيمة، وتقدم أنه لا يصح بما لا قيمة له، ولا يحل به النكاح.
ويأتي ما قال لعلي لما تزوج فاطمة "اعطها شيئًا" قال ما عندي شيء قال: فأين درعك الحطمية" وفي لفظ فمنعه حتى يعطيها شيئًا، وذكر ابن القيم وغيره أنه لا تقدير لأقله وذكر الأقوال في التقدير، ثم قال وليس لشيء من هذه الأقوال حجة يجب المصير إليها، وليس بعضها أولى من بعض.
(ولهما) أي البخاري ومسلم أيضًا (أنه) ﷺ (أعتق صفية) بنت حيي بن أخطب سيد أهل خيبر وكانت وقعت له في السبي كما تقدم (وجعل عتقها صداقها) وفي لفظ "فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها" وهو دليل على جعل العتق صداقًا على أي عبارة تفيد ذلك. قال أنس لما سئل ماذا أصدقها قال نفسها وأعتقها، فإنه ظاهر أنه جعل نفس العتق صداقًا وللطبراني وغيره عنها قالت أعتقني النبي ﷺ وجعل عتقي صداقي، قال الخطابي قد ذهب غير واحد من العلماء إلى ظاهر
стр. 1649
الحديث ورأوا أنه من أعتق أمة كان له أن يتزوجها بأن يجعل عتقها عوضًا عن بضعها، وذكر أنه قول سعيد بن المسيب والحسن والنخعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا خلاف أن صفية كانت زوجة النبي ﷺ ولم ينقل من نكاحها غير هذه اللفظة، فدل أنها سبب النكاح، وقال ابن القيم ولم يقل أنه خاص به ولا قاله أحد من الصحابة ولم تجمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك، والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك.
ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وكان إعتاقه يزيل ملك اليمين عنها كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة جعلها زوجة، وزوجها كان يلي إنكاحها فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها، ولما كان ضرورة عقد النكاح ملكه، لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة اهـ.
أما لو أصدقها طلاق ضرتها لم يصح، لحديث: "لا تسأل المرأة طلاق أختها" رواه البخاري وغيره، وقال الشيخ لو قيل ببطلان النكاح لم يبعد، لأن المسمى فاسد، وحكي عن أبي بكر تستحق مهر الضرة، قال الشيخ وهو أجود، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفسد النكاح بفساد الصداق، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد وقول الجمهور، فمتى بطل المسمى وجب مهر المثل، ومتى كان المهر صحيحًا ملكته بالعقد كالبيع
стр. 1650
ولها نماء المهر المعين قبل القبض، ولها التصرف فيه، وعليها زكاته.
وإن طلق قبل الدخول والخلوة فله نصفه، وهدية زوج ليست من المهر فما قبل عقد وإن وعدوه ولم يفوا رجع بها، فما سببه النكاح يبطل بزواله، وهذا المنصوص على أصول المذهب لموافقته أصول الشرع، وهو أن كل من أهدي أو وهب له شيء بسبب يثبت بثبوته ويزول بزواله ويحرم بحرمته، ويجب كله بالدخول أو الموت، لقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ وأما وجوبه بالموت فلانعقاد الإجماع على ذلك، وقال الشيخ إذا اتفقوا على النكاح من غير عقد فأعطى أباها لأجل ذلك شيئًا فماتت قبل العقد ليس له استرجاع ما أعطاه فإن كان الإعراض منه أو ماتت فلا رجوع له وما قبض بسبب نكاح ككسوة لأبيها أو أخيها فكمهر، والزيادة بعد العقد تلحق به.
فصل في المفوضة
التفويض النكاح دون صداق، ولغة الإهمال، فكأن المهر أهمل حيث لم يسم، والمفوضة المزوجة بلا مهر، وهو نوعان: تفويض بضع، وهو الذي ينصرف إليه التعريف، وتفويض مهر وهو أن يزوجها على ما شاء أحدهما أو أجنبي والتفويض جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
следующие страницы →