Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل) من أصحابه ﵃ «علي كم تزوجتها قال علي أربع أواق فقال له: على أربع أواق؟» استفهام استنكار (كأنما تنحتون الفضة) أي تقشرون وتقطعون الفضة (من عرض هذا الجبل) أي ناحيته (رواه مسلم) فأنكر عليه ﷺ بالنسبة إليه حيث كان فقيرًا ففيه " ما عندنا ما نعطيك ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه" قال فبعث بعثًا إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم.
قال الشيخ والصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك لم يكره، إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهات ونحو ذلك، فأما إذا كان عاجزًا عن ذلك فيكره، بل يحرم: إذا لم يتوصل إليه إلا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة، فأما إن كثر، وهو مؤخر في ذمته، فينبغي أن يكره لما فيه من تعريض نفسه لشغل ذمته اهـ، ومتى أجل الصداق أو بعضه صح، وإن عينا أجلاً وإلا فمحله الفرقة.
قال ابن القيم: إذا اتفق الزوجان على تأخير المطالبة وإن لم يسميا أجلاً فلا تستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة، هذا الصحيح ومنصوص أحمد اختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى والشيخ، وهو ما عليه الصحابة حكاه الليث إجماعًا عنهم، وهو محض القياس والفقه. فإن المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين، وقال الشيخ إن كان
стр. 1647
العرف جاريًا بين أهل تلك الأرض أن المطلق يكون مؤجلاً فينبغي أن يحمل كلامهم على ما يعرفونه، ولو كانوا يفرقون بين لفظ المهر والصداق، فالمهر عندهم ما يعجل والصداق ما يؤجل، كان حكمهم على مقتضى عرفهم.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (في قصة الواهبة) خولة بنت حكيم أو أم شريك التي قالت يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، ولما لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من الصحابة فقال: إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها (قال التمس) وفي لفظ: انظر (ولو خاتمًا من حديد) أي موجود عندك (فلم يجد) أي ولا خاتمًا من حديد، قال ولكن هذا إزاري قال الراوي ما له رداء فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ «ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء».
ثم قال: «ماذا معك من القرآن» قال معي سورة كذا، وكذا (فزوجه إياها بما معه من القرآن) أي أن يعلمها إياه، وفي رواية: "فعلمها إياه" وفي بعض الروايات "عشرين آية" وفي بعضها "عشرًا" ويكون ذلك صداقًا وهو مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، لأنها منفعة معينة مباحة.
وقال ابن القيم إذا رضيت بعلم الزوج وحفظه للقرآن أو بعضه من مهرها جاز ذلك، وكان ما يحصل لها من الانتفاع بالقرآن والعلم هو صداقها، وهذا هو الذي اختارته أم سليم لما
стр. 1648
خطبها أبو طلحة، فاشترطت عليه أن يسلم وتزوجته على إسلامه.
فإن انتفاعها بإسلامه أحب إليها من المال الذي يبذله، وهذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلها والتعليم تفهيمها إياه وتحفيظها، وكذا تعليم فقه وأدب ونحوه، وصنعة وكتابة وخياطة وغير ذلك هي أو غلامها، وقوله: «ولو خاتمًا من حديد» مبالغة في التقليل، ولا ريب أن له قيمة، وتقدم أنه لا يصح بما لا قيمة له، ولا يحل به النكاح.
ويأتي ما قال لعلي لما تزوج فاطمة "اعطها شيئًا" قال ما عندي شيء قال: فأين درعك الحطمية" وفي لفظ فمنعه حتى يعطيها شيئًا، وذكر ابن القيم وغيره أنه لا تقدير لأقله وذكر الأقوال في التقدير، ثم قال وليس لشيء من هذه الأقوال حجة يجب المصير إليها، وليس بعضها أولى من بعض.
(ولهما) أي البخاري ومسلم أيضًا (أنه) ﷺ (أعتق صفية) بنت حيي بن أخطب سيد أهل خيبر وكانت وقعت له في السبي كما تقدم (وجعل عتقها صداقها) وفي لفظ "فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها" وهو دليل على جعل العتق صداقًا على أي عبارة تفيد ذلك. قال أنس لما سئل ماذا أصدقها قال نفسها وأعتقها، فإنه ظاهر أنه جعل نفس العتق صداقًا وللطبراني وغيره عنها قالت أعتقني النبي ﷺ وجعل عتقي صداقي، قال الخطابي قد ذهب غير واحد من العلماء إلى ظاهر
стр. 1649
الحديث ورأوا أنه من أعتق أمة كان له أن يتزوجها بأن يجعل عتقها عوضًا عن بضعها، وذكر أنه قول سعيد بن المسيب والحسن والنخعي وأحمد وإسحاق وغيرهم.
وحكي عن أحمد أنه قال: لا خلاف أن صفية كانت زوجة النبي ﷺ ولم ينقل من نكاحها غير هذه اللفظة، فدل أنها سبب النكاح، وقال ابن القيم ولم يقل أنه خاص به ولا قاله أحد من الصحابة ولم تجمع الأمة على عدم الاقتداء به في ذلك، والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك.
ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وكان إعتاقه يزيل ملك اليمين عنها كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة جعلها زوجة، وزوجها كان يلي إنكاحها فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها، ولما كان ضرورة عقد النكاح ملكه، لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة اهـ.
أما لو أصدقها طلاق ضرتها لم يصح، لحديث: "لا تسأل المرأة طلاق أختها" رواه البخاري وغيره، وقال الشيخ لو قيل ببطلان النكاح لم يبعد، لأن المسمى فاسد، وحكي عن أبي بكر تستحق مهر الضرة، قال الشيخ وهو أجود، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفسد النكاح بفساد الصداق، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد وقول الجمهور، فمتى بطل المسمى وجب مهر المثل، ومتى كان المهر صحيحًا ملكته بالعقد كالبيع
стр. 1650
ولها نماء المهر المعين قبل القبض، ولها التصرف فيه، وعليها زكاته.
وإن طلق قبل الدخول والخلوة فله نصفه، وهدية زوج ليست من المهر فما قبل عقد وإن وعدوه ولم يفوا رجع بها، فما سببه النكاح يبطل بزواله، وهذا المنصوص على أصول المذهب لموافقته أصول الشرع، وهو أن كل من أهدي أو وهب له شيء بسبب يثبت بثبوته ويزول بزواله ويحرم بحرمته، ويجب كله بالدخول أو الموت، لقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ وأما وجوبه بالموت فلانعقاد الإجماع على ذلك، وقال الشيخ إذا اتفقوا على النكاح من غير عقد فأعطى أباها لأجل ذلك شيئًا فماتت قبل العقد ليس له استرجاع ما أعطاه فإن كان الإعراض منه أو ماتت فلا رجوع له وما قبض بسبب نكاح ككسوة لأبيها أو أخيها فكمهر، والزيادة بعد العقد تلحق به.
فصل في المفوضة
التفويض النكاح دون صداق، ولغة الإهمال، فكأن المهر أهمل حيث لم يسم، والمفوضة المزوجة بلا مهر، وهو نوعان: تفويض بضع، وهو الذي ينصرف إليه التعريف، وتفويض مهر وهو أن يزوجها على ما شاء أحدهما أو أجنبي والتفويض جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 1651
(قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي لا حرج عليكم بل قد أباح لكم ﵎: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي ولم تمسوهن والمس النكاح ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي أو لم تفرضوا لهن فريضة أي توجبوا لهن صداقًا، فجوز الطلاق قبل الدخول والفرض. وإن كان فيه انكسار لقلبها، ولهذا أمر بامتاعها وتعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها فقال ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتمتع به من زاد وغيره ثم قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ أي على الغني ﴿قَدَرُهُ﴾ أي قدر غناه ﴿وعلى المقتر﴾ أي على الفقير ﴿قَدَرُهُ﴾ أي إمكانه وطاقته ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما أمركم الله به من غير ظلم ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فأعلاها خادم وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها.
قال ابن عباس أعلى المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة ثم دون ذلك الكسوة، ولا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، واستحب بعضهم المتعة لكل مطلقة لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *﴾ وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *﴾ واختاره شيخ الإسلام وغيره، وإنما تجب للمطلقة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه هي التي دلت الآية الكريمة على وجوب متعتها، وغيرها على الاستحباب جمعًا بين الآيات والأحاديث، هو قول جمهور العلماء، وكذا من سمي لها مهر فاسد.
стр. 1652
واختار الشيخ وجمع لها نصف مهر المثل، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، والآية دلت على صحة التفويض، وتقدم أنه إجماع، وسواء زوج الرجل ابنته المجبرة بلا مهر، أو أذنت المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر.
فيصح العقد ولها مهر المثل، ودلت أيضًا على صحة تفويض المهر إلى أحد الزوجين أو أجنبي، ويجب مهر المثل في قول عامة أهل العلم، لأن المقصود من النكاح الوصلة والاستمتاع، دون الصداق، وجهالته لا تضر، ولها طلب فرضه، فإن امتنع أجبر عليه، قال الموفق بلا خلاف، ولها المطالبة به، ويصح إبراؤها منه قبل فرضه، ويفرضه الحاكم بقدره بطلبها، وإن تراضيًا قبله على مفروض جاز.
(وعن عائشة) ﵂ (أن عمرة بنت) يزيد بن (الجون) وسماها السهيلي أسماء بنت النعمان بن الجون الكندية، وقال اتفقوا على تزويجه بها (تعوذت من رسول الله ﷺ لما تزوجها) أي قالت لما دخل عليها أعوذ بالله منك (فقال
لقد عذت بمعاذ) وهو الله (فطلقها وأمتعها بثلاثة أثواب رواه ابن ماجه) وغيره وفيه مقال، وأصل القصة في الصحيح، وفيه أيضًا عن سهل وأبي أسد أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شرحبيل فلما أدخلت عليه
стр. 1653
" بسط يده إليها" فكأنها كرهت ذلك "فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين أزرقين" وللبيهقي أتى بالجونية فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شرحبيل.
وقيل إن سبب تعوذها منه أنه لما دخل عليها وكانت من أجمل النساء فداخل نساءه غيره، فقيل لها إنما تحظين عنده أن تقولي أعوذ بالله منك، وقيل إنه يعجبه ذلك، وقيل في سببه غير ذلك فالله أعلم، والحديث دليل على مشروعية المتعة المطلقة وهو مذهب جمهور العلماء، ويدل على أن الكسوة متعة.
(وعن علقمة) بن قيس بن شبل بن مالك، من بني بكر ابن النخع تابعي جليل اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته مات سنة إحدى وستين (قال) علقمة ﵀ (سئل ابن مسعود) ﵁ (عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فقال لها مثل صداق نسائها) أي مهر مثلها من نساء قراباتها. كأم وخالة وعمة وأخت ممن يماثلها، يعتبره الحاكم بمن تساويها منهن في حال وجمال وعقل وأدب وسن وبكارة وثيوبة وبلد وصراحة نسب، وكلما يختلف لأجله
المهر.
فإن لم يكن لها إلا دونها زيدت بقدر فضلها، كنقصها وتعتبر عادة كتخفيف عن عشيرتها، أو لشرف زوج ويسار وغير ذلك قاله الشيخ، وقال ما جرت العادة بأخذه من الزوج.
ومن قال ينتصف بالموت رده شيخ الإسلام، وقال هذا
стр. 1654
قول مخالف السنة وإجماع الأمة، وغلط الناقل (لا وكس) بفتح فسكون أي لا نقص فلا تنقص من مهر نسائها (ولا شطط) بفتحتين أي لا جور فلا يجار على الزوج بزيادة مهرها على نسائها (وعليها العدة) إجماعًا (ولها الميراث) إجماعا لوجوبه لها بالعقد لا بالوطء فقط. إذ سبب الميراث العقد (فقال معقل) بن سنان الأشجعي. شهد فتح مكة ونزل الكوفة وقتل يوم الحرة صبرًا ﵁.
أي قال لما سمع فتيًا ابن مسعود (قضى رسول الله ﷺ في بروع) بنت واشقا مرأة منهم تزوجت هلال بن مرة الأشجعي وفوضت إليه فتوفي قبل أن يدخل بها، أي فقضى لها (بمثل ما قضيت) يعني ابن مسعود، ففرح بها ابن مسعود (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وابن مهدي وابن حزم وغيرهم، وفي لفظ فشهد معقل أنه ﷺ قضى في بروع بمثل ما قضى به ابن مسعود.
فدل الحديث على استحقاق المرأة كمال المهر بالموت، وهو قول جمهور العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وإن لم يسم لها الزوج ولا دخل بها، وتستحق مهر مثلها وهو مقتضى الحديث، ومن وطئت بشبهة أو في نكاح فاسد وجب لها مهر المثل إن لم تكن عالمة مطاوعة عند جمهور العلماء، وظاهر كلام الشيخ لا يجب، لأن البضع إنما يقوم على زوج، ومن وطئت بزنا مكرهة فقال الشيخ لا يجب إنما هو خبيث.
(ولهم عن عمرو بن شعيب مرفوعًا أيما امرأة نكحت)
стр. 1655
أي تزوجت (على صداق أو حباء) وهو العطاء للزوجة، وكذا غيرها زائدًا على مهرها (أو عدة) بوعد من الزوج وإن لم يحضر، ولو كان ذلك الشيء مذكورًا لغيرها (قبل عصمة النكاح فهو لها) أي للزوجة (وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه) سواء كان وليًا أو غير ولي أو المرأة نفسها (وأحق ما يكرم عليه الرجل ابنته) وأخته. فدل الحديث على أن المرأة تستحق جميع ما يذكر قبل العقد، سواء كان صداقًا أو حباء أو عدة، ولو كان مذكورًا لغيرها، لأنه عوض بضعها، وما يذكر بعد العقد فهو لمن جعل له، سواء كان وليًا أو غير ولي.
وما يعطيه الزوج مما هو للإتلاف كالطعام ونحوه: فإن شرط في العقد كان مهرًا وما سلم قبل العقد فإباحة، ويصح الرجوع فيه مع بقائه إذا كان في العادة يسلم للتلف، وإن كان للبقاء رجع في قيمته، إلا أن يمتنعوا من التزويج رجع فيه مطلقًا.
وإن ماتت أو امتنع هو كان الرجوع فيما بقي، وفيما سلم للبقاء، وفيما تلف قبل الوقت الذي يعتاد التلف فيه، لا فيما عدا ذلك، وما بعد العقد هبة أو هدية على حسب الحال، أو رشوة إن لم تسلم إلا به ودل على مشروعية صلة أقارب الزوجة وإكرامهم، والإحسان إليهم، وأن ذلك حلال لهم وليس من قبيل الرسوم المحرمة إلا أن يمتنعوا من التزويج إلا به.
(ولأبي داود) والنسائي وغيرهما وصححه الحاكم (عن ابن عباس) ﵄ (أن عليًا) ﵁ (لما
стр. 1656
تزوج فاطمة) ﵂ وذلك في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وبني بها في ذي الحجة (قال له رسول الله ﷺ أعطها شيئًا) وفي لفظ منعه حتى يعطيها شيئًا (قال) علي ﵁ (ما عندي شيء) أي أعطيها إياه (قال) رسول الله ﷺ (أين درعك الحطمية) نسبة إلى حطمة من محارب بطن من عبد القيس، كانوا يعملون الدروع.
فللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال، وحكاه ابن المنذر إجماعًا مفوضة كانت أو غيرها، لأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، قال الشيخ والأشبه أن الصغيرة تستحق المطالبة بنصف الصداق، لأن النصف يستحق بإزاء الحبس، وهو حل بالعقد، والنصف الآخر بإزاء الدخول فلا تستحقه إلا بالتمكين.
(وله) أي لأبي داود وابن ماجه (عن عائشة) ﵂ قالت (أمرني) تعني رسول الله ﷺ (أن أدخل امرأة على زوجها) وللبيهقي وغيره أن رجلاً تزوج من امرأة على عهده ﷺ فجهزها إليه (قبل أن يعطيها شيئًا) وللبيهقي: ونحوه عن علي وغيره فدل الحديث على أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يعطيها الزوج شيئًا قبل أن يدخل بها، وقال بعضهم لا خلاف في ذلك، وما تقدم من أمر النبي ﷺ عليًا ﵁ بإعطاء فاطمة ﵂ الدرع الحطمية لم يكن للوجوب.
стр. 1657
باب وليمة العرس
الوليمة من الولم وهو الجمع، لأن الزوجين يجتمعان، وقال ابن الأعرابي، أصلها تمام الشيء واجتماعه، وتقع على كل طعام يتخذ لسرور، وتستعمل في وليمة الأعراس بلا تقييد، وفي غيرها مع التقييد، وجزم جمع أنها الطعام في العرس خاصة.
(عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف) القرشي الزهري أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قيل إنه تصدق بشطر ماله ثم بأربعين ألف دينار ثم حمل على خمس مائة فرس في سبيل الله وخمس مائة راحلة وكان أكثر ماله من التجارة مات سنة إحدى وثلاثين (أو لم ولو بشاة) أي اصنع شاة وليمة العرس وظاهر الأمر الوجوب، وهو مذهب الظاهرية، وحكي عن مالك والشافعي وأحمد، وللطبراني "الوليمة حق" ولأحمد لما خطب علي فاطمة ﵄ قال ﷺ «لا بد للعروس من وليمة».
وجمهور أهل العلم أنها سنة مندوب إليها مرغب فيها، وفيها فضيلة، حتى قال ابن بطال والموفق لا أعلم أحدًا أوجبها، والخبر محمول على الاستحباب، وقال الشيخ تستحب بالدخول، وفي الصحيح بني بامرأة فدعوت رجالاً وقيل بالعقد وفي الإنصاف الأولى أنه يقال وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس، لصحة الأخبار في هذا وهذا.
стр. 1658
وكمال السرور بالدخول اهـ ولو هنا ليست الامتناعية وإنما هي للتقليل.
وفي الحديث دليل على أن الشاة أقل مجزئ في الوليمة عن الموسر، ولولا ثبوت أنه ﷺ أو لم على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما يجزئ في الوليمة مطلقًا، وأجمعوا على أنه لا حد لأكثر ما يولم به، وأقله مهما تيسر أجزأ، لأنه ﷺ أولم على صفية بمد من شعير، والمستحب أنها على قدر حال الزوج، وإن نكح اثنتين فأكثر في عقد أو عقود في وقت متقارب أجزأت وليمة واحدة إن نواها للكل.
﴿وأولم ﷺ على زينب﴾ بنت جحش الأسدية أم المؤمنين ﵂ تزوجها ﷺ سنة ثلاث من الهجرة وفيها نزلت (فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها) وماتت سنة عشرين وهي ابنة خمسين أولم عليها (بشاة) فدل الحديث أيضًا على سنة الوليمة بشاة ولا نزاع في ذلك (متفق عليهما) أي على حديث أنس المتقدم وعلى هذا أيضًا وهو حديث أنس.
ولفظه "ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة" وقيل إنه محمول على ما انتهى إليه علم أنس ﵁، أو لما وقع من البركة في وليمتها، حيث أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا من الشاة الواحدة وإلا فإنه ﷺ أولم على ميمونة بنت الحارث في عمرة القضية بمكة، وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها.
стр. 1659
فلعله أن يكون ما أولم به عليها أكثر من شاة لوجود التوسعة عليه ﷺ في تلك الحال، لأن ذلك كان بعد فتح خيبر، وقد وسع الله على المسلمين في فتحها عليهم، وكان ﷺ أجود الناس إلا أنه لا يبالغ في التأنق فيما يتعلق بأمور الدنيا.
(ولمسلم في قصة صفية جعل) ﷺ ﴿في وليمتها﴾ أي في طعام زواجه بها (التمر والأقط والسمن) ولهما أنه ﷺ "أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبني بصفية" قال أنس فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أنه ﷺ أمر بالانطاع فبسطت فألقي عليها التمر والأقط والسمن، وعنه أنه ﷺ "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" "وأولم عليها بحيس" والأمور الثلاثة إذا خلط بعضها ببعض سميت حيسًا فدل الحديث على إجزاء الوليمة بغير ذبح شاة وهو مذهب جمهور العلماء.
(وله) أي لمسلم (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال شر الطعام طعام الوليمة) سماه شرًا لما ذكر عقبه فكأنه قال: شر الطعام الذي شأنه كذا، أو من شأنه كذا وبين شريته فقال: (يمنعها من يأتيها) وهم الفقراء (ويدعي إليها من يأباها) وهم الأغنياء وفي رواية تدعي لها الأغنياء وتترك الفقراء، وللطبراني "بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الشبعان ويمنع عنها الجيعان" وكان من عادة الجاهلية أن يدعو الأغنياء ويتركوا الفقراء.
стр. 1660
ولم يرد ﷺ أن كل وليمة طعامها شر الطعام، فإن لو أراد ذلك لما أمر بها ولا ندب إليها، ولا أوجب الإجابة إليها ولا فعلها ﷺ بل قال ﷺ (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) أي دعوة وليمة النكاح فدل على تأكد إجابتها، وتقدم أنه حكي وجوب إجابتها يعني وليمة النكاح فقد صدق عليها اسم الوليمة شرعًا قال الحافظ وهي بفتح الدال على المشهور.
(ولهما) أي البخاري ومسلم (عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها» وفي رواية البخاري «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها».
(ولمسلم) أي عن ابن عمر مرفوعًا (فليجب عرسًا كان أو نحوه) أي سواء كانت الدعوة إلى وليمة عرس فيجيب إليها، أو كانت الدعوة على غير وليمة العرس، إلا أن إجابة الدعوة إلى وليمة العرس كانت آكد، لقوله: "فمن لم يجب فقد عصى الله ورسوله".
قال الشافعي إتيان دعوة الوليمة حق، والوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة، فلا ارخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين أنه عاص كما في وليمة العرس، وقد يسوغ الترك لأعذار ستأتي.
ونحو وليمة العرس حذاق لطعام عند حذاق صبي، وهو
стр. 1661
ختم القرآن الكريم، ويقال مشداخ وعذيرة، وأعذار لطعام ختان، وخرسة وخرس لطعام ولادة، وكيرة لدعوة بناء ونقيعة لقدوم غائب، وتحفة منه، وعقيقة الذبح للمولود، وتقدمت، ومأدبة لكل دعوة بسبب وغير سبب، وشندخية لأملاك، وقيل تطلق الوليمة على كل طعام لسرور حادث.
لكن استعمالها في طعام العرس أكثر، وكلها مستحبة أو جائزة، لما فيها من جبر قلب الداعي وتطييب خاطره، وقال الموفق إذا قصد فاعلها شكر نعمة الله عليه وإطعام إخوانه،
وبذل طعامه، فله أجر ذلك، وينبغي إجابته، وإلا فقد دعي عثمان إلى ختان فأبى، وقال كنا لا نأتي الختان على عهد
رسول الله ﷺ .
(ولأبي داود) أي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (فإن كان) أي المدعو للوليمة (مفطرًا فليطعم) أي جبرًا لقلب داعيه، وأكله من تمام إجابة دعوته (وإن كان صائمًا فليدع) أي لداعيه لوليمته بالبركة والمغفرة، وله عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا وقال الموفق صحيح "إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل" أي ليدع لما تقدم، ومنه "أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده" "وإن كان مفطرًا فليطعم"
فدل الحديثان وغيرهما على أنه يتأكد على من كان صائمًا أن
стр. 1662
لا يعتذر بالصوم بل يجيب وليدع لأهل الطعام بالبركة والمغفرة، وظاهره أنه لا يجب عليه الإفطار، فأما إن كان صومه فرضًا كقضاء رمضان، وكنذر فلا نزاع في أنه يحرم عليه الفطر، لقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وينبغي إخباره بصومه ليعلم عذره، وإن كان نفلا جاز له الفطر، ولا يجب لما رواه مسلم عن جابر مرفوعًا «إن شاء طعم وإن شاء ترك» وقال لرجل اعتزل عن القوم ناحية وقال إني صائم " دعاكم أخوكم وتكلف لكم كل ثم صم يومًأ مكانه إن شئت" وقال الشيخ وغيره يفطر استحبابًا إن جبر قلب أخيه المسلم، وإلا كان تمام الصوم أولى من الفطر، وهذا أعدل الأقوال.
وقال لا ينبغي لصاحب الدعوة الإلحاح في الطعام للمدعو إذا امتنع من الفطر في التطوع، أو الأكل، إن كان مفطرًا فإن كلا الأمرين جائز، وإذا ألزمه بما لا يلزمه كان من نوع المسألة المنهي عنها، ولا يحلف عليه ليأكل، ولا ينبغي للمدعو إذا رأى أنه يترتب على امتناعه مفاسد أن يمتنع فإن فطره جائز، فإن كان ترك الجائز مستلزمًا لأمور محذورة فينبغي أن يفعل ذلك الجائز، وربما يصير واجبًا، وإن كان في الإجابة مصلحة الداعي فقط، وفيها مفسدة الشبهة ففي أيهما أرجح خلاف اهـ.
وإن كان المدعو مريضًا أو ممرضًا أو مشغولاً بحفظ مال أو في شدة حر أو برد أو مطر يبل الثياب أو وحل، أو كان أجيرًا ولم
стр. 1663
يأذن له المستأجر لم تجب الإجابة في حقه، لأحد هذه الأعذار، وقال بعض أهل العلم يكره لأهل العلم والفضل الإسراع إلى الإجابة والتسامح فيه، لأن فيه بذلة ودناءة وشرها، لا سيما القاضي، لأنه ربما كان ذريعة للتهاون به وعدم المبالاة.
قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : «ومن دخل على غير دعوة» أي من غير أن يدعوه صاحب الوليمة (دخل سارقًا) لأنه دخل بغير إذن، ورد في الرجل يدخل على آخر وهو يعلم أنه يأكل ليأكل معه (وخرج مغيرًا) من أغار يغير إذا نهب مال غيره، شبه دخوله على الطعام الذي لم يدع إليه بدخول السارق الذي يدخل بغير إرادة المالك، لأنه اختفى بين الداخلين وشبه خروجه بخروج من نهب قومًا وخرج ظاهرًا بعد ما أكل بخلاف الدخول فإنه دخل مختفيًا خوفًا من أن يمنع، وبعد الخروج قد قضى حاجته فلم يبق له حاجة إلى التستر، وإذا دعي فجاء مع الرسول فهو إذن في الأكل، فلا يشترط إذن ثان، وتقديم الطعام إليه بطريق الأولى، وهذا فيما إذا وضعه ولم يلحظ انتظار من يأتي، وينظر إلى العرف والعادة في ذلك البلد.
(وله) أي ولأبي داود عن رجل من أصحاب النبي ﷺ مرفوعًا: «إذا اجتمع داعيان» أي لوليمة «فأجب أقربهما بابا» وفيه فإن أقربهما إليك بابًا أقربهما إليك جوارًا «فإن سبق أحدهما» أي أحد داعيين إلى وليمة «فأجب الذي سبق» سواء كان هو الأقرب أو الأبعد فالقرب وإن كان سببًا للإيثار لكنه لا
стр. 1664
يعتبر إلا مع عدم السبق، فدل الحديث على أنه إذا اجتمع داعيان فالأحق بالإجابة الأسبق، فإن استويا قدم الجار، والجار على مراتب فأحقهم أقربهم بابًا، فإن استويا أقرع بينهما، وقيل إن كان أحدهما رحمًا، أو من أهل العلم، أو الورع، قدم لمرجح الإجابة.
(وعن أنس) ﵁ (قال تزوج النبي ﷺ ) قال أنس فدخل بأهله فصنعت أم سليم حيسًا فجعلته في تنور فقالت: يا أنس اذهب به إلى رسول الله ﷺ فذهبت به فقال رسول الله ﷺ «ضعه» (وقال ادع فلانًا وفلانًا ومن لقيت) وكذا من شئت (متفق عليه) فدل على جواز الدعوة إلى الطعام على الصفة التي أمره بها رسول الله ﷺ من دون تعيين المدعو. وتسمى هذه الدعوة الجفلى والخاصة والنقري، قال طرفة:
نحن في المشتات ندعوا الجفلى لا ترى الأدب فينا ينتقر
أي يخصص فتباح لهذا الخبر:
وعن أبي سعيد مرفوعًا "طعام أول يوم حق" فقيل واجب وتقدم أن الجمهور على الندب "وطعام اليوم الثاني سنة" ولأبي داود "معروف وطعام اليوم الثالث سمعة. ومن سمع سمع الله به" رواه الترمذي وغيره، أي فلا ينبغي فعله، ولا الإجابة إليه، وقال الشيخ يحرم الأكل والذبح الزائد على المعتاد في بقية الأيام، ولو العادة فعله، أو لتفريح أهله، ويعذر إن عاد.
стр. 1665
وذهب جماعة إلى أنه لا بأس بالضيافة إلى سبعة أيام إذا كان المدعوون كثيرين، ويشق جمعهم في يوم أو يومين، وقال البخاري: باب حق إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه ولم يوقت النبي ﷺ يومًا ولا يومين، ولابن أبي شيبة عن حفصة بنت سيرين قالت لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام، وفي رواية ثمانية أيام.
(وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (مرفوعا: من رأى منكم منكرً) ذكره منكرًا ليعم جميع ما نهى الله عنه، فإذا دعي إلى وليمة مثلاً ورأى منكرًا كخمر وخنزير وآلة لهو وتصاوير وغير ذلك مما نهى الله عنه ورسوله «فليغيره بيده» إن قدر على ذلك، وهو أعلى مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أثنى الله على هذه الأمة بذلك، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ بل أمر به فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ثم طبع على ذلك بطابع الفلاح فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *﴾.
﴿فإن لم يستطع﴾ أي تغيير المنكر بيده (فـ) ليغير المنكر (بلسانه) إن قدر على ذلك «فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» متفق عليه. وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» بل قد يكون ممن رضي وتابع، فإن قدر على تغيير المنكر حضر وغيره، فأدى بذلك إجابة الدعوة وإزالة
стр. 1666
المنكر، وإن لم يقدر على تغييره لم يحضر.
(وعن عمر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر» رواه أحمد وله الترمذي والنسائي نحوه من حديث جابر، وحسنه الحافظ، ولأبي داود عن ابن عمر، "نهى عن الجلوس على مائدة يدار عليها الخمر" فدلت هذه الأحاديث على سقوط حق الداعي، وعدم حضور الدعوة لوجود المنكر، والمراد إذا لم يقدر على تغييره.
(ولابن ماجه) بإسناد رجاله رجال الصحيح (عن علي) ﵁ قال: (صنعت طعامًا فدعوت رسول الله ﷺ فرأى في البيت تصاوير فرجع) وقال الشيخ وغيره خرج أحمد من وليمة فيها آنية فضة، فقال الداعي نحوها فأبى أن يرجع، فإذا صار في الوليمة خمر أو خنزير أو تصاوير، أو شاهد ستورًا معلقة فيها صور حيوان لم يجلس إلا أن تزال، وهذا مذهب جماهير العلماء، وقال ابن عبد البر هذا أعدل المذاهب، ويكره أيضًا تعليق الستور على الحيطان والأبواب من غير حاجة، لوجود أغلاف غيرها من أبواب الخشب ونحوها، وما زاد عن الحاجة فسرف.
وأما الحرير والذهب فيحرم كما تحرم سيور الحرير والذهب على الرجال، فكذا الحيطان والأبواب التي يشترك فيها الرجال والنساء: ينبغي أن تكون كالتي للرجال، وأما ما يختص بالمرأة
стр. 1667
ففيه نظر، إذ ليس هو من اللباس، وإن حضر من غير علم به ثم علم به أزاله لوجوب إزالته عليه، ويجلس بعد إزالته وإن دام المنكر لعجزه عن إزالته انصرف لئلا تكون إجابته سببًا لشهود المنكر، قال الشيخ ويحرم دخول بيعة وكنيسة مع وجود صورة، وأنها كالمسجد على القبر.
ويحرم حضور أعياد المشركين، وأن يفعل كفعلهم والتشبه بهم منهي عنه إجماعًا وتجب عقوبة فاعله، ولا ينبغي إجابة هذه الدعوة، وإن كان هناك مضحك بالفحش والكذب، لم يجز الحضور، ويجب الإنكار، فإن كان مزح لا كذب فيه ولا فحش أبيح مع من يقل ذلك، قال: والفرق بين الدعوة والجنازة أن الحق في الجنازة للميت، فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر، والحق في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أتى فيها بالمنكر فقد أسقط حقه من الإجابة.
(وعن أنس) ﵁ (مرفوعًا: «من انتهب فليس منا» رواه أحمد وصححه الترمذي) وللبخاري "نهى عن المثلة والنهبي" ولأحمد "عن النهبة والخلسة" وعن عمران بن حصين نحو ذلك، فثبت من طريق جماعة من الصحابة ﵃ النهي عن النهبة، ومن جملة ذلك انتهاب النثار، ولم يرد ما يصلح لتخصيصه، قال الحافظ ولا ضعيف فضلا عن صحيح فيكره، والنثار، شيء يطرحونه في أيام التزويج من دراهم أو غيرها، ويكره التقاطه، وأخذه ممن أخذه. قال أحمد هذه نهبة
стр. 1668
تقتضي التحريم وقيل ليس بمكروه، قال الشيخ والرخصة المحضة تبعد جدًا اهـ للنهي عنه، ولما فيه من الدناءة والسخف.
(وفي السنن) وعند أحمد والحاكم وغيرهم إلا أبا داود من حديث محمد بن حاطب أدرك النبي ﷺ وهو صغير أن رسول الله ﷺ قال: «فصل ما بين الحرام والحلال الدف» أي ضرب الدف، والمراد ضربة غير ملهية كدف العرب على شكل الغربال، ولأنه المعهود حينئذ (والصوت في النكاح) أي رفع الصوت في النكاح للإعلان به.
وتقدم سنيته (حسنه الترمذي) فدل الحديث على سنية ضرب الأدفاف قاله الشيخ وغيره، بحيث يكون كدف العرب، لا الأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره، لقوله ﷺ «نهيت عن صوتين أحمقين» وغيره، ويسن رفع الأصوات بشيء من الكلام، نحو أتيناكم أتيناكم، إعلانًا بالنكاح.
(ولابن ماجه عن عائشة) ﵂ (مرفوعًا «أعلنوا النكاح» أي أظهروه وأشيعوه «واضربوا عليه بالغربال» فهو المعهود على عهده ﷺ وفي المسند عن عمر بن يحيى المازني عن جده أبي حسن أن النبي ﷺ كان يكره نكاح السر، حتى يضرب بدف، ويقال: «أتيناكم أتيناكم فحيونا
стр. 1669
نحييكم» وفي رواية شريك "فهلا بعثتم جارية تضرب بالدف.
(وللبخاري عنها) أي عن عائشة ﵂ (أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال ﷺ ما كان معكم من لهو فإن الإنصار يعجبهم اللهو) ولابن ماجه عن ابن عباس أن عائشة أنكحت ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أهديتم الفتاة» قالوا: نعم قال: أرسلتم لها من يغنى قالت لا قال: «إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم» ففي هذه الأحاديث وما في معناها الندب على إعلان النكاح بالدف والغناء المباح، وفي الصحيح لما رأى نساء وصبيانًا جاءوا من عرس قال إنكم من أحب الناس إلي.
(وله) أي للبخاري (عن الربيع) بنت معوذ ﵂ أنه (دخل عليها) يعني النبي ﷺ (وجويريات يضربن بالدف) أي فأقرهن ولم ينكر ذلك، قال الشيخ، ومن استدل بجواز الغناء للصغار في يوم عيد على أنه مباح للكبار من الرجال والنساء على الإطلاق فهو مخطئ، وقال أما الشابة فلم يرخص أحد من أهل العلم في حضورها مجمع الرجال الأجانب.
لا في جنازة ولا في عرس، وتحرم كل ملهاة سوى الدف المعهود في عصر النبوة، كمزمار، وطنبور وجنك وعود وسائر الملاهي المحرمة، وكذا الأغاني المهيجة للفجور.
стр. 1670
ويحرم اللعب بالشطرنج ونحوه على عوض، وحكاه ابن عبد البر إجماعًا لا سيما إذا اشتمل على ترك واجب أو فعل محرم فيحرم بالاتفاق، أو عوض، أو شغل عن واجب من مصلحة النفس أو الأهل، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم، أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك.
(ولأبي داود) والنسائي وابن ماجه وغيرهم (من حديث عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده أي أن رسول الله ﷺ قال «إذا تزوج أحدكم امرأة فليقل اللهم إني أسألك خيرها» أي خير ذاتها «وخير ما جبلتها عليه» أي خلقتها وطبعتها عليه من الأخلاق البهية، «وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه» وفي لفظ: "ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة" ففيه استحباب الدعاء بما تضمنه هذا الحديث عند تزوجها وزفافها إليه، وهو دعاء جامع لأنه إذا لقي الإنسان الخير من زوجته وجنب الشر كان في ذلك جلب النفع واندفاع الضرر.
فصل في آداب الأكل والشرب
وبيان ما يسن في ذلك ويباح ويحرم ويكره وغير ذلك
(عن عمر بن أبي سلمة) كانت أمه زوج النبي ﷺ بعد أن توفي أبو سلمة (قال كانت يدي تطيش في الصحفة فقال
стр. 1671
رسول الله ﷺ «يا غلام سم الله» أي قل بسم الله.
قال الشيخ ولو زاد الرحمن الرحيم لكان حسنًا، فإنه أكمل بخلاف الذبح «وكل بيمينك» ولمسلم من حديث ابن عمر إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه «وكل مما يليك متفق عليه» فدل الحديث على وجوب التسمية للأمر بها، وقيل مستحبة في الأكل، ويقاس عليه الشرب، قال العلماء ويستحب أن يجهر بها ليسمع غيره وينبهه عليها، فإن تركها لأي سبب نسيان أو غيره في أول الطعام ففي أثنائه للخبر الآتي.
ودل على وجوب الأكل باليمين، وفي الحديث «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» وإن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ فقال: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعت ما منعه إلا الكبر» فما رفعها إلى فيه، فيكره أكله بشماله بلا ضرورة.
وحكاه النووي في الشرب إجماعًا ودل على أنه يجب الأكل مما يليه، ولابن ماجه من حديث ابن عباس: «إذا أكل أحدكم فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها» وفي لفظ «كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها» وإنه ينبغي حسن العشرة للجليس، وأن لا يحصل من الإنسان ما يسوء جليسه مما فيه سوء عشرة وترك مروءة فقد يتقذر جليسه لا سيما في الثريد والأمراق ونحوها، إلا في مثل الفاكهة لفعله ﷺ من أنه يتتبع الدباء من نواحي الصحفة متفق عليه، ولأنه غير لون واحد. ونهى عن الأكل من
стр. 1672
وسط الصحفة فللخمسة «لا تأكلوا من وسط الصحفة، وكلوا من جوانبها فإن البركة تنزل في وسطها» وسنده صحيح، وظاهر النهي سواء كان وحده أو معه جماعة.
وينبغي غض طرفه عن جليسه لئلا يستحي منه، وإيثاره على نفسه للآية، وقال أحمد يأكل بالسرور مع الإخوان وبالإيثار مع الفقراء وبالمروءة مع أبناء الدنيا، ومع العلماء بالتعلم، ويكره نفض يده في القصعة، وأن يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فمه، وينبغي أن يحول وجهه عند العطاء والسعال عن الطعام، أو يبعد عنه، أو يجعل على فيه شيئًا لئلا يخرج منه ما يقع في الطعام، ولا ينبغي أن يفجأ قومًا عند وضع طعامهم تعمدًا، وإلا أكل، قال الشيخ وأكل النساء مع الرجال الأجانب لا يفعل إلا لحاجة من نحو ضيق المكان أو قلة الطعام ومع ذلك لا تكشف وجهها للأجانب.
(وعن عائشة) ﵂ (قال) يعني رسول الله ﷺ (فإن نسي) أي نسي التسمية (في أوله) أي أول تناول الطعام (فليقل بسم الله في أوله وآخره صححه الترمذي) فدل على وجوب التسمية أثنائه إذا نسي في أوله. وأن يسمى كل واحد من الآكلين، ولما تقدم من قوله: «يا غلام سم الله» فإن سمي واحد فقط، فقيل تحصل بتسميته السنة، لخبر «إن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه» وفي
стр. 1673
هذين الحديثين وغيرهما، أنه لا بد من تسمية كل شخص فيتعين ذلك.
(وعن كعب) بن مالك ﵁ (قال: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع) الإبهام والسبابة والوسطى (رواه الخلال) ورواه مسلم وغيره وفيه فإذا فرغ لعقها فيكره الأكل بما دونها وما فوقها، ما لم تكن حاجة، أو ما يتناول عادة وعرفًا بإصبع أو إصبعين أو أكثر، فإن العرف يقتضيه، ولا يكره الأكل بالملعقة ونحوها، والسنة أن يأكل بيده.
(وعن جابر) ﵁ (أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع) وفي حديث كعب ولا يمسح يده حتى يلعقها (و) أمر بلعق (الصحفة) أي التي أكل منها (وقال إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) أي فيما أكلتموه قبل أو ما لعقتم من الأصابع أو الصحفة (رواه مسلم) وللترمذي "تستغفر له الصحفة" فدل الحديث على أنه يسن أن لا يمسح يده حتى يلعقها وأن يلعقوا الصحفة التي أكل منها، وأن يأكل ما تناثر من الطعام، لخبر " إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما بها من الأذى وليأكلها".
(وعن أبي جحيفة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: لا آكل متكئًا) أي متمكنًا في جلوسه، والاتكاء مأخوذ من الوكاء، والتاء بدل عن الواو، والوكاء هو ما يشد به الكيس أو
стр. 1674
غيره فكأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته ومعناه الاستواء على وطاء متمكنًا (رواه البخاري) ومعنى الحديث إذا أكلت لا أقعد متكئًا كفعل من يريد الاستكثار من الأكل، ولكن آكل بلغة، فيكون قعودي مستوفزًا.
والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال على أحد شقيه، ومن حمله على ذلك تأول ذلك على مذهب أهل الطب، بأن ذلك فيه ضرر، فإنه لا ينحذر في مجازي الطعام سهلا، ولا يسيغه هنيئًا وربما تأذى به فينبغي للآكل أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتربع ويكره الأكل قائمًا والشرب قائمًا لغير حاجة، اختاره الشيخ وغيره.
(ولمسلم عن أنس) ﵁ (مرفوعًا إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها) بأن يقول الحمد لله رب العالمين (ويشرب الشربة فيحمده عليها) بأن يقول الحمد لله رب العالمين إذا فرغ من أكله أو شربه، وينبغي أن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين للخبر.
(وعنه) أي عن أنس ﵁ (أن النبي ﷺ جاء إلى سعد) ابن عبادة ﵁ فجاء بخبز وزيت (فأكل) أي رسول الله ﷺ (ثم قال: افطر عندكم الصائمون) ظاهره فرضًا كان أو نفلاً فدل على فضيلة تفطير الصائم وتقدم أن له مثل أجره (وأكل طعامكم الأبرار) الاتقياء الصالحون
стр. 1675
(وصلت عليكم الملائكة) أثنت عليكم أو دعت لكم واستغفرت وفيه وذكركم الله فيمن عنده (رواه أبو داود) وسكت عنه المنذري ولأبي داود وغيره عن جابر أنه ﷺ لما أكل وأصحابه عند أبي الهيثم طعامًا قال أثيبوا أخاكم قالوا: وما إثابته قال: إن الرجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فإذا دعوا له فذلك إثابته.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط) فلا يقول رديئًا أو مالحًا أو حامضًا أو نحو ذلك، ولا يحتقره (إن اشتهاه أكله) ولم يعبه (وإلا تركه) ولم يعبه (متفق عليه) وفيه عدم عنايته ﷺ وتأنقه في المأكل، ويكره من رب الطعام مدح طعامه وتقويمه، لأنه يشبه المن به، وحرمه بعضهم، ولا بأس بمدحه من غير ربه، ولغير ضيف وقد يصير من لاتحدث بالنعمة، وكره قرانه في تمر قال الشيخ ومثله قران ما العادة تناوله إفرادًا.
(وعن المقدام) بن معدي كرب ﵁
(مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «بحسب ابن آدم لقيمات» وفي لفظ أكلات تكفيه في سد الرمق وإمساك القوة «يقمن
صلبه» أي ظهره ويتقوى بهن على الطاعة، «فإذا كان
ولا بد» وفي لفظ لا محالة «فثلث لطعامه» أي يجعله لمأكوله «وثلث لشرابه» أي يدعه لمشروبه «وثلث لنفسه» أي
من التجاوز، رواه أحمد وابن ماجه و (حسنه الترمذي)
стр. 1676
وصححه الحاكم، وهذا غاية ما اختير للأكل، ويحرم الأكل فوق الشبع.
وكره الشيخ وغيره أكله كثيرًا حتى يتخم، وحرمه أيضًا وحرم الإسراف وهو مجاوزة الحد، ولا ينبغي أن لا يأكل إلا قليلاً بحيث يضره، سواء كان مع غيره أو وحده، لخبر " لا ضرر ولا ضرار" وليس من السنة ترك أكل الطيبات ومن السرف أن يأكل كل ما اشتهى، ومن أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة للأخبار.
(وعن أبي قتادة) ﵁ (مرفوعًا إذا تنفس أحدكم فلا يتنفس في الإناء) لما يخرج النفس من كرب القلب وكدر البدن، فكره الشارع أن يؤذي الشارب، أو لأنه قد يخرج شيء من الفم فيتصل بالماء فيقذره على غيره (متفق عليه) وأما ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس أنه ﷺ كان يتنفس في الشرب ثلاثًا، فالمراد في أثناء الشراب، لا في إناء الشراب، ولمسلم "فإنه أروى وأبرأ وأمرى" أي أقمع للعطش وأكثر برأ، ولما فيه من الهضم، ومن سلامته من التأثير في برد المعدة، وأكثر مراءة لما فيه من السهولة.
(وعن ابن عباس) ﵄ أي مرفوعًا نحوه رواه أبو داود وغيره وزاد على ما تقدم (أو ينفخ فيه) أي في الإناء (صححه الترمذي) وله وغيره من حديث أبي سعيد "نهى عن
стр. 1677
النفخ في الشراب، فقال رجل القذاة أراها في الإناء قال: "أهرقها" قال فإني لا أروى من نفس واحد قال: "فأبن القدح من فيك ثم تنفس، فدل الحديث على النهي عن النفخ في الإناء، وعن ابن عباس مرفوعًا «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث» وروي " مصوا الماء مصًا ولا تعبوه. فإن الكباد من العب.
وأما اللبن فيعب لأنه طعام، وينبغي أن لا يشرب من ثلمة القدح، لما روى أبو داود من حديث أبي سعيد " نهى عن الشرب من ثلمة القدح" وكره شربه من في السقاء، لأنه قد يخرج منه ما ينغصه، وفي أثناء طعامه بلا عادة، إلا إذا صدق عطشه، فينبغي من جهة الطب، يقال إنه دباغ المعدة، وإذا شرب ناوله الأيمن للخبر.
* * *
стр. 1678
باب عشرة النساء
بكسر العين الاجتماع، يقال لكل جماعة عشرة، ومعشر، والمراد هنا ما يكون بين الزوجين من الإلفة والانضمام وما يلزم كلا منهما من العشرة بالمعروف، فلا يمطل أحدهما حق صاحبه ولا يتكره لبذله ولا يتبعه أذى ولا منة.
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم، وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل ذلك أنت بها مثله، قال ابن زيد تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم، وقال ﷺ «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة دائم البشر.
يداعب أهله ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى أنه يسابق عائشة يتودد إليها بذلك، ويأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، وينام مع إحداهن في شعار واحد قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا *﴾ أي فعسى أن يكون صبركم في إمساككم لهن مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة.
ومنه أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الصحيح لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر" فدلت الآية على أنه ينبغي إمساكها مع كراهته لها، لأنه لا يعلم وجوه الصلاح فربما مكروهًا عاد
стр. 1679
محمودًا أو محمودًا عاد مكروهًا مذمومًا، ولا تكاد تجد محبوبا ليس فيه ما تكره فليصبر المرء على ما يكره لما يحب.
(وقال) تعالى (ولهن) أي للنساء على الرجال من المعاشرة بالمعروف ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ للرجال من المعاشرة والقيام بحق الزوج ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو ما يعرف بالشرع ويتعارف بين الناس وجماع المعروف بينهما كف المكروه وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه لا بإظهار الكراهية في تأديته فأيهما مطل بتأخيره فمطل الغني ظلم، قال ابن عباس ﵄ إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي، وقال ابن العطار يجب على المرأة أن تبدي لزوجها كل ما يدعوه إليها ويزيدها في مودته وتصطاد به قلبه.
ويجب عليها إزالة نحو وسخ ودرن وغسل نجاسة ونحو ذلك، وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره، وكل ما يمنع كمال الاستمتاع كأكل ما له رائحة كريهة، وقال الشيخ تجبر على تمكينه من جميع أنواع الاستمتاع المباحة، ويجب عليها خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ في الفضيلة وطاعة الأمر والإنفاق وغير ذلك، وقال ابن عباس، بما ساق فحق الزوجة أعظم من حقها عليه وفي الحديث " لو كنت أمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها.
стр. 1680
رواه أهل السنن وغيرهم ولأحمد وغيره "والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تنبجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما أدت حقه" وله أيضًا لا تؤدي حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه.
(وقال) تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي اعتزلوا جماعهن حال جريان حيضهن، فدلت الآية على تحريم وطء الحائض حال جريان دم الحيض ولا نزاع في ذلك.
ويحرم بعده قبل الغسل عند جماهير العلماء لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وتقدم حديث «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» أي الجماع فهو مفسر للآية ومبين الاعتزال المنهي عنه وأنه الجماع لا المواكلة والمشاربة والملامسة والمضاجعة.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال «استوصوا») أي أوصيكم «بالنساء خيرًا» يعني فاقبلوا وصيتي «فإنهن عوان عندكم» أي أسيرات، فالعاني الأسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا «أخذتموهن بأمانة الله» أي أن الله ائتمنكم عليهن فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها وفي لفظ "بأمان الله" «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» أي بإباحة الله والكلمة ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية رواه مسلم.
فدل الحديث على الوصية بهن ومراعات حقهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك.
стр. 1681
(ولهما عنه) أي وللبخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ (مرفوعًا: إن المرأة خلقت من ضلع) بكسر الضاد وفتح اللام وإسكانها واحد الأضلاع (أعوج) أي غير مستقيم "وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه" مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن «فإن ذهبت تقيمه» أي الضلع «كسرته» وفي لفظ «وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها» «وإن استمتعت استمتعت بها وفيها عوج» لأنهن خلقن من أصل معوج، والمراد أن حواء خلقت من ضلع آدم قيل الأقصر الأيسر قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
ففيه الوصية بهن والاحتمال لهن والصبر على عوج أخلاقهن وأنه لا سبيل إلى إصلاح أخلاقهن بل لا بد من العوج فيها، وأنه من أصل الخلقة، وتقدم «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» فإنها لا تستقيم أبدًا فمن حاول حملها على الأخلاق المستقيمة أفسدها، ومن تركها على ما فيها من الإعوجاج انتفع بها.
(وعنه مرفوعًا) أي وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا» إذ الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فأكملهم «أحسنهم خلقًا» بضم الخاء ففيه أن من ثبت له مزية حسن الخلق كان من أهل الإيمان الكامل، فإن كان أحسن الناس خلقًا كان أكمل الناس إيمانًا لأن كمال الإيمان يوجب حسن
стр. 1682
الخلق والإحسان وإن خصلة يختلف حال الإيمان باختلافهم لخلقته بأن ترغب إليها نفوس المؤمنين قال: «وخياركم خياركم لنسائها» وفي لفظ" إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله" (صححه الترمذي) ورواه أحمد وغيره، وجاء أيضًا «خيركم خيركم لأهله».
فدل الحديثان أن أعلى الناس مرتبة في الخير وأحقهم بالأتصاف به هو من كان خير الناس لأهله، فإن الأهل هم الأحق بالبشر وحسن الخلق والإحسان وجلب النفع ودفع الضر، فإذا كان الرجل كذلك فهو خير الناس، وإن كان على العكس من ذلك فهو في الجانب الآخر من الشر، وكثيرًا ما يقع الناس في هذه الورطة فترى الرجل إذا لقي أهله كان أسوأ الناس أخلاقًا وأشحهم نفسًا وأقلهم خيرًا.
وإذا لقي غير الأهل لانت عريكته وانبسطت أخلاقه، وجادت نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه، وقال ابن الجوزي معاشرة المرأة بالتلطف مع إقامة الهيبة، ولا ينبغي أن يعلمها قدر ماله ولا يفشي إليها سرًا يخاف إذاعته، وليكن غيورًا من غير إفراط لئلا ترمى بالشر من أجله.
(وعنه) أي عن أبي هريرة أيضًا ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها» قيل كتابة عن الجماع أو أن المراد الفراش المعهود «لعنتها الملائكة حتى ترجع» متفق عليه وفي لفظ للبخاري «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح» أي
стр. 1683
وترجع ولمسلم " كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" فدل الحديث على أنه يجب على المرأة إجابة زوجها إذا دعاها للجماع أو الفراش للعن الملائكة لها إذ لا يلعنون إلا عن أمر الله، ولا يكون إلا عقوبة ولا عقوبة إلا على ترك واجب، ودل على تأكد وجوب طاعة الزوج وتحريم عصيانه ومغاضبته ورواية "حتى تصبح" خرج مخرج الغالب، وإلا فيجب عليها إجابته نهارًا للأخبار.
وفي خبر الثلاثة الذين لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة" المرأة الساخط عليها زوجها، وله الاستمتاع بها، ولو على تنور أو ظهر قتب للخبر رواه أحمد، وليس له شغلها عن فرض، وليس لها تطوع بصوم أو صلاة وهو شاهد إلا بإذنه، ويباشرها ما لم يضر بها، قال الشيخ فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة، فمن زاد عليها في الجماع صولح على شيء لأنه غير مقدر، وجعل ابن الزبير أربعًا في الليل وأربعًا في النهار، وصالح أنس رجلاً على ستة، ويرجع إلى اجتهاد الحاكم.
(ولهما عنه) أي عن أبي هريرة أيضً ﵁ (مرفوعًا ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) لا لقرابة ولا غيرهم لعموم الخبر ما لم تقم قرينة دالة على رضاه، وللترمذي وصححه، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون وإن خاف ضررا من زيارة أبويها فله منعها، ويعرف ذلك بقرائن الأحوال ومنه أن يفسداها عليه، ولا
стр. 1684
يمنعها من كلامهما وله منعها من الخروج من منزلة، ويحرم بلا إذنه من غير ضرورة كاضطرارها لمطعم ومشرب لعدم من يأتيها به.
وينبغي استئذانه أن تمرض محرمها وتشهد جنازته لما في ذلك من صلة الرحم، وعدم إذنه يكون حاملاً لها على مخالفته، قال الشيخ له منعها من الخروج فإذا نهاها لم تخرج، وقال ولا تترك المرأة تذهب حيث شاءت بالاتفاق اهـ.
وله منعها من إجارة نفسها ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة، وله السفر بها مع الأمن وعدم اشتراط ضده،
لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم.
(وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى رجل أتى» رجلا أو «امرأة في دبرها» رواه النسائي وغيره (حسنه الترمذي) ونحوه لأحمد أيضًا وغيره، عن أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب وعلي بن طلق وغيرهم مرفوعًا وموقوفًا، ولفظ الخمسة عن أبي هريرة مرفوعًا «ملعون من أتى امرأة في دبرها» والأحاديث قاضية بتحريم إتيان النساء في أدبارهن، وقد حرم الله الوطء في القبل لأجل الأذى فكيف بالحش الذي هو موضع الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل الذي هو العلة الغائية في مشروعية النكاح، وفيه من المفاسد الدينية والدنيوية ما هو معروف.
وقال الشيخ وطء المرأة في الدبر حرام بالكتاب والسنة وقول جماهير السلف والخلف بل هو اللوطية الصغرى، وسيأتي
стр. 1685
في حد اللواط ما يكفي ويشفي، وما روي عن الشافعي فمن أصحابه من أنكره عنه، والقول الجديد عنه تحريمه، ولا يرضى أحد بنسبة جوازه إلى أمامه، وقال الربيع والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ست كتب.
وقال ابن القيم قال الشافعي لا أرخص فيه بل أنهى عنه، وقال من نقل عن الأئمة إباحته فقد غلط عليهم أفحش الغلط وأقبحه، وإنما الذي أباحوه أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في القبل، فيطأ من الدبر في القبل لا في الدبر، فإن فعله عزر لإتيانه معصية لا حد فيها ولا كفارة، وإن تطاوعا عليه فرق بينهما، قال الشيخ كما يفرق بين الرجل الفاجر وبين من يفجر به من رقيقه.
(وعن عمر) ﵁ قال (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل) أي الزوج (عن) زوجته (الحرة) والعزل النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج (إلا بإذنها رواه أحمد) وفيه ابن لهيعة، ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها.
(ولمسلم عن عائشة) ﵂ قالت (قال) رسول
الله ﷺ (ذلك) أي العزل (الوأد الخفي) أي دفن البنت
حية، سماه وأدًا لما تعلق من قصد منع الحمل، فدلت هذه الأحاديث على تحريم عزل الزوج عن زوجته الحرة إلا بإذنها، وقال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها. لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به، وليس
следующие страницы →