Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
(ولهما عنه) أي وللبخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ (مرفوعًا: إن المرأة خلقت من ضلع) بكسر الضاد وفتح اللام وإسكانها واحد الأضلاع (أعوج) أي غير مستقيم "وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه" مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن «فإن ذهبت تقيمه» أي الضلع «كسرته» وفي لفظ «وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها» «وإن استمتعت استمتعت بها وفيها عوج» لأنهن خلقن من أصل معوج، والمراد أن حواء خلقت من ضلع آدم قيل الأقصر الأيسر قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
ففيه الوصية بهن والاحتمال لهن والصبر على عوج أخلاقهن وأنه لا سبيل إلى إصلاح أخلاقهن بل لا بد من العوج فيها، وأنه من أصل الخلقة، وتقدم «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» فإنها لا تستقيم أبدًا فمن حاول حملها على الأخلاق المستقيمة أفسدها، ومن تركها على ما فيها من الإعوجاج انتفع بها.
(وعنه مرفوعًا) أي وعن أبي هريرة أيضًا ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا» إذ الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فأكملهم «أحسنهم خلقًا» بضم الخاء ففيه أن من ثبت له مزية حسن الخلق كان من أهل الإيمان الكامل، فإن كان أحسن الناس خلقًا كان أكمل الناس إيمانًا لأن كمال الإيمان يوجب حسن
стр. 1682
الخلق والإحسان وإن خصلة يختلف حال الإيمان باختلافهم لخلقته بأن ترغب إليها نفوس المؤمنين قال: «وخياركم خياركم لنسائها» وفي لفظ" إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله" (صححه الترمذي) ورواه أحمد وغيره، وجاء أيضًا «خيركم خيركم لأهله».
فدل الحديثان أن أعلى الناس مرتبة في الخير وأحقهم بالأتصاف به هو من كان خير الناس لأهله، فإن الأهل هم الأحق بالبشر وحسن الخلق والإحسان وجلب النفع ودفع الضر، فإذا كان الرجل كذلك فهو خير الناس، وإن كان على العكس من ذلك فهو في الجانب الآخر من الشر، وكثيرًا ما يقع الناس في هذه الورطة فترى الرجل إذا لقي أهله كان أسوأ الناس أخلاقًا وأشحهم نفسًا وأقلهم خيرًا.
وإذا لقي غير الأهل لانت عريكته وانبسطت أخلاقه، وجادت نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه، وقال ابن الجوزي معاشرة المرأة بالتلطف مع إقامة الهيبة، ولا ينبغي أن يعلمها قدر ماله ولا يفشي إليها سرًا يخاف إذاعته، وليكن غيورًا من غير إفراط لئلا ترمى بالشر من أجله.
(وعنه) أي عن أبي هريرة أيضًا ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها» قيل كتابة عن الجماع أو أن المراد الفراش المعهود «لعنتها الملائكة حتى ترجع» متفق عليه وفي لفظ للبخاري «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح» أي
стр. 1683
وترجع ولمسلم " كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" فدل الحديث على أنه يجب على المرأة إجابة زوجها إذا دعاها للجماع أو الفراش للعن الملائكة لها إذ لا يلعنون إلا عن أمر الله، ولا يكون إلا عقوبة ولا عقوبة إلا على ترك واجب، ودل على تأكد وجوب طاعة الزوج وتحريم عصيانه ومغاضبته ورواية "حتى تصبح" خرج مخرج الغالب، وإلا فيجب عليها إجابته نهارًا للأخبار.
وفي خبر الثلاثة الذين لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة" المرأة الساخط عليها زوجها، وله الاستمتاع بها، ولو على تنور أو ظهر قتب للخبر رواه أحمد، وليس له شغلها عن فرض، وليس لها تطوع بصوم أو صلاة وهو شاهد إلا بإذنه، ويباشرها ما لم يضر بها، قال الشيخ فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة، فمن زاد عليها في الجماع صولح على شيء لأنه غير مقدر، وجعل ابن الزبير أربعًا في الليل وأربعًا في النهار، وصالح أنس رجلاً على ستة، ويرجع إلى اجتهاد الحاكم.
(ولهما عنه) أي عن أبي هريرة أيضً ﵁ (مرفوعًا ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) لا لقرابة ولا غيرهم لعموم الخبر ما لم تقم قرينة دالة على رضاه، وللترمذي وصححه، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون وإن خاف ضررا من زيارة أبويها فله منعها، ويعرف ذلك بقرائن الأحوال ومنه أن يفسداها عليه، ولا
стр. 1684
يمنعها من كلامهما وله منعها من الخروج من منزلة، ويحرم بلا إذنه من غير ضرورة كاضطرارها لمطعم ومشرب لعدم من يأتيها به.
وينبغي استئذانه أن تمرض محرمها وتشهد جنازته لما في ذلك من صلة الرحم، وعدم إذنه يكون حاملاً لها على مخالفته، قال الشيخ له منعها من الخروج فإذا نهاها لم تخرج، وقال ولا تترك المرأة تذهب حيث شاءت بالاتفاق اهـ.
وله منعها من إجارة نفسها ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة، وله السفر بها مع الأمن وعدم اشتراط ضده،
لأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون بنسائهم.
(وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى رجل أتى» رجلا أو «امرأة في دبرها» رواه النسائي وغيره (حسنه الترمذي) ونحوه لأحمد أيضًا وغيره، عن أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب وعلي بن طلق وغيرهم مرفوعًا وموقوفًا، ولفظ الخمسة عن أبي هريرة مرفوعًا «ملعون من أتى امرأة في دبرها» والأحاديث قاضية بتحريم إتيان النساء في أدبارهن، وقد حرم الله الوطء في القبل لأجل الأذى فكيف بالحش الذي هو موضع الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل الذي هو العلة الغائية في مشروعية النكاح، وفيه من المفاسد الدينية والدنيوية ما هو معروف.
وقال الشيخ وطء المرأة في الدبر حرام بالكتاب والسنة وقول جماهير السلف والخلف بل هو اللوطية الصغرى، وسيأتي
стр. 1685
في حد اللواط ما يكفي ويشفي، وما روي عن الشافعي فمن أصحابه من أنكره عنه، والقول الجديد عنه تحريمه، ولا يرضى أحد بنسبة جوازه إلى أمامه، وقال الربيع والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ست كتب.
وقال ابن القيم قال الشافعي لا أرخص فيه بل أنهى عنه، وقال من نقل عن الأئمة إباحته فقد غلط عليهم أفحش الغلط وأقبحه، وإنما الذي أباحوه أن يكون الدبر طريقًا إلى الوطء في القبل، فيطأ من الدبر في القبل لا في الدبر، فإن فعله عزر لإتيانه معصية لا حد فيها ولا كفارة، وإن تطاوعا عليه فرق بينهما، قال الشيخ كما يفرق بين الرجل الفاجر وبين من يفجر به من رقيقه.
(وعن عمر) ﵁ قال (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل) أي الزوج (عن) زوجته (الحرة) والعزل النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج (إلا بإذنها رواه أحمد) وفيه ابن لهيعة، ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها.
(ولمسلم عن عائشة) ﵂ قالت (قال) رسول
الله ﷺ (ذلك) أي العزل (الوأد الخفي) أي دفن البنت
حية، سماه وأدًا لما تعلق من قصد منع الحمل، فدلت هذه الأحاديث على تحريم عزل الزوج عن زوجته الحرة إلا بإذنها، وقال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها. لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به، وليس
стр. 1686
الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ويحرم من زوج أمة إلا بإذن سيدها، وهو مذهب الجمهور، وأما الأمة فلمسلم عن جابر أن رجلاً قال للنبي ﷺ إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال: «اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتي ما قدر لها» فيجوز العزل عن الأمة لهذا الخبر وغيره وهو مذهب الجمهور.
(وقال لعبد الله بن عمرو) بن العاص ﵁ (وإن لزوجك عليك حقًا متفق عليه) وجاء من طرق بعد ذكر صومه التطوع أي لا ينبغي لأحد أن يجهد نفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحقها من جماع واكتساب، وفيه: "وإن لنفسك عليك حقًا" وفي لفظ "ولجسدك عليك حقًا" مراعاته والرفق به وتقدم " ولنسائكم عليكم حقًا" ثم قال: "وحقها عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" فإذا انقطع في التعبد عن مصالح أهله وضعف عن القيام بحقوقهم كره ما لم يأذنوا به.
ولا وجه لقول بعضهم يبيت عند الحرة ليلة من أربع وينفرد إذا أراد في الباقي، فنص أحمد في الذي يصوم النهار ويقوم الليل على وجوب المبيت في المضجع، وكذا ما في النشوز يدل على وجوب المبيت في المضجع، وجواز التزوج بأربع لا يقتضي أنه إذا تزوج بواحدة يكون حال الانفراد كحال الاجتماع.
وقرر الشيخ وجوب المبيت في المنزل وأنه لا يهجر المضجع واختار وجوب الوطء بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه.
стр. 1687
أو يشغله عن معيشة من غير تقدير مدة، فإن تنازعا فينبغي أن يفرضه الحاكم كالنفقة وكوطئه إذا زاد، قال وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال سواء كان يقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة وأولى للفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعًا، ثاب أبو محمد المقدسي القول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فرقته كالقول في امرأة المفقود بالإجماع.
(وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) أي أن النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم حين يأتي أهله» أي حين يريد أن يأتي أهله وفي لفظ "إذا أراد أن يأتي أهله" كنى به عن الجماع (يقول بسم الله) بركة واستعانة بالله (اللهم جنبنا الشيطان) باعده منا واعصمنا منه (وجنب الشيطان ما زرقتنا) من الولد فلا يكون له نصيبًا فيه (لم يضره الشيطان أبدًا متفق عليه) ورواه أهل السنن وغيرهم أي لم يسلط عليه فيكون من جملة الذين قال الله فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان).
قال الحسن يرجى إن حملت به أن يكون ولدًا صالحًا. فدل الحديث على استحباب التسمية وبيان بركتها في كل حال، وأن يعتصم بالله وذكره من الشيطان ويتبرك باسمه تعالى والاستعاذة به من جميع الأسواء، ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه إذا أنزل يقول اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتنا نصيبًا.
стр. 1688
وينبغي أن يلاعبها قبل الجماع وتقدم أنها تجبر على تمكينه من جميع أنواع الاستمتاع المباحة، ويكره الوطء متجردين لما ورى ابن ماجه وغيره من حديث عتبة " فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين" ويكره كثرة الكلام حالة الجماع. لما روي "لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء" ويكره النزع قبل فراغ شهوتها، لما روي "إذا قضي حاجته فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها" لما في ذلك من الضرر عليها ومنعها من قضاء شهوتها، ويحرم الوطء بمرأى أحد أو مسمعه.
قال أحمد كانوا يكرهون الوجس يعني الصوت الخفي، ويأتي النهي عن التحدث به فكيف برؤيته.
(ولمسلم عن أبي سعيد) الخدري ﵁ مرفوعًا أي أنه ﷺ قال: «إن من شر الناس» ولفظ مسلم «أشر الناس» وجاءت الأحاديث باللفظين وشر الناس ضد خيرهم (عند الله منزلة يوم القيامة تهديد شديد وزجر من أ، (الرجل يفضي إلى المرأة) من أفضى الرجل إلى المرأة جامعها، أو خلا بها جامع أولا. (وتفضي إليه ثم ينشر سرها) أي وتنشر سره فيبدي كل منهما ما يجري بينه وبين صاحبه، ولأحمد وأبي داود من حديث أبي هريرة "هل منكم رجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ثم يخرج فيحدث فيقول فعلت بأهلي كذا وفعلت بأهلي كذا" فسكتوا فأقبل على النساء فقال: «هل منكن من تحدث» فجثت فتاة على إحدى ركبتيها وتطاولت ليراها النبي ﷺ ويسمع كلامها فقالت: أي والله إنهم يتحدثون وإنهن
стр. 1689
ليتحدثن فقال: «هل تدرون ما مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانه لقي أحدهما صاحبه بالسكة فقضي حاجته منها وللناس ينظرون إليه».
فدل الحديثان وغيرهما على تحريم إفشاء الزوجين أو أحدهما لما يقع بينهما من أمور الجماع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري فيه بينهما من قول أو فعل ونحوه، وأما مجرد ذكر الجماع فإذا لم يكن لحاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة وللنهي عنه، وإن دعت إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة بأن كان ينكر إعراضه عنها أو تدعي عليها العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذلك، كما قال ﷺ «إني لأفعله أنا وهذه» وقال لجابر "الكيس الكيس" وكما روي عن الرجل الذي ادعت عليه العنة قال: يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم.
فصل في القسم
أي العدل بين الزوجات في المبيت والنفقة والكسوة وغير ذلك مما يأتي تفصيله.
(قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا﴾ أي إلى التي تحبونها ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي لا تتبعوا أهواءكم وأفعالكم في القسم في المبيت والنفقة وغير ذلك ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي إذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية فتدعوا الأخرى كالمعلقة لا أيما ولا ذات بعل، قال ابن عباس وغيره لا ذات بعل ولا مطلقة فدلت
стр. 1690
الآية وغيرها مما سيأتي على وجوب التسوية في القسم بين من كان تحته امرأتان فأكثر، فإن أبى عصى وعليه القضاء للمظلومة، والتسوية شرط في البيتوتة لا في الجماع، فلا يجب لأنه يدور على النشاط، وليس ذلك إليه، وفي الكسوة والنفقة اختاره الشيخ وغيره، وتمييز إحداهن ميل.
ويكون في القسم ليلة وليلة إلا أن يرضين بأكثر، ولزوج أمة مع حرة ليلة من ثلاث لأنها على النصف منها وعماد القسم الليل لمن معاشه النهار، ومن معيشته بالليل كحارس يقسم بين نسائه بالنهار ويكون النهار في حقه كالليل في حق غيره.
وله أن يأتيهن وأن يدعوهن إلى محله، وأن يأتي بعضًا ويدعو بعضًا إذا كان مسكن مثلها، ولا يدخل على غير ذات ليلة فيها إلا لضرورة كمنزول بها أو ما لا بد منه عرفًا، ولا في نهارها إلا لحاجة كدفع نفقة أو سؤال عن أمر يحتاجه، فإن لبث أو جامع لزمه القضاء لا قضاء قبلة ونحوها.
ويقسم لحائض ونفساء ومجنونة مأمونة وغيرها، وإن سافرت بلا إذن أو أبت السفر معه أو المبيت عنده في فراشه فلا قسم لها ولا نفقة، لأنها عاصية كالناشز، وكذا إن سافرت بإذنه في حاجتها فلا قسم لها أيضًا ولا نفقة لعدم الاستمتاع بها ولحاجته فلا يسقط حقها.
(وقال) تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أي خشيتم ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾
стр. 1691
بين الأزواج أربع أو ثلاث أو اثنين ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي فانكحوا واحدة لا تزيدوا عليها ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني السراري لأنه لا يلزم فيها من الحقوق ما يلزم في الحرائر بل يطأ من شاء متى شاء، ولا قسم لهن ولا وقف في عددهن، بخلاف الحرائر فيجب القسم بينهن بإجماع المسلمين.
﴿ذَلِكَ﴾ أي الاقتصار على زوجة واحدة أو ملك يمين ﴿أَدْنَى﴾ أي أقرب ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي أن لا تجوروا يقال عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار، وقال بعضهم أقرب أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم وأصل العول المجاوزة، والمراد أن لا تميلوا إلى من تحبون منهن دون الأخرى، كما في الآية الأولى فتأثموا بذلك.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: «من له امرأتان» أي مثلا «فمال إلى إحداهما» أي فضل إحداهما فلم يعدل بينهما بل مال إلى إحداهما دون الأخرى «جاء يوم القيامة وشقه مائل» أي أحد جنبيه مفلوج ساقط (رواه الخمسة) وغيرهم، وقال الحافظ سنده صحيح، والحديث دليل على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات، وأنه يحرم عليه الميل إلى إحداهن كما تقدم في الآية. والمراد في القسم والإنفاق ونحو ذلك مما يملكه الزوج لا في المحبة ونحوها، لأنها مما لا يملكه، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قال ابن عباس في الحب والجماع، ويستحب أن يسوي بينهن بجميع الاستمتاعات من
стр. 1692
الوطء والقبلة والنظر وغير ذلك.
(ولهم) أي للخمسة وصححه ابن حبان وغيره (عن عائشة) ﵂ أنه ﷺ (كان يقسم بين نسائه) فيبيت عند كل واحدة ليلة (ويعدل) أي يسوي بين نسائه في البيتوتة، وعماده الليل لأنه الوقت الذي يأوي فيه الإنسان إلى منزله ويسكن إلى أهله وينام على فراشه مع زوجته عادة، والأولى أن يكون لكل واحدة منهن مسكنًا يأتيها فيه لفعله ﷺ ؛ ولأنه أصون لها وأستر حتى لا يخرجن من بيوتهن، وإن دعاهن إلى محل يسكنه غير مساكن زوجاته جاز، وإن أقام عند واحدة ودعا الباقيات إلى بيتها لم تجب عليها الإجابة، ويقسم المريض كالصحيح، لقوله "أين أنا غدًا" رواه البخاري.
(ويقول اللهم هذا) أي هذا العدل (قسمي فيما أملك) أي فيما أقدر عليه (فلا تلمني) أي تعاتبني أو تؤاخذني (فيما تملك ولا أملك) يعني من زيادة المحبة وميل القلب فإنك مقلب القلوب، وقال الترمذي وغيره يعني به الحب والمودة، والحديث دليل على وجوب القسم فيما يملك الزوج، وأن المحبة وميل القلب أمر غير مقدور للعبد، بل هو من الله تعالى لا يملكه العبد قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾.
(وعن أنس) بن مالك ﵁ (قال من السنة) وله حكم الرفع ورواه جماعة عن أنس وقالوا فيه قال رسول
стр. 1693
الله ﷺ (إذا تزوج الرجل البكر على الثيب) وذلك أن تكون عنده امرأة فيتزوج معها بكرًا (أقام عندها سبعًا) أي عند البكر أيام زفافها (ثم قسم) أي بين أزواجه (وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم متفق عليه) وقال ابن عبد البر الأحاديث المرفوعة على ذلك وليس مع من خالف حديث مرفوع والحجة مع من أدلى بالسنة، وللدارقطني عنه مرفوعًا "للبكر سبع وللثيب ثلاث" ويحمل المطلق على المقيد.
ولما تزوج ﷺ أم سلمة ﵂ أقام عندها ثلاثًا ثم قال: "ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" والحديث وما في معناه يدل على أن البكر تؤثر بسبع والثيب بثلاث وتجب الموالاة في السبع والثلاث، وهو في حق من له زوجة قبل الجديدة، وقيل بسبب الزفاف، وقال النووي يستحب إذا لم يكن عنده غيرها وإلا فيجب، والإيثار يكون بالمبيت والقيلولة لا استغراق ساعات الليل والنهار.
(ولهما عن عائشة) ﵂ (أن سودة بنت زمعة) ابن قيس بن عبد شمس بن عبد ود العامرية وكان ﷺ تزوجها بمكة بعد موت خديجة وتوفيت بالمدينة سنة أربع وخمسين (وهبت يومها لعائشة) وللبخاري تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ وذلك حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله يومي لعائشة فقبل منها رواه أبو داود، ولابن
стр. 1694
سعد مرسلاً أنه ﷺ طلقها فقعدت له فقالت أنشدك الله لما راجعتني فراجعها قالت: فإني جعلت يومي لعائشة حبة رسول الله ﷺ (وكان ﷺ يقسم) أي بين زوجاته لكل زوجة يوم (ولها) أي لعائشة (يومين يومها) أي يوم عائشة (ويوم سودة) الذي وهبته لعائشة وللبخاري وليلتها.
فدل الحديث على جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها، ولهما عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج تقول أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري وأنت في حل من النفقة علي والقسم، وفي رواية هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرًا أو غيره فيريد فراقها فتقول أمسكني وأقسم لي ما شئت فلا بأس إذا تراضيا فدلت الآية أيضًا على ما دل عليه الحديث من جواز إسقاط نفقة أو قسم أو غير ذلك مما يدخل تحت عموم الآية، والحديث ويعتبر رضي الزوج إذا وهبت نوبتها لضرتها لأن له حقًا في الزوجة فليس لها أن تسقط حقها إلا برضاه ويصح الرجوع لها فيما وهبت من نوبتها لأن الحق يتجدد.
(وعنها) أي عن عائشة ﵂ (قالت كان) يعني رسول الله ﷺ (إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه) لتعين القرعة من يسافر بها لتساويهن في الحق وعدم إمكان الجمع
стр. 1695
بينهن فوجب المصير إلى القرعة إن لم يرضين (فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) أي خرج بها النبي ﷺ بالمرأة التي خرج سهمها معه في السفر (متفق عليه) وقال أحمد يقرع بينهما فتخرج إحداهما برضى الأخرى ويأثم إن سافر بإحداهن بغير قرعة ولا رضى. ولا يقضي عند الجمهور واختراه الشيخ.
فصل في النشوز
وهو معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض فأكنها ارتفعت وتعالت عما فرض الله عليها من المعاشرة بالمعروف.
قال تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ لما ذكر تعالى الصالحات القانتات يعني المطيعات أزواجهن الحافظات للغيب في غيبة زوجها في نفسها وماله بين حكم اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن أي يرتفعن ويتعالين عليهم فالناشز هي المرتفعة على زوجها التاركة لأمره المعرضة عنه قال تعالى ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي متى ظهر منها إمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه ويذكرها ما أوجب الله عليها من الحق والطاعة وما يلحقها من الإثم بالمخافة. فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والوعظ بالقول.
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ إن لم ينزعن عن ذلك بالقول وعصين بعد وعظهن ويليها ظهره في الفراش ولا يكلمها وقال بعضهم لا يضاجعها وللبيهقي يعني النكاح ما شاء حتى تنزع فلم يقدر بمدة وفي الكلام ثلاثة أيام فإن أصررن بعد الهجر المذكور فقال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي إن لم ينزعن مع الهجران فاضربوهن والمراد ضربًا غير مبرح للخبر والضرب المبرح هو الشاق الذي لا تحمله النفس فبدأ تعالى بالموعظة فإن لم ترتدع فبالهجر فإن لم ترتدع فبالضرب. قال الوزير اتفقوا على أنه يجوز للزوج أن يضرب زوجته إذا نشزت بعد أن يعظها ويهجرها في المضجخ ويجتنب الوجه والمواضع المخوفة. وله تأديبها على ترك الفرائض. قال الشيخ وتهجر زوجها في المضجع لحق الله بدليل قصة الذين خلفوا.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي إذا أطاعت زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أي لا سبيل له عليها بعد إتيانها لما يريده منها لا ضربها ولا هجرانها ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا﴾ أي متعاليًا من أن يكلف العباد ما لا يطيقونه ﴿كَبِيرًا﴾ لا أكبر منه ولا أعظم انتقامًا منه لمن ظلم.
وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ أي علمت ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي زوجها ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي بغضًا ونفورًا عنها ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي لا حرج على الزوج ولا المرأة ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ أي يتصالحا. وقرأ أهل الكوفة أن يصلحا من
стр. 1696
الصلاح ﴿بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ يعني في القسم والنفقة وغير ذلك، وذلك بأن تسقط عنه حقها أو بعضها من قسم أو نفقة أو كسوة ومبيت وغير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا حرج عليه في قبوله منها.
قيل: نزلت في سودة لما عزم رسول الله ﷺ على فراقها صالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وقيل في امرأة لها من زوجها أولاد فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقسم لي من كل شهرين إن شئت، وإن شئت فلا تقسم لي، وقال البغوي: هو أن يقول الزوج لها إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج شابة أوثرها عليك، فإن رضيت بهذا فأقيمي وإلا خليت سبيلك، فإن رضيت كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك، وإن لم ترض كان عليه أن يعرفها حقها أو يسرحها.
ثم قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي من الفراق فإن إقامتها بعد تخييره إياها والمصالحة على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من المفارقة بالكلية بل أبغض الحلال إلى الله الطلاق (وأحضرت الأنفس الشح) أي شح كل واحد من الزوجين بنصببه من الآخر (وإن تحسنوا) أي تصلحوا (وتتقوا) الجور، أو خطاب مع الأزواج بأن يحسنوا بالإقامة معها على الكراهية (وتتقوا) ظلمها (فإن الله) سبحانه (كان بما تعملون خيبرا) فيجزيكم بأعمالكم.
стр. 1697
(وقال) تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أي الزوجين، وقد تقدم في الآية الأولى ذكر نفور الزوجة، وفي الآية الثانية ذكر نفور الزوج، وفي هذه الآية إذا وقع بينهما الشقاق واشتبه حالهما الزوجة لم تؤد الحق عليها ولم تقتنع والزوج لم يصفح ولم يفارق وخرجا إلى ما لا يحل قولاً وفعلاً وتفاقم أمرهما وطالت خصومتها، والخوف هنا بمعنى اليقين أي ظهر الشقاق بينهما ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ إليه ﴿وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ إليها رجلين عدلين ليستطلع كل واحد من الحكمين رأي من بعث إليه إن كان رغبته في الصلح أو الفرقة ثم يجتمعان فينظران في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة مما يريانه من التوفيق أو التفريق.
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ يعني الحكمين فعليهما أن ينويا الإصلاح، وأن يطلفا القول وينصحا ويرغبا، ويخوفا ولا يخصان بذلك أحدهما دون الآخر (يوفق الله بينهما) يعني بين الزوجين. والتوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوزر، وذلك تارة يكون بصلاح حالهما في الوصلة، وتارة بالفراق (إن الله كان عليمًا) بما يصلح لهما (خبيراً) بأحوالهما وما انطويا عليه.
وقال الوزير اتفقوا على أنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين وخيف عليهما أن يخرجهما ذلك إلى العصيان أن يبعث الحاكم حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، وقال الشيخ دلت الآية على وجوب كونهما من الأهل، واشترطه الخرقي، كما اشترط الأمانة وهذا أصح، فإنه نص القرآن، ولأن الأقارب أخبر بالعلل
стр. 1698
الباطنة وأقرب إلى الأمانة والنظر في المصلحة فإنه نظر في الجمع والتوفيق، وهو أولى من ولاية عقد النكاح، لا سيما إن جعلناها حكمين، كما هو الصواب فهو نص القرآن اهـ.
وأجمعوا على أن الحكمين إذا اختلف قولهما فلا عبرة بقول الآخر، وعلى أن قولهما نافذ في الجمع، وإن لم يوكلهما الزوجان والجمهور على أن قولهما نافذ في التفرقة بينهما إذا رأياه من غير توكيل، وأنهما إن رأيا الأصلح الطلاق بعوض أو بغير عوض جاز، وإن رأيا الخلع جاز، وإن رأى الذي من جهة الزوج الطلاق طلق، ولا يحتاج إلى إذن الزوج.
قال الوزير بناء على أنهما حكمان، وهو الصحيح عندي. لأن الله سماهما ذلك فقال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين في نص القرآن.
(وفي حديث حكيم) بن معاوية القشيري عن أبيه قال يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ وفيه قال: (ولا تقبح) أي لا تقل لامرأتك قبحك الله (ولا تهجر) أي لا تترك امرأتك (إلا في البيت) لا تحول عنها إلى دار أخرى أو تحولها إليها بل إذا أردت منها أمرًا فهجرها في البيت.
وفي الآية الشريفة ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (رواه أبو داود) ورواه أحمد وابن ماجه وغيرهم وصححه ابن حبان والحاكم وفيه "ولا تضرب الوجه" فيجتنب الوجه والمواضع المستحسنة لئلا يشوها، والأولى ترك ضربها إبقاء للمودة.
стр. 1699
(وعن عمرو بن الأحوص) من بني جشم بن سعد شهد حجة الوداع واليرموك زمن عمر ﵄ (مرفوعًا: إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم) ما يفرش من متاع البيت من بساط ونحوه (أحدًا تكرهونه) ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، فلا تأذن في بيته إلا بإذنه كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وإن علمت رضاه بذلك فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيوف موضعًا معدا لهم.
سواء كان حاضرًا أو غائبًا فلا يفتقر ذلك إلى إذن الزوج (فإن فعلن) أي أوطأنها من تكرهونه «فاضربوهن ضربًا غير مبرح» أي غير شديد لا تحتمله النفوس (رواه مسلم) ورواه أهل السنن وغيرهم.
فدل الحديث على أن له أن يضربها ضربًا غير شديد تأديبًا لها إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل، لما في الوقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله، وللنسائي عن عائشة: ما ضرب رسول الله ﷺ امرأة له ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا في سبيل الله، أو تنتهك محارم الله فينتقم لله.
(وعن عبد الله بن زمعة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد» وتمامه (ثم يجامعها) وفي رواية ولعله أن يضاجعها (رواه البخاري)
стр. 1700
ورواه مسلم وغيره وفيه دليل على جواز ضرب المرأة ضربًا خفيفا.
ولأبي داود "ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك" وللبخاري "ضرب الفحل أو العبد" وكلها دالة على جواز الضرب إلا أنه لا يبلغ ضرب الحيوانات والمماليك وتقدم قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ بعد أن ذكر الموعظة والهجر، وفيه دليل على جواز ضرب غير الزوجات فيما ذكر ضربًا شديدًا، ولا ريب أن عدم الضرب والاغتفار والسماحة أشرف كما هو خلق رسول الله ﷺ ولعل علة النهي أن ضرب من يجامعها لا يستحسن لأن الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل النفس والرغبة في العشرة والمجلود غالبًا ينفر عمن جلده، بخلاف التأديب المستحسن فإنه لا ينفر الطباع.
باب الخلع
بضم الخاء وهو فراق الزوجة بعوض سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما يخلع اللباس، ويشترط بذل العوض ممن يصح تبرعه، وزوج يصح طلاقه غير هازل، وعدم عضلها إن بذلته، وعدم حيلة وغير ذلك، وفائدته تخلصها منه على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها، وعقد جديد، والأصل في جواز وقوعه الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي لا
стр. 1701
يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهن ليفتدين منكم بما أعطيتموهن ﴿شَيْئًا﴾ أي من المهر وغيره، ثم استثنى الخلع فقال ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ أي يعلم الزوج والزوجة ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ يخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها وتخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ المرأة نفسها منه ولو كثر. وهو مذهب الجمهور، وقالت الربيع اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي ولم ينكر فكان كالإجماع، سواء كرهت خلقه أو خلقه أو نقص دينه أو خافت إثمًا بترك حقه أو أبغضته ولم تقدر على معاشرته فلها أن تفتدي منه بما أعطاها ولا حرج عليها في بذله ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، قال ابن عبد البر لا نعلم أحدًا خالف في ذلك إلا المزني.
وقال الوزير اتفقوا على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال بينهما، وقال ابن رشد الجمهور أنه جائز إذا لم يكن سببه رضاها بما تعطيه إضراره بها، وقال بعض الأصحاب إن لم يكن شيء من ذلك بل كانت حالهما مستقيمة كره الخلع لما في السنن: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» ويقع الخلع وإن كانت تبغضه وهو يحبها، فقال أحمد لا آمرها بالخلع وينبغي لها أن تصبر، وقال الشيخ إذا أبغضته وهو محسن إليها فإنه يطلب منه الفرقة من غير أن يلزم بذلك، فإن فعل وإلا أمرت المرأة أن تصبر إذا لم يكن هناك ما يبيح الفسخ.
стр. 1702
وقال وإذا كان كل منهما مريدًا لصاحبه فالخلع محدث في الإسلام.
والخلع الذي جاءت به السنة أن تكون المرأة مبغضة للرجل فتفتدي نفسها منه كالأسير اهـ، ودلت الآية على أنه يصح الخلع بكل ما يصح المهر به من عين مالية أو منفعة أو غير ذلك. وبمجهول كالوصية، ولو أطلقا الخلع صح بالصداق كما لو أطلقا النكاح ثبت صداق المثل.
قال الشيخ فكذا الخلع وأولى، وقال الوزير اتفقوا على أنه إذا خالعها على رضاع ولدها سنتين جاز ذلك، فإن مات قبل الحولين فقال أبو حنيفة وأحمد يرجع بقيمة الرضاع، وهو أحد القولين لمالك والشافعي اهـ.
وإن وقع الخلع بلفظ الخلع أو الفداء أو الفسخ ونحو ذلك كان فسخًا لا ينقص عدد الطلاق، لأن الله تعالى ذكره بعد تطليقتين ثم ذكر الثالثة ولم يجعله طلاقًا، وقال أحمد وغيره هو فسخ ولو نوى به الطلاق واختاره شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، وكان ابن عباس يقول هو فداء ذكر الله الطلاق في أول الآية والفداء في وسطها وذكر الطلاق بعد الفداء وليس هو طلاقًا وإنما هو فداء فجعل ابن عباس وأحمد وغيرهما الفداء فداء لمعناه لا لفظه قال ابن القيم وهذا هو الصواب، فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ.
(وقال) تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي لا تضاروهن
стр. 1703
بالعشرة ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي لتترك بعض ما أصدقتها أو كله أو حقًا من حقوقها عليك أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والإضرار.
قال ابن عباس هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كار لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به فنهى تعالى عن ذلك، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يعني الزنا، فله أن يسترجع منها الصداق الذي أعطاها، ويضاجرها حتى تتركه له ويخالعها، وقال الشيخ إذا كانت تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال وإلا كان ديوثًا، وقال بعضهم النشوز معصيتها، ويعم ذلك كله الزنا، والنشوز والعصيان، وبذاء اللسان وغير ذلك، كل ذلك يبيح له مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه، ويفارقها لأنه ضرها بحق.
وإن لم يكن مضاجرته لزناها أو نشوزها أو تركها فرضًا وفعلت حرم عند جماهير العلماء، لهذه الآية وغيرها، وقاله شيخ الإسلام وغيره، قال ابن عقيل العوض مردود والزوجة بائن.
قال الشيخ وله وجه حسن ووجه قوي إذا قلنا الخلع يصح بلا عوض، والمذهب لا يصح بلا عوض، وكذا لو خالعت الصغيرة والسفيهة لخلوه عن بذل عوض ممن يصح تبرعه وأما الأب فقال ابن القيم إذا كان له أن يعفو عن صداق ابنته قبل الدخول وهو الصحيح لبضعة عشر دليلاً فخلعها بشيء من مالها أولى، لأنه إذا ملك إسقاط مالها مجانًا فلأن يملك إسقاطه
стр. 1704
ليخلصها من رق زوج ليزوجها خيرًا لها منه أولى وأحرى، واختاره الشيخ، وذكر أنه يجوز لأجنبي أن يختلعها كما يجوز أن يفتدي الأسير، لكن بشرط أن يكون مقصوده تخليصها من رق الزوج لمصلحتها في ذلك.
(وعن ابن عباس) ﵄ (قال جاءت امرأة ثابت بن قيس) ابن شماس الخزرجي الأنصاري خطيب الصحابة ومن أعيانهم ﵃ شهد له النبي ﷺ بالجنة، وامرأته جاء في بعض روايات الحديث أن اسمها جميلة بنت أبي بن سلول، وذلك أنها جاءت (إلى رسول الله ﷺ فقالت إني ما أعتب عليه) أي على ثابت ﵁ والعتب الخطاب بالإدلال، وجاء المثنات التحتية من العيب (في خلق ولا دين) أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه بضم الخاء واللام، ولا لنقصان دينه، وعرضت عما في نفسها من كراهة الصحبة.
فقالت: (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، وفي رواية لا أطيقه بغضا أي فأخاف على نفسي ما ينافي مقتضى الإسلام من النشوز أو: لكني أكره لوازم الكفر من المعاداة والنفاق والخصومة (فقال أتردين عليه حديقته) أي تعطينه بستانه الذي أعطاك إياه مهرًا، وكان أصدقها حديقة نخل، كما في بعض الروايات الحديث (قالت نعم) وفي لفظ: وزيادة (فقال
стр. 1705
أقبل الحديقة) أي التي أصدقتها إياها (وطلقها تطليقة) وفي رواية أمره بطلاقها (رواه البخاري).
فدل الحديث على جواز أخذ العوض من المرأة إذا كرهت البقاء معه، وتقدم أنه مذهب جماهير العلماء، وإن خالعته على شيء لم يسقط غيره من حقوق الزوجية ويقع الطلاق إذا علقه على عوض أو غيره.
بأن قال إن أعطيتيني كذا فأنت طالق، وقال الشيخ إذا قال إن أبريتني فأنت طالق فقالت أبرأك الله مما تدعي به النساء على الرجال، فقال أنت طالق وظن أنه يبرأ من الحقوق فإنه يبرأ مما تدعي به النساء على الرجال إذا كانت رشيدة.
(ولابن ماجه ولا تزد) وذلك أنها قالت أردها عليه، وزيادة، وهذه الزيادة مرسلة، ولعله خرج مخرج المشورة، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي قل أو كثر وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها، وقال مالك لم أر أحدًا ممن يقتدي به منع من ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق، وتسميته فدية دليل على اعتبار الرضي منهما لأنه معاوضة.
(ولأبي داود أنها اختلعت منه) أي اختلعت امرأة ثابت من ثابت ﵁ (فأمرها) أي رسول الله ﷺ (أن تعتد بحيضة) حسنه الترمذي، وقال الصحيح أنها أمرت أن
стр. 1706
تعتد بحيضة، فدل الحديث على أن عدة المختلعة حيضة، وهو قول جماهير السلف.
وأن الخلع ليس بطلاق كما قال الخطابي وغيره: فيه أن الخلع ليس بطلاق، وهو مذهب ابن عباس وغيره والمشهور من مذهب أحمد، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيات، وقال الشيخ ولو أتى بصريح الطلاق وليس من الطلاق الثلاث، وهذا هو المنقول عن ابن عباس في أصحابه.
وعن أحمد وقدماء أصحابه، لم يفرق أحد من السلف ولا أحمد ولا أحد من أصحابه في الخلع بين لفظ ولفظ، بل ألفاظهم كلها صريحة في أنه فسخ بأي لفظ كان، وقال ابن القيم الذي يدل على أنه ليس بطلاق أنه تعالى رتب على الطلاق بعد الدخول ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع، أحدها أن الزوج أحق بالرجعة فيه، والثاني أنه محسوب من الثلاث، والثالث أن العدة ثلاثة قروء، وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع، قال ولا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة والقائلون بأنه طلاق لا يشترطون فيه أن يكون للسنة لعدم استفصاله ﷺ .
стр. 1707
كتاب الطلاق
في اللغة التخلية، والإطلاق الإرسال والترك، وفي الشرع حل قيد النكاح أو بعضه، ويصح من زوج مكلف ومميز يعقله، ويباح للحاجة كسوء خلق المرأة، ويكره لعدمها، لاشتماله على إزالة النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، ويستحب للضرر باستدامة النكاح في حال الشقاق، أو ترك حق الله تعالى، ويجب للإيلاء إذا أبى الفيئة، ويحرم للبدعة كفي حيض أو طهر وطئ فيه والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية وتمام الآية
﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ أمر تعالى الرجال إذا
طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه
رجعتها، فإما أن يمسكها بمعروف، وهو أن يشهد على
رجعتها وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها من منزله
إذا انقضت عدتها بالتي هي أحسن، ولا
стр. 1708
يمسكها مضارة بتطويل الحبس.
فالبلغوغ هنا بلوغ مقاربة وذلك أن الرجل كان يطلق المرأة فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها إضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا﴾ قال رسول الله ﷺ «يقول أحدكم قد طلقت قد راجعت» فدلت الآية على جواز الطلاق عند الحاجة إليه، ولم يجعلها تعالى غلاً في عنقه، وأباح له المراجعة قبل استكمال العدة أو ماله من العدد، وهذا من محاسن هذه الشريعة المطهرة.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أنه ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» رواه أبو داود) لعل المراد بالحلال ما ليس تركه بلازم الشامل للمباح، والواجب والمندوب والمكروه، فإن كونه مبغوضًا يقتضي رجحان تركه على فعله، وكونه حلالاً يقتضي مساواة تركه لفعله، وقد يقال الطلاق حلال لذاته والأبغضية: لما يترتب عليه من انجراره إلى المعصية، وفي رواية: "ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق" وفيه دليل على أن من الحلال ما هو مبغوض إلى الله، وأن أبغضه الطلاق وأنه يحسن تجنب إيقاع الطلاق ما وجد عنه مندوحة، وقسموا الطلاق إلى الأحكام الخمسة كما تقدم، والمكروه الواقع بغير سبب مع استقامة الحال، وهذا والله أعلم هو القسم المبغوض مع حله.
قال الوزير: أجمعوا على أن الطلاق في حال استقامة
стр. 1709
الزوجين مكروه إلا أبا حنيفة، قال: هو حرام مع استقامة الحال. (وفي السنن) لأبي داود والترمذي وابن ماجه، ورواه أحمد وغيره (عن ثوبان) ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس) أي من غير أن يكون في مصاحبتها الزوج بها شدة وضرر نحو ما تقدم مما يبيح لها طلب المخالعة (فحرام عليها رائحة الجنة) فيه زجر عن طلب المرأة الطلاق من غير ضرورة ووعيد شديد ومبالغة في التهديد وأن سؤالها الطلاق محرم عليها تحريمًا شديدًا لأنه من لم يرح رائحة الجنة غير داخلها.
(وعن لقيط) بن صبرة ﵁ قلت (يا رسول الله إن لي امرأة) يعني زوجة له (وذكر من بذائها) وأنه كرهها لذلك (قال طلقها) أمر ندب (قال إن لها صحبة) أي طويلة (وولدًا) له منها (قال مرها) أي عظها (فإن يكن فيها خير فستفعل) أي ما أمرها به (رواه أبو داود) وفيه «ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك» ورواه البيهقي ورجاله رجال الصحيح وأقره المنذري، فدل الحديث على أنه يحسن طلاق من كانت بذيئة اللسان وأنه يجوز إمساكها، وأنه لا يحل ضربها كضرب الأمة.
وأما طلاقها لتركها عفة أو لتفريطها في حقوق الله فلا ريب في ذلك، وله وعظها في نحو هذه الحال والتضييق عليها لتفتدي منه كما تقدم، (وعن ابن عمر) ﵄ (قال
стр. 1710
كانت تحتي) أي زوجة لي (امرأة أحبها) لم نقف على اسمها (وأبي يكرهها) لعله لنقصان في دينها (فأمرني أن أطلقها) لما يكرهه منها (فأبيت) أي أن أطلقها (فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ) أي أنه أمرني بطلاقها فأبيت عليه لمحبتي لها (فقال طلقها) أي قال رسول الله ﷺ : يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (وصححه الترمذي).
فدل الحديث على أنه يجب على الرجل إذا أمره أبوه بطلاق زوجته أن يطلقها وإن كان يحبها فليس ذلك عذرًا له في الإمساك، قال الشيخ: وكلام أحمد في وجوب طلاق الزوجة بأمر الأب مقيد بصلاح الأب، ولا يجب للبدعة، بل طلاق السنة، وإن امرأته به أمه فقال أحمد لا يعجبني طلاقه، وقيل، وكذا الأم لحديث «من أبر قال أمك» ثلاثًا ثم قال «أباك» وفي الحديث «الجنة تحت أقدام الأمهات».
(وعنه) أي عن ابن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته) وهي آمنة بنت غفار وفيه أنه طلقها واحدة (وهي حائض) أي حالة كونها حائضًا، وفي رواية وهي في دمها حائض (فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ ) فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ففيه عظيم حرمته (فقال مره) أي مر ابنك (فليراجعها) ويأتي «ثم ليمسكها
حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك» بعد فالجمهور على الاستحباب. قال ﷺ (ثم ليطلقها طاهرًا)
стр. 1711
وللنسائي: «فليراجعها فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، وإن شاء أن يمسكها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» كما في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وذلك طاهرًا (أو حاملاً) أي ثم ليطلقها حاملاً أي إن شاء وذلك طلاق السنة (رواه مسلم) ورواه الخمسة وغيرهم.
فالتحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا زال زال موجب التحريم وجاز طلاقها في هذا الطهر كما جاز في الحمل، وكما يجوز في الطهر الذي لم يتقدم طلاق في حيضة، وهذا مذهب جمهور العلماء، وحكى الوزير وغيره اتفاقهم على أن الطلاق في الحيض بمدخول بها، والطهر المجامع فيه محرم، إلا أنه يقع. والحديث دليل على أنه يقع، قال ابن عبد البر لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع، لأنه أمر ابن عمر بالمراجعة ولا تكون إلا بعد طلاق.
وعن عائشة ﵂ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «لا طلاق» أي لا يقع طلاق (في إغلاق) بكسر الهمزة أي إكراه، وقيل غضب، وقال أبو عبيدة الإغلاق التضييق، فكأنه يغلق عليه ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق (رواه أبو داود) ورواه أحمد وابن ماجه، وأبو يعلى والبيهقي والحاكم وصححه، فدل على أن طلاق المكره لا يقع، قال الشيخ وهو قول جماهير العلماء كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم لهذا الحديث، وحديث «عفي
عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقال تعالى
стр. 1712
في حق المكره على الكفر: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ والشرك أعظم من الطلاق، وقال ابن عباس فيمن أكرهه اللصوص فيطلق.
وذلك أن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه، كما يغلق الباب على الإنسان قال، ومن قصد إيقاع الطلاق دون دفع الإكراه وقع طلاقه، كمن أكره على طلقة فطلق أكثر، وقال: الإكراه يقع بالتهديد أو بأن يغلب على ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد، وقال كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده ليس بجيد، بل الصواب أنه لو استوى الطرفان كان إكراهًا.
ومذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إذا نطق بالطلاق دافعًا عن نفسه لم يقع طلاقه، وقال ابن القيم المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم ولم يثبت عليه حكمه لكونه غير قاصد، له، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه فانتفى الحكم لانتفاء قصده، وإرادته لموجب اللفظ اهـ.
وأما الغضب فإذا بلغ به إلى غاية لا يشعر معها لم يقع طلاقه للإغلاق عليه، قال الشيخ: هوما أغلق عليه قلبه فلا يدري ما يقول، وإن لم يزل عقله ويغيره الغضب لم يقع اهـ. والغضب على ثلاثة أقسام ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه
ما يقول فهذا لا يقع طلاقه. أو يستحكم الغضب ويشتد
به فلا يزيل عقله بالكلية، ولكن يحول بينه وبين نيته
بحيث يندم على ما فرط منه فهذا محل نظر، وعدم وقوعه
стр. 1713
أقوى، أو يكون الغضب في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول فيقع طلاقه، وقل من يطلق حتى يغضب.
(وقال علي) ﵁ (كل الطلاق جائز) أي واقع لا محالة (إلا طلاق المعتوه) ذكر البخاري وروى عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ وفيه «والمغلوب على عقله» وحكى الطحاوي الإجماع على أن طلاق المعتوه لا يقع. (وقال ابن عباس) ﵄ (طلاق السكران) سكر ضد صحا والسكر حالة تعترض بين المرء وعقله (والمستكره) يعني المكره على الطلاق (ليس بجائز) ذكره البخاري، وذكر عن عثمان ﵁ أنه قال ليس لمجنون ولا لسكران طلاق، ورواه ابن أبي شيبة عن جماعة من السلف وقال ابن المنذر ثبت عن عثمان ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه.
وقال ابن القيم: ثبت في الصحيح عن عثمان، وابن عباس في السكران ونحوه، ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالفهما في ذلك، واحتج الطحاوي وغيره بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع، قال والسكران معتوه بسكره، وفرق بعضهم بين السكر بالمحرم وغيره.
والقائلون بعدم وقوع طلاق السكران احتجوا بزوال التكليف وأن كل مكلف يصح منه الطلاق، وأنه لا يصح من غير مكلف، ولا ممن زال تكليفه، وقد نهى تعالى عن قربان
стр. 1714
الصلاة حالة السكر.
وقال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ والسكران لا يعلم ما يقول، ومن كان كذلك فكيف يكون مكلفًا وهو غير فاهم، والفهم شرطًا التكليف، كما هو مقرر في الأصول، وأن الأحكام لا تختلف بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، وأجمعوا على أنه لا يقع الطلاق من مجنون ولا نائم لأنه غير فاهم ما يقول، وكذا السكران غير عاقل ولا فاهم ما يقول، وليس إسقاطًا منهم لحكم المعصية بل لعدم مناط التكليف، وحمزة ﵁ لما ثمل، وقال: ما أنتم إلا عبيد لأبي لم يلزمه، رسول الله ﷺ حكم تلك الكلمة، والمقصود أن السكران الذي لا يعقل لا حكم لطلاقه، لعدم المناط الذي تدور عليه الأحكام.
وقال الشيخ لا يقع طلاق السكران ولو بسكر محرم، وهو رواية عن أحمد، قال الزركشي ولا يخفى أن أدلة هذه الرواية أظهر، ونقل الميموني الرجوع عما سواها، وقال ابن القيم زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر لا يعتد به، واختلف المتأخرون فيه، والثابت عن الصحابة الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه اهـ. ويعتبر لوقوع الطلاق إرادة لفظه لمعناه، فلا طلاق لفقيه يكرره، وحاك ولو عن نفسه، وأما طلاق الهازل فقال الشيخ وغيره واقع، لأنه قصد التكلم بالطلاق، وإن لم يقصد إيقاعه وفي الحديث "ثلاث هزلهن جد" وعد منها الطلاق.
стр. 1715
فصل في عدده
أي في حكم عدد الطلاق وفي سنته وهو إيقاعه على الوجه المشروع، وبدعته وهو إيقاعه على الوجه المحرم المنهى عنه.
(قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ خاطب النبي ﷺ ، ثم خاطب الأمة، أي إذا أردتم طلاقهن ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي وقتها قال ابن مسعود: طاهرات من غير جماع، وتقدم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ويأتي قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وسنة الطلاق في حق من تحيض من وجهين:
أحدهما: من جهة الزمان وهو أن يطلقها في طهر لم يصبها فيه أو حاملاً.
والثاني: من جهة العدد، وهو أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، ثم قال تعالى ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ اضبطوا ابتداءها وانتهاءها للعلم ببقاء زمن الرجعة وغير ذلك.
(وقال) تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ أي المخيلات من حبال أزواجهن ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرون ويمكثن ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ بعد طلاقهن ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي أطهار قال أحمد: هو قول الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ فلا يتزوجن حتى تمضي عليهن الثلاثة إلا الإماء فيمكثن قرءين لأنهن على النصف من الحرائر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، والقرء لا يتبعض.
стр. 1716
ثم قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي حال العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي إن أرادوا بالرجعة الإصلاح وحسن المعاشرة لا الإضرار، إلى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة.
رفعًا لما كانوا عليه في الجاهلية وابتداء الإسلام يطلق الرجل من غير حصر ولا عدد كلما قاربت انقضاء العدة راجعها (ثم قال) تعالى بعد ذكر الطلقتين ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الطلقة الثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد الطلقة الثالثة تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي حتى يطأها زوج آخر غير المطلق فيجامعها في نكاح صحيح.
فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك يمين لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، أو تزوجت ولم يدخل بها الزوج الثاني ويطأها لم تحل للأول أو قصد التحليل وصرح بمقصوده بطل النكاح عند الجمهور ولم تحل للأول وتقدم.
(فإن طلقها) الثاني بعد وطء في نكاح صحيح لم يقصد به التحليل ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي على الزوج الأول والمرأة ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعني بنكاح جديد ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *﴾.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أنه طلق امرأته) آمنة بنت غفار (وهي حائض فسأل عمر) ﵁
(رسول الله ﷺ فقال مره فليراجعها) فتسن مراجعتها لهذا الخبر
стр. 1717
لأنه طلاق بدعة (ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر) أي فلا يطلق إلا في الطهر الثاني دون الأول، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين عند الشافعية ورواية عن أحمد، فإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، فإذا طهرت سن أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تظهر، وعند أبي حنيفة وأحمد أنه مندوب (ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس) أي بعد الطهر الثاني قبل أن يصيبها، فإذا فعل ذلك فهو طلاق السنة، وإن مس ثم طلق فبدعة محرم ثم قال ﷺ «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» متفق عليه.
فدل الحديث على تحريم الطلاق حال الحيض، أو طهر وطئ فيه، ولمسلم وقرأ رسول الله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال ابن رشد أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة.
وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة، وتقدم قوله ﷺ «ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً» ففيه جواز الطلاق حال الطهر، ولو كان الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وغيره، وعند أحمد وغيره المنع لهذا الخير فالله أعلم.
وجواز طلاق الحامل لزوال العلة التي لأجلها نهى عن الطلاق في حيض أو طهر وطئ فيه فكذا الصغيرة الآبسة وقال علي ﵁: لو أن الناس أخذوا ما أمر الله به من
стр. 1718
الطلاق ما اتبع رجل نفسه امرأة أبدًا، يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثًا فمتى شاء راجعها.
(ولمسلم كان ابن عمر) ﵄ (إذا سئل) أي عن الحكم فيمن طلق في الحيض (قال أما إن طلقت مرة أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا) أي أن أراجعها ثم أمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم أمهلها حتى تطهر ثم أطلقها قبل أن أمسها (وإن كنت طلقت ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وحرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك) فدل على تحريم الطلاق في الحيض وعلى وقوع الطلاق وإبانتها بالثلاث، وهو مذهب جمهور العلماء.
(وله) أي لمسلم في صحيحه (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (كان الطلاق) أي حكمه (على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر) مدة خلافته (وسنتين من خلافة عمر وظاهر كلام ابن عباس أنه كان الإجماع على ذلك (طلاق الثلاث واحدة) سواء كان الطلاق في مجلس واحد أو بكلمة واحدة أو كلمات.
(فقال عمر) ﵁ بعدما مضى صدر من خلافته وتتابع الناس على إيقاع الثلاث (إن الناس قد استعجلوا في أمر) وهو إيقاع الثلاث معًا (كان لهم فيه أناة) أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة (فلو أمضيناه عليهم) أي ألزمناهم
стр. 1719
الثلاث، لما رآه من الأمور التي ظهرت والأحوال التي تغير وفشو إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل، وصار الغالب عليهم قصدها (فأمضاه عليهم) أي ألزمهم الثلاث، قال ابن القيم: لم يخالف ﵁ ما ثبت عن النبي ﷺ ولا ما كان في عصر الخليفة الراشد، ولا ما صدر في أول عصره بل رأى ﵁ إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم وتابعه على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ وأيدوا رأيه لماعلموا أن إرسال الثلاث حرام وتتابعوا فيه.
(وللنسائي) برواة كلهم ثقات (عن محمود بن لبيد) بن أبي رافع الأنصاري ولد على عهد رسول الله ﷺ وحدث عنه أحاديث قال البخاري له صحبة وكان من العلماء مات سنة ست وتسعين (قال أخبر النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا) يعني في مجلس واحد (فقام غضبان) كراهة لما أوقعه (ثم قال أيلعب بكتاب الله) يريد آيات الطلاق في سورة البقرة وأن المأذون فيه تطليقة بعد تطليقة وحكمته (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا) (وأنا بين أظهركم) أي فكيف يكون التلاعب به بعدي (حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله) فدل الحديث على أن جميع الثلاث التطليقات بدعة محرم، ولو بكلمات في طهر لم يصبها فيه، لا بعد رجعة أو عقد.
ولو طلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر واحد.
стр. 1720
وروى سعيد بن منصور عن أنس أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره ضربًا، ولا ريب أن طلاق الثلاث في مجلس واحد في وقته ﷺ واحدة، وروى أنه قال لركانة: «قد علمت فراجعها» وهو مروي عن علي وابن مسعود وغيرهما.
وأصحاب ابن عباس وبعض أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد، ولم تجمع الأمة على خلافه، وأفتى به الشيخ لما فشا التحليل وأيده بما هو معلوم عنه ﵀، وذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الثلاث تقع ثلاثًا لإلزام عمر ﵁ بذلك عقوبة، ومتابعة الصحابة له كما تقدم.
وقال ابن القيم لا ريب أن هذا سائغ للأمة أن يلزموا الناس ما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله وتسهيله بل اختاروا الشدة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه، وعمر ﵁ لم يقل إن هذا عن رسول الله ﷺ وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم به عن التسارع إلى إيقاع الثلاث، لما علم أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به.
وأنه قابلها بضدها، حال بينه وبينها وألزمه ما استلزمه من الشدة والاستعجال، وهذا موافق لقواعد الشريعة، بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرًا وشرعًا.
следующие страницы →