Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
ثم قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي حال العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي إن أرادوا بالرجعة الإصلاح وحسن المعاشرة لا الإضرار، إلى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة.
رفعًا لما كانوا عليه في الجاهلية وابتداء الإسلام يطلق الرجل من غير حصر ولا عدد كلما قاربت انقضاء العدة راجعها (ثم قال) تعالى بعد ذكر الطلقتين ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الطلقة الثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد الطلقة الثالثة تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي حتى يطأها زوج آخر غير المطلق فيجامعها في نكاح صحيح.
فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك يمين لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، أو تزوجت ولم يدخل بها الزوج الثاني ويطأها لم تحل للأول أو قصد التحليل وصرح بمقصوده بطل النكاح عند الجمهور ولم تحل للأول وتقدم.
(فإن طلقها) الثاني بعد وطء في نكاح صحيح لم يقصد به التحليل ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي على الزوج الأول والمرأة ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعني بنكاح جديد ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *﴾.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أنه طلق امرأته) آمنة بنت غفار (وهي حائض فسأل عمر) ﵁
(رسول الله ﷺ فقال مره فليراجعها) فتسن مراجعتها لهذا الخبر
стр. 1717
لأنه طلاق بدعة (ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر) أي فلا يطلق إلا في الطهر الثاني دون الأول، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين عند الشافعية ورواية عن أحمد، فإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، فإذا طهرت سن أن يمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تظهر، وعند أبي حنيفة وأحمد أنه مندوب (ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس) أي بعد الطهر الثاني قبل أن يصيبها، فإذا فعل ذلك فهو طلاق السنة، وإن مس ثم طلق فبدعة محرم ثم قال ﷺ «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» متفق عليه.
فدل الحديث على تحريم الطلاق حال الحيض، أو طهر وطئ فيه، ولمسلم وقرأ رسول الله ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال ابن رشد أجمع العلماء على أن المطلق للسنة في المدخول بها هو الذي يطلق امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة.
وأن المطلق في الحيض أو الطهر الذي مسها فيه غير مطلق للسنة، وتقدم قوله ﷺ «ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً» ففيه جواز الطلاق حال الطهر، ولو كان الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وغيره، وعند أحمد وغيره المنع لهذا الخير فالله أعلم.
وجواز طلاق الحامل لزوال العلة التي لأجلها نهى عن الطلاق في حيض أو طهر وطئ فيه فكذا الصغيرة الآبسة وقال علي ﵁: لو أن الناس أخذوا ما أمر الله به من
стр. 1718
الطلاق ما اتبع رجل نفسه امرأة أبدًا، يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثًا فمتى شاء راجعها.
(ولمسلم كان ابن عمر) ﵄ (إذا سئل) أي عن الحكم فيمن طلق في الحيض (قال أما إن طلقت مرة أو مرتين، فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا) أي أن أراجعها ثم أمسكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم أمهلها حتى تطهر ثم أطلقها قبل أن أمسها (وإن كنت طلقت ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وحرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك) فدل على تحريم الطلاق في الحيض وعلى وقوع الطلاق وإبانتها بالثلاث، وهو مذهب جمهور العلماء.
(وله) أي لمسلم في صحيحه (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (كان الطلاق) أي حكمه (على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر) مدة خلافته (وسنتين من خلافة عمر وظاهر كلام ابن عباس أنه كان الإجماع على ذلك (طلاق الثلاث واحدة) سواء كان الطلاق في مجلس واحد أو بكلمة واحدة أو كلمات.
(فقال عمر) ﵁ بعدما مضى صدر من خلافته وتتابع الناس على إيقاع الثلاث (إن الناس قد استعجلوا في أمر) وهو إيقاع الثلاث معًا (كان لهم فيه أناة) أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة (فلو أمضيناه عليهم) أي ألزمناهم
стр. 1719
الثلاث، لما رآه من الأمور التي ظهرت والأحوال التي تغير وفشو إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل، وصار الغالب عليهم قصدها (فأمضاه عليهم) أي ألزمهم الثلاث، قال ابن القيم: لم يخالف ﵁ ما ثبت عن النبي ﷺ ولا ما كان في عصر الخليفة الراشد، ولا ما صدر في أول عصره بل رأى ﵁ إلزامهم بالثلاث عقوبة لهم وتابعه على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ وأيدوا رأيه لماعلموا أن إرسال الثلاث حرام وتتابعوا فيه.
(وللنسائي) برواة كلهم ثقات (عن محمود بن لبيد) بن أبي رافع الأنصاري ولد على عهد رسول الله ﷺ وحدث عنه أحاديث قال البخاري له صحبة وكان من العلماء مات سنة ست وتسعين (قال أخبر النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا) يعني في مجلس واحد (فقام غضبان) كراهة لما أوقعه (ثم قال أيلعب بكتاب الله) يريد آيات الطلاق في سورة البقرة وأن المأذون فيه تطليقة بعد تطليقة وحكمته (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا) (وأنا بين أظهركم) أي فكيف يكون التلاعب به بعدي (حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله) فدل الحديث على أن جميع الثلاث التطليقات بدعة محرم، ولو بكلمات في طهر لم يصبها فيه، لا بعد رجعة أو عقد.
ولو طلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار كان حكم ذلك حكم جمع الثلاث في طهر واحد.
стр. 1720
وروى سعيد بن منصور عن أنس أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره ضربًا، ولا ريب أن طلاق الثلاث في مجلس واحد في وقته ﷺ واحدة، وروى أنه قال لركانة: «قد علمت فراجعها» وهو مروي عن علي وابن مسعود وغيرهما.
وأصحاب ابن عباس وبعض أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد، ولم تجمع الأمة على خلافه، وأفتى به الشيخ لما فشا التحليل وأيده بما هو معلوم عنه ﵀، وذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الثلاث تقع ثلاثًا لإلزام عمر ﵁ بذلك عقوبة، ومتابعة الصحابة له كما تقدم.
وقال ابن القيم لا ريب أن هذا سائغ للأمة أن يلزموا الناس ما ضيقوا به على أنفسهم ولم يقبلوا فيه رخصة الله وتسهيله بل اختاروا الشدة والعسر، فكيف بأمير المؤمنين وكمال نظره للأمة، وتأديبه لهم ولكن العقوبة تختلف باختلاف الأزمنة والأشخاص والتمكن من العلم بتحريم الفعل المعاقب عليه وخفائه، وعمر ﵁ لم يقل إن هذا عن رسول الله ﷺ وإنما هو رأي رآه مصلحة للأمة يكفهم به عن التسارع إلى إيقاع الثلاث، لما علم أن تلك الأناة والرخصة نعمة من الله على المطلق ورحمة به.
وأنه قابلها بضدها، حال بينه وبينها وألزمه ما استلزمه من الشدة والاستعجال، وهذا موافق لقواعد الشريعة، بل هو موافق لحكمة الله في خلقه قدرًا وشرعًا.
стр. 1721
(وتقدم) أي في فصل أركان النكاح قوله ﷺ «ثلاث هزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» وروي عن عبادة مرفوعًا «لا يجوز اللعب في ثلاث» وذكر الطلاق وقال «فمن قالهن فقد وجبن» فدل الحديث على وقوع الطلاق من الهازل، وأنه لا يحتاج إلى النية في الصريح، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، واختاره الشيخ وغيره.
وحكى غير واحد اتفاق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به، وإن قال كنت هازلاً، وقال ابن القيم طلاق الهازل يقع عند الجمهور وهو المحفوظ عن الصحابة والتابعين وكذلك نكاحه صحيح كما في الحديث: «ثلاث هزلهن جد» الحديث وهو قول عمر، وعلي وغيرهما وأحمد وأصحابه وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو مذهب مالك وعليه العمل عند أصحابه.
وذلك أن الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه وموجبه وقصد المعنى المتضمن للمعنى قصد لذلك المعنى لتلازمهما وليس للعبد مع تعاطي السبب أن لا يترتب عليه موجبه, لا يؤمن مطلق أن يقول كنت في قولي هازلاً فيكون في ذلك إبطال لحكم الله وتلاعب به، اهـ وصريحه لفظ الطلاق وطلقتك وطالق ومطلقة، وإن نوى بطالق من وثاق ونحوه، أو صرف لفظه إلى ممكن قبل قوله إذا كان عدلاً. واختار الشيخ أنه يقبل حكمًا، وهو رواية عن أحمد، إلا في حال
стр. 1722
غضب أو سؤالها الطلاق فلا يقبل قولا واحدا ولو سئل أطلقت امرأتك فقال نعم وقع. أو قيل له ألك امرأة فقال لا وأراد الكذب لم تطلق.
وقال الشيخ يجب أن يفرق بين قول الزوج لست لي بامرأة أو ما أنت لي بامرأة. وبين قوله ليست لي امرأة. وبين قوله إذا قيل ألك امرأة لأن الفرق بينهما ثابت وصفا وعددا. إذ الأول نفى نكاحها. ونفي النكاح عنها كإثبات طلاقها. يكون إنشاء ويكون إخبارًا. بخلاف نفي المنكوحات عموما. فإنه لا يستعمل إلا إخبارا اهـ.
وإن كتب صريح الطلاق ونواه وقع عند الجمهور وقال مالك وأشهد عليه. وإن قال لم أرد إلا تجويد خطي أو غم أهلي. أو قرأ ما كتبه. وقال لم أرد إلا القراءة قبل. كلفظ الطلاق إذا قصد به الحكاية ونحوها.
فصل في الكنايات
أي كنايات الطلاق وهي ما يحتمل غيره. ويدل على المعنى الصريح فيه. وجعلوها قسمين ظاهرة وخفية والظاهرة هي ما كان معنى الطلاق فيها أظهر من الخفية ولا يقع بها طلاق إلا بنية مقارنة للفظ. لقصور رتبتها عن الصريح. واحتمالها الطلاق وغيره فلا يتعين له بدون نيته. وهو مذهب جمهور العلماء.
(قال تعالى) لنبيه محمد ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ أي خير أزواجك ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي عرض الحياة
стр. 1723
الدنيا ﴿وَزِينَتَهَا﴾ زيادة في النفقة وكن طلبن ذلك منه ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أي هلم إلي ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أي أفارقكن ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال ابن كثير أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن من غير ضرار.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، والمراد البقاء في عصمته والدار الآخرة يعنى الثواب الجزيل ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *﴾ قالت عائشة ﵂ "خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعد ذلك طلاقًا، فدلت الآية على أن التخيير لا يعد طلاقًا.
(وقال ﷺ لعائشة) ﵂ وذلك لما أمر بتخيير أزواجه فيما تقدم من قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية قالت فبدأ بي وقال: (إني ذاكر لك أمرًا) وهو ما حكاه الله من قوله ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآيتين (فلا عليك أن تستأمري أبويك) أي لا تعجلي أن تستأمري أبويك فيه (متفق عليه) قالت وقد علم ﷺ أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت في هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، "وتقدم أنها قالت خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه فلم يعد ذلك طلاقًا" وفي رواية شيئًا، وفي أخرى "فلم يكن طلاقًا" وهذا مذهب جماهير العلماء الأئمة الأربعة وفقهاء الأمصار وغيرهم أن من خير زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا ولا يقع به فرقة.
ومفهومه أن كنايات الطلاق لا يقع بها طلاق إلا بنية مقارنة للفظ وإن قال تزوجي من شئت وحللت للأزواج ولا
стр. 1724
سبيل لي عليك ونحو ذلك فكناية ظاهرة، ويأتي قوله: طلقها البتة وأنها كناية ظاهرة، وكذا بتلة وخلية وبرية وبائن ونحو ذلك مما هو كناية عن الطلاق ظاهرة، لا يقع طلاقًا إلا بنية، والجمهور على أنه يقع واحدة ما لم ينو أكثر، وإن قال أمرك بيدك ونواه طلاقًا، فجمهور العلماء من الصحابة والتابعين يقع واحدة، ولها أن تطلق نفسها متى شاءت واحدة، ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ ما جعله لها، أو ترد هي، لقول علي ﵁ ولا يعلم له مخالف في الصحابة.
(وعنها) أي عن عائشة ﵂ (أنه ﷺ قال لابنة الجون) الكندي قيل اسمه النعمان بن شراحيل، وابنته أميمة وتقدم. وروى ابن سعد أنه قال يا رسول الله أزوجك أجمل أيم في العرب قال: "نعم" قال فابعث من يحملها إليك.
وكانت سنة سبع ولما أدخلت عليه ودنا منها وقالت أعوذ بالله منك قال: لقد عذب بعظيم (الحقي بأهلك، رواه البخاري) وفي القصة أنها خدعت لما رؤي من جمالها فقيل لها استعيذي منه فإنه أحظى لك عنده، ولما علم ﷺ قال: «إنكن صواحب يوسف» وكانت تقول أنا الشقية.
فدل الحديث على أن الرجل إذا قال لامرأته إلحقي بأهلك طلاق، لأنه لم يرو أنه زاد غير ذلك، فيكون كناية طلاق، وإن كانت خفية إذا أريد به الطلاق كان طلاقًا، زاد البيهقي وجعلها تطليقة، والنبي ﷺ لا يطلق ثلاثًا، وفي قصة كعب لما
стр. 1725
قيل له اعتزل امرأتك قال إلحقي بأهلك، ولم يرد الطلاق فلم تطلق.
(ولهما عن أبي هريرة) ﵁ (أنه ﷺ قال لسودة اعتدي) أي لأني طلقتك، فكذا استبرئي واعتزلي واخرجي واذهبي ونحو ذلك مما هو كناية عن الطلاق، لأن هذا اللفظ مما يشابه الطلاق فتعين إرادته له، فإن نواه وقع وهو مذهب جماهير العلماء، وإن لم ينوه لم يقع.
وقيل إلا حال خصومة أو غضب أو سؤالها الطلاق فيقع بالكناية، لدلالة الحال، وعن أحمد لا يقع إلا بنية وجزم به ابن الجوزي وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن قندس: الذي يظهر أنه لا بد من النية حال الغضب وسؤال الطلاق، وقولهم دلالة الحال تقوم مقام النية في هذه الحال، معناه أن دلالة الحال تدل على النية وليس مرادهم سقوط النية بالكلية.
(وفيهما عنه) أي عن أبي هريرة ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال (إن الله تجاوز عن أمتي) أي عفا عنها وفي لفظ تجاوز لأمتي «ما حدثت به أنفسها» نوته أو همت به ولابن ماجه "ما توسوس به صدورها" (ما لم تعمل به) إن كان فعليًا (أو تكلم) به إن كان قوليًا، قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم: أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به، وورد «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» فدل الحديث على أنه لا يقع الطلاق بحديث النفس بأن طلق بقلبه ولم يتكلم بلسانه لأن خطرات القلب مغفورة للعباد إذا كانت
стр. 1726
فيما فيه ذنب، فكذلك لا يلزم حكمها في الأمور المباحة، فلا يكون حكم حضور الطلاق في القلب إرادته حكم التلفظ به، وتقدم أنه يقع على ما عمل بكتابته وعزم عليه بقلبه، لا لتجويد خطه أو قراءته ونحو ذلك.
(وعن ركانة) بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف قيل إنه مات في زمن معاوية ﵄ (أنه طلق امرأته) سهيمة (البتة) أي قال: أنت طالق البتة (فأخبر النبي ﷺ ) أي أنه طلقها البتة (فقال والله ما أردت إلا واحدة) أي بلفظ النية لم أرد إلا طلقة واحدة رجعية (فردها إليه) حيث لم يرد بها إلا واحدة غير بائن (رواه أبو داود) والترمذي وصححه هو وابن حبان والحاكم فدل الحديث على أن من طلق البتة ونحوها وأراد واحدة كانت طلقة واحدة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد جزم به أبو الفرج وغيره، وفيه أنه لو أراد بها أكثر وقع ما نواه.
فصل في الحلف
أي بالطلاق وأنه يكون يمينًا منعقدة أو لغوًا، أو يكون كناية في الطلاق، (قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي شرع الله لكم (تحلة أيمانكم) تحليلها بالكفارة وهي ما ذكر في سورة المائدة، وذكر تعالى فرض تحلة الإيمان عقب تحريم الحلا، فلا بد أن يتناوله، ويأتي قول ابن عباس وحديث أنس
стр. 1727
وهو أحد طرق سبب نزول الآية، وقالت عائشة "آلي من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفارة" قال الخطابي والأكثر أن الآية في تحريم مارية، ورجحه الحافظ، وقال ابن عباس إذا قال لامرأته أنت علي حرام لغو وباطل، لا يترتب عليه شيء، أي طلاق.
وفي لفظ إذا حرم امرأته ليس بشيء، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ رواه البخاري، وهو قول أكثر أصحاب الحديث وغيرهم لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾.
قال الشيخ فالمناكح والمطاعم التي يباح الانتفاع بها بوجه من الوجوه هي مما سماه الله حلالا، ومن جعل ما أحله الله حرامًا فقد أتى منكرًا من القول وزورًا، وهو كلام لا يمكن تحقيق موجبه، ولا يحل التكلم به، فلا يجعل سببًا لما أباحه الله من الطلاق الذي فيه إرسال المرأة، وإن قصد به الطلاق فليس له أن يقصد الطلاق بمثل هذا الكلام كما لو قال: زواجي بك حرام وقصد به الطلاق فإن هذا كلام باطل في نفسه. فلا يحصل به ثبوت ملك ولا زواله. ولكنه يمين. لأنه امتنع به من المباح أنهم جعلوا تحريم الحلال يمينا. وجعلوا النذر يمينا. وكلاهما يدل عليه النص اهـ. ورجحه جماعة من العلماء.
أما إذا أراد تحريم العين فله حكمه. وإن أراد الطلاق
стр. 1728
فلم يرد ما يدل على امتناع وقوعه. قال ابن القيم قد أوقع الصحابة الطلاق بأنت حرام وأمرك بيدك واختاري ووهبتك لأهلك وأنت خلية ونحو ذلك. وذهب جمهور العلماء إلى جواز التجوز لعلاقة مع قرينة في جميع الألفاظ. إلا ما خص فما يمنعه في باب الطلاق وقد نواه. وإن لم ينو فيمين مكفرة. وكذا إن قال علي الحرام والحرام يلزمني ونحو ذلك لغو. ومع نية أو قرينة يكون طلاقا. وقال: قوله الطلاق يلزمني لا أكلم فلانا يمين لا تعليق.
وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه. وحكى غير واحد إجماع الصحابة على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنث. وقال علي وغيره في اليمين بالطلاق والعتق والشرط وغير ذلك لا يلزم من ذلك شيء. ولا يقضي بالطلاق على من حلف به فحنث. ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة. وقال: قوله الطلاق يلزمني ونحوه يمين باتفاق العقلاء والفقهاء والأمم. وأما إذا حرم على نفسه طعاما ونحوه فلغو. قال الشيخ: ومن حلف بالطلاق كاذبا يعلم كذب نفسه لا تطلق زوجته. ولا يلزمه كفارة يمين.
(وقال) تعالى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي ذلك الذي ذكرت لكم وهو ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ الشرعية ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وحنثتم. فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث قال تعالى ﴿وَاحْفَظُوا
стр. 1729
أَيْمَانَكُمْ﴾ لا تتركوها بغير تكفير إذا حنثتم، واحفظوا اليمين عن الحنث، هذا إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب فالأفضل أنه يحنث نفسه ويكفر، للخبر الآتي وغيره.
(وعن ابن عباس) ﵄ أنه قال (إذا حرم الرجل امرأته) أي قال أنت حرام أ, أنت علي حرام ونحو ذلك (فهو يمين يكفرها) وقال «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حنسة» (متفق عليه أي فلا يحرم بالتحريم ما حرمه على نفسه قال ابن القيم: وصح ذلك عن أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت وابن مسعود، وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء، وقتادة والحسن وخلق سواهم، وحجة ذلك ظاهر القرآن فإن الله تعالى فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينًا.
وقال الشيخ: إذا قال هذا علي حرام أو قال لزوجته أنت علي حرام أو لسريته أنت علي حرام، أو لطعامه وشرابه هو علي حرام فهذا التحريم يتضمن منعه لنفسه منه وأنه التزم هذا الامتناع التزامًا جعله لله لأن التحريم والتحليل إنما يكون لله، وهو إذا قال هذا حرام لم يرد به أن الله حرمه عليه ابتداء فإن هذا كذب ولا يريد أني أحرمه تحريمًا امتنع منه بتاتًا، فإن هذا كلام لا فائدة فيه ولا يقوله عاقل، لا يقصد القائل بقوله هذا حرام إلا أني ممتنع منه من جنس ما حرمه الله علي لا أقربه أبدًا وهذا هو معنى اليمين.
стр. 1730
(وعن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان له أمة يطؤها) مارية القبطية أم إبراهيم (فلم تزل به عائشة وحفصة) ﵄ (حتى حرمها على نفسه) أي أن لا يطأها وحلف بالله (فأنزل الله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك، رواه النسائي) وقال الحافظ سنده صحيح، وله شاهد عند الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم، قال أصاب رسول الله ﷺ أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه فقالت يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حرامًا، فقالت كيف تحرم عليك الحلال. "فحلف لها بالله لا يصيبها" فنزلت الآية، ويأتي أنه ﷺ «ألي وحرم» فجعل الحلال حرامًا أي جعل الشيء الذي حرمه وهو الجارية والعسل حلالاً بعد تحريمه إياه، وجعل في اليمين كفارة، وهو حلفه بالله لا يصيبها فظاهره أن الكفارة لليمين لا التحريم.
(وعن أبي هريرة) ﵁ مرفوعًا «من حلف على يمين» أي حلف يمينًا وهو مجموع المقسم به، لكن المراد هنا المقسم عليه (فرأى غيرها خيرًا منها) أي من حلف يمينًا جزمًا ثم بدا له أمر فعله أفضل من إبرار يمينه (فليأت الذي هو خير) أي فليفعل ذلك الأمر (وليكفر) بعد فعله (عن يمينه) بما ذكر اللهف ي كفارة الأيمان (رواه مسلم) وأحمد والترمذي وغيرهم وجاء بألفاظ من طرق، ولأبي داود وغيره من حديث أبي بردة عن أبيه أنه ﷺ قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى
стр. 1731
غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأنت الذي هو خير» فدل الحديث على إجزاء الكفارة بعد الحنث واتفق عليه أهل العلم، ولا تجزئ قبل الحلف بالاتفاق، وتقديم الكفارة على الحنث جائز عند الأكثر وقد اختلف لفظ الحديث فعند البخاري "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" ولأبي داود في رواية "ثم ائت الذي هو خير" وأخرجه مسلم بالواو.
باب ما يختلف به عدد الطلاق
أي هذا باب في حكم من يختلف به عدد الطلاق بالحرية والرق، وهو معتبر بالرجال وخالص حق الزوج بالكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾) يعني التطليقة الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد الثلاث الطلقات ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ قال شيخ الإسلام وغيره: بإجماع المسلمين، وحكى ابن رشد إجماع فقهاء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة وتقدم الكلام فيه، وإن كرره ثلاثًا وقع، إلا أن ينوي تأكيدًا يصح أو إفهامًا، وتقدم الكلام في صريح الطلاق وكناياته، وإن قالت أنت الطلاق أو علي الطلاق أو يلزمني الطلاق وقع ثلاثًا بنيتها، لأن لفظه يحتمله، وإن لم ينو إلا واحدة فواحدة عملاً بالعرف، لأنهم لا يعتقدونه ثلاثًا.
ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح
стр. 1732
أو نحو ذلك ثلاث ولو نوى واحدة لأنه لا يحتملها لفظه، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وقالوا إذا قال لزوجته يدك أو رجلك أو عضو من الأعضاء المتصلة طالق وقع على جميعها، أو نصف طلقة أو جزءًا منها وقعت طلقة، لأن الطلاق لا يتبعض، وحكاه الوزير اتفاقًا، ويصح استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق وعدد المطلقات، وأجاز الجمهور استثناء الأكثر.
(وفي السنن) والمسند وغيرها (أن ابن عباس) ﵄ (استفتي في مملوك) أي طلبت منه الفتيا في مملوك (تحته مملوكة) أي في نكاحه (طلقها طلقتين) أي طلق المملوك المملوكة طلقتين (ثم عتقا) بصيغة المجهول بعد الطلاق (هل له أن يخطبها) أي هل للمولك أن يخطب المملوكة بعد أن عتقا (فقال: نعم) أي يجوز له ذلك قضى بذلك رسول الله ﷺ رواه الخمسة إلا الترمذي (وفي رواية بقيت لك واحدة قضي بذلك رسول الله ﷺ ) رواه أبو داود وغيره قال أحمد، وهو قول ابن عباس وجابر وأبي سلمة وقتادة، وهو مذهب الجمهور.
(وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: طلاق العبد اثنتان) لا يملك أكثر منهما (فلا تحل له) أي بعد طلقتين (حتى تنكح زوجًا غيره) ويطؤها في نكاح صحيح كما تقدم (رواه الدارقطني) ولابن ماجه والدارقطني نحوه من حديث ابن عمر قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وحكى قوم أنه إجماع وخالف فيه
стр. 1733
جماعة من أهل الظاهر، والجمهور قاسوه على الحدود وقد أجمعوا على أن الرق مؤثر فيها، فيملك العبد اثنتين حرة كانت زوجته أو أمة، لأن الطلاق خالص حق الزوج فاعتبر به.
تتمة
في إيقاع الطلاق في الزمن الماضي والمستقبل والمستحيل
إذا قالت لزوجته أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك، فقال ابن القيم: إذا قال أنت طالق في الشهر الماضي أو قبل أن أنكحك فإن كلا الوقتين ليس بقابل للطلاق، لأنها في أحدهما لم تكن محلاً، وفي الثاني فيه طالقًا قطعًا، فإن قوله: أنت طالق في وقت قد مضى -ولم تكن فيه- إخبار كاذب أو إنشاء
باطل اهـ.
وإن قال أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر أو نحو ذلك لم يجز وطؤها إلى موته، وقال الشيخ: تأملت نصوص أحمد فوجدته يأمر باعتزال الرجل زوجته في كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدري بار هو أو حانث حتى يستيقن أنه بار، فإذا لم يعلم أنه بار اعتزلها أبدًا اهـ. فإن قدم قبل مضي الشهر ونحوه لم تطلق، وبعد شهر وجزء يقع، وإن قال: قبل موتي أو موت زيد طلقت في الحال، لأن ما قبل موته من حين عقد الصفة وإن علق الطلاق على المستحيل، فقال ابن القيم إذا
стр. 1734
علق الطلاق بأمر يعلم العقل استحالته لم يقع، فإن المستحيل عادة كالمستحيل في نفسه.
وأما تعليقه بوجود الشيء وبعدمه فقال الشيخ: لو قال لا نزلت ولا صعدت ولا قمت في الماء ولا خرجت يحنث بكل حال، كمنعه لها من الأكل، ومن تركه، فكان الطلاق معلقًا بوجود الشيء وبعدمه، فوجود بعضه وعدم البعض لا يخرج عن الصفتين، بخلاف ما إذا علقه بحال الوجود فقط، أو بحال العدم فقط اهـ، وإن قال أنت طالق في غد أو في رمضان طلقت في أوله، وإلى غد أو شهر فعند انقضائه، وإن قال أنت طالق اليوم إذا جاء غد قيل لغو، وقال لاشيخ يقع على ما رأيته لأنه جعل هذا شرطًا يتعلق وقوع الطلاق به، فهو كما لو قال أنت طالق قبل موتي بشهر، فإنه لم يجعل موته شرطًأ يقع به الطلاق عليها قبل شهر، وإنما رتبه فوقع على ما رتب.
ومن علق الطلاق على شرط أو التزامه لا يقصد بذلك لا الحض أو المنع فإنه يجزئه فيه كفارة يمين إن حنث، وإن أراد الجزاء بتعليقه طلقت كره الشرط أو التزمه، وعليه يدل كلام أحمد، وقال فيمن قال الطلاق يلزمني ما دام فلان في هذا البلد، إن قصد به الطلاق إلى حين خروجه فقد وقع، ولغا التوقيت وهذا هو الوضع اللغوي، وإن قصد أنت طالق إن دام فلان فإن خرج عقب اليمين لم يحنث، وإلا حنث، وهذا نظير أنت طالق إلى شهر.
стр. 1735
باب تعليق الطلاق بالشروط
أي ترتيبه على شيء حاصل أو غير حاصل، بإن أو إحدى أخواتها، والشروط جمع شرط، وتقدم معناه، والمراد هنا الشرط اللغوي، لأن أنواع الشرط ثلاثة، عقلي وشرعي ولغوي، فالعقلي كالحياة للعلم، والشرعي كالطهارة للصلاة واللغوي كإن دخلت الدار فأنت طالق، والمعلق للطلاق على شرط هو إيقاع له عند الشرط، ولا يصح إلا من زوج وإذا علقه بشرط لم تطلق قبله.
(قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فدلت الآية على أنه لا يقع الطلاق على المرأة قبل نكاحها، إذ هي أجنبية قال ابن عباس ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، فإذا قال المطلق إن تزوجت فلانة هي طالق مطلق لأجنبية فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية؛ والمتجدد هو نكاحها فهو كما لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت وهي زوجته لم تطلق إجماعًا.
(وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده ﵃ (مرفوعًا) أي إلى النبي ﷺ أنه قال «ليس على الرجل طلاق فيما لا يملك» عصمة نكاحها (رواه الخمسة وصححه الترمذي) قال البخاري أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقاله البيهقي وغيره، والحديث دليل على أنه لا يقع الطلاق على الأجنبية، فإن كان منجزًا فإجماع، وإن كان
стр. 1736
معلقًا فهو قول الجمهور، ورواه البخاري عن جماعة من الصحابة وله شواهد منها:
(ولأبي يعلى) الحافظ الموصلي (من حديث جابر) بن عبد الله ﵁ أي أن النبي ﷺ قال: «لا طلاق إلا بعد نكاح» ورواه الحاكم وصححه، وقال أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه، وقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وابن عباس، ومعاذ بن جبل وجابر اهـ.
وقد روي من طرق بمجموعها يصلح أن يحتج به، وأنه لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقًا، ولابن ماجه وغيره من حديث المسور وعلي بن أبي طالب لا طلاق قبل نكاح فدلت الأحاديث والآثار: أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقًا وكما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
(ولابن ماجه من حديث عياض) بن حمار ﵁ (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) فلو زوج عبده أمته ثم أراد أن يفرق بينهما لم يقع طلاقه، ودل الحديث مع ما تقدم أنه لا يصح إلا من زوج يملك الطلاق، ويعضده قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ وقوله ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فلو قال إن تزوجت امرأة أو فلانة فهي طالق لم يقع بتزويجها، ودلت بمفهومها على وقوع طلاق الزوج مع ما تقدم، منجزًا كان الطلاق أو معلقًا، وإن علقه بشرط متقدم أو متأخر، كإن دخلت الدار فأنت طالق، أو أنت طالق إن قمت، لم تطلق قبل
стр. 1737
وجود الشرط، وحكي قولاً واحدًا، وقيل يتعجل إذا عجله وهو ظاهر كلام الشيخ فإنه يملك تعجيل الدين المؤجل.
ومتى وجد الشرط الذي علق به الطلاق وهي زوجته وقع، وإن قال سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال كالمنجز، وإن علق الطلاق على صفات فاجتمعت في عين فقال الشيخ لا تطلق إلا واحدة، لأنه الأظهر في مراد الحالف، والعرف يقتضيه، إلا أن ينوي خلافه، وإن قال إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة، ليستبين له عدم حملها، وحكي إجماعًا، والآيسة والصغيرة قبل أن تستبرأ بمثل الحيضة، وكل ما يكون الشرك فيه عدميًا يستبين فيما بعد، وقال في السريجية وهي إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا فلا تطلق- إنه قول باطل لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من الأئمة الأربعة.
وقال إذا قال إن عصيت أمري فأنت طالق ثم أمرها بشيء أمرًا مطلقًا فخالفته حنث، وإن تركته ناسية أو جاهلة أو عاجزة ينبغي ألا يحنث، لأن هذا الترك ليس عصيانًا، وذكر الأدلة واختاره في غير موضع، وقال ولو حلف على شيء يعتقده كما حلف عليه فتبين بخلافه فهذه المسألة أولى بعدم الحنث من مسألة فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلاً، وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا حلف بالطلاق يحنث قولاً واحدًا، وهذا خطأ بل الخلاف في مذهب أحمد، وقال فيمن حلف على غيره ليفعلن
стр. 1738
كذا أو لا يفعله لا يحنث إن قصد إكرامه لا إلزامه بالمحلوف عليه، لأن الإكرام قد حصل.
(وعن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا من حلف) بالله تعالى أو صفة من صفاته (فقال إن شاء الله لم يحنث حسنه الترمذي) فدل الحديث على أن من علق طلاق امرأته على مشيئة الله تعالى، كأن قال لزوجته أنت طالق إن شاء الله لم تطلق، وقال الشيخ: إذا قال لزوجته أنت طالق إن شاء الله لا يقع به الطلاق عند أكثر العلماء، وإن قصد أنه يقع به الطلاق، وقال إن شاء الله تثبيتًا لذلك وتأكيدًا لإيقاعه وقع عند أكثر العلماء وهذا هو الصواب اهـ.
وإن قال إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت الدار، لتعليقه على وقوع الفعل وقد وقع، وإن قال أنت طالق إن لم يشأ زيد، فقيل قد علق الطلاق بصفة هي عدم المشيئة، فمتى لم يشأ وقع لوجود شرطه، وقال الشيخ القياس أنها لا تطلق حتى تفوت المشيئة، إلا أن تكون نية أو قرينة تقتضي الفورية، وقال الطلاق بعد هذا لا يشاء إلا بكلمه بعد بمشيئة الله فإذا طلق بعد ذلك فقد شاء الله وقوع طلاقها وكذا إن قصد وقوعه الآن، فإنه يكون معلقًا أيضا على المشيئة ولا يشاء وقوعه حتى يوقعه.
стр. 1739
باب التأويل في الحلف
أي بالطلاق أو غيره، ومعنى التأويل في الحلف أن يريد بلفظه في الحلف ما يخالف لفظ يمينه، كنيته بنسائه طوالق بناته أو أخواته ونحوها، فإذا حلف وتأول في يمينه نفعه التأويل، ولم يحنث إلا أن يكون ظالمًا بحلفه، والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام، لأنه كتمان وتدليس، وكلما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز، بل واجب إذا أمكن، وإن كان جائزًا فجائز، واختار الشيخ أنه لا يجوز التعريض في المخاطبة لغير ظالم بلا حاجة.
(عن سويد) بن حنظلة قيل جعفي وقال ابن عبد البر لا أعلم له نسبًا ولا حديثًا غير هذا (قال خرجنا مع رسول الله ﷺ ومعنا وائل) بن حجر ﵄ (فأخذه عدو له فحلفت أنه أخي) أي ونيته أنه أخوة في الإسلام (فقال كنت أبرهم) به (وأصدقهم) بيمينك أنه أخوك (المسلم أخو المسلم) وقال ﷺ " المسلم أخو المسلم" في غير ما حديث (رواه أبو داود) وطرق رجل الباب على أحمد فسأله عن المروذي فقال ليس هنا، وأشار إلى يده. فو حلف ما زيد ههنا ونوى غير مكانه بأن أشار إلى غير مكانه لم يحنث، أو حلفه ظالم ما لزيد عندك شيء وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره لم يحنث.
قال ابن القيم: استعمال المعاريض إذا كان المقصود رفع ضرر غير مستحق فهو جائز، وقد يكون واجبًا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك، وإذا اعتقد أن غيره أخذ
стр. 1740
ماله فيحلف ليردنه أو ليحضرن زيد فقال الشيخ: الأول يظهر جدًا أنه لا يحنث؛ لأن مقصوده ليردنه إن كان أخذه والثاني وإن لم يحصل غرضه لكن لا غرض له مع وجود المحلوف عليه فيصير كأنه لم يحلف عليه.
(ولمسلم) وغيره (عن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال (يمينك) أي إنما يقع (على ما يصدقك به صاحبك) لا تؤثر فيه التورية فالمعنى يمينك التي يجوز أن تحلقها هي التي لو علمها صاحبك لصدقك فيها، فدل الحديث على أنه إذا حلف ظالمًا بحلفه آثم بحلفه لا ينفعه التأويل وانصرفت يمينه إلى ظاهر ما عناه المستحلف وفي المبدع بغير خلاف نعلمه (وفي لفظ على نية المستحلف) فالتورية لا تفيد ولا يجوز الحلف إلا على ما في نفس الأمر، فلو حلف شخص وتأول في يمينه ظالمًا حنث بحلفه ولم ينفعه التأويل.
وذكر ابن القيم وغيره أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام، لأنه كتمان وتدليس، وجوز الأكثر التعريض في المخاطبة لغير ظالم بلا حاجة واختار الشيخ وتلميذه أنه تدليس كتدليس المبيع ونص أحمد أنه لا يجوز التدليس مع اليمين فلو حلف: لا يطأ نهار رمضان ثم سافر ووطئ فقال لا يعجبني لأنه حيلة، ومن احتال بحيلة فهو حانث، وذكر ابن حامد وغيره أنه لا تجوز الحيل في اليمين، وأنه لا يخرج منها إلا بما ورد به سمع، كنسيان وإكراه واستثناء، وأنه لا يجوز التحلل لإسقاط
стр. 1741
حكم اليمين، ولا تسقط، واستدلوا بلعن المحلل، حتى قال الشيخ ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة عد لنكاح فهو من المعتدين فإنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق وبعده، وغالب هذا الباب مبني على التخلص مما حلف عليه بالحيل والمذهب أن الحيل لا يجوز فعلها ولا يبرأ بها ولا يخرج منمها إلا بنسيان أو إكراه ونحوه.
باب الشك في الطلاق
الشك هو التردد بين أمرين لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وهو هنا مطلق التردد بين وجود المشكوك فيه من طلاق أو عدده وعدمه، فيدخل فيه الظن والوهم.
(تقدم) في باب سجود السهو (حديث) أبي سعيد عند مسلم وغيره (فليطرح الشك) وفي لفظ لأحمد فليلق الشك، أي يرم به ولا يعبأ به (وليبن على ما استيقن يعن من صلاته وجاء فليتحر الصواب وقوله ﷺ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقوله «لا ينصرف أحدكم حتى يسمع صوتًا أو يحد ريحًا» فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على أن من شك في طلاق لم يلزمه الطلاق، لأن النكاح متقين فلا يزول بالشك، ولأنه لم يعارض يقين النكاح إلا شك محض فلا يزول النكاح به، وهذا قول جمهور العلماء.
وكذا من شك في شرط الطلاق الذي علق عليه وجوديًا كان أو عدميًا لم يلزمه الطلاق، ومن شك في عدد الطلاق بني
стр. 1742
على اليقين، فإن شك في الثانية فواحدة، أو في الثالثة فثنتان قال ابن القيم وغيره لأن النكاح متيقن فلا يزول بالشك، وهو الصحيح وقول الجمهور، وقال متى وقع الشك في وقوع الطلاق فالأولى استبقاء النكاح، بل يكره أو يحرم إيقاعه لأجل الشك، فإن الطلاق بغيض إلى الرحمن حبيب إلى الشيطان، وأيضًا دوامه آكد من ابتدائه كالصلاة.
(وقال علي) بن أبي طالب ﵁ (في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن) ولا تعرف عينها منهن (ثم مات) المطلق لإحدى نسائه (لا يدري الشهود) الذين أشهدهم على الطلاق (أيتهن طلق) من الأربع (أقرع بين الأربع) لتعين بالقرعة (وأمسك منهن واحدة) تعينت بالقرعة (ويقسم بينهن الميراث) وقال أحمد في رجل له نسوة طلق إحداهن ولم تكن له نية في واحدة بعينها يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيها وإن كان نوى معينة طلقت بلا خلاف.
قال: والقرعة سنة رسول الله ﷺ وقد جاء بها القرآن فهي طريق شرعي لإخراج المجهول، فقد جعل الله طريقًا إلى الحكم الشرعي في كتابه، وفعلها رسول الله ﷺ وأمر بها، وحكم
بها علي في هذه المسألة، قال ابن القيم: وكل قول غير القول بها فإن أصول الشرع وقواعده ترده فإن التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء، والقدر، وصار
стр. 1743
الحكم به شرعيًا قدريًا. شرعيًا في فعل القرعة، قدريًا فيما تخرج به، وذلك إلى الله، وقال فإن الحق إذا كان لواحد غير معين فإن القرعة تعينه، فهي دليل من أدلة الشرع اهـ وإن طلق إحدى امرأتيه ونوى معينة طلقت المنوية، وإلا من قرعت وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه ما لم تتزوج، أو تكن القرعة بحاكم، ما لم تشهد بذلك بينة، فترد إليه، لأن حكم الحاكم لا يغير الشيء عن صفته باطنًا.
باب الرجعة
الرجعة إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد نكاح، بشرط الدخول والخلوة بها، وكون الطلاق عن نكاح صحيح، وكونه دون ما يملك، وكونه بلا عوض، فإن فقد بعضها لم تصح.
(قالت تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ خاطبه الله تشريفًا له، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي إذا أردتم تطلقهن ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وفي قراءة (في قبل عدتهن) وتقدم أمره ابن عمر لما طلق امرأته حائضًا أن يراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك، وقرأ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فلا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أي احفظوها واعرفوا ابتدائها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج.
стр. 1744
﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ﴾ أي في ذلك ثم قال ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أي في مدة العدة لها حق السكنى والنفقة على الزوج ما دامت مقيدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولها النفقة والكسوة فهي زوجة يملك منها ما يملكه ممن لم يطلقها، إلا أنه لا قسم لها (ولا يخرجن) أي لا يجوز لهن أن يخرجن من بيوتهن ما لم تنقض العدة، فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج من المنزل، والفاحشة تشمل الزنى والنشوز والبذاء على أهل بيت الرجل، فيحل إخراجها (وتلك حدود الله) يعني ما ذكر من سنة الطلاق وما بعده إلى قوله ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي إذا بلغت المعتدات أجلهن أي شارفن على انقضاء العدة وقاربن ذلك، ولم تفرغ العدة بالكلية.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي راجعوهن بمعروف محسنين إليهن في صحبتهن وذلك قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يعني الرجعة ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيبن منكم من غير مقابحة ولا مشاتمة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي على الرجعة إذا عزمتم عليها وعلى الطلاق، أمر منه تعالى بالإشهاد حتى قيل بوجوبه وجعله بعضهم شرطًا، فتبطل إن أوصى الشهود بكتمانه، قال الشيخ ولا تصح الرجعة مع الكتمان بحال، وقال أحمد: يفرق بينهما ولا رجعة له عليها، فيلزم إعلان الرجعة والإشهاد كالنكاح
стр. 1745
والجمهور أنه سنة لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول ولا إلى ولي ولا صداق ولا رضي المرأة ولا علمها، وأجمعوا على مشروعيته، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلهِ﴾ أيها الشهود ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي هذا الذي أمرناكم به إنما يأتمر به من يؤمن بالله واليوم الآخر، وأنه شرعه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *﴾.
(وقال) تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت، واستثنى أهل العلم الأمة لأنها على النصف من الحرة فتمكث قرءين ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾ أي لا يحل للمطلقات كتمان ﴿مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من حيض أو حمل وهو يريد أن يراجعها لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد، وجعلها تعالى مؤتمنة على ذلك، ما لم تأت من ذلك ما يعرف به كذبها.
قال تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على خلاف الحق، وفيها أن المرجع إليهن في ذلك لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البينة عليه غالبًا، فرد الأمر إليهن وتعودهن فيه، لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالا لانقضاء العدة أو رغبة في بطئها.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي أولى برجعتهن في
стр. 1746
حال العدة بوطئها مع نية الرجعة، أو بلفظ راجعت امرأتي ونحوه، ما لم يغتسل من الحيضة الثالثة، وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها، وإلا فلا بد من بينة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي إن كان مرادهم بردها الإصلاح والخير، قال الشيخ: لا يمكن من الرجعة إلا من أراد إصلاحًا وإمساكًا بمعروف، وهذا في الرجعيات، وأما من طلق في نكاح فاسد أو خالع بعوض أو طلق قبل الدخول والخلوة فلا.
ونفى تعالى الإضرار عما كانوا يفعلونه في الجاهية من تطويل العدة، وذكر تعالى ما لهن وما عليهن بالمعروف وتقدم (إلى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي إذا راجعها فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي فيتركها حتى تنقضي عدتها وقبل الطلقة الثالثة فتبين منه ويطلق سراحها محسنًا إليها، لا يظلمها من حقها شيئًا ولا يضار بها، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية يطلق أحدهم ثم يراجع لا يؤويها ولا يفارقها.
ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي إن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي من بعد الثلاث بل تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، قال العلماء كل موضع
стр. 1747
في القرآن ذكر فيه النكاح فالمراد به العقد، إلا هذه الآية، فالمراد به الوطء، واتفقوا على أنه شرط في جواز عودها إلى الأول، وأنه إنما يقع الحل في الوطء في النكاح الصحيح، وأنه إن كان الوطء في النكاح الفاسد فاتفقوا كلهم على أن الإباحة لا تحصل به، لأن النكاح الفاسد لا اثر له في الشرع، فلا يدخل في قوله تعالى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
وقال الشيخ النكاح الذي يبيحها له الذي يقران عليه بعد الإسلام، والمجيء به إلينا للحكم صحيحًا، فعلى هذا يحلها النكاح بلا ولي ولا شهود، وكذا لو تزوجها على أختها ثم ماتت الأخت قبل مفارقتها فأما لو تزوجها في عدة أو على أختها ثم طلقها مع قيام المفسد فموضع نظر، فإن هذا النكاح لا يثبت به التوارث، ولا نحكم فيه بشيء من أحكام النكاح فينبغي أن لا تحل له اهـ وإن وطئ في حال الحيض أو الإحرام وقع الحل عند الجمهور أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي هذه أوامر الله ونواهيه، وحدود الله ما منع الشرع من مجاوزته ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ أي فلا تجاوزها ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *﴾.
وحكى ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد دون اثنتين أن لهما الرجعة في العدة وحكاه الوزير وغيره اتفاق أهل العلم، وأنه إذا طلق الحر زوجته ثلاثًا لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإذا طلق العبد
стр. 1748
اثنتين فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ومن ادعت مطلقته ثلاثًا نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه وأمكن قبل، وإن لم يمكن فقال شيخ الإسلام: من كان لها زوج وادعت أنه طلقها لم تتزوج بمجرد دعواها باتفاق المسلمين.
(وعن عمر) ﵁ (أن رسول الله ﷺ طلق حفصة) هي بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ﵄ روي أنه لما بلغ عمر هذا الخبر اهتم له، فأوحي إلى النبي ﷺ راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة (ثم راجعها) ﷺ (رواه أبو داود) ورواه النسائي وابن ماجه وغيرهم، فدل الحديث على مشروعية الرجعية (وتقدم) قريبًا في موضعين حديث ابن عمر ﵄ أنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي ﷺ لعمر (مره فليراجعها) فدل على مشروعية المراجعة إذا طلق الرجل امرأته حائضًا حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر "ثم ليطلقها إن شاء طاهرًا أو حاملاً أو يمسكها".
(وعن عائشة أن امرأة رفاعة) القرظي سمتها امرأة باعتبار ما كان أولاً أو لاشتهارها بها وروي أنها تميمة بنت وهب (وكان طلقها آخر ثلاث تطليقات) وللترمذي وغيره، طلقني فبت طلاقي، يعني جزم البتة ولم يبق من الثلاث شيئًا وتقدم أنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره (فتزوجت بابن الزبير) بفتح الزاي بن باطيًا القرظي (قالت والله يا رسول الله ما معه إلا مثل
стр. 1749
هدبة الثوب) بفتح الهاء وضمها وسكون المهملة طرف الثوب الذي لم ينسج منه، أرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.
(قال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة) القرظي (لا) أي لا ترجعين إليه «حتى تذوقي» يعني المرأة المطلقة ثلاثًا «عسيلته» بالتصغير أي لذة جماع الزوج الثاني «ويذوق عسيلتك» أي لذة جماعها (متفق عليه) وهو حديث مشهور وقع الإجماع عليه.
قال أهل العلم ذو العسيلة كناية عن الجماع، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلاً، ولأحمد والنسائي وغيرهما عن عائشة مرفوعًا «العسيلة هي الجماع» وعن ابن عمر: سئل نبي الله ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل تحل للأول؟ قال: «لا حتى يذوق عسيلته» رواه أحمد والنسائي، وقال: قال: «لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر».
وفيه أحاديث أخر نحو هذا، وهو مذهب جمهور العلماء وقالوا يكفي ما يوجب الحد، ويحصن الشخص ويوجب كمال الصداق، ويفسد الحج والصوم، فدل الحديث وما في معناه أنه لا بد فيمن طلقها زوجها ثلاثًا ثم تزوجها زوج آخر من الوطء في الفرج، فلا تحل للأول إلا بعده، قال ابن المنذر وغيره أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن المسيب
стр. 1750
ولم يوافقه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث، واشترطوا أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليل للأول.
ومن طلق دون ما يملك ثم راجع لم يملك من الطلاق أكثر مما بقي له إجماعًا، ولو وطئها زوج غيره، لأنه غير محتاج إليه في الإحلال فلم يغير حكم الطلاق.
(وسئل عمران بن حصين) ﵁ (عن الرجل يطلق ثم يراجع) أي يطلق امرأته ثم يقع بها، أي يجامعها للرجعة، هذا لفظه (ولا يشهد) أي على رجعتها (فقال: طلقت) أي امرأتك (لغير سنة) أي إشهاد (وراجعت لغير سنة) أي إشهاد (أشهد على طلاقها ورجعتها) ولا تعد (رواه أبو داود) ورواه ابن ماجه وغيرهما ولم يقل ولا تعد.
ورواه البيهقي والطبراني وزاد واستغفر الله، وسنده صحيح، واستدل به بعضهم على وجوب الإشهاد على الرجعة، والجمهور أنه مستحب لوقوع الإجماع على عدم وجوبه في الطلاق، والرجعة قرينته، فلا يجب فيها كما لا يجب فيه، إلا أنه يتأكد في الرجعة للآية وهذا الخبر وغير ذلك وخروجًا من الخلاف.
стр. 1751
باب الإيلاء
الإيلاء لغة الحلف، وشرعًا الامتناع باليمين من وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر، بشرط أن يكون ممن يمكنه الوطء، وأن يحلف بالله، أو صفة من صفاته، وأن يكون على ترك الوطء في القبل، وأن يحلف على أكثر من أربعة أشهر وأن تكون ممن يمكن وطؤها، وهو محرم في ظاهر كلام الأصحاب لأنه يمين على ترك واجب.
(قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ﴾ أي للأزواج الذين ﴿يُؤْلُونَ﴾ أي يحلفون والألية اليمين ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي يحلف أحدهم على ترك وطء زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي إن حلف أن لا يجامع زوجته أكثر من أربعة أشهر فلا يتعرض له قبل مضيها، وبعد مضيها يوقف ويؤمر بالفيء أو الطلاق بعد مطالبة المرأة، وهذه الآية نزلت لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، فإنه كان الرجل يولي من امرأته السنة والسنتين، فأبطل الله ذلك، وانظر المولي أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي رجعوا عن اليمين بالوطء ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عما جناه من التقصير في حقهن بسبب اليمين، فهو محظور وعليه كفارة يمين عند الجمهور، وإن كان يمينه أقل من أربعة أشهر فله أن ينتظر انقضاء المدة، ثم يجامع، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبتها بالفيئة في هذه المدة، لما ثبت في
стр. 1752
الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ «آلى من نسائه شهرًا فنزل لتسع وعشرين» وهو مذهب الجمهور ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي فإن حلف لا يجامع زوجته أكثر من أربعة أشهر ولم يفيء بل عزم وحقق إيقاع الطلاق وقع، فإنه بعد مضي الأربعة يوقف إما أن يفيء وإما أن يطلق، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور المتأخرين، وأنه لا يقع عليها الطلاق، بمجرد مضي الأربعة قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم، وفيه أنها لا تطلق إلا بقول يسمع.
فدلت الآية: على أن من آلى من زوجته أكثر من أربعة فإن فاء وإلا طلق، وقال الوزير وغيره، اتفقوا على أنه إذا حلف بالله أن لا يجامع زوجته أكثر من أربعة أشهر كان موليًا فإن حلف أن لا يقربها أقل من أربعة أشهر لم يتعلق به أحكام الإيلاء، وإذا حلف أن لا يقربها أربعة أشهر فقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه لا يكون موليًا، يعني لا يوقف إلا بعد مضي الأربعة.
(وعن عائشة) ﵂ (قالت آلى) أي حلف (رسول الله ﷺ ) على ترك وطء نسائه شهرًا واعتزلهن، فلذا قالت آلى (من نسائه وحرم) أي حرم مارية أو شرب العسل، وهو في الصحيحين (فجعل الحرام حلالاً) لأن كل حلال حرم لم يحرم، وعن ابن عباس أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا (وجعل في اليمين الكفارة) وهي كفارة اليمين لما تقدم من الآية (رواه
стр. 1753
الترمذي) ورجح إرساله، وقال الحافظ رجاله ثقات.
وتقدم أنه حرم مارية أو العسل، وقال: "ما حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمين" وتقدم أن الإيلاء: هو الحلف بالله، أو صفة من صفاته، فلا إيلاء بحلف بنذر أو عتق أو طلاق ونحوه، ولا بحلف على ترك وطء سريته ونحو رتقاء، ويصح من كل من يصح طلاقه من مسلم وكافر وقن وبالغ ومميز وممن لم يدخل بها.
(وعن ابن عمر) ﵄ (قال إذا مضت أربعة أشهر) ممن حلف على مدة تزيد عليها فهو مول (يوقف المولي) أي يطالب بأحد أمرين حتى يفيء أو (حتى يطلق ولا يقع الطلاق حتى يطلق) فلا يقع الطلاق بمضي المدة (رواه البخاري وهذا الحديث كالتفسير للآية التي هي الأصل في حكم الإيلاء (وذكره) أي ذكر البخاري أنه يذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة وأثنى عشر رجلاً فالمعنى (عن بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ ) والبضعة بكسر الباء ما بين الثلاثة إلى التسعة، فذكره عن ستة عشر، وقال سليمان بن يسار أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يقفون المولي، ونحوه عن أبي صالح.
وقال أحمد بن حنبل قال عمر وعثمان وعلي وابن عمر يوقف المولي بعد الأربعة فإما أن يفيء وإما أن يطلق، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، وهو ظاهر الآية وإن لم يفيء بوطء
стр. 1754
من آلى منها ولم تعفه ولم يطلق أمره الحاكم بالطلاق إن طلبت ذلك منه. ويطلق عليه واحدة أو يفسخ لقيامه مقام المولي عند امتناعه، قال الشيخ: وإن لم يفيء وطلق بعد المدة أو طلق الحاكم عليه لم يقع إلا طلقة رجعية، وهو الذي يدل عليه القرآن ونص عليه أحمد، وإن ادعى بقاء المدة أو أنه وطئها وهي ثيب صدق مع يمينه، وإن كانت بكرًا أو ادعت البكارة وشهدت بذلك امرأة عدل صدقت، وإن ترك وطأها إضرارًا بها بلا يمين ولا عذر فكمول، أو ظاهر ولم يكفر ضرب له أربعة أشهر، فإن فاء وإلا أمر بالطلاق، وإن كان بأحدهما عذر أمر أن يفيء بلسانه ثم متى قدر وطئ أو طلق.
باب الظهار
أي باب ما يذكر من حكم الظهار وكفارته، وما يتعلق بذلك، والظهار مشتق من الظهر لقول القائل أنت علي كظهر أمي، وخص بالظهر لأنه موضع الركوب، وشبهت الزوجة بذلك لأنها مركب الرجل، ويصح ظهار زوج يصح طلاقه، مسلم أو كافر أو قن من كل زوجة معجلاً ومعلقًا بشرط ومؤقتًا، والأصل في الظهار الكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي يقول أحدهم لامراته أنت علي كظهر أمي أو مثل أمي وما أشبه ذلك ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهم كالأمهات، لسن كأمهاتهم ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي ما أمهاتهم ﴿إِلَّا
стр. 1755
اللائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي لا تصير أمه بقوله أنت كأمي ونحو ذلك إنما أمه التي ولدته.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ﴾ أي المظاهرون من نسائهم ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ أي كلامًا فاحشًا باطلاً لا يعرف في الشرع، بل كذبًا بحتًا وحرامًا محضًا منكرًا من القول في الإنشاء، وزورًا في الخبر أبطله الشارع وجعله منكرًا لأنه يقتضي تحريم ما لم يحرمه الله، وزورًا لأنه يقتضي أن تكون زوجته مثل أمه، وهذا باطل وذكر بعض أهل العلم أنه إذا قال لامرأته أنت علي حرام فهو ظهار.
قال ابن القيم: لما صح عن ابن عباس وابي قلابة وسعيد بن جبير وغيرهم، ومذهب أحمد وغيره، وذلك لأن الله تعالى جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهارًا، فالتصريح منه بالتحريم أولى، وذكر أقوالاً، وقال هذا أقيس الأقوال، ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحليل والتحريم بل ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأقوال والأفعال التي يترتب عليها التحليل والتحريم، فإذا قال أنت علي كظهر أمي أو أنت علي حرام فقد قال منكرًا من القول وزورًا، وكذب علي الله فإن الله لم يجعلها عليه كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا.
فقد أوجب بهذا القول المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار، وقال الموفق: أكثر الفقهاء على أن التحريم إذا لم ينوبه الظهار فليس بظهار، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ *﴾ عفا عنهم وغفر لهم
следующие страницы →