← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

والأثر رواه أيضًا البيهقي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم وفيه قصة الذي فقد: قال دخلت الشعب فاستهوتني الجن فمكثت أربع سنين فأتت امرأتي عمر فأمرها أن تتربص أربع سنين من حين رفعت أمرها إليه، ثم دعا وليه فطلقها ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، قال: ثم جئت بعدما تزوجت فخيرني عمر بينها وبين الصداق الذي أصدقتها وهذا مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي وقول جماعة من السلف والخلف بدليل فعل عمر. وروي عن علي تصبر حتى يأتيها يقين موته ولا يصح والله أعلم لما فيه من الحرج والضيق، وقال ابن القيم: حكم الخلفاء في امرأة المفقود كما ثبت عن عمر، وقال أحمد ما في نفسي شيء منه، خمسة من الصحابة أمروها أن تتربص، قال ابن القيم وقول عمر هو أصح الأقوال وأحراها بالقياس، وقال الشيخ: الصواب في امرأة المفقود مذهب عمر وغيره من الصحابة وهو أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة ويجوز لها أن تتزوج بعد ذلك، وهي زوجة الثاني باطنًا وظاهرًا ثم إذا قدم زوجها الأول بعد تزوجها خير بين امرأته وبين مهرها، ولا فرق بين ما قبل الدخول وبعده. وعلى الأصح لا يعتبر الحاكم، فلو مضت المدة والعدة تزوجت بلا حكم، وشبهه باللقطة من بعض الوجوه، وذكر أن وقف التصرف في حق الغير على إذنه يجوز عند الحاجة، وأن

стр. 1787

التخيير فيه بين المرأة والمهر هو أعدل الأقوال، وأن كل صورة فرق فيها بين الرجل وامرأته بسبب يوجب الفرقة ثم تبين انتفاء ذلك السبب فهو شبيه المفقود، ولو ظنت أن زوجها طلقها فتزوجت فهو كما لو ظنت موته اهـ. وهذا فيما إذا كان ظاهر غيبته الهلاك، وإن كان ظاهر غيبته السلامة فمذهب أحمد وغيره من السلف ينتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرًا. وأمة فقد زوجها كحرة في التربص أربع سنين أو تسعين سنة، وفي العدة للوفاة بعد التربص المذكور نصف عدة الحرة كما تقدم، وفي المدة الأخيرة أيضًا كالأولى إن قدم الأول خير وله أخذها زوجة، ولو لم يطلق الثاني، ولكن لا يطؤها قبل فرغ عدة الثاني، وله تركها مع الثاني من غير تجديد عقد للثاني، ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني في كلا الحالتين، ويرجع الثاني عليها بما أخذه الأول منه، ومن مات زوجها الغائب أو طلقها اعتدت منذ الفرقة، وإن لم تحد، وإن وطئت بشبهة أو نكاح فاسد فرق بينهما وأتمت عدة الأول، ثم اعتدت للثاني. فصل في الإحداد الإحداد لغة المنع، وشرعًا ترك الطيب والزينة للمعتدات من الوفاة، ويجب عليهن لزوم المسكن وعلى المطلقات

стр. 1788

الرجعيات بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة. (قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أي في مدة العدة لأن لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس له أن يخرجها إذا كان المسكن الذي طلقها فيه له أو تحت تصرفه بالإجماع في الجملة ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي لا يجوز لهن أن يخرجن ما لم تنقض العدة، لأنهن معتقلات لحق الزوج ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة تشمل الزنى والنشوز على الزوج، والبذاء على أهل الرجل وأذيتهم في الكلام والفعال. (وقال) تعالى ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ أي: الأزواج ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ تلك الأزواج المتوفى عنهن ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني: التزين للنكاح، وهذه الآية قيل نسختها آية أربعة الأشهر والعشر ويتوجه فيما زاد عنها، وذكر شيخ الإسلام وغيره أنها إذا انقضت الأربعة الأشهر والعشر، أو وضعت الحمل واختارت الخروج والانتقال من المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لهذه الآية، قال ابن كثير وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀. (وعن أم عطية) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: لا

стр. 1789

يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت) أي تمنع نفسها الزينة وبدنها الطيب على ميت من قريب كأب وأم وأخ وأخت ونحوهم (فوق ثلاث) ليال فما دونها وذلك أنه أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها، وغلبت الطباع البشرية (إلا على زوج) أي فيجب: أربعة أشهر وعشرًا ولمسلم «إلا امرأة فإنها تحد أربعة أشهر وعشرًا» فيلزم الإحداد كل امرأة متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح، وأجمع المسلمون على وجوب الإحداد على الحرائر المسلمات في عدة الوفاة، إلا ما روي عن الحسن، وعند الجمهور يحرم فوق ثلاث على ميت إلا على زوج. قال ابن القيم وهذا من تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها على أكمل الوجوه، فإن الإحداد على الميت من تطعيم مصيبة الموت التي كان أهل الجاهلية يبالغون فيها أعظم مبالغة وتمكث المرأة سنة في أضيق بيت وأوحشه لا تمس طيبًا، ولا تدهن ولا تغتسل إلى غير ذلك مما هو تسخط على الرب وأقداره، فأبطل الله برحمته سنة الجاهلية، وأبدلنا بها الصبر والحمد، ولما كانت مصيبة الموت لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع والألم والحزن مما تتقاضاه الطباع، سمح لها الحكم الخيبر في اليسر من ذلك. وهو ثلاثة أيام تجد بها نوع راحة، وتقضي بها وطرًا من الحزن، وما زاد فمفسدته راجحة، فمنع منه بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها، فإن

стр. 1790

فطام النفوس عن مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي. والمقصود أنه أباح لهن لضعف عقولهن، وقلة صبرهن الإحداد على موتاهن ثلاثة أيام وأما الإحداد على الزوج فإنه تابع للعدة، وهو من مقتضياتها ومكملاتها، وهي أنها تحتاج إلى التزين لتحبب إلى زوجها، فإذا مات وهي لم تصل إلى آخر فاقتضى تمام حق الأول الأول وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله أن تمنع مما تصنع النساء لأزواجهن مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة. قال ﷺ «فإنها لا تكتحل» أي المتوفى عنها زوجها فدل على تحريم الاكتحال على المرأة في أيام عدتها من موت زوجها إلى انقضاء عدتها، هو مذهب الجمهور ويأتي تفصيله (ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا) بأي لون من ألوان الصبغ إلا ما استثني قال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة، ورخص بعضهم فيما صبغ بسواد، لأنه لا يتخذ للزينة قال (إلا ثوب عصب) برد يمانية يعصب غزلها أي يجمع ويشد ثم يصبغ وينشر فيبقى موشى، لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذ الصبغ، والمراد ما لم يكن فيه زينة فتمنع منه للتعليل بالزينة. (ولا تمس طيبًا) وفي رواية "ولا تطيب" ففيه تحريم الطيب

стр. 1791

على المعتدة، وهو كل ما يسمى طيبًا ولا نزاع في ذلك (إلا إذا طهرت) أي من حيضها (نبذة) أي قطعة نبذة (من قسط) بضم القاف ضرب من الطيب (أو أظفار) وفي لفظ "وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من قسط أو أظفار " قال النووي: نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا التطيب (متفق عليه). فدل الحديث مع ما يأتي على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وأنه لا إحداد على المطلقة، فإن كان رجعيًا فإجماع، وإن كان بائنًا فمذهب الجمهور أنه لا إحداد عليها، وهو ظاهر في غير المطلقة ثلاثًا فإنه يصح أن تعود مع زوجها بعقد، وأما المطلقة ثلاثًا فيباح لها الإحداد، يؤيده أنه شرع لقطع ما يدعو إلى الجماع فهي تشبه المتوفى عنها لتعذر رجوعها إلى الزوج، وأما المطلقة قبل الدخول فلا إحداد عليها، قال الحافظ اتفاقًا وإن كان النكاح فاسدًا لم يلزم المتوفى عنها الإحداد، لأنها ليست زوجة وكذا موطوءة بشبهة أو زنا. ولا يعتبر لوجوب الإحداد كونها وارثة أو مكلفة، فيجنبها وليها الطيب ونحوه، وسواء كان الزوج مكلفًا أو لا، للعموم وللتساوي في اجتناب المحرمات، وأما الأمة فقال ابن رشد لا إحداد عليها، وبه قال فقهاء الأمصار.

стр. 1792

(ولأبي داود) والنسائي وأحمد وغيرهم من حديث أم سلمة في المتوفى عنها زوجها أنه ﷺ قال «ولا تلبس المعصفر من الثياب» أي المصبوغ بالعصفر (ولا الممشقة) أي المصبوغة بالمشق وهو المغرة (ولا الحلي) أي ولا تلبس الحلي من ذهب أو فضة أو غيرهما (ولا تختضب) أي بالحناء فدل على ترك الثياب المعصفرة والممشقة للمحادة على ترك الخضاب وهو مذهب جماهير العلماء. (وله عنها) أي لأبي داود والنسائي وغيرهما وحسنه الحافظ عن أم سلمة (في الصبر) قال ﷺ «إنه يشب الوجه» أي يجمله ويحسنه (فلا تجعليه إلا بالليل) لأنه لا تظهر فيه الزينة «وانزعيه بالنهار» لظهور الزينة فيه وكذا الاكتحال بالإثمد للتداوي تجعله بالليل وتنزعه بالنهار وظاهره أنه يجوز للمعتدة عن موت أن تجعل على وجهها الصبر بالليل وتنزعه بالنهار لأنه يحسن الوجه فلا يجوز فعله في الوقت الذي تظهر فيه الزينة «ولا تمتشطي بالطيب» لأن الامتشاط به تطيب «ولا بالحناء» أي ولا تمتشطي بالحناء «فإنه خضاب» أي وهي ممنوعة من الخضاب. فلا يجوز للمعتدة من وفاة أن تمتشط بشيء من الطيب، أو بما فيه زينة كالحناء ولكن بالسدر ونحوه، فإنها قالت يا رسول الله بأي شيء أمتشط؟ قال بالسدر تغفلين بها رأسك، وجملة ذلك أنها تجتنب ما يدعو إلى نكاحها، ويرغب في النظر إليها من الزينة والطيب والتحسين والحناء، وما صنع للزينة، وحلي

стр. 1793

وكحل أسود، لا توتيا ونحوها، ولا نقاب وأبيض، ولا أخذ ظفر ونحوه، وتنظيف وغسل، قال ابن رشد وغيره تمتنع عند الفقهاء بالجملة من الزينة الداعية الرجال إلى النساء، وذلك كالحلي والكحل لثبوته بالسنة، لا ما لم تكن فيه زينة وثياب اللباس المصبوغة إلا السواد ورخصوا في الكحل عند الضرورة. (وعن فريعة) بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري، شهدت بيعة الرضوان ﵂ (أن زوجها قتل) وكان خرج في طلب أعلاج له فأدركهم في طرف القدوم فقتلوه، وهي في دار شاسعة من دور أهلها (فسألت النبي ﷺ أن ترجع إلى أهلها) لتسكن عندهم (فإنه لم يترك لها مسكنًا) كان يملكه (ولا نفقة) قالت فلو تحولت إلى أهلي وإخواتي لكان أرفق لي في بعض شأني، وفي لفظ قال (نعم) فلما كنت في الحجرة ناداني (فقال امكثي في بيتك) الذي أتاك نعيه فيه (حتى يبلغ الكتاب أجله) وهو قوله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ مع ما يأتي (قالت: فاعتددت فيه) أي في بيتها الذي توفي وهي فيه (أربعة أشهر وعشرًا) فدل الحديث على وجوب لزوم المعتدة المسكن الذي توفي زوجها وهي ساكنة فيه وهو مذهب جمهور العلماء (وقضى به عثمان) ابن عفان الخليفة الراشد ﵁ بمحضر من

стр. 1794

المهاجرين والأنصار وقضى به ثاني الخلفاء الراشدين عمر وابنه وابن مسعود وجماعة من الصحابة ﵃ (رواه الخمسة) ومالك والشافعي وغيرهم (وصححه الترمذي) وابن حبان والحاكم والذهلي وغيرهم وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقال بهذا الحديث فقهاء الحجاز والشام والعراق ومصر وغيرهم، وذكر ابن عبد البر أنه معروف مشهور عندهم. وقد دل مع ما تقدم على أن المتوفى عنها تعتد في بيتها الذي مات زوجها وهي به، لا تخرج منه إلى غيره، فلا يجوز أن تتحول منه بلا عذر لقوله: «امكثي في بيتك» مع قولها إنه لم يتركها في منزل يملكه ولا نفقة، وأن لها السكنى مدة العدة، ولما تقدم من قوله ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ وقوله ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ والجمهور يقولون لا تخرج من منزلها إلا لضرورة فيجب عليها بذل الأجرة من مالها إن قدرت. وإلا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ومتى تحولت خوفًا على نفسها أو مالها أو حولت قهرًا، أو حولت بحق يجب عليها الخروج من أجله، أو بتحويل مالك المنزل، أو نحو ذلك مما ليس في وسعها انتقلت حيث شاءت لسقوط الواجب ولم يرد الشرع بالاعتداد في معين غيره، ويلزم منتقلة بلا حاجة العود استدراكًا للواجب قال الشيخ: وليس للمرأة أن تسافر في عدة الوفاة للحج عند الأئمة الأربعة. (وروى مجاهد) ابن جبر رحمه الله تعالى أن نساء من

стр. 1795

استشهد بأحد (قلن يا رسول الله نستوحش) وذلك أن رجالاً استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم يا رسول الله إنا نستوحش في بيوتنا يعني منفردات، وكان من المعلوم عندهن وجوب اعتدادهن في بيوتهن (قال: تحدثن عند إحداكن) من أول الليل (حتى إذا أردتن النوم) يعني بالليل (فلتؤب) وفي لفظ تأوي (كل واحدة منكن) يعني المعتدات (إلى بيتها) التي استشهد زوجها وهي به رواه الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما مرسلاً، فدل الأثر على أنه ﷺ أذن لهن بالخروج نهارًا لحاجتهن إليه من أجل الاستيحاش، لا ليلاً لأن الليل مظنة الفساد. (وعن جابر) ابن عبد الله ﵄ (قال طلقت خالتي) لم يوقف على اسمها وذكرت في المبهمات، وفي لفظ ثلاثًا (فأرادت آن تجد) أي تقطع ثمر (نخلها فزجرها رجل أن تخرج) وفي لفظ فخرجت تجذ نخلاً لها فلقيها رجل فنهاها (فأتت النبي ﷺ ) فذكرت ذلك له (فقال) اخرجي و (جذي نخلك) أي اصرمي نخلك (فإنك عسى أن تصدقي) منه بحذف أحدى التائين (أو تفعلي معروفًا) وفي لفظ أو تفعلي خيرًا من التطوع والإحسان وأداء واجب الزكاة (رواه مسلم). فدل الحديث على جواز خروج المطلقة البائن لجذ النخل ونحو ذلك، سواء كان الخروج لغرض ديني أو دنيوي، وقياسًا على المتوفي عنها ومخصص لعموم الآية وهو مذهب الجمهور. (ولهما عن فاطمة بنت قيس) ابن خالد القرشية الفهرية

стр. 1796

أخت الضحاك ﵃ (أن زوجها) عمرو بن حفص وجاء أنه أبو عمرو بن حفص المخزومي (طلقها البتة) أي البائنة أو المطلقة ثلاثًا فلا رجعة له عليها، يوضحه روايات الحديث فلمسلم من حديثها أنه طلقها ثلاثًا وفي رواية كانت عند أبي حفص بن المغيرة وكان خرج مع علي إلى اليمن فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها (وأرسل إليها بشيء) ولمسلم بخمسة آصع من شعير (فسخطته) فقال ما لك علينا من شيء (وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال ليس لك عليه نفقة) أي مدة العدة (ولا سكنى) حيث لا رجعة له عليها قال الحافظ المتفق عليه في جميع طرق الحديث أن الاختلاف كان في النفقة اهـ. وفي رواية "إلا أن تكوني حاملاً" ففيه: وجوب النفقة لها إذا كانت حاملاً ودل على أنها لا تجب لمن كانت على صفتها في البينونة (وأمرها أن تعتد عند أم شريك) الأنصارية النجارية وكانت غنية ثم قيل لها: عند ابن أم مكتوم ولأحمد والنسائي وغيرهما من حديث فاطمة "إنما النفقة والسكنى لمن لزوجها عليها الرجعة" والحديث نص صحيح صريح على أن المطلقة ثلاثًا ليس لها نفقة ولا سكنى، وهو مفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ فأي أمر بعد الثلاث، وهذا مذهب أحمد وأهل الحديث.

стр. 1797

وقال أحمد ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ إيجاب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثًا وقال الدارقطني السنة بيد فاطمة قطعًا، قال ابن القيم: ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن ما روي عن عمر ﵁ مرفوعًا «لها السكنى والنفقة» كذب على عمر وعلى رسول الله ﷺ وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب على معارضة السنن النبوية الصحيحة الصريحة اهـ، فللمطلقة ثلاثًا أن تعتد بمأمون من البلد حيث شاءت، ولا تبيت إلا به، ولا تسافر، لما في البيتوتة بغير منزلها، وسفرها إلى غير بلدها من التعرض للريبة. وإن أراد إسكانها بمنزله أو غيره تحصينًا لفراشه ولا محذور فيه لزمها، (ولمسلم) قالت فاطمة بنت قيس يا رسول الله (أخاف أن يقتحم علي) أي يهجم علي أحد بغير شعور (فأمرها فتحولت) أي عند أم شريك أو ابن أم مكتوم، كما تقدم، فدل الحديث على جواز انتقال المطلقة ثلاثًا من المنزل الذي وقع عليها الطلاق فيه، فيكون مخصصًا لعموم (ولا يخرجن) قال الحافظ: وإذا جمعت ألفاظ الحديث خرج منها، أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها وأما وجوب السكنى فعند بعضهم تجب ومذهب أحمد وغيره لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة ﵂.

стр. 1798

باب الاستبراء الاستبراء من البراءة وهي التمييز والقطع، يقال برئ اللحم من العظم إذا قطع عنه وفصل، وشرعًا تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك يمين، سواء كانت قنًا أو مكاتبة أو مدبرة أو أم ولد أو معلقًا عتقها. (قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أي من كانت حاملاً فعدتها بوضع حملها ولو بفواق ناقة عند الجمهور كما تقدم، فدلت الآية على أنه يحصل استبراء الأمة بوضع حملها، ولو بفواق ناقة سواء كانت مسبية أو مشتراة أو غير ذلك من سائر التملكات، أو بعد طلاق أو موت. (وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس) واد في بلاد هوازن بحنين معروف بين مكة والطائف لا توطأ حامل حتى تضع) حملها وعن أبي هريرة «لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره» رواه أحمد وثبت أنه مر بامرأة محج، فسأل عنها فقالوا أمة لفلان، فقال: «أيلم بها» قالوا: نعم، فقال: «لقد هممت أن ألعنة لعنًا يدخل معه في القبر كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ أم كيف يورثه وهو لا يحل له؟». قال: (ولا غير حامل حتى تحيض حيضة) ليتحقق براءة رحمها (رواه أبو داود) وأحمد وصححه الحاكم، وله شواهد من حديث

стр. 1799

ابن عباس وأبي هريرة والعرباض بن سارية وغيرهم. فدل الحديث وما في معناه على أنه يحرم على لارجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملاً حتى تضع حملها وإذا كانت حائلاً حتى تستبرأ بحيضة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء، واتفقوا على أنه يحرم وطؤها زمان الاستبراء وقياس المسبية المشتراة أو المتملكة بأي وجه من وجوه التملك بجامع ابتداء التملك، ويدل قوله: «حتى تحيض حيضة» أنه إذا اشتراها وهي حائض لم يعتد بتلك الحيضة حتى يستبرئها بحيضة مستأنفة، ومن وطئ أمته ثم أراد بيعها أو تزويجها حرما حتى يستبرئها، وإن عتقت لزمها استبراء نفسها، ومن علم براءة رحمها فلا استبراء عليها كما سيأتي، وفيه جواز وطء السبايا بعد الاستبراء وإن لم يدخلن في الإسلام، وعمل به الصحابة في عصر النبوة وفيه جواز الاستمتاع قبل الاستبراء، بدون جماع ولفعل ابن عمر وغيره. (وله) أي لأبي داود وأحمد والترمذي وغيرهم وصححه ابن حبان وغيره (عن رويفع) تصغير رافع بن ثابت من بني مالك بن النجار المتوفى سنة ست وأربعين (مرفوعًا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره) يعني إتيان الحبالى وفي لفظ «ولد غيره» زاد أبو داود «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها» ولأحمد «فلا ينكحن شيئًا من السبايا حتى تحيض» وللنسائي نحوه فمن ملك أمة

стр. 1800

يوطأ مثلها حرم عليه وطؤها قبل استبرائها إن لم يعلم براءة رحمها. قال الشيخ: لا يجوز لمن اشترى جارية وطؤها قبل استبرائها باتفاق العلماء، والجمهور على وجوب الاستبراء على المشتري والمتهب ونحوهم بجامع تجدد الملك، وقال علي: من اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة، وظاهر عموم الأحاديث شمول من لم يجر عليها الحمل، وذهب جماعة من العلماء إلى أن الاستبراء إنما يكون في حق من لم يعلم براءة رحمها وأما من علم براءة رحمها فلا استبراء عليها، قال الشيخ لا يجب استبراء الأمة البكر سواء كانت كبيرة أو صغيرة وهو مذهب ابن عمر واختيار البخاري، وكذا الآيسة، ومن اشتراها من رجل صادق وأخبره أنه لم يطأها أو وطئ واستبرأ. اهـ. (وعن ابن عمر) ﵄ (قال إذا وهبت الوليدة) أي القينة وقيده بعضهم بمن تولد في الرق (التي توطأ) أي فلتستبرأ (أو بيعت) يعني الوليدة (أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة) ليعلم براءة رحمها، واستبراء من ارتفع حيضها عشرة أشهر، وتصدق الأمة إذا قالت حضت وأمكن، قال ﵁ (ولا تستبرأ العذراء) يعني البكر لم توطأ (رواه البخاري) وله نحوه عن علي ﵁ ويؤيده مفهوم ما تقدم، قال المازري القول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء وكل من غلب على الظن كونها حاملاً

стр. 1801

أو شك في حملها، أو تردد فيها فالاستبراء لازم فيها، والأحاديث تشير إلى أن العلة الحمل أو تجويزه. باب الرضاع هو لغة مص اللبن من الثدي، وشرعًا مص من دون الحولين لبنًا ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. (قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أمك هي التي ولدتك وكما حرمها عليك حكم تعالى بتحريم المرضعة وسماها أما، ويدخل فيهن الجدات، وإن علون من قبل الأم، ومن قبل الأب، كما تقدم في باب المحرمات في النكاح ويأتي «أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ جمع أخت سواء كانت من قبل الأب والأم. أو من قبل أحدهما سماهن أخوات وحكم بتحريمهن، فدلت الآية على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، واتفق عليه أهل العلم، وحكمه حكم التناكح بشرطين، أن تكون قبل استكمال المولود حولين، وأن يوجد خمس رضعات، والسعوط والوجور محرم لما يأتي، وقال الوزير: اتفقوا على أنه يتعلق التحريم بالسعوط والوجور إلا في إحدى الروايتين عن أحمد، وأنه مقصور على الآدميات. (وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» متفق عليه، وفي لفظ

стр. 1802

«يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» وقال الترمذي: العمل عليه عند عامة أهل العلم، فدل الحديث على أن محارم المرتضع محارم المرضعة والواطئ وبه استدل العلماء على أنه يحرم من الراضع ما يحرم من النسب وذلك بالنظر إلى أقارب المرضع لأنهم أقارب للرضيع وأما أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المرضع. (ولهما عن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) أي مثله في التحريم. وذلك أن النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة، فقال: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وإنما كانت ابنة أخيه لأنه رضع من ثويبة أمة أبي لهب، وقد كانت أرضعت عمه حمزة. قال الشيخ: هو حديث صحيح متلقى بالقبول، متفق على صحته، فدل مع ما تقدم على أن محارم المرضعة كآبائها وأمهاتها وأجدادها، وجداتها وإخوتها وأخواتها وأولادهم وأعمامها وعماتها وأخوالها وخالاتها محارم المرتضع وأن محارم الواطئ محارم المرتضع كذلك، ولا نزاع في ذلك يعتد به، فإن أقاربهما أقارب الرضيع لما تقدم وغيره، وأما أقارب الرضيع ما عدا أولاده فلا علاقة بينهم وبين المرضع فلا يثبت لهم شيء من الأحكام فتباح المرضعة لأبي المرتضع وأخيه من النسب وتباح أمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه من رضاع إجماعًا، كما يحل لأخيه من أبيه، وأخته من أمه. (وعن عائشة) ﵂ (أن أفلح) أخا أبي القعيس

стр. 1803

واسمه وائل بن أفلح الأشعري مولى لرسول الله ﷺ (جاء يستأذن عليها) أي على عائشة ﵂ بعد الحجاب (قالت فأبيت) أي أن تأذن له (فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته) بالذي صنعت وهو أنه استأذن عليها فأبت أن تأذن له (فأمرني أن آذن له علي) أي إذا استأذن ولا تحتجب منه (وقال إنه عمك) أي من الرضاعة (متفق عليه) ولأبي داود قلت دخل علي أفلح فاستترت منه فقال أتستري مني وأنا عمك، قلت من أين؟ قال أرضعتك امرأة أخي، قالت إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. فدل الحديث مع ما تقدم على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة وذلك لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معًا فوجب أن يكون الرضاع منهما كالجد لما كان سبب ولد الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده، وكذلك قال ابن عباس اللقاح واحد، فإن الوطء يدر اللبن فللرجل منه نصيب، وهذا مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، حكاه عنهم غير واحد من أهل العلم، وقال الوزير اتفقوا على أن لبن الفحل محرم، وهو أن ترضع المرأة صبية فتحرم هذه الصبية على زوج المرضعة وآبائه وأبنائه ويصير الزوج الذي در اللبن علاقة أبا للمرضعة. (ولمسلم عنها) أي ولمسلم وغيره عن عائشة ﵂ أنها قالت (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات

стр. 1804

يحرمن) أي إذا ارتضع الطفل من المرأة عشر رضعات (ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن) أي إذا ارتضع الطفل من المرأة خمس رضعات (وتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن) أي أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًا أنه توفي صلوات الله وسلامه عليه وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أنه لا يتلى. وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم، كما هو معلوم مقرر في مواضعه، وهو أحد أنواع النسخ المعلومة المتفق عليها بين أهل العلم، وهذا الخبر مبين لما أجمل من الآية والأحاديث السابقة ويشهد له، حديث سهلة وغيره فإنها أرضعت سالمًا خمس رضعات، والرضعة هي المرة من الرضاع فمتى التقم الصبي الثدي وامتص منه ثم تركه لتنفس أو انتقال إلى ثدي آخر ونحو ذلك باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، فإن عاد ولو قريبًا فرضعتان كما هو المعهود، فإذا حصل خمس رضعات على هذه الصفة حرم إذا كان في الحولين قبل الفطام وحكاه الوزير وغيره اتفاقًا. (وله) أي ولمسلم في صحيحه (عنها) أي عن عائشة ﵂ (أن سهلة) بنت سهيل القرشية العامرية (قالت يا رسول الله إن سالمًا) قيل ابن معقل (مولى أبي حذيفة) بن عتبة

стр. 1805

ابن ربيعة بن عبد شمس (معنا في بيتنا) وقالت نراه ولدًا يأوي معي ومع أبي حذيفة ويراني فضلاً (وقد بلغ ما يبلغ الرجال) يعني الحلم وذلك أن أبا حذيفة قد تبنى سالمًا وزوجه، وكان سالم مولى لامرأة من الأنصار فلما أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية كان من له أب معروف نسب إلي أبيه، ومن لا أب له معروف كان مولى وأخا في الدين فعند ذلك جاءت سهلة تذكر ذلك لرسول الله ﷺ (فقال: «ارضعيه تحرمي عليه) فلا تحتجبي عنه رخص لها لما في ذلك من مشقة الاحتجاب. فدل الحديث على أن إرضاع الكبير يحرم عند الحاجة ولهذا كانت عائشة ﵂ تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، ويروى عن علي، ويدل: عموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فإنه مطلق غير مقيد بوقت، ولما قالت أم سلمة لعائشة إن الحكم خاص بسالم، قالت عائشة أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ فسكتت أم سلمة ولو كان خاصً لبينه ﷺ ولما قالت سهلة لرسول الله ﷺ كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ قال لها ﷺ «ارضعيه تحرمي عليه وإن كان الجمهور أنه لا يحرم لما يأتي. فهذا الحديث صحيح غير منسوخ، لما عرفت من قول سهلة وعائشة، وأنه متقرر عندهم أن الإرضاع للصغير وإنه إنما يعتبر الصغر إلا إذا دعت الحاجة لرضاع الكبير الذي لا

стр. 1806

يستغنى أهل البيت عن دخوله عليهم، وأنه يشق احتجاب المرأة عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل هذا يحرم رضاعه لهذا الخبر، وقال الشيخ: ينشر الحرمة بحيث يبيح الدخول والخلوة إذا كان قد تربى في البيت، بحيث لا يحتشمون منه للحاجة، لقصة سالم، وما عداه فلا بد أن يكون الرضاع في حال الصغر. (ولأبي داود) من حديث عائشة في قصة سالم وسهلة، قال ﷺ لها «ارضعيه خمس رضعات» فدل على اعتبار الخمس كما تقدم، وأن ما دونها لا ينشر الحرمة، وهو مذهب جماهير العلماء، وإن شك في الرضاع أو شك في كماله، أو شكت المرضعة ولا بينة فلا تحريم، لأن الأصل عدم الرضاع المحرم، وإن قال الزوج لزوجته أنت أختي لرضاع بطل النكاح، وإن قالته وأكذبها فهي زوجته حكمًا، وأما بينها وبين الله تعالى فلا يحل لها مساكنته إن كانت صادقة، ولا تمكنه من وطئها ولا من دواعيه، لأنها محرمة عليه وعليها أن تفتدي منه وتفر عنه. (وله) أي لأبي داود وغيره (عن ابن مسعود) ﵁ (مرفوعًا «لا رضاع إلا ما أنشز») أي شد وقوى (العظم وأنبت اللحم) وإنما يكون ذلك لمن هو في سن الصغر فإنه ينمو باللبن، ويقوى به عظمه وينبت عليه لحمه. (وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا لا يحرم من

стр. 1807

الرضاع) يعني الذي تقدم أنه يحرم منه ما يحرم منه ما يحرم من النسب (إلا ما فتق الأمعاء) أي شق أمعاء الصبي ووقع موقع الغذاء فوصل إليها فلا يحرم القليل الذي لا ينفذ إليها، وتقدم أن المحرم خمس رضعات (وكان قبل الفطام) أي قبل أوان فطام الرضيع (صححه الترمذي) والحاكم ولأبي داود وغيره عن ابن مسعود نحوه، وفيه «وأنشز العظم» وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا رضاع إلا في الحولين، وروي عن عمر وابن مسعود قال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر، وقالوا مهما كان في الحولين فإن رضاعه يحرم، ولا يحرم ما كان بعدهما لقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فتمام الرضاعة الحولان وما بعدهما لا يحرم وفي الاختيارات، الارتضاع بعد الفطام لا ينشر الحرمة وإن كان دون الحولين، واختار الشيخ أيضًا ثبوت الحرمة بالرضاع إلى الفطام ولو بعد الحولين أو قبلهما. (وفي الصحيحين من حديث عائشة) ﵂ يعني أن رسول الله ﷺ قال: «إنما الرضاعة» أي المعتبرة المغنية أو المطعمة (من المجاعة) وذلك أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه فقالت إنه أخي فقال «انظر من إخوانكن» أي تحققن في أمر الرضاعة هل هو رضاع صحيح

стр. 1808

«فإنما الرضاعة من المجاعة» أي الواقعة في زمن الإرضاع بحيث إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع وهو كما قال أبو عبيدة وغيره تعليل لإمعان التحقق في شأن الرضاع، وأن الرضاع الذي تثبت به الحرمة وتحل به الخلوة هو حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعه، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير جزءًا من المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها ومحارمها، وتعليل أيضًا لمقدار الإرضاع، فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع بشرطه من وقوعه في زمن الرضاع، ومقدار الإرضاع كما تقدم. وفيه دليل على أن التغذي بلبن المرضعة محرم، سواء كان شربًا أو وجورًا أو سعوطًا أو حقنة حيث كان يسد جوع الصبي وهذا مذهب جمهور العلماء وتقدم ذكر الاتفاق عليه، ومن أفسدت نكاح نفسها بسبب رضاع ونحوه قبل الدخول فقيل لا مهر لها، وبعد الدخول مهرها بحاله، وقال ابن القيم: يتوجه سقوطه بإفسادها وكان الشيخ يذهب إليه وهو منصوص أحمد واقوى دليلاً ومذهبًا وإن أفسده غيرها فلا نصفه قبله، وجميعه بعده يرجع به الزوج على المفسد، جزم به الشيخ وغيره. (وعن عقبة بن الحارث) بن عامر القرشي النوفلي أسلم يوم الفتح (أنه تزوج بنت أبي إهاب) يقال لها أم يحيى (فجاءت امرأة) وفي الترمذي امرأة سوداء قال الحافظ لا أعرف اسمها

стр. 1809

(فقالت قد أرضعتكما) قال وهي كاذبة مرارًا وهو يعرض عنه (فسأل رسول الله ﷺ ) عن تزوجه بها وقول تلك المرأة إنها أرضعتهما (فقال: كيف وقد قيل) أي كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل بأنك وهي قد ارتضعتما من ثدي واحد، ولفظ الترمذي وغيره «كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما دعها عنك» (ففارقها) عقبة ﵁ فنكحت زوجًا غيره (رواه البخاري). فدل الحديث وما في معناه على قبول شهادة المرضعة وحدها، وهو مذهب أحمد وجماعة من السلف، لهذا الحديث وقد تكرر سؤال النبي ﷺ لعقبة أربع مرات وأجابه بقوله: «كيف وقد قيل» وفي لفظ «دعها» وللدارقطني «لا خير لك فيها» وذلك قلما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة داعية إلى اعتبارها قال ابن القيم: إذا شهدت امرأة عدل بأنها قد أرضعته وزوجته فقد لزمت الحجة من الله في اجتنابها، ونوجب عليه مفارقتها لقوله ﷺ «دعها عنك» وليس لأحد أن يفتي غيره، وقال الشيخ: إذا كانت المرأة معروفة بالصدق وذكرت أنها أرضعت طفلاً خمس رضعات قبل ذلك، وثبت على الصحيح اهـ، وإن شك في الرضاع أو كماله أو شكت المرضعة ولا بينة فلا تحريم، لأن الأصل عدم الرضاع المحرم. (ولأبي داود) والبيهقي (عن زياد) السهمي (نهى ﷺ أنه تسترضع الحمقاء) أي خفيفة العقل فإن اللبن يشبه وذلك لأن

стр. 1810

للرضاع تأثيرًا في الطباع، فيختار للطفل حسنة الخلق، ويكره استرضاع سيئة الخلق والفاجرة، وكذا الجذماء والبرصاء، وروى البيهقي عن عمر وابنه وعمر بن عبد العزيز أن اللبن يشبه وحكى القاضي أن من ارتضع من امرأة حمقاء خرج الولد أحمق ومن ارتضع من سيئة الخلق تعدى إليه ومن ارتضع من بهيمة كان بليدًا كالبهيمة. باب النفقات جمع نفقة وهي كفاية من يمونه طعامًا وكسوة ومسكنًا، وتوابع ذلك من ماء شرب، وطهارة وغير ذلك من زوجة وأقارب ومماليك وغيرهم، وأحقهم في ذلك الزوجة، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على وجوب نفقتها على الزوج وكذا الولد الصغير والأب والرقيق وغيرهم مما سيأتي تفصيله. (قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾) أي لينفق على المولود والده أو وليه بحسب قدرته وعموم الآية يدل على وجوب نفقة الزوج على زوجته وأقاربه بشرطه بحسب سعته ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ ضيق عليه في المال ﴿فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ على قدر ذلك فكل بحسبه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ أي لا يكلف الله نفسًا في النفقة إلا ما أعطاها من المال، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ثم قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أي بعد ضيق وشدة غني وسعة، فدلت الآية على وجوب نفقة المولود على والده أو وليه بحسب قدرته. والآيات والسنة أيضًا

стр. 1811

دلت على أحقية نفقة الزوجة، فعموم الآية دال على وجوبها للزوجة والأقارب بقدر اليسر والعسر فيطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى بالمعروف، وعليه عمل المسلمين. (وقال) تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي أوجبنا على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، فدلت الآية الكريمة وغيرها على وجوب نفقة الزوجة ولا نزاع في ذلك، وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه على أن على العبد نفقة زوجته. (وقال) تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هو الاحتمال في القول والمبيت والنفقة، فدلت الآية على وجوب نفقة الزوجة وكان ﷺ يتلطف بأهله ويوسعهم نفقة وقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» ولا نزاع في مشروعية المعاشرة بالمعروف. (وقال) تعالى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ المعروف كل ما يعرف في الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة (أو تسريح بإحسان) فلا يضار امرأته ولا يضاجرها لتفتدي منه بل يحسن عشرتها وينفق عليها كما في قوله ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ (وقال) تعالى ﴿وَلَهُنَّ﴾ أي للزوجات على الأزواج من الحق ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ للأزواج من الحق (بِالْمَعْرُوفِ) الذي لا ينكر في الشرع فليؤد كل واحد

стр. 1812

منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معدودًا. وقال الشيخ في النفقة والكسوة والسكنى، وكغطاء وماعون الدار ونحو ذلك يكون بقدر الحاجة والعمل عليه، فمتى تسلمها أو بذلت نفسها ولو مع صغره وجبت نفقتها، ووجوب نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها وسكناها كالزوجة لما تقدم والبائن بفسخ أو طلاق إن كانت حاملاً، والنفقة للحمل نفسه، ولا نفقة ولا سكنى لمتوفى عنها، لأن المال انتقل عن الزوج إلى الورثة، فإن كانت حاملاً فالنفقة من حصة الحمل من التركة أو على وارثه الموسر، ومن نشزت أو تطوعت بصوم أو صلاة أو حج بلا إذنه، أو سافرت لحاجتها ونحو ذلك سقطت نفقتها مدته لمنعها نفسها عنه بسبب من جهتها، بخلاف من أحرمت بحج فرض أو صوم فرض أو صلاة فرض أو صامت قضاء رمضان في شعبان، لوجوب ذلك بالشرعِ. (وقال ﷺ في خطبته) للناس بمنى (في حجة الوداع) سنة عشر سميت حجة الوداع لأنه ودع الناس فيها، قال لما ذكر النساء (ولهن عليكم) أي يجب لنسائكم عليكم (نفقتهن) بالمعروف ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الذي عرفه الشارع ويتعارفه الناس بينهم كل ينفق على قدر حاله، لما تقدم من قوله ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ (رواه

стр. 1813

مسلم) والحديث دليل على وجوب النفقة والكسوة للزوجة، ولا نزاع في ذلك، والواجب عند الجمهور طعام مصنوع، لأنه الذي يصدق عليه أنه نفقة، ولا تجب القيمة إلا برضى من يجب عليه الإنفاق. قال ابن القيم أما فرض الدراهم فلا أصل له في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة البتة ولا التابعين ولا تابعيهم، ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الإسلام، والله تعالى أوجب نفقة الأقارب والزوجات والرقيق بالمعروف، وليس من المعروف فرض الدراهم، بل المعروف الذي نص عليه الشرع أن يكسوهم مما يلبس ويطعمهم مما يأكل، وليست الدراهم من الواجب ولا عوضه ولا يصح الاعتياض عما لم يستقر ولم يملك، فإن نفقة الأقارب يومًا فيومًا، ولو كانت مستقرة لم تصح المعاوضة عنها بغير رضى الزوج والقريب. فإن الدراهم تجعل عوضًا من الواجب الأصلي، وهو إما البر عند الشافعي أو المقتات عند الجمهور فكيف يجبر على المعاوضة على ذلك بدراهم من غير رضا ولا إجبار الشرع له على ذلك، فهذا مخالف لقواعد الشرع، ونصوص الأئمة ومصالح العباد ولكن إن اتفق المنفق والمنفق عليه جاز باتفاقهما انتهى. وللزوجة وكذا القريب نفقة كل يوم من أوله، وإن اتفقا على تعجيلها أو تأجيلها جاز، وكذا الكسوة ونحوها.

стр. 1814

(وعن أبي هريرة مرفوعًا «امرأتك تقول أطعمني أو فارقني» رواه أحمد وصححه المجد ووثقه الحافظ، (وللخمسة إلا الترمذي) وصححه ابن حبان والحاكم (عن حكيم بن معاوية) القشيري عن ِأبيه معاوية بن حيدة، ومعاوية صحابي روى عنه ابنه وحفيده بهز (قلت: يا رسول الله ما حق زوج أحدنا عليه) زوج بلا تاء هي اللغة الفصحى. وجاء بالتاء (قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) فدل الحديث مع ما تقدم على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وأن النفقة بقدر سعته لا يكلف فوق وسعه، لقوله «إذا طعمت» فمتى قدر على تحصيل النفقة وجب عليه أن لا يختص بها دون زوجته بما زاد على سد خلته لخبر «ابدأ بنفسك» ولا يلزمه تمليك الزوجة النفقة والكسوة. قال الشيخ: بل ينفق ويكسو بحسب العادة، لقوله: «إن حقها عليك أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت» كما قال ﵊ في المملوك اهـ، ويعتبر الحاكم ذلك بحالهما عند التنازع كما هو مذهب جمهور العلماء مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، فيفرض للموسرة تحت الموسر وهو من يقدر على النفقة بماله أو كسبه قدر كفايتها ومثل بعضهم خبزًا من أرفع خبز البلد وأدمه ولحمًا عادة الموسرين بمحلهما وما يلبس مثلها من حرير وغيره، وللنوم فراش ولحاف، ونحوه مما جرت العادة لمثلهما ويفرض للفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد

стр. 1815

ومن أدم يلائمهما، ومن الكسوة ما يلبس مثلها، ويجلس وينام عليه وللمتوسطة والغنية مع الفقير والفقيرة تحت الغني ما بين ذلك عرفًا. (وعن ابن المسيب) سعيد بن المسيب ﵁ (في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله) قوتًا وكسوة ومسكنًا (قال السنة أن يفرق بينهما) قال بعض أهل العلم له حكم الرفع وله شواهد (رواه سعيد) ابن منصور في سننه عن سفيان عن أبي الزناد عن سعيد قال: قلت لسعيد سنة قال سنة. قال الحافظ وهذا مرسل قوي ومراسيل سعيد معمول بها لما عرف من أنه لا يرسل إلا عن ثقة، قال الشافعي والذي يشبه أن يكون قول سعيد سنة سنه رسول الله ﷺ ، لأنه إنما سأل عما هو حجة وهو سنته ﷺ ، وللدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعًا في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: «يفرق بينهما» ومذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم أنه متى أعسر الزوج بنفقة القوت أو بالكسوة أو بالمسكن أو ببعض ذلك فلها فسخ النكاح بإذن الحاكم، ولها الصبر مع منع نفسها وبدونه ولا يمنعها تكسبًا ولا يحبسها. (وله) أي لسعيد بن منصور في سننه والشافعي بسند جيد وصححه أبو حاتم الرازي (أن عمر) ابن الخطاب ﵁ (كتب إلى أمراء الأجناد) جمع جندي وجمعه جند أيضًا وجنود العسكر والأعوان (في رجال غابوا عن نسائهم) من الأجناد (أن

стр. 1816

يأخذوهم) فيلزموهم (بأن ينفقوا) على أزواجهم مدة غيابهم (أو يطلقوا) أي إن لم ينفقوا عليهن (فإن طلقوا) بعد غيابهم (بعثوا بنفقة ما حبسوا) أزواجهم وحكى إجماع الصحابة على ذلك للزوم نفقة ما مضى. ولو لم يفرضها الحاكم سواء ترك الإنفاق لعذر أو لا مع اليسار أو الإعسار. فإن فرضها الحاكم لزمت بالاتفاق. وكذا إن اتفقا على قدر معلوم. فتصير ديناً باصطلاحها. ومتى غاب زوج موسر ولم يدع لها نفقة وتعذر أخذها من ماله أو من وكيله وتعذرت استدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم. وكذا امرأة المفقود لها الفسخ إذا لم يكن له مال ينفق على زوجته منه. وإن أنفقت في غيبته من ماله فبان ميتا غرمها الوارث ما أنفقته بعد موته. وإن اختلفا في أخذ نفقة ونحوها فقول من يشهد له العرف. وهو مذهب مالك. ويخرج على مذهب أحمد في تقديم الظاهر على الأصل. وقال ابن القيم: وقول إنه لا يقبل قول المرأة إن زوجها لم يكن ينفق عليها ويكسوها فيما مضى هو الصواب. لتكذيب القرائن الظاهرة لها. وقولهم هو الذي ندين الله به. ولا نعتقد سواه والعلم الحاصل بإنفاق الزوج وكسوته في الزمن الماضي اعتمادا على الإمارات الظاهرة أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل. (وعن عائشة) ﵂ (أن هندًا) هي: بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت عام الفتح بعد

стр. 1817

إسلام زوجها. وتوفيت سنة أربع عشرة (قالت يا رسول الله إن أبا سفيان) ابن حرب واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس. من رؤسا قريش. أسلم عام الفتح حين أخذته جند النبي ﷺ ، وأجاره العباس ثم غدا به إلى رسول الله ﷺ . وتوفي سنة اثنتين وثلاثين (رجل شحيح) الشح البخل مع الحرص. فهو أخص من البخل. والبخل يختص بمنع المال والشح يعم كل شيء في جميع الأحوال أي هو بخيل حريص (لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي) أي مقدار ما يكفيني من النفقة ويكفي ولدي (إلا ما أخذت من ماله بغير علمه) أي بغير علم منه بذلك ولا إذن فهل عليَّ في ذلك من جناح؟. (فقال خذي) أي: من مالِهِ (ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي ما يعرفه الشرع يأمر به. وهو الوسط العدل. وقال الحافظ القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية (متفق عليه) وفي البخاري " لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف" وتقدم أنه الوسط العدل وما عرف أنه الكفاية. فدل الحديث على وجوب نفقة الزوجة والأولاد على الزوج. وأن الواجب الكفاية من غير تقدير النفقة. وهو مذهب جمهور العلماء وأن من تعذر عليه استيفاء ما يجب له من نفقة: أن يأخذه، لأنه ﷺ أقرها على الأخذ في ذلك لاسيما مع تمرد الأب. وأن للأم ولاية الإنفاق على أولادها. وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه. والمراد هنا جواز الأخذ من ماله إن لم يقم

стр. 1818

بكفايتها وولدها بالمعروف بلا إذنه. فإن لم تقدر أجبره الحاكم. فصل في نفقة الأقارب من أم وأب وولد وأخ وأخت وغيرهم بشرطين. حاجة المنفق عليه من الأقارب. وغنى المنفق. قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، برًا بهما وإعطافًا عليهما. لأن الله تعالى جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود وربياك. وكثيرًا ما يقرن تعالى حقه وحقهما في غير موضع من كتابه. فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وغير ذلك. فحق الله أوكد الحقوق. وهو عبادته وحده وأعظمها. ثم بعد حقه تعالى حقوق المخلوقين وأوكدها حق الوالدين فثنى به. وعطف بذي القربى غير ما آية ووصى بذلك فقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾. ووصى به بني إسرائيل. بل أخذ عليهم الميثاق: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ الآية. ومن أعظم الإحسان بالوالدين إذا كانا أو أحدهما لا يملك نفقة. أن ينفق ولده عليه. ويأتي " ابدأ بمن تعول أمك وأباك" قال شيخ

стр. 1819

الإسلام: وعلى الولد الموسر أن ينفق على أبيه المعسر وزوجة أبيه. الآية دلت مع ما يأتي كعلى أنها تحب النفقة أو تتمتها للوالدين وإن علوا مع حاجتهم وغنى الولد. (وقال) تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أما إذا كن مع الأزواج. فقال الشيخ: إرضاع الطفل واجب على الأم. بشرط أن تكون مع الزوج. وهو قول غير واحد من السلف. ولا تستحق أجرة المثل زيادة على نفقتها وكسوتها. وهو اختيار القاضي والحنفية. ولم يوجب لهن إلا الكسوة والنفقة. وهو الواجب بالزوجية كما قال في الحامل. فدخلت نفقة الولد في نفقة أمه وكذا المرتضع. فتكون النفقة هنا واجبة بشيئين: حتى لو سقط الوجوب بأحدهما ثبت بالآخر. وقال: لا تستحق شيئًا إذا كانت تحته. وقال الشيرازي لو استأجرها لرضاع ولده لم يجز لأنه استحق نفعها. وكذا قال القاضي وغيره. وأما الوالدات المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر. وهو أمر استحباب. لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من يرضع الولد. لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فمتى رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها. والحولين السنتين. وذكر الإكمال للتأكيد. وفيها دليل على أنه لا يعتبر

стр. 1820

الإرضاع بعد كمال السنتين. وهو مذهب الجمهور كما تقدم ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي هذا منتهى الرضاعة. وليس فيما دون ذلك حد محدود. وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي الأب ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ أي طعام الوالدات ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي لباسهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن على قدر الميسرة من غير إسراف ولا إقتار فالمقتدر بحسب فقدرته والمتوسط بحسبه والفقير بحسبه ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي طاقتها. قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته. وليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبا. ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت. وإن كان مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها. وقيل لا تكره على إرضاعه. فليس لكل واحد منهما أن يضار صاحبه بسبب الولد. ولا يضاران الصبي. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ أي وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي. وله مال ورثه. ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على الطفل وكسوته، وعلى والدة الطفل، والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها. وهذا قول جمهور العلماء. واستدل بهذه الآية

стр. 1821

الحنابلة والحنفية وغيرهم على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ممن يرثهم بفرض أو تعصيب. وهو قول عمر وجمهور السلف والخلف. واستأنسوا بحديث الحسن عن سمرة مرفوعًا " من ملك ذا رحم محرم عتق عليه " وغيره من الأحاديث الآتية وغيرها. وقالوا إذا لم يكن للصبي ونحوه مال ينفق عليه أجبر ورثته الذين يرثونه على أن يسترضعوه. كل منهم على قدر ميراثه نساًء كانوا أو رجالاً. عصبة أو غيرهم فيعتبر كون المنفق غنيا وارثا. سوى عمودي النسب فتجب سواء كان وارثا أو لا، ويعتبر كون المنفق عليه فقيرا من عمودي النسب وغيرهم من الأقارب. وقال الشيخ: تجب النفقة لكل وارث ولو كان مقاطعا من ذوي الأرحام وغيرهم. لأنه من صلة الرحم. وهو عام. كعموم الميراث في ذوي الأرحام. وهو رواية عن أحمد. والأوجه وجوبها مرتبًا. وإن كان الموسر القريب ممتنعا فينبغي أن يكون كالمعسر. كما لو كان للرجل مال وحيل بينه وبينه لغصب أو بعد. لكن ينبغي أن يكون الواجب هنا القرض. رجاء الاسترجاع. وعلى هذا فمتى وجبت عليه النفقة وجب علية القرض إذا كان له وفاء. ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ يعني الوالدين ﴿فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ أي اتفاق على فطام قبل الحولين ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ أي يشاورون أهل العلم به حتى يعلموا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد.

стр. 1822

أو تشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، والمشاورة استخراج الرأي ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين إذا رأيا ذلك مصلحة للولد. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أي تجعلوا لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم، أو تعذر لعلة بهن أو انقطاع لبن، أو أردن النكاح ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي لا جناح على الوالد والوالدة إذا اتفقا على أن يستلم منها الولد في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا أسلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، دون إضرار، واسترضع لولده غيرها بالأجرة. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *﴾ فلا يخفى عليه خافية وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أرضعن أولادكم فآتوهن أجورهن على إرضاعهن ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأمرهم أن يأتمروا بالمعروف وبما هو الأحسن، ولا يقصدوا المضارة فلها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة بالمعروف، ولها طلب أجرة المثل لرضاع ولدها، ولو أرضعه غيرها مجانًا لأنها أشفق من غيرها ولبنها أمرى لولدها. (وقال) تعالى ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي في الإرضاع والأجرة بأن طلبت أم الطفل في أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل لها قليلاً ولم توافقه عليه (فسترضع له أخرى) أي فليسترضع له غيرها، وليس له إكراهها على إرضاعه، وإن

стр. 1823

رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها لما تقدم من قوله ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ ولا يلزمها إرضاع ولدها إلا لضرورة ثم قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا *﴾. فدلت الآيات على وجوب النفقة لولده، وإن سفل، ذكرًا كان أو أنثى، وفي قوله ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ وقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دليل على أن للقريب حقًا على قريبه، وأنه مع حاجته وغنى قريبه تجب عليه النفقة ومع عدمها فحقه البر والإكرام ويأتي تفصيل ذلك في السنة. (وقال ﷺ لهند) لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي وتقدم (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فدل على وجوب نفقة الولد، وأنه يختص بها الأب ولأحمد "يقول إلى من تتركني" وهو في الصغير إجماع وأما الكبير فبشرطه، ومن وجبت نفقته على شخص ومنعه فقال الشيخ، ومن كان له عند إنسان حق ومنعه إياه جاز له الأخذ من ماله بغير إذنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات. مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها واستحقاق الأقارب النفقة على أقاربهم واستحقاق الضيف الصيافة على من نزل به، وإن كان سبب الحق خفيًا يحتاج على إثبات لم يجز وهذه

стр. 1824

الطريقة المنصوصة عن أحمد، وهي أعدل الأقوال اهـ، ومع عدم الأب فعلى القريب كما تقدم. (وقال) ﷺ في حديث طارق المحاربي، وكان قدم المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: "يد المعطي العليا و (ابدأ بمن تعول) أي تمون بمعنى بمن تلزمك مؤونته وفيه وجوب النفقة على القريب المحتاج، وفصله بقوله (أمك وأباك) فبدأ بذكر الأم قبل الأب فدل على أن الأم أحق من الأب، وفي الصحيح من أبر؟ قال «أمك» ثلاثًا ثم ذكر الأب معطوفًا بثم، فمن لم يجد إلا كفاية أحدهما بدأ بالأم، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ الآية قال القاضي عياض هو مذهب جمهور العلماء. ثم الأب، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إن لي مالا وإن والدي يحتاج على مالي قال: «أنت ومالك لأبيك» «إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» وفيه: وجوبها على الولد إذا كان واجدًا لها. ثم قال ﷺ «وأختك وأخاك» فيعم الإخوة لأبوين أو لأب أو لأم، فدل على وجوب الإنفاق على القريب المعسر، لجعله ﷺ الأخت والأخ ممن يعول، وهو قول جمهور العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم قال ﷺ «ثم أدناك أدناك» الأقرب

стр. 1825

فالأقرب فيحصل بذلك الأجر بالمواساة وصلة الرحم (رواه النسائي) وصححه ابن حبان والدراقطني وللنسائي وغيره من حديث جابر ابدأ بنفسك أي بما تحتاجه من مؤونة وغيرها فإن فضل فلأهلك فإن فضل فلذي قرابتك، فإن حمل على التطوع شمل كل قريب أو الواجب اختص به من تجب نفقته من أصل وفرع. وهذان الحديثان وما في معناهما مفسران لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ وغيرها، فيجب الإنفاق للقريب المعسر على قريبه الغني على الترتيب في الحديث، ونحوه والزوجة تقدم ذكرها، وأنها لا تسقط نفقتها بمضي الزمان، وأما الأقارب فهي إنما شرعت للمواساة لأجل إحياء النفس، وقد انتفى بالنظر إلى الماضي. قال ابن القيم: تسقط النفقة بمضي الزمان عند الأكثر في نفقة الأقارب، واتفقوا عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم. فصل في نفقة المملوك أي في حكم نفقة المملوك على سيده ونفقة البهائم على مالكها وما يتعلق بذلك والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع في الجملة. (قال تعالى: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾) أول الآية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فهذا في التسمية عوضًا عمًا فاتهم من النسب وقال ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا
следующие страницы →