Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
الحنابلة والحنفية وغيرهم على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ممن يرثهم بفرض أو تعصيب. وهو قول عمر وجمهور السلف والخلف.
واستأنسوا بحديث الحسن عن سمرة مرفوعًا " من ملك ذا رحم محرم عتق عليه " وغيره من الأحاديث الآتية وغيرها. وقالوا إذا لم يكن للصبي ونحوه مال ينفق عليه أجبر ورثته الذين يرثونه على أن يسترضعوه. كل منهم على قدر ميراثه نساًء كانوا أو رجالاً. عصبة أو غيرهم فيعتبر كون المنفق غنيا وارثا.
سوى عمودي النسب فتجب سواء كان وارثا أو لا، ويعتبر كون المنفق عليه فقيرا من عمودي النسب وغيرهم من الأقارب. وقال الشيخ: تجب النفقة لكل وارث ولو كان مقاطعا من ذوي الأرحام وغيرهم. لأنه من صلة الرحم. وهو عام. كعموم الميراث في ذوي الأرحام. وهو رواية عن أحمد. والأوجه وجوبها مرتبًا.
وإن كان الموسر القريب ممتنعا فينبغي أن يكون كالمعسر. كما لو كان للرجل مال وحيل بينه وبينه لغصب أو بعد. لكن ينبغي أن يكون الواجب هنا القرض. رجاء الاسترجاع. وعلى هذا فمتى وجبت عليه النفقة وجب علية القرض إذا كان له وفاء. ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ يعني الوالدين ﴿فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ أي اتفاق على فطام قبل الحولين ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ أي يشاورون أهل العلم به حتى يعلموا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد.
стр. 1822
أو تشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، والمشاورة استخراج الرأي ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين إذا رأيا ذلك مصلحة للولد.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ أي تجعلوا لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم، أو تعذر لعلة بهن أو انقطاع لبن، أو أردن النكاح ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي لا جناح على الوالد والوالدة إذا اتفقا على أن يستلم منها الولد في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا أسلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، دون إضرار، واسترضع لولده غيرها بالأجرة.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *﴾ فلا يخفى عليه خافية وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أرضعن أولادكم فآتوهن أجورهن على إرضاعهن ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأمرهم أن يأتمروا بالمعروف وبما هو الأحسن، ولا يقصدوا المضارة فلها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة بالمعروف، ولها طلب أجرة المثل لرضاع ولدها، ولو أرضعه غيرها مجانًا لأنها أشفق من غيرها ولبنها أمرى لولدها.
(وقال) تعالى ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ أي في الإرضاع والأجرة بأن طلبت أم الطفل في أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل لها قليلاً ولم توافقه عليه (فسترضع له أخرى) أي فليسترضع له غيرها، وليس له إكراهها على إرضاعه، وإن
стр. 1823
رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها لما تقدم من قوله ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ ولا يلزمها إرضاع ولدها إلا لضرورة ثم قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا *﴾.
فدلت الآيات على وجوب النفقة لولده، وإن سفل، ذكرًا كان أو أنثى، وفي قوله ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ وقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دليل على أن للقريب حقًا على قريبه، وأنه مع حاجته وغنى قريبه تجب عليه النفقة ومع عدمها فحقه البر والإكرام ويأتي تفصيل ذلك في السنة.
(وقال ﷺ لهند) لما قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي وتقدم (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) فدل على وجوب نفقة الولد، وأنه يختص بها الأب ولأحمد "يقول إلى من تتركني" وهو في الصغير إجماع وأما الكبير فبشرطه، ومن وجبت نفقته على شخص ومنعه فقال الشيخ، ومن كان له عند إنسان حق ومنعه إياه جاز له الأخذ من ماله بغير إذنه إذا كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات.
مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها واستحقاق الأقارب النفقة على أقاربهم واستحقاق الضيف الصيافة على من نزل به، وإن كان سبب الحق خفيًا يحتاج على إثبات لم يجز وهذه
стр. 1824
الطريقة المنصوصة عن أحمد، وهي أعدل الأقوال اهـ، ومع عدم الأب فعلى القريب كما تقدم.
(وقال) ﷺ في حديث طارق المحاربي، وكان قدم المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: "يد المعطي العليا و (ابدأ بمن تعول) أي تمون بمعنى بمن تلزمك مؤونته وفيه وجوب النفقة على القريب المحتاج، وفصله بقوله (أمك وأباك) فبدأ بذكر الأم قبل الأب فدل على أن الأم أحق من الأب، وفي الصحيح من أبر؟ قال «أمك» ثلاثًا ثم ذكر الأب معطوفًا بثم، فمن لم يجد إلا كفاية أحدهما بدأ بالأم، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ الآية قال القاضي عياض هو مذهب جمهور العلماء.
ثم الأب، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال إن لي مالا وإن والدي يحتاج على مالي قال: «أنت ومالك لأبيك» «إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم» وفيه: وجوبها على الولد إذا كان واجدًا لها.
ثم قال ﷺ «وأختك وأخاك» فيعم الإخوة لأبوين أو لأب أو لأم، فدل على وجوب الإنفاق على القريب المعسر، لجعله ﷺ الأخت والأخ ممن يعول، وهو قول جمهور العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم قال ﷺ «ثم أدناك أدناك» الأقرب
стр. 1825
فالأقرب فيحصل بذلك الأجر بالمواساة وصلة الرحم (رواه النسائي) وصححه ابن حبان والدراقطني وللنسائي وغيره من حديث جابر ابدأ بنفسك أي بما تحتاجه من مؤونة وغيرها فإن فضل فلأهلك فإن فضل فلذي قرابتك، فإن حمل على التطوع شمل كل قريب أو الواجب اختص به من تجب نفقته من أصل وفرع.
وهذان الحديثان وما في معناهما مفسران لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ وغيرها، فيجب الإنفاق للقريب المعسر على قريبه الغني على الترتيب في الحديث، ونحوه والزوجة تقدم ذكرها، وأنها لا تسقط نفقتها بمضي الزمان، وأما الأقارب فهي إنما شرعت للمواساة لأجل إحياء النفس، وقد انتفى بالنظر إلى الماضي.
قال ابن القيم: تسقط النفقة بمضي الزمان عند الأكثر في نفقة الأقارب، واتفقوا عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم.
فصل في نفقة المملوك
أي في حكم نفقة المملوك على سيده ونفقة البهائم على مالكها وما يتعلق بذلك والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع في الجملة.
(قال تعالى: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾) أول الآية ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فهذا في التسمية عوضًا عمًا فاتهم من النسب وقال ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا
стр. 1826
فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين مما بينه الشارع وغير ذلك من الأصول الشرعية الدالة على وجوب نفقة المملوك.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال للموك) وكذا المملوكة على مالكهما (طعامه) من غالب قوت البلد ويقتاته مثله (وكسوته) من غالب كسوة البلد، وكذا سكناه (بالمعروف) وهو ما عرفه الشارع وتعارفه الناس بينهم.
قال ابن المنذر أجمعوا على أن الواجب إطعام الخادم من غالب قوت البلد الذي يأكل مثله في تلك البلد، وكذا كسوته وسكناه (ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) أي لا يكلفه مالكه من العمل ما لا يطيقه رقيقه (رواه مسلم).
فدل الحديث: على وجوب طعام الرقيق وكسوته بالمعروف ولا نزاع في ذلك وظاهر هذا اللفظ مطلق الطعام والكسوة فلا يجبان من عين ما يأكل المالك ويلبس، وفي مسلم أيضًا وغيره الأمر بإطعامهم مما يطعم وكسوتهم مما يلبس كما سيأتي، فلعله للندب للإجماع على أنه لا يجب ذلك على المالك، ودل على أنه لا يكلف المملوك من العمل ما لا يطيقه، ولا نزاع في ذلك أيضًا وينبغي أن يريحه وقت القائلة والنوم والفرائض لخبر «لا ضرر ولا ضرار» وعليه أن يركبه في السفر عقبة، وإن اتفق المالك والرقيق على المخارجة كل يوم أو كل شهر على شيء
стр. 1827
معلوم جاز إن كان بقدر كسبه فأقل، بعد نفقته بالمعروف وكسوته وسكناه، لفعل الزبير.
(ولهما عن أبي ذر) ﵁ (مرفوعًا إخوانكم) أي مماليككم جمع أخ وهو الناشئ مع أخيه منشأ واحدًا (خولكم) الخول حشم الرجل وأتباعه، أي خدمكم جمع خائل أي خادم سمي به لأنه يتخول الأمور أي يصلحها (جعلهم الله) قنية بكسر القاف (تحت أيديكم) يعني قدرتكم تتصرفون فيهم، وقال في مرض موته ﷺ «الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم» أي أحسنوا إليهم، فيتأكد حق المملوك على سيده (فمن كان أخوه تحت يده) أي فمن كان مملوكه تحت يده في قبضته وتحت حكمه وسلطانه.
(فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس) وتقدم أن المراد هنا والله أعلم الندب أو أنه خطاب مع من ألبستهم وأطعمتهم غليظة وخشنة، إذ العرب إذ ذاك كذلك ولا منافاة بينه وبين قوله «طعامه وكسوته بالمعروف» لأن ما هنا في حق العرب إذ ذاك، وأما من طعامهم رقيق الطعام ولباسهم رقيق الثياب فإن واسى رقيقه كان أحسن، وإن لم يفعل فلا يجب عليه لرقيقه إلا المعروف من نفقة أرقاء أمثاله وأهل بلده وكسوتهم، لما تقدم من قوله ﷺ «بالمعروف» وهو ما يتعارفه الناس بينهم، وأكثر طعام العرب إذ ذاك ولباسهم غليظ خشن.
ويدل على أنه للندب ما في الصحيحين «إذا أتى أحدكم
стр. 1828
خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليضع في يده أكلة أو أكلتين». وحكى ابن المنذر وغيره الإجماع على أن الواجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد، وكذا الكسوة (ولا تكلفوهم ما يغلبهم) أي ما لا يطيقون الدوام عليه لا ما لا يطيق يومًا أو يومين أو ثلاثة، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه بنفسه أو بغيره، فيحرم عليه أن يكلفه على الدوام ما لا يطيقه ومثل القن نحو خادم وأجير ودابة وفيه العطف على المملوك والشفقة عليه، وإن طلب الرقيق نكاحه زوجه أو باعه، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ وإن طلبته الرقيقة وطئها أو زوجها أو باعها ويزوج أمة صبي أو مجنون من يلي ماله، وله تأديب رقيقه لما تقدم وقيده إن خاف إباقه.
(ولمسلم عن عبد الله بن عمرو) ابن العاص ﵁ (مرفوعًا كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته) وفي رواية للنسائي «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» فدل الحديث على وجوب نفقة الإنسان لمن يملكه فإنه لا يكون آثمًا إلا على تركه لما يجب عليه، وقد بالغ ﷺ في إثمه فقال: «كفى به إثمًا أي عن كل إثم سواه، ولفظ النسائي عام لمن يجب عليه الإنفاق عليه وهم أهله وأولاده وعبيده.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا) أي أن رسول الله ﷺ قال: «جاريتك» أيها الإنسان «تقول أطعمني» مما تطعم (واستعملني) في أي عمل أقدر عليه (وإلا فبعني) حتى أحصل
стр. 1829
على ذلك. (رواه أحمد) وعن أبي ذر مرفوعًا من لاءمكم من مملوككم فاطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تكتسون ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله" يعني بالضرب والشتم، ولا يلزم بيعه بطلبه مع القيام بحقه.
(وعن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: «عذبت امرأة» روي أنها حميرية وروى مسلم أنها من بني إسرائيل طائفة من حمير، دخلوا في اليهودية، وقال الحافظ لم أقف على اسمها «في هرة» هي انثى السنور «حبستها» عن الطعام والشراب «حتى ماتت جوعًا» لحبسها «لا هي أطعمتها» وسقتها إذ هي حبستها «ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» أي من هوام الأرض (متفق عليه) ولهما عن أبي هريرة نحوه، فدل الحديث على تحريم تعذيب الهرة ونحوها بمثل هذا الفعل من دون طعام ولا شراب لأن ذلك من تعذيب خلق الله، وقد نهى الشارع عنه.
ودل على وجوب النفقة على الحيوان المملوك، لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ترك الهرة عن الإنفاق عليها وحبسها، وإذا كان هذا الحكم ثابتًا في مثل الهرة فثبوته في مثل الحيونات التي تملك أولى، لأنها مملوكة محبوسة مشغولة بمصالح المالك، وهذا مذهب جمهور العلماء، وقال الوزير للإمام أن يجبره على نفقتها أو بيعها عند مالك والشافعي وأحمد اهـ. لأن مالك البهيمة إذا أخل بعلفها أو حملها ما لا تطيق ولم يسيبها
стр. 1830
بمكان تتمكَّن فيه من تناول ما يقوم بكفايتها أجبر كما يجبر المالك للرقيق لهذا الخبر وغيره، ولكون كل منهما مملوكًا ذا كبد رطبة، مشغولاً بمصالح مالكه، محبوسًا عن مصالح نفسه.
(ومسلم عن أبي هريرة) ﵁ (في الذي سقى الكلب فغفر له) وذلك أنه كان يمشي في طريق فاشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فنزل ثم سقاه فغفر له (قالوا يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا) عام لكل بهيمة (فقال في كل كبد رطبة أجر) ضد يابسة وأريد بها هنا الحياة، لأن الرطوبة في البدن تلازمها، فدل الحديث على عظم أجر من أطعم أو سقى شيئًا من الحيوان فما يملكه أولى.
(ويأتي) أي في باب الذكاة من حديث شداد عن مسلم وغيره «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته، وله عن جابر "نهى أن يقتل شيء من الدواب صبرًا".
وعن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة»، فدلت هذه الأحاديث وما في معناها من أصول الشرع: أنه يجب على مالك البهيمة أن لا يحملها ما تعجز عنه، ويلزمه علفها وسقيها وسائر ما يصلحها، وإن امتنع أجبره الحاكم عند جمهور العلماء على نفقتها أو بيعها، أو إجارتها إن لم يبعها لمن يصلحها، أو ذبحها إن أكلت، لأن
стр. 1831
بقاءها في يده مع ترك الإنفاق عليها ظلم ويستحب نفقته على ماله غير الحيوان، للنهي عن إضاعة المال.
باب الحضانة
من الحضن وهو الجنب، ومصدر من حضن الصبي حضنًا جعله في حضنه أو رباه فاحتضنه، سميت بذلك لأن المؤوي يضم الطفل إلى حضنه، وهي حفظ صغير ونحوه عما يضره، وتربيته بعمل مصالحه، ووقايته عما يرضه، والأصل فيها السنة والإجماع.
(عن عبد الله بن عمرو) ﵄ (أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء) بكسر الواو والمد الظرف (وثديي له سقاء) ككساء جلد السخلة إذا جذع يكون للماء واللبن كما فيه أيضًا (وحجري له حواء) أي حضنها له حواء بزنة كساء اسم للمكان الذي يحوي الشيء، أي مكانًا يحويه ويضمه ويحرسه،
(وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني) أي يأخذه وأنا قد ساويته في الولادة وزدت عليه بهذه الخصوصيات: فهو آنس بي وأقرب رحمًا، فأنا أستحق التقديم (فقال النبي ﷺ أنت
أحق به) أي بحضانة ولدك «ما لم تنكحي» أي تزوجي فإذا تزوجت فأبوه أحق به منك لكونها كانت في حكم غير
أبيه، وقد يشتد بغضها للمطلق ومن يتعلق
стр. 1832
به كما سيأتي (رواه أبو داود) ورواه أحمد والحاكم
وصححه.
فدل الحديث على أن الأم أحق بحضانة ولدها إذا أراد الأب انتزاعه منها، وذكرت هذه المرأة صفات اختصت بها تقتضي استحقاقها، وأولويتها بحضانة ولدها وأقرها ﷺ على ذلك وحكم لها، وقضى بذلك أبو بكر وعمر ﵄، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، وقال أبو بكر: ريحها وفراشها وحجرها خير له منك، حتى يشب ويختار لنفسه، وقيل لا خلاف فيما دل عليه هذا الحديث وقال الشيخ أما الصغير فالأم أصلح له من الأب، لأنها أوثق بالصغير وأخبر بتغذيته وحمله وتنويمه وتنويله وأصبر وأرحم به، فهي أقدر وأخبر وأرحم وأصبر في هذا الموضع، فتعينت في حق الطفل غير المميز بالشرع، وقال: تقديم الأم على الأب في حق الصغير متفق
عليه.
ودل الحديث على أنها إذا نكحت سقط حقها من الحضانة وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه، والمراد مع طلب من تنتقل إليه الحضانة ومنازعته، وإلا فللأم المزوجة أن تقوم بولدها بالاتفاق، فإن خالة بنت حمزة مزوجة، وولد أم سلمة في كفالتها، وأنس وغيرهم مما هو أشهر من أن يذكر.
(وللخمسة) وصححه الترمذي وغيره (عن أبي هريرة) ﵁ (قال جاءت امرأة) وذلك أنه أتى إلى أبي هريرة
стр. 1833
امرأة فارسية قد طلقها زوجها وأراد أن يذهب بابنها قال فجاءت (إلى النبي ﷺ فقالت إن زوجي يريد أن يذهب بابني) ويختص به دوني (وقد سقاني من بئر أبي عنبة) بكسر العين واحدة حبات العنب، بئر معروفة بالمدينة قالته إظهار لحاجتها إليه، ولعله بعد مدة الحضانة (وقد نفعني) أي بغير سقي فقال رسول الله ﷺ «استهما عليه» فقال زوجها من يحاققني في ولدي (فقال) يعني رسول الله ﷺ «يا غلام هذا أبوك» وأجلسه ناحية «وهذه أمك» ناحية «فخذ بيد أيهما شئت».
قال الخطابي هذا في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة (فأخذ بيد أمه) اختار أمه لعله لأجل رأفتها به وشفقتها عليه (فانطلقت به) فدل الحديث على أن الابن بعد استغنائه بنفسه يخير بين الأم والأب، وهو عمل الخلفاء ومذهب جمهور العلماء، وينبغي أنه إن كان عند الأب كان ليلاً ونهارًا، ولا يمنع زيارة أمه، وإن اختارها كان عندها ليلاً وعند أبيه نهارًا ليعلمه ويؤدبه، وإن عاد الصبي فاختار الآخر نقل إليه، وإن لم يختر أو اختارهما معًا أقرع، وقيل يقرع بينهما لما تقدم، ولما في السنن للبيهقي من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال «استهما» فقال الرجل: من يحول بيني وبين ولدي فقال ﷺ «اختر أيهما شئت» فاختار أمه فذهبت به، وإنما قدم الجمهور الاختيار للأخبار، ولعمل الخلفاء الراشدين به.
وقال الشيخ: تخيير شهوة حيث كل من الأبوين نظير
стр. 1834
الآخر، ولا يمكن أن يعتبر أحدهما، فإنه قد يكون أصلح له من الآخر، وقال هو وابن القيم: التخيير والقرعة لا يكونان إلا إذا حصلت به، مصلحة الولد، فلو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة، فإنه ضعيف العقل، يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك فلا التفات إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له، ولا تحتمل الشريعة غير هذا.
والنبي ﷺ قال: «مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» والله تعالى يقول: ﴿قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فإذا كانت الأم تتركه في المكتب أو تعلمه القرآن والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه وأبوه يمكنه من ذلك فإنها أحق به، ولا تخيير ولا قرعة وكذلك العكس.
(وعن البراء) ابن عازب ﵁ (أن عليًا) يعني ابن أبي طالب (وجعفرًا) يعني ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم (وزيدًا) يعني ابن حارثة بن شراحيل الكلبي مولى رسول الله ﷺ وحبه (اختصموا في حضانة ابنة حمزة) عم النبي ﷺ وذلك بعد أن دخل النبي ﷺ مكة بعد صلح الحديبية، ثم خرج فتبعته ابنة حمزة، واسمها عمارة وتكنى أم الفضل تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر (فقال
стр. 1835
علي) ابن أبي طالب أنا أخذتها وهي (ابنة عمي) حمزة بن عبد المطلب (وقال زيد) ابن حارثة (ابنة أخي) حمزة وكان ﷺ آخى بينه وبينه (وقال جعفر) ابن أبي طالب (ابنة عمي) حمزة وتساوى مع علي (و) زاد (خالتها) أسماء (تحتي) يعني زوجة جعفر.
(فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها) أسماء امرأة جعفر (وقال الخالة بمنزلة الأم) في الحنو والشفقة ولأحمد من حديث علي «فإن الخالة والدة» ثم قال ﷺ تطيبا لنفوسهم وبدأ بعلي فقال: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر «أشبهت خلقي وخلقي» وقال لزيد «أنت أخونا ومولانا» (متفق عليه) فدل الحديث على ثبوت الحضانة للخالة وأنها كالأم، وابنة حمزة لم يكن لها أم ولا جدة، وأبوها قتل ﵁ وقال الشيخ في قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ إذا احتاجت مريم إلى من يكلفها ويحضنها حتى اقترعوا على كفالتها، فكيف بمن سواها من النساء وهذا أمر يعرف بالتجربة أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة إلى ما لا يحتاج إليه الصبي، وكلما كان أصون لها وأستر كان أولى.
ورجح أن المميزة عند الأب، ومن عين الأم وهم الجمهور: لا بد أن يراعوا مع ذلك صيانتها لها، فإذا لم تكن في موضع حرز وتحصين، أو كانت غير مرضية فللأب أخذها منها بلا ريب، لأنه أقدر على حفظها وصيانتها من الأم، وهي مميزة لا تحتاج في بدنها إلى أحد، والأب له من الهيبة والحرمة ما ليس
стр. 1836
للأم، قال: وأحمد وأصحابه إنما يقدمون الأب إذا لم يكن عليها ضرر في ذلك، فلو قدر أنه عاجز عن حفظها وصيانتها ويهملها لاشتغاله عنها، والأم قائمة بحفظها وصيانتها، فإنها تقدم في هذه الحال، فمع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى بها بلا ريب.
ودل الحديث على أن المرأة المزوجة أولى من الرجال، فإن عصبة ابنة حمزة طالبون للحضانة، وقضى بها رسول الله ﷺ للخالة زوجة جعفر وحق المزوجة للزوج فلم تسقط حضانتها لأنها تشتغل بالقيام بحقه وخدمته، فإذا رضي بأنها تحضن من لها حق في حضانته وأحب بقاء الطفل في حجره لم يسقط حق المرأة من الحضانة بالتزويج وإنما يسقط حضانة الأم وحدها حيث كان المنازع لها الأب، ويؤيده أن المرأة المطلقة يشتد بغضها للزوج المطلق، ومن يتعلق به، فقد يبلغ بها الشأن إلى إهمال ولدها منه قصدًا لإغاضته، ومبالغة في التحبب عند الزوج الثاني لتوفير حقه.
وإلا فقوله ﷺ «الخالة بمنزلة الأم» دليل على أن الأم لا تنازع في حضانة ولدها، وأنه لا حق لغيرها مع وجودها، قال الشيخ: وجنس النساء مقدم على جنس الرجال كما قدمت الأم على الأب، وقال: تقديم أخواته على إخوته وعماته على أعمامه وخالاته على أخواله هو القياس الصحيح وأما تقديم جنس نساء الأم على نساء الأب فمخالف للأصول والمعقول وقال: مجموع
стр. 1837
أصول الشرع تقديم أقارب الأب على أقارب الأم، فمن قدمهن في الحضانة فقد خالف الأصول والشريعة اهـ.
ثم لذوي الأرحام غير من تقدم، وإن كانت أنثى وتم لها سبع سنين فيعتبر أن يكون جنس الرجال من محارمها، ولو برضاع وإلا سلمها لثقة أو محرمه، ثم الحاكم لعموم ولايته، ويتوجه لمن سبقت إليه اليد كاللقيط كما في الاختيارات.
(وعن جعفر) ابن رافع (أن أبا رافع) ابن سنان الأنصاري ﵁ (أسلم وأبت امرأته أن تسلم) وكان في أول الأمر، وأما في آخر الأمر فأسلم جميع نساء الأنصار، قال الشيخ فلم يكن فيهن إلا مسلمة، حتى قال النبي ﷺ «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولنساء الأنصار» (فأقعد النبي ﷺ الأم ناحية والأب ناحية والصبي بينهما فمال إلى أمه) وذلك قبل أن تسلم، وكان ﷺ أول ما قدم المدينة لم يكن يكره أحدًا على الإسلام (فـ) لما مال الصبي على أمه ولم تكن تحت حكمه ﷺ (قال اللهم اهده) وذلك لأنهم لم يكونوا إذ ذاك ملتزمين لحكم الإسلام.
قال الشيخ: إذ التزامه إنما يكون بالإسلام، أو بالعهد الذي التزموا فيه ذلك، ولهذا لم يلزم المرأة بحكم الإسلام بل دعا الله أن يهديه فاستحباب الله دعاءه وهداه أن يكون عند المسلم، لكن لم يمكنه ذلك بالحكم الظاهر، لعدم دخول حكم الكافرة تحت حكمه فطلبه بدعائه (فمال إلى أبيه فأخذه رواه
стр. 1838
أبو داود) وهذا يدل على أنه متى أمكن أن يجعل مع المسلم لا يجعل مع الكافر، وكان هذا حكم الله ورسوله بأهل الذمة الملتزمين جريان حكم الله ورسوله عليهم، يحكم بينهم بذلك نعم لو كان النزاع بين من هو مسلم ومن هو من أهل الحرب الذين لم يلتزموا جريان حكم الله ورسوله عليهم، فهنا لا يمكن الحكم فيهم بحكم الإسلام بدون رضاهم، فيسعى حينئذ في تغليب الإسلام بالدعاء، كما فعل رسول الله ﷺ .
قال الشيخ فالحديث إن كان ثابتًا دليل على التخيير في الجملة، والقائلون بالتخيير لا يخيرون بين المسلم والكافر، وهو في الدين يتبع خيرهما دينًا اهـ والحديث (رواه) أحمد والنسائي و (أبو داود) وغيرهم لكن بلفظ الأنثى وتقدم الكلام في الأنثى ولأبيها وعصبتها منعها من الانفراد خشية الوقوع في المحرمات، وإن لم تمتنع إلا بالحبس حبسوها وإن احتاجت إلى القيد قيدوها، والمعتوه ولو أنثى عند أمه مطلقًا، لحاجته لمن يخدمه ويقوم بأمره والنساء أعرف بذلك.
стр. 1839
كتاب الجنايات
جمع جناية مصدر من جنى الذنب يجنيه جناية جره إليه، وجمعت وإن كانت مصدرًا لاختلاف أنواعها وهي لغة التعدي على بدن أو مال أو عرض، واصطلاحًا التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالاً، والجنايات عند الجمهور على ثلاثة أضرب "عمد" يختص القود به، وهو أن يقصد آدميًا معصومًا بما يقتل غالبًا "شبه عمد" وهو أن يقصد جناية لا تقتل غالبًا ولم يجرحه بها و "خطأ" وهو أن يفعل ما له فعله كأن يرمي صيدًا فيصيب آدميًا معصومًا، والأصل في تحريم القتل بغير حق الكتاب والسنة والإجماع.
(قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ تعالى عن قتل النفس بغير حق شرعي فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ قتله ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بردة أو زنا بعد إحصان أو قتل معصوم عمدًا، ويأتي قوله ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» وفي السنن «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم» ومن قتل مسلمًا عمدًا عدوانًا فسق عند أهل السنة
стр. 1840
والجماعة، وغلت الخوارج فكفروه بذلك، وعند أهل السنة أمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه.
(وقال) تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ أي ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه إلا خطأ أي لكن إن وقع خطأ فجزاؤه ما يذكر من قوله ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي يعفو ولا قود في قتل الخطأ إجماعًا، وقال ﷺ في الذي قال ما قصدت قتله قال: «إن كان صادقًا فقتلته دخلت النار».
(وقال) تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بما يغلب على الظن موته به ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن قتل مؤمنًا متعمدًا بل قرن تعالى قتل النفس المؤمنة بغير حق بالشرك فقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وفي الوعيد على قاتل النفس بغير حق أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها، حتى قال ابن عباس وغيره: لا توبة له، ولأحمد وغيره "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمناً متعمدًا" ومذهب أهل السنة والجماعة وجمهور السلف والخلف أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله تعالى، فإن تاب وأناب وعمل صالحًا بدل الله سيئاته حسنات وعوض المقتول من ظلامته كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ
стр. 1841
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وهذا عام في جميع الذنوب فكل من تاب تاب الله عليه قال تعالى، في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاث: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ وقد قال ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهي في هذه السورة قبل آية القتل وبعدها وقال ﷺ «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» وثبت في صحيح مسلم في الذي قتل تسعة وتسعين وسأل هل له من توبة وفيه: ومن يحول بينك وبين التوبة، قال بعض السلف في الآية هذا والله أعلم جزاؤه إن جازاه الله.
ومذهب أهل السلف: أن التوبة ليست مانعة من وجوب القصاص ولا يسقط حتى المقتول في الآخرة بمجرد التوبة كسائر حقوقه بل يأخذ المقتول من حسنات القاتل بقدر مظلمته إلا أن يعطيه الله من عنده، وكذا القصاص أو العفو لا يكفر ذنب القاتل بالكلية، وإن كفر ما بينه وبين الله، بل يبقى حق المقتول كما تقدم.
وقال ابن القيم: التحقيق: أن القتل تتعلق به ثلاثة حقوق حق لله، وحق للمقتول وحق للولي، فإذا أسلم القاتل نفسه طوعًا إلى الولي ندمًا وخوفًا من الله وتوبة نصوحًا سقط حق الله بالتوبة وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو.
стр. 1842
وبقي حق المقتول يعوضه الله يوم القيامة عن عبده التائب ويصلح بينه وبينه.
(وعن ابن مسعود) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ») أي إراقته (مسلم) فأخرج الكافر فإنه يحل دمه لغير الثلاث المذكورة (يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) وهذا وصف كاشف للحكم لأن المرء لا يكون مسلمًا إلا إذا كان يشهد تلك الشهادة فهي العمدة في حقن الدم ثم لا يحل دمه (إلا بإحدى ثلاث) أي خصال ذكرها وعمومه مخصص بما ورد من الأدلة الدالة على أنه يحل بغير هذه الثلاث المذكورة قتل نفس بغير حق وزنا المحصن والارتداد، فصل ذلك بتعداد المتصفين به فقال: (الثيب الزاني) أي المحصن بالرجم وهذا لا نزاع في حل دمه بالزنا كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
(والنفس) أي المقتولة (بالنفس) والمراد به القصاص بشرطه أي يحل قتل نفس القاتل عدوانًا قصاصًا بنفس المقتول عدوانًا، وهو الشاهد من الحديث ومخصوص بولي الدم (والتارك لدينه) أي المرتد عن الإسلام بأي ردة كانت يحل دمه بأي نوع كان من أنواع الكفر إن لم يرجع إلى الإسلام، ولمسلم «أو كفر بعد إسلام» وفي لفظ «أو رجل يخرج من الإسلام»
(المفارق للجماعة) أي جماعة المسلمين ولا يكون ذلك إلا بالكفر لا بالبغي والابتداع ونحوهما من الخصال للإجماع على أنه لا يجوز قتل العاصي بترك أي خصلة من
стр. 1843
خصال الإسلام فإنه، وإن كان في ذلك مخالفة للجماعة فليس فيه ترك للدين فإن المراد الكفر كما يدل عليه قوله "أو كفر بعد إسلام" وقوله "أو رجل يخرج من الإسلام" ويتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي كالخوارج إذا قاتلوا وأفسدوا وسيأتي والحديث (متفق عليه).
فدل الحديث على أنه لا يباح دم المسلم إلا بإتيانه بإحدى الثلاث، والمراد هنا النفس بالنفس، ولمسلم وغيره نحوه من حديث عائشة ولفظه: "ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا فيقتل" وهذا فيه قيد لمطلق الحديث، واتفق أهل العلم على أن الذي يجب به القصاص هو العمد، وهو أحد شروط القصاص التي لا يقتص إلا بحصولها.
(ولهما عنه) أي عن ابن مسعود ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء» فدل على عظيم أمر الدماء وتأثير خطرها وجاء في الخبر «لو اجتمع أهل السماء والأرض في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» «ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه يقول يا رب سل هذا فيم قتلنى؟» ومن حديث ابن عباس: «ويأتي المقتول معلقًا رأسه بإحدى يديه، ملببًا قاتله بيده الأخرى، يتشحط أوداجه دمًا حتى يقفا بين يدي الله ».
وفيها أيضًا دليل على عظم شأن دم الإنسان فإنه لا يقدم
стр. 1844
في القضاء إلا الأهم وإن كان في السنن "أول ما يحاسب العبد عليه صلاته" فإن هذا الحديث فيما يتعلق بحقوق المخلوق، وفي أولية القضاء، وكذا في الحساب، وللنسائي من حديث ابن مسعود «أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء» وفي الصحيح «أول من تجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة في قتلى بدر» فدل ما تقدم وغيره على عظيم قتل المسلم بغير حق وأنه من أكبر الكبائر.
فصل في القصاص
أي في أحكام القصاص في النفس، والقصاص المساواة والمماثلة في الجراحات والديات، وأصله من قص الأثر إذا
اتبعه، فالمفعول به يتبع من فعل به فيفعل مثله، ومن حكمة القصاص ما قاله ابن القيم وغيره: أنه زجر للنفوس عن العدوان وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف، وطهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني وعدل بين القاتل والمقتول، فإن الجناية على النفوس والأعضاء تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه ما لا تدخله جناية المال، بل
وتدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحمية والتحرق لأخذ الثأر ما لا يجبره المال أبدًا، حتى إن أولادهم وأعقابهم لعيرون بذلك، ولأولياء القتل من القصد في القصاص، وإذاقه الجاني وأوليائه ما أذاقه المجني عليه
стр. 1845
وأولياءه ويجرعونه من الألم والغيظ ما يجرعه الأول، وكانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه.
(قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ أي فرض عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون ثم بين المساواة والمماثلة فقال: (الحر بالحر) أي حركم يقتل بحرِكم بلا نزاع، وتعريف المبتدأ يفيد الحصر وأنه لا يقتل الحر بغير الحر، وقوله تعالى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ مطلق وهذه الآية مقيدة ومبينة وصريحة لهذه الأمة ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ أي وعبدكم يقتل بعبدكم واتفق أهل العلم على ذلك ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أي وأنثاكم تقتل بأنثاكم بلا نزاع، ولا تجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم.
قيل نزلت في حيين من العرب كان لأحدهما على الآخر كثرة وشرف فأقسموا لنقتلن بالعبد الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين، وجعلوا جراحاتهم ضعف جراحات أولئك فأنزل الله هذه الآية، فأمروا بالمساواة فرضوا وأسلموا وقيل نزلت في بني قريظة وبين النضير كانوا إذا قتل القرظي النضري قتل وإذا قتل النضري القرظي ودي بمائة وسق فأمر الله بالعدل في القصاص، فدلت الآية على أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين والعبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم
стр. 1846
الذكر إذا قتل بالذكر وبالأنثى قال الموفق: في قول عامة أهل العلم، وتقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر بلا نزاع.
ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا حر بعبد، ولا مسلم بذمي، ويقتل الذمي بالمسلم والعبد بالحر، وهو مذهب أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم وقالوا: العبد سلعة، لو قتل خطأ لم يجب فيه دية وإنما تجب فيه قيمته، ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى ويقتل الصحيح السوي بالمريض والزَمِن على الصحيح لا الطرف الصحيح بالأشل ونحو ذلك ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي ترك وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية من دم أخيه المقتول ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي على الطالب بالدية أن يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه.
﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني من القاتل من غير ضرر ولا مدافعة، قال ابن عباس وغيره، العفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف يتبع الطالب بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب (بإحسان) يعني بلا مماطلة كل واحد منهما بإحسان فيما له وعليه، والجمهور من الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص إلى الدية فله أخذ الدية وإن لم يرض به القاتل وهو ظاهر الخبر الآتي ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي ذلك الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة.
стр. 1847
وذلك أن القصاص في النفس والجراح كان حتمًا في التوراة ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في الإنجيل الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله هذه الأمة، وبين أن العفو عن الدية تخفيف ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد العفو وقبول الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو أن يقتل قصاصًا وعن سَمُرة مرفوعًا «لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية» أي لا أقبلها منه بل أقتله، وأوجبه بعضهم ولم يجعله إلى الأولياء كما سيأتي.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي في شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل بقاء وهذه حكمة عظيمة من الله تعالى، فإن القاتل إذا علم أنه يقتل انكف عن صنيعه فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة وقيل في المثل: «القتل أنفى للقتل» وقال الشاعر:
بالدما يا جارتي تحقن الدما ... وبالقتل ينجو الناس من القتل
﴿يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ أي يا أولي العقول والأفهام والنهى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ تنزجرون وتنتهون عن القتل مخافة القود فما شرعه الله من القصاص أكمل وأصلح للعباد، وأشفى للغيظ وأحفظ للنفوس، والمصلحة به أضعاف أضعاف تلك المفسدة.
(وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي أوجبنا عليهم (فيها) أي في التوراة وشرع من قبلنا شرع لنا إذا حكي مقررًا ولم ينسخ كما هو المشهور عند الجمهور لهذه الآية، وأجمعوا على الاحتجاج بما دلت عليه ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاءً يقتل به، والجمهور على أن الرجل يقتل بالمرأة
стр. 1848
لعموم هذه الآية ولما يأتي، وأما المسلم فلا يقتل بالكافر لما في الصحيحين وغيرهما «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ» وأما العبد ففيه عن السلف آثار كثيرة أنهم لم يكونوا يقيدون الحر بالعبد، وحكى الشافعي الإجماع على ذلك كما لا يقيدون المسلم بالكافر، لأن الآية أريد بها الأحرار المسلمون، لأن اليهود كانوا ملة واحدة ولا عبيد فيهم، لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي ﷺ .
(إلى قوله ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي بالقصاص ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي للمتصدق يهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به، قال الشيخ: ومن توهم أن بالعفو قد يسقط حقه أو ينقص قدره أو يحصل له ذل فهو غالط كما في الصحيح "وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا" وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، والكامل هو الذي ينتصر لحق الله ويعفو عن حق نفسه عند القدرة، ثم توعد تعالى من خالف حكمه فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم بالعدل، نزلت لما اصطلح اليهود أن لا يقتل شريف بوضيع ورجل بامرأة.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: من قتل له قتيل) أي من قتل له قريب كان حيًّا فصار قتيلاً بذلك القتل (فهو بخير النظرين) أي مخير بين أمرين (إما أن يفتدي وإما أن يقتل) وفي رواية "إما أن يفدي وإما أن يقاد" وظاهره أن الخيار لورثة القتيل سواء كانوا يرثونه بسبب أو
стр. 1849
نسب. وقال الخطابي وغيره: الخيرة إلى ولي الدم في القصاص وأخذ الدية، ولو قتله جماعة كان لولي الدم أن يقتل منهم من شاء، ويطالب بالدية من شاء، وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما، وعند الجمهور أنه يتعلق الحق بورثة المقتول فلو كان بعضهم غائبًا أو طفلاً لم يكن للباقين القصاص حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب، والحديث (متفق عليه) ورواه أهل السنة وغيرهم بألفاظ متقاربة.
(زاد أبو داود عن أبي شريح) واسمه خويلد بن عمرو ﵁ (أو يعفو) إلى الدية أو مجانًا، وله "وإن أراد الرابعة فخذوا على يديه" ولفظ الترمذي من حديث أبي هريرة "إما أن يعفو وإما أن يقتل" فدلت هذه الأحاديث وغيرها على أنه يخير الولي بين القود أو الدية وعفوه مجانًا أفضل لما تقدم ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وإن عفا عن القصاص فله أخذ الدية وإن عفا عن الدية فقط فله أخذها وإن اختارها فليس له غيرها، وإن قال عفوت ولم يقيد فله الدية لانصراف العفو إلى القصاص لأنه المطلوب الأعظم، وإن هلك الجاني فليس للولي سوى الدية.
وقال ابن القيم الواجب أحد شيئين إما القصاص وإما الدية والخيرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء العفو مجانًا أو العفو إلى الدية أو القصاص ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة، والرابعة المصالحة إلى أكثر من الدية، وقال الوزير:
стр. 1850
اتفقوا على أنه إذا عفا أحد الأولياء من الرجال سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية، وإن عفت امرأة فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد يسقط القود واختلفت الرواية عن مالك، وقال ابن رشد ومن له العفو بالجملة فهم الذين لهم القيام بالدم، والذين لهم القيام بالدم هم العصبة عند مالك، وعند غيره كل من يرثه، وعمدتهم اعتبار الدم بالدية.
وقال الشيخ: ولاية القصاص والعفو ليست عامة لجميع الورثة بل تختص بالعصبة، وهو مذهب مالك وتخرج رواية عن أحمد، وقال: إذا اتفق الكبار من الورثة على القتل فلهم ذلك عند أكثر العلماء، وإذا اتفق جماعة على قتل شخص فلأولياء الدم أن يقتلوهم، ولهم أن يقتلوا بعضهم، وإذا عفا أولياء المقتول عن القاتل، بشرط أن لا يقيم في هذا البلد ولم يف بهذا الشرط لم يكن العفو لازمًا، بل لهم أن يطالبوه بالدية في قول أكثر العلماء.
(وله) أي لأبي داود وغيره (عن أنس) ﵁ أنه قال: (لا يرفع إليه ﷺ أمر في القصاص) شمل القصاص في النفس فما دونها من الشجاج وكسر العظام (إلا أمر فيه بالعفو) ولمسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ما من رجل يصاب في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطيئة» ولأحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه ﷺ أقسم على ثلاث منها "ولا يعفو عبد
стр. 1851
عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده الله بها عزًا يوم القيامة.
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة وما تقدم من نص القرآن الكريم على مشروعية العفو في الجملة والترغيب فيه واستحبابه، ولا نزاع في مشروعيته في الجملة، والجمهور على أنه أولى من الترك، فإنه تعالى إنما ندب عباده لما لهم فيه مصلحة راجحة على مصلحة الانتصاف من الظالم، فالعافي له من الأجر بعفوه عن ظالمه فوق ما يستحقه من العوض عن تلك المظلمة من أخذ أجر أو وضع وزر لو لم يعف عن ظالمه، لا سيما وقد نص الشارع على أنه من موجبات رفع الدرجات، وحط الخطيئات وزيادة العز.
(وفي حديث عمرو بن حُريث) ابن عمرو بن عثمان القرشي المتوفى سنة خمس وثمانين ﵁ يعني أن رسول الله ﷺ قال: «ومن اعتبط مؤمنًا» أي قتله بلا جناية منه ولا جريرة توجب قتله، وأصله من اعتبط الناقة إذا ذبحها من غير داء (قتلاً) تأكيد (عن بينة) لا خطأ وقامت عليه البينة (فإنه قود) مأخوذ من قود الدابة لأنه يقاد إلى القتل بمن قتله أي يقتل القاتل بمن قتله، ولا نزاع في ذلك بشرطه (إلا أن يرضى أولياء المقتول) أي بالدية أو يقع منهم العفو، فدل الحديث وغيره على وجوب القصاص على من قتل مسلمًا بغير حق إن لم يعف المجني عليه أو وليه (صححه أحمد).
стр. 1852
(وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) أنه ﷺ قال «من قتل عمدًا» أي متعمدًا معتديًا بغير تأويل قاصدًا الجناية (فهو قود) وإن لم يقصد الجناية أو قصد بما لا يقتل غالبًا فلا، فالقتل العمد هو أن يقصد من يعلمه آدميًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، وصوروا له صورًا منها أن يجرحه بما له مور في البدن كسكين، أو بمثقل، أو يلقي عليه حائطًا أو يلقيه من شاهق أو في ماء أو نار لا يمكنه التخلص، أو غير ذلك مما سيأتي.
ويشترط عصمة المقتول، وكون القاتل مكلفًا، والمساواة في الدين والحرية والرق وعدم الولادة واشترط بعضهم كون مستحقه مكلفًا وإلا حبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة، فإن معاوية حبس هدبة حتى بلغ ابن القتيل ولم ينكر، واتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه وليس لبعضهم أن ينفرد به، وأن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى على الجاني، قال الوزير: اتفقوا على أن من قتل نفسًا مؤمنة مكافئة له في الحرية ولم يكن المقتول ابنًا للقاتل وكان قتله متعمدًا متعديًا بغير تأويل واختار الولي القتل فإنه يجب، وكذا قال ابن رشد: الذي يجب به القصاص هو العمد.
وذلك أنهم أجمعوا على أن القتل صنفان عمد وخطأ واختلفوا هل بينهما وسط وهو الذي يسمونه شبه العمد، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار، وبإثباته قال عمر وعلي وعثمان
стр. 1853
وغيرهم ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم قال ﵊ «ومن حال دونه» أي دون القود «فعليه لعنة الله» رواه أبو داود) وفي رواية " ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه لا يقبل منه صرف ولا عدل" وهذا وعيد شديد لمن حال دون إقامة الحدود.
(ولأحمد) والترمذي وابن ماجه (عن عمر) ﵁ (مرفوعًا) أنه ﷺ قال: «لا يقاد الوالد بالولد» أي لا يقتل أحد الأبوين بالولد لأن الولد بضعة منه وهو سبب وجوده فلا يكون ولده سببًا لإعدامه، وقال الشافعي: حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم أنه لا يقتل الوالد بالولد، وهو مذهب الجماهير من الصحابة وغيرهم، وقضى به عمر في قصة المدلجي، وألزم الأب الدية ولم يعطه منها شيئًا وقال: ليس للقاتل شيء فلا يرث من الدية ولا من غيرها عند الجمهور، ومذهب أحمد وأبي حنيفة والشافعي، أنه لا يقاد الوالد وإن علا بالولد وإن سفل، وهذا الحديث قال ابن عبد البر وغيره فيه هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم وصححه البيهقي وابن الجارود وعليه العمل عند أكثر أهل العلم وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقاد به.
وأما الجد فقال شيخ الإسلام السنة إنما جاءت «لا يقتل والد بولده» فإلحاق الجدُ بذلك وأبي الأم بعيد اهـ وأما الولد
стр. 1854
فيقتل بكل من الأبوين وإن علوا لعموم ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وخص منه ما تقدم بالنص من أنه لا يقتل والد بولده، وبقي من سواه، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن الابن إذا قتل أحد أبويه قتل به، وإن شارك الأب في قتل ولده أجنبي فمذهب مالك والشافعي وأحمد يجب القصاص على المشارك في القتل العمد العدوان، وكذا حر ورقيق في قتل رقيق، ومسلم وكافر في قتل كافر، لما خص الله به الأب، وأما المسلم فلإسلامه وعن الحر لحريته.
(وعن علي) ﵁ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «لا يقتل مسلم بكافر» رواه البخاري وذلك أن أبا جحيفة وغيره سألوا عليًا ﵁: هل عندكم – يعني أهل البيت- شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال علي ﵁: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، يعني من السنة، قال أبو جحيفة وما في هذه الصحيفة، يعني الورقة المكتوبة قال: "العقل" أي فيها الدية، وأصله أن القاتل يجمع الدية فيعقلها بفناء أولياء المقتول، فسميت عقلاً بالمصدر، وكان أصلها الإبل: "وفكاك الأسير" أي ومن جملة ما فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو والترغيب في ذلك "وأن لا يقتل مسلم بكافر".
فدل الحديث وما في معناه على أنه لا يقتل مسلم بكافر، أما الحربي فإجماع وأما الذمي فمذهب الجمهور أن المسلم لا
стр. 1855
يقاد بالكافر الذمي لصدق اسم الكافر عليه، وقال ﷺ في خطبته يوم الفتح بسبب قتيل قتلته خزاعة، وكان له عهد «لا يقتل مسلم بكافر» وقال: «لو قتلت مسلمًا بكافر لقتلته به» فأشار ﷺ بقوله لا يقتل مسلم بكافر إلى ترك القصاص من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا *﴾ ولو كان للكافر أن يقتص من المسلم لكان في ذلك أعظم سبيل.
وفي الاختيارات: لا يقتل مسلم بذمي إلا أن يقتله غيلة لأخذ ماله، وهو مذهب مالك، قال ابن القيم: وقياس الكافر الذمي والمعاهد على المسلم في قتله بعيد، وقياسه على الحربي أشبه قطعًا، لأن الله سوى بين الكفار في جهنم وفي قطع الموالاة وغير ذلك، وقال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم لا يقتل المسلم بالذمي أو المعاهد، واتفق أهل العلم على أن الكافر يقتل بالمسلم.
(ولأبي داود) وأحمد والنسائي وصححه الحاكم (عنه) أي عن علي ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» أي تتساوى في القصاص والديات، والكفء النظير والمساوي، أي لا فرق بين الشريف والوضيع في الدم، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة، وفي الحديث «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر» يعني قودًا وهو مذهب جماهير العلماء كما تقدم وفيه «ولا يقتل ذو عهد في عهده» أي لا
стр. 1856
يقتل من دخل إلينا من أهل دار الحرب بأمان، فإن قتله محرم على المسلم حتى يرجعُ إلى مأمنه.
وفيه «وهم يد على من سواهم» أي مجتمعون على أعدائهم لا يحل لهم التخاذل بل يعين بعضهم بعضًا على جميع من عاداهم من أهل الملل، فدل الحديث مع ما تقدم أنه لا يقتل مسلم بكافر، إذ من شرط القود المكافأة، وليس الكافر كفوًا للمسلم فيقاد به.
(ولأحمد) والبيهقي (عن بكير) ﵀ قال (مضت السنة بأن لا يقتل حر بعبد) وإن قتله عمدًا وعن علي نحوه رواه البيهقي وأخرج هو وابن عدي عن عمر مرفوعًا «لا يقاد مملوك من مالك» وللبيهقي أيضًا عن ابن عباس لا يقتل حر بعبد، وفيهما ضعف، ولأحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد، وحكي إجماعًا أنه لا يقتل السيد بعبده، إلا ما روي عن النخعي، وقال الوزير: اتفقوا على أن السيد إذا قتل عبد نفسه فإنه لا يقتل به، ولو كان متعمدًا، وقال مالك والشافعي وأحمد: ولا يقتل بعبد غيره.
وحكي أنه ليس بين العبد والحر قصاص لا في النفس ولا فيما دون النفس، وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وتأولوا ما روى الحسن عن سَمُرة «من قتل عبده قتلناه» بالمقال المذكورة في سماع الحسن من سمرة،
стр. 1857
وبالأحاديث القاضية بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضًا، وبمفهوم قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وبالإجماع على أنه لا يقتص من الحر بأطراف العبد، فكذا النفس، ولأنه إنما تجب فيه قيمته لو قتل خطأ لا تجب فيه دية بل قيمة.
فالآية والأحاديث وقول جل علماء الأمصار قاضية بأنه لا يقتل الحر بالعبد، وإنما تجب قيمته واتفقوا على أنه يقتل العبد بالحر والعبد بالعبد، وأنه يجري القصاص بين العبيد بعضهم على بعض، إلا ما يروى عن أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر إجماعًا إلا ما روي عن علي والحسن قال: وهو شاذ لعموم (النفس بالنفس) وهذه أحد شروط القصاص الأربعة التي أحدها عصمة المقتول وثانيها التكليف وثالثها المكافأة في الدين كما تقدم وفي الحرية لهذا الخبر والرق فلا يقتص إذا فضل القاتل المقتول بإسلام أو حرية أو رق والرابع عدم الولادة وتقدم.
(وعن أنس) ﵁ قال: (أن يهوديًا) لم يصرح بأنه ذمي أو معاهد أو مستأمن (رضى رأس جارية بين حجرين) ولمسلم قتلها بحرج فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، وفي بعض طرقه: من الأنصار (فقيل لها من فعل بك هذا) يعني الرض (فلان فلان) وللترمذي: من قتلك أفلان؟ فقالت برأسها لا قال: ففلان؟ (حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها) نعم (فجيء به فاعترف) أي أنه الذي رض رأسها (فأمر به
стр. 1858
النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين متفق عليه).
فدل الحديث على أنه يجب القود بالمثقل كالمحدد، وإلا كان ذريعة إلى إزهاق الأرواح، فقضت الأدلة بذلك وفيه دليل على أنه يقتل الرجل بالمرأة، وهو مذهب الجمهور، ورواه البخاري وغيره عن أهل العلم، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه إلا ما روي عن علي والحسن وروي عن غيرهما، وحكى أبو الزناد عمن أدركه من أهل العلم الذين ينتهي إلى أقوالهم أن المرأة تقاد من الرجل عينًا بعين وأذنًا بأذن، وكل شيء من الجراح على ذلك، وأنه إن قتلها قتل بها، وقال الوزير: اتفقوا على أن الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل، وأنه يجري القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس.
فالأحاديث والآثار وقول الجمهور قاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى، ويتأيد بمفهوم (النفس بالنفس) وفيه جواز القود بمثل ما قتل القاتل وهو مذهب الجمهور، ويؤيده عموم ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فيفعل مجني عليه أو وليه بجان مثل ما فعله أو شبهه، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد فإن كان رض رأس المجني عليه، أو حرقه بالنار، أو ألقاه في الماء، أو منعه الطعام أو الشراب حتى مات فعل بالجاني كذلك وأنه لا فرق بين الجرح المزهق ونحوه.
стр. 1859
وعن أحمد وأبي حنيفة يقتل بالسيف قال ابن القيم: والكتاب والميزان مع من يقول يفعل به كما فعل، وبه جاءت السنة فإن النبي ﷺ رض رأس اليهودي كما فعل بالجارية وفي أثر مرفوع «من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه» والثابت عن الصحابة ﵃ أنه يفعل به كما فعل، فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنة والقياس وآثار الصحابة واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزم المماثلة.
وما ذهب إليه أحمد وغيره أنه لا يقتل إلا بالسيف استدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه وغيره "لا قود إلا بالسيف" ويؤيده حديث «إذا قتلتم فاحسنوا القتلة» والنهي عن المثلة وكونه ﷺ يأمر بضرب عنق من أراد قتله حتى صار هو المعروف في أصحابه، فإذا رأوا رجلاً يستحق القتل قال أحدهم: دعني أضرب عنقه، ولعل ذلك فيما لا يحتاج فيه إلى المماثلة ودل على أنه لا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه لافتقاره إلى اجتهاده وخوف الحيف، وفيه أن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي، فإنه ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل إن شئتم فاقتلوه، بل قتله حتمًا وهو مذهب مالك واختيار الشيخ.
(وفي كتاب عمرو بن حزم) الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم (أن الرجل يقتل بالمرأة) وقد صححه الحفاظ حتى قال الحافظ يعقوب بن سفيان لا أعلم في جميع الكتب كتاًبا أصح
стр. 1860
من كتاب عمرو بن حزم، كان أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون إليه ويدعون آراءهم وفي حديث عمرو بن شعيب "وهم يقتلون قاتلها" وتقدم أنه قول الجمهور.
(وعن معاذ بن جبل وغيره ﵃ (أن رسول الله ﷺ قال: إذا قتلت المرأة) عمدًا أي إذا وجب عليها القتل: "لا تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً" وكذا لو وجب على حائل فحملت، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ فإنه إذا قتلها وما في بطنها كان إسرافًا في القتل قال (وحتى تكفل ولدها) أي تقوم بأمره مثل: إن لم يوجد له مرضعة فحتى ترضعه (رواه ابن ماجه).
فدل الحديث وما في معناه على أحد شروط القصاص، وهو الأمن في الاستيفاء من التعدي على الجاني فإذا وجب على الحامل القتل لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ، فإنه لا يعيش في الغالب بدونه، ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه.
وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إن كان الأولياء حضورًا بالغين وطالبوا بالقصاص لم يؤخر إلا أن يكون القاتل امرأة وتكون حاملاً فيؤخر حتى تضع، وإذا كان فيهم غائب يؤخر حتى يقدم، وكذا لا يقتص منها في الطرف كاليد، والرجل حتى تضع، والحد في ذلك كالقصاص، وذكر غير واحد الإجماع على أن من وجب عليها القتل وهي حامل لم تقتل حتى تسقيه اللبأ،
следующие страницы →