← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه" وهي أم القرآن لأن فيها تقرير الإلهيات والمعاد والنبوات، قال الحسن أودع فيها معاني القرآن كما أودع فيه معاني الكتب السابقة. وقال ابن كثير وغيره. قد اشتملت على حمد الله. وتمجيده والثناء عليه، وعلى المعاد والنبوات وإثبات القدر، والإرشاد إلى سؤال الله، والتضرع إليه، وتوحيده بالألوهية، وتنزيهه عن أن يكون له شريك، أو مماثل، وإلى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، والتثبيت عليه، والترغيب في الأعمال الصالحة، والتحذير من مسالك أهل الغضب والضلال. وجمعت معانيها في إياك نعبد وإياك نستعين. ففيها سر الخلق وأمر الدنيا والآخرة ويستحب أن يقرأها مرتلة لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ محسنة لقوله ﵊ "زينوا القرآن بأصواتكم" قال شيخ الإسلام هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب وتفكر وتفهم ينفذ اللفظ إلى الأسماع. والمعاني إلى القلوب لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وشغله بالفصل والوصل والإضجاع والإرجاع والتطريب وغير ذلك مما هو مفض إلى تغيير كتاب الله والتلاعب به حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه.

стр. 212

ويستحب أن يقف عند كل آية، وإن كانت متعلقة بما بعدها. قالت أم سلمة "كان يقطع قراءته آية آية" وقال الشيخ وقوف القاري على رؤوس الآي سنة وإن كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى تعلق الصفة بالموصوف، وتصح الصلاة بقراءة وافقت مصحف عثمان. وصح سندها اتفاقًا، وبما خالفه. وصح سنده لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض. قال شيخ في أصح القولين وقال الذي عليه السلف أن كل قراءة وافقت العربية أو أحد المصاحف العثمانية وصح إسنادها فهي قراءة وافقت العربية أو أحد المصاحف العثمانية وصح إسنادها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها وهي من الأحرف السبعة. (ولهما) أي البخاري ومسلم (عن أبي هريرة مرفوعًا إذا أمن الإمام فأمنوا) يعني إذا شرع في التأمين فأمنوا أنتم حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا. أو إذا أراد التأمين لكي يتوافق تأمينكم وتأمينه ويكون بعد سكتة لطيفة ليعلم أنها ليست من الفاتحة. ولهما أيضًا "إذا قال (ولا الضالين) فقولوا آمين" ففيها مشروعية تأمين الإمام والمأموم معًا جهرًا. ولأحمد وغيره من حديث وائل "كان يقول آمين يمد بها صوته" صححه الحافظ. ولأبي داود قال "آمين يرفع بها صوته ويأمر بذلك" وللحاكم والبيهقي وصححاه من حديث أبي هريرة "حتى يسمع أهل الصف الأول فيرتج المسجد". وفي رواية "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين (فإنه من وافق تأمينه

стр. 213

تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفي لفظ: «إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة: أمين فوافق أحدكم الآخر غفر له ما تقدم من ذنبه»، وجمهور أهل العلم علي المقارنة وسنية التأمين. وحكي وجوبه علي المأمومين. وآمين بفتح الهمزة مع المد ويجوز القصر والإمالة وهي اسم فعل معناه اللهم استجب لنا ما سألناك من الهداية إلي الصراط المستقيم إلخ. وليست من الفاتحة إجماعاً. وإنما هي طابع الدعاء وينبغي أن يؤمن المأموم وإن لم يسمع قراءة الإمام ولا تأمينه لبعد ونحوه لكونه معلوماً. (وعن أبي قتادة أن النبي – ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين الأوليين) تثنية أولى (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منهما (وسورتين) أي في كل ركعة سورة وفي رواية سورة سورة. وسميت سورة لارتفاعها وشرفها كسور بلد. أو لكونها قطعة من القرآن. أو لتمامها وكمالها، وفيه دلالة على مشروعية قراءة سورة في كل ركعة بعد الفاتحة من الأوليين. ولا نزاع في ذلك، وعن أبي برزة وخباب وغيرهما نحو ذلك. بل نقل نقلاً متواترًا وأمر به معاذًا وغيره. وليست قراءة السورة بعد الفاتحة واجبة فلو اقتصر على الفاتحة أجزأته اتفاقًا. و (ويسمعنا الآية أحيانًا) أي تكرر منه ذلك وللنسائي من حديث البراء نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. ولابن خزيمة عن أنس (سبح). و (هل أتى)

стр. 214

وكأنه من هنا علموا مقدار قراءته وفيه دلالة على جواز الجهر في السرية أحيانًا وأنه لا سجود على من فعل ذلك (ويطول الركعة الأولى) أي السورة فيها أطول من الثانية. أو بترتيل القراءة فيها، ويقال بسبب دعاء الاستفتاح والتعوذ وجمع البيهقي وغيره بين هذا وهذا. وحزر بعض الصحابة بثلاثين ثلاثين في الظهر وأنه إنما يطيل الأولى إن كان منتظرًا لآحد وفي رواية عبد الرزاق قال ظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. ولمسلم عن أبي سعيد "كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي – ﷺ في الركعة الأولى مما يطيلها (ويقرأ في الأخريين) تثنية أخرى (بفاتحة الكتاب) من غير زيادة عليها (متفق عليه). وفي لفظ "كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ويسمعنا الآية أحيانًا ويطول، وفي الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية. وهكذا في العصر. وهكذا في الصبح" فدل على أنه هو السنة في جميع الصلوات. وفيه دليل على مشروعية قراءة الفاتحة في الأربع الركعات في كل واحدة كما تقدم. ولهما عن جابر قال عمر لسعد لقد شكوك في كل شيء قال أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله – ﷺ قال صدقت ذلك الظن بك. وهذا الخبر يحتمل

стр. 215

ما هو أعم من القراءة كالأذكار والركوع والسجود. قال شيخ الإسلام ويستحب إطالة الركعة الأولى من كل صلاة على الثانية. ويستحب أن يمد في الأوليين ويحذف في الأخريين لهذا الخبر. وعامة فقهاء الحديث على هذا اهـ. وما روى مسلم عن أبي سعيد "كنا نحزر قيام رسول الله – ﷺ في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر (ألم تنزيل) السجدة. وفي الأخريين قدر النصف من ذلك. وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر. والأخريين على النصف من ذلك": فحزر وتقدير، وظاهر حديث أبي قتادة أنه لا يزيد في الأخريين من الظهر على أم الكتاب وهو متفق على صحته وخبر مجزوم به فيتعين الأخذ به. ويحتمل أنه – ﷺ فعل ذلك لما أخرجه مالك "أن أبا بكر ﵁ قرأ في ثالثة المغرب ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية" قال الموفق وغيره أكثر أهل العلم يرون أنه لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير الأوليين من كل صلاة. قال ابن سيرين لا أعلم أنهم يختلفون في أنه يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة. وفي الأخريين بفاتحة الكتاب وهو قول مالك وأحمد وأصحاب الرأي واحد قولي الشافعي. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإن زاد على الفاتحة لم يكره. (وعن سليمان بن يسار) مولى ميمونة أم المؤمنين أخي عطاء وأحد الفقهاء السبعة المتوفى سنة مائة من الهجرة (قال

стр. 216

كان فلان) يريد عمرو بن سلمة وكان أميرًا على المدينة (يطيل الأوليين من الظهر ويخفف العصر) ولعله في الغالب وإلا فقد تكون العصر طول الظهر إذا قرأ في الظهر بالليل والغاشية ونحوها. أو تقارب وتقدم الكلام فيهما (ويقرأ في المغرب بقصار المفصل) اسم مفعول من فصلت الشيء جعلته فصولاً متمايزة ومنه سمي حزب المفصل لفصل بعضه من بعض. أو لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة. أو لأحكامه. وهو الحزب السابع من القرآن لما روى أبو داود عن أوس سألت أصحاب رسول الله – ﷺ كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاثًا. وخمسًا. وسبعًا. وتسعًا. وإحدى عشرة. وثلاث عشرة وحزب المفصل واحد والأكثر على أن قصار المفصل من الضحى إلى آخره (وفي العشاء بوسطه) أي وسط المفصل من عم إلى الضحى (وفي الصبح بطواله) من ق إلى عم عند الأكثر. (فقال أبو هريرة ما صليت وراء إمام قط) ظرف مبني على الضم أي ما صليت وراء إمام فيما مضى من عمري (أشبه صلاة) في معظم الصلاة أو أكثر الأحوال لا دائمًا ولا في جميع أجزائها (برسول الله) أي بصلاة رسول الله – ﷺ (من هذا) أي ما أشبه صلاته بصلاة رسول الله ﷺ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم و (صححه الحافظ) اشتهر بهذا اللقب واسمه أحمد بن علي الكناني الشافعي المعروف بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة. وقال الشيخ

стр. 217

محمد بن عبد الوهاب في مجموع الحديث رواته ثقات. وقال غير واحد من أهل العلم. السنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل. ويكون الصبح أطول. وفي العشاء والعصر بأوسطه. وفي المغرب بقصاره. والحكمة في تطويل الصبح لأن الناشئة أشد مواطأة للقلب واللسان ويشهد هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار. ولأنها هي والظهر وقت غفلة بالنوم في آخر الليل والقائلة. فتطويلهما ليدرك المتأخرون لغفلة أو نوم ونحوهما. وتخفيف العصر لكونها وقت العمل. والمغرب لحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم ووقتها ضيق. والعشاء لغلبة النوم إلا أن وقتها متسع فأشبهت العصر. وهديه – ﷺ أن لا يقتصر على قصاره في المغرب والمداومة على ذلك خلاف السنة. ولعل مرادهم في الغالب. وقد أنكر زيد بن ثابت على مروان مواظبته على قصار المفصل ولو كان الأمر كذلك لما سكت مروان. وقال ابن عبد البر وغيره ثبت أنه قرأ في المغرب بالمص وبالصافات والدخان وسبح والتين والمرسلات وكان يقرأ فيها بقصار المفصل. وتقدم أنه كان يطول في الظهر والفجر ويأتي أنه كان يقرأ فيها بـ (ألم) السجدة و (هل أتى على الإنسان). وفي صحيح مسلم أنه كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك. وقصة معاذ

стр. 218

يكفيك أن تقرأ بـ (الشمس وضحاها) و (الليل إذا يغشى) و (سبح اسم ربك الأعلى) وإن قرأ على خلاف ذلك في بعض الأوقات فحسن لما ثبت عن النبي – ﷺ من قوله وفعله. (وعن حذيفة قال كان رسول الله – ﷺ يقول في ركوعه) أي حال ركوعه في فرض ونفل (سبحان ربي العظيم) الذي لا أعظم منه ﵎ (و) يقول (في سجوده سبحان ربي الأعلى) ووصفه تعالى بأفعل التفضيل في هذه الحال في غاية المناسبة ولهذا "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" لأنه أذل ما يكون لربه وأخضع له (رواه مسلم) ورواه الخمسة وصححه الترمذي وغيره. وهذا الحديث مفسر لحديث عقبة أنه لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال رسول الله – ﷺ "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت (سبح اسم ربك الأعلى) قال "اجعلوها في سجودكم" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وغيرهم والحديثان يدلان على مشروعية هذا التسبيح في الركوع والسجود. ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد وجمهور العلماء أنه سنة وقال أبو حامد هو قول العلماء عامة لحديث المسيء. فلو كان واجبًا لأمره به. وعن أحمد وجمهور أهل الحديث أنه واجب مرة للأمر به. ولمسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال "ألا وإني نهيت

стр. 219

أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا" لأن القراءة أشرف الذكر فناسب أشرف الذكر في أشرف الأحوال وهو حالة القيام. قال "فأما الركوع فعظموا فيه الرب. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أنه يستجاب لكم" فهذه أحاديث صحيحة: صريحة في الأمر به وظاهرها الوجوب وهذا مذهب أحمد وقيل أدنى الكمال ثلاث قال ابن القيم. وحديث تسبيحه في الركوع والسجود ثلاثًا لا يثبت. والأحاديث الصحيحة بخلافه اهـ. وقال أنس كان عمر بن عبد العزيز أشبه الناس بصلاة رسول الله – ﷺ وكان مقدار تسبيحه عشرًا وعن عائشة قالت "كان رسول الله – ﷺ يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" ولا ينافي التعظيم في الركوع لأنه زيادة على التعظيم ولأن المطلوب أن يكون التعظيم معظمه والدعاء معظم السجود. وإن دعا في ركوعه وسجوده بغير ذلك مما ورد فحسن ومنه "اللهم إني لك سجدت" إلخ و "اللهم إني لك ركعت". (وله عن ابن عباس كان – ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد) وهو في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ومجمع على أنه مشروع في حق كل مصل بعد قول إمام ومنفرد سمع الله لمن حمده. لما في الصحيحين وغيرهما أنه كان – ﷺ يقول ذلك وقال "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال لبريدة "إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده ربنا ولك

стр. 220

الحمد أي أجاب تعالى وسمع سمع قبول وإجابة لمن حمده. فاستجب ربنا ولك الحمد علي ذلك والواو عاطفة علي مقدر بعد قول ربنا وهو استجب أو حمدناك فجمع بين الدعاء والاعتراف. والحديث أيضاً لمسلم. عن أبي سعيد بلفظ ربنا بك الحمد. وفي الصحيح عن أنس وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد جمعاً بين اللهم والواو. ولهما من حديث أبي هريرة فقولوا ربنا لك الحمد. ويجمع بينهما الإمام والمنفرد، والمأموم ربنا ولك الحمد فقط. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وجمهور أهل العلم ٠ ثم أخبر عن هذا الحمد بقوله (ملء السموات وملء الأرض) أي حمداً ملء العالم العلوي والسفلي وما بينهما (وملء ما شئت) أي وملء غير السموات والأرض مما شئت مما لا علم للعباد به (من شئ بعد) بالضم للقطع عن الإضافةٍ ونية المضاف إليه و (أهل) بالنصب على الاختصاص أو النداء أو بالرفع أي أنت أهل (الثناء) يعني الوصف بالجميل والمدح (والمجد) العظمة ونهاية الشرف (أحق) بالرفع خبر مبتدأ محذوف (ما قال العبد) ما مصدرية فما قال في موضع المصدر تقديره هذا أي قول ربنا ولك الحمد أحق قول العبد (وكلنا لك عبد) مملوك خاضع متذلل. (لا مانع لما أعطيت) أي لا حائل بيننا وبين محض

стр. 221

فضلك (ولا معطي لما منعت) أي لما حرمتنا إياه والمنع ضد الإعطاء (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) أي لا ينفع ذا الحظ منك حظه وغناه. وإنما ينفعه العمل الصالح. وعن رفاعة كنا نصلي وراء النبي – ﷺ فقال رجل ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف قال من المتكلم قال رجل أنا قال رسول الله – ﷺ "رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول رواه البخاري" ولمسلم أيضًا أنه – ﷺ كان يقول "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينق الثوب الأبيض من الدنس" وكان ﵊ يقول "لربي الحمد لربي الحمد" يكررها. (وعن وائل بن حجر قال رأيت رسول الله – ﷺ "إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) وعن أنس قال رأيت رسول الله – ﷺ "انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه" رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وفيه مشروعية وضع الركبتين قبل اليدين. قال ابن القيم وهذا هو الصحيح ولم يرو من فعله – ﷺ ما يخالف ذلك. ولحديث أبي هريرة "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع ركبتيه قبل يديه" رواه الأثرم وابن أبي شيبة ولفظه "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الفحل". ورواية "يديه قبل ركبتيه" لعله منقلب على بعض الرواة وأصله. ليضع ركبتيه قبل يديه يدل عليه أول الحديث وآخره من

стр. 222

رواية ابن أبي شيبة وغيره. وروي عن بعض الصحابة ما يوافق ذلك. ولم ينقل عنهم خلافه وهو قول جمهور السلف وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء والخطابي عن أكثرهم وابن المنذر عن عمر وغيره وسفيان والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. (وإذا نهض) يعني من السجود للإتيان بالركعة الثانية (رفع يديه قبل ركبتيه" رواه الأربعة) ورواه ابن خزيمة وابن السكن في صحيحهما وغيرهم. ولأبي داود "نهي أن يعتمد على يديه إذا نهض في الصلاة" وقال علي "من السنة أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخًا كبيرًا لا يستطيع" وفيها مشروعية رفع اليدين عند النهوض قبل رفع الركبتين. وجاء عن النبي – ﷺ أنه ينهض في الصلاة على صدور قدميه. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم. وروى ابن أبي شيبة وغيره من غير وجه أن أصحاب رسول الله – ﷺ ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وغيرهم عن غير واحد من أكابر الصحابة. وما روي أنه – ﷺ إذا رفع رأسه جلس واعتمد على الأرض ففي حالة الكبر. ولا خلاف في جوازه لكبر أو مرض أو ضعف ونحوه وبه تجتمع الأدلة وأما جلسة الاستراحة فلم يذكرها كل واصف لصلاته – ﷺ . ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم ويحمل.

стр. 223

أيضًا أنه في آخر عمره عند كبره جمعًا بين الأخرا، وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره. (وعن ابن عباس أن رسول الله – ﷺ قال "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم) سمى كل واحد عظمًا وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة وفي لفظ "أمر النبي – ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء" والعضو كل عظم وافر من الجسد وفسرها بقوله (الجبهة) ما بين الحاجبين إلى الناصية (وأشار بيده إلى أنفه) وللنسائي قال ابن طاوس ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه وقال هذا واحد. قال القرطبي هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع لها. ولمسلم "الجبهة والأنف". وحكى ابن المنذر إجماع الصحابة أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده وذهب أحمد وجمهور الفقهاء إلى أنه يجب أن يجمع بينهما. واحتج أبو حنيفة بأن الإشارة تدل على أنه المراد ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع. وقوله ﵊ "الجبهة والأنف" جعلا لهما كالعضو الواحد. ولو كان كل واحد منهما عضوًا مستقلاً للزم أن تكون الأعضاء ثمانية. ولأحمد من حديث وائل "رأيت رسول الله – ﷺ يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه". (واليدين) والمراد بهما الكفان ولمسلم من حديث البراء "إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك" وللترمذي "أمر

стр. 224

بوضع اليدين ونصب المرفقين" وقال وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه (والركبتين) موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق (وأطراف القدمين) أي أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما وعقباه مرتفعتان فيستقبل بظهور قدميه القبلة (متفق عليه) وتقدم في حديث أبي حميد "واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة". فيشرع أن يسجد على رجليه ثم ركبتيه يضعهما على الأرض قبل يديه لما تقدم من قوله "ثم يديه" وكان – ﷺ يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه باسطًا كفيه وأصابعه لا يفرج بينهما ولا يقبضهما. ثم يضع الجبهة مع الأنف. قال الترمذي وهو الذي اختاره أهل العلم أن تكون يداه قريبًا من أذنيه قال الموفق والجميع حسن. والخبر يدل على وجوب السجود على الأعضاء السبعة وهو إجماع إلا ما تقدم عن أبي حنيفة في الأنف أو الجبهة. والسجود على هذه الأعضاء السبعة هو غاية خشوع الظاهر. وأجمع العبودية لسائر الأعضاء وفرض أمر الله به ورسوله وبلغه رسول الله – ﷺ الأمة بقوله وفعله. ومن كمال هذا السجود مباشرة المصلي بأديم وجهه فيعفره بالتراب استكانة وتواضعًا. والاعتماد على الأرض بحيث ينالها ثقل رأسه. ومن كماله ارتفاع أسافله على أعاليه تذللاً بين يدي ربه وانكسارًا له. وتقدم قوله "فيمكن وجهه وجبهته حتى تطمئن مفاصله

стр. 225

ويسترخي" ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدًا "اعتزل ناحية يبكي ويقول يا ويله أمر بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" وفي الأثر ما من حالة يكون عليها العبد أحب إلى الله من أن يراه ساجدًا يعفر وجهه بالتراب. وثبت من طرق "ما سجد العبد من سجدة إلا كتب له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة" وشرع تكرير السجود في كل ركعة لأنه أبلغ ما يكون في التواضع وأفضل أركان الصلاة الفعلية وسرها الذي شرعت لأجله وخاتمتها وغايتها وثمرتها وما قبله مقدمات له فكان تكرره أكثر من تكرر سائر الأركان والأحاديث في فضله والحث عليه وعظيم أجره كثيرة معلومة. (وفي السنن) أي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وحسنه النووي وصححه الحاكم (عنه) أي عن ابن عباس ﵄ (أن النبي – ﷺ كان يقول بين السجدتين) أي حال اعتداله من السجدة الأولى. وتقدم أنه ركن يجلس فيه على رجله اليسرى وينصب اليمنى لحديث أبي حميد وعائشة وغيرهما فيقول (اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني). قال ابن القيم لما فصل بركن بين السجدتين شرع فيه من الدعاء ما يليق به ويناسبه وهو سؤال المغفرة والرحمة والهداية والعافية والرزق. وفي السنن وغيرها بسند جيد من حديث

стр. 226

حذيفة. كان يقول بين السجدتين "رب اغفر لي رب اغفر لي". وله أن يدعو بغير ذلك واختار الشيخ الدعاء بما ورد وقال الكمال فيه كالكمال في تسبيح الركوع والسجود وكان ﵊ يطيل فيه بقدر السجود. (وعن ابن عمر أن رسول الله – ﷺ كان إذا قعد للتشهد) أي جلس للتشهد جلس فيه كجلوسه بين السجدتين يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى. وإن كان في التشهد الأخير قعد على مقعدته كما تقدم والجلوس للتشهد الذي يعقبه السلام ركن من أركان الصلاة لا تتم إلا به. قال الوزير اتفقوا على أن الجلسة في آخر الصلاة فرض من فروض الصلاة. (وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى واليسرى على اليسرى) وللخمسة من حديث وائل "وضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى". والأحاديث بوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى واليسرى على اليسرى مستفيضة وهو مجمع عليه (وعقد ثلاثة وخمسين) في أعداد كانت معروفة عند العرب بأن تكون الثلاثة مضمومة إلى أدنى الكف لا مقبوضة والإبهام مفتوحة تحت المسبحة معطوفة على طرف الراحة. وللخمسة من حديث وائل "ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة". وفي لفظ "وحلق إبهامه مع الوسطى". ولمسلم من حديث ابن الزبير "ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى" وورد غير ذلك.

стр. 227

وقال ابن القيم الروايات المذكورة كلها واحدة فإن من قال قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت مضمومة ولم تكن منشورة كالسبابة. ومن قال قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض وقد صرح بذلك من قال وعقد ثلاثة وخمسين. فإن الوسطى في هذا العقد تكونمضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر (واشار بأصبعه السبابة) لا بغيرها ولو عدمت (رواه مسلم) وأحمد والنسائي وغيرهم. وسميت سبابة لتحريكها وقت السب. وسباحة لأنه يشير بها للتوحيد، والحكمة في الإشارة بها ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وفي حديث وائل "ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها" قال ابن القيم كان لا ينصبها نصبًا ولا ينيمها بل يحنيها شيئًا ويحركها. وينبغي أن ينظر إليها لخبر ابن الزبير وأحاديث الإشارة بها في التشهد بلغت حد التواتر. وكذا ينبغي الإشارة بها إذا دعا في صلاة وغيرها للخبر. (وعن ابن مسعود أن رسول الله – ﷺ قال إذا قعد أحدكم في الصلاة) يعني في التشهد (فليقل) أي سرًا إجماعًا لقول ابن مسعود من السنة إخفاء التشهد رواه الترمذي وغيره وقال العمل عليه عند أهل العلم. وفي لفظ علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن، وكذا في حديث ابن عباس وفي لفظ علمه التشهد وأمره أن يعلمه

стр. 228

الناس وفي لفظ كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله من عبادة، فقال رسول الله – ﷺ "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام. ولكن قولوا (التحيات) أي جميع التعظيمات (لله) ملكًا واستحقاقًا وكان ملوك الأرض يحيون بتحيات متنوعة فقيل للمسلمين في هذه الجلسة التي تمثل في الخدمة بين يدي الله جاثيًا على الركب كهيئة الملقي نفسه بين يدي سيده راغبًا وراهبًا معتذرًا إليه قولوا "التحيات لله" فهو سبحانه أولى بالتعظيمات من كل من سواه، فإن التحيات تتضمن العظمة والحياة والبقاء والدوام وغير ذلك مما لا يستحقه إلا الحي الباقي الذي لا يموت ولا يزول ملكه ﵎ (والصلوات) أي الخمس أو العبادات كلها التي يراد بها تعظيم الله كلها لله وحده وهو مستحقها ولا تليق بأحد سواه. (والطيبات) أي الأعمال الصالحة لله أو الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء ونحو ذلك مما هو ثناء على الله وكل عمل تعمله فهو كله لا حق فيه لغير الله (السلام) اسم من أسماء الله لسلامته تعالى من كل نقص وعيب. وإذا كان اسم الله يذكر على الأعمال توقعًا لاجتماع معاني الخيرات فيه وكان المقام مقام طلب السلامة أتى في لفظها بصيغة اسم السلام الذي تطلب منه السلامة. والسلام في الأصل مصدر بمعنى السلامة واسم من التسليم أو

стр. 229

سلام الله (عليك أيها النبي) دعاء له – ﷺ بالسلامة وتضمن معنيين ذكر الله وطلب السلام والنبيء بالهمز من النبأ لأنه مخبر عن الله وبلا همز إما تسهيلاً أو من النبوة وهي الرفعة أو الطريق لأنه الطريق إلى الله، وهو من ظهرت المعجزة على يده وقارن ظهورها دعوى النبوة ولم يؤت نبي قبله – ﷺ ولا رسول معجزة إلا وله مثلها وزيادة. بل دلائل نبوته – ﷺ لا تحصر (ورحمة الله وبركاته) جمع بركة وهي النماء والزيادة وخصوه أولاً بالسلام عليه لعظم حقه عليهم وقدموه على التسليم على أنفسهم لذلك ثم أتبعوه بالسلام عليهم في قولهم: (السلام علينا) أي الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة لأن الاهتمام بهم أهم. ثم أردفوه بتعميم السلام في قولهم: (وعلى عباد الله الصالحين) جمع صالح وهو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده وفي رواية "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض" قال الترمذي من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبدًا صالحًا وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (أشهد أن لا إله إلا الله) أي أجزم واقطع أن لا معبود بحق إلا الله وحده فالشهادة خبر قاطع والقطع من فعل القلب واللسان مخبر بذلك. وإن كان ابتداء هذه الكلمة العظيمة نفيًا فالمراد به الإثبات ونهاية التحقيق إثبات الألوهية الحقة لله تعالى

стр. 230

وحده ونفيها عن كل ما سواه فهي كلمة التوحيد والعروة الوثقى وكلمة التقوى والصراط المستقيم ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولا يصح لعبد دين إلا بها. والمراد معرفة معناها والعمل بمقتضاها لا مجرد قولها باللسان. (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) بصدق ويقين وذلك يقتضي متابعته – ﷺ وأتى بهاتين الصفتين رفعًا للإفراط والتفريط ولفظهما ثبت في جميع الأصول الستة وغيرها وإضافتهما إلى الله إضافة تشريف وتكريم (متفق عليه) وقال البزار والذهبي وغيرهما أصح حديث في التشهد حديث ابن مسعود روي من نيف وعشرين طريقًا. قال الحافظ والبغوي لا خلاف في ذلك. وقال مسلم اتفق الناس عليه. وقال الترمذي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث التشهد به أفضل لمرجحات كثيرة منها الاتفاق على صحته وتواتره وهو أصح التشهدات واشهرها ولأمره – ﷺ ابن مسعود أن يعلمه الناس وكونه محفوظ الألفاظ لم يختلف في حرف منه. وكون غالبها يوافق ألفاظه فاقتضى أنه هو الذي يأمر به النبي – ﷺ غالبًا. واتفق العلماء على جواز التشهدات الثابتة كلها. وقال شيخ الإسلام كلها سائغة باتفاق المسلمين. وظاهر الأمر به يقتضي وجوبه. وقال عمر لا تجزئ صلاة

стр. 231

إلا بتشهد وصرح بفرضيته راويه. وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ولا نزاع في مشروعيته لنقل الخلف عن السلف عن النبي – ﷺ نقلاً متواترًا. والأولى تخفيف التشهد الأول وعدم الزيادة عليه لحديث: "كان يجلس في الأوليين كأنه على الرضف" رواه أبو داود وغيره. ولحديث: "نهض حين فرغ من تشهده" قال الطحاوي: من زاد عليه فقد خالف الإجماع وقال أحمد من زاد عليه فقد أساء. وهو واجب عنده وعند الشافعية يسجد لتركه. (ولهما عن كعب بن عجرة) بن عدي البلوي ثم القضاعي حليف الأنصار نزل الكوفة وتوفي بالمدينة سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وله خمس وسبعون (أن رسول الله – ﷺ ) خرج عليهم فقالوا قد عرفنا كيف نسلم عليك. فكيف نصلي عليك، ولمسلم عن أبي مسعود " أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك" ولأحمد وابن خزيمة "إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فـ (قال قولوا اللهم صل على محمد) والصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملإ الأعلى كما حكاه البخاري عن أبي العالية وأمرنا الله أن نصلي عليه – ﷺ ليجتمع له ثناء أهل السماء والأرض. (وعلى آل محمد) تقدم أنهم أهل بيته أو أتباعه. وفي لفظ: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته" وقيل هم القرابة من غير تخصيص وإليه ذهب جماعة من أهل العلم. ولا شك

стр. 232

أنهم أحق من غيرهم، وتجوز الصلاة على غير النبي – ﷺ منفردًا إذا لم يكثر ولم يتخذ شعارًا (كما صليت على آل إبراهيم) إسماعيل وإسحاق وأولادهما، وروي "على إبراهيم وآل إبراهيم". واستشكل التشبيه هنا بعض أهل العلم وذكروا فيه أقوالاً ولعل المراد بالتشبيه في الصلاة لا في القدر. وقال ابن القيم شرعت الصلاة على آل محمد – ﷺ مع الصلاة عليه تكميلاً لقرة عينه بإكرام آله والصلاة عليهم, وأن يصلي عليه وعلى آله كما صلي على أبيه إبراهيم وآله والأنبياء كلهم بعد إبراهيم من آله. ولذلك كان المطلوب لرسول الله – ﷺ صلاة مثل الصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء من بعده وآله المؤمنين فلهذا كانت هذه الصلاة أكمل ما صلي عليه بها وأفضل، فحصل له أعظم مما حصل لإبراهيم وغيره، وإذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به وله نصيب وافر من المشبه ظهر به فضله على كل الأنبياء بما هو اللائق به, وإبراهيم هو الخليل ﵇ ابن آزر ولد قبل المسيح بألفي عام ومعناه أب رحيم. (إنك حميد) أي محمود على كل حال مستحق لجميع المحامد (مجيد) أي ماجد والماجد هو المتصف بالمجد وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة. قال ابن عبد البر وغيره الصلاة على رسول الله – ﷺ رويت من طرق متواترة بألفاظ متقاربة اهـ. وأوجبه طائفة من أهل العلم من الصحابة

стр. 233

والتابعين والفقهاء وهو مذهب الشافعي في التشهد الذي يعقبه السلام للآية والأخبار، وعند أحمد وجماعة أنه ركن. وعن فضالة سمع رسول الله – ﷺ رجلاً يدعو في صلاته ولم يحمد الله ولم يصل على النبي – ﷺ فقال عجل هذا ثم دعاه فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي – ﷺ ثم يدعو بما شاء" صححه الترمذي فالدعاء بعده مشروع إجماعًا (وبارك على محمد) البركة الثبوت والدوام أي أثبت له وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة (وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم) وروي إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين (إنك حميد مجيد) محمود على كل حال متصف بالمجد وهو كمال الشرف. (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – ﷺ إذا تشهد أحدكم) ولمسلم "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" (فليستعذ بالله من أربع) وأجمعوا على سنيته وقيل بوجوبه والتعوذ بالإلتجاء والاعتصام، وفي الصحيحين عن عائشة كان يدعو في صلاته (يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) لفظة أعجمية وقيل عربية سميت بها لبعد قعرها من الجهومة وهي الغلظ وقدمه لأنه أشد وأبقى وتواترت الأحاديث بالإستعاذة منها، والعذاب في الأصل الضرب والنكال والعقوبة ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة.

стр. 234

(وأعوذ بك من عذاب القبر) وتواترت أيضًا بالاستعاذة من عذاب القبر، والإيمان به وبنعيمه من أصول أهل السنة والجماعة. قال الشيخ ويقع على الأبدان والأرواح إجماعًا وقد ينفرد أحدهما (ومن فتنة المحيا والممات) الحياة والموت ففي الحياة ما يعرض للإنسان من الابتلاء والافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات ونحو ذلك، والممات عند الموت أضيف إليه لقربه منه أو فتنة القبر وما بعده وقد تواترت الأحاديث بالاستعاذة منه. وفي حديث الكسوف "إنكم تفتنون في قبوركم" ومنه سؤال الملكين ولا يكون تكرارًا لعذاب القبر لأن عذاب القبر متفرع على ذلك. (ومن فتنة المسيح الدجال) بالحاء المهملة على المعروف وقيل بالخاء قال أبو الهيثم وغيره المسيح بالمهملة ضد المسيخ بالمعجمة عيسى مسحه الله إذ خلقه خلقًا حسنًا ومسخ الدجال إذ خلقه خلقًا ملعونًا اهـ. سمي بذلك لمسحه الارض ذهابه فيها أو لأنه ممسوح العين اليمنى أعورها. قال ﵊ (إنه أعور) وسمي دجالاً لخدعه أو لكذبه أو لتمويهه على الناس وتلبيسه من الدجل وهو التغطية (متفق عليه). وهذه الأربع هي مجامع الشر كله فإن الشر إما عذاب الآخرة وإما سببه. والعذاب نوعان عذاب في البرزخ وعذاب في الآخرة وأسبابه الفتنة وهي نوعان. كبرى وصغرى. فالكبرى فتنة الدجال وفتنة الممات. والصغرى فتنة الحياة التي

стр. 235

يمكن تداركها بالتوبة بخلاف فتنة الممات وفتنة الدجال فإن المفتون فيهما لا يتداركهما فأمرنا الله بالتعوذ منها. وفي حديث عائشة " اللهم إني أعوذ بك من المغرب والمأثم" وتقدم أمره – ﷺ بالدعاء بما أحب وبما شاء. وقال الشيخ الدعاء في آخرها قبل الخروج مشروع مسنون بالسنة المستفيضة وإجماع المسلمين اهـ. وقد كان غالب دعائه ﷺ بعد التشهد قبل السلام. وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها، وهو اللائق بحالة المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة فلا ينبغي للعبد أن يترك سؤال مولاه في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه. وآكده عند خروجه من هذه العبادة على هذه الهيئة إذ كان منطرحًا فيها بين يدي ربه، وقد شرع له أمام استعطافه كلمات التحيات مقدمة بين يدي سؤاله فكأنه توسل إلى الله بعبوديته وبالثناء عليه والشهادة بالوحدانية ولرسوله – ﷺ بالرسالة ثم الصلاة على رسوله، ثم قيل له تخير من الدعاء أحبه إليك فهذا الحق الذي عليك وهذا الحق الذي لك. وفي الصحيحين عن أبي بكر الصديق –﵁ أنه قال لرسول الله – ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" وقال علي كان آخر ما يقول بين التشهد والسلام "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به

стр. 236

مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" ومنه قوله: "اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره" وغيره ذلك مما ورد. (وعن ابن مسعود أن رسول الله – ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره) يقول ملتفتًا عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة الله) ويقول ملتفتًا عن يساره (السلام عليكم ورحمة الله) حتى يرى بياض خده (رواه الخمسة) وغيرهم (وصححه الترمذي) وقال العمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وأصله في مسلم وله من حديث عامر بن سعد عن أبيه قال: كنت أرى النبي – ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده" قال أحمد ثبت عندنا من غير وجه أنه ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده قال العقيلي والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود ولا يصح في تسليمه واحدة شيء. وقال البزار روي عن ابن مسعود من غير وجه. وفي الباب أحاديث كثيرة وأجمع العلماء على مشروعيتهما وهو فعله الراتب – ﷺ وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال ابن القيم ثبتت بها السنة الصحيحة المحكمة عن خمسة عشر صحابيًا ما بين صحيح وحسن عن النبي – ﷺ وقال البغوي التسليمة الثانية زيادة من ثقات يجب قبولها والواحدة غير ثابتة عند أهل النقل فيسلم وهو جالس ندبًا إجماعًا يبتدئ السلام

стр. 237

متوجهًا إلى القبلة وينهيه مع تمام التفاته وهو سنة فيهما. (ولهم) أي للخمسة (إلا النسائي عن علي مرفوعًا تحريمها) أي تحريم الصلاة (التكبير) لا تحريم لها غيره وتقدم (وتحليلها التسليم) أي تحليل ما كان حرامًا فيها حاصل بالتسليم جعل تحليلاً لها يخرج به المصلي كما يخرج بتحليل الحج منه، وليس لها تحليل سواه ولا يخرج من الصلاة بدونه. وهو منها وأحد أركانها. قال النووي وغيره جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه واجب. وقالوا أيضًا إن السلام للتحليل من الصلاة ركن من أركانها وفرض من فروضها لا تصح إلا به هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف والأحاديث الصحيحة المشهورة مصرحة بذلك. قال في محاسن الشريعة فيه معنى لطيف كأن المصلي مشغول عن الناس ثم أقبل عليهم كغائب حضر. اهـ. والحكمة أنه ما دام في صلاته فهو في حمى مولاه فإذا انصرف ابتدرته الآفات فإذا انصرف مصحوبًا بالسلام الذي جعل تحليلاً لها لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الأخرى وجعل هذا التحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل كل خير وأساسه. وشرع لمن وراءه أن يتحلل بمثل ما تحلل به وذلك دعاء له وللمصلين معه. ثم شرع لكل مصلي

стр. 238

وإن كان منفردًا لتوقف الخروج إلا به ولقوله: "إنما يكفي أحدكم أن يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك". فينوي به الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة وعلى الحاضرين. وينبغي له حذف السلام وأن يقف على آخر كل تسلميه لحديث أبي هريرة صححه الترمذي وعليه أهل العلم وقال النخعي التكبير جزم والسلام جزم فيسكن الهاء من لفظ الجلالة. فصل في الذكر بعدها أي في الدعاء والذكر المشروع بعد الصلاة وقد أجمع العلماء على استحبابه بعدها. (عن ثوبان) مولى رسول الله ﷺ صحابي مشهور اشتراه ثم أعتقه فخدمه إلى أن مات. يقال أنه من حكمي بن سعد بن حمير مات بالرملة سنة أربع وخمسين (قال كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته) أي سلم منها (استغفر ثلاثًا) بلفظ استغفر الله. وقيل للأوزاعي كيف الاستغفار قال تقول استغفر الله، استغفر الله وهو إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه لما يعرض له من الوساوس والخواطر فشرع له الاستغفار ثلاثًا يبدأ به قبل كل شيء بعد السلام حال

стр. 239

قعوده تداركًا لذلك. وشرع له أن يضيف ربه بالسلام ويعظمه ويمجده. (وقال) يعني رسول الله – ﷺ عقب الاستغفار ثلاثًا (اللهم أنت السلام ومنك السلام) الأول من أسماء الله تعالى والثاني نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة (تباركت) بلغت في البركة نهايتها (يا ذا الجلال والإكرام العظمة والكبرياء والغنى المطلق والفضل التام (رواه مسلم والخمسة وغيرهم وهذا من عظائم صفاته تعالى، ولذا قال – ﷺ "ألظوا" أي إلزموا وثابروا "بياذا الجلال والإكرام" ومر – ﷺ برجل يصلي وهو يقول يا ذا الجلال والإكرام فقال قد استجيب لك. (وعن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة –حين يسلم- لا إله إلا الله وحده لا شريك له) في ألوهيته ولا ند له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله (له الملك) ظاهرًا وباطنًا (وله الحمد) في الأولى والآخرة (وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن) على ذاته وصفاته وأفعاله (لا إله إلا الله مخلصين له الدين) أي مخلصين العبادة لله وحده لا شريك له والدين اسم لجميع ما يتعبد به (ولو كره الكافرون) جميعهم إخلاصنا الدين لله. (قال) يعني عبد الله الزبير (وكان رسول الله ﷺ -

стр. 240

يهل بهن) أي يرفع بهن صوته وفي لفظ كان يقول بصوته الأعلى (دبر كل صلاة رواه مسلم) ودبر كل شيء آخره وعقبه. ويوضحه قوله حين يسلم فينبغي أن يلي السلام بعد الاستغفار. وفيه دلالة على مشروعيته والجهر به ففي الصحيح أن رفع الناس أصواتهم بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله – ﷺ . ولهما عن المغيرة بن شعبة أن النبي – ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وقال لمعاذ "لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشركك وحسن عبادتك" رواه أبو داود وغيره بسند جيد وهذه الكلمات عامة لخير الدنيا والآخرة. (وله عن أبي هريرة قال قال رسول الله – ﷺ من سبح الله) أي قال سبحان الله (دبر كل صلاة) أي عقب كل فريضة (ثلاثًا وثلاثين وحمد الله) أي قال الحمد لله (ثلاثًا وثلاثين) مرة (وكبر الله) أي قال والله أكبر (ثلاثًا وثلاثين) مرة فتلك تسع وتسعون" ولهما عنه "تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثًا وثلاثين فتلك تسع وتسعون" (وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد

стр. 241

البحر) وهو ما يعلوا عليه عند اضطرابه. وسببه أن فقراء المهاجرين قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي والنعيم المقيم. فقال وما ذاك قالوا يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. ويعتقدون ولا نعتق فقال ألا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى قال تسبحون" الحديث. وورد بألفاظ. قال الشيخ وغيره لعله من تصرف الرواة وهذا أجمعها. ويستحب أن يعقده. والاستغفار بالأنامل لحديث بسرة وغيره. (وعن أبي ذر مرفوعًا من قال بعد صلاة الصبح) وفي لفظ "في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم" (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت) زاد الطبراني "وهو حي لا يموت بيده الخير" (وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب له كذا وكذا) أي كتب له عشر حسنات. ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه وحرز من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله رواه الخمسة وصححه الترمذي. (زاد أحمد عن معاذ والمغرب) أي قال ذلك بعد صلاة

стр. 242

المغرب والصبح وللترمذي والنسائي من حديث عمارة بن شبيب نحوه، وقال على أثر المغرب؛ ولأحمد وغيره نحوه من حديث أم سلمة ولا خلاف في استحبابه وأخرجه الرافعي بلفظ "إذا صليتم صلاة الفرض فقولوا عقب كل صلاة عشر مرات" الحديث. والمراد بعد قول ما تقدم في حديث ابن الزبير وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم من حديث الحارث اللهم أجرني من النار سبع مرات ويسبح بعد ذلك. ولأحمد وغيره عن أبي أمامة وغيره يقرأ سرًا بعد كل صلاة آية الكرسي وصححه في المختارة. وقال ابن القيم له طرق تدل على أن له أصلاً ويقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين لحديث عقبة رواه أهل السنن. وعن سعد بن أبي وقاص أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول إن رسول الله – ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة. "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمل، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر" رواه البخاري وللترمذي وصححه من حديث علي كان إذا سلم من الصلاة قال اللهم اغفر لي ما قدمت وتقدم. ولمسلم من حديث البراء كان يقول بعد الصلاة رب قني عذابك يوم تبعث عبادك، ووردت أذكار غير ما تقدم. ويستحب للعبد إذا فرغ من صلاته واستغفر الله وذكره وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة مما

стр. 243

تقدم وغيره أن يصلي على النبي – ﷺ ويدعو بما شاء فإن الدعاء عقب هذه العبادة مستجاب، وللترمذي وصححه من حديث فضالة "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي – ﷺ ثم ليدع بما شاء" وقالت عائشة الذكر بعدها مثل مسح المرآة بعد صقالها فقمن أن يستجاب للداعي حينئذ. وأما دعاء الإمام مستقبل القبلة مستدبر المأمومين، فقال الشيخ وغيره بدعة، وقال لم ينقل أنه يدعو هو والمأمومون جميعًا بعد الخروج من الصلاة ولا استحب ذلك أحد من الأئمة. فصل فيما يكره فيها أي فيما يكره في الصلاة ويستحب ويباح وما يتعلق بذلك. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون﴾ لما أخبر تعالى أنه قد أفلح المؤمنون أثنى عليهم بهذه الصفات الجليلة التي أهمها كونهم في صلاتهم خاشعين خاضعين متذللين متضرعين. والخشوع الإخبات والتطامن والذل وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت، وأصل ذلك وأساسه حضور القلب بين يدي الرب. والثواب مشروط بحضوره وحضوره فراغه عن غير ما هو ملابس له، وهو هنا العلم بالفعل والقول الصادرين عن المصلى، وقال ابن القيم: الخشوع قيام العبد بين يدي الرب

стр. 244

بالخضوع والذل والجمعية عليه. وفي الأثر إذا صلى تخشع وتضرع وتمسكن وإلا فهي خداج، وفيه أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع، ومن فاته الخشوع لم يكن من أهل الفلاح. (وعن عائشة قالت سألت رسول الله – ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس) أي اختطاف بسرعة على غفلة (يختلسه الشيطان من صلاة العبد رواه البخاري) سماه اختلاسًا تصويرًا لقبح تلك الغفلة بالمختلس لأن المصلي يقبل على ربه ويترصد الشيطان فوات ذلك عليه فإذا التفت اغتنم الفرصة فسلبه تلك الحال وللترمذي وغيره وصححه عن أنس مرفوعًا "إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة". ولأحمد وغيره من حديث أبي ذر "لا يزال الله مقبلاً على العبد ما لم يلتفت" أي ما لم يزل مقبلاً على صلاته بقلبه ووجهه فجمع أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع في القلب فإذا صرف وجهه انصرف عنه والحكمة في التحذير منه لما فيه من نقص الخشوع والإعراض عن الله. ودلت هذه الأحاديث على كراهة الالتفات في الصلاة لغير حاجة وهو إجماع. وقال ابن عبد البر جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا ولا يكره لحاجة لفعله ﵊ لما بعث طليعة إلى الشعب ولم يكن من

стр. 245

فعله الراتب وقال ابن شهاب، فلما نزلت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُون﴾ جعل نظره إلى الأرض، وإن استدار بجملته أو استدبر القبلة في غير شدة خوف بطلت لتركه الاستقبال بلا عذر قال في الإنصاف بلا نزاع. (ولمسلم عن جابر قال: قال رسول الله – ﷺ لينتهين) أي ليتركن (أقوام) جمع قوم الجماعة من الرجال (يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة) أي إلى ما فوقهم مطلقًا (أولا ترجع إليهم) أي أو لتسلبن بسرعة وله عن أبي هريرة نحوه وللبخاري من حديث أنس "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهين أو لتخطفن أبصارهم" وفي هذه الأحاديث الوعيد الشديد في ذلك والنهي الأكيد المفيد تحريمه، وقال ابن حزم تبطل به الصلاة، واتفقوا على كراهته. ويكره تغميض عينيه لأنه فعل اليهود ومظنة النعاس لا إن احتاج إليه. قال ابن القيم ولم يكن من هديه – ﷺ تغميض عينيه والصواب أن يقال إن كان تفتيحها لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهناك لا يكره التغميض قطعًا. والقول باستحبابه في هذه الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة.

стр. 246

(وفي السنن نهى عن الإقعاء) وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. وعند العرب الإقعاء جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا قدميه مثل إقعاء الكلب. ولفظ ابن ماجه وغيره من حديث أنس "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب" وعن علي مرفوعًا "لا تقع بين السجدتين " وللبيهقي وغيره "نهى عن الإقعاء في الصلاة" ولأحمد "واقعاء كاقعاء الكلب" فيكره اتفاقًا لهذه الأخبار وغيرها ولأنه يتضمن ترك الاقتراش المسنون بالقول والفعل، ولا تبطل به الصلاة. وأما ما رواه مسلم وغيره عن ابن عباس الاقعاء على القدمين هو السنة فقال البيهقي وغيره هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض ويضع إليتيه على عقبيه ويضع ركبتيه على الأرض يعني بين السجدتين وهذا غير ما تقدم مما نهي عنه. وقال الموفق وغيره لا أعلم أحدًا قال باستحبابه على تلك الصفة وتقدم النهي عن افتراشه ذراعيه ساجدًا. وفي الصحيحين عن أنس "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" وذلك بأن يمدهما على الأرض ملصقًا لهما بها، ويكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس لما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر "نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده" وكذا يكره أن يستند إلى جدار ونحوه من غير حاجة اتفاقًا.

стр. 247

(وفي الصحيحين) من حديث أبي هريرة (نهي) يعني رسول الله – ﷺ (أن يصلي الرجل مختصرًا) أي أن يضع الرجل يده في الصلاة على خاصرته والخاصرة ما بين الحرقفة والقصيري أو ما فوق الطفطفة والشراسيف جمعها خواصر. والخصر الوسط وهو المستدق فوق الوركين والجمع خصور، والخصر والخاصرة مترادفان. قال هشام يضع يده على خصره وهو يصلي وعلل أنه فعل الكفار أو المتكبرين. وصح أنه راحة أهل النار فلا يليق في الصلاة ولأنه فعل اليهود، وقيل أنه فعل الشيطان، فنهي عنه كراهة للتشبه باليهود أو الشيطان، ومذهب أهل الظاهر أنه محرم والجمهور أنه مكروه. (ولأحمد النهي عن التشبيك) يعني تشبيك الأصابع وهو إدخال بعضها في بعض في الصلاة ولفظه عن أبي سعيد أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان" لما فيه من العبث أو لما فيه من التشبه بالشيطان "وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه" قال في مجمع الزوائد إسناده حسن، وعن كعب بن عجرة مرفوعًا "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهما. واتفق الفقهاء على كراهته فيها، وما في قصة ذي اليدين وشبك بين أصابعه، وحديث أبي موسى "المؤمن للمؤمن

стр. 248

كالبنيان وشبك بين أصابعه" فقيل في السهو لاشتباه الحال عليه. وفي حديث أبي موسي لقصد التشبيه وما تقدم محمول علي التشبيك للعبث وهو منهي عنه في الصلاة. وللترمذي وغيره "أنه رأى رجلاً يعبث في صلاته بلحيته فقال لو خشع قلب هذا لخشعت "ولابن ماجه" رأى رجلاً قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج بين أصابعه " لما في ذلك من إذهاب الخشوع. (ولابن ماجه والقعقعة) أي فرقعة الأصابع في الصلاة وغمز مفاصلها حتى تصوت. ولفظه عن النبي ﷺ قال: " لا تقعقع أصابعك في الصلاة " وهو فعل معروف في أصابع اليدين وقد يفعل في أصابع الرجلين لأنه من العبث المنهي عنه وهو مكروه اتفاقا ً وقيل حكمه النهي عنه أنه يجلب النوم. وكذا يكره فتح فمه ووضعه فيه شيئاًِ وتمطيه ونحو ذلك مما يذهب الخشوع." وإذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع "وإن غلبه غطى فمه لقوله "وليمسك بيده على فيه " رواه مسلم. (وعن أبي ذر مرفوعاً إذا قام أحدكم في الصلاة) أي دخل فيها (فلا يمسح الحصى) وفي لفظ التراب أي من محل السجود أو من جبهته "فإن الرحمة تواجهه" رواه الخمسة وحسنه الترمذي وفي الصحيحين من حديث معيقيب قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد " إن كنت فاعلاً فواحدة"

стр. 249

ولأحمد عن أبي ذر سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى فقال " واحدة أودع أو أترك المسح " ولابن ماجه " من الجفا أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته" وللبزار نحوه. وهذه الأحاديث دلت على كراهة مسح الحصى في الصلاة وهو مذهب جمهور العلماء وحكاه النووي اتفاقاً. وروى عن مالك وغيره جوازه ورخص فيه ابن عمر وغيره مرة واحدة وفي الحديثين الإذن فيها عند الحاجة لئلا يصيبه ما يؤذيه أو يشغل باله من تراب أو حصى أو قذى أو غير ذلك. أو الحكمة أن لا يفوته حظه من الرحمة فلا يغير ما يسجد عليه. ولا علي ما يعلق بجبهته ولأنه ينافي الخشوع والتواضع ويشغل المصلي. والأولى أن يسوي موضع سجوده قبل الدخول في الصلاة والتقييد بالحصى أو التراب للغالب ولا يدل علي نفيه عما عداه. (وعن عائشة في قصة خميصة) وهي كساء مربع (لها أعلام) خطوط واحدها علم أهداها له أبو جهم ولفظه عنها أن النبي – ﷺ "صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف (قال اذهبوا بها) ولفظه بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية أبي جهم" وهي كساء غليظ لا علم فيه (فإنها) أي الخميصة ذات الأعلام (ألهتني) آنفًا (عن صلاتي" متفق عليه) وفي رواية "كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن يفتنني" قال ابن بطال إنما طلب منه ثوبًا

стр. 250

غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به. وعن أنس قال كان قرام وهو ستر من صوف ذو ألوان لعائشة سترت به جانب بيتها فقال لها النبي – ﷺ "أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" رواه البخاري ففيهما دلالة على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يذهل القلب ويذهب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها وهذا إجماع وفيه مبادرته ﷺ إلى صيانة الصلاة عما يلهي المصلي وإزالة ما يشغله عن الإقبال عليها. وقال الطيبي فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية فضلاً عما دونهما. وفيه كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة وكراهة تزويق المساجد ونقشها واستقبال كل ما يشغل المصلي. وقال أحمد كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئًا حتى المصحف اهـ. واتفق أهل العلم على كراهة استقبال ما يلهي المصلي من صورة أو نار أو وجه آدمي ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام المذهب الذي نص عليه الأصحاب وغيرهم كراهة دخول الكنيسة المصورة، فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك. وتقدم ذكر عدم الجواز ولأن محل الصور مظنة الشرك فإن غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور، وكذا استقبال نار من
следующие страницы →