← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

يقتل من دخل إلينا من أهل دار الحرب بأمان، فإن قتله محرم على المسلم حتى يرجعُ إلى مأمنه. وفيه «وهم يد على من سواهم» أي مجتمعون على أعدائهم لا يحل لهم التخاذل بل يعين بعضهم بعضًا على جميع من عاداهم من أهل الملل، فدل الحديث مع ما تقدم أنه لا يقتل مسلم بكافر، إذ من شرط القود المكافأة، وليس الكافر كفوًا للمسلم فيقاد به. (ولأحمد) والبيهقي (عن بكير) ﵀ قال (مضت السنة بأن لا يقتل حر بعبد) وإن قتله عمدًا وعن علي نحوه رواه البيهقي وأخرج هو وابن عدي عن عمر مرفوعًا «لا يقاد مملوك من مالك» وللبيهقي أيضًا عن ابن عباس لا يقتل حر بعبد، وفيهما ضعف، ولأحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد، وحكي إجماعًا أنه لا يقتل السيد بعبده، إلا ما روي عن النخعي، وقال الوزير: اتفقوا على أن السيد إذا قتل عبد نفسه فإنه لا يقتل به، ولو كان متعمدًا، وقال مالك والشافعي وأحمد: ولا يقتل بعبد غيره. وحكي أنه ليس بين العبد والحر قصاص لا في النفس ولا فيما دون النفس، وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وتأولوا ما روى الحسن عن سَمُرة «من قتل عبده قتلناه» بالمقال المذكورة في سماع الحسن من سمرة،

стр. 1857

وبالأحاديث القاضية بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضًا، وبمفهوم قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ وبالإجماع على أنه لا يقتص من الحر بأطراف العبد، فكذا النفس، ولأنه إنما تجب فيه قيمته لو قتل خطأ لا تجب فيه دية بل قيمة. فالآية والأحاديث وقول جل علماء الأمصار قاضية بأنه لا يقتل الحر بالعبد، وإنما تجب قيمته واتفقوا على أنه يقتل العبد بالحر والعبد بالعبد، وأنه يجري القصاص بين العبيد بعضهم على بعض، إلا ما يروى عن أبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر إجماعًا إلا ما روي عن علي والحسن قال: وهو شاذ لعموم (النفس بالنفس) وهذه أحد شروط القصاص الأربعة التي أحدها عصمة المقتول وثانيها التكليف وثالثها المكافأة في الدين كما تقدم وفي الحرية لهذا الخبر والرق فلا يقتص إذا فضل القاتل المقتول بإسلام أو حرية أو رق والرابع عدم الولادة وتقدم. (وعن أنس) ﵁ قال: (أن يهوديًا) لم يصرح بأنه ذمي أو معاهد أو مستأمن (رضى رأس جارية بين حجرين) ولمسلم قتلها بحرج فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، وفي بعض طرقه: من الأنصار (فقيل لها من فعل بك هذا) يعني الرض (فلان فلان) وللترمذي: من قتلك أفلان؟ فقالت برأسها لا قال: ففلان؟ (حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها) نعم (فجيء به فاعترف) أي أنه الذي رض رأسها (فأمر به

стр. 1858

النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين متفق عليه). فدل الحديث على أنه يجب القود بالمثقل كالمحدد، وإلا كان ذريعة إلى إزهاق الأرواح، فقضت الأدلة بذلك وفيه دليل على أنه يقتل الرجل بالمرأة، وهو مذهب الجمهور، ورواه البخاري وغيره عن أهل العلم، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه إلا ما روي عن علي والحسن وروي عن غيرهما، وحكى أبو الزناد عمن أدركه من أهل العلم الذين ينتهي إلى أقوالهم أن المرأة تقاد من الرجل عينًا بعين وأذنًا بأذن، وكل شيء من الجراح على ذلك، وأنه إن قتلها قتل بها، وقال الوزير: اتفقوا على أن الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل، وأنه يجري القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس. فالأحاديث والآثار وقول الجمهور قاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى، ويتأيد بمفهوم (النفس بالنفس) وفيه جواز القود بمثل ما قتل القاتل وهو مذهب الجمهور، ويؤيده عموم ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فيفعل مجني عليه أو وليه بجان مثل ما فعله أو شبهه، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد فإن كان رض رأس المجني عليه، أو حرقه بالنار، أو ألقاه في الماء، أو منعه الطعام أو الشراب حتى مات فعل بالجاني كذلك وأنه لا فرق بين الجرح المزهق ونحوه.

стр. 1859

وعن أحمد وأبي حنيفة يقتل بالسيف قال ابن القيم: والكتاب والميزان مع من يقول يفعل به كما فعل، وبه جاءت السنة فإن النبي ﷺ رض رأس اليهودي كما فعل بالجارية وفي أثر مرفوع «من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه» والثابت عن الصحابة ﵃ أنه يفعل به كما فعل، فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنة والقياس وآثار الصحابة واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزم المماثلة. وما ذهب إليه أحمد وغيره أنه لا يقتل إلا بالسيف استدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه وغيره "لا قود إلا بالسيف" ويؤيده حديث «إذا قتلتم فاحسنوا القتلة» والنهي عن المثلة وكونه ﷺ يأمر بضرب عنق من أراد قتله حتى صار هو المعروف في أصحابه، فإذا رأوا رجلاً يستحق القتل قال أحدهم: دعني أضرب عنقه، ولعل ذلك فيما لا يحتاج فيه إلى المماثلة ودل على أنه لا يستوفى القصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه لافتقاره إلى اجتهاده وخوف الحيف، وفيه أن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي، فإنه ﷺ لم يدفعه إلى أوليائها، ولم يقل إن شئتم فاقتلوه، بل قتله حتمًا وهو مذهب مالك واختيار الشيخ. (وفي كتاب عمرو بن حزم) الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم (أن الرجل يقتل بالمرأة) وقد صححه الحفاظ حتى قال الحافظ يعقوب بن سفيان لا أعلم في جميع الكتب كتاًبا أصح

стр. 1860

من كتاب عمرو بن حزم، كان أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون إليه ويدعون آراءهم وفي حديث عمرو بن شعيب "وهم يقتلون قاتلها" وتقدم أنه قول الجمهور. (وعن معاذ بن جبل وغيره ﵃ (أن رسول الله ﷺ قال: إذا قتلت المرأة) عمدًا أي إذا وجب عليها القتل: "لا تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملاً" وكذا لو وجب على حائل فحملت، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ فإنه إذا قتلها وما في بطنها كان إسرافًا في القتل قال (وحتى تكفل ولدها) أي تقوم بأمره مثل: إن لم يوجد له مرضعة فحتى ترضعه (رواه ابن ماجه). فدل الحديث وما في معناه على أحد شروط القصاص، وهو الأمن في الاستيفاء من التعدي على الجاني فإذا وجب على الحامل القتل لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ، فإنه لا يعيش في الغالب بدونه، ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه. وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إن كان الأولياء حضورًا بالغين وطالبوا بالقصاص لم يؤخر إلا أن يكون القاتل امرأة وتكون حاملاً فيؤخر حتى تضع، وإذا كان فيهم غائب يؤخر حتى يقدم، وكذا لا يقتص منها في الطرف كاليد، والرجل حتى تضع، والحد في ذلك كالقصاص، وذكر غير واحد الإجماع على أن من وجب عليها القتل وهي حامل لم تقتل حتى تسقيه اللبأ،

стр. 1861

وحتى ترضعه إن لم يوجد من يرضعه (ولأبي داود عنه) أي عن أنس ﵁ (أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة) قال أبو داود: هي أخت مرحب، وقال غيره: اسمها زينب بنت الحارث ابنة أخي مرحب، وفيه: فأكل منها النبي ﷺ فجيء بها فسألها، فقالت: أردت لأقتلك الحديث (فمات بشر، فأمر النبي ﷺ بها فقتلت) وأجمع أهل الحديث على أنه ﷺ قتلها، وفي حديث أنس أنه ﷺ لم يقتلها في الحال، ورواية غيره إنما قتلها بعد موت بشر. فدل الحديث على أن من سقى شخصًا سما لا يعلم به، أو خلطه بطعام يطعمه له أو بطعام فيأكله جهلاً قتل به، قال ابن رشد والجمهور على وجوب القصاص به، وهذا أحد موجبات القصاص، ويختص بالقصاص مباشر للقتل، عالم بأنه ظلم، ثم ولي عالم بذلك، فبينة وحاكم علموا ذلك قال بعضهم ومثله العاين إذا كانت عينه يستطيع أن يقتل بها وفعله باختياره وجب القصاص وإن فعله بغير اختياره توجه القول بضمانه، لا إن وقع بغير اختياره، وإذا علم منه ذلك حبس حتى يتوب أو يموت. (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه، عن جده (يرفعه) يعني يرفع الحديث إلى النبي ﷺ أنه قال: «من تطبب» أي عانى الطب وهو لا يعرفه «ولم يكن بالطب معروفًا» قبل تطببه حاذقًا في معالجته المرضى (فأصاب نفسًا فما دونها) من أعضاء من تطبب

стр. 1862

فيه (فهو ضامن) ما أتلفه من نفس فما دونه (صححه الحاكم) فدل الحديث على أن من تطبب ونحوه وهو لا يعرف ما تقبله يضمن ما أتلفه. (وعن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «إذا أمسك الرجلُ الرجلَ» لآخر ليقتله (وقتله الآخر) منفردًا بالقتل (يقتل الذي قتل) قصاصًا بالإجماع (ويحبس الممسك) لتمكينه من قتله وإن لم يفعل سوى الإمساك (رواه الدارقطني) وصححه ابن القطان، وقال الحافظ رجاله ثقات. فدل الحديث على أن القاتل يقتل ولا نزاع في ذلك بشرطه، وأن الممسك يحبس ولا يعد فعله مشاركة حتى يكون من باب قتل الجماعة بالواحد، بل الواجب حبسه فقط، والمدة راجعة إلى نظر الحاكم إذ الغرض تأديبه، والشارع لم يذكر قدر المدة فرجع فيه إلى نظر الحاكم، وهذا مذهب جمهور العلماء، وإن أمر مكلف بالقتل فقتل فالقود عليه لمباشرته القتل مع عدم العذر، وكذا إن أمره السلطان قال الشيخ: لا يطاع في قتل المجهول، بل حتى يعلم جواز قتله، وإلا فالطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفًا بالظلم فهنا الجهل بالحرمة كالعلم بالحرمة. وإن كان الآمر غير السلطان فالقود على القاتل بكل حال، وحيث وجب القصاص على المأمور أدب آمره بما يردعه من

стр. 1863

ضرب وحبس لينكف عن العود، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ومن أكره مكلفًا على قتل معين فقال الشيخ: القود عليهما عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي. (وعنه) أي ابن عمر ﵄ (قال قتل غلامًا غيلة) بكسر الغين المعجمة أي سرًا خفية حيث لا يراه أحد (فقال عمر) ﵁ (لو اشترك فيه أهل صنعاء) البلد المشهورة باليمن قاله لكون القتل فيها (لقتلتهم به) أي لقتل من اشترك في قتل الغلام وإن كانوا أهل صنعاء جميعًا (رواه البخاري) وروي من طرق وفيه قصة أخرجها الطحاوي، فدل أثر الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه تقتل الجماعة اثنان فأكثر بالشخص الواحد إن صلح فعل كل واحد لقتله أو تواطؤا على قتله، لإجماع الصحابة ﵃، قال سعيد بن المسيب: قتل عمر سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلا أن مالكًا استثنى القسامة. وقال ابن القيم: اتفق الصحابة وعامة الفقهاء على قتل الجمع بالواحد وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك، لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء، قال ابن رشد: فإن مفهومه أن القتل إنما شرع لنفي القتل، كما نبه عليه

стр. 1864

القرآن فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة، فإن لم يتواطؤا على قتله وفعل أحدهم بما لا يقتل غالبًا والآخر بما يقتل فالقصاص على الثاني، وإن لم يصلح فعل كل واحد للقتل فلا قصاص لأنه لم يوجد من أحدهم ما يوجبه ولم يتواطؤا على القتل. (وعن الحسن) البصري (عن جابر) ﵁ (مرفوعًا لا أعفي) أي لا أدع ولا أترك (من قتل بعد أخذ الدية) بل أقتص منه ولأبي داود الطيالسي بلفظ «لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدية» وكان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر به فيقتله فيرد الدية فزجر عنه النبي ﷺ قال الشيخ: فمن قتل بعد العفو أو أخذ الدية فهو أعظم جرمًا ممن قتل ابتداء وقال بعض الفقهاء: إنه يجب قتله حدًا ولا يكون أمره إلى أولياء المقتول قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ على قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: وربما لم يرضوا بقتل القاتل بل يقتلوا كبيرًا من أصحاب القاتل كنسيب القبيلة، ومقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، وتعدى هؤلاء في الاستيفاء، كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون من الشريعة، وفي هذه الأوقات من الأعراب والحاضرة وغيرهم، وسببه خروجهم عن العدل الذي هو القصاص في القتلى.

стр. 1865

فصل في الجراح جرحه كمنعه كلمه، والاسم الجرح، والجراح بالكسر جمع جراحة بالكسر، ورجل جريح جمعه جرحى، وتقدم حكم القصاص في النفس وأعقبه بحكم القصاص في الجروح وفي الأطراف، ومن أقيد بأحد في النفس أقيد به في الجراح والأطراف، ومن لا فلا ويشترط عند الجمهور في الجارح أن يكون مكلفًا كما يشترط في القاتل، وهو أن يكون بالغًا عاقلاً، والبلوغ يكون بالاحتلام والسن بلا خلاف، والمجروح يشترط فيه أن يكون مكافئًا لدم الجارح. ويشترط في الجرح أن يكون على وجه العمد بما يجرح غالبًا فإذا ضربه على العضو نفسه فقطعه، أو ضربه بآلة تقطع العضو غالبًا، أو ضربه على وجه النائرة، فلا خلاف أن فيه القصاص أما إن ضربه بلطمة أو سوط أو ما أشبه ذلك مما الظاهر منه أنه لم يقصد إتلاف العضو مثل أن يلطمه فيفقأ عينه فالذي عليه الجمهور أنه شبه العمد، ولا قصاص فيه، وفيه الدية مغلظة في ماله. (قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ تقاد بها وتقدم ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ أي تفقأ عين المتعمد بعين الفاقيء إجماعًا ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ أي يجدع به إذا تعمد الجاني إجماعًا ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ أي تقطع بها إذا تعمد إجماعًا ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾

стр. 1866

أي تقلع بها بشرطه في الكل إجماعًا وسائر الجراح قياسًا عليها فيؤخذ الجفن بالجفن والشفة بالشفة واليد والرجل والأصبع والكف والمرفق والذكر والخصية والإلية والشفر ونحو ذلك كل واحد من ذلك بمثله، ولا تؤخذ شمال بيمين ولا يمين بشمال ولا صحيحة بقائمة. (والجروح قصاص) تعميم بعد تخصيص لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن ثم قال ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان، وكالموضحة وجرح العضد والساق والفخذ والقدم ونحوها، فيقاد في الطرف والجرح من يقاد في النفس، أحرار المسلمين فيما بينهم رجالهم ونساؤهم والعبيد فيما بينهم رجالهم ونساؤهم كما قاله ابن عباس وغيره، وذلك فيما يمكن الاقتصاص منه بلا حيف، وهو قول جماهير العلماء لهذه الآية، وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، غير كسر سن ونحوه لإمكان الاستيفاء منه بغير حيف، كبرده ونحوه، وكأن يقتص موضحة من الهاشمة والمنقلة والمأمومة ويأخذ أرش الزائد، لأنه لا يمكن الوقف على نهاية سوى ذلك. قال ابن رشد: القصاص فيما أمكن القصاص فيه منها، وفيما وجد منه محل القصاص ولم يخش منه تلف النفس، وإنما صاروا لهذا لما روي أن رسول الله ﷺ رفع القود في المأمومة

стр. 1867

والمنقلة والجائفة اهـ، ويشترط أيضًا المماثلة في الاسم والموضع فلا تؤخذ يمين بيسار ولا يسار بيمين، ونحو ذلك حكاه الوزير اتفاقًا، ويشترط استواؤها في الصحة والكمال فلا تؤخذ صحيحة بشلاء ولا كاملة الأصابع مثلاً بناقصتها ولا عين صحيحة بقائمة، ويؤخذ عكسه، وإن قطع جماعة طرفًا أو جرحوا جرحًا يوجب القود فعليهم القود، لقول علي في شاهدين رجعًا فقال: لو علمت أنكما تعمدتما الكذب لقطعكما. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي ومن تصدق بالقصاص بأن عفا عنه فالتصدق به كفارة للمتصدق، يكفر الله به ذنوبه، أو للجاني لا يؤاخذه به، كما أن القصاص كفارة له ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ في كتابه العزيز وما أوحاه إلى نبيه ﷺ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم بالعدل من الظالم، وذلك أنه يقاد قرظي بنضري، ولا يقاد نضري بقرظي (وقال) تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقال أحمد: إنه لأهل أن يفعل به كما فعل، وتقدم خير رض رأس اليهودي، ولأن القصاص موضوع على المماثلة ولفظه مشعر به فيجب أن يستوفى منه مثل ما فعل. (وعن أنس) ﵁ (أن الرُبَيع) بنت النضر أخت أنس بن النضر الأنصاري وعمة أنس بن مالك ﵃،

стр. 1868

(كسرت ثنية جارية) وفي رواية كسرت ثنية امرأة فدل على أنها امرأة حرة لا رقيقة (فعرضوا عليهم الأرش) وللنسائي وغيره: فطلبوا إليهم العفو فأبوا، فعرضوا عليهم الأرش (فأبوا إلا القصاص) وهو أن تكسر سن الرُبَيع فأتوا رسول الله ﷺ وأبو إلا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، ولم يرد رد الحكم الشرعي، وإنما أراد التعريض بالشفاعة. (فقال رسول الله ﷺ : يا أنس) يعني ابن النضر (كتاب الله القصاص متفق عليه) أي فرض الله على لسان نبيه وأنزل من وحيه، أو أراد بذلك قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ إلى قوله ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وغيرها فدل الحديث على وجوب القصاص في السن وهو نص القرآن، وحكي الإجماع على ذلك، ولو كان كسرًا لا قلعًا إذا أمكن أن يعرف مقدرًا المكسور، ويمكن بأن تبرد سن الجاني إلى الحد الذاهب من سن المجني عليه، كما قال أحمد وغيره وحكي على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه الهلاك، وحكى الطحاوي الاتفاق على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فيلحق به سائر العظام مما تعذر فيه المماثلة من الشجاج، كالهاشمة والمنقلة والمأمومة، والجروج كالجائفة، لعدم أمن الحيف والزيادة، لكن له أن يقتص موضحة ويأخذ أرش الزائد.

стр. 1869

وسراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها وسراية القود مهدورة قال الوزير: اتفقوا على أن الإمام إذا قطع يد السارق وسرى إلى نفسه فلا ضمان عليه، وقال مالك والشافعي وأحمد إذا قطع مستقص فسرى إلى نفسه فالسراية غير مضمونة، وإن جرحه فعفا المجروح فسرت الجناية إلى النفس فله تمام الدية، عند الجمهور، وسقط أرش ما جني عليه لعفوه عنه، وإن قال عفوت عن هذه الجناية فلا شيء له، بخلاف عفوت عن هذا الجرح. (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده (أن رجلاً طعن رجلا) أي ضربه ووخزه (بقرن) زيادة معروفة في رءوس بعض الحيوانات كالبقر (في ركبته) جرحه به (فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني) أي اقتص لي منه (فقال حتى تبرأ) أي من الجرح الذي حصل منه في ركبتك (فقال: أقدني فأقاده) لما عصاه في الأولى والثانية (ثم جاء إليه) أي المقتص (فقال يا رسول الله عرجت) أي من تلك الطعنة (فقال: قد نهيتك) أي تقاد حتى تبرأ (فعصيتني) واستعجلت (فأبعدك الله) دعاء عليه (وبطل عرجك) بلا مقابل (ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح) مطلقًا (حتى يبرأ صاحبه، رواه أحمد) والدارقطني وله عن جابر أن رجلاًا جرح فأراد أن يستفيد فنهى ﷺ أن يستفاد من الجارح حتى يبرأ المجروح. واستدل بهما الجمهور على وجوب الانتظار حتى يبرأ

стр. 1870

وللبيهقي تقاس الجراحات ثم يتأنى بها سنة ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت إليه، والحديث وما في معناه يدل على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال، لأن لفظ "ثم" يقتضي الترتيب، وروي أن رجلا طعن حسان بن ثابت فاجتمعت الأنصار ليأخذ لهم النبي ﷺ القصاص، فقال: انتظر حتى يبرأ صاحبكم ثم اقتص لكم، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجوب الانتظار فلا يجوز أن يقتص من عضو وجرح قبل برئه، كما لا يجوز أن تطلب له دية لاحتمال السراية، وتقدم أنه إن اقتص قبل فسرايتها بعد هدر. باب الديات جمع دية مصدر مسمى بها المال المؤدى إلى المجني عليه أو وليه بسبب جناية، يقال وديت القتيل إذا أعطيت ديته، فكل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب لزمته ديته، فإن كانت عمدًا محضًا ففي مال الجاني حالة، وشبه العمد والخطأ على عاقلته. (قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ لما ذكر تعالى تعمد القتل وأنه لا يقتل مؤمن مؤمنًا إلا خطأ ذكر الخطأ وما يجب فيه فقال: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) أي فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة وهو إجماع، وكذا تجب في شبه العمد عند الجمهور. ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ كاملة ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي إلى أهل القتيل الذين يرثونه، فأوجب تعالى في قتل الخطأ هذين الواجبين أحدهما

стр. 1871

الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ أو شبه عمد، ومن شرطها أن تكون الكفارة عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة ويجزئ عند الجمهور المسلم صغيرًا كان أو كبيرًا، والواجب الثاني الدية على أهل المقتول عوضًا لهم عما فاتهم من قتيلهم وهذه إنما تجب أخماسًا على عاقلة القاتل. قال الشافعي وغيره، لا نعلم خلافًا أن النبي ﷺ قضى بالدية على العاقلة وهو أكثر من حديث الخاصة، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ أي القتيل ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي في دار الحرب منفردًا مع الكفار ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وقاتله لم يعلم بإسلامه فلا دية عليه، وعليه ما قال الله فيه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي إذا كان القتيل مؤمنًا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، ولا نزاع في ذلك، وكذا إن كان القتل شبه عمد لا عمدًا محضًا، فلا كفارة كما يأتي ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي فلهم دية قتيلهم كاملة، وقيل وإن كان كافرًا والجمهور أنه إنما يجب في الكافر نصف دية المسلم. ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ سواء كان المقتول مسلمًا أو معاهدًا، رجلاً كان أو امرأة حرًا كان أو عبدًا، وسواء كان القتل مباشرة أو تسببًا وسواء انفرد بالقتل أو شارك فيه، فعليه

стр. 1872

الكفارة قال الموفق هذا قول أكثر أهل العلم وأما القن فيكفر بصوم ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما كما تقدم في كفارة الظهار. قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن كفارة القتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين اهـ وإن أفطر من غير عذر استأنف (توبة من الله) أي هذه جعلت توبة للقاتل خطأ يعتق رقبة مؤمنة، فإذا لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصوم أطعم ككفارة ظهار﴾ ﴿وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا﴾ بمن قتل خطأ ﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم به عليكم. فدلت الآية على وجوب عتق رقبة مؤمنة وأنه إن كان واجدًا للرقبة أو قادرًا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلاً عن نفقته ونفقة عياله، وحاجته عن مسكن ونحوه، عند جمهور العلماء، فعليه الإعتاق ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم، ولا يجزئ عنه، فإن عجز عن تحصيل الرقبة فعليه صوم شهرين متتابعين فإن أفطر يومًا متعمدًا أو ناسيًا أو نوى صومًا آخر وجب عليه استئناف الشهرين، وإن فصل يومًا فأكثر بعذر مرض أو سفر أو حاضت أو نفست ونحو ذلك أو تخلله يوم عيد أو أيام تشريق لم ينقطع التتابع فإن عجز عن الصوم أطعم ستين مسكينًا وهو قول أكثر أهل العلم، وإنما لم يذكر ههنا لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص، وقيس على الظهار وغيره.

стр. 1873

والكفارة على من قتل حرًا مسلمًا خطأ أو مباشرة أو تسببًا، لا عمدًا عدوانًا فلا كفارة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال الشيخ: لا كفارة في قتل العمد، ولا في اليمين الغموس، وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبها. (وعن عمرو بن الأحوص) الجشمي من حشم بن سعد ﵁، كان شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ وروى الحديث (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «لا يجني جان إلا على نفسه» لأن موجب الجناية أثر فعله فوجب أن يختص بضررها «لا يجني والد على ولده» أي لا يؤاخذ بجنايته «ولا مولود على والده» أي لا يؤاخذ بجنايته، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم و (صححه الترمذي) ولأحمد وابن ماجه من حديث الخشخاش العنبري قال: أتيت النبي ﷺ ومعي ابن لي، فقال «ابنك هذا» فقلت نعم قال: «لا يجني عليك ولا تجني عليه» ونحوه عند أحمد وأبي داود من حديث أبي رمثة، ولأحمد والنسائي عن رجل من بني يربوع وفي حديثه لا تجني نفس على نفس، وللنسائي عن ابن مسعود يرفعه «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» وقال تعالى: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ والمراد والله أعلم جناية العمد، ويأتي أن العاقلة لا تحمله. وأما ضمان العاقلة لجناية الخطأ فحكى الحافظ وغيره الإجماع على ذلك، وأنها مخصصة بأحاديث وآثار من عموم هذه

стр. 1874

الآية، والأخبار، وحكى أن الأب والابن لا يحملان في الخطأ، وقال الشيخ: أبو الرجل وابنه من عاقلته عند جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أظهر الروايتين عنه. (وعن أبي هريرة) ﵁ (قال اقتتلت امرأتان) من هذيل وكانتا ضرتين تحت حمل بن النابغة الهُذلي (رمت إحداهما الأخرى بحجر) فأصاب بطنها وهي حامل (فقتلتها) وفي رواية فضربت الهذلية بطن العامرية فقتلتها (وما في بطنها) وفي رواية وجنينها (فقضى ﷺ في جنينها بغرة) الجنين هو حمل المرأة ما دام في بطنها سمي بذلك لاستتاره فإن خرج حيًا فهو ولد وإلا فسقط، والغرة أصلا البياض في وجه الفرس، قال الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله كما قالوا: اعتق رقبة، وفي لفظ "عبد أو أمة" والجمهور أن أقل ما يجزئ من العبد والأمة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع، لأن المعيب ليس من الخيار، وقيل قيمتها خمس من الإبل إن كان حرًا مسلمًا وإن كان مملوكًا فعشر قيمة أمه، وإن سقط حيًا فدية كاملة. (وبدية المرأة على عاقلتها) أي قرابتها من قبل الأب وهم عصبتها وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول (متفق عليه) فدل الحديث على أن دية الخطأ على العاقلة، وأجمع العلماء على ذلك حكاه الحافظ وغيره وحكاه الوزير وابن رشد اتفاقًا، وقال ابن القيم: إنما تحمل الخطأ لا العمد بلا نزاع، وفي شبه العمد نزاع الأظهر أنها

стр. 1875

لا تحمله وليس كالعمد، فإن العامد ظالم مستحق للعقوبة، والخطأ يعذر فيه الإنسان فإيجاب الدية في ماله ضرر عظيم به، من غير ذنب تعمده، ولا بد من إيجاب بدل المقتول، فالشارع أوجب على من عليهم موالاة القاتل ونصرته أن يعينوه على ذلك، فكان كإيجاب النفقات وفكاك الأسير اهـ. وخصصت عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وأخبار: «لا يجني جانٍ إلا على نفسه» لما في ذلك من المصلحة لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، وجمهور العلماء على أن عاقلة الرجل عشيرته، وقال الشافعي لا أعلم إلا أنهم عصبته، وهم القرابة من قبل الأب، وفسر بالأقرب فالأقرب، فيبدأ بفخذه الأدنى فإن عجزوا ضم إليهم الأقرب فالأقرب، المكلف الذكر الحر من عصبة النسب، ثم السبب، ثم في بيت المال، وفرضها عمر في ثلاث سنين. وقال الترمذي: أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية، وإن أدب الرجل ولده أو سلطان رعيته، أو معلم صبيه ولم يسرف لم يضمن ما تلف به، لأنه فعل ما له فعله شرعًا ولم يتعد فيه، وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود أو ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره ضمن لتعديه، وإن أمر شخصًا مكلفًا أن ينزل بئرًا أو يصعد شجرة ونحو ذلك فهلك به لم يضمنه، كما لو استأجره لذلك.

стр. 1876

فصل في أصول الدية الأصول جمع أصل والأصل الأساس أي هذا فصل في بيان أصول دية النفس ومقاديرها بالإسلام والحرية والذكورة وضدها وكونه موجودًا للعيان أو جنينًا وغير ذلك. (وفي كتاب عمرو بن حزم) الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن (أن النبي ﷺ قال في النفس الدية) أي المقتولة عمدًا وآل الأمر إلى الدية، أو خطأ والمقتول مسلم حر ذكر ففيه (مائة من الإبل) وقال الوزير. اتفقوا على أن دية المسلم مائة من الإبل في مال القاتل العامد إذا آل إلى الدية، وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا وعلى العاقلة في الخطأ إجماعًا وشبه العمد عند الجمهور (وعلى أهل الذهب ألف مثقال) فهو نوع من أنواع الدية الشرعية قال أحمد، وأبو حنيفة وغيرهما في الدراهم والدنانير هي مقدرة يجوز أخذها مع وجود الإبل. والحديث رواه أهل السنن وغيرهم من طرق و (صححه أحمد) وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه أيضًا من حيث الشهرة الشافعي وجماعة من الأئمة، وقال لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم، يستغنى بشهرته عن الإسناد لأنه أشبه المتواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، وقال العقيلي: هذا حديث

стр. 1877

ثابت معروف محفوظ، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب ابن حزم هذا فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه، وقال الحاكم شهد له عمر بن عبد العزيز بالصحة، وهذا قطعة منه، وتقدم بعضه، ويأتي بقيته إن شاء الله تعالى. (وعن جابر) ﵁ (فرض رسول الله ﷺ في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل) ولا نزاع في ذلك (وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة) عند جمهور العلماء (رواه أبو داود وغيره) من طريق ابن إسحاق وفيه: وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وفي السنن من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا «قضى أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة» ولأبي داود فرض عمر على أهل الذهب ألف دينار. وعلى أهل الورق إثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، واستدل بعض أهل العلم بهذه على أنها أصول، وقال أحمد البقر والغنم أصلان مقدران على من لزمته الدية، وهو مذهب فقهاء المدينة. (وفي السنن عن ابن عباس) ﵄ (قال: قتل رجل على عهد النبي ﷺ فجعل ديته اثني عشر ألف درهم) وعليه فهو أصل، وقال بعضهم تقويم، وروي مرسلاً وجاء عن عمر أنه لما غلت الإبل قدرها بذلك، ومذهب مالك

стр. 1878

والشافعي وأحمد أن مبلغ الدية من الدراهم اثنا عشر ألف درهم، ودلت هذه الأحاديث وما في معناها على تسهيل الأمر، وأنه ليس يجب على من لزمته الدية إلا من النوع الذي يجده ويعتاد التعامل به في ناحيته، والحاصل أن أصول الدية عند بعض أهل العلم مائة من الإبل أو ألف مثقال ذهبًا أو اثنا عشر ألف درهم فضة أو مائتا بقرة أو ألفا شاة أيها أحضر من تلزمه الدية لزم الولي قبوله، سواء كان ولي الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن لأنه أتى بالأصل في قضاء الواجب عليه وهو مذهب مالك وأحمد. وعن أحمد أصول الدية الإبل وهو مذهب أبي حنيفة ورأى عمر ﵁ أن أصول الدية الإبل، ولما استخلف وغلت رفع قيمتها، ويؤيده ما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «دية النفس المؤمنة مائة من الإبل» واقتصر عليه فدل على أنه الأصل في الوجوب، ويؤيده أيضًا أنه ﷺ فرق بين دية العمد، والخطأ فغلظ بها بعضها وخفف بعضها، ولا نزاع في ذلك إلا ما روي عن أبي ثور، والسنة تخالف قوله فلا يعول عليه، ولا يتحقق التغليظ في غير الإبل فكانت الأصل، وغيرها معتبر بها وقال أبو حنيفة والشافعي هي من الإبل للنص ومن النقدين تقويمًا وما سواهما صلح. (ولهم) أي لأهل السنن الأربعة والبزار، والبيهقي والدارقطني وغيرهم (عن ابن مسعود) ﵁ (مرفوعًا)

стр. 1879

وموقوفًا والموقوف أشبه قال ﵁ (دية الخطأ أخماس عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بني لبون) قال ابن القيم روي من وجوه متعددة وذكر الاختلاف في الأسنان ثم قال: كل هذا يدل على أنه ليس في الأسنان شيء مقدر عن النبي ﷺ وذكر أقوال التابعين ثم قال: قول صحابي من فقهاء الصحابة أولى من قول التابعين اهـ. وهذا مذهب جمهور العلماء مالك وأحمد والحنفية والشافعية، وهذه الدية مخففة، ولا تعتبر القيمة في الإبل ولا في البقر أو الشياه دية النقد لإطلاق الأحاديث في ذلك بل تعتبر فيها السلامة من العيوب، وتغلظ دية طرف وجرح كدية قتل لاتفاقهما في السبب، مثل أن يوضحه عمدًا أو شبه عمد فإنه يجب أرباعًا والخامس من أحد الأربعة وخطأ يجب من الأنواع الخمسة. (وفيها) أي في السنن أيضًا (عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال) وفي لفظ يوم الفتح على درجة الكعبة (ألا إن القتل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها) فدل على تغليظ دية شبه العمد كالعمد، إذا آل إلى الدية وفي السنن أيضًا عن عبد الله بن عمرو نحوه، وعن عمرو بن شعيب مرفوعًا عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه، وذلك أن

стр. 1880

ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح" رواه أبو داود وغيره وروى الزهري عن السائب بن يزيد قال: كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا، خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة خمسًا وعشرين بنت لبون وخمسًا وعشرين بنت مخاض، وهو مذهب الجمهور، ولا تغليظ في غير إبل بلا نزاع بين أهل العلم. (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده (مرفوعًا: من قتل متعمدًا) أي قتل مسلمًا متعمدًا (دفع إلى أولياء المقتول) وهو في الصحيح بلفظ "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين" وتقدم (فإن شاءوا قتلوا) يعني القاتل عمدًا (وإن شاءوا أخذوا الدية) وفصلها في هذه الرواية فقال: (وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة) ولابن ماجه في بطونها أولادها (وما صولحوا عليه فهو لهم) وذلك لتشديد العقل، أي فلو صولحوا على أكثر مما ذكر فهو لهم (حسنه الترمذي). فدلت هذه الأحاديث لجمهور العلماء أن القتل على ثلاثة أضرب عمدٌ وخطأٌ وشبهُ عمدٍ، وجعلوا في العمد القصاص ولا نزاع في ذلك، وفي الخطأ الدية كما تقدم، وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة كالعصا، والسوط، مع كونه قاصدًا للقتل دية مغلظة وهي مائة من الإبل، ولا تغليظ في غير إبل إجماعًا، وهو أحد المرجحات أن الإبل هي الأصل في الدية، وتقدم أن عمر ﵁ رفع الدية لما غلت الإبل،

стр. 1881

وهو مذهب الإمام أحمد ورواه أبو داود وغيره عن علي وابن عباس. (وللخمسة) وصححه ابن خزيمة وابن القيم، وقال: احتج به الأئمة كلهم في الديات (عنه) أي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده (مرفوعًا) عقل أهل الذمة، وفي لفظ "عقل أهل الكتاب" أي دية أحدهم إذا قتل، ذميًا كان أو معاهدًا أو مستأمنًا (نصف عقل المسلمين) أي نصف دية المسلمين سميت الدية عقلاً تسمية بالمصدر لأن الإبل تعقل بفناء ولي القتيل، وكذا جراحه بالنسبة من ديته لأن الجرح تابع للقتل، ودية المجوسي والوثني معاهدًا كان أو مستأمنًا ثمان مائة درهم كسائر المشركين، لما روي عن عمر، وعثمان وابن مسعود وغيرهم أنهم أفتوا به، وقال الموفق: لا نعلم لهم مخالفًا فكان إجماعًا وجراحة كل واحد منهم بالنسبة من ديته. (وعقل المرأة مثل عقل الرجل) أي أرش المرأة يساوي أرش الرجل في الجراحات التي لا يبلغ أرشها إلى ثلث دية الرجل، وقال سعيد بن المسيب، إنه السنة (حتى تبلغ الثلث من ديتها) فدل على أن أرش المرأة في الجراحات يساوي أرش الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها، وما زاد يكون أرشها فيها كنصف أرش الرجل، وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي في قول، قال ابن القيم، خالف فيه أبو حنيفة والشافعي وجماعة، وقالوا هي على النصف في القليل والكثير، ولكن السنة أولى،

стр. 1882

والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه: أن ما دونه قليل فجبرت مصيبة المرأة بمساواتها للرجل، ولهذا استوى الجنين الذكر ولأنثى في الدية لقلة ديته، وهي الغرة فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين اهـ. وأما ما زاد على الثلث فهي على النصف لهذا الخبر، ولما في كتاب عمرو بن حزم "دية المرأة على النصف من دية الرجل" وحكي إجماعًا وقال الوزير: أجمعوا على أن دية المرأة الحرة في نفسها على النصف من دية الرجل الحر المسلم. وقال ابن القيم: لما كانت المرأة أنقص من الرجل والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد، وعمارة الأرض، وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين، لم تكن قيمتهما متساوية وهي الدية، فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما، وكذا نساء أهل الكتاب والمجوس وعبدة الأوثان وسائر المشركين على النصف من دية ذكرانهم كدية نساء المسلمين، عند جماهير العلماء الأئمة الأربعة وغيرهم، ويستوي الذكر والأنثى فيما دون ثلث الدية لما تقدم، وقال ابن عبد البر هذا قول فقهاء المدينة وهو مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي. ودية خنثى مشكل نصف دية كل منهما، ودية قن قيمته

стр. 1883

عمدًا كان القتل أو خطأ، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا قال الموفق: أجمع أهل العلم على أن في العبد الذي لا تبلغ قيمته دية الحر قيمته، فإن بلغت أو زادت فمذهب أحمد فيه قيمته بالغة ما بلغت اهـ وفي جراحه ما نقصه مطلقًا اختاره الشيخ وغيره. فصل في دية الأعضاء ودية منافعها والجروح وغيرها التالفة بالجناية عليها، فما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية وكذا اثنان فأكثر، وقيل في الآدمي خمسة وأربعون عضوًا (وفي كتاب عمرو بن حزم) الذي تقدم التنويه به، يعني أن رسول الله ﷺ قال: «وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية» أي قطع جميعها فتجب فيه الدية كاملة أما إن استؤصل من أصل القصبة فحكي إجماعًا، قال الوزير: أجمعوا يعني الأئمة الأربعة على أن في الأنف إذا استوعب جدعه الدية، وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز بينهما ثلثها اهـ، أي ثلث ديته إن كان حرًا مسلمًا أو حرة مسلمة فديتها وهكذا على ما يأتي. وتجب الدية في الأنف ولو من أخشم أو مع عوجه، حكاه الوزير وغيره إجماعًا (وفي اللسان الدية) أي إذا قطع جميعه من أصله أو ما يمنع منه الكلام إجماعًا وكذا إن جنى على ما أبطل كلامه ففيه الدية، وإن أبطل بعضه فحصته وفي لسان

стр. 1884

الأخرس حكومة، إذا لم يذهب الذوق بقطعه (وفي الشفتين) إذا أتلفهما (الدية) وهو مذهب جمهور العلماء وحكي إجماعًا وحد الشفتين من تحت المنخرين إلى منتهى الشدقين في عرض الوجه. (وفي الذكر) إذا قطع من أصله (الدية) بلا نزاع سواء كان من صغير أو كبير، وكذا إن قطع نصفه بالطول ففيه الدية كاملة لأنه ذهب بمنفعة الجماع، وصوبه في الإنصاف، وأما ذكر العنين والخصي فمذهب الجمهور أن فيه حكومة. (وفي البيضتين الدية) وفي رواية "وفي الأنثيين الدية" وحكي إجماعًا ومعناهما واحد كما في الصحاح وغيره، وفي كل واحدة نصف الدية، وهو مذهب الجمهور، وفيه «وفي العينين الدية» ولا نزاع في ذلك، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية وفي كل عين نصف الدية، وفي اليد الواحدة نصف الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية وفي الأجفان الأربعة الدية إجماعًا وفي كل جفن ربعها، وفي الأذنين الدية، وفي أشراف الأذنين وهو الجلد القائم بين العذار والبياض الذي حولها الدية اتفاقًا وفي اللحيين الدية، وفي ثديي المرأة الدية، وفي ثندوءتي الرجل الدية، وفي الإليتين الدية، وفي إسكتي المرأة الدية، حكاه ابن رشد قول الجمهور، والوزير إجماعًا وفي أحدها نصف الدية.

стр. 1885

(وفي الصلب الدية) وحكي إجماعًا والصلب بالضم عظم من لدن الكاهل إلى العجب، وقيل إنه المنحدر من الدماغ لما روي عن علي أنه قال: في الصلب الدية إذا منع من الجماع، فيعتبر مع كسر المتن الإفضاء إلى منع الجماع، لا مجرد الكسر مع إمكان الجماع، وكسر الصلب هو الخامس مما في الإنسان منه شيء واحد تجب فيه الدية، لأن في إذهاب أحد الخمسة إذهاب منفعة الجنس وإذهابها كالنفس فوجبت دية النفس. (وفي الجائفة ثلث الدية) وهي الطعنة التي تبلغ الجوف أو تنفذه والجوف البطن من ثغرة النحر إلى المثانة حكاه أهل اللغة، وحكى ابن رشد الإجماع على ذلك، وفي الدامغة ثلث الدية، وهي أبلغ من المأمومة، والمأمومة فيها ثلث الدية، وحكاه الوزير إجماعًا فيهما (وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل) إجماعًا والمنقلة الشجة التي تنقل العظام وتخرجها من أماكنها، ودونها الهاشمة وفيها عشر من الإبل، وهو مذهب جمهور العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد وبعض أصحاب مالك، وروي عن زيد بن ثابت. (وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل) ونحوه من حديث عمرو بن شعيب وغيره، وهذا مذهب جمهور العلماء، ويأتي أنها سواء، وفي كل أنملة ثلث عشر الدية، والإبهام مفصلان، وفيهما عشر الدية، وفي كل مفصل منها

стр. 1886

نصف عشرها، وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية إجماعًا. (وفي السن خمس من الإبل) ونحوه من حديث عمرو بن شعيب وغيره، ولا فرق بين الثنايا والأنياب والأضراس لأنه يصدق على كل منها أنه سن وهذا مذهب جمهور العلماء، وسواء كان سن كبير أو صغير ولم يعد أو عاد أسود أو أبيض ثم أسود بلا علة. (وفي الموضحة خمس من الإبل) وهي التي توضح العظم وتكشفه بلا هشم وتبرزه، وللخمسة من حديث عمرو ابن شعيب نحوه، والمراد موضحة الرأس والوجه دون ما عداهما من البدن، وللبيهقي عن أبي بكر وعمر قالا في الموضحة في الوجه والرأس سواء خمس خمس، وهو مذهب جمهور الصحابة وغيرهم من أهل العلم، وحكاه ابن رشد عن جميع الفقهاء. (صححه أحمد) وغيره وتقدم قريبًا ذكر اشتهاره عند أهل العلم. والحديث دليل على وجوب الدية أو بعضها فيما تقدم، ووجوب الأرش في الموضحة إذا وقعت خطأ أو عفي عن القود فيها وأن أرشها خمس من الإبل، وأن الإبل: أصل الدية كما تقدم، ويلي الموضحة السمحاق بينها وبين العظم قشرة، ثم المتلاحمة الغائصة في اللحم، ودونها الباضعة الشاقة للحم، ودون الباضعة البازلة الدامية، ودون البازلة الحارصة قال

стр. 1887

الوزير وغيره: هذه الخمس ليس فيها تقدير شرعي بإجماع الأئمة الأربعة. إلا ما روي عن أحمد من أنه ذهب إلى حكم زيد في ذلك، وهو أن زيدًا حكم في البازلة ببعير، وفي الباضعة ببعيرين وفي المتلاحمة بثلاثة، وفي السمحاق بأربعة، قال أحمد: فأنا أذهب إليه، وأجمعوا على أن في كل واحدة منها حكومة بعد الإندمال وكذا حكاه ابن رشد قال: وذلك لأن الأصل في الجراح الحكومة إلا ما وقتت فيه السنة حدًا والحكومة أن يقوم المجني عليه قبل الجناية كأنه كان عبدًا ويقال كم قيمته قبل الجناية وكم قيمته بعدها، فيكون بقدر التفاوت من ديته. (وله) أي لأحمد في مسنده وأبي داود في سننه وابن ماجه والبيهقي وغيرهم (عن عمرو بن شعيب) عن أبيه، عن جده (قضى النبي ﷺ فيما إذا جدعت أرنبة الأنف) ولفظ أبي داود ثندوته، وهي الغضروف الذي يجمع المنخرين، وفي القاموس وغيره أن الأرنبة طرف الأنف، وفي النهاية الثندوة ورثة الأنف، وهي طرفه ومقدمه، وفيها (نصف العقل) أي نصف الدية، ولأبي داود والبيهقي "خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب والورق، أو مائة بقرة أو ألف شاة" وإن أوعب جدع الأنف فتقدم أن فيه الدية كاملة، وفي المنخرين ثلثًا الدية، وفي الحاجز ثلثها.

стр. 1888

(وفي العين نصف العقل) ولا خلاف في ذلك، ومذهب الحنفية والشافعية، وإن كانت عين أعور، وقضى عمر وعثمان وعلي وابن عمر فيها بدية كاملة لعماه بذهابها وأنه لا يقتص منه، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، وهو مذهب مالك وأحمد، لأن القصاص يفضي إلى استيفاء جميع البصر من الأعور، وهو إنما أذهب بصر عين واحدة، وإن كان خطأ فنصف الدية، وإن قلع الصحيح عين الأعور، أقيد بشرطه وعليه نصف الدية (و) في (اليد نصف العقل) وفيه: وفي الرجل نصف العقل إذا قطعت من مفصل الساق وفي المأمومة ثلث العقل، وهي الجائفة التي تبلغ أم الرأس وهي الدماغ، أو تبلغ الجلدة الرقيقة عليها، وفي الجائفة مثل ذلك، وهي الطعنة تبلغ الجوف، وفي الأصابع في كل إصبع عشر من الإبل، كما تقدم في حديث عمرو بن حزم. (وعن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: (هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام) في الخنصر عشر والإبهام عشر (رواه البخاري) وأهل السنن وغيرهم، فدل على استوائهما في أرش الجناية عليهما عمدًا إن آل إلى الدية، أو شبه عمد أو خطأ (ودية أصابع اليدين والرجلين سواء) عشر من الإبل لكل أصبع (صححه الترمذي) فدل على استوائها في أرش الجناية. و (لأبي داود) وابن ماجه (عنه مرفوعًا: الأسنان سواء الثنية

стр. 1889

والضرس) فدل أيضًا على استوائها، وفي السنن من حديث عمرو بن شعيب "الأصابع سواء، والأسنان سواء" وهذا ونحوه نص صحيح صريح يرد القول بالتفاضل بين الأصابع والأسنان، ولا خلاف في ذلك عن السلف إلا ما روي عن عمر وروي عنه الرجوع عنه، وفي كل أنملة من أصابع اليدين والرجلين ثلث عشر الدية، لأن في كل إصبع ثلاث مفاصل، والإبهام فيها مفصلان فتقسم دية الإصبع عليهما. (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه، عن جده أنه قال (قضى) النبي ﷺ في العين العوراء السادة لمكانها) أي التي هي باقية لم يذهب إلا نورها (إذا طمست) أي ذهب جرمها (بثلث ديتها) لأنها كانت بعد ذهاب بصرها باقية الجمال، فإذا قلعت أو فقئت ذهب ذلك. (وفي اليد الشلاء) أي التي لا نفع فيها (إذا قطعت بثلث ديتها) لذهاب الجمال بها (وفي السن السوداء إذا نزعت) أي قلعت (بثلث ديتها) لأن نفع السن السوداء باق، وإنما ذهب منها مجرد الجمال، فذهاب الجمال كذهاب النفع (رواه النسائي) ورواه أبو داود ورجال إسناد إلى عمرو ثقات. (ولأحمد) وابن أبي شيبة وغيرهما (أن عمر) ﵁ (قضى في رجل ضرب رجلاً فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات) فدل على أن في كل منفعة من هذه المنافع

стр. 1890

ونحوها الدية، مفردة كانت أو معها غيرها، ولأن كلا منها مختص بنفع أشبه السمع المجمع عليه وروي نحوه مرفوعًا وموقوفًا، وحكي أنه لم ينكره أحد من الصحابة، فكان إجماعًا، وحيث ورد النص بإيجاب الدية في بعض الحواس الخمس الظاهرة، يقاس عليه ما لم يرد فيها. (وقضى) يعني عمر ﵁ (في السمع الدية) ولا نزاع في ذلك وحكى الإجماع عليه غير واحد، ورواه البيهقي عن علي، وفي التلخيص، وفي حديث معاذ في السمع الدية، وقال الوزير: أجمعوا على أن في ذهاب السمع الدية (و) قضى (في المشام الدية) لأنه حاسة يختص بمنفعة فكان في ذهابه الدية ولا خلاف في ذلك، وفي منفعة المشي الدية، وفي منفعة الأكل الدية وفي منفعة النكاح الدية، وفي عدم استمساك البول الدية، وفي عدم استمساك الغائط الدية لأن في كل واحد من هذه الأشياء منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها كالسمع والبصر وفي ذهاب بعض ذلك إذا علم بقدره. ويجب في كل واحد من الشعور الأربعة الدية، شعر الرأس أو اللحية أو الحاجبين أو أهداب العينين، كما روي عن علي وزيد وغيرهما، ولأنه إذهاب جمال على الكمال فإن عاد فنبت سقط موجبه (و) قضى (في الإفضاء بثلث الدية) وهو خرق بين مخرج البول والمني أو ما بين السبيلين وإن لم يستمسك البول فدية كاملة إن كانت ممن لا يوطأ مثلها (و) قضى (في الضلع)

стр. 1891

إذا جبر كما كان (و) قضى في (الترقوة) وهو العظم المستدير حول العنق (جمل جمل) أي في الضلع جمل وفي الترقوة جمل، ولكل إنسان ترقوتان. (و) قضى (في الزند) إذا جبر مستقيمًا (بعيران) ولم يظهر له مخالف من الصحابة فكان إجماعًا رواه البيهقي وسعيد وغيرهما، وكذا في الفخذ والساق بعيران، وإن انجبر غير مستقيم فحكومة، وتقدمت صفتها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وما عذا ذلك من الجراح وكسر العظام فحكومة، قال الموفق: لا نعلم فيه مخالفًا، لأن التقدير إنما يكون بتوقيف أو قياس صحيح، وحيث، وجب بعير أو بعيران فيجوز دفع قدره من غيره من بقية الأصول المتقدم ذكرها على ما تقدم. (وروي عن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) ورواه أحمد والبيهقي موقوفًا وهو المشهور (لا تحمل العاقلة عمدًا) محضًا لا شبهة فيه ولو لم يجب به قصاص كجائفة ومأمومة لأن العامد غير معذور، وقال الزهري: مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاءوا، رواه مالك وحكاه أبو الزناد عن فقهاء المدينة، وقال ابن القيم: بلا نزاع وجاءت الأحاديث بحملها الخطأ ومفهومها عدم حمل العمد، ومفهوم هذا الأثر حملها الخطأ، ومذهب أحمد وغيره أن جناية العمد على

стр. 1892

نفس الجاني لما تقدم مضمونة على عاقلته وأن دية العمد حالة إلا أن يصطلحا على التأجيل. وأجمعوا على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة، والجمهور في ثلاث سنين، وروي مرفوعًا وحكي إجماع الصحابة، وقال الشافعي: لا أعلم خلافًا أنه ﷺ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ونقل الإجماع الترمذي وابن المنذر، والاتفاق الوزير وابن رشد، وتقدم أن عاقلة الإنسان عصباته من النسب والولاء، قريبهم كالإخوة وبعيدهم كابن ابن عم جد الجاني حتى عمودي نسبه، وإن اتسعت أموال الأقربين لم يتجاوزوهم، وإن لم يتسعوا دخل من هو أبعد منهم، وهكذا حتى يدخل فيهم أبعدهم درجة على حسب الميراث، ولا عقل على رقيق، ولا غير مكلف ولا فقير يعجز عنها، وتؤخذ من بيت المال، وقال الشيخ: تؤخذ من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء. و (لا عبدًا) أي قيمة عبد قتله الجاني أو قطع طرفه، قال ابن القيم: لأنه سلعة من السلع ومال من الأموال (ولا صلحًا) أي ولا تحمل صلحًا عن إنكار لأنه إنما يثبت بفعله واختياره فلم تحمله (ولا اعترافًا) أي ولا تحمل اعترافًا لم تصدق به، وكذا لا تحمل إقرارًا، ونحوه عند الدارقطني وغيره عن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة فكان إجماعًا. قال ابن القيم: فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلاً أن يحمل عنه بدل القتيل، وبخلاف

стр. 1893

شبه العمد لأنه قاصد للجناية متعمد لها فهو آثم معتد، ولا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ولا تؤخذ النفس بجريرة غيرها، وبهذا جاء شرع الله وجزاؤه، وقال في الاعتراف: وذلك أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية، ويشتركان فيما تحمله العاقلة، ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسري إقراره ولا صلحه فلا يجوز إقراره في حق العاقلة، لا يقبل قوله فيما يجب عليها من الغرامة. (وقال عمر) ﵁ (لا تحمل) يعني العاقلة (شيئًا) أي مما دون ثلث دية ذكر حر مسلم (حتى يبلغ عقل المأمومة) أي ونحوها مما فيه ثلث الدية فأكثر، لأن ما دونها خفيف لقلته واحتمال الجاني حمله، فلا يجحف به ولأنه موجب جنايته، فكان عليه كسائر الجنايات وإنما خولف في الثلث تخفيفًا عليه، وهذا مذهب أحمد ومالك. (إلا غرة جنين) أي إلا أرش غرة الجنين وهو حمل المرأة ما دام في بطن أمه (مات بعد أمه) بجناية واحدة فتحملها العاقلة. (أو معها بجناية واحدة) أي أو إلا غرة جنين مات مع أمه بجناية واحدة فتحملها العاقلة لأن الجناية واحدة فتبعها ما زيادتها على الثلث كالدية الواحدة لا إن مات قبلها فلا تحملها العاقلة لنقصه عن الثلث ولا تبعية لموته قبلها.

стр. 1894

قال الشيخ: وإسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين ولو عاندت فأسقطت جنينها وجب عليها غرة لورثتها غير أمه. باب القسامة بفتح القاف وتخفيف السين، وهي لغة: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم أقسم إقسامًا وقسامة، وأيضًا عند أهل اللغة اسم للحالفين، وشرعًا أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، ودلت السنة على مشروعيتها وأنها أصل مستقل، وهو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، وقال الوزير: اتفقوا على أن القسامة مشروعة في الوقت إذا وجدوا القتيل ولم يعلم قاتله. (روى مسلم) في صحيحه (أن رسول الله ﷺ أقرَّ القسامة على ما كانت عليه) يعني القسامة (في الجاهلية) قال ابن عباس: أول قسامة كانت فينا بني هاشم رجل منا قتله رجل من قريش فقال أبو طالب: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل أو يحلف خمسون من قومك، وإلا قتلناك به، فحلفوا إلخ، (وقضى) أي رسول الله ﷺ (بها) أي بالقسامة (بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود) وهذا على معين وهو قول الجمهور. فلا قسامة على مبهم، ولا في دعوى قطع طرف أو جرح ونحوهما، وللبيهقي عن أناس من الصحابة أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية

стр. 1895

وقضى بها بين ناس من الأنصار من بني حارثة في قتيل ادعوه على اليهود. (ولهما) أي البخاري ومسلم (عن سهل بن أبي حثمة) بن عامر بن ساعدة الأوسي الأنصاري، وفي رواية عن رجال من كبراء قومه (أن عبد الله بن سهل) بن زيد الأنصاري (ومحيصة بن مسعود) بن زيد بن كعب بن عامر الأوسي (خرجا إلى خيبر) وهو يومئذ صلح بعد فتحها في أصحاب لهما يمتارون تمرًا، وفي رواية هو وابن عم له، فتفرقا في خيبر (فأتى محيصة) بن مسعود بن زيد (إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه) أي يضطرب فيه "قتيلاً فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ هذا أحد ألفاظ الحديث (فأتى) محيصة (يهود فقال: أنتم قتلتموه) يعني عبد الله بن سهل (فقالوا: لا، فأقبل هو وأخوه حويصة) بن مسعود بن زيد (وعبد الرحمن بن سهل إلى رسول الله ﷺ ) وتكلموا في أمر صاحبهم. (فقال): (أتحلفون وتستحقون قاتلكم) أو صاحبكم في لفظ "دم صاحبكم" أمرهم أن يستوجبوا الحق الذي يدعونه على اليهود بأيمانهم، لأن اللوث وخمسين يمينًا بمنزلة الشهادة أو أقوى، وامتازت القسامة بكون الأيمان فيها خمسين تغليظًا لشأن الدم (وفي رواية: تأتون بالبينة) على من قتله (قالوا: ما لنا بينة) ولأبي داود "شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم" والجمع بين
следующие страницы →