← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

إذا جبر كما كان (و) قضى في (الترقوة) وهو العظم المستدير حول العنق (جمل جمل) أي في الضلع جمل وفي الترقوة جمل، ولكل إنسان ترقوتان. (و) قضى (في الزند) إذا جبر مستقيمًا (بعيران) ولم يظهر له مخالف من الصحابة فكان إجماعًا رواه البيهقي وسعيد وغيرهما، وكذا في الفخذ والساق بعيران، وإن انجبر غير مستقيم فحكومة، وتقدمت صفتها، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وما عذا ذلك من الجراح وكسر العظام فحكومة، قال الموفق: لا نعلم فيه مخالفًا، لأن التقدير إنما يكون بتوقيف أو قياس صحيح، وحيث، وجب بعير أو بعيران فيجوز دفع قدره من غيره من بقية الأصول المتقدم ذكرها على ما تقدم. (وروي عن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) ورواه أحمد والبيهقي موقوفًا وهو المشهور (لا تحمل العاقلة عمدًا) محضًا لا شبهة فيه ولو لم يجب به قصاص كجائفة ومأمومة لأن العامد غير معذور، وقال الزهري: مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاءوا، رواه مالك وحكاه أبو الزناد عن فقهاء المدينة، وقال ابن القيم: بلا نزاع وجاءت الأحاديث بحملها الخطأ ومفهومها عدم حمل العمد، ومفهوم هذا الأثر حملها الخطأ، ومذهب أحمد وغيره أن جناية العمد على

стр. 1892

نفس الجاني لما تقدم مضمونة على عاقلته وأن دية العمد حالة إلا أن يصطلحا على التأجيل. وأجمعوا على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة، والجمهور في ثلاث سنين، وروي مرفوعًا وحكي إجماع الصحابة، وقال الشافعي: لا أعلم خلافًا أنه ﷺ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ونقل الإجماع الترمذي وابن المنذر، والاتفاق الوزير وابن رشد، وتقدم أن عاقلة الإنسان عصباته من النسب والولاء، قريبهم كالإخوة وبعيدهم كابن ابن عم جد الجاني حتى عمودي نسبه، وإن اتسعت أموال الأقربين لم يتجاوزوهم، وإن لم يتسعوا دخل من هو أبعد منهم، وهكذا حتى يدخل فيهم أبعدهم درجة على حسب الميراث، ولا عقل على رقيق، ولا غير مكلف ولا فقير يعجز عنها، وتؤخذ من بيت المال، وقال الشيخ: تؤخذ من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء. و (لا عبدًا) أي قيمة عبد قتله الجاني أو قطع طرفه، قال ابن القيم: لأنه سلعة من السلع ومال من الأموال (ولا صلحًا) أي ولا تحمل صلحًا عن إنكار لأنه إنما يثبت بفعله واختياره فلم تحمله (ولا اعترافًا) أي ولا تحمل اعترافًا لم تصدق به، وكذا لا تحمل إقرارًا، ونحوه عند الدارقطني وغيره عن عمر ولا مخالف لهما من الصحابة فكان إجماعًا. قال ابن القيم: فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلاً أن يحمل عنه بدل القتيل، وبخلاف

стр. 1893

شبه العمد لأنه قاصد للجناية متعمد لها فهو آثم معتد، ولا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ولا تؤخذ النفس بجريرة غيرها، وبهذا جاء شرع الله وجزاؤه، وقال في الاعتراف: وذلك أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية، ويشتركان فيما تحمله العاقلة، ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسري إقراره ولا صلحه فلا يجوز إقراره في حق العاقلة، لا يقبل قوله فيما يجب عليها من الغرامة. (وقال عمر) ﵁ (لا تحمل) يعني العاقلة (شيئًا) أي مما دون ثلث دية ذكر حر مسلم (حتى يبلغ عقل المأمومة) أي ونحوها مما فيه ثلث الدية فأكثر، لأن ما دونها خفيف لقلته واحتمال الجاني حمله، فلا يجحف به ولأنه موجب جنايته، فكان عليه كسائر الجنايات وإنما خولف في الثلث تخفيفًا عليه، وهذا مذهب أحمد ومالك. (إلا غرة جنين) أي إلا أرش غرة الجنين وهو حمل المرأة ما دام في بطن أمه (مات بعد أمه) بجناية واحدة فتحملها العاقلة. (أو معها بجناية واحدة) أي أو إلا غرة جنين مات مع أمه بجناية واحدة فتحملها العاقلة لأن الجناية واحدة فتبعها ما زيادتها على الثلث كالدية الواحدة لا إن مات قبلها فلا تحملها العاقلة لنقصه عن الثلث ولا تبعية لموته قبلها.

стр. 1894

قال الشيخ: وإسقاط الحمل حرام بإجماع المسلمين ولو عاندت فأسقطت جنينها وجب عليها غرة لورثتها غير أمه. باب القسامة بفتح القاف وتخفيف السين، وهي لغة: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم أقسم إقسامًا وقسامة، وأيضًا عند أهل اللغة اسم للحالفين، وشرعًا أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، ودلت السنة على مشروعيتها وأنها أصل مستقل، وهو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، وقال الوزير: اتفقوا على أن القسامة مشروعة في الوقت إذا وجدوا القتيل ولم يعلم قاتله. (روى مسلم) في صحيحه (أن رسول الله ﷺ أقرَّ القسامة على ما كانت عليه) يعني القسامة (في الجاهلية) قال ابن عباس: أول قسامة كانت فينا بني هاشم رجل منا قتله رجل من قريش فقال أبو طالب: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل أو يحلف خمسون من قومك، وإلا قتلناك به، فحلفوا إلخ، (وقضى) أي رسول الله ﷺ (بها) أي بالقسامة (بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود) وهذا على معين وهو قول الجمهور. فلا قسامة على مبهم، ولا في دعوى قطع طرف أو جرح ونحوهما، وللبيهقي عن أناس من الصحابة أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم فأقرها رسول الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية

стр. 1895

وقضى بها بين ناس من الأنصار من بني حارثة في قتيل ادعوه على اليهود. (ولهما) أي البخاري ومسلم (عن سهل بن أبي حثمة) بن عامر بن ساعدة الأوسي الأنصاري، وفي رواية عن رجال من كبراء قومه (أن عبد الله بن سهل) بن زيد الأنصاري (ومحيصة بن مسعود) بن زيد بن كعب بن عامر الأوسي (خرجا إلى خيبر) وهو يومئذ صلح بعد فتحها في أصحاب لهما يمتارون تمرًا، وفي رواية هو وابن عم له، فتفرقا في خيبر (فأتى محيصة) بن مسعود بن زيد (إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه) أي يضطرب فيه "قتيلاً فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ هذا أحد ألفاظ الحديث (فأتى) محيصة (يهود فقال: أنتم قتلتموه) يعني عبد الله بن سهل (فقالوا: لا، فأقبل هو وأخوه حويصة) بن مسعود بن زيد (وعبد الرحمن بن سهل إلى رسول الله ﷺ ) وتكلموا في أمر صاحبهم. (فقال): (أتحلفون وتستحقون قاتلكم) أو صاحبكم في لفظ "دم صاحبكم" أمرهم أن يستوجبوا الحق الذي يدعونه على اليهود بأيمانهم، لأن اللوث وخمسين يمينًا بمنزلة الشهادة أو أقوى، وامتازت القسامة بكون الأيمان فيها خمسين تغليظًا لشأن الدم (وفي رواية: تأتون بالبينة) على من قتله (قالوا: ما لنا بينة) ولأبي داود "شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم" والجمع بين

стр. 1896

الروايتين أن هذه الرواية مشتملة على زيادة وهي طلب البينة أولاً ثم اليمين ثانيًا (فقال: أتحلفون) وذلك أن قاعدة الشرع أن تكون اليمين في جانب أقوى المتداعيين (فقالوا: وكيف نحلف) أي على قاتله (ولم نشهد ولم نر) وفي رواية ما شهدنا ولا حضرنا قدمهم لتقوية جانبهم باللوث. (قال: فتبرئكم يهود) وفي رواية قال: فيحلفون يعني اليهود (بخمسين يمينًا) أي يخلصونكم عن الأيمان بأن يحلفوا خمسين يمينًا، لا قتلت ولا شاركت في قتله، ولا كنت سببًا في موته، ولا معينًا على موته، فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شيء (فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار) وفي رواية ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون. (فوداه بمائة من الإبل) وفي رواية فكره أن يبطل دمه، وفي رواية: أن يطل دمه أي يهدر فوداه بمائة من الإبل أي من إبل الصدقة، وفي رواية فعقله أي أعطى ديته، وفي رواية: من عنده، أي من بيت المال المرصد للمصالح (متفق عليه) من وجوه بألفاظ، ورواه أهل السنن وغيرهم، وفي رواية متفق عليها "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته" فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" الحديث، في الصحيحين "إما أن يدوا أو يأذنوا بحرب" وهو لا يعرض إلا ما كان شرعًا. فدلت هذه الأحاديث على مشروعية القسامة، وأنها أصل

стр. 1897

من أصول الشرع مستقل بنفسه، ولا نزاع في ذلك فتخصص به الأدلة العامة، وقال البيهقي: أصح ما روي بعد حديث سهل حديث خارجة بن زيد أنه قتل رجل من الأنصار وهو سكران رجلاً آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية ولم يكن شهادة إلا لطيخ وشبهة، فاجتمع رأي الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلونه، قال فركبنا إلى معاوية فكتب إلى سعيد بن العاص، فقال: أنا منفذ كتاب أمير المؤمنين فأعدوا على بركة الله، فأسلمه بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينًا وفي الناس يومئذ من الصحابة والفقهاء ما لا يحصى، فما اختلف اثنان منهم، وللبيهقي وغيره عن عمر في قتيل وجد بين وادعة وشاكر، فأمرهم أن يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وادعة أقرب وقال: قضيت لكم بقضاء نبيكم ﷺ ونحوه في رجل من جهينة. ودل قوله ﷺ "فيدفع برمته" مع قوله "تستحقون" على وجوب القصاص بالقسامة، وهو قول الجمهور مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه، وأنها تكون على معين، قال الحافظ اتفقوا على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها، وقال أحمد: أذهب إلى القسامة إذا كان ثم لطخ، وإذا كان ثم سبب بين، وإذا كان ثم عداوة وإذا كان مثل المدعي عليه يفعل هذا قال الشيخ: فذكر أربعة أمور اللطخ وهو التكلم في عرضه كالشهادة المردودة

стр. 1898

والسبب البين كالتعرف عن قتيل، والعداوة وكون المطلوب من المعروفين بالقتل، وهذا هو الصواب. فإذا كان ثم لوث يغلب على الظن أنه قتل من اتهم بقتله جاز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقوا دمه، وقال ابن القيم: وهو من أحسن الاستشهاد فإنه اعتماد على ظاهر الإمارات المغلبة على الظن بصدق المدعي فيجوز له أن يحلف بناء على ذلك، ويجوز للحاكم بل يجب عليه أن يثبت حق القصاص. قال: وليس إعطاء بمجرد الدعوى، وإنما هو بالدليل الظاهر الذي يغلب على الظن صدقه، فوق تغليب الشاهدين وهو اللوث والعداوة والقرينة الظاهرة من وجود العدو مقتولاً في بيت عدوه، فقوى الشارع هذا السبب باستحلاف خمسين يمينًا من أولياء المقتول الذين يستحيل اتفاقهم كلهم على رمي البريء بدم ليس منه. وإن نكلوا أو كانوا نساء حلف المدعي عليه خمسين يمينًا وبرئ إن رضي الورثة وإلا فداه الإمام اهـ، وإن نكل المدعي عليه القتل خطأ أو شبه عمد قضي عليه بالنكول، وكذا عمدًا لكن بالدية، وإذا ثبت اللوث فيشترط تكليف مدعى عليه القتل، وإمكان القتل منه، ووصف القتل في الدعوى، وطلب جميع الورثة، واتفاقهم على الدعوى، وعلى عين القاتل، وكون فيهم ذكور مكلفون، وكون الدعوى على واحد معين، ويقاد فيها إذا تمت هذه الشروط وشروط القود لما تقدم.

стр. 1899

كتاب الحدود الحد في اللغة المنع، ومنه يقال للبواب حداد، لأنه يمنع الناس من الدخول، وحدود الله هي ما يمنع الناس من مخالفتها، والحدود في الشرع عقوبة مقدرة لأجل حق الله تعالى أوجبها تعالى على مرتكبي الجرائم التي تتقاضاها الطبائع، وليس عليها وازع طبيعي زواجر للنفوس وعقوبة ونكالاً فهي من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتم سياسة ملك من ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم، قال الشيخ: العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق، وإرادة الإحسان إليهم ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض. (قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ أي هذه الشرائع التي شرع الله هي حدوده فلا تتجاوزها فحدوده، ما منع المجاوزة عنه، وقد توعد من تعدى حدوده بدخول النار

стр. 1900

وأخبر أن من تعدى حدوده فقد ظلم نفسه وفي الصحيح "إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها" ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *﴾. (وقال) تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي أوامره ونواهيه ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي فلا تأتوها ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ *﴾ أي يتقون تلك الحدود فينجون من العذاب، وقال الشيخ: معنى حدود الله أي معصية الله فليست الحدود المقدر فيها حد، بل المحرمات لأن حدود الله محارمه. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: حد يعمل به الأرض) أي يقام على من استوجبه (خير لأهل الأرض من أن يمطروا) أي أنفع من ذلك (أربعين صباحًا) وذلك لئلا تنتهك حقوق الله (رواه أحمد) والنسائي وابن ماجه، وللطبراني نحوه من حديث ابن عباس بلفظ "حد يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر أربعين صباحًا" فدل على الترغيب في إقامة الحدود ووجوب تنفيذها، ولا تجب إقامتها: إلا على بالغ عاقل ملتزم أحكام المسلمين عالم بالتحريم، ولا يقيمها إلا الإمام أو نائبه، ليؤمن الاستيفاء من الحيف، ولا يحد الخليفة ولو لقذف، لأن الحد له وإقامته إليه دون غيره، ولا يمكنه على نفسه، ويقتص ويؤخذ بالمال لأنهما من حقوق العباد، ويستوفي ولي الحق إما بتمكينه أو الاستعانة بمنعة المسلمين.

стр. 1901

وقال الشيخ: الحقوق التي ليست لقوم معينين تسمى حدود الله، وحقوق الله، مثل قطاع الطريق والسراق والزناة ونحوهم، ومثل الحكم في الأموال السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات يجب على الولاة البحث عنها وإقامتها من غير دعوى أحد بها وتقام الشهادة فيها من غير دعوى أحد بها، وإن كانوا اختلفوا في القطع، لكنهم متفقون على أنه لا يحتاج إلى مطالبة المسروق منه بالحد بل اشترط بعضهم المطالبة بالمال، لئلا يكون للسارق شبهة، وهذا القسم تجب إقامته على الشريف والوضيع والقوي والضعيف. (وله) أي لأحمد ﵀ (عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا) أي إلى النبي ﷺ أنه قال (من حالت شفاعته) أي طلبه التجاوز (دون حد من حدود الله) أي دون عقوبات وزواجر (فهو مضاد لله في أمره) ورواه أبو داود والحاكم، وصححه، وابن أبي شيبة موقوفًا، ونحوه للطبراني من حديث أبي هريرة وفيه: "فقد ضاد الله في ملكه" وفي الصحيحين في قصة المخزومية قال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " وفي لفظ "لا أرك تشفع في حد من حدود الله". فدل الحديث على تحريم الشفاعة في الحدود قال الشيخ لا يحل تعطيل حد من حدود الله بشفاعة ولا هدية ولا غيرهم ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك وهو قادر على إقامته

стр. 1902

فعليه لعنة الله، قال: والمال المأخوذة لتعطيل حد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك جمع بين فسادين عظيمين، تعطيل الحد، وأكل السحت وترك الواجب وفعل المحرم، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من السارق والزاني والشارب ونحو ذلك لتعطيل الحد سحت خبيث، وأكثر ما يوجد من إفساد أمور المسلمين هو تعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب في فساد البوادي والقرى والأمصار. وهو سبب سقوط حرمة المتولي وسقوط قدره من القلوب، وانحلال أمره فإنه إذا ارتشى وتبرطل على تعطيل حد ضعفت نفسه أن يقيم حدًا آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين، وإذا كان النبي ﷺ قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ورسوله في أمره» فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده، واعتاض عن المجرمين بسحت مال يأخذه، سواء كان المأخوذ لبيت المال أو للولي سرًا أو علانية، فذلك حرام بإجماع المسلمين اهـ. وينبغي أن يقيد المنع من الشفاعة بما إذا كان بعد الرفع إلى ولي الأمر، لقوله "هلا كان قبل أن تأتيني به" ولخبر «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع» ووجوب إقامتها إذا بلغت السلطان لا نزاع فيه. (وفي الصحيحين) أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث لمكة: "إن مكة حرمها الله" الحديث

стр. 1903

فقال عمرو أنا أعلم منك بذلك. (إن الحرم لا يعيذ عاصيًا) فيخلي سبيله ومعصيته، بل يردع أو يعزر بما يستوجبه (ولا فارًا بدم) وجب عليه حد القتل فهرب على مكة مستجيرًا بالحرم (ولا خربة) أصلها سرقة الإبل ثم استعملت في كل سرقة، وقال الخليل: الخربة الفساد، وقال السهيلي: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حد واجب، واستدل بعضهم بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة، ونقل ابن الجوزي وغيره الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف عمن قتل في الحل ثم لجأ إلى الحرم. وعن مالك والشافعي يجوز إقامة الحد مطلقًا فيها لأن العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن، فأما من أوقع فيها فلو لم يقم الحد عليه لعم الفساد وعظم الشر في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، وأما من أوقع في الحل ولجأ إلى الحرم فالأولى أن لا يقام عليه فيه، لأنه لم يزل يعيذ العصاة من لدن الخليل، وقام الإسلام على ذلك، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وفي الحديث "إن الله حرم مكة" فاللاجئ إليه لا يتعرض له ما دام فيه، وذكر عن عمر وابن عباس أن أحدهما لو لقي فيه قاتل أبيه ما هيجه، وأنه قول جمهور التابعين.

стр. 1904

باب حد الزنا الزنا هو فعل الفاحشة، قال ابن رشد هو كل وطء وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، وهو من أكبر الكبائر وأعظم المعاصي، لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التناصر على إحياء الدين، وفيه هلاك الحرث والنسل، ولذلك زجر عنه بالقتل والجلد ليرتدع عن مثل فعله من يهم به فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة والإجماع. (قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ بالعزم والإتيان بالمقدمات فضلاً عن أن تباشروه ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ فعلة ظاهرة القبح ومعصية مجاوزة حد الشرع والعقل ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وبئس طريقا طريقه، لاشتماله على أنواع من الفساد منها المعصية وإيجاب الحد، واختلاط الأنساب وضياع الأولاد، وانقطاع النسل، بل وخراب العالم، ,خص الزنا بالنهي وإن كان اللواط أقبح منه لأنه كان ساريًا في العرب، بخلاف اللواط فقد كان في قوم لوط وتنوسي ثم ظهر في هذه الأمة بعد قرن الصحابة والتابعين، وفي الخبر " ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له". (وقال: الزانية والزاني) قيل رفعهما على الابتداء والخبر محذوف، أي جلدوهما فيما فرض عليكم، أو خبره قوله ﴿فَاجْلِدُوا

стр. 1905

كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الجلد ضرب الجلد لغير المحصن، وهذا مطلق محمول على بعض هو: حر بالغ عاقل ما جامع في نكاح شرعي، فإن حكم من جامع فيه الرجم، للأحاديث الصحاح، ولآية الرجم المنسوخ لفظها دون معناها. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ في طاعته وإقامة حده ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن الإيمان يقتضي الصلابة في الدين والاجتهاد في إقامة أحكامه، لا التسامح في ذلك قال ﷺ «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» (وليشهد عذابهما طائفة) فرقة (من المؤمنين) أي يجلد بحضرة طائفة من المؤمنين، وأقلها أربعة أو ثلاثة للشهرة والتخجيل، وقيل أو اثنان أو واحد، فإن الفاسق بين المؤمنين الصالحين أخجل وقد ينكل التفضيح أكثر مما ينكل التعذيب. (وقال فعليهن) أي على المماليك من العذاب، وسياق الآية في الفتيات ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي زنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾ أي من العذاب الذي يمكن تبعيضه وهو الجلد لا الرجم ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي الحرائر الأبكار، إذا زنين ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعني الجلد فيجلد الرقيق إذا زنا خمسين جلدة، ولا نزاع بين العلماء أنه لا رجم على مملوك ومفهوم الآية أن غير المحصنة لا حد عليها، وقال الجمهور لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم

стр. 1906

وقد وردت أحاديث عامة فيها إقامة الحد على الإماء، فقدموها على المفهوم، كما في صحيح مسلم أن عليًا قال: أقيموا الحدود على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن "فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها". وفي حديث زيد بن خالد أنه ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: إن زنت فاجلدوها وغير ذلك من الأحاديث وليس فيها تفريق بين المحصنة وغيرها، بل فيها النص على التي لم تحصن، وخطب علي ﵁ فقال: أقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن العبد والأمة لا يكمل حدهما إذا زنيا، وأن حد كل واحد منهما إذا زنا خمسون جلدة، وأنه لا يفرق بين الذكر والأنثى، وأنهما لا يرجمان وأنه لا يعتبر في وجوب الجلد عليهما أن يكونا تزوجا، بل يجلدان سواء كانا تزوجا أو لم يتزوجا. (وخطب عمر) ﵁ على المنبر لما رجع من الحج وقدم المدنية (فقال: إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق) كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ (وأنزل عليه الكتاب) يعني القرآن (فكان فيما أنزل عليه آية الرجم) وهي الآية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) (قرأناها) يعني قوله الشيخ والشيخة إلى آخرها (ووعيناها) أي حفظناها (وعقلناها) فهمناها وتدبرناها (فرجم رسول الله ﷺ ) وأمر به وسيأتي (ورجمنا بعده) أي رجم

стр. 1907

عمر ﵁ واستمر عمل المسلمين عليه (فأخشى إن طال بالناس زمان) وقد وقع ما خشية من الخوارج وبعض المعتزلة وغيرهم، أنكروا مشروعية الرجم. وهذا من المواضع التي وافق حدس عمر ﵁ فيها الصواب، وقد قال فيه ﷺ إن كان في أمتي محدثون فعمر، ولذا خشي ﵁ (أن يقول قائل) أي جاهل أو مبتدع (والله ما نجد الرجم في كتاب الله) وفي رواية عبد الرزاق سيجيء قوم يكذبون بالرجم، وللنسائي، وإن ناسًا يقولون ما بال الرجم، فإن في كتاب الله الجلد (فيضلون بترك فريضة) من فرائض الله (أنزلها الله) على رسوله ﷺ (وإن الرجم حق في كتاب الله) ثابت الحكم منسوخ اللفظ (على من زنى إذا أحصن) أي تزوج ووطئ مباحًا، وكان بالغًا عاقلاً (ومن الرجال والنساء) بشرطه وهو قول أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار إلا الخوارج. وذلك (إذا قامت البينة) أي شهادة أربعة شهود ذكور بالإجماع عدول، ليس فيهم مانع، يصفون وقال تعالى ﴿لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وقال ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا لم يكن شهود الزنا أربعة فإنهم قذفة يحدون، وإذا شهد اثنان أنه زنى بها وهي مطاوعته، وآخران أنه زنى بها وهي مكرهة، فلا حد على واحد منهم، وإن

стр. 1908

كان أحدهم الزوج فقال الشافعي وأحمد: عليهم الحد إلا الزوج له إسقاطه باللعان، واتفقوا على أنها تسمع في الحال. (أو كان الحبل) بفتحتين وفي رواية الحمل: واستدل به على أن المرأة تحد إذا وجدت حاملاً ولا زوج لها ولا سيد، ولم تذكر شبهة، واختاره الشيخ، وقال هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة، فإن الاحتمالات الباردة لا يلتفت إليها، وقال ابن القيم: حكم عمر برجم الحامل بلا زوج ولا سيد، وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد، اعتمادًا على القرينة الظاهرة. (أو الاعتراف) أربع مرات في مجلس أو مجالس كما سيأتي، فيشترط لوجوب الحد ثلاثة شروط أحدها ثبوته بأربعة شهود أو بإقراره كما سيأتي، وتغييب حشفة أصلية في قبل أو دبر أصليين وانتفاء الشبهة فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك أو لولده أو وطء امرأة ظنها زوجته أو سريته، أو في نكاح باطل اعتقد صحته أو نكاح أو ملك مختلف فيه أو أكرهت المرأة على الزنا، فإنه لا خلاف بين أهل الإسلام أن المكرهة لا حد عليها، وهي من غلبها الواطئ على نفسها. (قال) عمر ﵁ (وقرأناها) ثم نسخ لفظها وبقي حكمها (و) هي (الشيخ والشيخة) قال مالك: يعني الثيب والثيبة وإن كانا شابين، لا حقيقة الشيخ، وهو من طعن في

стр. 1909

السن فإن الرجم لا يختص بالشيخ والشيخة، وإنما المدار على الإحصان لقوله ﷺ لماعز «أحصنت» قال: نعم ولأهل ما عز «أبكر أم ثيب» فقالوا: بل ثيب «إذا زنيا» فعلا الفاحشة «فارجموهما» أي ارموهما بالحجارة «ألبتة» بهمزة قطع أي جزما «نكالا من الله» عقوبة من الله وردعًا عن فعل الفاحشة «والله عزيز» لا يغالب «حكيم» في أمره ونهيه (متفق عليه). ولأحمد وغيره من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء أن فيما أنزل الله من القرآن "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة" ولابن حبان من حديث أبي بن كعب كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، وكان فيها آية الرجم "الشيخ والشيخة" إلى آخره. فالرجم ثابت بنص القرآن، لهذا الحديث وللسنة المتواترة المجمع عليها، وأجمع عليه أهل العلم إلا ما حكي عن الخوارج وبعض المعتزلة، ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن، وما ذهبوا إليه باطل لما ترى، فالمحصن إذا زنا رجم حتى يموت، لقول النبي ﷺ وفعله، والمحصن هو من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط منها في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما، قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن من شرائط الإحصان الحرية والبلوغ، والعقل، وأن يكون تزوج امرأة على مثل حاله، تزويجًا صحيحًا، ودخل بها وهو على هذه الصفات الخمس مجمع عليها.

стр. 1910

وأجمعوا على أن من كملت فيه شرائط الإحصان وزنا بامرأة مثله في شرائط الإحصان، وهي أن تكون حرة بالغة عاقلة متزوجة تزويجًا صحيحًا، مدخولاً بها في التزويج الصحيح بالإجماع، فإنهما زانيان محصنان عليهما الرجم حتى يموتا اهـ. وقال الشيخ في الذمي إذا زنا بالمسلمة قتل، ولا يصرف عنه القتل الإسلام، ولا يعتبر فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضته واشتهاره اهـ، وخص الثيب بالرجم لكونه تزوج، فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا، فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى الحرام. (ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رجلاً) من الأعراب (قال يا رسول الله إن ابني) قيل ابن الأعرابي كما في رواية للبخاري، وقيل الذي وصفه الراوي بأنه أفقه كما سيأتي، ورجحه الحافظ (كان عسيفًا) أي أجيرًا والعسف في اللغة الجور، وسمي الأجير بذلك لأن المستأجر يعسفه على العمل أي يجور عليه (على هذا) أي عنده، أو على بمعنى اللام (فزنى بامرأته) لم يعرف اسمها (وإني أخبرت) وفي رواية فسألت من لا يعلم فأخبرني (أن على ابني الرجم) أي بالحجارة (فافتديت منه) أي بدل الرجم (بمائة شاة ووليدة) وفي رواية وبجارية لي (فسألت أهل العلم) قال الحافظ لم أقف على أسمائهم (فأخبروني أنما على ابني جلد مائة)

стр. 1911

بالإضافة لأنه بكر (وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم) لأنه محصنة. (فقال رسول الله ﷺ لأقضين بينكما بكتاب الله) وذلك أن الأعرابي قال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لنا بكتاب الله؛ وقال: الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال: «قل» قال: إن ابني إلى آخره، والمراد بكتاب الله ما حكم الله به على عباده، سواء كان من القرآن، أو على لسان الرسول ﷺ «الوليدة والغنم رد عليك» أي مردودة عليك «وعلى ابنك جلد مائة» حكمه بالجلد من دون سؤال عن الإحصان يشعر أنه عالم بذلك من قبل، وفي رواية وابني لم يحصن، ثم قال: (وتغريب عام) عن وطنه، وقد ورد التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث، من طريق جماعة من الصحابة، وقد جاوزت حد الشهرة المعتبرة، وحكى ابن نصر الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين. وقال ابن المنذر: أقسم النبي ﷺ أنه يقضي بكتاب الله ثم قال: إن عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبين لكتاب الله، وخطب عمر بذلك على رءوس المنابر، وعمل به الخلفاء الراشدون، فلم ينكره أحد فكان إجماعًا وقال ابن القيم: لما رجم النبي ﷺ المحصن علم أن قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ للبكرين، وقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن

стр. 1912

البكرين الحرين إذا زنيا فإنهما يجلدان كل واحد منهما مائة جلدة، وحكى ابن رشد إجماع المسلمين، وخفف عنه القتل لما حصل له من العذر ما أوجب له التخفيف، فحقن دمه، وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد، ردعًا عن المعاودة بالاستمتاع بالحرام اهـ. وأما تغريبه فهو إخراجه عن محل إقامته، بحيث يعد غريبًا، وظاهر الأحاديث أنه سنة، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد، وغرب عمر من المدينة إلى الشام وغرب عثمان إلى مصر وغرب ابن عمر أمته إلى فدك، (واغد) أي اذهب (يا أنيس) قال ابن عبد البر: هو ابن الضحاك الأسلمي، ووقع في رواية التصريح به، (إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) أي فإن اعترفت بالزنى فارجمها، وفيه جواز قبول الواحد فيما طريقه الخبر، وبعثه إليها لم يكن لإثبات الحد عليها، بل لأنها لما قذفت بالزنا بعث إليها لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنا فيسقط حد القذف ويجب الرجم (فاعترفت فرجمها) وفي رواية فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت قال الحافظ والذي يظهر أن أنيسًا لما اعترفت أعلم النبي ﷺ مبالغة في الاستثبات مع كونه علق له رجمها على اعترافها. ودل الحديث على جلد البكر مائة، وهو إجماع وتغريبه عند الجمهور، وعلى أن المحصن يرجم، وأنه لا يجب الجمع بين الجلد والرجم، وهو مذهب جمهور العلماء، لهذا الخبر وغيره

стр. 1913

كقصة ماعز وهي متأخرة، ولم يرو أنه جلد أحدًا ممن رجم، ولأن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، ولأن الحد إنما وضع للزجر، فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم، وقال ابن رشد: أجمع المسلمين أن الثيب الأحرار المحصنين، حدهم الرجم لثبوت أحاديث الرجم، فخصصوا الكتاب بالسنة. (وفيهما عنه) أي عن أبي هريرة ﵁ (قال أتى رسول الله ﷺ رجل) هو ماعز بن مالك الأسلمي، وفي رواية وهو في المسجد فناداه، (فقال إني زنيت فأعرض عنه) ﷺ (فتنحى) ماعز الأسلمي (تلقاء وجهه) الذي أعرض عنه قبله (فقال: إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات) وفي رواية حتى إذا أكثر عليه (فلما شهد على نفسه أربع شهادات) أي أنه زنى، وفي لفظ قال: إني زنيت فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، ولمسلم من حديث جابر فشهد على نفسه أربع مرات، وله عن ابن عباس نحوه، ورواه جماعة من الصحابة من طرق وتطابقت الروايات أنه أقر أربع مرات. (قال أبك جنون؟) ولمالك بعث إلى أهله فقال: «أيشتكي أم به جنون؟» فقالوا: يا رسول الله والله إنه لصحيح، أي في العقل والبدن، وفي لفظ «أبه جنون؟» قالوا: لا، وفي لفظ: دعاه النبي ﷺ فقال: «أبك جنون؟» قال: لا، «فهل أحصنت؟» بفتح الهمزة والصاد أي تزوجت (قال: نعم) ولمالك قال أي لهم: أبكر أم ثيب فقالوا بل ثيب (قال: اذهبوا به فارجموه) فدل

стр. 1914

الحديث على وجوب رجم الثيب إذا أقر أربع مرات قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلي، فلما أذلقته، الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه، وذكر ابن سعد أن الصديق رأس الذين رجموه. وإن رجع عن إقراره أو هرب كف عنه قال الوزير وغيره: اتفقوا على أنه إذا أقر بالزنى ثم رجع عنه فإنه يسقط الحد عنه، ويقبل رجوعه إلا مالكًا إن كان بشبهة قبل، قال ابن رشد: وإنما صار الجمهور إلى تأثير الرجوع في الإقرار، لما ثبت من تقريره ﷺ ماعزًا وغيره مرة بعد مرة لعله يرجع، ولقوله لما هرب فهلا تركتموه، لعله يتوب فيتوب الله عليه. (وللبخاري عن ابن عباس) ﵄ يعني أن النبي ﷺ قال لماعز: «لعلك قبلت» أي تلك المرأة فظننته زنى (أو غمزت) أي جسيتها باليد (أو نظرت) أي إليها فحملته على الزنى (قال: لا) أي بل فعل الفاحشة، والمراد لعلك وقع منك هذه المقدمات فتجوزت بإطلاق لفظ الزنا عليها؛ فدل على وجوب التثبت والتلقين المسقط للحد، وأنه لا بد من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل سواه. وفي رواية «أفنكتها» لا يكني، قال: نعم، ولأبي داود "كما يدخل الميل في المكحلة والرشاء في البئر" قال: نعم قال: «فهل تدري ما الزنى» قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من

стр. 1915

امرأته حلالاً قال: «فما تريد بهذا القول؟» قال: أريد أن تطهرني فأمر برجمه. وفيه دليل على وجوب الاستفصال والبحث عن حقيقة الحال، فقد بالغ ﷺ في الاستثبات، ولم يكتف بإقراره بالزنى، بل استفهم بلفظ لا أصرح منه في المطلوب، ثم صوره تصويرًا حسيًا ولا شك أن تصوير الشيء بأمر محسوس أبلغ في الاستفصال. (وعن عمران بن حصين) ﵁ (أن امرأة من جهينة) ولمسلم من غامد وغامد بطن من جهينة (أتت النبي ﷺ وهي حبلى) ولمسلم حامل ويقال حبلت المرأة فهي حابل حملت (من الزنى فقالت: أصبت حدًا) أي ذنبًا أوجب علي حدًا أي عقوبة (فأقمه علي) أي فأقم علي الحد، وفي حديث بريدة طهرني فقال: «ويحكِ ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، فقال: «وما ذاك؟» قالت إنها حبلى من الزنى، قال: أنت؟ قالت نعم، قال «حتى تضعي ما في بطنك» (فدعا وليها) أي دعا ﷺ متولي أمر المرأة (فقال: أحسن إليها) لأن سائر قراباتها ربما حملتهم الغيرة وحمية الجاهلية على أن يفعلوا بها ما يؤذيها، فأمره بالإحسان إليها تحذيرًا من ذلك. (فإذا وضعت) أي ولدت (فائتني بها ففعل) ولمسلم فلما

стр. 1916

وضعت جاءته كما يأت (فأمر بها) ولمسلم فحفر لها إلى صدرها (فشدت عليها ثيابها) وفي رواية شكت عليها ثيابها، ومعناهما واحد، والمراد أن لا تتكشف عند وقوع الرجم عليها، لما جرت به العادة من الاضطراب عند نزول الموت، وعدم المبالاة بما يبدو من الإنسان، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة ترجم قاعدة والرجل قائمًا، لما في ظهور العورة من الشناعة. وحكى النووي الاتفاق على أنها ترجم قاعدة، ولا شك أنه أقرب إلى الستر ولمسلم وغيره: فلما وضعت جاءته فقال: «اذهبي حتى ترضعيه» وفيه: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه» والروايتان كما قال النووي صحيحتان، والثانية صريحة في أنه أمرها أن ترضعه، وفيها أنه قال: «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه» ثم قالت: قد فطمته وقد أكل الطعام. (ثم أمر بها فرجمت) أي بالحجارة جالسة بعد أن شدت عليها ثيابها لئلا تنكشف (ثم صلي عليها) بفتح الصاد واللام وروي بضم الصاد، وأكثر رواة مسلم بفتحها (فقال عمر تصلي عليها وقد زنت) أي أصابت الفاحشة (فقال: لقد تابت توبة لو قسمت) أي توبتها (بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم) لعظمها وفي حديث بريدة لو تابها صاحب مكس أي متولي الضرائب التي تؤخذ من الناس لغفر له (وهل وجدت) أي توبة أو عملاً (أفضل من أن جادت بنفسها) سمحت بها فدفعتها (لله وبذلتها له، والجود ليس فوقه شيء

стр. 1917

(رواه مسلم) ورواه من حديث بريدة بنحوه، وجاء من طرق عن جماعة من الصحابة، ولمسلم عن علي أمره أن يجلد أمة زنت، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فقال: «اتركها حتى تماثل» أي تقارب البرء. فدلت الأحاديث على إمهال الحامل من الزنى إلى أن تضع وترضع ولدها، وفي هذه الأحاديث ونحوها دليل على أن المريض يمهل حتى يبرأ أو يقارب البرء، وحكي الإجماع على أنه يمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد والمرض المرجو زواله، بخلاف الرجم لأنه لقصد إتلافه. (ولهما عن ابن عمر) ﵄ (أن اليهود) ومنهم كعب بن الأشرف وكعب بن الأسعد وسعيد بن عمرو (أتوا النبي ﷺ برجل وامرأة) منهم (قد زنيا) ولأبي داود وغيره قد أحصنا (فقال: ما تجدون في كتابكم؟) وفي لفظ «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» أي في حكمه إلزامًا لهم بما يعتقدونه (فقالوا: نحمم وجوهما) وفي لفظ: تسخم وجوههما أي تسود (ويخزيان) أي يفضحان ويشهران، وفي لفظ: نفضحهم ويجلدون (قال: كذبتم إن فيها الرجم) أي على الزاني المحصن، قال النبي ﷺ «فائتوا بالتوراة» ليظهر كذبهم ﴿فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وفي حديث البراء عند مسلم: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولكن كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه

стр. 1918

وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد، مقام الرجم، فقال ﷺ : «اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» (فجاءوا بالتوراة) فنشروها (وجاءوا بقارئ لهم) ممن يرضونه وقال: اقرأ (فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها) فيه آية الرجم (وضع يده عليه) ثم قرأ ما قبلها وما بعدها (فقيل له ارفع يدك) قاله عبد الله بن سلام (فرفع يده) عن تلك الآية. (فإذا هي تلوح) ولفظها المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما (فقالوا يا محمد) أو قال: يا محمد صدق (إن فيها الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا) وفي رواية فما منعكم أن ترجموهما قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، وفي رواية كثر في أشرافنا فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم (فأمر بهما فرجما) عند البلاط مكان بين السوق والمسجد النبوي. فدل الحديث وما في معناه، على أن الذمي يحد كما يحد المسلم، والحربي والمستأمن يلحقان بالذمي بجامع الكفر، ونزلت ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ على قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ *﴾ وهذا حكم شرعه الله لأهل الكتاب، وقرره رسول الله ﷺ ، لا سيما وهو مأمور أن يحكم بينهم بما أنزل الله ورجم اليهودية مع اليهودي. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إذا زنت أمة أحدكم) لم تقيد ببكارة ولا إحصان (فليجلدها

стр. 1919

الحد) وهو نصف ما على المحصنة (ولا يثرب عليها) أي ولا يوبخها بعد الضرب، فدل على جلد البكر، والآية دلت على جلد المحصنة، إذ الرجم لا يتنصف فتجلد ولو متزوجة عملاً بالكتاب والسنة وإجماع الأمة (ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) وللنسائي ولا يعنفها أي لا يضم إلى الحد التعنيف واللوم (ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) وفي رواية "فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير" مبالغة في التنفير عنها، والحض على مباعدة الزانية (متفق عليه) ولأحمد وأبي داود أنه ذكر في الرابعة الحد والبيع، ورجح الحافظ أنه يجلدها قبل البيع. وظاهر الأمر بالبيع الوجوب، والجمهور على الاستحباب وقال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرر منه الزنى، لئلا يظن بالسيد الرضى بذلك ولما فيه من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنى، قال: وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له، ودل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه، وهو مذهب الجمهور، وأنه يجلد سواء كان محصنًا أو لا. (ولأبي داود عن علي) ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» بالسبي أو الشراء أو غيره، وأصله في صحيح مسلم وغيره.

стр. 1920

فدل مع ما قبله على أن السيد يقيم على مملوكه الحد، ولا تقف إقامته على ولي الأمر، ولأنه يملك تأديبه وضربه على الذنب، وهذا من جنسه، ولو كان مكاتبًا أو مرهونًا أو مستأجرًا للعموم ولتمام ملكه عليه دون المشترك. (وأمر عمر) ﵁ (بجلد ولائد) جمع وليدة والوليدة الأمة وإن كانت كبيرة والوليد الرقيق (خمسين خمسين) أي كل وليد أو وليدة خمسين جلدة (رواه مالك) وللبيهقي عن ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت، قال الشافعي: وكان ابن مسعود يأمر به، وأبو برزة يحد وليدته، ولأحمد عن علي مرفوعًا إذا تعالت من نفاسها فاجلدوها خمسين، وروي عن فاطمة ﵂ أنها كانت تجلد وليدتها إذا زنت خمسين؛ وتقدم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد. قال الشيخ: إذا زنى الرقيق علانية وجب على السيد إقامة الحد عليه، وإن كان سرًا فينبغي أن لا يجب عليه إقامته، بل يخير بين ستره واستتابته، بحسب المصلحة في ذلك، كما يخير الشهود على من وجب عليه الحد بين إقامتها عند الإمام، وبين الستر عليه واستتابته بحسب المصلحة، فإنه يرجح أن يتوب إن ستره وإن كان في إقامة الحد عليه ضرر على الناس كان الراجح فعله.

стр. 1921

(وله) أي لمالك في الموطأ (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم ورواه عبد الرزاق (أن رجلاً اعترف) على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ (فدعا رسول الله ﷺ بسوط) ليجلد به لأنه غير محصن (فأتي بسوط مكسور فقال (فوق هذا) لخفة إيلامه (فأتى بسوط جديد) لم يمتهن ولم يلن (لم تقطع ثمرته) أي طرفه (فقال بين هذين) أي سوط متوسط بين المكسور والجديد (فأتى بسوط قدلان) ولم ينكسر (وركب به) الراكب على الدابة وضربها به حتى لان (فأمر به فجلد به) أي جلد الرجل المعترف على نفسه بالزنا. فدل الحديث على أنه ينبغي أن يكون السوط الذي يجلد به الزاني متوسطًا بين الجديد والعتيق، وإذا كان بعود فينبغي أن يكون متوسطًا بين الكبير والصغير، فلا يكون من الخشب التي تكسر العظم وتجرح اللحم، ولا من الأعواد الرقيقة التي لا تؤثر في الألم، بل يكون متوسطًا، ويفرق الضرب على بدنه ليأخذ كل عضو منه حظه، ولأن توالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى القتل، ويتقي الرأس والوجه والمقاتل، ولا يمد ولا يربط ولا يجرد بل يكون عليه قميص أو قميصان، وروي عن علي أنه قال: يضرب الرجل قائمًا والمرأة جالسة. (وعن سعيد) بن سعد (بن عبادة) الأنصاري الخزرجي قال ابن عبد البر: صحبته صحيحة (قال: كان بين أبياتنا

стр. 1922

رويجل) تصغير رجل للتحقير (ضعيف) يعني سقيم ناقص الخلق، فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم، قال سعد (فخبث) أي زنى (بأمة من إمائهم فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ) أي ذكره له سعد بن عبادة ﵁ (فقال) رسول الله ﷺ «اضربوه حده» أي اجلدوه مائة جلدة. (فقال: يا رسول الله إنه أضعف من ذلك) وفي لفظ أضعف مما تحسب، لو ضربناه مائة قتلناه (قال: خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ) وهو العذق الذي يكون فيه البسر والمشراخ غصن دقيق منه (ثم اضربوه به) أي بالعثكال (ضربة واحدة) لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (ففعلوا) أي جلدوه بالعثكال، رواه أحمد وابن ماجه و (حسنه الحافظ) ولأبي داود معناه عن بعض الصحابة، وفيه: ولو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، وله شواهد يشد بعضها بعضًا. فدل على أن نضو الخلقة والمريض إذا لم يحتمل الجلد ضرب بعذق فيه مائة شمراخ أو ما يشبه، مما يحتمله بدن المجلود، وينبغي أن تباشره جميع الشماريخ، ويكفي الاعتماد، وهذا من الحيل الجائزة شرعًا، وقال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾.

стр. 1923

فصل في اللواط أي هذا فصل في بيان حكم الحد في اللواط، يقال لاط الرجل يلوط لوطًا عمل عمل قوم لوط، وكذا اللوطية، فلما أحدثوا هذا الفعل القبيح اشتق الناس من اسمه فعلاً لمن فعل فعل قومه، ولاط الشيء أخفاه، ولاط الشيء بالقلب أخفى إليه. (قال تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾) أي وأرسلنا لوطًا أو: اذكر يا محمد لقومك لوطًا، وهو لوط بن هارون بن تارخ يعني آزر، فهو ابن أخي الخليل ﵉، وكان قد آمن مع إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، فنزل إبراهيم فلسطين، ونزل لوط الأردن، فبعثه الله إلى أهل سدوم وعامورا المؤتفكة، وما حولها، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من الفواحش ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سدوم ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني إتيان الذكور، توبيخ وتقريع على تلك الفعلة القبيحة. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإناث، وهذا شيء لم تكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر لهم ببال، حتى صنع ذاك أهل سدوم عليهم لعائن الله المتتابعة، قال غير واحد من السلف: ما نزا ذكر على ذكر قبل قوم لوط، وقال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا، ولهذا قال لوط ﵇ ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ

стр. 1924

مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ أي في أدبارهم ﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي عدلتم عن النساء وما خلق لكم ربكم منهن، وهذا إسراف منكم وجهل وفي الآية الأخرى ﴿أتأتون الرجال﴾ وفي الآية الأخرى ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مجاوزون الحلال إلى الحرام، اضرب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها (وقال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ يعني سدوم، فقلبناها عليهم، قيل إن جبرائيل أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي المؤتفكات قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ أي المنقلبة (أهوى) أي أهواها جبرائيل بهم بعدما رفعها إلى السماء فقلبها عليهم، ثم قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال الوزير وابن رجب وغيرهما الصحيح قتله محصنًا كان أو غير محصن لهذه الآية ووصفها في أخرى فقال: ﴿مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ *﴾ وفي الآية الأخرى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أي حجارة من سجيل ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي من يجترئ على معاصي الله ويكذب رسله، وفي الآية الأخرى ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ يريد السجيل فإنه طين متحجر ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي المعتبرين بآثار هذه النقمة الظاهرة على تلك البلاد ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ثابت يسلكه الناس ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسله.

стр. 1925

(وعن ابن عباس مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «من وجدتموه» ظاهره مسلمًأ كان أو ذميًا (يعمل عمل قوم لوط) أي يأتي الرجال في أدبارها كما فعله قوم لوط (فاقتلوا الفاعل والمفعول به، رواه الخمسة) والحاكم والبيهقي وقال: رجاله موثقون، ولابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة نحوه وفيه أحصنا أو لم يحصنا وفيه ضعف، لكن قال ابن القطان ثبت أنه ﷺ قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به» واتفقوا على أن البينة لا تثبت عليه إلا بأربعة شهود كالزنى، إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه يثبت بشاهدين وعن أحمد نحوه. (ولأبي داود) وابن ماجه وغيرهما (فارجموا الأعلى والأسفل) وفيه ضعف (وقال علي: حده الرجم) وأخرج البيهقي عن علي أنه رجم لوطيًا قال الشافعي: وبهذا نأخذ: يرجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن، وللبيهقي أيضًا عن علي وكان أبو بكر جمع الناس في رجل كان ينكح كما تنكح النساء، فسأل الصحابة فقال علي: هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع الصحابة على أن يحرقه بالنار، وفي رواية: يرجم ويحرق، وعن ابن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به، ثم يتبع الحجارة، وكذا عن عمر وعثمان أنه يلقى عليه حائط، لأن الله قلب على قوم لوط بلادهم. فدلت الأحاديث والآثار على قتل اللوطي محصنًا كان أو

стр. 1926

غير محصن، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وحكي في الشفاء إجماع الصحابة على القتل، ومذهب مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد في أصح الروايتين عنه حده القتل بكل حال بل أطبق الصحابة على قتله، فحق مرتكب هذه الجريمة العظيمة أن يعاقب بما عاقب الله به من سبق، بكرًا كان أو ثيبًا، وقال الشيخ: الصحيح الذي عليه الصحابة أنه يقتل الأعلى والأسفل إن كان محصنين أو غير محصنين، فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به وعن ابن عباس يرجم، وعن علي نحوه. ولم يختلف الصحابة في قتله وأمر أبو بكر وغيره بتحريقه، وغيره بقتله، وعن بعضهم يلقى، وبعضهم يرفع على أعلى جدار في القرية فيرمى منه، ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط، وهو رواية عن ابن عباس، والثانية يرجم، وعليه أكثر السلف، قالوا لأن الله رجم قوم لوط، ورجم الزاني مشبهًا برجم قوم لوط، وقال أيضًا: ويجب قتل الفاعل والمفعول به رجمًا بالحجارة، سواء كان محصنين أو غير محصنين، فيرجم الاثنان سواء كانا حرين أو مملوكين أو كان أحدهما مملوكًا والآخر حرًا، إذا كان بالغين، وإن كان أحدهما بالغًا والآخر غير بالغ عوقب بما دون القتل ولا يرجم إلا البالغ. (وعنه) أي عن ابن عباس ﵄ (مرفوعًا: ادرءوا الحدود بالشبهات) أي ادفعوا إيجاب إقامة الحدود بالشبهات:

стр. 1927

الإلباس، يقال: تشابهت الأمور واشتبهت التبست، لاشتباه بعضها ببعض، فلا تحدوا إلا بأمر متيقن لا يتطرق إليه التأويل (رواه البيهقي) وفيه ضعف، ويتأيد بخبر عائشة وغيره، فلابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا» وللترمذي من حديث عائشة «ادرءوا الحدود والقتل عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». وذكر الموفق أن الموقوف أصح قال: وروي عن غير واحد من الصحابة، أنهم قالوا مثل ذلك، مما يعتضد به مشروعية: ادرؤا الحدود بالشبهات المحتملة، لا المطلقة، وعذر عمر رجلاً زنا بالشام وادعى الجهل بتحريم الزنا، وكذا عثمان عذر جارية ادعت الجهل بتحريمه، وتقدم أن اتقاء الشبهة شرط من شروط إقامة الحد على الزاني، فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك أو محرمة برضاع أو نحوه أو لولده فيها شرك أو وطئ امرأة ظنها زوجته أو سريته ونحو ذلك مما تقدم وغيره وكذا ملوط به أكره عليه بالجاء أو تهديد أو منع طعام أو شراب مع اضطرار إليه وكذا الزنا لو أكرهت أو وطئت بشبهة. (وللحاكم) ومالك والبيهقي وغيرهم وصححه ابن السكن (عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة كل فعل أو قول يستقبح كالزنى والشرب والقذف سميت قاذورات لأن حقها أن تقذر

стр. 1928

فوصفت بما يوصف به صاحبها، وفيه: التي نها الله عنه (فمن ألم) بالتشديد أي نزل (بشيء) من القاذورات المنهي عنها (فليستتر بستر الله) الذي أسبله عليه ولا يظهره لنا (وليتب إلى الله) بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود قاله ﷺ بعد رجم ماعز، وجلد بكرًا اعترف بالزنا، وقال هزال الأسلمي لما وقع ماعز على جارية له أخبر النبي ﷺ فقال: «يا هزال لوسترته بردائك لكان خيرًا لك» أي من أمرك به بإخباري لما في الستر على المسلم من الثواب الجزيل، المذكور في كثير من الأحاديث. (فإن من أدى لنا صفحته) أي فإن من يظهر لنا معاشر الحكام جانبه ووجهه وناحيته مما ستره الله عليه (نقيم عليه كتاب الله) أي الحد الذي حده في كتابه، والسنة من الكتاب، فعلى الشخص إذا فعل ما يوجب حدًا الستر على نفسه والتوبة، فهو أفضل من حد أو تعزير، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه، ويؤخذ من الحديث أنه لا ينبغي التجسس عليه، فلا يسترق السمع على داره ليسمع صوت الأوتار، ولا الدخول عليه لرؤية المعصية، إلا أن يظهر عليه ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار، كصوت آلة اللهو والسكارى، ولا أن يستخبر جيرانه ليخبروه بما يجري في داره، وأنشد الغزالي. لا تلتمس من مساوي الناس مستترًا ... فيكشف الله سترً عن مساويكا وقال الماوردي: ليس له أن يقتحم ويتجسس، إلا أن

стр. 1929

يخبره من يثق بقوله أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات. باب حد القذف القذف هو الرمي بزنى أو لواط، فهو في الأصل الرمي ثم استعمل في السب والرمي بالزنى أو ما كان في معناه حتى غلب عليه، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة والإجماع، وإيجاب الحد دون الكفر تكذيبًا له وتبرئة للمقذوف، لا سيما إن كان امرأة، وأما الكفر فإن شاهد حال المسلم كاف في تكذيبه. (قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾) أي: والذين يقذفون بالزنى المحصنات المسلمات الحرائر العاقلات العفيفات ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي ثم لم يأتوا على ما رموهن به بأربعة شهداء يشهدون عليهن بما رموهن به ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ أي فاجلدوا كل واحد من الرامين ثمانين جلدة، ولا فرق بين الذكر والأنثى، وإنما خصهن لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ في أي واقعة كانت ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ عند الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 1930

قال ابن رشد وغيره: اتفقوا على أن القذف الذي يجب به الحد أن يرمي القاذف المقذوف بالزنى، أو ينفيه عن نسبه إذا كانت أمه حرة مسلمة، وأن القذف إذا كان بهذين المعنيين أنه إذا كان بلفظ صريح أوجب الحد واتفقوا على أن حد القذف ثمانون جلدة للقاذف الحر والعبد على النصف للآية وغيرها، ولأن الله لم يجعله كالحر من كل وجه، واتفقوا على أنه يثبت بشاهدين عدلين حرين ذكرين، ولا خلاف أن الإمام يقيمه، وأنه يجب على القاذف مع الحد سقوط شهادته ما لم يتب. واتفقوا على أن التوبة لا ترفع الحد وقال الشيخ: إذا تاب قبل علم المقذوف هل تصح توبته؟ الأشبه أنه يختلف باختلاف الناس، وقال أكثر العلماء إن علم به المقذوف لم تصح توبته وإلا صحت، ودعا له واستغفر، وعلى الصحيح من الروايتين لا يجب له الاعتراف لو سأله فعرض ولو مع استحلافه لأنه مظلوم، وتصح توبته وفي تجويز التصريح بالكذب المباح هنا نظر، ومع عدم توبته وإحسان تعريضه كذب ويمينه غموس، واختيار أصحابنا لا يعلمه، بل يدعو له في مقابلة مظلمته. (وقال) تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أي يقذفون بالزنى ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عما قذفن به من الفواحش، لم يقع فعلها في قلوبهن ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله وما يجب الاعتقاد به ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يلعنهم المؤمنون في الدنيا والملائكة في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لعظيم ذنوبهم، فعظم
следующие страницы →