← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

غير محصن، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وحكي في الشفاء إجماع الصحابة على القتل، ومذهب مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد في أصح الروايتين عنه حده القتل بكل حال بل أطبق الصحابة على قتله، فحق مرتكب هذه الجريمة العظيمة أن يعاقب بما عاقب الله به من سبق، بكرًا كان أو ثيبًا، وقال الشيخ: الصحيح الذي عليه الصحابة أنه يقتل الأعلى والأسفل إن كان محصنين أو غير محصنين، فإن أهل السنن رووا عن ابن عباس: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به وعن ابن عباس يرجم، وعن علي نحوه. ولم يختلف الصحابة في قتله وأمر أبو بكر وغيره بتحريقه، وغيره بقتله، وعن بعضهم يلقى، وبعضهم يرفع على أعلى جدار في القرية فيرمى منه، ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط، وهو رواية عن ابن عباس، والثانية يرجم، وعليه أكثر السلف، قالوا لأن الله رجم قوم لوط، ورجم الزاني مشبهًا برجم قوم لوط، وقال أيضًا: ويجب قتل الفاعل والمفعول به رجمًا بالحجارة، سواء كان محصنين أو غير محصنين، فيرجم الاثنان سواء كانا حرين أو مملوكين أو كان أحدهما مملوكًا والآخر حرًا، إذا كان بالغين، وإن كان أحدهما بالغًا والآخر غير بالغ عوقب بما دون القتل ولا يرجم إلا البالغ. (وعنه) أي عن ابن عباس ﵄ (مرفوعًا: ادرءوا الحدود بالشبهات) أي ادفعوا إيجاب إقامة الحدود بالشبهات:

стр. 1927

الإلباس، يقال: تشابهت الأمور واشتبهت التبست، لاشتباه بعضها ببعض، فلا تحدوا إلا بأمر متيقن لا يتطرق إليه التأويل (رواه البيهقي) وفيه ضعف، ويتأيد بخبر عائشة وغيره، فلابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا «ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعًا» وللترمذي من حديث عائشة «ادرءوا الحدود والقتل عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». وذكر الموفق أن الموقوف أصح قال: وروي عن غير واحد من الصحابة، أنهم قالوا مثل ذلك، مما يعتضد به مشروعية: ادرؤا الحدود بالشبهات المحتملة، لا المطلقة، وعذر عمر رجلاً زنا بالشام وادعى الجهل بتحريم الزنا، وكذا عثمان عذر جارية ادعت الجهل بتحريمه، وتقدم أن اتقاء الشبهة شرط من شروط إقامة الحد على الزاني، فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك أو محرمة برضاع أو نحوه أو لولده فيها شرك أو وطئ امرأة ظنها زوجته أو سريته ونحو ذلك مما تقدم وغيره وكذا ملوط به أكره عليه بالجاء أو تهديد أو منع طعام أو شراب مع اضطرار إليه وكذا الزنا لو أكرهت أو وطئت بشبهة. (وللحاكم) ومالك والبيهقي وغيرهم وصححه ابن السكن (عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة كل فعل أو قول يستقبح كالزنى والشرب والقذف سميت قاذورات لأن حقها أن تقذر

стр. 1928

فوصفت بما يوصف به صاحبها، وفيه: التي نها الله عنه (فمن ألم) بالتشديد أي نزل (بشيء) من القاذورات المنهي عنها (فليستتر بستر الله) الذي أسبله عليه ولا يظهره لنا (وليتب إلى الله) بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود قاله ﷺ بعد رجم ماعز، وجلد بكرًا اعترف بالزنا، وقال هزال الأسلمي لما وقع ماعز على جارية له أخبر النبي ﷺ فقال: «يا هزال لوسترته بردائك لكان خيرًا لك» أي من أمرك به بإخباري لما في الستر على المسلم من الثواب الجزيل، المذكور في كثير من الأحاديث. (فإن من أدى لنا صفحته) أي فإن من يظهر لنا معاشر الحكام جانبه ووجهه وناحيته مما ستره الله عليه (نقيم عليه كتاب الله) أي الحد الذي حده في كتابه، والسنة من الكتاب، فعلى الشخص إذا فعل ما يوجب حدًا الستر على نفسه والتوبة، فهو أفضل من حد أو تعزير، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه، ويؤخذ من الحديث أنه لا ينبغي التجسس عليه، فلا يسترق السمع على داره ليسمع صوت الأوتار، ولا الدخول عليه لرؤية المعصية، إلا أن يظهر عليه ظهورًا يعرفه من هو خارج الدار، كصوت آلة اللهو والسكارى، ولا أن يستخبر جيرانه ليخبروه بما يجري في داره، وأنشد الغزالي. لا تلتمس من مساوي الناس مستترًا ... فيكشف الله سترً عن مساويكا وقال الماوردي: ليس له أن يقتحم ويتجسس، إلا أن

стр. 1929

يخبره من يثق بقوله أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو امرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات. باب حد القذف القذف هو الرمي بزنى أو لواط، فهو في الأصل الرمي ثم استعمل في السب والرمي بالزنى أو ما كان في معناه حتى غلب عليه، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة والإجماع، وإيجاب الحد دون الكفر تكذيبًا له وتبرئة للمقذوف، لا سيما إن كان امرأة، وأما الكفر فإن شاهد حال المسلم كاف في تكذيبه. (قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾) أي: والذين يقذفون بالزنى المحصنات المسلمات الحرائر العاقلات العفيفات ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي ثم لم يأتوا على ما رموهن به بأربعة شهداء يشهدون عليهن بما رموهن به ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ أي فاجلدوا كل واحد من الرامين ثمانين جلدة، ولا فرق بين الذكر والأنثى، وإنما خصهن لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ في أي واقعة كانت ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ عند الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 1930

قال ابن رشد وغيره: اتفقوا على أن القذف الذي يجب به الحد أن يرمي القاذف المقذوف بالزنى، أو ينفيه عن نسبه إذا كانت أمه حرة مسلمة، وأن القذف إذا كان بهذين المعنيين أنه إذا كان بلفظ صريح أوجب الحد واتفقوا على أن حد القذف ثمانون جلدة للقاذف الحر والعبد على النصف للآية وغيرها، ولأن الله لم يجعله كالحر من كل وجه، واتفقوا على أنه يثبت بشاهدين عدلين حرين ذكرين، ولا خلاف أن الإمام يقيمه، وأنه يجب على القاذف مع الحد سقوط شهادته ما لم يتب. واتفقوا على أن التوبة لا ترفع الحد وقال الشيخ: إذا تاب قبل علم المقذوف هل تصح توبته؟ الأشبه أنه يختلف باختلاف الناس، وقال أكثر العلماء إن علم به المقذوف لم تصح توبته وإلا صحت، ودعا له واستغفر، وعلى الصحيح من الروايتين لا يجب له الاعتراف لو سأله فعرض ولو مع استحلافه لأنه مظلوم، وتصح توبته وفي تجويز التصريح بالكذب المباح هنا نظر، ومع عدم توبته وإحسان تعريضه كذب ويمينه غموس، واختيار أصحابنا لا يعلمه، بل يدعو له في مقابلة مظلمته. (وقال) تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أي يقذفون بالزنى ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ العفائف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عما قذفن به من الفواحش، لم يقع فعلها في قلوبهن ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله وما يجب الاعتقاد به ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يلعنهم المؤمنون في الدنيا والملائكة في الآخرة، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لعظيم ذنوبهم، فعظم

стр. 1931

العذاب بالكم والكيف، وسجل عليهم ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي جزاءهم الواجب الذي هم أهله ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ حيث حقق لهم الجزاء الذي يشكون فيه. (وقال ﷺ اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات، سميت موبقات لأنها تهلك فاعلها في الدنيا، لما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من العذاب (وذكر) من السبع (قذف المحصنات الغافلات المؤمنات) القذف الرمي البعيد، وفي الشرع الشتم والعيب والبهتان، والمحصنات هن اللاتي أحصنهن الله وحفظهن من الزنى، والمراد الحرائر العفيفات، ولا يختص بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك إجماعًا إلا من دون تسع، وقذف غير المحصن يوجب التعزير، والقذف الرمي بزنى أو لواط، وكذا من شتم شخصًا فقال: أنت ملعون ولد زنى، وعليه الحد إن لم يقصد بهذه الكلمة ونحوها ما يقصده كثير من الناس من أنه المشتوم فعله خبيث كفعل ولد الزنا. (وعن عائشة) ﵂ (قالت: لما نزل عذري) أي الآيات الدالة على براءتها، شبهتها بالعذر الذي يبرئ المعذور، وأولها ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ (قام رسول الله ﷺ على المنبر) فذكر ذلك (وتلا القرآن) أي تلا الآيات الواردة في شأنها (فلما نزل أمر برجلين) وهما حسان ومسطح (وامرأة) وهي

стр. 1932

حمنة بنت جحش (فضربوا الحد) أي حد القذف ثمانين جلدة. (رواه الخمسة) وحسنه الترمذي. قال ابن رشد: اتفقوا على أن من شرط المقذوف أن يجتمع فيه خمسة أوصاف البلوغ والحرية والعفاف والإسلام، وأن يكون معه آلة الزنى فإن انخرم من هذه الأوصاف وصف لم يجب الحد، والجمهور بالجملة على اشتراط الحرية في المقذوف، واتفقوا على أن من شرط القاذف البلوغ والعقل، سواء كان ذكرًا، أو أنثى حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو غير مسلم، ويسقط بالعفو، ولا يستوفى بدون الطلب، ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه. قال شيخ الإسلام: وقذف نساء النبي ﷺ كقذفه، لقدحه في دينه، وإنما لم يقتلهم لأنهم تكلموا قبل علمه ببراءته، اهـ، وقذف نبي من الأنبياء كفر، وكذا قذف أمه لأنه ردة عن الإسلام وخروج عن الملة ويقتل ولو تاب، وكذا السب بغير القذف يسقط الإسلام إلا أنه من الكافر يسقط بالتوبة لإسلامه فتقبل التوبة كمن سب الله ثم تاب. (وعن أنس) ﵁ (أن شريك بن سحماء) سحماء هي أمه، وأبوه عبدة بن معتب العجلاني البلوي، حليف الأنصار (قذفه هلال بن أمية) أي قال هلال إن شريكًا زنى (بامرأته) أي امرأة هلال، ولا بينة له (فقال له النبي ﷺ : البينة) أي أقم البينة أربعة شهداء كما نص عليه القرآن (وإلا

стр. 1933

فحد) أي وإلا فعقوبة قذفك حد (في ظهرك) ثمانين جلدة رواه أبو يعلى و (حسنه الحافظ) وفي الصحيح نحوه من حديث ابن عباس، فدل الحديث على وجوب الحد على من قذف مسلمًا، وأن الزوج يجب عليه الحد على ما ادعاه، إذا عجز عن إقامة البينة، أو يشهد أربع شهادات بالله مقام البينة، كما تقدم في اللعان قال ابن رشد. وإن قذف جماعة فقالت طائفة: ليس عليه إلا حد، جمعهم في القذف، أو فرقهم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وحجتهم قصة هلال، لاعن بينهما ولم يجد لشريك وذلك إجماع، وقال: اتفقوا على أنه إذا قذف شخصًا واحدًا مرارًا فعليه حد واحد، إذا لم يحد لواحد منها، وأنه إن قذفه فحد ثم قذفه ثانية حد ثانيًا. (وحد عمر) ﵁ (الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة) وهم أبو بكرة، وشبل بن معبد، ونافع بن الحارث وزياد لم يشهد بما شهدوا وحيث لم يكمل النصاب على الفعل حدوا، ولم يحد المغيرة، فدل على أن من قذف مسلمًا ولم يكمل على أنه إذا لم يكن شهود الزنا أربعة فإنهم قذفة يحدون إلا ما روي عن الشافعي في أحد قولية أنهم لا يحدون. (وتقدم) في باب اللعان (أن من رمى ولد الملاعنة) أي قال

стр. 1934

إنه ولد زنية ونحو ذلك (فعليه الحد) أي حد القذف ثمانين جلدة، وفي رواية: ومن دعاه ولد زنى جلد ثمانين، فدل على أن ولد الزنى كغيره إذا قذف حد قاذفه. باب حد المسكر أي الذي ينشأ عنه السكر، وهو أن يخلط في كلامه خلاف عادته، هذا مذهب الشافعي وأحمد، وقال مالك لا يعرف الحسن من القبيح، وقال أبو حنيفة: لا يعرف المرأة من الرجل وما أسكر فخمر، والخمر محرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، واتفقوا على أن الخمرة حرام كثيرها وقليلها، وفيها الحد، واتفقوا على أنها نجسة، وأجمعوا على أن من استحلها حكم بكفره. (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ وهو كل ما خامر العقل ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ وهو القمار ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ يعني الأوثان ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ وهي القداح كانوا يستقسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾ أي خبيث مستقذر، وإثم وشر ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ من تزين الشيطان ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ يعني في الخمر إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي عن إتيانها فأخبر تعالى: أن ذلك من الشيطان بتزيينه وتسويله، أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في

стр. 1935

الخمر، وذلك أنه إذا شرب سكر فعربد وشاجر؛ وأما الميسر فالعداوة فيها والبغضاء أنه إذا قامر بقي حزينًا مسلوب المال مغتاظًا على حرمانه ﴿وَيَصُدَّكُمْ﴾ يعني الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر وفعل القمار ألهاه عن ذكر الله وشوش عليه صلاته ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهذا تهديد وترهيب عن شرب الخمر وهو ما أسكر كما يأتي «كل مسكر خمر وكل خمر حرام». (وعن أنس) بن مالك ﵁ (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال «كل مسكر خمر» ورجح الراغب وغيره أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا، لأنها سميت بذلك لمخامرتها للعقل وسترها له، وهو قول جمهور أهل اللغة، وحكى ابن عبد البر عن أهل الحجاز وأهل الحديث وغيرهم أن كل مسكر خمر، وذكر القرطبي أن الأحاديث تبطل قول الكوفيين أن الخمر لا يكون إلا من العنب، وأنه قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة، فإنهم فهموا من الأمر بالاجتناب تحريم كل ما يسكر، قال ﷺ «وكل خمر حرام» فحده ﷺ بحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر (رواه مسلم) وهو أيضًا في الصحيحين من غير وجه بهذا اللفظ وبلفظ: «كل مسكر خمر» «كل مسكر حرام» «كل شراب أسكر فهو حرام» فكل مسكر يقال له خمر ويحكم بتحريمه، ولا يباح شربه للذة ولا لتداو ولا عطش ولا غيره، واستثنى بعضهم دفع لقمة غص بها ولم يحضره غيره

стр. 1936

(وللخمسة عن جابر) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا: ما أسكر كثيره) من عنب أو غيره (فقليله حرام) لعلة سكره، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ قال الوزير وغيره: اتفقوا على أن كل شراب يسكر قليله وكثيره: حرام، ويسمى خمرًا وفيه الحد وسواء كان ذلك من عصير العنب النيء، أو مما عمل من التمر والزبيب والحنطة والشعير والذرة والأرز والعسل والجوز ونحوها، مطبوخًا كان ذلك أو نيئًا، إلا أبا حنيفة فيسمى بعضها نقيعًا وبعضها نبيذًا لا خمرًا، ويحرم المسكر منه، ويجب به الحد، واتفقوا على أن المطبوخ من عصير العنب، إذا ذهب أقل من ثلثيه فإنه حرام، وإذا ذهب ثلثاه فإنه حلال، إلا ما أسكر فإنه إذا كان يسكر حرام قليله وكثيره، وأن عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبد فهو خمر. (وعن عائشة) ﵂ (قال) يعني رسول الله ﷺ ما أسكر كثيره (فملء الكف منه حرام) أي شربه إذا كان فيه صلاحية الإسكار حرم تناوله ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه لقلته، وفيه أيضًا تحريم كل مسكر سواء كان من عصير العنب أو غيره، وقال المازري: أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال، وعلى أنه إذا اشتد وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره، ثم لو تخلل بنفسه حل إجماعًا، فغلب التحريم الإسكار، وكل شراب وجد فيه الإسكار حرم تناوله قليله

стр. 1937

وكثيره، والحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. (وقال عمر) ﵁ في تعريف الخمر (الخمر ما خامر العقل) أي ستره وغطاه وخالطه حتى غلب عليه، والخمر في الأصل الستر، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها والتغطية ومنه «خمروا آنيتكم» أي غطوها، والمخالطة ومنه «خامره داء» أي خالطه، ومنه اختمر العجين، قال: ابن عبد البر، الأوجه كلها موجودة في الخمر لأنها تركت حتى خمرت وسكتت فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. (وعن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا لعن الله الخمر) اللعن الطرد والإبعاد وبالقول كما تقدم (وشاربها) أي ولعن الله شاربها (وساقيها) أي لغيره (وبائعها) فيحرم بيع المسكر (ومبتاعها) أي مشتريها (وعاصرها) له أو لغيره (ومعتصرها) أي من عصرت له (وحاملها) لمشتر أو شارب (والمحمولة إليه) وآكل ثمنها، وكذا بائع العنب من العاصر (رواه أبو داود) والحاكم، ورواه ابن ماجه عن أنس، وقال المنذري رواته ثقات، وتحريم الخمر جاء عن النبي ﷺ من أوجه بلغت حد التواتر وأعظمهم إثمًا الشارب، ثم الآكل ثمنها، ثم البائع، ثم الساقي، ودل الحديث على تحريم بيع المسكر، وفيه النبي عن التسبب إلى الحرام، قال الشيخ: ويحرم بيع الحشيشة ويعزر بائعها وآكلها.

стр. 1938

(وله عنه) أي عن ابن عمر ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «من شرب الخمر فاجلدوه» أي إذا شربه المسلم مختارًا عالمًا أن كثيره يسكر، فدل الحديث على وجوب جلد شارب الخمر، ويثبت بإقراره مرة أو بشاهدين عدلين، قال ابن القيم: وحكم عمر وابن مسعود بوجوب الحد برائحة الخمر في الرجل، أو في قيئه، ولم يعلم لهما مخالف، وقال الشيخ: فمن قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة به، أو إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة. (وللترمذي) والنسائي (عن جابر) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا إن شرب الخمر فاجلدوه) أي حدوا شارب الخمر، وقال: «إن شرب الثانية فاجلدوه، وإن شرب الثالثة فاجلدوه» أي حد الشارب (فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) ولأحمد وأبي داود وابن ماجه من حديث معاوية نحوه، ولأحمد أيضًا نحوه من حديث عبد الله بن عمرو، ولأبي داود من حديث قبيصة مثله، ففي هذه الأحاديث الأمر بقتله، بعد الرابعة (قال ثم أتى النبي ﷺ بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله) ولأحمد وغيره من حديث أبي هريرة نحو ما تقدم، وزاد: قال الزهري: فأتي رسول الله ﷺ بسكران في الرابعة فخلى سبيله، أي لم يقتله. وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقتل، وأن القتل منسوخ،

стр. 1939

وقال الشافعي منسوخ بهذا الحديث وغيره، وذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وحكى المنذري عن بعض أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر، وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه، إلا طائفة شاذة قالت يقتل بعد حده أربع مرات للحديث، وهو عند الكافة منسوخ، وذكر الترمذي أنه لا يعلم في ذلك اختلافًا بين أهل العلم، وقال الشيخ: يقتل شارب الخمر في الرابعة عند الحاجة إلى قتله إذا لم ينته الناس بدونه. (وعد علي) بن أبي طالب ﵁ (أربعين) جلدة وذلك أنه أتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، ثم قال عثمان: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارها، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك (ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين) فلمسلم عن أنس نحو أربعين. (و) جلد (أبو بكر أربعين) وهو في الصحيحين من حديث أنس (و) جلد (عمر ثمانين) بعد أن استشار فيه الناس (والكل سنة) أي كل واحد من الأربعين والثمانين سنة. (وهذا أحب إلي رواه مسلم) وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وقد قيل الإشارة إلى فعل عمر وهو الثمانون وظاهر

стр. 1940

قوله أمسك بعد الأربعين دال على أنه لم يفعل الأحب إليه، وفي صحيح البخاري: أن عليًا جلد الوليد ثمانين، والقصة واحدة، وكأنه بعد أن قال: وهذا أحب إلي، أمر عبد الله بتمام الثمانين، فهو أحب إليه مع جرأة الشاربين، لا أن فعل عمر أولى من فعل النبي ﷺ وأبي بكر. (ولهما) أي البخاري ومسلم (عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر) وتقدم أن الخمر كل مسكر (فجلده بجريدتين) والجريد سعف النخل ويجوز بالعود غير الجريد، فجلده بها (نحو أربعين) وفي رواية لأبي داود وغيره أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال، وقد استقر الإجماع على ثبوت حد الخمر (وفعله أبو بكر) أي ضرب أبو بكر في الخمر أربعين، وهو مذهب جماهير العلماء (فلما كان عمر) ﵁ (استشار الناس) وقال: إن الناس قد دنوا من الريف، وغالب الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة، وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم (فقال عبد الرحمن بن عوف) نرى أن تجعله كأخف الحدود، وقال: (أخف الحد ثمانون) ولأبي داود: فأجمعوا على أن يضرب ثمانين، وهو أخف الحدود (فأمر به عمر) تغليظًا عليهم وزجرًا لهم عن شرب الخمر. فدل الحديث أولاً على ثبوت الحد على شارب الخمر بالجريد ونحوه، وهو مذهب الجمهور، وقال النووي: أجمعوا

стр. 1941

على جواز الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب، والأصح جوازه بالسوط، وقال الوزير: اتفقوا على أنه يقام بالسوط، إلا ما روي عن الشافعي، وإن مات من ضربه فقال مالك وأحمد لا ضمان على الإمام، وقال الشافعي، إذا كان بأطراف الثياب ونحوها لا يضمن واتفقوا على أن الواجب المقدر لا تضمن سرايته، لأنه واجب عليه ويأتي تمام الكلام فيه، وأما أمر عمر بالثمانين فلانهماك أكثر الناس فيه وتهالكهم عليه، فرآه ﵁ عقوبة، وزجرًا ليرتدعوا عنه. (ولأبي داود) نحو ما تقدم (عن ابن أزهر) هو عبد الرحمن بن أزهر القرشي، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، وفيه قال: (ثم أثبته معاوية) بن أبي سفيان أمير المؤمنين ﵁، أي عين الحد ثمانين وأقره ولم ينكر عليه، وفي رواية لأبي داود عنه: لما كان عمر كتب إليه خالد: إن الناس قد انهمكوا في الشرب، وتحاقروا العقوبة وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم فأجمعوا على أن يضربه ثمانين. (وللبخاري) في صحيحه بسنده (عن السائب) بن يزيد ﵁ (حتى إذا عتوا فيها) أي انهمكوا وبالغوا في شرب الخمر (وفسقوا) أي خرجوا عن الطاعة، وأول الخبر قال السائب: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين حتى إذا عتوا وفسقوا (جلد عمر) ﵁ (ثمانين) وجمهور العلماء أبو حنيفة

стр. 1942

ومالك وأحمد وأحد قولي الشافعي أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة، وقالوا: لقيام الإجماع عليه في عهد عمر، فإنه لم ينكر عليه أحد. وقال ابن القيم: الحق عمر حد الخمر بحد القذف، وأقره الصحابة وقال الشيخ: الصحيح أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، ولا محرمة على الإطلاق بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف بقية الحدود واستظهر أن الأربعين الأخر في حد الشرب تعزير للإمام أن يفعله، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الثانية، وقال أيضًا: حد الشرب ثابت بالسنة وإجماع المسلمين أربعين، والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر. وكان ممن لا يرتدع بدونها ونحو ذلك وأما مع قلة الشاربين وقرب أمر الشارب فتكفي الأربعون، وهذا أثبت القولين (وقال ابن شهاب) الزهري ﵀ (بلغني أن عمر وعثمان) بن عفان في حال واليتهما (وابن عمر جلدوا عبيدهم) أي بأنفسهم (نصف الحد في الخمر رواه مالك) وأجمعوا على أنهم على النصف من حد الأحرار على أصل كل منهم. (وعن ابن عباس) ﵄ (قال كان رسول الله ﷺ ينبذ له الزبيب) أي يترك عليه الماء (في السقاء) ليصير نبيذًا، وانتبذ اتخذ نبيذًا ٠فيشربه يومه ذلك) أي اليوم الذي ينبذ فيه (والغد) أي من اليوم الثاني (وبعد الغد) أي مساء اليوم

стр. 1943

الثاني، وأول اليوم الثالث (فإذا كان مساء الثالثة) من نبذه في السقاء (شربه وسقاه فإن فضل منه شيء أهرقه) أي يصب، وفي رواية سقاه الخادم، أو أمر بصبه، وذلك بأنه بدأ فيه بعض تغير في طعمه من حموضة أو نحوها فيسقيه الخادم مبادرة لخشية الفساد ما لم يشتد وإن اشتد أمر بإهراقه. (رواه مسلم) ونحوه في السنن، وفي لفظ من حديث عائشة ينبذ في سقاء يوكأ أعلاه ينبذ غدوة فيشربه عشاء، وينبذ عشاء فيشربه غدوة، وله ألفاظ أخر فدل الحديث على جواز الانتباذ، ولا نزاع في جوازه، وأنه لا يجوز متى اشتد، وأجمعوا على جواز شرب عصير العنب ما لم يشتد ويقذف بالزبد، فإذا اشتد حرم شربه للعلة التي لأجلها حرم الخمر. باب التعزير التعزير مصدر عزره يعزره تعزيرًا من العزر وهو الرد والمنع واللوم وشرعًا تأديب على ذنب لا حد فيه، ويسمى تعزيرًا لدفعه، ورده عن فعل القبيح، ويكون بالقول والفعل على حسب ما يقتضيه حال الفاعل، بخلاف الحد، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فتعزير ذوي الهيئات أخف، ويستوون في الحدود مع الناس، وتجوز فيه الشفاعة دون الحدود، والتألف به مضمون عند الشافعي وأحمد، وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، راجع إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب الحاجة والمصلحة في كل زمان ومكان، وهو أصل من

стр. 1944

أصول الشريعة الآتية بالحكم والمصالح، والغايات المحمودة في المعاش والمعاد. (عن أبي بردة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا يجلد) روي مبنيًا للمجهول وللمعلوم ومجزومًا ومرفوعًا (فوق) أي أعلى من (عشرة أسواط) وفي رواية: عشر جلدات، وفي رواية: لا عقوبة فوق عشر ضربات، (إلا في حد من حدود الله) أي إلا ما عين الشارع فيه عددًا من الضرب (متفق عليه) فدل الحديث على أنه لا يجوز التعزير بما فوق عشرة أسواط، وهو مذهب أحمد وغيره، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى جواز الزيادة، وهو رواية عن أحمد إلا أنه لا يبلغ بها أدنى الحدود ويحتمل كلام أحمد أنه لا يبلغ بكل جناية حدًا مشروعًا في جنسها. ورجح الشيخ وابن القيم وغيرهما أن التعزير بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة، فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، فقد قتل عمر بن عبد العزيز غيلان القدري، وكذا من لا يزول فساده إلا بالقتل، قال ابن القيم: والمنقول عنه ﷺ يوافق ذلك، فإنه أمر بالذي وطئ جارية امرأته، وقد أحلتها له مائة جلدة، وأبو بكر وعمر أمرا بجلد من وجد مع امرأة أجنبية في فراش مائة، وعمر ضرب الذي زور عليه خاتمه، فأخذ من بيت المال مائة ثم مائة، ثم في اليوم

стр. 1945

الثالث مائة، وعليه يحمل خبر «من شرب الخمر في الرابعة فاقتلوه» اهـ. ومما يجب فيه التعزير كمباشرة دون فرج، وسرقة لا قطع فيها، وجناية لا قود فيها، والقذف بغير الزنى، وشتم بغير الزنى، وإتيان المرأة المرأة، وكالغضب والنهب والاختلاس ونحو ذلك، ولا يحتاج في إقامته إلى مطالبة، وأما الحدود المتفق عليها فحد الزنى والسرقة، وشرب الخمر، وحد المحارب وحد القذف بالزنى، والقتل في الردة، والقصاص في النفس، وأما سوى ذلك، كالقصاص في الأطراف واللواط ونحوه فاختلف فيه أهل العلم وتقدم. (وللبخاري) في صحيحه (عن علي) ﵁ (قال: ما كنت لأقيم على أحد حدًا) ممن اقترف ما يوجبه (فيموتَ) بالنصب وكذا (فأجد في نفسي) أي حزنًا عليه (إلا صاحب الخمر) أي شاربها (فإنه لو مات وديته) بتخفيف الدال وسكون الياء، أي غرمت ديته لمن يستحق قبضها، فدل الحديث على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله ﷺ فهو من باب التعزيرات فإن مات ضمنه الإمام، وكذا كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الإمام، وهذا مذهب جمهور العلماء، فإنه إذا أعنت في التعزير وهو غير مأذون فيه من أصله يضمن، بخلاف الإعنات في الحد، للإذن فيه من أصله لأن الإعنات للخطأ في صفته، وفي آخر الحديث: «لأن

стр. 1946

رسول الله ﷺ لم يسنه» يريد والله أعلم أنه ﷺ جلد جلدًا غير مقدر، ولا تقررت صفته بالجريد والنعال والأيدي، وأما من مات في حد من الحدود غير الشرب، فقال النووي: أجمع العلماء على أنه إذا جلد الإمام أو جلاده فمات فإنه لا دية ولا كفارة على الإمام ولا على جلاده، ولا بيت المال. (وخبر النعمان) بن بشير الأنصاري الخزرجي ﵁ جاء من طرق بألفاظ متعددة (فيمن وطئ جارية امرأته) قال ﷺ «إن كانت أحلتها لك» أي جعلت جاريتها حلالاً لك وأذنت لك فيها «جلدتك مائة» قال ابن العربي: يعني أدبته تعزيزًا وأبلغ به الحد تنكيلا، وفي لفظ لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ ، وفيه فوجدوها قد أحلتها له فجلد مائة. (رواه أبو داود) وأحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وروي عن غير واحد أن عليه الرجم، وقال ابن مسعود: ليس عليه حد ولكن يعزر وذهب الإمام أحمد إلى ما رواه النعمان وقال الشوكاني، هو الراجح لأن الحديث وإن كان فيه مقال فأقل أحواله أن يكون شبهة: يدرأ بها الحد اهـ ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع، قال الشيخ: لو أحلت المرأة لزوجها أمتها إن ظن جوازه لحقه الولد، وإلا فروايتان، ويكون حرًا على الصحيح إن ظن حلها بذلك. (وقال عمر) بن الخطاب ﵁ (في رجل وطئ أمة له فيها شرك) أي حصة ونصيب (يجلد الحد إلا سوطًا) أي

стр. 1947

فلا يبلغ به الحد كاملاً، لشبهة الشركة، فجعله تعزيزًا رادعًا لهذا وأمثاله، وتقدم أن التعزير بحسب المصلحة. (وروي أنه) أي أن عمر ﵁ (ضرب رجلاً مائة) أي مائة جلدة (على عملة خاتمًا على نقش خاتم بيت المال) وأخذ من بيت المال (وكلم فيه) إذا لم ينته (فضربه أخرى) فلم ينته عن الأخذ من بيت المال (ثم نفاه) فدل على أن التعزير بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة، قال الشيخ وتلميذه وغيرهما من السلف: التعزير منه ما يكون بالتوبيخ، ومنه ما يكون بالحبس ومنه ما يكون بالنفي من الوطن، ومنه ما يكون بالضرب، وإذا كان على ترك واجب كأداء الديون والأمانات والزكاة والصلاة فإنه يضرب مرة بعد مرة، حتى يؤدي الواجب، وعلى جرم ماض فعل منه مقدار الحاجة، وليس لأقله حد. واختلف في أكثره على أقوال، أحدها أنه عشر جلدات، والثاني أقل الحدود، والثالث أنه بحسب المصلحة، وعلى قدر الجريمة، فيجتهد فيه ولي الأمر، والرابع وهو أحسنها أنه لا يتقدر لكن إن كان التعزير فيه مقدر فلا يبلغ على المباشرة حد الزنا، ولا السرقة من غير قطع حد القطع ونحو ذلك، وهذا أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر ﷺ بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة جلدة، ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة، وأمر بضرب الذي

стр. 1948

نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم في اليوم الثاني مائة، وفي الثالث مائة، وضرب صبيغًا ضربًا كثيرًا لم يعد. ومن لم يندفع فساده في الأرض، إلا بالقتل يسوغ بالقتل مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى غير كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وقال «العمل في السلطنة الشرعية بالسياسة هو الحزم، فلا يخلو منه إمام ما لم يخالف الشرع، فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهه بأي طريق فثم شرع الله، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي شرع حق، فقد حبس ﷺ في التهمة وعاقب في التهمة لما ظهرت آثار الريبة، فمن أطلق كلا منهم وخلا سبيله أو حلفه مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، فقوله مخالف للسياسة الشرعية». وقال: يجوز التعزير بأخذ المال وإتلافه، فالتعزير بالعقوبات المالية مشروع في مواضع مخصوصة، كسلب الذي يصطاد في حرم المدينة، وكسر دنان الخمر، وشق ظروفه، وكهدم مسجد الضرار، وتضعيف الغرم على من سرق من غير حرز، وإحراق متاع الغال، وحرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير، قال: ومن ادعى أنه منسوخ بالإجماع فقد غلط، ومحال أن الإجماع ينسخ السنة، ولو ثبت لكان دليلاً على نص ناسخ، وقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد أولى بالصواب بل

стр. 1949

هو إجماع الصحابة، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدًا ولم ينكره منهم منكر. وعمر يفعله بحضرتهم وهم يقرونه ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، وذلك في تحريقه قصر سعد بن ابي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية، وتحريقه هو وعلي المكان الذي يباع فيه الخمر، وقال ابن القيم وغيره: من استمنى بيده بغير حاجة عزر إذا قدر على التزوج أو التسري، وقال ابن عقيل: إذا كان بغير شهوة حرم عليه، لأنه استمتاع بنفسه، والآية تمنع منه، وإن كان مترددًا بين الفتور والشهوة كره، وإن كان مغلوبًا يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز، نص عليه أحمد، وروى أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم. قال ابن القيم: والصحيح أنه لا يباح أنه ﷺ إنما أرشد صاحب الشهوة إلى الصوم، وكذا قال الشيخ يحرم عند عامة العلماء، لكن إن اضطر إليه مثل أن يخاف الزنا أو المرض إن لم يفعله فرخص فيه في هذه الحال طوائف من السلف، وذكر غير واحد من الفقهاء أنه يحبس العائن وجوبًا، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف، لأنه من نصيحة المسلمين وكف الأذى عنهم. (وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: أقيلوا) أمر من الإقالة أي أعفوا (ذوي الهيئات) أي ذوي الأقدار بين الناس، وأصحاب المروءات، والخصال الحميدة

стр. 1950

(عثراتهم) أي زلاتهم والهيئة الحالة التي تكون على الإنسان من الأخلاق المرضية، فإن الله خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم فمن كان منهم مستورًا مشهورًا بالخير، حتى كبا جواده، ونبا عضب صبره، وأديل عليه، غلبة شيطانه، فلا يسارع إلى تأديبه وعقوبته، بل تقال عثرته (إلا الحدود) أي إلا ما يوجب الحدود فإنه يتعين استيفاؤها من الشريف، كما يتعين أخذها من الوضيع (رواه أبو داود) وأحمد والنسائي والبيهقي وله طرق يشد بعضها بعضًا. (وقال) ﷺ (لرجل) قيل هو كعب بن عمرو (أصاب من امرأة ما دون الوطء) ولفظه: أصبت منها ما دون الوطء (فقال: أصليت معنا؟) وفي لفظ: أليس قد صليت معنا؟ (قال: نعم) أي صليت معكم (فتلى عليه) ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الليْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال رجل من القوم أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: «للناس كافة» وأصله في الصحيحين وغيرهما إن كانت القصة واحدة. وما في الصحيحين من حديث أنس: أصبت حدًا ولم يسمه ولم يسأله، ومن حديث أبي أمامة نحوه ومن حديث ابن مسعود معناه ما تقدم، ومذهب الجمهور أن المراد بالحد المطلق غير حد الزنا ونحوه، وحديث ابن مسعود مفسر ما أبهم وإن كانت متعددة فظاهر الحديث الصحيح يوجب العمل بالظاهر، وأن الصلاة تكفر ما يصدق عليه أنه يوجب الحد وأن من أقر

стр. 1951

بحد ولم يفسره لا يطالب بالتفسير، ولا يقام عليه الحد. باب القطع في السرقة وهي أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع واتفقوا على وجوبه في الجملة إذا جمع أوصافًا منها المسروق الذي يقطع في جنسه، ونصاب السرقة، وأن يكون السارق على أوصاف مخصوصة، وأن تكون السرقة على أوصاف مخصوصة، وأن يكون المسروق منه مخصوصًا، ومن حكمته تعالى أنه كلما كانت نعمه على العبد أتم، كانت عقوبته، إذا ارتكب الجرائم، أكبر جمعًا بين حكمة الزجر وحكمة نقصه، فحيث كانت الجناية بسرقة الأموال دون الجناية على الأبدان، وهي دونه، جعل عقوبتها قطع الطرف، كما أن القذف لما كان دون ذلك جعلت عقوبته الجلد، وحيث كان شرب المسكر أقل مفسدة، جعلت عقوبته دون ذلك. والسارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس، لأنه لا يمكن التحرز منه، فصان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب. (قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ قدم السارق لوجود السرقة غالباً في الذكور، وقال ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقرأ ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما" قال الشيخ: وبذلك مضت السنة اهـ. والحكم عند جميع أهل العلم موافق لهذه القراءة لا بها،

стр. 1952

فالقراءة عند الجمهور ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ واتفق أهل العلم على وجوب قطع السارق والسارقة إذا جمع أوصافًا تأتي إن شاء الله تعالى. فتقطع يمناه من مفصل الكف، لقول أبي بكر وعمر: تقطع يمين السارق من الكوع، وتحسم وجوبًا لما روي مرفوعًا «اقطعوه واحسموه» وذلك بغمسها في زيت مغلي لينقطع الدم؛ واختار الشيخ وغيره عدم اشتراط مطالبة المسروق منه بماله لهذه الآية، وهو مذهب مالك، كإقراره بالزنا بأمة غيره، وقال: الذي غرضه سرقة أموال الناس ولا غرض له في شخص معين، فإن قطع يديه واجب ولو عفا عنه رب المال. وقال الوزير: أجمعوا على أن السارق إذا وجب عليه القطع وكان ذلك أول سرقته، وهو صحيح الأطراف أنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف ثم يحسم اهـ، ولهذا قال تعالى ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ أي مجازاة على صنيعهما ﴿نَكَالًا مِنَ اللهِ﴾ أي تنكيلاً من الله بهما، على ارتكاب ذلك العمل السيء ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره وشرعه وقدره. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: لعن الله السارق) تقدم أن اللعن يكون بالفعل ويكون بالقول (يسرق البيضة) وللكشميهني بيضة الحديد (فتقطع يده) من أجلها (ويسرق الحبل فتقطع يده أي من أجل سرقته (متفق

стр. 1953

عليه) ولمسلم «إن سرق بيضة قطعت يده، وإن سرق حبلاً قطعت يده» وذلك أنها لما خانت هانت، وإن كانت في باب الجنايات بخمسمائة دينار، فإنها لما كانت أمينة كانت ثمينة وذلك من حكمة الله تعالى والمصلحة ففي باب الجنايات ناسب أن تعظم، لئلا يجني عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فاحتاط الشارع للموضعين، للأموال والأطراف، وظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين، قال الشافعي ﵀: هناك مظلومة غالت بقيمتها ... وههنا ظلمت هانت على الباري فدل الحديث على أنها تقطع يد السارق في نحو البيضة والحبل، إذا بلغت قيمته ربع دينار فصاعدًا وفيه تحقير شأن السارق وتهجين فعله، وتعظيم ما جني على نفسه وخسارة ما ربحه من السرقة، بما تقل قيمته، وأنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة، وصار ذلك خلقًا له، جرأه على سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره أضعاف أضعاف ما قدره الشارع. (ولهما عن ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ قطع في مجن) بكسر الميم وفتح الجيم الترس، أي أمر بقطع سارق مجن (قيمته ثلاثة دراهم) وفي لفظ لهما عن عائشة: لم تقطع على عهد النبي ﷺ إلا في ثمن مجن حجفة أو ترس، فالمعتبر قيمته، وفي لفظ ثمنه ثلاثة دراهم، ولعله لتساويهما في ذلك

стр. 1954

الوقت، أو في عرف الراوي، أو باعتبار الغلبة، وإلا فالمعتبر القيمة، ولابن أبي شيبة عن عروة، كان السارق في عهد النبي ﷺ يقطع في ثمن المجن، وكان المجن يومئذ له ثمن، ولم يكن يقطع في الشيء التافه. (وفيهما عن عائشة) ﵂ (مرفوعًا: لا تقطع يد سارق) وفي رواية لم تكن تقطع (إلا في ربع دينار فصاعدًا) وهذا مذهب الجمهور، ولا تقطع فيما لا تبلغ قيمته ربع دينار، ولأحمد «ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك» وفي تخصيص القطع بهذا القدر حكمة ظاهرة، فإنها كفاية المقتصد في يومه، له ولمن يمونه غالبًا؛ ولأنه لابد من مقدار يجعله ضابطًا لوجوب القطع، والجمهور على اشتراط النصاب، ربع دينار من الذهب، وثلاثة دراهم من الفضة، لهذا الحديث، وحديث ابن عمر وغيرهما. وأتى عثمان بسارق سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم، من حساب الدينار باثني عشر، فقطع وعلي قطع في ربع دينار، قال الشافعي: ربع الدينار موافق الثلاثة الدراهم، وذلك أن الصرف على عهد رسول الله ﷺ اثنا عشر درهمًا بدينار، وكان كذلك بعده، ولهذا قومت الدية اثنى عشر ألفًا من الورق، وألف دينار من الذهب. قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة يحصل لكل واحد منهم نصاب، أن على كل واحد منهم القطع.

стр. 1955

(وعنها) أي عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال لأسامة) بن زيد ﵄، وذلك أن قريشًا أهمهم أمر المخزومية التي سرقت، فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ ، من يجترئ عليه إلا أسامة، فكلمه فيها، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله» أي أن يترك وكان قد سبق علم أسامة بأنه لا شفاعة في حد. فاستفهامه استفهام إنكار (ثم خطب فقال: أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم) من الأمم الماضية (أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) فلم يقيموا عليه الحد (وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) وجاء "وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه" (متفق عليه) وفيه "وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" وهي ﵂ قد أعاذها الله من أن تسرق، وإنما قاله مبالغة في تثبيت إقامة الحد. فدل الحديث على النهي عن الشفاعة في الحدود وفي رواية أنه قال لأسامة لما شفع «لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليست بمتروكة» ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب «تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب» ومن حديث ابن عمر «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره». وقال الوزير: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع، ويأتي قوله لصفوان «هلا كان ذلك قيل أن تأتيني به» وغير ذلك مما فيه النهي عن الشفاعة في الحدود إذا

стр. 1956

بلغت السلطان، مما تعاضدت على تحريم الشفاعة بعد البلوغ إلى الإمام وأنه يجب على الإمام إقامة الحد، وحكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك. وحكى الاتفاق على جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود وقال: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة، ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته، وذكر عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذى الناس ومن لم يعرف بأذاهم أنه لا بأس بالشفاعة فيه ما لم تبلغ السلطان. (ولمسلم عنها) ﵂ قالت: (كانت امرأة تستعير المتاع) هي المخزومية واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، عمها أبو سلمة، وكانت تستعير الحلي كما في النسائي وغيره (وتجحده فأمر رسول الله ﷺ بقطع يدها). وفي مصنف عبد الرزاق: أن فلانة تستعير حليًا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها، فقالت: ما استعرتك شيئًا، فرجعت إلى الأخرى فأنكرت فجاءت إلى النبي ﷺ فسألها فقالت: ما استعرت منها شيئًا فقال: «اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها» فأتوه وأخذوه فأمر بها فقطعت. فدل الحديث على أنه يجب القطع على جحد العارية، وهو مذهب أحمد، وقال لا أعرف شيئًا يدفعه، والجمهور على خلافه

стр. 1957

ورده ابن القيم، وقال الجحد داخل في اسم السرقة، وهو الصحيح لموافقة القياس والحكمة فلا يمكن المعير الإشهاد، ولا الإحراز بمنع العارية شرعًا وعادة وعرفًا ولا فرق بين من توصل إليه بالسرقة أو العارية وجحدها، وقال: ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، وترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس. (وعن أبي أمية) المخزومي ﵁، عداده في أهل الحجاز، روى عنه أبو المنذر هذا الحديث (قال أتى رسول الله ﷺ بلص) أي جيء بسارق (قد اعترف) اعترافًا أي أقر إقرارًا صحيحًا (ولم يوجد معه متاع) أي من المسروق منه (فقال له رسول الله ﷺ ما إخالك) بكسر الهمزة أي ما أظنك (سرقت) قاله درءًا للقطع وتلقينًا للرجوع عن الاعتراف (قال: بلى) أي قال: سرقت (فأعاد عليه) النبي ﷺ مرتين أو ثلاثًا) شك من الراوي، وجيء بالسارق (فأمر به فقطع) وقال: استغفر الله (رواه أبو داود) وأحمد والنسائي وابن ماجه، وقال الحافظ: رجاله ثقات. فدل الحديث على الاستثبات في حقه، لاحتمال ظنه القطع، ومذهب أحمد أنه لا يقطع إلا بإقراره مرتين، ويأتي أن سارقًا أقر عند علي مرتين فأمر بقطعه. وعن أحمد يثبت بإقراره مرة، وهو مذهب الجمهور أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم، فلا يفتقر إلى التكرار لقصة

стр. 1958

سارق رداء صفوان وغيره، لكن يعتبر أن يصف السرقة فيذكر شروطها من النصاب والحرز وإخراجها منه، وأنه لا شبهة له في المسروق، ولا يقطع إلا بشهادة عدلين يصفان السرقة، بذكر شروطها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان، ووصفا ما يوجب القطع. وقال ابن القيم: ولم يزل الخلفاء والأئمة يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال معه نص صريح، لا يتطرق إليه شبهة، وذكر في قصة حيي إقرار المكره إذا ظهر معه المال، وأنه إذا عوقب وظهر عنده قطعت يده، قال: وهو الصواب بلا ريب، لوجود المال، وقال الشيخ في تقديم القيافة، مثل أن يدعي أنه ذهب من ماله شيء، ويثبت ذلك، فيقص القائف أثر الوطء من مكان إلى آخر، فشهادة القائف أن المال دخل إلى هذا الموضع، توجب أحد أمرين، إما الحكم وإما أن يكون لوثًا يحكم به مع اليمين للمدعي، وهو الأقرب. فإن هذه الأمارة ترجح جانب المدعي، واليمين مشروعة في أقوى الجانبين اهـ. وإن ادعى السارق أن ما أخذه من الحرز ملكه، بعد قيام البينة، فقال أحمد وأبو حنيفة لا يقطع، وسماه السارق الظريف، قال أحمد: ما لم يكن معروفًا بالسرقة.

стр. 1959

(وللحاكم من حديث أبي هريرة) أي أن رسول الله ﷺ قال: «اذهبوا به)» أي بالسارق «فاقطعوه» أي اقطعوا يده اليمنى لما تقدم «ثم احسموه» بالمهملتين، والحسم الكي بالنار، أي يكوي محل القطع لينقطع الدم، لأن منافذ الدم تنسد، وإذا ترك فربما استرسل الدم فأدى إلى التلف، ويحسم بزيت أو دهن مغلي، لتنسد أفواه العروق فينقطع الدم، والحديث أيضًا رواه البزار، وقال: لا بأس بإسناده وله شواهد. وهو دليل على مشروعية الحسم حفظًا للنفس، وينبغي أن يقطع بأسهل ما يمكن، بأن يضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه، وتشد يده، وتجر حتى يتعين المفصل، ثم يوضع نحو سكين ويجر بقوة ليقطع في مرة واحدة، وإن علم قطع أو هي من هذا قطع به، لأن الغرض التسهيل عليه، وأجرة القاطع والحاسم من بيت المال، وقيمة الدواء الذي يحسم به منه لأن ذلك واجب على غيره. (وفي السنن) الأربعة والسنن الكبرى للبيهقي (عن فضالة) بن عبيد ﵁ (ثم أمر بها) أي يد السارق بعد أن قطعت وحسمت (فعلقت في عنقه) وفي لفظ أن فضالة سئل عن تعليق يد السارق في عنقه من السنة فقال: نعم رأيت رسول الله ﷺ قطع سارقًا ثم أمر بيده فعلقت في عنقه، وله عنه أن عليًا قطع سارقًا فمر به ويده معلقة في عنقه، وفي رواية أنه

стр. 1960

أقر عنده سارق مرتين فقطع يده وعلقها في عنقه فكأني أنظر إلى يده تضرب صدره. (وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا إن سرق) أي شخص (فاقطعوا يده) أي اليمنى (ثم إن سرق) أي مرة أخرى (فاقطعوا رجله) أي اليسرى (رواه الدارقطني) وهو قول أبي بكر وعمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا وقال الوزير: أجمعوا على أنه إن عاد فسرق ثانيًا ووجب عليه القطع أنه تقطع رجله اليسرى من مفصل الكعب ثم تحسم، ومذهب أحمد إن عاد حبس حتى يتوب. وعنه يقطع في الثالثة والرابعة وهو مذهب مالك والشافعي، فتقطع في الثالثة يسرى يديه، وفي الرابعة يمنى رجليه، ولأبي داود جيء بسارق فقال: «اقتلوه» فقالوا: إنما سرق ثم جيء به في الثانية، ثم في الثالثة، ثم في الرابعة، فقال: «اقتلوه» فقتلوه وقال محمد بن المنكدر: قد أتي بابن النعمان في الرابعة فلم يقتله، وقال الشافعي: القتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، وأنه مما لا اختلاف فيه. وعند بعضهم يباح، بحيث يكون من المفسدين في الأرض، وقياس قول الشيخ إن السارق كالشارب في الرابعة يقتل عنده إذا لم يتب، بل هو أولى عنده لأن ضرره أعظم، وأجمعوا على أنه من لم يكن له الطرف المستحق قطعه قطع ما

стр. 1961

بعده، وكذلك إن كان شل من الطرف المستحق قطعه، بحيث لا يقطع فيها، قطع ما بعده، إلا ما روي عن أبي حنيفة واشتراط مطالبة المسروق منه بماله فيه نظر، عملاً بإطلاق الآية والأحاديث وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما. (وعن جابر) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «ليس على خائن» قطع والخائن هو الآخذ المال خفية من مالكه، مع إظهاره له النصيحة والحفظ «ولا منتهب» أي وليس على منتهب قطع، والمنتهب هو المغير، من النهبة وهي الغارة والسلب والمراد هنا هو ما كان على جهة الغلبة والقهر ومرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم. (ولا مختلس قطع) والمختلس هو السالب للشيء الخاطف له من غير غلبة، ولو مع معاينة المالك، من اختلسه إذا سلبه، فإنه لا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ لا يمكنه الاختلاس. والمقصود أنه ليس على هؤلاء المذكورين قطع بخلاف السارق، وهو الآخذ المال خفية فيقطع بشرطه (رواه الخمسة) فدل الحديث على أن الخائن والمنتهب والمختلس لا قطع عليه، وإنما القطع على آخذ المال خفية كما هو مفهوم الحديث مع ما تقدم وغيره قال الوزير: اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب على عظم جنايتهم وآثامهم لا قطع على

стр. 1962

واحد منهم اهـ. لكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال، والحبس الطويل والعقوبة بما يراه الحاكم، وقال ابن القيم: إنما قطع السارق دون المنتهب والمغتصب لأنه لا يمكن التحرز منه، فإنه ينقب الدور، ويهتك الحرز ويكسر القفل، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضًا وعظم الضرر واشتدت المحنة. ولهذا قطع النباش، وجاءت السنة بقطع جاحد العارية وتقدم وقال: قصر طائفة في لفظ السارق حيث أخرجوا منه نباش القبور، ولو أعطوا لفظ السارق حقه لرأوا أنه لا فرق في حده ومسماه بين سارق الأثمان، وسارق الأكفان، وأن إثبات هذا ونحوه بالنصوص اهـ. وقطع النباش هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وقالا يجب على من سرق من أستار الكعبة ما يبلغ ثمنه نصابًا، وقال الوزير: لا خلاف أنه لا يحل أخذ شيء من ذلك فهذا الذي يأخذ منه الجهال يزعمون أنهم يتبركون به فإنهم يأثمون به، وهو من المنكرات التي يجب إنكارها والأمر بردها إلى حيث أخذت منه. (ولهم) أي لأهل السنن وأحمد (عن رافع) بن خديج ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ وذلك أن عبدًا سرق وديًا فرفع إلى أمير المدينة، فجاء سيده إلى رافع فمشى معه إلى مروان وأخبره أنه ﷺ قال: «لا قطع في ثمر» المراد ما كان معلقًا في النخل قبل أن يجذ ويحرز، كما قال الشافعي وغيره، وقال:

стр. 1963

حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها تدخل من جوانبها، والثمر اسم جامع لليابس والرطب، من الرطب والعنب وغيرهما (ولا كثر) بفتح الكاف والثاء وبضم الكاف طلع النخل أول ما يبدو، أو جمار النخل وهو شحمه الذي في وسط النخلة، وللنسائي: ولا جمار، والجمار شحم النخل (صححهما) أي صحح حديث جابر وحديث رافع (الترمذي) وابن حبان وغيرهما، وقال الطحاوي في حديث رافع: تلقته الأمة بالقبول. فدل الحديث على أنه لا قطع في سرقة الثمر والكثر والجمار، ومذهب الجمهور ما لم يحرز، فإن أحرز فعليه القطع، سواء كان على أصله باقيًا أو قد جذ وسواء كان أصله مباحًا كالحشيش ونحوه، أو لا لعموم الآية والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب، وهذا الحديث أخرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها، فترك القطع لعدم الحرز فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها، قال الوزير: أجمعوا على أنه يسقط القطع عن سارق الثمر المعلق على رءوس النخل، إذا لم يكن محرزًا اهـ وكالثمر والكثر البطائح والشواء والهرائس ونحوها، إذا لم تحرز وأما إذا أحرزت فيجب فيها القطع، وهو مذهب الجمهور. (ولهم) أي للخمسة وغيرهم (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵁ (مرفوعًا ليس في شيء من الماشية قطع) سواء كانت في المرعى أو غيره (إلا فيما أواه المراح) أي إلا فيما

стр. 1964

ضمه المبيت والمأوى (فبلغ ثمن المجن) الترس سمي بذلك لأنه يواري حامله (ففيه القطع) أي قطع السارق ما أواه المراح (وما لم يبلغ) أي ثمن المجن (ففيه غرامة مثليه) على الأخذ (وجلدات) نكال وفي رواية وضرب نكال. (وقال في الثمر المعلق) يعني من خرج بشيء منه فعليه (هو ومثله معه) وفي لفظ: "غرامة مثليه (والنكال) وفي لفظ "غرامة مثليه والعقوبة" (وليس في شيء منه قطع) أي ليس من الثمر المعلق قطع وحكاه الوزير إجماعًا واختاره الشيخ وغيره (إلا فيما أواه الجرين) وهو موضع تجفيفه لكونه معدًا حرزًا له (فأخذ منه ثمن المجن ففيه القطع) لكمال شروط القطع (وما لم يبلغ ففيه غرامة مثليه) والعقوبة، وهو قول الجمهور، وذهب بعض أهل العلم، إلى أن التضعيف خاص بالثمر والكثر والجمار والماشية، للأخبار، وما عداها يضمن بمثله إن كان مثليًا أو بقيمته إن كان متقومًا، لأنه الأصل، كالمتلف والمغصوب وغيرهما مما تجب غرامته. واختار الشيخ وجوب غرامة المثلين في كل سرقة لا قطع فيها، وأما المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم فلا يغرم إلا مثله أو قيمته، لأنه الأصل فدل الحديث على أن لكل مال حرز يخصه، فحرز الماشية الصير، وفي المرعى بالراعي ونظره إليها، وحرز الثمار الجرين ونحوه، وحرز البقل ونحوه الشرائج والحطب الحظائر ويعتبر العرف في الكل، غير حرز الذهب والفضة ففي الأبنية الحصينة.

стр. 1965

وأسقط عمر القطع زمن المجاعة وقال: لا تقطع اليد في الغزو، ولا عام سنة، وأسقط القطع عن غلمان حاطب، لما سرقوا ناقة لرجل من مزينة، وقال: إنكم تستعملونهم وتجيعونهم، وأضعف قيمتها، ووافق أحمد على سقوط الحد في المجاعة، قال ابن القيم: وهو محض القياس ومقتضى قواعد الشرع، وهي شبهة قوية، تدرأ القطع عن المحتاج ونص العلماء، على أن الحدود لا تقام في أرض العدو وحكى أبو محمد المقدسي إجماع الصحابة. (ولهم) أي وللخمسة (عن صفوان) بن أمية ﵁ ومالك والشافعي، وصححه ابن الجارود والحاكم (أن رسول الله ﷺ لما أمر بقطع الذي سرق رداءه) وكان نائمًا عليه في المسجد وسرق (فشفع فيه) بعد أن رفعه إلى النبي ﷺ فقال: «هلا كان ذلك» أي شفاعتك. وفي رواية قال: أنا أهبها له أو أبيعها له، قال: فهلا كان ذلك (قبل أن تأتيني به) ولأحمد وغيره فقطعه، وذلك أن صفوان اضطجع بالبطحاء، إذ جاء إنسان فأخذ بردة من تحت رأسه، فأتى النبي ﷺ فأمر بقطعه فقال: إني أعفو وأتجاوز، فقال: فهلا قبل أن تأتيني به. فدل على أن يد السارق تقطع فيما إذا كان مالك المسروق حافظًا له، وإن لم يكن مغلقًا عليه في مكان وهو مذهب الجمهور، قال ابن رشد: إذا توسد النائم شيئا فتوسده، حرز على ما جاء في رداء صفوان، ويقطع الطرار وهو الذي
следующие страницы →