Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
بعده، وكذلك إن كان شل من الطرف المستحق قطعه، بحيث لا يقطع فيها، قطع ما بعده، إلا ما روي عن أبي حنيفة واشتراط مطالبة المسروق منه بماله فيه نظر، عملاً بإطلاق الآية والأحاديث وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما.
(وعن جابر) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: «ليس على خائن» قطع والخائن هو الآخذ المال خفية من مالكه، مع إظهاره له النصيحة والحفظ «ولا منتهب» أي وليس على منتهب قطع، والمنتهب هو المغير، من النهبة وهي الغارة والسلب والمراد هنا هو ما كان على جهة الغلبة والقهر ومرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم.
(ولا مختلس قطع) والمختلس هو السالب للشيء الخاطف له من غير غلبة، ولو مع معاينة المالك، من اختلسه إذا سلبه، فإنه لا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ لا يمكنه الاختلاس.
والمقصود أنه ليس على هؤلاء المذكورين قطع بخلاف السارق، وهو الآخذ المال خفية فيقطع بشرطه (رواه الخمسة) فدل الحديث على أن الخائن والمنتهب والمختلس لا قطع عليه، وإنما القطع على آخذ المال خفية كما هو مفهوم الحديث مع ما تقدم وغيره قال الوزير: اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب على عظم جنايتهم وآثامهم لا قطع على
стр. 1962
واحد منهم اهـ.
لكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال، والحبس الطويل والعقوبة بما يراه الحاكم، وقال ابن القيم: إنما قطع السارق دون المنتهب والمغتصب لأنه لا يمكن التحرز منه، فإنه ينقب الدور، ويهتك الحرز ويكسر القفل، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضًا وعظم الضرر واشتدت المحنة. ولهذا قطع النباش، وجاءت السنة بقطع جاحد العارية وتقدم وقال: قصر طائفة في لفظ السارق حيث أخرجوا منه نباش القبور، ولو أعطوا لفظ السارق حقه لرأوا أنه لا فرق في حده ومسماه بين سارق الأثمان، وسارق الأكفان، وأن إثبات هذا ونحوه بالنصوص اهـ.
وقطع النباش هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وقالا يجب على من سرق من أستار الكعبة ما يبلغ ثمنه نصابًا، وقال الوزير: لا خلاف أنه لا يحل أخذ شيء من ذلك فهذا الذي يأخذ منه الجهال يزعمون أنهم يتبركون به فإنهم يأثمون به، وهو من المنكرات التي يجب إنكارها والأمر بردها إلى حيث أخذت منه.
(ولهم) أي لأهل السنن وأحمد (عن رافع) بن خديج ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ وذلك أن عبدًا سرق وديًا فرفع إلى أمير المدينة، فجاء سيده إلى رافع فمشى معه إلى مروان وأخبره أنه ﷺ قال: «لا قطع في ثمر» المراد ما كان معلقًا في النخل قبل أن يجذ ويحرز، كما قال الشافعي وغيره، وقال:
стр. 1963
حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها تدخل من جوانبها، والثمر اسم جامع لليابس والرطب، من الرطب والعنب وغيرهما (ولا كثر) بفتح الكاف والثاء وبضم الكاف طلع النخل أول ما يبدو، أو جمار النخل وهو شحمه الذي في وسط النخلة، وللنسائي: ولا جمار، والجمار شحم النخل (صححهما) أي صحح حديث جابر وحديث رافع (الترمذي) وابن حبان وغيرهما، وقال الطحاوي في حديث رافع: تلقته الأمة بالقبول.
فدل الحديث على أنه لا قطع في سرقة الثمر والكثر والجمار، ومذهب الجمهور ما لم يحرز، فإن أحرز فعليه القطع، سواء كان على أصله باقيًا أو قد جذ وسواء كان أصله مباحًا كالحشيش ونحوه، أو لا لعموم الآية والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب، وهذا الحديث أخرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها، فترك القطع لعدم الحرز فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها، قال الوزير: أجمعوا على أنه يسقط القطع عن سارق الثمر المعلق على رءوس النخل، إذا لم يكن محرزًا اهـ وكالثمر والكثر البطائح والشواء والهرائس ونحوها، إذا لم تحرز وأما إذا أحرزت فيجب فيها القطع، وهو مذهب الجمهور.
(ولهم) أي للخمسة وغيرهم (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵁ (مرفوعًا ليس في شيء من الماشية قطع) سواء كانت في المرعى أو غيره (إلا فيما أواه المراح) أي إلا فيما
стр. 1964
ضمه المبيت والمأوى (فبلغ ثمن المجن) الترس سمي بذلك لأنه يواري حامله (ففيه القطع) أي قطع السارق ما أواه المراح (وما لم يبلغ) أي ثمن المجن (ففيه غرامة مثليه) على الأخذ (وجلدات) نكال وفي رواية وضرب نكال.
(وقال في الثمر المعلق) يعني من خرج بشيء منه فعليه (هو ومثله معه) وفي لفظ: "غرامة مثليه (والنكال) وفي لفظ "غرامة مثليه والعقوبة" (وليس في شيء منه قطع) أي ليس من الثمر المعلق قطع وحكاه الوزير إجماعًا واختاره الشيخ وغيره (إلا فيما أواه الجرين) وهو موضع تجفيفه لكونه معدًا حرزًا له (فأخذ منه ثمن المجن ففيه القطع) لكمال شروط القطع (وما لم يبلغ ففيه غرامة مثليه) والعقوبة، وهو قول الجمهور، وذهب بعض أهل العلم، إلى أن التضعيف خاص بالثمر والكثر والجمار والماشية، للأخبار، وما عداها يضمن بمثله إن كان مثليًا أو بقيمته إن كان متقومًا، لأنه الأصل، كالمتلف والمغصوب وغيرهما مما تجب غرامته.
واختار الشيخ وجوب غرامة المثلين في كل سرقة لا قطع فيها، وأما المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم فلا يغرم إلا مثله أو قيمته، لأنه الأصل فدل الحديث على أن لكل مال حرز يخصه، فحرز الماشية الصير، وفي المرعى بالراعي ونظره إليها، وحرز الثمار الجرين ونحوه، وحرز البقل ونحوه الشرائج والحطب الحظائر ويعتبر العرف في الكل، غير حرز الذهب والفضة ففي الأبنية الحصينة.
стр. 1965
وأسقط عمر القطع زمن المجاعة وقال: لا تقطع اليد في الغزو، ولا عام سنة، وأسقط القطع عن غلمان حاطب، لما سرقوا ناقة لرجل من مزينة، وقال: إنكم تستعملونهم وتجيعونهم، وأضعف قيمتها، ووافق أحمد على سقوط الحد في المجاعة، قال ابن القيم: وهو محض القياس ومقتضى قواعد الشرع، وهي شبهة قوية، تدرأ القطع عن المحتاج ونص العلماء، على أن الحدود لا تقام في أرض العدو وحكى أبو محمد المقدسي إجماع الصحابة.
(ولهم) أي وللخمسة (عن صفوان) بن أمية ﵁ ومالك والشافعي، وصححه ابن الجارود والحاكم (أن رسول الله ﷺ لما أمر بقطع الذي سرق رداءه) وكان نائمًا عليه في المسجد وسرق (فشفع فيه) بعد أن رفعه إلى النبي ﷺ فقال: «هلا كان ذلك» أي شفاعتك.
وفي رواية قال: أنا أهبها له أو أبيعها له، قال: فهلا كان ذلك (قبل أن تأتيني به) ولأحمد وغيره فقطعه، وذلك أن صفوان اضطجع بالبطحاء، إذ جاء إنسان فأخذ بردة من تحت رأسه، فأتى النبي ﷺ فأمر بقطعه فقال: إني أعفو وأتجاوز، فقال: فهلا قبل أن تأتيني به.
فدل على أن يد السارق تقطع فيما إذا كان مالك المسروق حافظًا له، وإن لم يكن مغلقًا عليه في مكان وهو مذهب الجمهور، قال ابن رشد: إذا توسد النائم شيئا فتوسده، حرز على ما جاء في رداء صفوان، ويقطع الطرار وهو الذي
стр. 1966
يبط الجيب ويأخذ ما فيه، وقال الوزير: اتفقوا على أن الحرز معتبر في وجوب القطع اهـ، ومذهب مالك والشافعي وأحمد أن الحرز يختلف باختلاف الأموال، وأن العرف معتبر في ذلك، ويختلف بعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه، وهذا أحد شروط وجوب القطع في السرقة.
والثاني أن تنتفي الشبهة، فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه أو ولده أو مال له فيه شرك، وأن يكون المسروق محترمًا فلا قطع بسرقة آلة لهو ولا محرم كالخمر، وأن يكون المسروق نصابًا وهو كما تقدم ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، وأن يثبت بشهادة عدلين، أو بإقراره، واشترط بعضهم مطالبة المسروق منه بماله، وتقدم قول الشيخ، وإذا تمت الشروط قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت كما تقدم مفصلاً واتفقوا على أنه إذا كانت العين قائمة، فإنه يجب ردها، وإن كانت تالفة وجب الغرم والقطع عند الشافعي وأحمد.
(ولأبي داود) وغيره (عن النعمان) بن بشير ﵁ (في الذين اتهموا قومًا) من الحاكة وذلك أن طائفة من الكلاعيين سرق لهم متاع، فأتوا النعمان فحبس الحاكة أيامًا ثم خلى سبيلهم، فقال الكلاعيون: خليت سبيلهم من غير ضرب ولا امتحان، فقال: إن شئتم (اضربهم) وفي رواية ما شئتم
إن شئتم أن أضربهم (فإن خرج متاعكم) فذاك (وإلا
أخذت لهم من ظهوركم) مثل ما أخذت من ظهورهم فقالوا:
стр. 1967
هذا حكمك، فقال: هذا حكم الله ورسوله ﷺ مستدلاً بما رواه النسائي وغيره أنه ﷺ حبس ناسًا في تهمة وفي رواية: رجلاً في تهمة.
فدل الحديث على أنه لا يجوز امتحان السارق بالضرب، بل يحبس بحسب ما يراه الحاكم، لفعل النبي ﷺ وإن فتش عليه لقصة المخزومية جاز، أو دلت قرائن عوقب لما تقدم.
باب حد قطاع الطريق
وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح أو غيره، في الصحراء أو البنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة، والأصل في حكمهم الكتاب والسنة والإجماع في الجملة (قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ المحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطاع الطريق وإخافة السبيل، يقال حرب الرجل، سلبه ماله، وحاربه قاتله، والآية، نزلت في قطاع الطريق، عند أكثر السلف، لقصة العرنيين، بل هذه الآية هي الأصل في حكمهم، وظاهر القرآن ومقتضى ما عليه عمل المسلمين يدل على أن هذه الحدود نزلت في المسلمين.
قال الوزير: اتفقوا على أن من أبرز وشهر السلاح مخيفًا للسبيل خارج المصر، بحيث لا يدركه الغوث فإنه محارب، قاطع الطريق، جارية عليه أحكام المحاربين، وقال الشيخ: ولو
стр. 1968
شهر السلاح في البنيان أو الصحراء فواحد، هو قول مالك، والمشهور عن الشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة، لا محل تقاتل الناس وتعاديهم، وإقدامهم عليه يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، لأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبًا إلا بعض ماله، وهذا هو الصواب، لا سيما هؤلاء المتحزبون.
ولو حاربوا بالحصى والحجارة المقذوفة بالأيدي والمقاليع ونحوها، فهم محاربون أيضًا، فالصواب ما عليه جماهير المسلمين، على أن من قاتل على أخذ الأموال بأي نوع من أنواع القتال فهو حربي، وقال: وإذا كان يقتل سرًا لأخذ المال، مثل أن يجلس في خان يكري لابن السبيل، وإن انفرد في قوم منهم قتلهم وأخذ أموالهم، أو يدعو إلى منزله من يستأجره لخياطة، أو طب ونحو ذلك فيقتله، ويأخذ ماله.
قال: وقد يكون ضرره أشد، لأنه لا يدري به، ولأن القتل بالحيلة كالقتل مكابرة، وكلاهما لا يمكن الاحتراز منه، وذكر أنه أشبه بأصول الشريعة، قال تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الفساد ضد الصلاح والإفساد يطلق على أنواع: منها أخذ المال ظلمًا، حتى قال كثير من السلف: قبض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقيل نزلت في المشركين وقيل في الحرورية، وقيل غير ذلك، وقال ابن كثير:
стр. 1969
الصحيح أنها عامة في المشركين وغيرهم، ممن يرتكب هذه الصفات، وقال غير واحد: إن كانوا كفارًا فقد قال الله ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ وأن الإمام مخير في الأمور الثلاثة ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ أي فجزاؤهم أن يقتلوا، يعني إن قتلوا مكافئًا أو غير مكافئ، كالولد يقتله أبوه، وكالعبد يقتله الحر، وكالذمي يقتله المسلم.
﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ فإذا قتل أحدهم، وأخذ المال صلب حتى يشتهر أمره، ولا يقطع مع ذلك، وإن وقع منه سرقة وزنى، ونحوه لأنها حقوق الله، فأتى عليها القتل، وهو الغاية، وإن قذف وقطع يدًا وقتل قطع وجلد وقتل، لأن حقوق الآدميين مبنية على التضييق، ولا تتداخل وإن قتل أحدهم ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، للخبر الآتي. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي إن أخذوا مالاً قطع من كل واحد منهم يده اليمنى ﴿وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ أي وقطع من كل واحد منهم رجله اليسرى أي إن أخذوا ما يبلغ نصاب السرقة أو أخذ بعضهم نصابًا تحتم قطع جميعهم ولو لم يأخذ إلا واحد منهم، وهو أولى من ثبوت القتل في حق جميعهم إذا قتل بعضهم، فتحتم قطعهم بأخذ أحدهم النصاب أولى.
قال الشيخ: وهذا الفعل قد يكون أزجر من القتل فإن الأعراب، وفسقة الجند وغيرهم إذا رأوا دائمًا بينهم من هو مقطوع اليد والرجل، تذكروا بذلك جرمه فارتدعوا بخلاف القتل، فإنه قد ينسى، وقد يؤثر بعض النفوس الأبية قتله على
стр. 1970
قطع يده ورجله من خلاف، فيكون هذا أشد تنكيلاً لأمثاله ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إن أخافوا السبيل، ولم يأخذوا ما لا يبلغ نصاب السرقة، وشردوا متفرقين، فلا يتركون يأوون إلى بلد حتى تظهر توبتهم، وهذا مذهب الجمهور إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وتمام الآية (ذلك) أي الذي ذكر تعالى من الحدود ﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ شر وعار وذلة وهوان وفضيحة ﴿فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أما من الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا من قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل، والصلب وقطع الرجل، والجمهور واليد، وعليه عمل الصحابة، فإن عليًا أمن ابن بدر، وأبا موسى أمن المرادي، في زمن عثمان، وأبا هريرة قال في علي الأسدي: لا سبيل لكم عليه؛ ولكهم جاءوا تائبين قبل القدرة عليهم، أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء قال الشيخ: اتفق العلماء على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما، إذا رفعوا إلى ولي الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا، وإن كانوا صادقين في التوبة.
فاستثناء التوبة قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه باق فيمن وجب عليه الحد للعموم والمفهوم والتفصيل ولئلا يتخذ ذريعة إلى تعطيل حدود الله إذ لا يعجز من وجب عليه الحد أن يظهر التوبة ليتخلص من العقوبة وإن
стр. 1971
تاب توبة نصوحًا سدًا لذريعة السكوت بالكلية؛ قال الوزير: اتفقوا على أن حقوق الآدميين من الأموال والأنفس والجراح يؤخذ بها المحاربون، إلا أن يعفى لهم عنها، وقال: اتفقوا على أن من قتل وأخذ المال منهم وجب إقامة الحد عليه، وإن عفا ولي المقتول، والمأخوذ المال منه، فإنه غير مؤثر في إسقاط الحد عنه.
وقال الشيخ: فمن كان قتل من المحاربين فإنه يقتله الإمام حدًا ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء، حكاه ابن المنذر، ولا يكون رده إلى وارث المقتول، بخلاف ما لو قتل رجل رجلاً لعداوة بينهما أو خصومة ونحو ذلك من أسباب المخاصمة؛ فإن هذا دم لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا عنه، وإن أحبوا أخذوا الدية، لأن قتله لغرض خاص، وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام بمنزلة السُّراق، فكان قتلهم حدًا لله، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، حتى لو كان ذميًا أو مستأمنًا، فقد اختلف العلماء هل يقتل في المحاربة لأنه قتل لفساد العالم كما يقطع إذا أخذ أموالهم وكما يحبس بحقوقهم.
(قال ابن عباس) ﵄ (إذا قتلوا وأخذوا المال) يعني المحاربين (قتلوا وصلبوا) وقتلهم متحتم لا يدخله عفو قال الموفق وغيره: أجمع على هذا كل أهل العلم (وإذا قتلوا
ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا) قال الموفق: وهي أصح
لأنه الخبر المروي فيهم، قال فيه: ومن
стр. 1972
قتل ولم يأخذ المال قتل، ولم يذكر صلبًا (وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم) في مقام واحد وحسمتا، ولا خلاف في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل، إذا كانا صحيحتين (من خلاف) تقطع يمنى يديه، ثم يسري رجليه، (وإذا خافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض) وشردوا حتى تظهر توبتهم (رواه الشافعي).
وروي عن ابن عباس قال: وادع رسول الله ﷺ أبا بردة الأسلمي، فجاء ناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه فنزل جبرائيل بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ المال، قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف؛ وقيل إنه رواه أبو داود، وهو كالمسند وإن كان المحاربون جماعة، وإنما باشر القتل أحدهم والباقون أعوان له وردء. فقال الشيخ: قيل إنه يقتل المباشر فقط، والجمهور على أن الجميع يقتلون، ولو كانوا مائة، والردء والمباشر سواء، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، فإن عمر قتل ردء المحاربين، والردء هو الناظر، الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء، والمباشر إنما تمكن من قتله بقوة الردء والمعونة من قتله بقوة الردء، والطائفة إذا انتصر بعضها ببعض، حتى صاروا ممتنعين، فهم مشتركون في الثواب والعقاب.
قال: وإذا ظفر السلطان بالمحابين وقد أخذوا الأموال، فعليه أن يستخرج منهم الأموال، مع إقامة الحد على أبدانهم،
стр. 1973
وكذا السارق، فإذا امتنعوا بعد ثبوته، عاقبهم بالحبس والضرب، حتى يمكنوا من إحضاره والإخبار بمكانه، وكما يعاقب كل ممتنع من الحق الواجب عليه أداؤه، وهذه المطالبة حق رب المال، بخلاف إقامة الحدود عليهم، ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أرباب الأموال جعلاً على طلب السارقين، لا لنفسه ولا للجند الذين يرسلهم في طلبهم بل طلب هؤلاء من نوع الجهاد، وإن كان لهم شوكة تحتاج إلى تأليف أعطاهم من الفيء وغيره لبعض رءوسائهم ليعينه على إحضار الباقين، أو لتركهم فيضعف الباقون، وهو ظاهر الكتاب والسنة وأصول
الشريعة.
(وعن أنس) ﵁ (أن ناسًا من عكل) قبيلة من عبد مناة، وفي لفظ "أو عرينة" وفي لفظ: وعرينة: قبيلة من بجيلة حي باليمن من معد، وهم عرينة بن نذير بن قيس بن عبقر الذين استاقوا إبل النبي ﷺ وللطبراني "أربعة من عرينة وثلاثة من عكل من الرباب" (استوخموا المدينة) أي لم يستمرؤها فلم يوافق هواءها أبدانهم، واستوبؤها (فأمرهم النبي ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة) وكانت خارج المدينة (فيشربوا من أبوالها) فدل على طهارتها (وألبانها) فانطلقوا إليها وفعلوا فصحوا وارتدوا (فقتلوا الراعي) وفي رواية، فقتلوا رعاتها (واستقاوا الإبل) وفي رواية "واستاقوا الذود".
(فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم) أي عقبهم وفي
стр. 1974
حديث سلمة خيلاً من المسلمين، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم (فأمر بهم) يعني النبي ﷺ (فسمروا أعينهم) وفي لفظ "سملوا أعينهم" (وقطعوا أيديهم) وفي رواية "وأرجلهم" (وتركوا في ناحية الحرة) وهي أرض بالمدينة ذات حجارة سود (حتى ماتوا على حالهم) وفي لفظ "يستسقون فلا يسقون" (متفق عليه).
قال الشيخ: واختلفوا فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان، هل هم كالمحاربين فيقتلون حدًا أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم؟ هذا إذا قدر عليهم فأما إذا طلبهم السلطان ونوابه لإقامة الحد بلا عدوان، فإن امتنعوا عليه، فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء، حتى يقدر عليهم كلهم، وإن لم ينقادوا والقتال يفضي إلى قتلهم كلهم قوتلوا إلى أن قال: إلا أن قتالهم ليس كقتال الكفار، إذا لم يكونوا كفارًا، ولا تؤخذ أموالهم إلا إن أخذوا أموال المسلمين بغير حق، فيؤخذ منهم بقدر ما أخذوا، والمقصود من قتالهم التمكن منهم لإقامة الحدود، ومنعهم من الفساد.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ) يسأله (فقال: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي) وللنسائي: إن عد على مالي (قال: لا تعطه) وله قال فانشده بالله (قال: أرأيت إن قاتلني) أي دون مالي (قال: قاتله) أي دون مالك (قال: أرأيت: إن قتلني) أي لأجل مالي (قال: فأنت
стр. 1975
شهيد) تقدم تعريف الشهيد (قال: أرأيت إن قتلته) أي دون مالي (قال: فهو في النار) أي أنه يستحق ذلك.
وقد يجازي وقد يعفى عنه (رواه مسلم) وقال الحسن: من عرض لك في مالك فإن قتلته فإلى النار، وإن قتلك فشهيد، ونحوه عن أنس وغيره وقال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك، وقال عمر في امرأة أرادها رجل على نفسها فقتلته: والله لا يؤدي أبدًا.
فدل الحديث وما في معناه على أن من صال عليه شخص يريد أخذ ماله أن له الدفع عنه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن اندفع بالعصا مثلاً فليس له ضربه بالحديد، وإن ذهب هاربًا لم يكن له قتله، ولا اتباعه فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك. قال النووي: وهذا قول الجماهير من العلماء وصوَّبه، ولا ضمان عليه إلا أنه لا بد من بينة على أنه لا يندفع إلا بالقتل، وإلا ضمنه، ويلزمه الدفع عن نفسه في غير فتنة، فله التولي عنهم، وقال الشيخ: لا يلزمه الدفع عن مال الغير، وقال في جند قاتلوا عربًا نهبوا أموال تجار ليردوها لهم: هم مجاهدون في سبيل الله، ولا ضمان عليهم، بقود ولا دية ولا كفارة اهـ، وأما المدافعة عن الحريم فواجبة قال النووي: بلا خلاف، وعن المال جائزة غير واجبة، فقوله لا تعطه، أي لا يلزمك أن تعطيه وليس المراد تحريم الإعطاء.
(وعن عمران بن حصين) ﵁ (أن رجلاً عض
стр. 1976
يد رجل) ولمسلم: قاتل يعلى رجلاً فعض أحدهما صاحبه (فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه) فاختصموا إلى رسول الله ﷺ (فقال رسول الله ﷺ : يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل؟ أي الذكر من الإبل ويطلق على غيره (لا دية لك) وفي رواية: فأبطله وقال: "أردت أن تأكل لحمه" (متفق عليه) ومن حديث يعلى بن أمية: فعض رجل فانتزع ثنيته، فأبطلها النبي ﷺ فدل الحديث على أن من عض إنسانًا فانتزع يده من فيه، فسقطت بعض أسنانه فهدر، ويروى أن رجلاً عض رجلاً فانتزع يده من فيه فسقطت بعض أسنان العاض فاختصما إلى شريح، فقال: أنزع يدك من في السبع، وأبطل أسنانه، وهذا مذهب جمهور العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا لو أن امرءًا اطلع عليك) أي نظر إليك من علو (بغير إذن فحذفته بحصاة) أي رميته بحصاة (ففقأت عينه) أي شققت عينه (لم يكن عليك جناح) ولمسلم "فقد حل لهم أن يفقئوا عينه" ولأحمد والنسائي وغيرهما: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية ولا قصاص" وفي رواية "فهدر".
وفيهما من حديث سهل أن رجلا اطلع في جحر من باب النبي ﷺ وهو يحك رأسه بمدري في يده، فقال: «لو علمت أنك تنظرني لطعنت به في عينك» فدل الحديثان على أن من نظر
стр. 1977
في بيت غيره من خصاص باب مغلق ونحوه، فحذف عينه أو نحوها فتلفت فهدر، ولو أمكن دفعه بدون ذلك، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإن ترك الإطلاع ومضى لم يجز رميه، لأنه ﷺ لم يطعن الذي اطلع ثم انصرف، وسواء كان المطلع منه صغيرًا كثقب أو شق، أو واسعًا كنقب كبير، لا من باب مفتوح، لأن التفريط من تارك الباب مفتوحًا وليس لصاحب الدارمي الناظر بما يقتله ابتداء، لأن له ما يقلع به العين ونحوه، فإن لم يندفع إلا بما يقتل فله ذلك.
باب قتال أهل البغي
البغي مصدر بغى عليه بغيًا علا وظلم وجار وعدل عن الحق، وما عليه أئمة المسلمين، فإذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على إمام المسلمين، بتأويل سائغ فهم بغاة والأصل في قتالهم الكتاب والسنة والإجماع في الجملة، وإن كانوا جمعًا يسيرًا كالعشرة، لا شوكة لهم، أو لم يخرجوا بتأويل، أو بتأويل غير سائغ، فقطاع طريق، تقدم حكمهم.
(قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أي تقاتلوا سماهم مؤمنين مع القتال، وفي الصحيح "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فأصلح الله به بين أهل الشام، وأهل العراق بعد الحروب الطويلة ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالنصح وبالدعوة إلى حكم كتاب الله
стр. 1978
تعالى وسنة نبيه ﷺ والرضا بما فيهما لهما وعليهما ﴿فَإِنْ بَغَتْ﴾ تعدت ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ أي التي صدر منها البغي، وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله ﴿عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي التي لم تبغ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ على الطائفة الأخرى ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ الباغية ﴿إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ حكم الله ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ رجعت إلى الحق، ورضيت بحكم الله ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ بحملهما على الإنصاف وقيده ههنا بالعدل لأنه مظنة بالحيف.
فإن الناصح المصلح لما تقاتل مع الباغي، ربما ثار غضبه، فحين الإصلاح قد لا يراعي العدل، فيحيف على إحدى الطائفتين إن قاتلها، ثم قال تعالى ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي اعدلوا بينهما فيما أصاب بعضهم لبعض، بالقسط وهو العدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين في الأمور ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين والولاية ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اختلفا واقتتلا ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ ولا تعصوا أمره ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
فأوجب تعالى على المؤمنين قتال الباغين، وأجمع على ذلك الصحابة وجماهير العلماء، وقالوا يجب على الإمام أن يراسل البغاة فيسألهم عما ينقمون منه، إذ هو الطريق إلى الصلح، فإن ذكروا مظلمة أزلها، وإن ادعوا شبهة كشفاها لهم، ليرجعوا إلى الحق، ولا يجوز قتالهم قبل ذلك، إلا أن يخاف كلبهم، فإن كان ما ينقمون منه مما لا يحل أزاله، وإن كان حلالاً لكن التبس عليهم، فاعتقدوا أنه مخالف للحق بين لهم دليله، وأظهر لهم وجهه، كما فعل علي
стр. 1979
رضي الله عنه، فإن بعث ابن عباس إلى الخوارج فبين لهم وجه الحجة التي تمسكوا بها.
فإن رجعوا تركهم وإن أبوا وعظهم وخوفهم القتال، وإن أبوا قاتلهم وجوبًا، للأمر بذلك، وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا خرج على إمام المسلمين طائفة، ذات شوكة، بتأويل مشتبه فإنه يباح قتالهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله اهـ والأفضل ترك قتال أهل البغي حتى يبدءوا الإمام، وهو مذهب مالك، وله قتل الخوارج ابتداء أو متممة تخريجهم، صرح به الشيخ، وقال: جمهور العلماء يفرقون بين الخوارج والبغاة المتأولين وهو المعروف عن الصحابة، ويأتي تمام الكلام في حكم الخوارج.
(وقال) تعالى ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ أي اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي خذوا بسنته، وقد أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله في غير موضع من كتابه، ثم قال تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي وأطيعوا أولي الأمر منكم، فيما يأمرون به من طاعته تعالى وتقدس، قيل أولى الأمر الأمراء والولاة، وقيل والعلماء، والآية عامة في أولي الأمر من العلماء والولاة والأمراء وجاءت أحاديث كثيرة في الأمر بطاعة ولاة الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فإن أمروا بمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة، وتقدم: «من يعص الأمير فقد عصاني» "ومن عصاني فقد عصى الله" وقال علي: حق الله على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك، فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.
стр. 1980
وللبخاري مرفوعًا «اسمع وأطع، وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» ولمسلم «وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف» ولابن جرير وغيره "سيليكم ولاة بعدي، فيله البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق" ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ فكل ما تنازع الناس فيه يجب أن يرد التنازع إلى الكتاب والسنة. كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فمن لم يرد التحاكم إليهما في محل النزاع، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس بمؤمن بالله ولا باليوم الآخر (ذلك) أي التحاكم إلى الكتاب والسنة ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عاقبة ومآلاً وأحسن جزاء.
واستدل القرطبي وغيره بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، ونصبه فرض كفاية لحماية البيضة، والذب عن الحوزة وغير ذلك وقال الشيخ: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا الدنيا إلا بها، وقد أوجبه الشارع في الاجتماع القليل العارض، تنبيهًا بذلك على أنواع الاجتماع.
وقال: من المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، ولو
стр. 1981
تولى من الظلمة، فهو خير من عدمهم اهـ، ويخاطب بذلك من توجد منه شرائط الإمامة، ويجبر من تعين لذلك، وتعتبر إمامته بالإجماع عليه، كأبي بكر، أو بنص عليه كفعله، أو شورى في عدد كفعل عمر، أو بقهر الناس بسيفه، حتى تثب له، وشرطه أن يكون حرًا ذكرًا عدلاً عالمًا كافيًا ابتداءً ودوامًا، ويجب على رعيته ومعونته لهذه الآية وغيرها.
(وعن عبادة) بن الصامت ﵁ (قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة) أي عاهدنا رسول الله ﷺ على السمع له فيما يأمرنا به، والطاعة مذعنين منقادين له (في المنشط) الذي ننشط له، ونؤثر فعله (والمكره) أي الذي نكره ويشق علينا أي بايعناه على المحبوب والمكروه (وأن لا ننازع الأمر أهله) أي لا ننازع ولاة الأمور ولايتهم، ونخرج عليهم (متفق عليه) وللبخاري من حديث أنس "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عبد حبشيء، رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله".
فدل الحديث وغيره على وجوب طاعة ولي الأمر، في حال النشاط، وحال الكراهة، والعجز عن العمل بما يأمر به، ولو منع حقنا (ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن ابن عباس) ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «من رأى من أميره» أي سلطانه وإمامه (ما يكره) ولو أخذ ماله، وضرب ظهره (فليصبر) وللبخاري "فليصبر عليه" (فإنه من فارق الجماعة) أي جماعة المسلمين، المتفقين على إمام واحد انتظم به
стр. 1982
جمعهم، واجتمعت به كلمتهم، وحاطهم من عدوهم، (فمات فميتته جاهلية) أي منسوبة إلى أهل الجهل، والمراد به من مات على الجهل قبل الإسلام، وهو تشبيه لميتة من فارق الجماعة بمن مات على الكفر، بجامع أن الكل لم يكن تحت إمام.
فإن الخارج عن الطاعة كأهل الجاهلية، لا إمام له، ولمسلم من حديث أبي هريرة "من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته جاهلية" أي حالته في الموت كموت أهل الجاهية على ضلال، وتقدم الدليل على وجوب طاعة أولي الأمر، وهو يقتضي تحريم الخروج عليهم، وهذه الأحاديث وما في معناها دليل على أنه إذا فارق الجماعة، ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم أنا لا نقاتله لنرده إلى الجماعة، ويذعن للإمام بالطاعة، بل نخليه وشأنه، لأنه لم يأمر ﷺ بقتاله، بل أخبر عن حال موته، وأنه كأهل الجاهلية، ولا يخرج بذلك عن الإسلام، وقال علي للخوارج: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلاً، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب؛ ولم يقاتلهم ﵁ حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم الحرام.
(ولأبي داود) وغيره أنه قال: (من فارق الجماعة شبرًا) تنبيه بالأدنى على ما فوقه (فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) وللترمذي: "من فارق الجماعة شبرًا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه".
стр. 1983
(وعن عبد الله بن عمرو) بن العاص ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: من أعطى إمامًا) أي سلطانًا أو أميرًا (صفقة يده) أي عقد بيعته بيده (وثمرة قلبه) أي أعطاه الإخلاص الذي في القلب في الطاعة (فليطعه ما استطاع) وفي الحديث "من أطاع أميره فقد أطاعني"، "ومن أطاعني فقد أطاع الله (فإن جاء آخر ينازعه) الأمر ويخرج عليه (فاضربوا عنق الآخر) ولا خلاف في ذلك (رواه مسلم). وله أيضًا: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله ولا حجة له» فمن فارق الجماعة جرى له كذلك، فدلت هذه الأحاديث على تحريم معصية الإمام ومحاربته والخروج عليه، وعلى جواز قتال البغاة، وهو إجماع.
(وله) أي لمسلم في صحيحه (عن عرفجة) بضم فسكون، ابن شريح (مرفوعًا: من أتاكم وأمركم جميع) على رجل واحد قد أجمع عليه (يريد أن يفرق جماعتكم) وفي لفظ "فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع (فاضربوا عنقه بالسيف) كائنًا من كان" وفي لفظ "فاقتلوه" وجاء معناه من طرق، دلت على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، والمراد أهل قطر فإنه قد استحق القتل، لإدخاله الضرر على العباد، وظاهره سواء، كان جائرًا أو عادلاً وجاء تقييده بـ "بما أقاموا الصلاة" وفي لفظ: "ما لم تروا كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان".
قال ابن القيم: ونهيه ﷺ عن قتل الأمراء والخروج على الأئمة، وإن ظلموا أو جاروا، ما أقاموا الصلاة، سدًا لذريعة
стр. 1984
الفساد العظيم، والشر الكثير، بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم، والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما هم عليه، ولم تزل الأمة في بقايا تلك الشرور، وقال ﷺ «إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما» سدًا لذريعة الفتنة اهـ، وإن تنازعها اثنان متكافئان، قدم أحدهما بقرعة، وإن بويع لهما معًا، أو جهل السابق منهما فالعقد باطل فيهما، صرح به في الإقناع وغيره.
(ولهما) أي البخاري ومسلم (من حديث علي في الخوارج) الذين يخرجون على جماعة المسلمين، كما خرجوا على الصحابة، وفي عصر الأمويين والعباسيين، وأحاديثهم جاءت من طرق قال: (أينما لقيتموهم) أي حيث وجدتموهم (فاقتلوهم) وقد قتلهم الصحابة ﵃، كما هو مشهور (فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) وجاء بروايات تدل على فضل قتلهم، وتقدم أنه ينبغي لولي الأمر أن يبين لهم وجه الحجة، كما فعل أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال الشيخ: أهل السنة متفقون على أن الخوارج مبتدعة ضالون، وأنه يجب قتالهم بالنصوص الصحيحة، "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" "لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لنكلوا عن العمل" "خير قتلى من قتلوه" فأمر بقتالهم، وقاتلهم علي وسائر الصحابة الذين معه، بل اتفق الصحابة على قتالهم،
стр. 1985
ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون مع أئمة العدل، وهل يقاتلون مع أئمة الجور؟؟ نقل عن بعض أهل العلم أنهم يقاتلون، وكذلك من نقض العهد من أهل الذمة، وهو قول الجمهور.
وقالوا يغزى مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا، إذا كان الغزو الذي يفعله جائزًا فإذا قاتل الكفار، أو المرتدين أو ناقضي العهد، أو الخوارج قتالًا مشروعًا قوتل معه، وإن قاتل قتالاً غير مشروع لم يقاتل معه، ومن أظهر رأي الخوارج ولم يخرج عن قبضة الإمام لم يتعرض لهم، وهو مذهب جماهير العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وتجري الأحكام عليهم فيما لهم وعليهم كأهل العدل.
(وللبزار) الحسن بن الصباح الحافظ، روى عنه البخاري وأبو داود وغيرهما، مات سنة تسع وأربعين ومائتين (عن ابن مسعود) ﵁ (مرفوعًا: لا يتبع مدبرهم) ليقتل (ولا يجهز على جريحهم) أي لا يتمم قتل من كان جريحًا من البغاة (ولا يقتل أسيرهم) بل يحبس حتى لا شوكة ولا حرب، لأن قتالهم لكفهم عن المحاربة، (ولا يقسم فيئهم) لأنه مال مسلم؛ وروى سعيد أنه صرخ صارخ لعلي يوم الجمل، لا يقتل مدبرهم ولا يذفف على جريحهم، ومن ألقي السلاح فهو آمن ومن وجد ماله بيد غيره أخذه لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين.
стр. 1986
وقال الوزير: اتفقوا على أن أموالهم لهم؛ وقال مالك والشافعي وأحمد لا يستعان بسلاحهم وكراعهم على حربهم، ويحرم قتالهم بما يعم إتلافهم، لأن إتلاف أموالهم، وقتل غير المقاتلة لا يجوز إلا لضرورة تدعو إليه، وما تلف حال الحرب غير مضمون.
وقال الوزير: اتفقوا على أن ما يتلفه أهل العدل على أهل البغي فلا ضمان فيه، وما يتلفه أهل البغي كذلك، وهو مذهب جمهور العلماء أبي حنيفة ومالك وأحمد، وظاهر كلام شيخ الإسلام أن من قتل باغيًا في غير حرب متأولاً فلا شيء فيه، وأن قتل الباغي العادل كذلك، وقال: الأمة يقع منها التأويل في الدم والمال والعرض، وذكر قصة أسامة وخبر المقداد وخالد ومع ذلك لم يضمن المقتول بقود ولا دية ولا كفارة، لأنه متأول، وقال أسيد لسعد في قصة الإفك: إنك منافق، والذي لعن رجلاً بحضرة النبي ﷺ ولم يعاقبهما.
فالمتأول المخطئ مغفور له خطؤه بالكتاب والسنة، وقال هو وغيره: إن اقتتلت طائفتان لعصبية أو طلب رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة منهما ما أتلفته على الأخرى، قال: فأوجب الفقهاء الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يعل عين المتلف، وإن تقاتلتا تقاصتا لأن المباشر والمعين سواء عند الجمهور، وإن جهل قدر ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساويا،
стр. 1987
ومن دخل بينهما لصلح فقتل وجهل قاتله أو أتلف ماله وجهل متلفه ضمنتاه على السواء
باب حكم المرتد
أي باب بيان حكم المرتد وما يوجب الردة من الأقوال والأفعال وغيرها، ومن يجب استتابته ومن يجوز قتله بدونها، وغير ذلك، والأصل في قتل المرتد الكتاب والسنة والإجماع والمرتد لغة الراجع واصطلاحًا الكافر بعد إسلامه طوعًا ولو هازلاً بنطق أو اعتقاد أوشك أو فعل (قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِد﴾ أي يرجع ﴿مِنْكُمْ﴾ أيهما المسلمون ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ إلى دين اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، أو الوثنية أو على غير دين ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ أي يرجع عن دين الإسلام ثم يموت على الكفر ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ النافعة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بسقوط الثواب ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فدلت الآية على كفر من ارتد عن دين الإسلام بأي نوع مما يوجب الردة، ولو كان إسلامه بحق، كمن أكره على النطق بالشهادتين فنطق بهما ثم ارتد، وسواء كان رجلاً أو امرأة لقصة أم مروان، وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد إن لم يتب.
стр. 1988
(وقال) تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ويغفر تعالى ما دون الشرك أكبره وأصغره ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده ثم قال ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا *﴾ وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وفي الصحيحين لما قيل له: أي الذنب أعظم؛ قال " أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" وقال "أكبر الكبائر الإشراك بالله" ولأحمد " الدواوين ثلاثة؛ فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله" وله أيضًا "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا".
(وقال) تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ فلا يدخلها من أشرك بالله ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ *﴾ أي وما للمشرك بالله الظالم المعتدي من ناصر ولا معين، ولا منقذ مما هو فيه، وفي الصحيح «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» وروى عبد بن حميد من حديث جابر قال رجل: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك به شيئًا دخل النار" فدلت هذه الآية والأحاديث وما في معناها على عظم الشرك، وأن من أشرك بالله فقد كفر، ومن كفر بعد إسلامه وجب قتله إن لم يتب.
وقال الشيخ: ومن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم
стр. 1989
ويسألهم أو يتوكل عليهم كفر إجماعًا ومن جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته كفر؛ وقال: ومن شك في صفة من صفاته ومثله لا يجهلها فمرتد، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد، ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله وإعادته لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة.
(وقال) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي فأولئك هم الكافرون حقًا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أي يؤمنون ببعض رسله ويكفرون ببعضهم بمجرد التشهي والعادة، وما ألْفوا عليه آباءهم، قيل نزلت في اليهود آمنوا بموسى، وكفروا بعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض واجب فمن رد نبوة نبي من الأنبياء حسدًا أو عصبية أو تشهيًا تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية.
ولهذا وسمهم الله تعالى بالكفر به وبرسله، وأنهم يريدون أن يفرقوا بين الله وبين رسله في الإيمان، فيقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ دينًا ومذهبًا يذهبون إليه، وطريقًا غير طريق الرسل، ومسلكًا، سوى مسلكهم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي كفرهم محقق لا محالة.
стр. 1990
بمن ادعوا الإيمان به، لأنه ليس إيمانًا شرعيًا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسوله، لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلاً وأقوى برهانًا منه، وإنما حقق تعالى كفرهم ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم، ثم قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ كما استهانوا بمن كفروا به.
فدلت الآيات وما في معناها على أن من كفر برسول من رسله، أو سبه فقد كفر، وقال الشيخ: بالإجماع، وقال: معلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين، أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع غير شريعة محمد ﷺ ، فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وقال من أطلق لعن التوراة يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وأما إن لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه، ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، وهم المؤمنون كما ذكر الله عنهم، يقولون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
(وقال) تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي لا يريدونه ولا يحبونه ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وسماهم تعالى كفارًا، فأول الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي سقوطًا لهم وشقاءً لهم وهلاكًا ثم قال: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أحبطها وأبطلها بسبب كراهتهم لما أنزل الله، وقال الشيخ: أو كان مبغضًا
стр. 1991
للرسول ﷺ ولما جاء به فقد كفر، وقال: ومن شفع عنده في رجل فقال: لو جاءني محمد يشفع فيه ما قبلت منه، إن تاب بعد القدرة عليه قتل، لا قبلها في أظهر قولي العلماء.
(وقال) تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي المنافقين في غزوة تبوك لما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، وقيل غير ذلك، فأنزل الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ ﴿كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ توبيخ وتقريع لهم، فإنهم كاذبون في اعتذارهم وقولهم: نخوض ونلعب ونتحدث نقطع به الطريق ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ فإني أعلم كذبكم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي بهذه المقالة التي استهزأتم بها، وأظهرتم الكفر بعدما أظهرتم الإيمان.
(إن نعف عن طائفة منكم) فنتوب عليهم قيل إنه مخشي ابن حمير، كان يضحك ولا يخوض، وينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وسأل الوفاة قتلاً في سبيل الله ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ منكم أي: لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.
فمن أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين كفر بالإجماع، وقال الموفق: ينبغي أن لا يكتفى من الهازل بذلك
стр. 1992
بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدبًا يزجره عن ذلك.
(وقال) تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ لما نبه تعالى على قدرته العظيمة وأن ﴿مِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على ذلك ﴿الليْلُ﴾ الباهر بظلامه ﴿وَالنَّهَارِ﴾ بضيائه ﴿وَالشَّمْسُ﴾ بنورها ﴿وَالْقَمَرُ﴾ بضيائه وكانا أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره تعالى وتسخيره، ونهى عن السجود لهما، وإشراكهما في
عبادته.
ثم قال ﴿وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ فهو المستحق أن يعبد وحده ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فلا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ثم قال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن إفراده بالعبادة، وأبو إلا أن يشركوا معه غيره ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ كما قال ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
فمن سجد للشمس أو للقمر أو للصنم أو نحوهما كفر بإجماع المسلمين.
(وقال) تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ أي من دون الله (أولياء) يعني الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ أي قالوا ما نعبدهم ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ تقريبًا ويشفعوا لنا عند الله إلى قوله ﴿إِنَّ
стр. 1993
اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي لا يرشد لدينه من كذب فقال إن الآلهة تشفع، وكفى باتخاذه الآلهة من دون الله كذبًا وكفرًا، فكفرهم تعالى باتخاذهم الشفعاء وسائط بينهم وبينه، وأخبر أنه يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، فيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ولا يهدي من كفر بآياته وحججه، وتقدم قول الشيخ: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، كفر إجماعًا.
(وقال) تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسله ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أي ارتدوا عن الإسلام ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ثم ارتدوا ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ على كفرهم بتكرر ردتهم، واستمرارهم على ضلالهم، وموتهم عليه، ولهذا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لموتهم على كفرهم، أو لإقامتهم عليه بدون توبة، وحكي أنه لا تقبل توبتهم، وأكثر أهل العلم على قبول توبتهم، وإنما المراد لا يغفر الله لهم ما أقاموا على كفرهم، وتقدم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ولا يجعل لهم فرجًا ولا مخرجًا ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى الحق، قال ابن عباس: ﴿ازْدَادُوا﴾ تمادوا على كفرهم حتى ماتوا.
ثم قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ من كفرهم ونفاقهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم
стр. 1994
﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ اتقوا الله ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلهِ﴾ الآية أراد تعالى الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، فزواله يكون بإخلاص القلب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله ﴿وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا *﴾ بمن شكره، ومن آمن به جازاه أوفر الجزاء والشكر ضد الكفر، وهذه الآيات كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
(وقال) تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ يعني هاروت وماروت ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ من الناس ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ امتحان وابتلاء ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ ففيها أن تعلم السحر وعمله كفر، فمن أراد الله شقاوته تعلم السحر منهما فيكفر به، ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان بالله، قال ابن العباس: إذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر، قال فإذا أبي عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج من النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء، فيقول يا حسرتاه يا ويله ماذا صنع.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي فيتعلم
стр. 1995
الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفرقون بين الزوجين ويؤخذ كل منهما عن صاحبه، ويبغض كل منهما إلى صاحبه، مع ما بينهما من الائتلاف وهذا من صنيع الشياطين، وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء المنظر أو الخلق ونحو ذلك أو عقدًا وبغضه ونحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة. ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ بقضاء الله وقدره، ثم أخبر أنهم ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي يضرهم في دينهم وليس له نفع ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ حظ ولا نصيب ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
(وقال) تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ وتبصره وشرح صدره بالكفر واطمئنانه به، فله العذاب العظيم في الدنيا والآخرة، لارتداده عن دين الإسلام بعد الدخول فيه، لاستحباب الدنيا على الآخرة، وأخبر أنه طبع على قلبه وسمعه وبصره وأنه من الغافلين، وفي الآخرة هم الخاسرون ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ فهو استثناء ممن كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه مكرهًا، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله والرسول.
стр. 1996
نزلت في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه، فوافقهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان وأجمع أهل العلم على أن من أكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول بلسانه غير معتقد بقلبه، وإن أبى حتى يقتل كان أفضل.
(وعن ابن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه) أي من بدل دين الإسلام، لأن الدين في الحقيقة هو دين الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وللطبراني من حديث ابن عباس: من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه، وتقدم ما يحل به دم المرء وهو التارك لدينه.
فدل الحديث على أن كل من وقع منه التبديل يقتل، ومن ترك دينه يجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، قال النووي هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فأما من بدله في الظاهر بلا إكراه فلا نزاع في قتله، ومن بدل في الباطن ولم يثبت عليه في الظاهر فإنها تجري عليه أحكام الظاهر، ومن بدل دينه في الظاهر لكن مع الإكراه على ما تقدم فتقدم.
واستدل الجمهور بالحديث على قتل المرتدة كالمرتد، وخالفت الحنفية، وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمله الجمهور على الكافرة الأصلية، إذا لم تباشر القتال، لقوله «ما كانت هذه لتقاتل» ثم نهى عن قتل النساء، وابن عباس راوي الحديث أمر بقتل المرتدة، وقتل أبو بكر في خلافته امرأة
стр. 1997
ارتدت والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك أحد منهم، وفي حديث معاذ وحسنه الحافظ أنه ﷺ قال له لما أرسله إلى اليمين أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وايما امرة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها، ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها، كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف، وقال الوزير: اتفقوا على أن المرتد عن الإسلام يجب قتله، ومذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي أنه يستتاب، فإن تاب في الحال قبل منه وإلا أجل للاستتابة ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل.
قال: (ولا تعذبوا بعذاب الله) أي فلا تحرقوا بالنار (رواه البخاري) قال الشيخ: إذا أسلم المرتد عصم دمه وماله، وإن لم يحكم بصحة إسلامه حاكم باتفاق الأئمة، بل مذهب أحمد المشهور عنه وأحد قولي أبي حنيفة والشافعي، أن من شهد عليه بالردة فأنكر حكم بإسلامه، ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه، بل بين تعالى أنه يتوب على أئمة الكفر.
(وعن معاذ بن جبل) ﵁ (في رجل أسلم ثم تهود) قال الحافظ لم أقف على اسمه، وذلك أن النبي ﷺ بعث أبا موسى إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه إذا عند رجل موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثم تهود؛ فقال معاذ (لا أجلس حتى يقتل) وذلك أنا أبا موسى وضع له وسادة وقال: أنزل. فأبى حتى يقتل (قضاء الله
стр. 1998
ورسوله) وفي رواية لأحمد: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه، ولأبي داود أن أبا موسى دعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه، ولفظ الصحيحين وغيرهما (فأمر به فقتل متفق عليه) وتقدم حكاية الإجماع على قتل المرتد عن الإسلام، واختلفوا في استتابة من تكررت ردته، وفي الزنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومذهب مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحمد أنه يقتل بكل حال، لفساد عقيدته، وقلة مبالاته بالإسلام.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ لما أتاه رجل من قبل أبى موسى، في رجل كفر بعد إسلامه – ما فعلته؟ قالوا: قربناه فضربنا عنقه.
فقال عمر (فهلا حبستموه) ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا (واستتبتموه) لعله يتوب ويراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني؛ رواه مالك والشافعي، وللبيهقي قال عمر: يا أنيس ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين قال: يا أمير المؤمنين قتلوا بالمعركة فاسترجع قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن تابوا وإلا أودعهم السجن.
فدل خبر عمر مع ما تقدم على استتابة المرتد، وهو قول الجمهور وحكي إجماعًا سكوتيًا، لأن عمر كتب في أمر المرتد، هلا حبستموه ثلاثة أيام، وخبر "من بدل دينه فاقتلوه" وللآية
стр. 1999
المتقدمة وغيرها، فكأن الصحابة فهموا من الخبر وغيره إن لم يرجع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وغيرها.
وعلى هذا فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار، رجل أو امرأة، دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه وحبس لعله أن يتوب ويراجع، فإن أسلم لم يعزر، وإن لم يسلم قتل بالسيف، إلا رسول كفار فلا يقتل للخبر، ولا يقتل المرتد إلا إمام أو
نائبه.
وتوبة المرتد وكذا كل كافر بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لقصة اليهودي وغيره، ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه فتوبته إقراره بالمجحود به أو براءته من كل دين يخالف دين الإسلام.
(وعن ابن عباس) ﵄ قال (إن أعمى كانت له أم ولد) أي غير مسلمة (تشتم النبي ﷺ ) تسبه (وتقع فيه) أي تعيبه وتذمه (فينهاها فلا تنتهي) وفي لفظ: يزجرها فلا تنزجر والمراد أنه يمنعها فلا تمتنع (فلما كان ذات ليلة) أي لما كان الأمر في ذات ليلة (أخذ المعول) بكسر فسكون المهملة سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه، أو حديدة دقيقة لها حد ماض (فجعله في بطنها واتكأ عليه) أي تحامل عليه (فقتلها) من أجل شتمها لرسول الله ﷺ (فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا اشهدوا) أي على ما أحكم به (أن دمها هدر) باطل لا قصاص
стр. 2000
فيه ولا دية (رواه أبو داود) والنسائي وغيرهما، وقال الحافظ رواته ثقات.
فدل الحديث على أن من سب النبي ﷺ يقتل، أما إذا فعل ذلك المسلم فقال الخطابي: لا أعلم فيه خلافًا وأما الذمي فإنه إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله فلا ذمة له؛ فيحل قتله، وكذا من سب نبيًا أو رسولاً أو ملكًا، لما تقدم، وقال الشيخ: من سب الصحابة أو أحدًا منهم أو اقترن بسبه دعوى أن عليًا إله أو نبي أو أن جبرائيل غلط، فلا شك في كفره.
(وعن جندب) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال: «حد الساحر ضربه بالسيف» وجاء من طريق آخر أن جندب الخير جاء إلى ساحر فضربه بالسيف، وقال: سمعت رسول الله، الحديث (رواه الترمذي) وروي من حديث بريدة «حد الساحر ضربة واحدة» وبهذا الحديث أخذ أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: إن عمل ما يبلغ به الكفر، وقول الجمهور أسعد بالدليل.
(وكتب عمر) بن الخطاب ﵁ (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، رواه البخاري) عن بجالة بن عبدة، وزاد فيه قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وقال أحمد: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يعني عمر وجندب وحفصة، فإنها أمرت
следующие страницы →