← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

نزلت في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه، فوافقهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان وأجمع أهل العلم على أن من أكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول بلسانه غير معتقد بقلبه، وإن أبى حتى يقتل كان أفضل. (وعن ابن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه) أي من بدل دين الإسلام، لأن الدين في الحقيقة هو دين الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وللطبراني من حديث ابن عباس: من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه، وتقدم ما يحل به دم المرء وهو التارك لدينه. فدل الحديث على أن كل من وقع منه التبديل يقتل، ومن ترك دينه يجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام، قال النووي هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فأما من بدله في الظاهر بلا إكراه فلا نزاع في قتله، ومن بدل في الباطن ولم يثبت عليه في الظاهر فإنها تجري عليه أحكام الظاهر، ومن بدل دينه في الظاهر لكن مع الإكراه على ما تقدم فتقدم. واستدل الجمهور بالحديث على قتل المرتدة كالمرتد، وخالفت الحنفية، وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمله الجمهور على الكافرة الأصلية، إذا لم تباشر القتال، لقوله «ما كانت هذه لتقاتل» ثم نهى عن قتل النساء، وابن عباس راوي الحديث أمر بقتل المرتدة، وقتل أبو بكر في خلافته امرأة

стр. 1997

ارتدت والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك أحد منهم، وفي حديث معاذ وحسنه الحافظ أنه ﷺ قال له لما أرسله إلى اليمين أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وايما امرة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها، ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها، كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف، وقال الوزير: اتفقوا على أن المرتد عن الإسلام يجب قتله، ومذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي أنه يستتاب، فإن تاب في الحال قبل منه وإلا أجل للاستتابة ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل. قال: (ولا تعذبوا بعذاب الله) أي فلا تحرقوا بالنار (رواه البخاري) قال الشيخ: إذا أسلم المرتد عصم دمه وماله، وإن لم يحكم بصحة إسلامه حاكم باتفاق الأئمة، بل مذهب أحمد المشهور عنه وأحد قولي أبي حنيفة والشافعي، أن من شهد عليه بالردة فأنكر حكم بإسلامه، ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه، بل بين تعالى أنه يتوب على أئمة الكفر. (وعن معاذ بن جبل) ﵁ (في رجل أسلم ثم تهود) قال الحافظ لم أقف على اسمه، وذلك أن النبي ﷺ بعث أبا موسى إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه إذا عند رجل موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثم تهود؛ فقال معاذ (لا أجلس حتى يقتل) وذلك أنا أبا موسى وضع له وسادة وقال: أنزل. فأبى حتى يقتل (قضاء الله

стр. 1998

ورسوله) وفي رواية لأحمد: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه، ولأبي داود أن أبا موسى دعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه، ولفظ الصحيحين وغيرهما (فأمر به فقتل متفق عليه) وتقدم حكاية الإجماع على قتل المرتد عن الإسلام، واختلفوا في استتابة من تكررت ردته، وفي الزنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومذهب مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحمد أنه يقتل بكل حال، لفساد عقيدته، وقلة مبالاته بالإسلام. (وقال عمر) بن الخطاب ﵁ لما أتاه رجل من قبل أبى موسى، في رجل كفر بعد إسلامه – ما فعلته؟ قالوا: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر (فهلا حبستموه) ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا (واستتبتموه) لعله يتوب ويراجع أمر الله، اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني؛ رواه مالك والشافعي، وللبيهقي قال عمر: يا أنيس ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين قال: يا أمير المؤمنين قتلوا بالمعركة فاسترجع قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن تابوا وإلا أودعهم السجن. فدل خبر عمر مع ما تقدم على استتابة المرتد، وهو قول الجمهور وحكي إجماعًا سكوتيًا، لأن عمر كتب في أمر المرتد، هلا حبستموه ثلاثة أيام، وخبر "من بدل دينه فاقتلوه" وللآية

стр. 1999

المتقدمة وغيرها، فكأن الصحابة فهموا من الخبر وغيره إن لم يرجع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وغيرها. وعلى هذا فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار، رجل أو امرأة، دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه وحبس لعله أن يتوب ويراجع، فإن أسلم لم يعزر، وإن لم يسلم قتل بالسيف، إلا رسول كفار فلا يقتل للخبر، ولا يقتل المرتد إلا إمام أو نائبه. وتوبة المرتد وكذا كل كافر بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لقصة اليهودي وغيره، ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه فتوبته إقراره بالمجحود به أو براءته من كل دين يخالف دين الإسلام. (وعن ابن عباس) ﵄ قال (إن أعمى كانت له أم ولد) أي غير مسلمة (تشتم النبي ﷺ ) تسبه (وتقع فيه) أي تعيبه وتذمه (فينهاها فلا تنتهي) وفي لفظ: يزجرها فلا تنزجر والمراد أنه يمنعها فلا تمتنع (فلما كان ذات ليلة) أي لما كان الأمر في ذات ليلة (أخذ المعول) بكسر فسكون المهملة سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه، أو حديدة دقيقة لها حد ماض (فجعله في بطنها واتكأ عليه) أي تحامل عليه (فقتلها) من أجل شتمها لرسول الله ﷺ (فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ألا اشهدوا) أي على ما أحكم به (أن دمها هدر) باطل لا قصاص

стр. 2000

فيه ولا دية (رواه أبو داود) والنسائي وغيرهما، وقال الحافظ رواته ثقات. فدل الحديث على أن من سب النبي ﷺ يقتل، أما إذا فعل ذلك المسلم فقال الخطابي: لا أعلم فيه خلافًا وأما الذمي فإنه إذا لم يكف لسانه عن الله ورسوله فلا ذمة له؛ فيحل قتله، وكذا من سب نبيًا أو رسولاً أو ملكًا، لما تقدم، وقال الشيخ: من سب الصحابة أو أحدًا منهم أو اقترن بسبه دعوى أن عليًا إله أو نبي أو أن جبرائيل غلط، فلا شك في كفره. (وعن جندب) بن عبد الله ﵁ (مرفوعًا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال: «حد الساحر ضربه بالسيف» وجاء من طريق آخر أن جندب الخير جاء إلى ساحر فضربه بالسيف، وقال: سمعت رسول الله، الحديث (رواه الترمذي) وروي من حديث بريدة «حد الساحر ضربة واحدة» وبهذا الحديث أخذ أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: إن عمل ما يبلغ به الكفر، وقول الجمهور أسعد بالدليل. (وكتب عمر) بن الخطاب ﵁ (أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، رواه البخاري) عن بجالة بن عبدة، وزاد فيه قال: فقتلنا ثلاث سواحر، وقال أحمد: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ يعني عمر وجندب وحفصة، فإنها أمرت

стр. 2001

بقتل جارية لها سحرتها، والسحر عقد ورقي وكلام يتكلم به فاعله أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل ومنه ما يمرض ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه كما تقدم، وتعلمه وتعليمه وفعله حرام بلا نزاع، ويقتل الساحر المسلم، ومعتقد حله لا ذميًا إلا أن يقتل بسحره. ويحرم طلسم، وهو خطوط وكتابة يستعملها الساحر يزعم أنها تدفع عنه كل مؤذ، ورقية بغير العربية، قال الشيخ: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به، ولو عرف معناه وجعل الألفاظ الأعجمية شعارًا ليس من دين الإسلام. (ولهما عن ابن عمر) ﵁ (مرفوعًا) أي أنه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس) أي المشركين منهم (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) والمراد العلم بمعناها، والعمل بمقتضاها (وأن محمدًا رسول الله) ومن قال: إنه مسلم ولم ينطق بالشهادتين لم يحكم بإسلامه ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ فهما ركنان لا يستقيم إسلام العبد إلا بهما (فإذا فعلوا ذلك) أي شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة (عصموا مني دماءهم وأموالهم) فلا يحل قتالهم حتى يأتوا بمناف للشهادتين (إلا بحق الإسلام) وهو التزام شرائعه قال أبو بكر: لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك.

стр. 2002

ولأحمد من حديث ابن مسعود في قصة اليهودي الذي يقرأ التوراة حتى أتى على صفة النبي ﷺ وأمته وقال هذه صفتك وأمتك أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله فقال: «آووا أخاكم» ومن كانت ردته بجحد رسالة محمد ﷺ إلى غير العرب، فلا بد أن يشهد أن محمدًا ﷺ بعث إلى الناس كافة، ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه فتوبته مع الشهادتين إقراره بما جحده من ذلك، وإن قال: أنا مسلم، ولا أنطق بالشهادتين لم يحكم بإسلامه، وإن أسلم المرتد وإلا صار ماله فيئًا من موته مرتدًا. ومن جحد عبادة من الخمس أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا كفر، ومن جحد شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها، أو شيئًا من الحلال المجمع عليه ومثله لا يجهله كفر، لمعاندته الإسلام، وامتناعه من التزام أحكامه، وعدم قوله لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة وإن كان مثله يجهله عرف حكم ذلك ليرجع عنه، قال الشيخ أو ترك إنكار منكر بقلبه.

стр. 2003

كتاب الأطعمة جمع طعام وهو ما يؤكل ويشرب، قال تعالى في النهر ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ والأصل في الأطعمة الحل، وقال الشيخ للمسلم، لأن الله أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا على معصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا يستعان بالمباح على الفواحش، كمن يعطي الخبز واللحم لمن يشرب عليها الخمر، ويستعين بها على الفواحش، ومن أكل من الطيبات ولم يشكر فمذموم قال تعالى: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي عن الشكر عليه. (قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾) لأجل انتفاعكم ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ مطعومًا كان أو مشروبًا أو غيرهما لما إحتج تعالى على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف المحيي المميت، قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ تشاهدون ذلك، ولكي تعتبروا وتستدلوا ولكي تنتفعوا بما خلقه لكم فيها. (وقال) تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ لما بين تعالى

стр. 2004

أنه لا إله إلا هو وأنه المستقل بالخلق والتدبير، بين أنه الرازق لجميع خلقه، وذكر في مقام الامتنان على خلقه أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض، في حال كونه حلالاً من الله طيبًا أي مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ولمسلم " يقول الله إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال " وفي طيب المطعم أحاديث كثيرة، وتأثيره عظيم في صفاء القلب، واستجابة الدعاء وغير ذلك وأكل الحرام ضرره عظيم، وأي لحم نبت على الحرام فالنار أولى به، ولو دعا لم يستجب له، كما تواترت بذلك الأخبار. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي في تحريم ما أحل الله وغيره ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير وتحذير منه، وفي صحيح مسلم " يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي فهو لهم حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما حللت لهم " قيل نزلت هذه الآية في الذين حرموا على أنفسهم ما أباح لهم الله من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، إلى أن قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريم الحلال من الطيبات وغير ذلك، وقال الوزير: اتفقوا على أن ما لا يحتاج من الأطعمة إلى ذكاة كالنبات وغيره من الجامدات والمائعات، فإنه يحل أكله ما لم يكن نجسًا بنفسه أو مخالطا لنجس أو ضارًا اهـ. أي كالسم ونحوه لقوله: ﴿وَلَاتُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.

стр. 2005

(وقال) تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ما يصاد منه طريًا مما لا يعيش إلا في الماء في جميع الأحوال (وطعامه) أي ما يتزود منه يابسًا مالحًا، أو ما لفظ ميتًا، وقال ابن عباس صيده ما أخذ منه حيًا، وطعامه ما لفظه ميتًا، وقال أبو بكر: طعامه كل ما فيه، ثم قال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي منفعة وقوتًا لكم أيها المخاطبون، والمراد بالبحر جميع المياه. واستثنى بعض أهل العلم الضفدع ويأتي، والسرطان، وذكر البغوي أن غير السمك قسمان، قسم يعيش في البر كاضفدع والسرطان، فلا يحل أكله، وقسم لا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، وذكر منه حية الماء، وهي على شكل حية، قال: وأكله مباح بالاتفاق، وذكره قول أبي بكر وعمر وغيرهما، ومالك وظاهر مذهب الشافعي، واستثنى أخرون التمساح والحية، لأن التمساح ذو ناب، والحية مستخبثة. (وقال) تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي ويحل الرسول ﷺ للذين يتبعونه، ما كان أهل الجاهلية حرموه على أنفسهم، من البحائر والسوائب والوصائل والحام، ونحو ذلك مما ضيقوا به على أنفسهم، وما حرم عليهم في التوارة من لحوم الإبل والشحوم وغير ذلك، من الطيبات، وكل ما أحل الله من المأكل والمشرب فهو طيب نافع في البدن والدين، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال ﷺ ‘" إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين " فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ

стр. 2006

الطَّيِّبَاتِ﴾ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وقال ﷺ " وما سكت عنه فهو عفو " ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ كالميتة والدم ولحم الخنزير والزنى وغير ذلك من المحرمات، وكل ما حرم الله فهو خبيث ضار في البدن والدين، ثم قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ فقد جاءنا صلوات الله وسلامه عليه بالتيسير والسماحة، وقال: " بعثت بالحنيفية السمحة " وكانت الأمم قبلنا في شرائعهم ضيق، فوسع الله على هذه الأمة ببركة نبيها ﷺ ، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في الدنيا والآخرة. فدلت الآية على أن الله تعالى أحل لنا الطيبات، وهي كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج، وحرم الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير والنجاسات، وما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، وكان مما أمر الشرع بقتله كالفواسق، أو نهى عن قتله كالنحلة والنملة فهو حرام، وقال بعض أهل العلم: وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم فحلال، وإلا فحرام لأن الله خاطبهم بهذه الآية فما استطابوا حلال.

стр. 2007

وقال الشيخ: وعند أحمد وقدماء أصحابه لا أثر لاستخباث العرب، وأن ما يحرمه الشرع حلال، واختاره وقال: أول من قال يحرم الخرقي، ولعل مراده ما يأكل الجيف، لأن الشافعي حرمه بهذه العلة، قال الشيخ: وما يأكل الجيف فيه روايتا الجلالة، وعامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم. (وقال) تعالى: (قل) أي يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ أي لا أجد شيئًا مما حرمتم على أنفسكم حرامًا ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي آكل يأكله ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، لما فيها من المضرة من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن، ولهذا حرمها الله ، ويستثني من ذلك الجراد والحوت. ثم قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يعني مهراقًا سائلاً، وجاء عن ابن عباس إنما حرم عليكم الدم المسفوح، وعن عائشة إنما نهي عن الدم السافح، وقال ابن عباس أيضًا: يريد ما خرج من الحيوان وهن أحياء، وما خرج من الأوداج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد والطحال، لأنهما جامدان، وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل. وقال الشيخ: إنما حرم الله الدم المسفوح المصبوب الهراق، فأما ما يبقى في عروق اللحم فلم يحرمه أحد من

стр. 2008

العلماء (أو لحم خنزير) أي وحرم عليكم لحم الخنزير، وهو حيوان خبيث، حرم على لسان كل نبي، (فإنه) أي لحم الخنزير (رجس) حرام (أو فسقًا) عطف على لحم خنزير ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ صفة له موضحة لتوغله في باب الفسق، أو هو ما ذبح على غير اسم الله. وجمهور أهل العلم على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، بل المحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها مما سيأتي وغيره. (وعن سلمان) الفارسي ﵁ (أن رسول الله ﷺ سئل عن السمن) وهو ما يخرج من اللبن بالمخض (والجبن) وهو ما يجمد من اللبن (والفراء) وهو حمار الوحش، صيد معروف (فقال: الحلال) أي ما جعله الله لنا حلالاً هو (ما أحل الله في كتابه) ضد ما حرمه (والحرام ما حرمه الله في كتابه) كالميتة والدم ولحم الخنزير وغيرهما مما حرمه الله (وما سكت عنه) فلم يحرمه (فهو مما عفا لكم، رواه الترمذي) والحاكم وغيرهما وفيه مقال، وله شواهد تدل على حصر التحريم والتحليل على الكتاب العزيز، وهو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام، ولو بطريق العموم أو الإشارة، أو باعتبار الأغلب، لحديث "أوتيت القرآن ومثله معه" وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 2009

فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن الله قد فصل لنا ما حرم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلا بد أن يكون تحريمه مفصلاً، وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرم الله فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا الله عنه ولم يحرمه، فيباح كل طاهر لا مضرة فيه، وقال الوزير: اتفقوا على أن ما لا يحتاج من الأطعمة إلى ذكاة كالنبات وغيره من الجامدات والمائعات، فإنه يحل أكله، ما لم يكن نجسًا بنفسه أو مخالطًا لنجس أو ضارًا أي كسم ونحوه وتقدم. (وعن جابر) بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية) وفي لفظ الإنسية وفي رواية أنه وجد القدور تغلي بلحمها فأمر بإراقتها، وقال: "لا تأكلوا من لحومها شيئًا" وفي رواية "إنها رجس" وتقدم ما يدل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهب جمهور العلماء، وما روي في خلاف ذلك لا يلتفت إليه مع صريح النهي من الشارع، ومنه إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، وإنها رجس من عمل الشيطان" وقال ابن المنذر: لا خلاف اليوم بين أهل العلم في تحريمها، ومفهومه حل الحمر الوحشية، وهو إجماع ثم قال: (وأذن في لحوم الخيل متفق عليه) وللترمذي وصححه: أطعمنا لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر، فدل الحديث أيضًا على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وحل لحوم الخيل.

стр. 2010

(ولهما عن أسماء) بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: (ذبحنا فرسًا) وفي لفظ: نحرنا، وتقدم أن النحر في اللبة، والذبح قطع الأوداج في غير الإبل، وفي الكتاب العزيز ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ وثبتا في السنة، والجواز مذهب الجمهور (على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه) ولأحمد "نحن وأهل بيته" وورد فيها غير ذلك، فدل الحديثان وغيرهما على حل لحوم الخيل، وقال عطاء لابن جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: أصحاب رسول الله ﷺ قال: "نعم"؛ ولم يثبت ما نقل عن ابن عباس في كراهتها، لاستدلاله بقوله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية، وخالف أبا حنيفة صاحباه في كراهتها، فالجمهور على حلها للأخبار المتواترة في ذلك، وما تولد بين حمار وحشي وفرس فهو بغل حلال، بخلاف المتولد بين حمار إنسي وفرس فحرام. (ولهما) أي البخاري ومسلم أيضًا (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ قال (رأيته ﷺ يأكل لحم دجاج) فدل الحديث على حله، ولا نزاع فيه، وفي الحديث قصة، وذلك أن رجلاً امتنع منه وحلف فأخبره أبو موسى بذلك. (وعن أنس) بن مالك ﵁ قال: أنفجنا أرنبًا وهي دويبة معروفة تشبه العناق، رجلاها أطول من يديها –بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا، فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا

стр. 2011

طلحة فذبحها قال: و (بعث أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري إلى النبي ﷺ بورك أرنب) الورك هو ما فوق الفخذ (وفخذها فقبله متفق عليه) ولفظ أبي داود: صدت أرنبًا فشويتها، فبعث معي أبو طلحة بعجزها إلى رسول الله ﷺ . فدل الحديث على جواز أكل الأرنب، وهو إجماع إلا ما روي عن عبد الله بن عمر وأبي حنيفة، لما روي أنه ﷺ لم يأكلها، وأمر أصحابه أن يأكلوها، ولا يدل على الكراهة لو صح، فما فعله ﷺ لا كراهة فيه، ما لم ينسخ أو يكن من خصائصه ﷺ وقال النووي: أكلها حلال عند الأئمة الأربعة والعلماء كافة إلا ما روي عن ابن عمر ﵁. (ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن ابن عباس) ﵄ (قال أكل الضب) دويبة معروفة أكبر من الحرذون يقال إنه يعيش طويلا، حنذ ووضع (على مائدة رسول الله ﷺ ) وذلك أنه لما أخبر به رفع يده، وفيه قال خالد: أحرام؟ قال: "لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه) قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر فلم ينهني ولمسلم من حديث ابن عمر "كلوا فإنه حلال" فدل الحديث على أن الضب حلال، وهو إجماع إلا ما روي عن بعض الحنفية من كراهته، وقال النووي: لا يصح كراهته عن أحد، وإن صح فمحجوج بالنصوص، وإجماع من قبله، وكونه ﷺ عافه لا ينافي كونه لا يعيب طعامًا قط، لأن عدم العيب إنما هو فيما صنعه، وما ذكر أنه

стр. 2012

مسخ فثبت أن الممسوخ لا عقب له. (وعن ابن أبي عمارة) واسمه عبد الرحمن بن عبد الله، وثقه النسائي وغيره (قلت لجابر) بن عبد الله ﵁ (الضبع صيد) أي صيد حلال، يحل أكله والواحد هو الذكر والأنثى ضبعان وتقدم (قال: نعم) أي هو صيد (قلت: آكلها، قال: نعم) أي فهي حلال (قلت: قاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم) أي قال هي صيد حلال (رواه الخمسة، وصححه الترمذي) والبخاري وابن حبان وغيرهم، ولفظ أبي داود عن جابر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: "هي صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم" ولأحمد من حديث جابر أمرنا بأكل الضبع، واحتج به أحمد. والحديث وغيره دليل على جواز أكل الضبع، وهو مذهب الشافعي وأحمد لهذا الحديث وغيره، وقال الشافعي مازال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، وقال الشيخ: مباحة عند الجماهير مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ل قوله "إنها صيد وأمر بأكلها" اهـ. ولأن العرب تستطيبه وتمدحه، واستدل من منع منه بحديث: "كل ذي ناب من السباع" وجميع أسنانها عظم واحد، كصفيحة نعل الفرس، فلا يدخل في عموم النهي، وقال ابن القيم: إنما حرم ما له ناب من السباع العادية بطبعها كالأسد، وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية

стр. 2013

والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية، التي تورث المغتذي بها شبهها، ولا تعد الضبع من السباع، لا لغة ولا عرفًا. (وتقدم) أي في باب محظورات الإحرام من حديث أبي قتادة في قصة صيده الحمار الوحشي (أمره) أصحابه (بالأكل من الحمار الوحشي) قال أبو قتادة فقال النبي ﷺ لأصحابه –وكانوا محرمين- " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ فقالوا: لا، قال: "فكلوه" والحديث متفق عليه ولا نزاع في حله. (وعن ابن أبي أوفى) ﵁ (قال غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد، وهو معروف والواحدة جرادة (متفق عليه) وتقدم قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ واستثناء الجراد والحوت منها، والحديث دليل على حل الجراد وهو إجماع وللبخاري، نأكل الجراد معه، ولابن ماجه كان أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد في الأطباق. (وعن ابن عمر) ﵁ (مرفوعًا) أي إلى النبي ﷺ أنه قال «أحلت لنا ميتتان ودمان» وأخرجه ابن مردويه وغيره بلفظ "يحل من الميتة اثنتان، ومن الدم اثنتان" (أما الميتتان" أي المحللتان (فالجراد) واحدته جرادة وسمي بذلك لأنه يجرد الأرض من النبات، (والحوت) السمك، وقد غلب في الكبير منه. والجمهور على إباحة ميتة البحر، سواء ماتت بنفسها أو

стр. 2014

ماتت بالاصطياد، وقال أبو بكر: الطافي على البحر حلال، ولا خلاف بين العلماء في حل السمك على اختلاف أنواع، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وحديث "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" واستثنى الضفدع للخبر، والسرطان والتمساح ونحوه للاستخباث، والضرر اللاحق من السم، (وأما الدمان) أي المحللتان (فالطحال) لحمة معروفة كالغدة، لازقة في الجنب الأيسر من الحيوان (والكبد) معروفة من سائر الحيوان، وهما دمان مباحان (رواه أحمد) وابن ماجه والدارقطني وفيه مقال وصححه غير واحد موقوفًا وله حكم الرفع. (وعن ابن عباس) ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع) رواه البخاري، ولمسلم من حديث أبي ثعلبة " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام" وله من حديث أبي هريرة نحوه، والناب السن خلف الرباعية جمعه أنياب، والسباع جمع سبع، وهو المفترس من الحيوان، قال ابن الأثير: نهى عن كل ذي ناب من السباع، وهو ما يفترس من الحيوان، ويأكله قهرًا وقسرًا، كالأسد والذئب والنمر ونحوه، وتقدم قول ابن القيم في اعتبار هذين الوصفين، وإسلام أبي هريرة بعد نزول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ فالحديث مفسر ومبين لما حرم من السباع، وإليه ذهب جمهور العلماء، أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وروي عن مالك الكراهة.

стр. 2015

(و) نهى عن (كل ذي مخلب من الطير) المخلب بكسر الميم، وهو لما يصيد من الطير، قال النووي: وتحريمه مذهب الجمهور أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وقال مالك يكره، والحديث (رواه مسلم) وغيره، وله نحوه من حديث أبي ثعلبة، وأبي هريرة، ولأحمد من حديث العرباض: "حرم يوم خيبر كل ذي مخلب من الطير" فاستفاضت السنة بالنهي عنه، والنهي يقتضي التحريم، وحكى بعض المالكية عن مالك مثل قول الجمهور، تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وقال ابن القيم: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وصحت صحة لا مطعن فيها، من حديث علي وابن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة، وقال الشيخ: إن الغاذي شبيه بالمغتذي فيصير في نفسه من الظلم والعدوان بحسب ما اغتذى به اهـ. وما له مخلب يصيد به كالبازي والصقر والشاهين والباشق ونحوها فحرام، لهذه النصوص وغيرها. (زاد الترمذي من حديث جابر: ولحوم البغال) ولفظه: حرم رسول الله ﷺ يعني يوم خيبر- لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" وسنده لا بأس به، وأصله في الصحيحين فدلت الأحاديث على تحريم ما ذكر، ومنها تحريم لحوم البغال، وهو

стр. 2016

قول جمهور العلماء وروي عن الحسن خلافه، ولعله لم يبلغه النهي. (وله عنه) أي وللترمذي من حديث جابر (نهى عن أكل الهر) واسمه أيضًا السنور والقط، معروف وهو عند مسلم من حديث جابر أيضًا أنه ﷺ "نهى عن ثمن الكلب والسنور" وظاهر الأحاديث تحريم أكله، سواء كان أهليًا وفاقًا، أو وحشيًا عند الجمهور، وقد يقال؛ يعمها اللفظ ولأنه من ذوات الأنياب. وروي من طريق عيسى بن نميلة، وهو ضعيف أن أبا هريرة قال: ذكر عند النبي ﷺ القنفذ، فقال: "خبيثة من الخبائث" فقال ابن عمر إن كان قاله رسول الله ﷺ فهو كما قال، وكرهه مالك وأبو حنيفة، ورخص فيه الشافعي، وقال بعض أهل العلم: الأصل الحل حتى يقوم دليل على الحرمة، وقيل أو يتقرر أنه مستخبث في غالب الطباع، وقال الشيخ حرم الله الخبائث من المطاعم إذ هي تغذي تغذية خبيثة، توجب للإنسان الظلم والعدوان. وقال الخبائث نوعان: ما خبثه لعينه ولمعنى قام به كالدم والميتة ولحم الخنزير، وما خبثه لكسبه، كالمأخوذ ظلمًا، أو بعقد محرم كالربا والميسر فالأول كل ما حرم ملامسته كالنجاسات حرم أكله، وليس كل ما حرم أكله حرم ملامسته كالسموم.

стр. 2017

(وعن عبد الرحمن) بن عثمان بن عبد الله (التيمي) القرشي ابن أخي طلحة بن عبيد الله الصحابي، قيل إنه أدرك النبي ﷺ وليست له رؤية، أسلم يوم الفتح، وقتل مع ابن الزبير ﵄، قال: (إن طبيبا سأل النبي ﷺ عن الضفدع) بزنة الخنصر، مائية معروفة (يجعلها في دواء) أي يجعل لحمها مع أشياء ترياقًا وكذا شحمها (فنهى عن قتلها، رواه أحمد) وصححه الحاكم، ورواه أبو داود والنسائي والبيهقي بلفظ: ذكر طبيب عند النبي ﷺ دواء، وذكر الضفدع يجعلها فيه، فنهى عن قتل الضفادع، وللبيهقي أيضًا من حديث ابن عمرو: "لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح" وقال: إسناده صحيح، وهو دليل على تحريم قتل الضفادع، وتحريم أكلها، والتداوي بها، وفي الإنصاف محرمة بلا خلاف أعلمه. (وتقدم) أي في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ (قوله ﷺ : خمس فواسق) فلا حرمة لهن بحال لفسقهن (يقتلن في الحل) ضد الحرم (و) يقتلن في (الحرم) وهو الذي لم يحل انتهاكه بقتل صيد ونحوه، ولفظه "الغراب والفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور" فدل الحديث على أن هذه الخمس محرمة، لأنه أباح قتلها في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم، فدل على حرمتها، وسميت فواسق لخبثها، ولخروجها عن خلق معظم الحشرات ونحوها، بزيادة الضرر والأذى، فأما الغراب فالمراد منه ما يأكل الجيف، كالأبقع والغداف، والأسود.

стр. 2018

الكبير لا غراب الزرع، والفأرة دويبة في البيوت معروفة، والعقرب وفي لفظ "والحية" مكان الفأرة والحدأة بكسر الحاء وفتح الدال وهي أيضًا من الجوارح. والكلب العقور وهو كل سبع يعقر أي يجرح ويقتل ويفترس كالأسد والنمر والذئب وغلب اسم الكلب على الحيوان النابح، وإلا فالكلب يقع على كل سبع يعض، وقال أبو المعالي: الأمر بقتل الكلاب منسوخ، وصح أنه أمر به ثم نهى عنه، واستقر الشرع على التفصيل، مثل إن كان عقورًا، وأمر بقتل الأسود البهيم، وهو في الابتداء، وهو الآن منسوخ، قال النووي: ولا مزيد عليه واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة مثل أن يقتني كلبًا إعجابًا بصورته أو للمفاخرة فهذا حرام بلا خلاف وحكاه الوزير وغيره. والترخيص لثلاثة: الزرع والماشية والصيد، وهذا جائز بلا خلاف، وأما العقرب وكذا الحية فقال الشيخ: أكل الحيات والعقارب حرام مجمع عليه، فمن أكلها مستحلاً لها استتيب ومن اعتقد التحريم وأكلها فهو فاسق، عاص لله ورسوله. (وعن ابن عباس) ﵄ (نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدواب) وهن مما يدب من الحيوان، إحداهن (النملة) وحكي أن تحريمها إجماع، وذكر البغوي والخطابي أن المراد به السليماني لانتفاء الأذى منه، دون الصغير (والنحلة)

стр. 2019

وهي نوع من الحيوان معروف، حريص على جمع الغذاء (والهدهد) وهو طائر معروف، ذو خطوط وألوان كثيرة، (والصرد) وهو طائر فوق العصفور (رواه أبو داود) ورواه أحمد، وصححه ابن حبان وقال البيهقي؛ هو أقوى ما ورد في هذه الباب، ورجاله رجال الصحيح، والحديث دليل على تحريم قتل الأربع المذكورة، ويؤخذ منه تحريم أكلها، لأنه لو حل لما نهى عن القتل، وفي الرعاية: ويحرم الخفاش وهو الوطواط وقال أحمد: ومن يأكل الخفاش؟ (وعن أم شريك) القرشية العدوية ﵂ (مرفوعًا) أنه (أمر بقتل الوزغ) جمعه أوزاغ وهو من الحشرات المؤذية، قال ابن عبد البر؛ مجمع على تحريمه وسام أبرص جنس منه وهو كباره (متفق عليه) زاد البخاري: "وكان ينفخ على إبراهيم ﵇" يعني في النار، لما جبل عليه من العداوة لنوع الإنسان ولمسلم من حديث أبي هريرة من قتله في أول ضربة كان له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك، حسب المبادرة بقتله. وقال الوزير: اتفقوا على أن حشرات الأرض محرمة إلا مالكًا فإنه كرهها (ونهى) يعني النبي ﷺ من حديث ابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شعيب وغيرهم (عن أكل الجلالة) وهي الحيوان الذي يأكل العذرة، وكذا بيضها

стр. 2020

(وألبانها، ورواه الخمسة) وسواء في ذلك الإبل والبقر والغنم والدجاج والأوز وغيرها، مما يلتقط العذرة، وجزم النووي وغيره أنه إذا كان أكثر علفها، وإن كان أكثر الطاهر فليست جلالة، وقيل الاعتداد بالرائحة والنتن، فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها فهي جلالة,. والنهي حقيقة في التحريم، والأحاديث الواردة في ذلك ظاهرة في تحريم أكل لحم الجلالة وشرب لبنها ومتى علفت طاهرًا، فطاب لحمها حل، لأن علة النهي التغير، وقال الجمهور: لا تؤكل حتى تحبس أيامًا، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد يباح أكل لحم الجلالة وأكل بيضها وإن لم تحبس مع استحبابهم حبسها، وكراهيتهم لأكلها بدون حبسها وكذا عند الجميع أكل الثمار والزروع والبقول، وإن كان سقيها بالماء النجس، وقال الشيخ وابن القيم وغيرهما: أجمع المسلمون على أن الدابة إذا أعلفت بالنجاسة، ثم حبست وأعلفت بالطاهرات حل لبنها ولحمها، وكذلك الزروع والثمار إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر، حلت لاستحالة وصف الخبث، وتبدله بالطيب اهـ. وكره بعض أهل العلم أكل تراب وفحم وطين وغدة وأذن قلب، وبصل وثوم ونحوهما ما لم ينضج بطبخ، وقال الخلوتي: كدخان ما لم يضر، فإن ضر حرم إجماعًا، وقال بحرمته جماعة من أتباع الأئمة وأهل الطب.

стр. 2021

فصل في المضطر أي في بيان حكم ما يباح للمضطر تناوله مما حرم عليه، كالميتة ومال الغير، والمضطر من أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء من ذلك، والأصل في إباحته له الكتاب والسنة والإجماع (قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي جهد في مجاعة تخمص لها البطون، والاضطرار الوقوع في الضرورة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء، يقال رجل خميص البطن، إذا كان طاويًا خاويًا، أي فمن وقع في ضرورة فله تناول شيء من المحرمات التي ذكر الله في هذه الآية. وهي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية أبيحت له لضرورة الحاجة إلى ذلك تفاديًا من الموت، أو مبادية (غير متجانف لإثم) أي غير مائل إلى إثم، أو منحرف إليه، أو مختار له، أي فأكل مما تقدم تحريمه، عليه لضرورته ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يؤاخذه بأكله. (وقال) تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ بكسر النون أي أحوج وألجئ وأصابته الضرورة إلى تناول شيء مما حرم عليه من الميتة ونحوها (غير باغ) أي في غير بغي، وأصله قصد الفساد (ولا عاد) أي متعد والعدوان مجاوزة الحد، قال ابن عباس وغيره: غير باغ في الميتة، ولا عاد في أكله، بأن يتعدى حلالاً إلى حرام يجد عنه مندوحة، وقيل: غير مجاوز القدر الذي أحل له، ولا مقصر فيما أبيح له فيدعه، حتى قيل: من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكله ولم يشرب حتى مات دخل النار، وحتى قيل:

стр. 2022

إنه عزيمة. وقال ابن القيم: الباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته على مباح غيرها، والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة، وقال الشيخ: غير باغ ولا عاد، صفة لضرورة الباغي، الذي يبتغي المحرم مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتجاوز قدر الحاجة، كما قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ وهذا قول أكثر السلف، وهو الصواب بلا ريب. وقال: وليس في الشرع ما يدل على أن العاصي بسفره لا يأكل الميتة، ولا يقصر، ولا يفطر بل نصوص الكتاب والسنة عامة مطلقة، كما هو مذهب كثير من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، وأهل الظاهر، وهو الصحيح اهـ، فدلت الآيتان على إباحة المحرمات عند الاضطرار، حضرًا وسفرًا، لأنها مطلقة غير مقيدة، ولأن الاضطرار يكون في الحضر والسفر، ولفظ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ عام في كل مضطر وفسر بعضهم غير الباغي أنه غير الطالب ما ليس له طلبه، بأن يأخذ ذلك من مضطر آخر مثله ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ لا يؤاخذه بذلك. قال الشيخ: والمضطر يجب عليه أكل الميتة في ظاهر مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم، لا السؤال قال: وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ ولا يكرهها، وإباحتها له لأن مصلحة بقاء النفس مقدم على دفع تلك المفسدة، مع أن ذلك عارض لا يؤثر اهـ، ومن محاسن الشريعة تحريم الميتة لما فيها من خبث التغذية، فإن اضطر إليها أبيحت له، وانتفى وجه الخبث منها

стр. 2023

حال الاضطرار؛ لأنه غير مستقل بنفسه في المحل المغتذى به، بل هو متولد من القابل والفاعل، فإن ضرورته تمنع قبول الخبث الذي في المغتذى به، فلم تحصل تلك المفسدة، لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذي فإذا زال الاختيار زال شرط القبول، فلم تحصل المفسدة أصلاً. (وقال) تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وقبلها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *﴾ فجمعوا بين سهوهم عن صلاتهم فأخروها عن وقتها، وبين المرءات، ومنع الماعون، كالدلو والماء والملح والنار، وغير ذلك مما تشتد الحاجة إليه، فلا هم أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولو بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، ومع بقاء عينه ورجوع إليهم، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما: الماعون هو ما يتعاطاه الناس بينهم، ويتعاونونه، من الفأس والقدر والدلو وأشباه ذلك، وقال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن الماعون والدلو والفأس والقدر، لا يستغنى عنهن. وقال عكرمة: رأس الماعون الزكاة، وأدناه المنخل والدلو والإبرة، ويجمع ذلك ترك المعاونة بمال أو منفعة، حتى قال بعضهم: الماعون المعروف، وفي الحديث " كل معروف صدقة" وروي فيه أحاديث مرفوعة، فيكون محظورًا شرعًا، وكذا عقلاً واستدل بعض الفقهاء بعموم الآية، والتي قبلها على أن من لم يجد إلا طعام غيره، لزم صاحب الطعام بذل ما يسد رمق

стр. 2024

المضطر، ما لم يكن ربه مضطرًا إليه، أو خائفًا فإن أبى رب الطعام، مع عدم ضرورته، فللمضطر أخذه منه، بالأسهل فالأسهل، فإن منعه فله قتاله، فإن قتل المضطر ضمنه رب الطعام، بخلاف عكسه، وإن منعه إلا بما فوق القيمة أخذه ولم يلزمه إلا القيمة. وقال الشيخ: إن كان فقيرًا فلا يلزمه عوض، إذ طعام الجائع، وكسوة العاري، فرض كفاية، ويصيران فرض عين على المعين، إذا لم يقم به غيره اهـ وإن بادر رب الطعام فباعه أو وهبه قبل الطلب صح، ويستحق المضطر أخذه من المشتري أو المتهب، وبعد الطلب لا يصح البيع، قال ابن رجب وغيره، في الأظهر قال الشيخ: وإذا وجد المضطر طعامًا لا يعرف مالكه، وميتة فإنه يأكل الميتة، إذا لم يعرف مالك الطعام، وأمكن رده إليه بعينه، وأما إذا تعذر رده إلى مالكه، بحيث يجب أن يصرف إلى الفقراء كالغصوب، والأمانات التي لا يعرف مالكها فإنه يقدم ذلك على الميتة. (وعن أبي واقد) الليثي ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا المخمصة فما يحل لنا من الميتة قال إذا لم تصطبحوا) أي تأكلوا صباحًا وهو أول النهار، وهو الغداء، معروف عند العرب (ولم تغتبقوا) أي تأكلوا عشية والصبوح والغبوق شرب اللبن أول النهار وآخره، ثم استعملا في الأكل للغداء والعشاء (ولم تحتفئوا) بكسر الفاء أي تظهروا

стр. 2025

(بها بقلا فشأنكم بها) البقل، هو: ما ينبت في بزره، وشأنكم بها أي: عليكم بها، وقال الأزهري: أراد إذا لم تجدوا ألبنة تصطبحونها أو شرابًا تغتبقونه، ولم تجدوا بعد عدم الصبوح والغبوق بقلة تأكلونها، حلت لكم الميتة، قال وهو الصحيح، وفي حديث العامري، قال: «ما طعامكم؟» قلنا: نغتبق ونصطبخ" قال عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية "قال: ذاك وأبي الجوع، فأحل لهم الميتة على هذه الحال". والآية المتقدمة دلت على أنه يجوز أكل المعتاد للمضطر في أيام عدم الاضطرار والجمهور إلى أنها الحالة التي يصل بها الجوع فيها إلى حد الهلاك، أو إلى مرض يفضي إليه، وتقدم بيان انتفاء الخبث في نحو الميتة عند الاضطرار، وقال ابن أبي حمزة: الحكمة في ذلك أن في الميتة سمية شديدة، فلو أكل ابتداء لأهلكته، فشرع له أن يجوع، ليصير في بدنه بالجوع سمية، هي أشد من سمية الميتة، والحديث (رواه أحمد) ورواه الطبراني ورجاله ثقات. (وله) أي الإمام أحمد وأبي داود بسند جيد (عن جابر) بن عبد الله ﵄ (أن أهل بيت كانوا بالحرة) أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود (فماتت عندهم ناقة) لهم أو لغيرهم ولأبي داود أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها فمرضت: فقالت: امرأته انحرها، فأبى فنفقت فقالت:

стр. 2026

اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها، ونأكله فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: هل عندك غنى يغنيك، قال: لا (فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها، قال فعصمتهم بقية شتائهم أو سنتهم) فدل الحديث على جواز تناول المضطر من الميتة ما يكفيه، كما هو نص القرآن ولا خلاف في ذلك. (وعن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» متفق عليه وفيه «أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته» أي الغرفة التي يجمع فيها الطعام "فينتثل طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم. ولأحمد من حديث اليثربي " لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه". فدل الحديث وما في معناه على أنه لا يحل أن يحلب ماشية غيره إلا بإذنه لنهيه ﷺ عن ذلك، وبالغ حتى شبه ما في ضروع المواشي من اللبن بالمشربة، وفي حفظها لما فيها من الطعام، فكما أن هذه يحفظ فيها الإنسان طعامه، فتلك تحفظ له شرابه، وهو لبن ماشيته، وكما أن الإنسان يكره دخول غيره إلى غرفة طعامه لأخذه كذلك يكره حلب غيره لماشيته، فلا يحل الجميع إلا بإذن المالك، والجمع بينه وبين ما يأتي أن النهي

стр. 2027

متناول للمحتلب غير الشارب، كالمتخذ خبنة من الثمار، وأحاديث الإباحة للمحتلب الشارب فقط. (وعن سمرة) ﵁ (مرفوعًا إذا أتى أحدكم على ماشية) أي ليحلب ويشرب (فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه) وظاهره الجواز، سواء كان مضطرًا إلى الشرب، أو لا، لعدم تقييده بحد، ولا تخصيصه بوقت، ثم قال: (فإن لم يجب فليحلب، وليشرب ولا يحمل) فأجاز التناول للكفاية فقط، ومنع من الحمل، رواه أبو داود وغيره و (صححه الترمذي) وقال ابن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وفي معناه أحاديث تشهد لصحته. (ولأحمد عن أبي سعيد نحوه) ولفظه "إذا مر أحدكم بإبل فاراد أن يشرب من ألبانها، فليناد: يا صاحب الإبل أو يا راعي الإبل، فإن أجابه وإلا فليشرب. (وقال في الحائط نحو ذلك) أي "إذا أتى أحدكم حائطًا فأراد أن يأكل فليناد: يا صاحب الحائط، ثلاثًا فإن أجابه وإلا فليأكل" ووراه ابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والحاكم، وغيرهم، قال ابن القيم: وذهب إلى القول بهما أحمد في إحدى الروايتين، والحديث الثالث عن ابن عمر، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه يسوغ الأكل من الثمار، وشرب اللبن، لضرورة وغيرها، ولا ضمان عليه وهذا المشهور عن أحمد، وقالت طائفة: لا لضرورة، مع ثبوت العوض، وهو المنقول

стр. 2028

عن الثلاثة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وخبر إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" وهذا أكل بإباحة الشارع. وقيل إن احتلب للحمل كان حرامًا، وهذا المنهي عنه، وإن كان للشرب فلا، ويدل عليه قوله في حديث عمرو بن شعيب " من أصاب منه من ذي حاجة، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه" ويدل على الجواز حديث عباد بن شرحبيل، ورافع ابن عمرو. فلأبي داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي رافع كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رافع لم ترم نخلهم؟» قلت: الجوع، قال «لا ترم، وكل ما وقع» صححه الترمذي، ولأبي داود من حديث شرحبيل نحوه، وقال لصاحبه "ما علمته إذ كان جاهلاً ولا أطعمته إذا كان جائعًا". وأبي سعيد الخدري: روى عنه من يميز حديثه مع أنه موافق لغيره، مما يدل على أنه محفوظ وأن له أصلاً، ولذلك صححه ابن حبان، قال المقبلي: ووجه موافقته للقانون الشرعي، ظاهر فيمن له حق الضيافة، كابن السبيل وفي ذي الحاجة مطلقًا، وسياقات الحديث تشعر بالاختصاص بمن هو كذلك، فهو المتيقن وأما الغني الذي ليس له حق الضيافة،

стр. 2029

فمشكوك فيه، فيبقى على المنع الأصلي اهـ، وهذه الأحاديث مخصصة لحديث ابن عمر ونحوه، وحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" كما ورد في الضيافة، وسد رمق المسلم ونحوه. فصل في الضيف أي في بيان حكم الضيف، وضيافته، ومن تجب عليه، وله، والضيف يطلق على الواحد والجمع، وقد يجمع على أضياف وضيوف وضيفان، والضيف هو المجتاز بالقرى والأمصار وغيرها فتجب للمسلم المجتاز بالقرى دون الأمصار عند الأكثر، لأن الأمصار يكون فيها السوق والمساجد وغيرها، فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة، بخلاف القرى فإنه يبعد فيها البيع والشراء، فوجبت ضيافة المجتاز بها، وإيواؤه لوجوب حفظ النفس، ودل على مشروعية الضيافة الكتاب والسنة. (قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أي هل جاءك يا محمد ﴿حَدِيثُ﴾ أي خبر ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ سموا ضيفًا لأنهم كانوا في صورة الضيف، ولأن الخليل حسبهم كذلك، وسماهم مكرمين، أي عند الله لقوله ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أو عند الخليل حين أكرمهم بنفسه، وعجل لهم القرى، وقرئ (مكرمين) بالتشديد ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ أي نسلم عليك سلامًا ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ أي عليكم سلام قيل: أي نحن وأنتم سلم و ﴿قَوْمٌ

стр. 2030

مُنْكَرُونَ﴾ أي للسلام الذي هو علم الإسلام، أو لأنهم ليسوا ممن عهدهم من الناس، أو قاله لهم للتعرف. (فراغ إلى أهله) أي ذهب إليهم على خفية من ضيفه (فجاء بعجل) هو ولد البقرة (سمين) ممتلئ الجسد من الشحم واللحم (فقربه إليهم) وضعه لديهم، ففيه أن من إكرام الضيف أن يقدم له أكثر مما يأكل، وأن لا يوضع بموضع ثم يدعي إليه (قال ألا تأكلون) قيل عرض للأكل، وقيل إنكار لعدم تعرضهم للأكل، ولا ريب أنه تلطف وعرض حسن، وتضمنت هذه الآية آداب الضيافة. (وقال) تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقدمون المهاجرين على أنفسهم، فيما عندهم من الأموال ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حاجة إلى ما عندهم، نزلت في الأنصاري الذي قدم للضيف قوته وعياله، والإيثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة النفس، والصبر على المشقة، قال: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي من سلم من الحرص الشديد، الذي يحمله على ارتكاب المحارم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. (وفي الصحيح) أي صحيح البخاري (عن أبي هريرة) ﵁ أنه قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه، فلم يجد عندهن شيئًا فقال:

стр. 2031

"ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله" إلى آخر الحديث، وذلك (أنها نزلت في أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، يعني قوله (ويؤثرون على أنفسهم) قال أبو طلحة: أنا يا رسول الله؛ ثم (قال لامرأته) أم سليم بنت ملحان الأنصارية (هذا ضيف رسول الله ﷺ ) أي نزل به وليس عنده ما يضيفه، لا تدخريه شيئًا. (فقالت: والله ما عندي) أي ليس لدي (إلا قوت الصبية) أي ما يقوت الصغار (فقال: نومي صبيانك) أرقديهم يقال: نومه فنام سكن (وأطفئي السراج) لئلا يروا ما يصنعون ونطوي بطوننا الليلة (وقدمي ما عندك) من القوت (للضيف) وهو يقال للمفرد وللجمع، والنازل بك (ونوهمه أنا نأكل) ليأكل والوهم ما يقع في القلب من الخاطر، وفيه "لقد عجب الله من فلان وفلانة في صنيعهما البارحة". (وله عنه) أي وللبخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ (في قصة قدح اللبن) وكان قد اشتد به الجوع فمر به النبي ﷺ وعرف ما به فدعاه، وإذا قحد لبن أهدي إليه فقال له: ادع أهل الصفة وأخذوا مجالسهم فقال: "خذ فاعطهم" فجعل يعطي الرجل منهم فيشرب حتى يروى، حتى انتهى إلى النبي ﷺ (قال له) أي قال لأبي هريرة «اقعد فاشرب فشربت» أي من ذلك القدح (فقال اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا أجد له مسلكًا) قال: «فأرنيه» فأعطيته

стр. 2032

القدح فحمد الله وأثنى عليه، وشرب الفضلة. ففي الحديث علم من أعلام النبوة، وتقديم أهل الصفة، فهم كالضيوف. (وعن أبي شريح) خويلد بن عمرو الخزاعي (مرفوعًا) على النبي ﷺ أنه قال ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ يعني الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي بيوم القيامة، المستعد المجتهد في فعل ما يدفع به أهواله، فيأتمر بما أمر الله به، وينتهي عما نهى عنه، ومن جملة ما أمر به قوله (فليكرم ضيفه) وهو القادم من السفر، النازل عند المقيم، ويطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى، والضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، واستدل الجمهور بقوله (جائزته) أنها ليست واجبة، وفسروها بالعطية، والصلة التي أصلها على الندب وأن معناه الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة (قالوا) يا رسول الله (وما جائزته؟ قال: يومه وليلته). والحديث دليل على وجوبها، لتأكد ذلك بقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» فإن فعل خلاف ذلك، فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وفروع الإيمان مأمور بها، ثم تعليق ذلك بإكرام الضيف، وهو أخص من مطلق الضيافة، فدل على لزومها، ولغير ذلك مما يأتي وغيره، قال: (والضيافة أي القرى ثلاثة أيام) أي طعام الضيف وشرابه، ومسكنه وعلف دابته

стр. 2033

(فما كان وراء ذلك فهو صدقة) أي معروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك، فصرح أن ما قبل ذلك واجب شرعًا (ولا يحل له أن يثوي) أي يقيم (عنده حتى يحرجه، متفق عليه) أي حتى يوقعه في الحرج وهو الإثم، لأنه قد يكدره، فيقول: هذا الضيف ثقيل، أو قد ثقل علينا بطول إقامته، أو يتعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ما لا يجوز. قال النووي: وهذا محمول على ما إذا أقام بعد الثلاثة بغير استدعائه، وأما إذا استدعاه وطلب منه إقامته، أو علم أو ظن منه محبة الزيادة على الثلاث أو عدم كراهته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما جاء لأجل كونه يؤثمه فلو شك لم يحل له. (ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن عقبة) بن عامر ﵁ قال: ٠قلت يا رسول الله إنك تبعثنا) في العمل (فننزل بقوم لا يقرونا) أي لا يضيفونا (فما ترى) أي أن نفعل إذا لم يضيفونا (فقال: إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف) أي من الإكرام بما لا بد منه من طعام وشراب، وما يلتحق بهما (فاقبلوا) أي ما ينبغي للضيف من القرى (وإن لم يفعلوا) أي فلم يقروكم (فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم). فدل على وجوب حق الضيف مع ما تقدم، وقيل هذا حيث لم يكن بيت المال، وقيل حيث كانت المواساة واجبة، والتأويل وتخصيص ما شرع الله لأمته لا يقبل إلا بدليل وليس

стр. 2034

في هذه الأدلة ما يخالف القواعد الشرعية، لأن مؤونة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة على المضيف، لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعًا كالمطالبة بسائر الحقوق، فإذا أساء إليه وأهمل حقه، كان له مكافأته بما أباح له الشارع. (ولأحمد من حديث المقدام) أبي كريمة (سمعته) يعني رسول اله ﷺ (يقول: ليلة الضيف) أي ويومه (واجبة على كل مسلم فإن أصبح بفنائه) أي المتسع أمام الدار وما امتد من جوانبها (محرومًا) أي من الضيافة (كان دينًا له عليه، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه) أي الأخذ بمثل قراه (وله أن يعقبهم بمثل قراه) فيأخذه، ورواه أبو داود وغيره، وإسناده على شرط الصحيح، وله أيضًا "أيما رجل استضاف قومًا، فأصبح الضيف محرومًا، فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلته، من زرعه وماله" وله شواهد، وقال أحمد له أن يأخذ من أرضهم وزرعهم ما يكفيه بغير إذنهم، وفي رواية عنه على أهل القرى دون الأمصار. باب الذكاة الذكاة تمام الشيء، ومنه الذكاة في السن، أي تمامه، وسمي الذبح ذكاة لأنه إتمام الزهوق، ويأتي قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه، ثم استعمل في الذبح

стр. 2035

سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداء، والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر مقدور عليه مباح أكله من حيوان يعيش في البر بقطع حلقوم أو مرئ، أو عقر إذا تعذر، قال الوزير: أجمعوا على أن ما أبيح أكله من الحيوان البري لا يستباح إلا بالذكاة، وأما البحري فما أبيح منه كالسمك فلا يحتاج إلى ذكاة، وأجمعوا على أن الذبائح المعتد بها ذبيحة المسلم العاقل، والمسلمة العاقلة القاصدين للتذكية، اللذين يتأتى منهم الذبح، وأن ذبائح أهل الكتاب العقلاء معتد بها. وقال الشيخ وغيره: يشترط قصد التذكية، فلو لم يقصد الأكل وقصد حل يمينه لم تبح. (قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذكاة ولا اصطياد لما فيها من المضرة، مضرة الدم المحتقن، فهي ضارة للدين والبدن، فلهذا حرمها الله ، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال، سواء مات بتذكية، أو غيرها كما سيأتي (والدم) يعني المسفوح منه لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو المصبوب المهراق، وكان أهل الجاهلية إذا جاع أحدهم، أخذ محددًا ففصد به بعيره أو حيوانًا غيره، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشويه ويأكله، فلهذا حرم، وأما الطحال والكبد فحلال للأخبار (ولحم الخنزير) إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد، فدل على شمول اللحم لجميع الأجزاء، من الشحم وغيره.
следующие страницы →