Полный текст (2 171 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
"ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله" إلى آخر الحديث، وذلك (أنها نزلت في أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، يعني قوله (ويؤثرون على أنفسهم) قال أبو طلحة: أنا يا رسول الله؛ ثم (قال لامرأته) أم سليم بنت ملحان الأنصارية (هذا ضيف
رسول الله ﷺ ) أي نزل به وليس عنده ما يضيفه، لا تدخريه شيئًا.
(فقالت: والله ما عندي) أي ليس لدي (إلا قوت الصبية) أي ما يقوت الصغار (فقال: نومي صبيانك) أرقديهم يقال: نومه فنام سكن (وأطفئي السراج) لئلا يروا ما يصنعون ونطوي بطوننا الليلة (وقدمي ما عندك) من القوت (للضيف) وهو يقال للمفرد وللجمع، والنازل بك (ونوهمه أنا نأكل) ليأكل والوهم ما يقع في القلب من الخاطر، وفيه "لقد عجب الله من فلان وفلانة في صنيعهما البارحة".
(وله عنه) أي وللبخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ (في قصة قدح اللبن) وكان قد اشتد به الجوع فمر به النبي ﷺ وعرف ما به فدعاه، وإذا قحد لبن أهدي إليه فقال له: ادع أهل الصفة وأخذوا مجالسهم فقال: "خذ فاعطهم" فجعل يعطي الرجل منهم فيشرب حتى يروى، حتى انتهى إلى النبي ﷺ (قال له) أي قال لأبي هريرة «اقعد فاشرب فشربت» أي من ذلك القدح (فقال اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا أجد له مسلكًا) قال: «فأرنيه» فأعطيته
стр. 2032
القدح فحمد الله وأثنى عليه، وشرب الفضلة.
ففي الحديث علم من أعلام النبوة، وتقديم أهل الصفة، فهم كالضيوف.
(وعن أبي شريح) خويلد بن عمرو الخزاعي (مرفوعًا) على النبي ﷺ أنه قال ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ يعني الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي بيوم القيامة، المستعد المجتهد في فعل ما يدفع به أهواله، فيأتمر بما أمر الله به، وينتهي عما نهى عنه، ومن جملة ما أمر به قوله (فليكرم ضيفه) وهو القادم من السفر، النازل عند المقيم، ويطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى، والضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، واستدل الجمهور بقوله (جائزته) أنها ليست واجبة، وفسروها بالعطية، والصلة التي أصلها على الندب وأن معناه الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة (قالوا) يا رسول الله (وما جائزته؟ قال: يومه وليلته).
والحديث دليل على وجوبها، لتأكد ذلك بقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» فإن فعل خلاف ذلك، فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وفروع الإيمان مأمور بها، ثم تعليق ذلك بإكرام الضيف، وهو أخص من مطلق الضيافة، فدل على لزومها، ولغير ذلك مما يأتي وغيره، قال: (والضيافة أي القرى ثلاثة أيام) أي طعام الضيف وشرابه، ومسكنه وعلف دابته
стр. 2033
(فما كان وراء ذلك فهو صدقة) أي معروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك، فصرح أن ما قبل ذلك واجب شرعًا (ولا يحل له أن يثوي) أي يقيم (عنده حتى يحرجه، متفق عليه) أي حتى يوقعه في الحرج وهو الإثم، لأنه قد يكدره، فيقول: هذا الضيف ثقيل، أو قد ثقل علينا بطول إقامته، أو يتعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ما لا يجوز.
قال النووي: وهذا محمول على ما إذا أقام بعد الثلاثة بغير استدعائه، وأما إذا استدعاه وطلب منه إقامته، أو علم أو ظن منه محبة الزيادة على الثلاث أو عدم كراهته فلا بأس بالزيادة لأن النهي إنما جاء لأجل كونه يؤثمه فلو شك لم يحل له.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن عقبة) بن عامر ﵁ قال: ٠قلت يا رسول الله إنك تبعثنا) في العمل (فننزل بقوم لا يقرونا) أي لا يضيفونا (فما ترى) أي أن نفعل إذا لم يضيفونا (فقال: إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف) أي من الإكرام بما لا بد منه من طعام وشراب، وما يلتحق بهما (فاقبلوا) أي ما ينبغي للضيف من القرى (وإن لم يفعلوا) أي فلم يقروكم (فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم).
فدل على وجوب حق الضيف مع ما تقدم، وقيل هذا حيث لم يكن بيت المال، وقيل حيث كانت المواساة واجبة، والتأويل وتخصيص ما شرع الله لأمته لا يقبل إلا بدليل وليس
стр. 2034
في هذه الأدلة ما يخالف القواعد الشرعية، لأن مؤونة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة على المضيف، لكل نازل عليه، فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعًا كالمطالبة بسائر الحقوق، فإذا أساء إليه وأهمل حقه، كان له مكافأته بما أباح له الشارع.
(ولأحمد من حديث المقدام) أبي كريمة (سمعته) يعني رسول اله ﷺ (يقول: ليلة الضيف) أي ويومه (واجبة على كل مسلم فإن أصبح بفنائه) أي المتسع أمام الدار وما امتد من جوانبها (محرومًا) أي من الضيافة (كان دينًا له عليه، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه) أي الأخذ بمثل قراه (وله أن يعقبهم بمثل قراه) فيأخذه، ورواه أبو داود وغيره، وإسناده على شرط الصحيح، وله أيضًا "أيما رجل استضاف قومًا، فأصبح الضيف محرومًا، فإن نصره حق على كل مسلم، حتى يأخذ بقرى ليلته، من زرعه وماله" وله شواهد، وقال أحمد له أن يأخذ من أرضهم وزرعهم ما يكفيه بغير إذنهم، وفي رواية عنه على أهل القرى دون الأمصار.
باب الذكاة
الذكاة تمام الشيء، ومنه الذكاة في السن، أي تمامه، وسمي الذبح ذكاة لأنه إتمام الزهوق، ويأتي قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه، ثم استعمل في الذبح
стр. 2035
سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداء، والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر مقدور عليه مباح أكله من حيوان يعيش في البر بقطع حلقوم أو مرئ، أو عقر إذا تعذر، قال الوزير: أجمعوا على أن ما أبيح أكله من الحيوان البري لا يستباح إلا بالذكاة، وأما البحري فما أبيح منه كالسمك فلا يحتاج إلى ذكاة، وأجمعوا على أن الذبائح المعتد بها ذبيحة المسلم العاقل، والمسلمة العاقلة القاصدين للتذكية، اللذين يتأتى منهم الذبح، وأن ذبائح أهل الكتاب العقلاء معتد بها. وقال الشيخ وغيره: يشترط قصد التذكية، فلو لم يقصد الأكل وقصد حل يمينه لم تبح.
(قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذكاة ولا اصطياد لما فيها من المضرة، مضرة الدم المحتقن، فهي ضارة للدين والبدن، فلهذا حرمها الله ، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال، سواء مات بتذكية، أو غيرها كما سيأتي (والدم) يعني المسفوح منه لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو المصبوب المهراق، وكان أهل الجاهلية إذا جاع أحدهم، أخذ محددًا ففصد به بعيره أو حيوانًا غيره، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشويه ويأكله، فلهذا حرم، وأما الطحال والكبد فحلال للأخبار (ولحم الخنزير) إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد، فدل على شمول اللحم لجميع الأجزاء، من الشحم وغيره.
стр. 2036
(وما أهل لغير الله به) أي ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام، لأن الله أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره، من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنه حرام بإجماع المسلمين (والمنخنقة) وهي التي تموت بالخنق إما قصدًا وإما اتفاقًا بأن تتخبل في وثاقها فتموت به فهي حرام، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت
أكلوها.
(والموقوذة) وهي التي تضرب بغير محدد، كخشب أو حجر أو غيرهما حتى تموت، قال بعض السلف: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي، حتى إذا ماتت أكلوها، ويأتي في باب الصيد "إذا أصابه بعرضه فهو وقيذ" فلا يحل بالإجماع، وما صدمه الجارح بثقله فلم يجرحه، فرجح ابن كثير وغيره عدم حله، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد قال: وهو أشبه بالصواب، لأنه أجرى على القواعد الأصولية، وأمس للأصول الشرعية واستدل بحديث " ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل" (والمتردية" وهي التي تتردى من مكان عال، أو في بئر فتموت.
(والنطيحة) وهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم، ولو من مذبحها فعيلة بمعنى مفعولة، أي منطوحة، وإنما استعملت فيها تاء التأنيث لأنها أجريت مجرى الأسماء، أو لتدل على التأنيث (وما
стр. 2037
أكل السبع) أي ما عدى عليها السبع فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام، وإن كان قد سال الدم من مذبحها فلا تحل بالإجماع، وكان أهل الجاهلية يأكلونه.
(إلا ما ذكيتم) أي إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، فذبحتموه، وفيه روح فكلوه فهو ذكي، وتقدم أن أصل التذكية الإتمام، ويقال: ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها، والمراد هنا إتمام فري الأوداج وإنهار الدم، وأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المرئ والحلقوم، وكماله أن يقطع الودجين معهما، مع بقاء الحياة فيها مستقرة بأن تحرك بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، فأما متى صارت هذه الأشياء المذكورة في الآية إلى حالة المذبوح فهي في حكم الميتة، فلا تكون حلالاً وإن ذبحت، واعتبر بعضهم الحركة القوية.
وقال الشيخ: إن خرج منه دم كعادة المذبوح حل، وقال بعد ذكر كلامهم في شروط تذكية المريضة ونحوها: الأظهر أنه لا يتشرط شيء من هذه الأقوال بل متى ذبح فخرج الدم الأحمر، الذي يخرج من الذكي في العادة، ليس هو دم الميت، فإنه يحل أكله، وإن لم يتحرك.
(وما ذبح على النصب) قيل النصب جمع واحده نصاب، وقيل واحد وجمعه أنصاب، وهو الشيء المنصوب، قال:
стр. 2038
قطرب: لأجل النصب، قال ابن جريج وغيره، وكانت النصب حجارة حول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبًا كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويضعونه على النصب، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، فالذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله ﷺ .
(وقال) تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ ذكر تعالى قبل هذه الآية ما أباحه لعباده، أن يأكلوا مما ذكر اسمه عليه، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسمه عليه، كما كان يستبيحه أهل الجاهلية، من أكل الميتة والمنخنقة والمقوذة والمتردية، ونحو ذلك، وما ذبح على النصب وغيرها، ثم قال: (وما لكم أن لا تأكلوا) أي وما يمنعكم أن تأكلوا ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهو ما تقدم في الآية قبلها، ثم نهاهم أن يأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
قال ابن القيم: وأما ذبيحة المجوسي والمرتد، وتارك التسمية، ومن أهل بذبيحته لغير الله، فنفس ذبح هؤلاء أكسب للمذبوح خبثًا، أوجب تحريمه، ولا ينكر أن يكون ذكر الأوثان والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها خبثًا وذكر اسم الله
стр. 2039
وحده يكسبها طيبًا، إلا من قل نصيبه من حقائق العلم والإيمان، وذوق الشريعة، وقد جعل الله ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح فسقًا، وهو الخبيث، ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها، ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح فإذا أخل به لابس الشيطان الذابح والمذبوح، فأثر خبثًا في
الحيوان اهـ.
واستدل بعض أهل العلم بهذه الآية أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلمًا وهو رواية عن مالك وأحمد، وقيل مستحبة، وهو مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وجماعة من السلف والخلف سقوط التسمية سهوًا لا عمدًا، لحديث عائشة: أن ناسًا قالوا يا رسول الله: إن قومًا حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، فقال: «سموا أنتم وكلوا» وقال ابن عباس إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله؛ وفي مراسيل أبي داود مرفوعًا، «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله».
ونقل أبو الحسن في كتابه الهداية الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، حتى قالوا: لو حكم حاكم بجواز بيعه لم ينفذ، لمخالفته الإجماع، وتقدم الخلاف، وقال ابن جرير من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من جميع الحجة، وخالف
стр. 2040
الخبر الثابت يعني " المسلم يكفيه اسمه" وفيه مقال، ومراده قول الجمهور، فإنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور فعده إجماعًا، ومما استدل به أصحاب هذا القول أن من تركها عامدًا لا تحل، وناسيًا تحل، قال المراد من الآية الميتات ونحوها، وما ذبح على غير اسم الله لقوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والفسق في ذكر غير اسم الله كما في قوله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؛ فنزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في أكل الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ إن عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه، إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، وهذه الآية تؤيد قول من قال إن المراد بالآية الميتات، وما ذبح على غير اسم الله.
(وقال) تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، الميتة والمنخنقة إلى آخر الآية، وما أحله لهم من الطيبات قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ يعني الذبائح على اسم الله ، والآية عامة في جميع الطيبات ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
стр. 2041
لَكُمْ﴾ أي ذبائحهم، وهذا بإجماع المسلمين أن ذبائحهم حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه ما هو منزه عنه.
قال ابن كثير: ولا يلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم، وهو متعبدون لذلك، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهرًا وجذام ولخم وعاملة، ومن أشبههم لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور، وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعًا لأهل الكتاب، فإنهم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
وقال الشيخ: كل من يدين بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده قد دخل في دينهم، أو لم يدخل وسواء كان دخوله بعد النسخ والتبديل أو قبل ذلك، وهو المنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه خلاف، وهو الثابت عند الصحابة بلا نزاع بينهم، وذكر الطحاوي أنه إجماع قديم، وأجمعوا على أن ذبائح الكفار من غير أهل الكتاب غير مباحة.
стр. 2042
وعن أحمد وغيره يحرم ما ذبحه أهل الكتاب لعيدهم، أو ليقربوه إلى شيء يعظمونه، ولو ذكروا اسم الله عليه، اختاره الشيخ، وقال ابن عقيل: يكون ميتة لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يؤكل، وقال الشيخ: هذا أشهر نصوص أحمد إذا نوى بها التقرب إلى غير الله، وإن سمى الله عليها، وقال: يحرم ما ذبحه الكتابي لعيده، أو ليتقرب به إلى شيء يعظمه، نص عليه، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ﴾ أي أيها المسلمون ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ فيحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، كما أكلتم من ذبائحهم وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، وحديث: "لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" محمول على الندب والاستحباب.
(وقال) تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ أي ما يصاد منه طريًا وطعامه ما يتزود منه مليحًا يابسًا، والمراد بالبحر جميع المياه، مالحة كانت أو حلوة، وعن ابن عباس، صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به (وتقدم) أي حديث "أحلت لنا ميتتان ودمان" في كتاب الأطعمة "أما الميتتان فالجراد والحوت" فيحل بدون ذكاة بالاتفاق وكذا ما طفى منه، عند الجمهور، وكذا الدبا والجندب يحل بدون ذكاة، سواء مات بسبب كبسه، أو تغريقه، وهو قول عامة أهل العلم.
(وقوله) أي وتقدم قوله "في البحر: هو الطهور ماؤه" يعني
стр. 2043
في باب المياه (الحل ميتته) يعني السمك وتقدم أن الجمهور على إباحة ميتة البحر، سواء ماتت بنفسها أو ماتت بالاصطياد، وأنه لا خلاف في حل السمك، على اختلاف أنواعه، للآية واستثنى الضفدع للخبر، والسرطان والتمساح، ونحوه للاستخباث، والضرر اللاحق من السم.
(وعن جابر) بن عبد الله ﵁ أنه قال: (ألقى البحر) أي طرح على جانبه (حوتًا) عظيمًا (ميتًا لم نر مثله) من حيتان البحر (يقال له العنبر) وهو حوت عظيم، قد يبلغ طوله ثلاثين ذراعًا، ضخم الرأس وله أسنان (فأكلنا منه نصف شهر) وقبله قال: غزونا جيش الخبط، وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا فألقى البحر حوتًا، وفيه: فأخذ أبو عبيدة عظمًا من عظامه، فمر الراكب تحته (وذكرنا ذلك) أي ما وجدوا من الحوت (للنبي ﷺ فقال: كلوا رزقًا) أي هذا الحوت (أخرجه الله لكم) "أطعمونا إن كان معكم" فأتاه بعضكم بشيء، فأكله (متفق عليه) فدل على حل حيتان البحر وإن طفت على جانبه.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن رافع) بن خديج ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدًا) لعله عرف ذلك بخبر أو قرينة وهم بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه (وليس معنا مدي) جمع مدية وهي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدي الحيوان أي عمره
стр. 2044
(فقال: ما أنهر الدم) أي أساله وصبه بكثرة، من النهر سمي به لجريانه، أي فهو حلال (وذكر اسم الله عليه فكلوا) أي حلالاً فدل الحديث على اشترط إنهار الدم، واشتراط التسمية وعلق الأذان بمجموعهما والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا باجتماعهما، وينتفي بانتفاء أحدهما.
(ليس السن) وهو العظم النابت في فم الحيوان (والظفر) مادة قرنية، تنبت في أطراف أصابع الحيوان، وفي لفظ "ما لم يكن سنًا أو ظفرًا، وسأحدثكم عن ذلك" (أما السن فعظم) أي ذلك عظم لا يحل الذبح به، ولعله قد تقرر كون الذكاة لا تحصل به، فاقتصر على قوله: "فعظم". قال النووي: أي لا تذبحوا بالعظم فإنها تنجس بالدم وقد نهيتم عن تنجيسها، لأنه زاد إخوانكم من الجن، وقال ابن القيم: هذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها، وإما على تنجيسه على مؤمني الجن، وقال ابن الجوزي: دل على أن الذبح بالعظم كان معهودًا عندهم أنه لا يجزئ وقررهم الشارع على ذلك.
(وأما الظفر فمدى الحبشة) أي فسكين الحبشة، وهم قوم كفار، وقد نهيتهم عن التشبه بهم، وقيل لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالبًا إلا الخنق، وتحريم الذبح بهما مذهب جمهور العلماء، وما روي عن أبي حنيفة مستدلاً بما روي "فر الدم بما شئت" فعلى تقدير صحته هو عوام مخصوص بحديث رافع وغيره، وقال الوزير: اتفقوا على أن الذكاة بالسن والظفر
стр. 2045
المتصلين لا يجوز، وقال مالك والشافعي وأحمد والمنفصلين لا يجوز أيضًا وتقدم أن الذكاة تكون بالنحر للإبل وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة حتى يفري أوداجها، والذبح لما عداها، وهو قطع الأوداج، وهما عرقان محيطان بالحلقوم، وتقع على الحلقوم والمريء، فسميت الأربعة أوداجًا واقتصر بعضهم على الثلاثة، وقال: المريء مجرى الطعام وليس به من الدم ما يحصل به إنهاره.
وقال الشيخ: يقطع الحلقوم والمريء والودجان، والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربع يبيح، سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ من إنهار الدم اهـ، وفيه أنه يجزئ محدد فيجزئ، السيف والسكين والحجر والخشبة والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء المحددة التي تنهر الدم، ويحصل بها القطع جرحًا وحكاه الوزير وغيره إجماعًا.
(وللبخاري) وغيره (عن كعب) بن مالك ﵁ (أن امرأة) كانت ترعى الغنم لكعب (ذبحت شاة بحجر)
وذلك بحده لا بثقله (فسئل رسول الله ﷺ ) عن حل ذبيحتها (فأمر بأكلها) فدل على صحة تذكية المرأة وهو قول
جمهور العلماء، وفيه خلاف شاذ لا يلتفت له مع النص،
ولا وجه له، ودل على صحة التذكية بالحجر الحاد إذا فرى الأوداج، لأنه جاء في رواية، أنها كسرت الحجر وذبحت به،
стр. 2046
والحجر إذا كسر يكون فيه حد، ودل على جواز ذبح ما خيف، موته بغير إذن مالكه، وهو مذهب الجمهور، وعلى تصديق الأجير الأمين فيما اؤتمن عليه، حتى يتبين عليه الخيانة، فإن الأمة كانت راعية لكعب، فخشيت أن تموت فذبحتها.
(وعن عائشة) ﵂ (أن قومًا) أتوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه (قالوا: يا رسول الله إن قومًا) وقد دخلوا في الإسلام (يأتوننا باللحم) من الحيوانات المباحة (لا ندري أذكر اسم الله عليه) أي عند التذكية (أم لا) أو لم يذكروا اسم الله عليه عند ذكاته (فقال) رسول الله ﷺ «سموا عليه أنتم وكلوا» أجاب ﷺ السائل بغير ما يترقب كأنه يقول الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله عليه، وتأكلوا منه (قالت وكانوا حديثي عهد بكفر، رواه البخاري).
وفي رواية: حديث عهدهم بالجاهلية؛ زاد مالك، وذلك في أول الإسلام؛ فدل الحديث على أنه لا يلزم أن تعلم التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين، ولا ما ذبحه الأعراب من المسلمين، لأنهم قد عرفوا التسمية، ولأن المسلم لا يظن به إلا الخير إلا أن يتبين خلاف ذلك.
(ولمسلم) وغيره (عن جابر) بن عبد الله ﵁ قال (نهى ﷺ أن يقتل شيء من الدواب صبرًا) أي حبسًا، وهو إمساكه حيًا ثم يرمى به حتى يموت؛ ولمسلم وغيره أيضًا عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: «لا تتخذوا شيئًا
стр. 2047
فيه الروح غرضًا» أي هدفًا ولعن من فعله.
(وله) أي لمسلم أيضًا في صحيحه (عن شداد بن أوس) ابن ثابت النجاري، ابن أخي حسان، مات سنة ثمان وخمسين (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: «إن الله كتب الإحسان» ضد الإساءة أي أوجب الإحسان (على كل شيء) من سائر الحيوانات (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر القاف، لتريحوا المقتول، وذلك من الإحسان به (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) ليحصل راحة الذبيحة وخلاصها من الألم، والذبحة بالكسر ما يذبح من الحيوان، وبالفتح الفعل نفسه، فالإحسان يتناول الحسن شرعًا وعرفًا وذكر منه الإحسان في القتل لأي حيوان، بهيمي أو آدمي حتى في حد وغيره ثم وضع بعض كيفيته فقال:
(وليحد أحدكم شفرته) بفتح الشين وسكون الفاء، أي سكينه، ولأحمد مرفوعًا "أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم" (وليرح ذبيحته) ويكون ذلك بإحداد السكين، والاتكاء عليها بقوة، وتعجيل إمرارها، وحسن الصنيعة في الذبح.
قال النووي: ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة وأن لا يذبح واحدة بحضرة أخرى، ولا يجرها إلى مذبحها وللدارقطني "ولا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق" أي لا تشرعوا في شيء من الأعمال المتعلقة بالذبيحة قبل أن تموت.
وقال الشيخ: في هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال، حتى في إزهاق النفس ناطقها وبهيمها فعلى
стр. 2048
الإنسان أن يحسن القتلة للآدميين، والذبحة للبهائم اهـ.
ولا يجوز الإحراق بالنار، لما روي «لا تعذبوا بالنار فإنه لا يعذب بها إلا ربها» فيحرم وقيل يحرم شيء: كل من السمك والجراد حيًا.
(وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه، رواه الخمسة) وفي لفظ "ذكاة الجنين بذكاة أمه" وللبيهقي "في ذكاة أمه" معللاً بأن ذكاة الأم ذكاة له فإنه جزء من أجزائها، والذكاة قد أتت على جميع أجزائها وأجزاء المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة، وهذا هو القياس الجلي، لو لم يكن في المسألة نص، كيف وقد اتفق النص والأصل. وقال ابن القيم: من قال ذكاة أمه بالنصب فقوله باطل من وجوه والحديث له طرق وتكلم بعضهم فيه.
وقال الجويني: لا يتطرق احتمال إلى متنه، ولا ضعف إلى سنده، وبمجموعها يحتج به، وصححه ابن حبان، وابن دقيق العيد، وفيه عن جماعة من الصحابة ما يؤيد العمل به، والجمهور على أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتًا بعد ذكاتها فهو حلال، مذكى بذكاة أمه.
وقال ابن المنذر: لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه، إلا ما يروى عن أبي حنيفة، وذلك لصراحة الحديث فيه أنه يحل بذكاة أمه مطلقًا سواء خرج حيًا أو ميتًا، وقال: كان الناس على إباحته، لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه
стр. 2049
إلى أن جاء النعمان فقال: لا يحل، واتفقوا على أنه إن خرج حيًا يعيش مثله لم يبح إلا بالذبح.
(وعن رافع) بن خديج ﵁ (قال: ند بعير) أي نفر من إبل القوم وكانوا في سفر مع رسول الله ﷺ ، ولم يكن معهم خيل (فرماه رجل بسهم) السهم النبل) ونبله رماه به (فحبسه) أي أصابه السهم فوقف (فقال رسول الله ﷺ : إن لهذه البهائم أوابد) أي توحشًا (كأوابد الوحش) أي شديد الهرب من حيوان البر (فما فعل منها هذا) أي فما ند منها كما يند أوابد الوحش (فافعلوا به هكذا) متفق عليه.
فدل على جواز أكل ما رمي بالسهم فجرح في أي موضع كان من جسده، بشرط كونه متوحشًا كما نص عليه الشارع، أو كان وحشيًا، وهو مذهب الجمهور، وقالوا فيما إذا وقع بعير أو بقرة أو شاة في بئر، فلم يقدر عليه إلا أن يطعن في سنامه أو عقره، فإنها تنتقل ذكاته من الذبح والنحر إلى العقر، إلا أن مالكًا قال: لا يجوز إلا أن يذكي، وقال أحمد لعله لم يسمع حديث رافع.
باب الصيد
أي هذا باب يذكر فيه أحكام الصيد والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، وهو لحاجة جائز، وللهو واللعب مكروه، وإن كان
стр. 2050
فيه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم وأموالهم فحرام، وتقدم أن الله حرم صيد الحرم، ومنع منه، وأن المحرم لا يباح له أن يصيد، ولا يحل له ما صيد لأجله، واشترطوا لإباحة الصيد أربعة شروط، كون الصائد من أهل الذكاة، وكون الآلة محددة، والجارح معلماً وقصد الصيد، والتسمية ويأتي مفصلاً.
(قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾) أي ما يصطاد منه طريًا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ أي ما يتزوج منه مليحًا يابسًا، وقال ابن عباس وغيره: صيد البحر ما أخذ منه حيًا وطعامه ما لفظه ميتًا وقال أبو بكر: كل ما فيه ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ أي منفعة وقوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ جمع سيار أي المسافرين، فدلت الآية على حل صيده وطعامه وميتته، وبحديث «الطهور ماؤه، الحل ميتته» وخبر الجيش الذي فيهم أبو عبيدة وهم ثلثمائة «انتهوا إلى البحر فإذا بحوت مثل الظرب، أكلوا منه ثمانية عشرة ليلة، وتزوجوا منه» وقال رسول الله ﷺ «هو رزق أخرجه الله لكم».
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي في حال إحرامكم، وتقدم حكمه، ومفهوم الآية حله في غير حرم وإحرام.
(وقال) تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ أي من إحرامكم ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرمًا عليكم في حال الإحرام من الصيد، فرد الحكم إلى ما
стр. 2051
كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح، قال جمع من أهل العلم: الأمر الوارد بعد النهي يرفع النهين فيعود الحكم إلى ما كان عليه في الغالب، وهو هنا إباحة الاصطياد واتفق أهل العلم أن الأمر هنا أمر إباحة لا أمر وجوب.
(وقال) تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وفي سورة الأعراف ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ قيل: نزلت في عدي وزيد قالا: إنا نصيد بالكلاب والبزاة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ أي وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وهن الكلاب المعلمة، والبازي وكل طير يعلم للصيد.
والجوارح هي الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها، وعامة العلماء أن المراد من الجوارح الكواسب من سباع البهائم، كالفهد والنمر والكلب، ومن سباع الطير، كالبازي والعقاب والصقر ونحوها مما يقبل التعليم، فيحل صيد جميعها، سميت جارحة لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد، أي كسبها، يقال: فلان جارحة أهله أي كاسبهم.
(مكلبين) المكلب هو الذي يغري الكلب على الصيد، أي في حال تكليبكم هذه الجوارح، أي إغرائكم إياها على الصيد، ذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم، والمراد جميع جوارح الصيد (تعلمونهن) تؤدبونهن آداب أخذ الصيد ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ أي
стр. 2052
من العلم الذي علمكم الله، وذلك أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه، فهذه ثلاثة أشياء إذا وجدت فيه كان معلمًا إذا أشلي استشلى، وإذا زجر انزرج، وإذا أخذ الصيد أمسكه ولم يأكل فمتى كان كذلك ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ من الصيد فالجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها، فأخذت الصيد وقتلته كان حلالاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ أي عند إرساله، فيقول: بسم الله، ويسن والله أكبر؛ كما بينته السنة فالتسمية شرط حالة الذبح، وفي الصيد حالة إرساله الجارحة، أو السهم فمتى كان معلمًا وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله حل الصيد وإن قتل بالإجماع وقال الوزير: اتفقوا على أن من شرط تعليم سباع البهائم أن يكون إذا أرسله استرسل وإذا زجره انزجر.
واشترط الجمهور ترك الأكل ولم يشترط مالك واتفقوا على أن سائر الجوارح سوى الكلب لا يعتبر في تعليمه ترك الأكل مما صاده، وإنما تعليمه هو أن يرجع إلى صاحبه إذا دعاه؛ قال الشيخ والتحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة، فإن قالوا إنه من جنس تعليم الصقر بالأكل لحق به وإن قيل إنه يعلم بترك الأكل كالكلب لحق به، وإذا لحق بالكلب بعد تعلمه، لم يحرم ما أمسك من صيده، ولم يبح ما أكل منه
стр. 2053
﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
(وعن أبي ثعلبة) الخشني ﵁ (قلت: يا رسول الله إنا بأرض صيد) أي يكثر فيها الصيد فـ (أصيد بقوسي) أي بالنبل (وأصيد بكلبي المعلم) وهو الذي يغرى فيقصد ويزجر فيقعد، وأما غير المعلم فهو الذي لا يمتثل الزجر، ولا يترك أكل ما أمسك، (والذي ليس بمعلم؟ فقال: ما صدت بقوسك) وتقدم صفة القوس، والمراد: بحده لا بعرضه، فمات (وذكرت اسم الله عليه) أي عند غرسال سهمك.
(فكل) ما أمسك عليك بهذه الصفة، فدل على اشتراط التسمية عند إرسال السهم، وكذا عند إرسال الجارحة، وفي حديث عدي "وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله" وظاهر الكتاب والسنة وجوب التسمية، وهو قول الجمهور، وإنما تسقط سهوًا للأخبار. (وما صدت بكلبك المعلم
وذكرت اسم الله عليه فكل) وفي رواية "إذا أرسلت كلبك المعلم" فلا يحل إلا إذا أرسله صاحبه فلو استرسل بنفسه، لم يحل ما يصيده إذا قتل، عند الجمهور، وظاهره إن لم يذكر اسم الله عليه فلا يأكل كما تقدم، وقيل لا تسقط بحال، بخلاف الذكاة فإن التسمية تسقط فيها سهوًا، والفرق بينهما كثرة الوقوع، وتكرره، بخلاف الصيد، ولا يضر إن تقدمت التسمية بيسير،
أو تأخرت بيسير عرفًا، وبكثير في جارح، إذا زجره فانزجر، ولو سمى على صيد فأصاب غيره حل، لا على سهم ألقاه
стр. 2054
ورمى بغيره، ثم قال: "والذي ليس بمعلم" أي وما صدت بكلبك غير المعلك "فأدركت ذكاته، متفق عليه" فالاعتماد هنا على التذكية لا على إمساك الكلب.
ودل الحديث على إباحة الصيد بالكلاب المعلمة، وهو مذهب الجمهور، بشرط إرساله إذا أرسله، وانزجاره إذا زجره، وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه، وأن لا يأكل منه، وأن الكلب غير المعلم لا يؤكل ما صاده إلا ما أدرك ذكاته والآية والسنة دلتا على شمول الجوارح الكواسب، ومن سباع البهائم والطير والفهد والنمر والعقاب والبازي والصقر والشاهين ونحوها، لأن العرب إذا ذاك تصيد بالكلاب والطيور، ولأن المكلب هو معلم الجوارح، ومضراها بالصيد لصاحبها، وارائضها لذلك، بما علم من الحيل، وطرق التأديب وحكي أنه قول فقهاء الأمصار.
(ولهما) أي البخاري ومسلم (عن عدي) بن حاتم ﵁ قال: (قلت يا رسول الله إنا نرسل الكلب المعلم فيمسك علينا) أي ولا ندركه إلا بعد موت الصيد (قال: كل) أي ما أمسكه عليك، وظاهره ولو أرسله على صيد فصاد غيره (قلت فإن قتل) أي ما صاده لنا (قال: وإن قتل) أي فكل لزهوقه بالجارح المعلم (ما لم يشركه كلب غيره) أي فإن شركه كلب غير كلبك المعلم فلا تأكل وفيه "فإن أخذ الكلب ذكاته" وذلك إذا لم يدركه الصائد إلا بعد الموت، سواء قتله
стр. 2055
جرحًا أو خنقًا، وإلا فالتذكية واجبة اتفاقًا لقوله "فإن أدركته حيًا فاذبحه" وإن أدركته وفيه بقية حياة، فإن كان قد قطع حلقومه أو مريئه أو جرح أمعاءه أو أخرج حشوته حل بلا ذكاة قال النووي: بالإجماع.
(فإنك إنما سميت على كلبك) فدل على وجوب التسمية عند الإرسال (ولم تسم على الآخر) نهى عنه لاحتمال تأثير كلب آخر غير المرسل، ترجيحًا لجانب الحظر، وفي رواية وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره. وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، فدل الحديث على حل أكل ما صاده كلبه المعلم، وإن قتل الصيد، ودل على أنه لا يحل أكل ما يشاركه كلب آخر في اصطياد، ومحله إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة فإن تحقق أنه أرسل من هو من أهل الذكاة، حل، وإن لم يقتل فإباحته متوقفة على التذكية لا على الإمساك.
(قال: وإن قتل) أعاده لما يأتي من قوله (إلا أن يأكل الكلب) أي الذي أرسلت، وفي رواية: "وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه) يعني الكلب، فدل على أنه يحرم ما أكل منه الكلب ولو كان معلمًا لتعليله بالخوف من أنه إنما أمسك على نفسه وهذا مذهب جمهور العلماء، ومن شرط المعلم أن لا يأكل، فأكله دليل على أنه غير كامل التعليم، وما ورد في خبر ثعلبة "وإن أكل منه" فحديث عدي أصح وأصرح، ومقرون بالتعليل
стр. 2056
المناسب للتحريم، وهو خوف الإمساك على نفسه، متأيد بأن الأصل في الميتة التحريم، ويدل عليه ظاهر القرآن، وهو قوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي صدن لكم.
ولأحمد من حديث ابن عباس: "إذا أرسلت كلبك، فإن أكل الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، فإذا أرسلته فقتله ولم يأكل، فكل فإنما أمسك على صاحبه" فجعله ﷺ علامة على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه، وقال ابن القيم: لا تعارض بين الحديثين على تقدير الصحة، ومحمل حديث عدي في المنع على ما إذا أكل منه حال صيده، لأنه إنما صاد لنفسه، ومحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن صاده ونهي عنه.
ثم أقبل عليه فأكل منه، فإنه لا يحرم لأنه أمسكه لصاحبه، وأكله منه بعد ذلك: كأكله من شاة ذكاها صاحبها، أو من لحم عنده، فالفرق بين أن يصطاد ليأكل، أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل منه، فرق واضح، فهذا أحسن ما يجمع به بين الحديثين.
(وسئل) ﷺ (عن صيد المعراض) قال ابن التين: إنه عصا في طرفه حديدة يرمي به الصائد، فما أصاب بحده ذكي، وما أصاب بعرضه فوقيذ، وقيل: هو السهم الذي لا ريش له، ولا نصل (فقال: ما خزق) أي بحده وقتل (فكل) فتلك ذكاته (وما قتل بعرضه) يعني المعراض (فهو وقيذ) أي موقوذ، والموقوذ ما قتل بعصا أو حجر أو ما لا حد فيه وقتل (فلا تأكل) فدل على أنه لا يحل صيد المثقل، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبندق
стр. 2057
الرصاص أقوى من كل محدد فيحل به الصيد.
(ولهما عنه) أي عدي بن حاتم ﵁ (مرفوعًا: إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين) وفي لفظ "ثلاث ما لم ينتن" أي تخبث رائحته (ليس به إلا أثر سهمك) أي نبلك (فكل) وفي رواية "فكل ما لم يبت" والتعليل بما لم ينتن، وما لم يبت، نص فيحمل ذكر الأوقات على التقييد به، ويترك الأكل على الاحتياط، وترجيح جانب الخطر، وإن وجد به أثر غير سهمه لم يأكل كما تقدم، فيما إذا خالط كلبه كلب آخر.
قال الشيخ: إذا لم يكن فيه إلا سهمه فإنه يحل، على الصحيح من أقوالهم، وبه أفتى النبي ﷺ عدي بن حاتم، وفي حديث أبي ثعلبة "فغاب عنك ثلاثة أيام، وأدركته فكل ما لم ينتن" فهذان الحديثان أفتى بهما النبي ﷺ ومن أفتى بغير ذلك فلم يبلغه الحديث، وأما إذا انتن فيكره أكله.
(وإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل) وهذا باتفاق العلماء إلا أن يتحقق أن سهمه أصابه فمات، ولم يقع في الماء إلا بعد أن قتله السهم، وظاهره، وإن وجد به أثر السهم، لأنه يجوز أنه ما مات إلا بالغرق، ما لم يتحقق موته قبل وقوعه في الماء.
وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا وجده في ماء، أو قد تردى من جبل، فإنه لا يلح أكله، لأنه يجوز أن يكون الماء أو الجبل هما اللذان قتلاه.
стр. 2058
باب الأيمان
جمع يمين وضعت في الأصل لتوكيد المحلوف عليه، وهي القسم والإيلاء والحلف، واتفق أهل العلم على أن من حلف على يمين لزمه الوفاء بذلك، إذا كان طاعة، وقال الشيخ: الحالف لا بد له من شيئين، من كراهة الشرط، وكراهة الجزاء عند الشرط، ومن لم يكن كذلك لم يكن حالفًا، سواء كان قصده الحظ والمنع، أو لم يكن، قال: والعهود والعقود متقاربة المعنى أو متفقة، فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام فهو نذر وعهد ويمين، وإن قال: لا أكلم زيدًا فيمين وعهد لا نذر، فالأيمان تضمنته مع النذر، وهي أن يلتزم به قربة فيلزمه الوفاء، وهي عقد وعهد ومعاهدة لله، لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه.
وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس، وهو أن يلتزم كل من المتعاقدين للآخر ما اتفقا عليه، فمعاقدة ومعاهدة يلزم الوفاء بها، إن كان العقد لازمًا، وإن لم يكن لازمًأ خير، وهذه أيمان بنص القرآن، ولم يتعرض لها ما يحل عقدتها إجماعًا وما يقصد به الحظ أو المنع أو التصديق أو التكذيب، بالتزامه عند المخالفة ما يكره وقوعه، سواء كان بصيغة القسم أو الجزاء فهو يمين، عند جميع الخلق، والأصل في الأيمان الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 2059
(قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أي لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة، فإن اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به، وروي أنه قول الرجل: لا والله بلى والله من غير قصد في الكلام، وقيل في الهزل، وقيل في المعصية، وقيل على غلبة الظن، وقيل في النسيان، وقيل هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك والمقصود أنه اليمين من غير قصد ولا عقد.
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ أي يعاقبكم ويلزمكم ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي بما صممتم عليه منها، وقصدتموها وتعمدتموها، وفي قراءة "عاقدتم" بالألف، وفي قراءة بالتشديد، أي وكدتم (وعقدتم) أصله عقد أحدهما يده بيد الآخر ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي ما تعمدتموه ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ قال ابن القيم: فهذا صريح في أن كل يمين منعقدة، فهذا كفارته ويأتي.
(وقال) تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية، وقال ابن عباس: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وهذه الآية كالتي قبلها وهي قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة
стр. 2060
من صفاته كقول: والذي نفسي بيده والله والرحمن، وعزة الله وعظمته ولعمر الله: يمين وكذا أمانة الله.
وأما قول الرجل: لعمرك جرى علي رسم اللغة، وذكر صورة القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط، لأنه أقوى من سائر المؤكدات، وأسلم من التأكيد بالقسم بالله، لوجوب البر به، وليس الغرض اليمين الشرعي، فصورة القسم على الوجه المذكور لا بأس به، ولهذا شاع بين المسلمين، وقال ﵊: "أفلح وأبيه".
(وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فأقسم تعالى بربوبيته الكاملة الشاملة وخص السماء والأرض وهما من أكبر مخلوقاته ولا نزاع في أن القسم برب السماء والأرض، وكذا برب كل شيء ونحو ذلك، جائز ويمين منعقدة.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي قسمًا غليظًا وذكر تعالى القسم باسمه الشريف في مواضع، وقال تعالى: ﴿تَاللهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ *﴾ سؤال توبيخ، من إثباتهم الشريك، وجعلهم له نصيبًا مما رزقهم الله وقال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وغير ذلك.
وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى﴾ تبعثون ﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ فأمره تعالى بالإقسام به على تصديق ما خبر به في ثلاثة مواضع من كتابه، ويستحب الحلف على
стр. 2061
الخبر الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عنه ﷺ الحلف في أكثر من ثلاثين موضعًا.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أي لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم، إذا حلفتم على تركها، وذلك بأن يدعى أحدكم، إلى صلة رحمه أو بر، فيقول: حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر، قال تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
قال ابن عباس: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير، وفي الصحيحين " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وقال لعبد الرحمن بن سمرة "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك"
فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير كما سيأتي، قال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يجعل اسم الله عرضة للأيمان يمنع من بر أو صلة، وإن كان قد حلف فالأولى، أن يحنث إذا حلف على ترك البر، ويكفر، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أي لا يحلف من الألية وهي القسم ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي الطول والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي الجدة ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين، نزلت في الصديق حلف أن لا
стр. 2062
ينفع مسطح بن أثاثه بعدما قال في عائشة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ أي يستبدلون ﴿بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الكاذبة ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي شيئًا قليلا من حطام الدنيا ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾.
وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ﴾ وهو ادعاء الإسلام ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الحلف عليه كذب، عنى بها المنافقين الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم، أخبر أنهم كاذبون في
حلفهم.
(وعن ابن عمر) ﵄ قال: (أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف) أي بلفظ (لا ومقلب القلوب، رواه البخاري) فلا رد ونفي للكلام السابق، ومقلب القلوب هو المقسم به، والمراد تقليب أحوالها، وصرفها من رأي إلى رأي، وذكر الألفاظ التي كان ﷺ كثيرًا ما يقسم بها، وفي رواية "لا ومصرف القلوب" "والذي نفسي بيده" "والذي نفس محمد بيده" "ورب الكعبة" ولابن أبي شيبة كان إذا اجتهد في اليمين قال: "والذي نفس أبي القاسم بيده" وفيها دليل على جواز الإقسام بها، وانعقاد
اليمين.
(ولهما عن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا: لما خلق الله الجنة) وزخرفت وأرسل جبريل إليها فقال: انظر إلى ما أعددت
стр. 2063
لأهلها فيها (قال جبرائيل: لا وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها) لما رأى من النعيم ولذاتها، وذلك قبل أن تحف بالمكاره، والنار بالشهوات، وفيه جواز الحلف بعزة الله، وانعقاد اليمين به، وحكى الله عن إبليس أنه (قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وفي الصحيحين في الذي بين الجنة والنار فيقول: رب اصرف وجهي عن النار، لا وعزتك لا أسأل غيرها، وفي الخبر عن أيوب: بل وعزتك وأقره النبي ﷺ .
(وعن قتيلة) بنت صيفي الأنصاري صحابية مهاجرة، قالت: (أمرهم ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة) فلا يقولوا والكعبة كما ذكر ذلك عنهم من أنهم يقولون والكعبة (رواه أحمد) والنسائي وذلك أن اليهودي قال: إنكم تنددون تقولون والكعبة، فأمرهم بما لا تنديد فيه ولا شرك، فدل على جواز الحلف برب الكعبة، وانعقاد اليمين به.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعًا: إن لله تسعة وتسعين اسمًا) عدها بعض الرواة (من أحصاها دخل الجنة) ففيه فضيلة حفظها، وجواز القسم بها (متفق عليه) وفي لفظ "من حفظها" وليس الحديث حصرًا لأسماء الله، لحديث "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك".
стр. 2064
قال الوزير: اتفقوا على أن اليمين بالله منعقدة بجميع أسماء الله الحسنى، كالرحمن والرحيم والحي وغيرها، وبجميع صفات ذات الله كعزة الله وجلاله.
والمراد فيما إذا حنث فيها، تجب فيها الكفارة، قال ابن عبد البر وغيره، لا خلاف في ذلك إلا عمن لا يعتد بقوله.
(ولهما عن عمر" ﵁ (مرفوعًا: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) وذلك أنه ﷺ سمعه يحلف بأبيه فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده: "فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" أي فلا يحلف إلا بالله أو أسمائه أو صفاته، وهذا باتفاق أهل العلم، وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على عدم جواز الحلف بغير الله، والجمهور على أن الحلف بغير الله لا ينعقد، لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه.
(وللنسائي) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد» و (لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون) وفي لفظ "ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون" فدل الحديث- وكذا غيره- على تحريم الحلف بغير الله، ويأتي "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ويحرم الحلف بالبراءة من الإسلام، أو من الدين أو بأنه يهودي ونحو ذلك.
وقال ابن القيم: اتفق الناس أنه إن قال: إن فعلت كذا فهو
стр. 2065
يهودي أنه لا يكفر إن قصد اليمين، ولأبي داود وغيره: "إن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا".
(وعن عمر) ﵁ (مرفوعًا: من حلف بغير الله بنبي أو ولي أو غيرهما (فقد كفر أو أشرك) وفي رواية: "فقد كفر" وفي رواية "فقد أشرك" ويحتمل أن يكون شكًا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو (حسنه الترمذي) ورواه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم.
وقد يكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما يكون من الشرك الأصغر، ما لم يسو بينه وبينه أو يكون المحلوف به عند الحالف أعظم من الخالق جل وعلا، فهو أكبر ناقل عن الملة، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
(وعن ابن عمر) ﵁ (أنه ﷺ قال في زيد بن حارثة) ﵁ حين أمر ابنه (وأيم الله إنه لخليق بالإمارة) أي لجدير بها يستحق أن يكون أميرًا، وقال في قصة سليمان "وايم الذي نفس محمد بيده" الحديث، وحديث "وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد" إلخ، قيل أصلها يمين الله، وقيل عوض عن واو القسم، وقيل كقول بالله، أو أحلف بالله، وحكي غير ذلك، ومذهب المالكية والحنفية والأصح عن أحمد أنها يمين تنعقد، وعند الشافعية إن نوى اليمين.
стр. 2066
(وقال أسيد) بن حضير ﵁ (لسعد) بن عبادة لما استعذر النبي ﷺ من عبد الله بن أبي (لعمر الله لنقتلنه) فتثاور الحيان، والحديثان (متفق عليهما) وذلك فيما قص الله علينا من قصة أهل الإفك، وتبرئة عائشة ﵂، فمن قال: لعمر الله فكأنه قال: أحلف ببقاء الله، واللام للتوكيد، أي: ما أقسم، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
(وقال العباس) بن عبد المطلب ﵁ (للنبي ﷺ أقسمت عليك) وذلك في هجرة صفوان، وقد انطلق به العباس إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فامتنع فقال العباس: أقسمت عليك (لتبايعنه) فبسط رسول الله ﷺ يده فقال: "هات أبر قسم عمي ولا أهجره" (رواه أحمد) وابن ماجه، فدل على أن قول الرجل: أقسمت عليك: يمين؛ وهو مذهب الكوفيين والمشهور عن أحمد.
ويحرم الحلف بالله على الكذب، وأعظم منه الحلف بغير الله، وإن كان صادقًا، وقال ابن مسعود وغيره: لأن أحلف بالله كاذبًا، أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقًا؛ قال الشيخ: لأن حسنة التوحيد، أعظم من حسنة الصدق؛ وسبب الكذب أسهل من سبب الشرك.
(ولأبي داود عن بريدة) ﵁ (مرفوعًا من حلف بالأمانة) لكونها مخلوقة (فليس منا) ففيه الوعيد الشديد على من
стр. 2067
حلف بالأمانة، حيث تبرأ منه النبي ﷺ ، والأمانة تقع على الطاعة والعبادة، والوديعة والأمان وغير ذلك، وإذا قال الحالف: وأمانة الله كعهد الله، فيمين وتقدم.
وإن حلف بالنبي ﷺ لم تنعقد يمينه، وهو مذهب الجمهور أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحد القولين لأحمد لما تقدم من قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر" وقوله "لا تحلفوا إلا بالله" وغيرهما، وأما الحلف بالعتاق والطلاق، فقال الشيخ في موضع: لا يكره لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئًا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك، كما أنكروا على من حلف بالكعبة.
وقال ابن القيم في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآية: فهذا صريح في أن كل يمين منعقدة، فهذا كفارتها، وقد أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات، والحلف بأحب القربات المالية إلى الله، وهو العتق كما ثبت ذلك عن ستة منهم، ولا مخالف لهم من بقيتهم، وأدخلت فيه الحلف بالبغيض إلى الله وهو الطلاق، كما ثبت ذلك عن علي، ولا مخالف له منهم، فالواجب تحكيم هذا النص العام والعمل بعمومه، حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيقنًا على خلافه، فإن الأمة لا تجتمع على خطأ ألبتة.
стр. 2068
(وتقدم) في باب التأويل في الحلف (يمينك) أي إنما تنعقد يمينك (على ما يصدقك به صاحبك) أي واقع عليه، والحديث رواه مسلم، وفي رواية: "اليمين على نية المستحلف" بكسر اللام، والمراد المستحلف المظلوم، أي اليمين حصلت على نية المستحلف، وهو طالب اليمين، فالنظر في اليمين إلى نية طالب الحق واعتقاده، فالتأويل على خلاف قصد طالب اليمين لا يدفع إثم اليمين الكاذبة، فالاعتبار بقصد المحلف، سواء كان هو الحاكم أو الغريم، وأن يكون المحلف بفتح اللام ظالمًا.
أما لو كان مظلومًا، والمحلف بكسر اللام كاذب فالاعتبار بنية الحالف، وكذا إذا حلف بغير استحلاف، وورّى فتنفعه التورية ولا يحنث سواء حلف ابتداء، أو حلفه غير القاضي، كما حكاه النووي وغيره، فاليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه، قال والتورية وإن كان لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها، حيث يبطل بها حق المستحلف وهذا مجمع عليه.
وحكى القاضي الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته، ويقبل قوله، وأما إذا كان لغيره حق عليه، فلا خلاف أنه يحكم بيمينه سواء
حلف متبرعًا، أو باستحلاف، ولعل مستند الإجماع على
أن الحالف له نيته في غير استحلاف القاضي ونحوه – خبر
стр. 2069
حنظلة، حيث حلف للعدو أن وائلاً أخوه، فقال النبي ﷺ "كنت أبرهم وأصدقهم".
وقال الشيخ وغيره: لا يجوز التعريض لغير ظالم وهو قول جماعة، ولأنه تدليس كتدليس المبيع، ونص أحمد على أنه لا يجوز التعريض مع اليمين.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (لأن يستلج) أي يتمادى (أحدكم في يمينه) فيلج فيها ولم يكفرها زاعمًا أنه صادق (آثم له عند الله) أي أعظم إثمًا (من أن يؤدي الكفارة) وتقدم أنه قال: "ما حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني" فدل الحديث على أن أداء الكفارة، خير من التمادي فيما زعمه الذي يأثم
من أجله.
(وفي السنن عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: من حلف على يمين) أي مطلقًا (فقال إن شاء الله، فلا حنث عليه) لأن الاستثناء بمشيئة الله، والتقيد به يمنع الحنث في اليمين، ورواه أحمد وغيره، وله طرق وللخمسة نحوه من حديث أبي هريرة، ولأبي داود "ولأغزون قريشًا" ثم قال: "إن شاء الله" وفي الثالثة، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله" ولم يحنث من قصد تعليق
الفعل على مشيئة الله وإرادته، بخلاف من قاله تبركًا أو سبق لسانه بلا قصد، والحديث وما في معناه دليل على
стр. 2070
أن من قال في يمينه إن شاء الله، لم يحنث فإن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين، وهو مذهب الجمهور.
وقال ابن العربي: أجمع المسلمون على أن قول: إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين، بشرط كونه متصلاً، قال: ولو جاز منفصلاً كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين، ولم يحتج إلى كفارة، والجمهور هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلاً باليمين من غير سكوت بينهما، ولا يضر سكتة النفس، وقوله: ثم سكت ثم قال: "إن شاء الله" ظاهره السكوت اختيارًا، فيدل على جوازه ما لم يطل الفصل، ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد، وهو مذهب الجمهور، ومذهبهم أيضًا أن الاستثناء لا بد أن يكون باللفظ، فلا يكفي بالنية دون اللفظ.
(وعن عائشة) ﵂ (أنه) يعني رسول الله (حلف) وورد بألفاظ (لن أعود) أي مرة أخرى (إلى شرب العسل) وذلك لما قال له بعض نسائه: أكلت مغافير، قال: "بل شربت عسلا" (فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ من شرب العسل ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ وصحح غير واحد أنها نزلت في شرب العسل لا تحريم مارية.
(إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ قال القاضي عن عامة العلماء: عليه كفارة يمين بنفس التحريم (متفق عليه)
следующие страницы →