(وقال أسيد) بن حضير ﵁ (لسعد) بن عبادة لما استعذر النبي ﷺ من عبد الله بن أبي (لعمر الله لنقتلنه) فتثاور الحيان، والحديثان (متفق عليهما) وذلك فيما قص الله علينا من قصة أهل الإفك، وتبرئة عائشة ﵂، فمن قال: لعمر الله فكأنه قال: أحلف ببقاء الله، واللام للتوكيد، أي: ما أقسم، وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
(وقال العباس) بن عبد المطلب ﵁ (للنبي ﷺ أقسمت عليك) وذلك في هجرة صفوان، وقد انطلق به العباس إلى النبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فامتنع فقال العباس: أقسمت عليك (لتبايعنه) فبسط رسول الله ﷺ يده فقال: "هات أبر قسم عمي ولا أهجره" (رواه أحمد) وابن ماجه، فدل على أن قول الرجل: أقسمت عليك: يمين؛ وهو مذهب الكوفيين والمشهور عن أحمد.
ويحرم الحلف بالله على الكذب، وأعظم منه الحلف بغير الله، وإن كان صادقًا، وقال ابن مسعود وغيره: لأن أحلف بالله كاذبًا، أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقًا؛ قال الشيخ: لأن حسنة التوحيد، أعظم من حسنة الصدق؛ وسبب الكذب أسهل من سبب الشرك.
(ولأبي داود عن بريدة) ﵁ (مرفوعًا من حلف بالأمانة) لكونها مخلوقة (فليس منا) ففيه الوعيد الشديد على من
стр. 2067
حلف بالأمانة، حيث تبرأ منه النبي ﷺ ، والأمانة تقع على الطاعة والعبادة، والوديعة والأمان وغير ذلك، وإذا قال الحالف: وأمانة الله كعهد الله، فيمين وتقدم.
وإن حلف بالنبي ﷺ لم تنعقد يمينه، وهو مذهب الجمهور أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحد القولين لأحمد لما تقدم من قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر" وقوله "لا تحلفوا إلا بالله" وغيرهما، وأما الحلف بالعتاق والطلاق، فقال الشيخ في موضع: لا يكره لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئًا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك، كما أنكروا على من حلف بالكعبة.
وقال ابن القيم في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآية: فهذا صريح في أن كل يمين منعقدة، فهذا كفارتها، وقد أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات، والحلف بأحب القربات المالية إلى الله، وهو العتق كما ثبت ذلك عن ستة منهم، ولا مخالف لهم من بقيتهم، وأدخلت فيه الحلف بالبغيض إلى الله وهو الطلاق، كما ثبت ذلك عن علي، ولا مخالف له منهم، فالواجب تحكيم هذا النص العام والعمل بعمومه، حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيقنًا على خلافه، فإن الأمة لا تجتمع على خطأ ألبتة.
стр. 2068
(وتقدم) في باب التأويل في الحلف (يمينك) أي إنما تنعقد يمينك (على ما يصدقك به صاحبك) أي واقع عليه، والحديث رواه مسلم، وفي رواية: "اليمين على نية المستحلف" بكسر اللام، والمراد المستحلف المظلوم، أي اليمين حصلت على نية المستحلف، وهو طالب اليمين، فالنظر في اليمين إلى نية طالب الحق واعتقاده، فالتأويل على خلاف قصد طالب اليمين لا يدفع إثم اليمين الكاذبة، فالاعتبار بقصد المحلف، سواء كان هو الحاكم أو الغريم، وأن يكون المحلف بفتح اللام ظالمًا.
أما لو كان مظلومًا، والمحلف بكسر اللام كاذب فالاعتبار بنية الحالف، وكذا إذا حلف بغير استحلاف، وورّى فتنفعه التورية ولا يحنث سواء حلف ابتداء، أو حلفه غير القاضي، كما حكاه النووي وغيره، فاليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه، قال والتورية وإن كان لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها، حيث يبطل بها حق المستحلف وهذا مجمع عليه.
وحكى القاضي الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته، ويقبل قوله، وأما إذا كان لغيره حق عليه، فلا خلاف أنه يحكم بيمينه سواء
حلف متبرعًا، أو باستحلاف، ولعل مستند الإجماع على
أن الحالف له نيته في غير استحلاف القاضي ونحوه – خبر
стр. 2069
حنظلة، حيث حلف للعدو أن وائلاً أخوه، فقال النبي ﷺ "كنت أبرهم وأصدقهم".
وقال الشيخ وغيره: لا يجوز التعريض لغير ظالم وهو قول جماعة، ولأنه تدليس كتدليس المبيع، ونص أحمد على أنه لا يجوز التعريض مع اليمين.
(ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (لأن يستلج) أي يتمادى (أحدكم في يمينه) فيلج فيها ولم يكفرها زاعمًا أنه صادق (آثم له عند الله) أي أعظم إثمًا (من أن يؤدي الكفارة) وتقدم أنه قال: "ما حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني" فدل الحديث على أن أداء الكفارة، خير من التمادي فيما زعمه الذي يأثم
من أجله.
(وفي السنن عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: من حلف على يمين) أي مطلقًا (فقال إن شاء الله، فلا حنث عليه) لأن الاستثناء بمشيئة الله، والتقيد به يمنع الحنث في اليمين، ورواه أحمد وغيره، وله طرق وللخمسة نحوه من حديث أبي هريرة، ولأبي داود "ولأغزون قريشًا" ثم قال: "إن شاء الله" وفي الثالثة، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء الله" ولم يحنث من قصد تعليق
الفعل على مشيئة الله وإرادته، بخلاف من قاله تبركًا أو سبق لسانه بلا قصد، والحديث وما في معناه دليل على
стр. 2070
أن من قال في يمينه إن شاء الله، لم يحنث فإن التقييد بمشيئة الله مانع من انعقاد اليمين، وهو مذهب الجمهور.
وقال ابن العربي: أجمع المسلمون على أن قول: إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين، بشرط كونه متصلاً، قال: ولو جاز منفصلاً كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين، ولم يحتج إلى كفارة، والجمهور هو أن يكون قوله إن شاء الله متصلاً باليمين من غير سكوت بينهما، ولا يضر سكتة النفس، وقوله: ثم سكت ثم قال: "إن شاء الله" ظاهره السكوت اختيارًا، فيدل على جوازه ما لم يطل الفصل، ولا فرق بين الحلف بالله أو بالطلاق أو العتاق أن التقييد بالمشيئة يمنع الانعقاد، وهو مذهب الجمهور، ومذهبهم أيضًا أن الاستثناء لا بد أن يكون باللفظ، فلا يكفي بالنية دون اللفظ.
(وعن عائشة) ﵂ (أنه) يعني رسول الله (حلف) وورد بألفاظ (لن أعود) أي مرة أخرى (إلى شرب العسل) وذلك لما قال له بعض نسائه: أكلت مغافير، قال: "بل شربت عسلا" (فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ من شرب العسل ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ وصحح غير واحد أنها نزلت في شرب العسل لا تحريم مارية.
(إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ قال القاضي عن عامة العلماء: عليه كفارة يمين بنفس التحريم (متفق عليه)
стр. 2071
وقال أبو حنيفة إن تناوله، وذكر بعض أهل العلم عن مالك والشافعي وغيرهما أنه إذا قال هذا الطعام أو الشراب حرام علي أو هذا الثوب أو كلام زيد ونحو ذلك لا شيء فيه فالله أعلم.
فصل في الكفارة
أي في كفارة اليمين، وفيها تخيير وترتيب، فالتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، والترتيب فيها بين ذلك وبين الصيام، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع (قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: كفارة ما عقدتم الإيمان إذا حنتثم ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يعني محاويج من الفقراء من ولا يجد ما يكفيه، بشرط أن يعطيها لمسلم حر محتاج ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي من خير أو أمثل قوت عيالكم.
قال أحمد: مد من بر أو مدان من غيره، سواء كان المطعم واحدًا أو عددًا، وسواء أطعم البعض برًا والبعض شعيرًا أو تمرًا أو زبيبًا أو غيرها مما يطعم أهله.
(أو كسوتهم) قال مالك وأحمد وغيرهما: ما يصح أن يصلي فيه، فكل من لزمته كفارة يمين فهو فيها مخير، إن شاء أطعم عشرة مساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، قال تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إذا اختار العتق، فيجب إعتاق رقبة مؤمنة، وكذا جميع الكفارات، كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان. وهو قول الجمهور، لأن الله قيدها في القتل بالإيمان، والموجب متحد، وإن اختلف السبب وجاء معاوية
стр. 2072
ابن الحكم بجارية فقال لها رسول الله ﷺ "أين الله" قالت في المساء، قال: "من أنا" قالت: رسول الله، قال "أعتقها فإنها مؤمنة".
ويشترط أن تكون سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضررًا بينًا وتقدم.
وهذه الخصال الثلاث في كفارة اليمين أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وإنما بدأ تعالى بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، وجب عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز أن لا يفضل له عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية ما يطعم أو يكسو أو يعتق، فإنه يصوم ثلاثة أيام.
والجمهور على أنها متتابعات فإن في قراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وإن لم يثبت أنها قرآن فلا أقل من أن يكون خبر واحد، أو تفسيرًا من الصحابة، وله حكم الرفع، واتفقوا على أنه إذا لم يجد شيئًا مما تقدم انتقل إلى صيام ثلاثة أيام (ذلك) أي الذي ذكر ﵎ من الحكم ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي هذه كفارة اليمين الشرعية، إذا حنثتم،
стр. 2073
فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي لا تحلفوا، أو إذا حلفتم فلا تحنثوا، وإذا حنثتم فلا تتركوها بغير تكفير.
والمراد حفظ اليمين عن الحنث إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب، أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفر، كما تقدم، وكما سيأتي ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ يوضحها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال ابن القيم: إذا حلف ليفعلن كذا، فهو حظ منه لنفسه، وليس إيجابًا، ولكن عقد اليمين ليفعلن فأباح الله له حل ما عقده بالكفارة، وسماها تحلة، وليست رافعة لإثم الحنث.
(وعن عبد الله بن سمرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك متفق عليه) وفي لفظ "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير" ولمسلم من حديث عدي " إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه، وله من حديث أبي هريرة نحوه، ولهما من حديث أبي موسى " لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" وفي لفظ "إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" ولأبي داود وغيره "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير".
стр. 2074
وهذه الأحاديث وما في معناها دالة على أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على فعل واجب أو ترك حرام، فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، والعكس بالعكس، وعلى فعل مستحب، فالتمادي مستحب، والحنث مكروه، وعلى ترك مندوب فالعكس.
وقال الوزير: اتفقوا على أن الكفارة تجب عند الحنث في اليمين على أي وجه كان، من كونه طاعة أو معصية أو مباحًا وأجمعوا على أن اليمين المكفرة المنعقدة هي أن يحلف بالله على أمر في المستقبل أن يفعله ولا يفعله، وإذا حنث وجبت عليه الكفارة، وقال أبو حنيفة ومالك في اليمين الغموس: لا تكفر لأنها أعظم من أن تكفر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختاره الشيخ.
واليمين الغموس هي الحلف بالله على أمر ماض متعمد، الكذب فيه، ولفظ "ثم ائت الذي هو خير" يدل على وجوب تقديم الكفارة، والجمهور على الاستحباب وإجزائها قبل الحنث، إلا الصوم فبعده، وقال القاضي عياض: اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث.
وذكر بعضهم لها ثلاث حالات، أحدها قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقًا ثانيها بعد الحلف والحنث، فتجزئ اتفاقًا وثالثها بعد الحلف وقبل الحنث، والجمهور على الاستحباب كما تقدم،
стр. 2075
والأحاديث دلت على وجوب الكفارة مع إتيان الذي هو خير.
(ولهما عن البراء) بن عازب ﵁ قال: (أمرنا) يعني رسول الله ﷺ (بسبع) بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس (وذكر إبرار القسم) أي بفعل ما أراد الحالف ليصير بذلك، بارًا ثم قال: "ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام" وأمره بإبرار القسم ظاهره الوجوب، واقترانه ببعض ما هو متفق على عدم وجوبه كإفشاء السلام، قرينة صارفة عن الوجوب وقصة رؤيا أبي بكر، وقوله: فوالله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: "لا تقسم" يشهد لذلك.
فصل في النذور
النذور جمع نذر وهو لغة التزام خير أو شر وشرعًا التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه، منجزًا كان أو معلقًا قال الشيخ: ولا يشترط فيه لفظ معين، بل كل ما تضمن التزامه قربة فهو نذر، إذ النذر أن يلتزم لله شيئًا ولا يلزم الشيء إلا إذا كان قربة، والفرق بينه وبين اليمين أن الناذر التزم لله، والحالف التزم بالله، وإذا التزم لله بالله فهو نذر ويمين اهـ.
فالنذر يعقده العبد على نفسه يؤكد به ما ألزمها به من الأمور، لله، وهو تعظيم للخالق ولأسمائه ولحقه، وأن تكون العقود به، وله، وهذا غاية التعظيم فلا يعقد بغير اسمه ولغير التقرب إليه، فإن حلف فباسمه تعظيمًا وتبجيلاً وتوحيدًا وإجلالاً.
стр. 2076
وإن نذر فله توحيدًا وطاعة ومحبة وعبودية.
(قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.
وللطبراني عن قتادة: كانوا ينذروا طاعات من الصلاة والصيام وسائر ما افترض الله عليهم، ويقويه ما ذكر في سبب نزول الآية.
(وقال) تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي أيها المؤمنون حضهم الله تعالى على الإنفاق من طيبات ما كسبوا ﴿مِنْ نَفَقَةٍ﴾ أي فيما فرض الله عليكم أو تبرعتم به في سائر الطاعات ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ أي أوجبتم على أنفسكم ﴿مِنْ نَذْرٍ﴾ في طاعة الله فوفيتم به ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ فيحفظه لكم حتى يجازيكم به، فإنه تعالى عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن إخباره مجازاته على ذلك أوفر الجزءا، للعاملين لذلك ابتغاء وجهه، ورجاء موعده.
(وقال) تعالى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي ليوفوا نذر الحج والهدي، وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج، وقال بعضهم: المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره، على نحو ما تقدم وغيره.
(وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال: من
стр. 2077
نذر أن يطيع الله فليطعه) أي يجب عليه الوفاء بذلك النذر، فإن كان واجبًا كأن يصلي الصلاة في أول وقتها فيجب بقدر ما وقته أو مستحبًا من العبادات البدني أو المالية انقلب بالنذر واجبًا، وتقيد بما قيده به لقوله "فليطعه" فصرح بالوفاء به، إذا كان في طاعة، وذكر غير واحد الاتفاق على وجوب الوفاء به (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) أي لا يوفي بنذره لأنه معصية (رواه البخاري) ولم يذكر كفارة، وفي حديث عمر عند ابن ماجه "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الله" وقال الحافظ: اتفقوا على تحريم النذر في المعصية.
(وله) أي وللبخاري في صحيحه (عن عمران) بن حصين ﵁ (في خبر القرون) أي في الخبر الذي ذكر فيه النبي ﷺ «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (ثم يجيء قوم) أي بعد تلك القرون (ينذرون ولا يوفون) أي لا يوفون ما نذروه من الطاعات الواجبة أو المستحبة، وأما نذر اللجاج والغضب فيخير بين فعله أو كفارة اليمين، وأما المكروه كالطلاق فيستحب أن يكفر ولا يفعله، وأما نذر المعصية فيحرم كما تقدم.
(ولهما عن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا نهى عن النذر) تأكيدًا لأمره، وتحذيرًا عن التهاون به، وليس معنى النهي عنه أن يكون مأثمًا، فقد حث الشارع عليه، وأمر بالوفاء به،
стр. 2078
ونقل القرطبي الاتفاق على وجوب الوفاء به، لقوله " من نذر أن يطيع الله فليطعه.
(وقال إنه لا يأتي بخير) قيل معناه أن عقباه لا تحمد، وقد يتعذر الوفاء به، وأنه لا يكون سببًا لخير لم يقدر، فيكون مباحًا، وقيل مكروه لكونه لم يقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن ينفع نفسه، أو يدفع عنها ضررًا بما التزم، وقيل لأنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، كما هو ظاهر قوله.
(وإنما يستخرج به من البخيل) أي إنما يستخرج المنذور ونحوه من البخيل، بواسطة النذر، وأما غير البخيل فإنه يعطي باختياره بلا واسطة نذر، بخلاف البخيل، فإنه لا يعطي إلا إذا وجب عليه الإعطاء فثبت بهذا وجوب استخراجه به من ماله، ولأبي داود وغيره " النذر لا يأتي لابن آدم بشيء، ولكن يلقيه القدر فيعطي على النذر ما لا يعطي على غيره" وأما النذر بالصلاة والصيام والحج ونحو ذلك من الطاعات، فلا مدخل للنهي عنه للآية.
قال الشيخ: وما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو عاهد عليه الله أو بايع عليه الإمام أو تحالف عليه فإن هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول، فيكون واجبًا من وجهين، ويكون تركه موجبًا لترك
стр. 2079
الواجب بالشرع، والواجب بالنذر، هذا هو التحقيق، ونص عليه أحمد، وقاله طائفة من العلماء.
(وتقدم) أي في باب الاعتكاف (قول عمر) ﵁ (للنبي ﷺ إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام) وذلك أنه نذر في الجاهلية (فقال: أوف بنذرك) فدل على صحة النذر، وعلى وجوب الوفاء بنذر الطاعة، وإن وقع في حال الكفر، ولكن لا يخلو إما أن يكون مما يفتقر إلى نية كالصلاة والاعتكاف، فلا سبيل إلى الوفاء به إلا بعد إسلام الناذر، فصحته إلزامه به بعد إسلامه، ولخبر، «لا نذر ِإلا ما ابتغي به وجه الله» أو لا يفتقر النذر إلى نية كصدقة بدراهم، فيلزمه الوفاء به، ولو قبل إسلامه لصحته منه.
(وعن ابن عباس) ﵄ (بينما النبي ﷺ يخطب) ذات يوم (إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل) رجل من قريش، قيل اسمه قشير ذكر ابن الأثير أنه من الصحابة (نذر أن يقوم في الشمس أي قائمًا (ولا يستظل) أي لا يقوم في ظلال (ولا يتكلم) أي يلزم الصمت (وأن يصوم) لعله ذلك اليوم (فقال) النبي ﷺ «مروه فليجلس أو ليستظل» أي يجلس في الظل «وليتكلم وليتم صومه» لأن الصوم عبادة (رواه البخاري).
فدل الحديث على أن كل ما يتأذى به الإنسان مما لم يرد
стр. 2080
بمشروعيته كتاب ولا سنة، كالقيام في الشمس لأنه ليس من طاعة الله فلا ينعقد النذر به، فإنه ﷺ أمر أبا إسرائيل في هذا الحديث بإتمام الصوم، دون غيره، وهو أنه علم أنه لا يشق
عليه.
وفيه دليل على أنه لا كفارة على من نذر معصية، ولا على من نذر ما لا طاعة فيه، قال مالك: لم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة، وحديث «لا نذر في معصية الله» لم يذكر العدول فيه كفارة، وذكر الوزير أنه مذهب الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام.
(ولهما عن عقبة) بن عامر ﵁ (قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية) وفي لفظ: إلى الكعبة (فقال رسول الله ﷺ لتمش ولتركب) ولمسلم: حافية غير مختمرة وفيه أنه شكا إليه ضعفها، فقال النبي ﷺ «إن الله غني عن نذر أختك» رواه أحمد (وللخمسة) عنه: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا» وهو مشيها حافية (مرها فلتختمر) فلا تكشف وجهها (ولتركب) ولا تمشي حافية (ولتصم ثلاثة أيام) كفارة لنذرها، ولأحمد "ولتهد بدنة" ولأبي داود "هديًا" ولأحمد وابي داود "ولتكفر عن يمينها" وقال البخاري: لا يصح الهدي، ولم يجيء في الأحاديث الصحيحة كفارة لما ليس بطاعة.
فمن نذر المشي إلى بيت الله أو موضع من الحرم لزمه أن
стр. 2081
يمشي في حج أو عمرة، فإن ترك المشي وركب لعذر أو غيره لزمه كفارة يمين، وقال الشيخ: أما لغير عذر فالمتوجه لزوم الإعادة، كما لو قطع التتابع في الصوم المشروط فيه التتابع، أو يتخرج لزوم الكفارة والدم، والأقوى أنه لا يلزمه مع البدل عن عين الفعل كفارة، لأن البدل قائم مقام المبدل.
(وعنه) أي عن عقبة بن عامر ﵁ (مرفوعًا: كفارة النذر) أي فهو يمين كفارته (كفارة يمين. رواه مسلم) وزاد فيه الترمذي "إذا لم يسمه" وصححه. قال الشيخ: وأحاديث عقبة وابن عباس تدل على أن النذر يمين، وذكر النووي عن جماعة من فقهاء الحديث أنهم حملوا هذا الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة اليمين، وقال الوزير: اتفقوا على أنه إذا كان النذر مشروطًا بشيء، فإنه يجب بحصول ذلك الشيء، وقال بعض أهل العلم، اختص الحديث بالنذر الذي لم يسم حملاً للمطلق على المقيد.
وأما النذور المسماة فإن كانت غير مقدورة ففيها كفارة يمين، وإن كانت مقدورة وجب الوفاء بها، سواء كانت متعلقة بالبدن أو المال، وإن كانت معصية لم يجز الوفاء بها ولا تنعقد وإن كانت مباحة مقدورة ففيها الكفارة، وقال الشيخ:
وما ليس بطاعة كمشيه حافيًا أو حاسرًا فلا يفعله، بل عليه كفارة يمين، وذكره الأصحاب قولاً واحدًا إذ لا بدل له وقال:
стр. 2082
في موضع؛ إذا حلف بمباح أو معصية لا شيء عليه، كنذرهما، فإن ما لم يلزم بنذره لا يلزم به شيء إذا حلف به، فإن من يقول لا يلزم الناذر شيء، لا يلزم الحالف بالأولى.
وقول الشخص، لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوًا لأجاهدن، ولو علمت أي العمل أحب إلى الله لعملته فهو نذر معلق بشرط، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ قال ابن القيم: والملتزم الطاعة لله لا يخرج عن أربعة أقسام، إما أن يكون بيمين مجردة أو بيمين مؤكدة كقوله (ومنهم من عاهد الله) الآية فعليه أن يفي به، وإلا دخل في قوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وهو أولى باللزوم من أن يقول: لله علي كذا، وقال: فرق بين من التزم الله، ومن التزم بالله، فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يخير بين الوفاء والكفارة.
(وعن بريدة) ﵁ (أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: أوفي بنذرك) أذن لها أن تفعل ما نذرته (صححه الترمذي) لأنه ليس من قبيل اللهو واللعب، بل نوعًا من أنواع البر لقصد الصحيح، وهو إظهار المسرة بمقدمه ﷺ مصحوبًا بالسلامة مظفرًا على الأعداء، وإذا أبيح لأجل إعلان النكاح، فلأن يكون لإعلاء كلمة الله وإعزاز الداعي إلى الحق أولى.
стр. 2083
فدل الحديث على صحة النذر بالمباح، ويشهد له نفي النذر في المعصية فيبقى ما عداه ثابتًا، ويمكن كما قال البيهقي أن من قسم المباح ما قد يصير القصد منه مندوبًا وأن إظهار الفرح بعود النبي ﷺ سالمًا، معنى مقصود يحصل به الثواب.
وقال الشيخ: لا بد لكل ناذر من فعل المنذور أو ما يقوم مقامه، أو الكفارة وكذا الحالف.
(وعن ثابت) بن الضحاك ﵁ (مرفوعًا: لا نذر في معصية الله) وللبخاري من حديث عائشة: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ولا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء، ولا فيما لا يملك العبد، رواه أبو داود) ودل الحديث على أن من نذر ما لا يملك لا ينفذ نذره، وكذلك لا ينفذ نذر المعصية، كما تقدم، والجمهور على أنه لا تجب فيه الكفارة، ولا نزاع في تحريمه، وإن قال: إن فعلت كذا فعلي ذبح ولدي أو معصية غير ذلك، وقصد اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مسألة الذبح كبشًا وهو مذهب الجمهور.
وإن نذر لغير الله كالأصنام فبمنزلة أن يحلف بغير الله، لا وفاء عليه، ولا كفارة، وكلاهما شرك، فعليه أن يستغفر الله، ويقول ما أمر به من حلف باللات والعزى أن يقول لا إله إلا الله، قال الشيخ: ومن أسرج بئرًا أو مقبرة أو جبلاً أو شجرة أو نذر لها أو لسكانها أو المضافين إلى ذلك المكان، لم يجز ولا يجوز
стр. 2084
الوفاء به إجماعًا، ويصرف في المصالح، ما لم يعلم ربه، ومن الجائز صرفه في نظيره من المشروع، ومن نذر قنديلاً يوقد للنبي ﷺ صرفت قيمته لجيرانه ﷺ وهو أفضل من الختمة.
(ولأحمد عن عمرو بن شعيب) عن أبيه، عن جده ﵁ (مرفوعًا: لا نذر إلا ما ابتغى به وجه الله) فلا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد، كما تقدم (وفي قصة كعب) بن مالك ﵁، وكان من الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فأراد كعب أن يتصدق بجميع أمواله شكرًا لله، على قبول توبته، فإنه قال: يا رسول الله (إن من توبتي) أي من تمامها أو من نفس توبتي (أن انخلع من مالي) أي أعرى منه كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه وتجرد منه (صدقة لله ورسوله) أراد أن يؤكد أمر توبته بالتصدق بجميع ما يملك، شكرًا لله على ما أنعم به عليه، وليس بظاهر في صدور النذر منه.
(فقال رسول الله ﷺ أمسك عليك بعض مالك) ولم يجز له الجميع وقال: (فهو خير لك، متفق عليه) فدل الحديث على أنه يشرع لمن أراد التصدق بجميع ماله، أن يمسك بعضه، ولا يلزم أنه لو نجزه لم ينفذ، وقيل: يختلف باختلاف الأحوال، فمن كان قويًا على ذلك، يعلم من نفسه الصبر لم يمنع، وعليه يتنزل فعل أبي بكر، وإيثار الأنصار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن لم يكن كذلك فلا، ويشهد لذلك قوله ﷺ : «لا صداقة إلا عن ظهر غني» ونحوه.
стр. 2085
باب القضاء
بالمد الولاية المعروفة، وهو في اللغة مشترك بين إحكام الشيء والفراغ منه، وبمعنى إمضاء الأمر، وبمعنى الحتم، والإلزام وفي الشرع إلزام ذي الولاية بعد الترافع بحكم الشرع في الوقائع الخاصة، لمعين أو جهة قال الشيخ: الواجب اتخاذ ولاية القضاء دينًا وقربة فإنها من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها، واتفقوا على أنه من فروض الكفايات، ويتعين على المجتهد الدخول فيه إذا لم يوجد غيره، والأصل في القضاء الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على وجوب نصب القضاة للفصل بين الناس.
(قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين اليهود، والآية عامة ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ إليك من القرآن، وهذه الآية تأكيد للآية التي قبلها في الأمر بالحكم بما أنزل الله، والنهي عن خلافه، وقال تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ والتي قبلها ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
(وقال) تعالى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل، يأمر تعالى ولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده، ولا يعدلوا عنه فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
стр. 2086
وتوعد من اتبع هواه بالعذاب الشديد، وقال ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي العدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي العادلين ويأتي في الحديث: "إن المقسطين على منابر من نور" والعدل محبوب باتفاق أهل الأرض، وهو من المعروف، الذي تعرفه القلوب، كما أن الظلم من المنكر الذي تبغضه القلوب وتذمه، قال الشيخ: ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه، والعبد إذا خلصت نيته لله، وكان قصده وهمه وعمله لوجه الله، كان الله معه، ومن كان الله معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء.
(وقال) تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة قسمًا مؤكدًا، أنه لا يؤمن أحد منهم ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي حتى يجعلوا رسول الله ﷺ حكمًا ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ في جميع الأمور مما اختلفوا فيه، فما حكم به مما اختلفوا فيه فهو الحق الذي يجب اتباعه، والانقياد له باطنًا وظاهرًا ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ولم يثبت لهم الإيمان بذلك أيضًا حتى يقابلوه بالرضى والتسليم. فقال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ينقادوا إلى الأمر انقيادًا وذلك لفرض طاعته على من أرسله إليهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أمره وقدره ومشيئته.
وذكر الشيخ أنه صار لفظ الشرع في هذه الأزمنة ثلاثة
стр. 2087
أقسام الشرع المنزل وهو الكتاب والسنة، واتباعه واجب، ومن خرج عنه وجب قتاله، ويدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء، وولاة المال، وحكم الحاكم، وولاة الحسبة، وغير ذلك، وكلهم يجب عليهم أن يحكموه ولا يخرجوا عنه، والثاني المتأول، وهو مورد النزاع، وهو الاجتهاد بين الأئمة، فمن أخذ بما يسوغ فيه الاجتهاد أقر عليه، ولم يجب على جميع الناس موافقته، إلا بحجة شرعية لا مرد لها من كتاب الله وسنة رسوله؛ والثالث الشرع المبدل مثل ما ثبت بشهادات الزور، ويحكم فيه بالجهل، أو يؤمر فيه بإقرار باطل، مثل تعليم مريض أن يقر لوارث بما ليس له، والأمر به حرام، والشهادة عليه محرمة، والحاكم إذا علم باطن الأمر وأنه غير مطابق للحق، فحكم به كان جائرًا آثمًا.
(وعن عمرو بن العاص) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: إذا اجتهد الحاكم) أي اجتهد قبل الحكم (فأصاب) أي وقع اجتهاده موافقًا لحكم الله (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحكم، (وإذا اجتهد فأخطأ) أي لم يوافق ما هو عند الله من الحكم. (فله أجر) واحد على الاجتهاد في طلب الحق، لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان جامعًا لأصل الاجتهاد عارفًا بالأصول، عالمًا بوجوه القياس، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر للحديث
стр. 2088
الآتي وهذا الحديث (متفق عليه).
وفيه أن الحكم عند الله في كل قضية واحد معين، قد يصيبه من أعمل فكره، وتتبع الأدلة الشرعية، ووفقه الله، وفيه الترغيب في القضاء، ويأتي، وفيه أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهدًا وهو المتمكن من أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية، وقال بعض المتأخرين: مجتهدًا ولو في مذهب إمامه، وقال الشيخ: والواجب أن يكون مجتهدًا في الأدلة الشرعية من الكتاب، والسنة وأن تكون هي إمامه، ويكون تتبعها عوضًا عن تتبع نصوص إمامه، فلهي أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة المراد، فإنه أبلغ الكلام بالإجماع، وأعذبه في الأفواه والأسماع، وأقرب إلى الفهم والانتفاع.
وقال: من اعتقد أنه يجب على الناس اتباع أحد بعينه، من هؤلاء الأئمة، دون الإمام الآخر، فإنه يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، قال: وغاية المتعصب لأحدهم أن يكون جاهلاً بقدر العلم والدين، وبقدر الآخرين فيكون جاهلاً ظالمًا، والواجب موالاة المؤمنين والعلماء وقصد الحق واتباعه.
قال ابن رشد: وتولية القضاء شرط في صحة قضائه، لا خلاف أعرفه فيه، ولا خلاف في حكم الإمام الأعظم، قال الشيخ: والوكالة يصح قبولها على الفور والتراخي، بالقول والفعل، والولاية نوع منها اهـ. والحاكم فيه ثلاث صفات
стр. 2089
فمن جهة الإثبات هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي هو مفت، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان، واتفقوا على أنه يحكم في كل شيء من الحقوق، سواء، كان الحق لله أو لآدمي، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى، وحقيق بمن أقيم بهذا المنصب أنه يعد له عدته، وأنه يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به.
وقال ابن القيم: لما كان التبليغ عن الله يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية، والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق فيكون عالمًا بما يبلغ به صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله اهـ، وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد باتفاق العلماء، لأنه يجب عليه الحكم بالعدل، وذلك يستلزم أن يكون عدلاً في نفسه.
(وفي السنن عن بريدة مرفوعًا: القضاة ثلاثة) أي ينقسم القضاة إلى ثلاثة اقسام (إثنان في النار وواحد في الجنة)
وكأنه قيل: من هم؟ فقال: (رجل عرف الحق فقضى به فهو
في الجنة) فلا بد من العلم والعمل (ورجل عرف الحق فلم
يقض به) وقضى بالظلم (وجار في الحكم) فتعدى الحكم الشرعي عامدًا (فهو في النار) لجوره (ورجل لم يعرف الحق) ليقضي به (فقضى للناس على جهل) وإن وافق الحق (فهو في
стр. 2090
النار) لتعمده القضاء على جهل، فالعمدة العمل، فإن من عرف الحق ولم يعمل به، فهو من حكم بجهل سواء في النار، بل العامد أولى، ففيه أنه لا ينجو من النار من القضاة إلا من عرف الحق وعمل به، وفيه أعظم وازع عن الدخول في هذه المنصب، الذي ينتهي بالجاهل والجائر إلى النار، وفيه النهي عن تولية الجاهل القضاء.
ويحرم الدخول فيه على من لا يحسنه، وقال الشيخ: من باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية، وأصر على ذلك عاملاً بالجهل والظلم، فهو فاسق، ولا تنفذ أحكامه ولا عقوده كما تنفذ أحكام العالم العادل.
(وعن ابن عمر) ﵄ (مرفوعًا: إن المقسطين) أي العادلين في أحكامهم (على منابر من نور عن يمين الرحمن) فيه إثبات صفة اليمين لله ، وعلو مرتبة (الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم) زوجاتهم وعيالهم (وما ولوا) من ولاية عامة وقضاء وغير ذلك (رواه مسلم) ففي الحديث فضل من يحكم بالعدل، وعلو منازلهم عند الله يوم القيامة؛ وفيه وفي حديث عمرو، ونحوهما الترغيب في القضاء لمن عدل في قضائه؛ ولأحمد من حديث عائشة "السابقون إلى ظل الله يوم القيامة، الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه، وإذا حكموا بين الناس حكموا كحكمهم لأنفسهم".
стр. 2091
قال الشيخ: وليس لأحد أن يقلد في المسألة الواحدة غير مقلده إذا أن مذهب من يقلده، يجعل الحق عليه، بل عليه باتفاق الأئمة أن يعدل بين غيره وبين نفسه في الأقوال والأحكام، فإذا اعتقد وجوب شيء أو تحريمه اعتقد ذلك عليه وعلى من يماثله، وقال: من ألزم نفسه التزامه، فلا بد أن يلتزمه فيما له وعليه، كشفعة الجوار بلا نزاع، ولا يجوز أن يتتبع الرخص اهـ.
وفي البزار من حديث أبي هريرة " من ولي من أمور المسلمين شيئًا وكل الله به ملكًا عن يمينه، وملكًا عن شماله، يوفقانه ويسددانه" وللترمذي وابن ماجه "إن الله مع القاضي ما لم يجر" والمراد القاضي العادل الذي لم يسأل القضاء، ولم يستعن عليه بالشفعاء، ولديه من العلم بكتاب الله وسنة رسوله ما يعرف به الحق من الباطل.
وقال أحمد: لا ينبغي أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أن يكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه، وأن يكون له حلم ووقار وسكينة، وأن يكون قويًا على ما هو فيه، وعلى معرفته وكفايته، وإلا احتاج إلى الناس والخامسة معرفة الناس.
(وعن أبي هريرة مرفوعُا من ولي القضاء) بين الناس (فقد ذبح بغير سكين) تحذير من تولي القضاء، لما فيه من الخطر العظيم (رواه الخمسة) وصحيحه ابن خزيمة وابن حبان
стр. 2092
وغيرهما، كأنه يقول: من تعرض القضاء فقد تعرض لذبح نفسه، فليحذره وليتوقه، فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه به، أو جهله له فهو في النار، والمراد من ذبح نفسه إهلاكها، أي فقد أهلكها بتوليه القضاء، وكونه بغير سكين حيث أنه لم يرد بالذبح فري الأوداج، وإزهاق النفس، وإراحتها بالسكين، وإنما ذبحها بما الألم فيه أكثر، فأشار إليه ليكون أبلغ في التحذير، أو أنه أراد إهلكها بالعذاب الأخروي، أو أنه إن أصاب الحق فقد أتعب نفسه، لإرادته الوقوف عليه، وموقفه مع الخصمين ونحو ذلك، وإن أخطأ لزمه عذاب الآخرة، فلا بد له من التعب والنصب.
(وعن أبي ذر) ﵁ (قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟) أي في ولاية من الولايات (قال: إنك ضعيف) أي فلا تصلح للاستعمال (وإنها أمانة) أي يصعب حملها على من فيه ضعف (وإنها يوم القيامة خزي وندامة) عند المحاسبة لمن أخذها بغير حقها، وتقدم "القضاة ثلاثة" ذكر منهم "اثنان في النار" (إلا من أخذها بحقها) وللطبراني من حديث زيد (نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحملها) (وأدى الذي عليه فيها) بأن عدل فيمن تولى عليه، وقد كان أهلاً فأجره عظيم (رواه مسلم) وفي معناه ما رواه البزار وغيره "أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل" ورواه الطبراني، وله نحوه أيضًا وفيه "نعم الإمارة لمن أخذها بحقها،
стр. 2093
وبئس الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حسرة يوم القيامة.
وذكر النووي أن حديث أبي ذر أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه، إذا جوزي بالخزي يوم القيامة، وأما من كان من أهلها، وعدل فيها فأجره عظيم، كما تظاهرت به الأخبار، ولكن الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها.
(وللبخاري عن أبي هريرة) ﵁ أي أن رسول الله ﷺ قال: بعد قوله: «إنكم تحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة» (نعمت المرضعة) أي في الدنيا من حصول الجاه والمال، ونفاذ الكلمة، وتحصيل اللذات الحسية والوهمية، حال حصولها (وبئست الفاطمة) أي بعد الموت، لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه، أو لما يصيبه عند الانفصال عنها.
(وعن أبي موسى) ﵁ (مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه قال: (إنا والله لا نولي هذا العمل) أي مما ولاه عليه من إمارة أو قضاء أو غيرهما (أحدًا سأله) لأنه إذا سأله وكل إلى نفسه (أو أحدًا حرص عليه) أي على تولي العمل من أعمال الرسول ﷺ ، حيث أنه لا يعان عليه، والحديث متفق عليه،
стр. 2094
كما سيأتي وذلك أن أبا موسى دخل على رسول الله ﷺ هو ورجلان من بني عمه، فقال أحدهما: أمرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الآخر مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ «إنا والله».
فأقسم بالله وهو البار الراشد، أنه لا يولي هذا العمل أحدًا سأله أن يوليه إياه، أو حرص على ذلك، والحكمة والله أعلم أنه لا يولي من سأل الولاية، لأنه يوكل إليها، ولا يكون معه إعانة كما سيأتي، وإذا لم يكن معه إعانة، لا يكون كفؤًا ولا يولي غير الكفء.
(وقال) يعني رسول الله ﷺ : (لعبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة) وفي لفظ "لا تتمن الإمارة" والإمارة عامة لكل إمارة من الإمامة العظمى، وما دونها من كل ولاية، ومنها القضاء (إنك إن أعطيتها من غير مسألة) أي عن غير سؤال (أعنت عليها) ولأبي داود وغيره "ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه، أنزل الله ملكًا يسدده" (وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها) أي صرفت إليها، ولا تكون حينئذ معانًا من عند الله (متفق عليهما).
فمن طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها، من أجل حرصه، فيكره الدخول في القضاء ونحوه عن حرص أو
مسألة لأن من حرص على ذلك لا يعان أن لا يحصل منه
العدل إذا ولي، وإنما يخشى عليه حيث
стр. 2095
كان مسلوب الإعانة أن يتورط فيما دخل فيه، فيخسر دنياه وآخرته، وفي السنن: "من طلب القضاء وكل إلى نفسه" وربما كان طلبه لذلك إرادة للظهور على عدو ونحو ذلك، فيكون في توليته مفسدة عظيمة.
وهذا والله أعلم محمول على الأغلب، وإلا فقد قال الله عن يوسف (اجعلني على خزائن الأرض) وقال عن سليمان ﴿هَبْ لِي مُلْكًا﴾ ولأبي داود من حديث أبي هريرة " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة" ويجب على ولي الأمر أن يولي الأفضل، لما روى البيهقي وغيره "من استعمل رجلاً على عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرض لله منه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين".
(ولأبي داود، من حديث أبي شريح) قال الحافظ: اسمه هانئ بن يزيد الكندي، وفي الخلاصة خويلد الخزاعي (قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء) نكرة عامة (أتوني فحكمت بينهم) حيث كان صاحب عدل، يصلح بينهم (فرضي كلا الفريقين) لأن مدار الصلح على الرضى (فقال) يعني رسول الله ﷺ : «ما أحسن هذا» أي ما أحسن الصلح الذي يرضى به كلا الفريقين، وفي الحديث قال: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم» يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزله، وإليه الحكم في الدنيا والآخرة، فدل على فضيلة الصلح إذا لم يجد
стр. 2096
القاضي نصًا يعتمده وأن الاجتهاد من العالم جائز بشرطه.
(وبعث) رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ قاضيًا (و) بعث عليًا ﵁ قاضيًا وجابيًا في اليمن، رواه أبو داود وغيره (و) بعث (معاذًا) يعني ابن جبل ﵁ قاضيًا في اليمن، وكذا أبو موسى الأشعري ﵁ فكل هؤلاء بعثهم رسول الله ﷺ (قضاة) وكذا عتاب من أسيد بعثه قاضيًا في مكة.
(وقال) ﷺ (لمعاذ) بن جبل (بم تحكم؟) به بين الخصمين (قال: بكتاب الله) فهو أول ما ينظر فيه (قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله ﷺ ) فينظر فيها بعد كتاب الله (قال: فإن لم تجد؟ أي فإن لم تجد حكم ما أدلى به إليك في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولم يمكنه استنباط الحكم منهما (قال اجتهد رأيي) ولا ريب أنه فيما لم يخالفهما، وفيه أن السلف استعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتوا به، وسوغوا القول به، وذموا الباطل، ومنعوا من العمل والقضاء والفتيا به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه، وذم أهله، بل يحرم القضاء والإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي هو الذي لم تشهد له النصوص بالقبول، والرأي الحق الذي لا مندوحة عند لأحد من المجتهدين هو ما يراه القلب بعد فكر وتأمل، وطلب لمعرفة وجه الصواب، مما تعارض فيه الأمارات.
стр. 2097
فصل في آداب القاضي
أي أخلاق القاضي التي يجب أو يسن له أن يتخلق بها، ويحفظ بها نفسه عن الميل، والأدب بفتح الدال، يقال أدب بكسرها، إذا صار أديبًا في خلق أو علم، ويقال الأدب الظرف وحسن التناول.
(قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾) من شرعه المطهر ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أول الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ قال ابن كثير: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله، ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ اهـ والآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب فليست مختصة بهم، لأن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
فهذه الآية الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله، وهو الكتاب والسنة، ولما قيل لحذيفة نزلت في بني إسرائيل، قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قد الشراك، وعن ابن عباس نحوه، وإن كان ليس ككفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وحكى البغوي عن العلماء هذا إذا رد حكم الله عيانًا عمدًا، فأما من خفي عليه، أو أخطأ في تأويل فلا اهـ.
стр. 2098
والتحقيق أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر مطلقًا كما سماه الله، فإما أن يكون كفر عمل، وإما كفر اعتقاد، ناقل عن الملة قال شيخنا: وهو أنواع: إما أن يجحد أحقية حكم الله ورسوله، أو يعتقد أن حكم غير الرسول أحسن من حكمه، أو أنه مثله، أو اعتقد جواز الحكم بما يخالفه، أو مضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادًا ومراجع وغيرها (١)، وأما كفر العمل الذي قال ابن عباس وغيره: كفر دون كفر، فهو الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، واعترافه بالخطأ.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ نزلت أيضًا في أهل الكتاب لما لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه فخالفوا وظلموا وتعدى بعضهم على بعض؛ قال الشيخ محمد ابن عبد الوهاب: إن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن إنه لنا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون عن طاعة ربهم المائلون إلى الباطل، التاركون للحق.
(وقال) تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم، من قول العرب شرت الدابة وشورتها، إذا
стр. 2099
استخرجت جريها، أمره تعالى بمشاورتهم تطييبًا لقلوبهم فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، ولذا كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر وأحد الحديبية واستشار عليًا وأسامة في فراق عائشة ﵂ وغير ذلك، ولابن مردويه سئل عن العزم فقال: مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم وقال: المستشار مؤتمن، وإذا استشار أحدكم أخاه فليشر
عليه.
وقالت عائشة: ما رأيت أحدًا أكثر استشارة للرجال من رسول الله ﷺ فدلت الآية وفعله ﷺ على سنية مشاورة ولي الأمر، وكذا القاضي ذا الرأي، وأهل العلم فيما يشكل، وسؤالهم إذا حدثت حادثة، ليذكروا رأيهم وأجوبتهم وأدلتهم، وإن اتضح للقاضي الحكم حكم وإلا أخره حتى يتضح له الحق.
(وعن أبي بكرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: لا يحكم بين اثنين وهو غضبان) لأن الحكم حالة الغضب يحصل بسببه من التغير ما يختل به النظر، بل الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، بل يحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد، وحيث أنه لا يستوفي الحكم على الوجه منع منه (متفق عليه) وهذا مذهب
стр. 2100
فقهاء الأمصار وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين، وغلبة النعاس، وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر.
وظاهر النهي التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة، لكونه مظنة لتشويش الفكر، فقد يفضي إلى الخطأ، وليس بمطرد مع كل غضب، مع كل إنسان، أما إن أفضى إلى عدم تمييز الحق من الباطل، فلا خلاف في تحريمه، وإن لم يفض إلى هذا الحد فأقل أحواله الكراهة، وخصه بعضهم بما إذا لم يكن لله، لأن الغضب لله يؤمن معه التعدي، وإن خالف الحاكم فحكم في حال الغضب، فمذهب الجمهور صحة حكمه، وإن وافق الحق لأنه ﷺ قضى للزبير بعد أن أغضبه الخصم، وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر.
(وعن) عبد الله (بن الزبير) ﵄ (قال: قضى رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم) فدل على وجوب تسويته بينهما في مجلسه، إذا ترافعا إليه رواه أحمد وأبو داود والبيهقي، وفي إسناده مقال و (صححه الحاكم) وروي عن علي ﵁ أنه جلس إلى جنب شريح في خصومة له مع يهودي، وقال: لو كان خصمي مسلمًا جلست معه بين يديك؛ وفيه أيضًا مشروعية الجلوس بين يدي القاضي، إعزازًا للحكم الشرعي، وقال ابن رشد أجمعوا على أنه واجب
стр. 2101
عليه أن يسوي بين الخصمين في المجلس اهـ.
وإن كانت التسوية بين الخصمين ممكنة، بأن يقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله أو أحدهما في جانب المجلس والآخر في الجانب الآخر جاز، وفيه مشروعية التسوية بين الخصمين لأنهما لما أمرا بالقعود جميعًا على تلك الصفة، كان الاستواء في الموقف لازمًا لهما، وفي قصة على تخصيص بالمساواة بين المسلمين، دون المسلم والكافر.
(وعن أم سلمة) ﵂ (مرفوعًا: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لفظه) ولحظه ودخولهما عليه (وإشارته) فلا يخص أحدهما دون الآخر (ولا يرفع صوته على أحد الخصمين) ليكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر (رواه الدارقطني) وأبو يعلي (وفيه ضعف) فإن في إسناده عباد بن كثير وهو ضعيف، ويشهد له ما تقدم.
وقال ابن القيم: نهى ﷺ عن رفع أحد الخصمين عن الآخر، وعن الإقبال عليه، وعن مشاورته، والقيام له دون خصمه، لئلا يكون ذريعة إلى انكسار قلب الآخر، وضعفه عن القيام بحجته، وثقل لسانه بها، ولا يتنكر للخصوم، لما في التنكر لهم من إضعاف نفوسهم، وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم، خشية معرة التنكر، ولا سيما لأحدهم دون الآخر، فإن ذلك الداء العضال.
стр. 2102
(وعن علي) بن أبي طالب ﵁ (مرفوعًا: إذا جلس إليك الخصمان) أي للحكم بينهما وفي لفظ "إذا تقاضي إليك رجلان" (فلا تقض بينهما) إذا سمعت من أحدهما (حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) وفي لفظ "فسوف تدري كيف تقضي) رواه أحمد وأبو داود و (حسنه الترمذي) وصححه الحاكم، وله طرق عن البزار وغيره.
وفيه دليل على أنه يحرم على الحاكم أن يحكم قبل سماع حجة كل واحد من الخصمين، واستفصال ما لديه، وإحاطته بجميعه، لجواز أن يكون مع خصمه حجة يدفع بها بينة، فإن قضى قبل السماع من أحد الخصمين كان حكمه باطلاً، فلا يلزم قبوله بل يتوجه عليه نقضه، ويعيده على وجه الصحة، أو يعيده حاكم آخر، وفيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب، وذلك لأنه إذا منع أن يقضي لأحد الخصمين وهما حاضران، حتى يسمع كلام الآخر، فقد دل على أنه في الغائب الذي لم يحضر ولم يسمع قوله أولى بالمنع، وإن امتنع أحد الخصمين عن الإجابة لخصمة جاز القضاء عليه، لتمرده، ولكن بعد التثبت المسوغ للحكم كما في الغائب.
(وعن أم سلمة) ﵂ (أن النبي ﷺ قال: إنما أنا بشر) أي مشارك، للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها ﷺ (وإنكم تختصمون إلي) فكل يدلي بحجته
стр. 2103
(ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) أي أفطن للحجة، وأعرف بها من غيره، أو أبلغ في إيراد الكلام، وأحسن كما في رواية (فأقضي له بنحو مما أسمع) أي من الدعوى والإجابة والبينة أو اليمين، وقد تكون باطلة في نفس الأمر (فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا) أي قضيت له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه، فلا يأخذه (فإنما أقطع له
قطعة من النار) أي فهو عليه حرام، يئول به إلى النار (متفق عليه).
وذلك بحيث تكون حجته باطلة في نفس الأمر فيقتطع من مال أخيه قطعة من النار، باعتبار ما يئول إليه، وهذا تمثيل منه ﷺ يفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه بكذبه وفجوره في دعواه على أخيه المسلم، واقتطاع ماله بذلك، وفي الحديث دليل على عظم إثم من خاصم في باطل، حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرام عليه، وأن من احتال الأمر باطل بوجه من وجوه الحيل، حتى يصير حقًا في الظاهر ويحكم له به، أنه لا يحل له تناول في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم له به.
وفيه دليل أيضًا مع ما تقدم على أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم، بل يؤجر على اجتهاده كما في الصحيح "وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" قال الحافظ وفيه أن من ادعى مالاً ولم يكن له بينة فحلف المدعى عليه، وحكم الحاكم ببراءة
стр. 2104
الحالف أنه لا يبرأ في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم، وحكى الشافعي الإجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ويعلم من الحديث أيضًا كما قال ابن القيم أن ما علمه الحاكم في زمن ولايته ومكانها، وما علمه في غيرها، لا يحكم به، وهل هو إلا محل التهمة.
ولو فتح هذا الباب – ولا سيما لقضاة الزمان – لوجد كل قاض له عدو: السبيل إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها وحتى ولو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه لوجب منع قضاة الزمان من ذلك، وقد ثبت عن أبي بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس ومعاوية المنع من ذلك، ولا يعرف لهم في الصحابة مخالف.
(ولمسلم) والترمذي وصححه (أنه) يعني رسول الله ﷺ (قال: للحضرمي) وهو ربيعة بن عيدان (ألك بينة؟) وذلك أنه كان بينه وبين رجل من كندة يقال له امرؤ القيس بن عابس الشاعر الصحابي، خصومة في أرض، قال الحضرمي: غلبني على أرض كانت لأبي، وقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: «ألك بينة على دعواك على ما في يده؟» (قال: لا، قال: فلك يمينه) قال: الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، قال: "ليس لك إلا ذلك" ففيه أنه لا يجب للغريم
стр. 2105
على غريمه اليمين المردودة، ولا يلزمه التكفيل، ولا يحل الحكم عليه بالملازمة ولا بالحبس، وفيه: فانطلق ليحلف، فقال: «لئن حلف على ماله ليأكله ظلمًأ ليلقين الله وهو عنه معرض».
وأما التهمة فلأبي داود أنه ﷺ حبس في تهمة، طلبًا لإظهار الحق بالاعتراف، قال ابن القيم: والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعي عليه الذي يسوغ إحضاره، وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم، حتى يفصل بينهما، وقد يكون مشغولاً عن تعجيل الفصل، فيكون المطلوب محبوسًا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففيه التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان بتوكيل الخصم، أو وكيله عليه وملازمته له.
قال: فإذا جاز حبس المجهول، فحبس المتهم بالفجور والسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك أولى، قال الشيخ: وما علمت أحدًا من الأئمة يقول إن المدعي عليه يحبس وذكر كثيرًا من الدعاوي ثم قال: في جميع هذه الدعاوي يحلف، ويخلى سبيله بلا حبس ولا غيره، ومن زعم أنه مذهب لأحد من الأئمة وأنه على إطلاقه وعمومه هو الشرع، فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا للنصوص وإجماع الأمة وبمثل هذا الغلط تجرأ