(وفي السنن نهى عن الإقعاء) وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. وعند العرب الإقعاء جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا قدميه مثل إقعاء الكلب. ولفظ ابن ماجه وغيره من حديث أنس "إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب" وعن علي مرفوعًا "لا تقع بين السجدتين " وللبيهقي وغيره "نهى عن الإقعاء في الصلاة" ولأحمد "واقعاء كاقعاء الكلب" فيكره اتفاقًا لهذه الأخبار وغيرها ولأنه يتضمن ترك الاقتراش المسنون بالقول والفعل، ولا تبطل به الصلاة.
وأما ما رواه مسلم وغيره عن ابن عباس الاقعاء على القدمين هو السنة فقال البيهقي وغيره هو أن يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض ويضع إليتيه على عقبيه ويضع ركبتيه على الأرض يعني بين السجدتين وهذا غير ما تقدم مما نهي عنه.
وقال الموفق وغيره لا أعلم أحدًا قال باستحبابه على تلك الصفة وتقدم النهي عن افتراشه ذراعيه ساجدًا.
وفي الصحيحين عن أنس "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" وذلك بأن يمدهما على الأرض ملصقًا لهما بها، ويكره أن يعتمد على يده أو غيرها وهو جالس لما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر "نهى أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده" وكذا يكره أن يستند إلى جدار ونحوه من غير حاجة اتفاقًا.
стр. 247
(وفي الصحيحين) من حديث أبي هريرة (نهي) يعني رسول الله – ﷺ (أن يصلي الرجل مختصرًا) أي أن يضع الرجل يده في الصلاة على خاصرته والخاصرة ما بين الحرقفة والقصيري أو ما فوق الطفطفة والشراسيف جمعها خواصر.
والخصر الوسط وهو المستدق فوق الوركين والجمع خصور، والخصر والخاصرة مترادفان. قال هشام يضع يده على خصره وهو يصلي وعلل أنه فعل الكفار أو المتكبرين. وصح أنه راحة أهل النار فلا يليق في الصلاة ولأنه فعل اليهود، وقيل أنه فعل الشيطان، فنهي عنه كراهة للتشبه باليهود أو الشيطان، ومذهب أهل الظاهر أنه محرم والجمهور أنه مكروه.
(ولأحمد النهي عن التشبيك) يعني تشبيك الأصابع وهو إدخال بعضها في بعض في الصلاة ولفظه عن أبي سعيد أن النبي – ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان" لما فيه من العبث أو لما فيه من التشبه بالشيطان "وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه" قال في مجمع الزوائد إسناده حسن، وعن كعب بن عجرة مرفوعًا "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهما.
واتفق الفقهاء على كراهته فيها، وما في قصة ذي اليدين وشبك بين أصابعه، وحديث أبي موسى "المؤمن للمؤمن
стр. 248
كالبنيان وشبك بين أصابعه" فقيل في السهو لاشتباه الحال عليه.
وفي حديث أبي موسي لقصد التشبيه وما تقدم محمول علي التشبيك للعبث وهو منهي عنه في الصلاة. وللترمذي وغيره "أنه رأى رجلاً يعبث في صلاته بلحيته فقال لو خشع قلب هذا لخشعت "ولابن ماجه" رأى رجلاً قد شبك أصابعه في الصلاة ففرج بين أصابعه " لما في ذلك من إذهاب الخشوع.
(ولابن ماجه والقعقعة) أي فرقعة الأصابع في الصلاة وغمز مفاصلها حتى تصوت. ولفظه عن النبي ﷺ قال: " لا تقعقع أصابعك في الصلاة " وهو فعل معروف في أصابع اليدين وقد يفعل في أصابع الرجلين لأنه من العبث المنهي عنه وهو مكروه اتفاقا ً وقيل حكمه النهي عنه أنه يجلب النوم. وكذا يكره فتح فمه ووضعه فيه شيئاًِ وتمطيه ونحو ذلك مما يذهب الخشوع." وإذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع "وإن غلبه غطى فمه لقوله "وليمسك بيده على فيه " رواه مسلم.
(وعن أبي ذر مرفوعاً إذا قام أحدكم في الصلاة) أي دخل فيها (فلا يمسح الحصى) وفي لفظ التراب أي من محل السجود أو من جبهته "فإن الرحمة تواجهه" رواه الخمسة وحسنه الترمذي وفي الصحيحين من حديث معيقيب قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد " إن كنت فاعلاً فواحدة"
стр. 249
ولأحمد عن أبي ذر سألت النبي ﷺ عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصى فقال " واحدة أودع أو أترك المسح " ولابن ماجه " من الجفا أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته" وللبزار نحوه. وهذه الأحاديث دلت على كراهة مسح الحصى في الصلاة وهو مذهب جمهور العلماء
وحكاه النووي اتفاقاً. وروى عن مالك وغيره جوازه ورخص فيه ابن عمر وغيره مرة واحدة وفي الحديثين الإذن فيها عند الحاجة لئلا يصيبه ما يؤذيه أو يشغل باله من تراب أو حصى أو قذى أو غير ذلك. أو الحكمة أن لا يفوته حظه من الرحمة فلا يغير ما يسجد عليه. ولا علي ما يعلق بجبهته ولأنه ينافي الخشوع والتواضع ويشغل المصلي. والأولى أن يسوي موضع سجوده قبل الدخول في الصلاة والتقييد بالحصى أو التراب للغالب ولا يدل علي نفيه عما عداه.
(وعن عائشة في قصة خميصة) وهي كساء مربع (لها أعلام) خطوط واحدها علم أهداها له أبو جهم ولفظه عنها أن النبي – ﷺ "صلى في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف (قال اذهبوا بها) ولفظه بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية أبي جهم" وهي كساء غليظ لا علم
فيه (فإنها) أي الخميصة ذات الأعلام (ألهتني) آنفًا (عن
صلاتي" متفق عليه) وفي رواية "كنت أنظر إلى علمها وأنا
في الصلاة فأخاف أن يفتنني" قال ابن بطال إنما طلب منه ثوبًا
стр. 250
غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به.
وعن أنس قال كان قرام وهو ستر من صوف ذو ألوان لعائشة سترت به جانب بيتها فقال لها النبي – ﷺ "أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" رواه البخاري ففيهما دلالة على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يذهل القلب ويذهب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها وهذا إجماع وفيه مبادرته ﷺ إلى صيانة الصلاة عما يلهي المصلي وإزالة ما يشغله عن الإقبال عليها. وقال الطيبي فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية فضلاً عما دونهما.
وفيه كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة وكراهة تزويق المساجد ونقشها واستقبال كل ما يشغل المصلي.
وقال أحمد كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئًا حتى المصحف اهـ.
واتفق أهل العلم على كراهة استقبال ما يلهي المصلي من صورة أو نار أو وجه آدمي ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام المذهب الذي نص عليه الأصحاب وغيرهم كراهة دخول الكنيسة المصورة، فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك.
وتقدم ذكر عدم الجواز ولأن محل الصور مظنة الشرك فإن غالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور، وكذا استقبال نار من
стр. 251
سراج أو قنديل أو شمعة أو نار حطب لأنه يذهب الخشوع ولما فيه من التشبه بالمجوس في عبادتهم النيران. والصلاة إليها تشبه الصلاة لها.
وحكى القاضي وغيره اتفاقهم على كراهة الصلاة إلى وجه آدمي. وعزر عمر من صلى إلى وجه أدمي. وفي الصحيحين عن عائشة كان "يصلي حذاء وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة. وتكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فاستقبله فانسل انسلالاً" ولأبي داود "نهى عن الصلاة إلى المتحدث" فكل ما يشغله عن حضوره فمكروه لخبر عائشة وغيره.
(ولمسلم عنها مرفوعًا) يعني إلى رسول الله – ﷺ أنه قال (لا صلاة بحضرة طعام) أي تتوق نفسه إليه وكذا إذا كان تائقًا إلى شراب أو جماع فيبدأ بما تاق إليه ولو فاتته الجماعة لا الوقت. وفي الصحيحين من حديث أنس "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب" وورد بإطلاق لفظ الصلاة والحديث دال على الوجوب والجمهور حملوه على الندب واتفقوا على كراهة ابتدائها وهو تائق إلى طعام ونحوه.
(ولا وهو يدافعه الأخبثان) أي ولا صلاة والمصلي يدافعه البول أو الغائط. ويلحق بهما مدافعة الريح لأن ذلك مما يقلقه ويشغله عن حضور قلبه في الصلاة وكذا حر وبرد شديد وجوع وعطش مفرط بغير خلاف ونحو ذلك ما يزعجه ويشغل باله. قال شيخ
стр. 252
الإسلام وإذا كان على وضوء وهو حاقن يحدث ثم يتيمم إذ الصلاة بالتيمم وهو غير حاقن أفضل من صلاته بالوضوء وهو حاقن، وقال صلاته بالاحتقان مكروهة، وفي صحتها روايتان.
وصلاة المتيمم صحيحة لا كراهة فيها بالاتفاق. اهـ
فيبدأ بالخلاء ونحوه ليزيل ما يدافعه ولو فاتته الجماعة. وللحاكم والبيهقي وغيرهما لا يصلي أحدكم وهو حاقن حتى يتخفف، وألحق بذلك ما في معناه مما يمنع الخشوع الذي هو لب الصلاة، وفي الصحيح عن أبي الدرداء من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ وإن ضاق الوقت عن فعل جميع الصلاة في الوقت وجبت في جميع الأحوال وحرم اشتغاله بغيرها لتعين الوقت لها.
(وعن أبي هريرة أن رسول – ﷺ "أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) والحية تكون للذكر والأنثى.
والعقرب واحدة العقارب وتسميتها بالأسودين من باب التغليب كالقمرين والعمرين ولا يسمى بالأسود في الأصل إلا الحية (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وابن حبان والحكم وله شواهد. فدل على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة من غير كراهة وهو مذهب جمهور العلماء. وقال الخطابي رخص أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة إلا النخعي والسنة أولى ما اتبع.
стр. 253
وقال أحمد يجوز أن يذهب إلى النعل فيأخذه ويقتل به الحية والعقرب ثم يعود إلى مكانه. وفي الصحيحين "كان يصلي وهو حامل أمامة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها" وصلى على المنبر وتكرر صعوده ونزوله. وأمر برد المار وفتح الباب لعائشة فكذا سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال.
وله دفع عدو من سيل وسبع وسقوط جدار ونحوه وكل صائل عليه من حيوان وغيره فإن طال الفعل من غير ضرورة كحالة خوف وهرب من عدو وحكة لا يصبر عنها بطلت إجماعًا ولو سهوًا. إذا كان من غير جنس الصلاة لأنه يقطع الموالاة ويمنع متابعة الأركان ويذهب الخشوع فيها ويغلب على الظن أنه ليس فيها. وكل ذلك مناف لها أشبه ما لو قطعها.
(وعن حذيفة قال صليت مع رسول الله – ﷺ ذات ليلة) فافتتح البقرة وآل عمران (فإذا مر) أي في قراءته (بآية تسبيح) أي فيها تسبيح لله تعالى (سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ رواه مسلم) ولأبي داود عن عوف نحوه ولفظ حديث عائشة عند أحمد "فلا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله – واستعاذ ولا آية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه" وله من حديث أبي ليلى "فمر بذكر الجنة والنار فقال أعوذ بالله من النار. ويل لأهل النار" وأما المأموم فمأمور بالإنصات والاستماع.
стр. 254
قال النووي وغيره فتستحب هذه الأمور لكل قارئ في صلاة وغيرها وهو مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف.
قال أحمد إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ في الصلاة وغيرها قال سبحانك فبلى في فرض ونفل ورواه أبو داود مرفوعًا إلى النبي – ﷺ قال شيخ الإسلام ويقول في الصلاة كل ذكر ودعاء وجد سببه في الصلاة. قال ويحمد الله إذا عطس في نفسه. وله الفتح على إمامه للأمر به ورد السلام إشارة لأنه – ﷺ كان يفعله.
(وعن سهل) بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري من مشاهير الصحابة مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين وله مائة سنة –﵁ (مرفوعًا إذا نابكم شيء) أي نزل بكم أمر من الأمور (في صلاتكم) كأن يريد أحدكم تنبيه الإمام على أمر سها عنه أو تنبيه المار أو من يريد منه أمرًا وهو لا يدري أنه يصلي فينبهه على أنه يصلي قال: (فلتسبح الرجال) وفي رواية من نابه شيء من صلاته فليسبح أي يقول الرجل سبحان الله وهو في البخاري بهذا اللفظ (ولتصفق النساء) يعني بظهر كفها على بطن الأخرى، وفي لفظ "وإنما التصفيق للنساء" فهو إذن وإباحة لهن في التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب
(متفق عليه) ولهما عن أبي هريرة "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" زاد مسلم "في الصلاة" وهو المراد من السياق
وذهب إلى هذا جمهور العلماء. وما روي عن مالك أن المشروع
стр. 255
في حق الجميع التسبيح. وعن أبي حنيفة من فساد صلاتها إذا صفقت لا يلتفت إليه مع ثبات النص عن الشارع ﷺ وثبت عنهم وجوب الأخذ بالنص وأنه مذهبهم وقال النووي وغير واحد هو السنة. وقال الحق انقسام التنبيه في الصلاة إلى ما هو واجب ومندوب ومباح بحسب ما يقتضيه الحال.
(ولهما عن أنس مرفوعاً) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (إذا كان أحدكم في الصلاة) وفي لفظ " إذا قام أحدكم في صلاته " فريضة كانت الصلاة أو نافلة (فإنه يناجي ربه) وفي رواية للبخاري " فإن ربه بينه وبين القبلة " وهذا قرب خاص من عبده حال مناجاته كقوله " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وهو سبحانه علي في دنوه. قريب في علوه. واسع عليم بكل شيء. وبكل شيء محيط "ما السموات السبع والارضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".
(فلا يبصقن بين يديه) البصاق من الفم ويقال بالسين والزاي وكلها من باب نصر وأفصحهن بالصاد. وفي لفظ "قبل قبلته" وفي لفظ "قبل وجهه" قال الحافظ وغيره هذا التعليل يدل على أن البصاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أولا ولا سيما المصلي (ولا عن يمينه) وفي الصحيح "فإن عن
يمينة ملكًا" ولابن أبي شيبة "فإن عن يمينه كاتب الحسنات" وظاهر حديث أبي هريرة وأبي سعيد كراهة ذلك داخل الصلاة
стр. 256
وخارجها وهو مقيد بالصلاة في هذا الحديث الصحيح وغيره.
وقال مالك وغيره لا بأس به خارج الصلاة وكذا قيده جمهور الفقهاء بالصلاة. وأرشد – ﷺ إلى أي جهة يبصق فقال: (ولكن عن شماله تحت قدمه) وفي لفظ "عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ورد بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا" وبصقه في ثوبه ونحوه لا نزاع فيه. ولو كان في المسجد وأولى من كونه عن يساره لئلا يؤذي به. ولهما من حديث أبي هريرة "أو تحت قدمه اليسرى" وفي رواية "فيدفنها" وخص المسجد بما يأتي.
(ولهما عنه) ﵁ (مرفوعًا) أي إلى النبي – ﷺ أنه قال (البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) وهو ظاهر في عدم جواز البصاق في المسجد عن اليسار وغيرها قال النووي إذا بصق في المسجد فقد ارتكب الحرام وعليه أن يدفنه. ومن رآه يبصق فيه لزمه الإنكار عليه ويدفنه إن قدر ولما رأى ﵊ بصاقًا في جدار المسجد وهو يخطب نزل فحكه ودعا بزعفران ولطخه به.
وتظاهرت الأخبار بتنظيف المساجد وإزالة القذى عنها.
(وفي السنن أن رسول الله – ﷺ قال إذا صلى أحدكم) يعني إمامًا كان أو منفردًا حضرًا أو سفرًا فرضًا كانت الصلاة أو نفلاً ولو لم يخش مارًا (فليصل إلى سترة) ولمسلم عن عائشة
стр. 257
سئل عنها فقال "كمؤخرة الرحل" ولهما من حديث ابن عمر "يأمر بالحربة فتوضع بين يديه" ولمسلم من حديث طلحة قال: "إذا وضع أحدكم مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من يمر وراء ذلك" وللحاكم من حديث سبرة "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" (وليدن منها) فرواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد وأبو داود والنسائي من حديث سهل ولفظه "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته".
وثبت أنه كان إذا صلى إلى جدار جعل بينه وبينه كممر شاة. وهذا الحديث وغيره دليل على سنية اتخاذ السترة والدنو منها. وحكاه أبو حامد إجماعًا، وقال الموفق وغيره لا نعلم فيه خلافًا، وقال البغوي استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر من إمكان السجود وكذلك بين الصفوف والحكمة منع من يجتاز بقربه وأنه لا يقطع الشيطان عليه صلاته. وكف البصر عما وراءها. وشغل القلب عما هو مطلوب من الحضور والخضوع والمراقبة. وليس اتخاذ السترة بواجب لحديث ابن عباس أنه ﵊ "صلى في قضاء ليس بين يديه شيء" رواه أحمد وأبو داود وله شواهد.
(ولأبي داود عن أبي هريرة مرفوعًا) يعني إلى النبي – ﷺ أنه قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا) من
أي شيء كان جدارًا أو حربة أو غير ذلك يستره من المار بين
стр. 258
يديه (فإن لم يجد فلينصب عصا) أي يرفعها وفيه عدم الفرق بين الدقيقة والغليظة كما في قوله ولو بسهم. ويستحب انحرافه عن الشيء الشاخص لفعله – ﷺ رواه أحمد وغيره وسدًا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله.
(فإن لم يكن) معه عصا ولفظ أحمد وابن ماجه "فإن لم يجد عصا (فليخط خطًا) قال أحمد وغيره كالهلال وكيفما خط أجزأه (ثم لا يضره من مر بين يديه) أي لا ينقص من صلاته لفظ أحمد ولفظ أبي داود "ثم لا يضره من مر أمامه" (صححه أحمد) وابن المديني وابن حبان وقال الحافظ لم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن. وأشار الشافعي إلى ضعفه. وقال البيهقي لا بأس به في مثل هذا. وقال النووي وإن لم يثبت ففيه تحصيل حريم للمصلي. وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. وهذا منها.
وقوله ثم لا يضره من مر بين يديه يدل على أنه يضره إذا لم يفعل إما بنقصان صلاته أو بطلانها وهذا إذا كان إمامًا أو منفردًا. أما المأموم فسترة الإمام سترة له لأنه – ﷺ كان يصلي إلى سترة دون أصحابه واتفقوا على أنهم مصلون إلى سترة فلا يضرهم مرور شيء بين أيديهم. وفي الصحيحين عن ابن عباس "أقبلت على حمار أتان ورسول الله – ﷺ يصلي بالناس فمررت بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك على أحد" قال
стр. 259
ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء أن المأمون لا يضره من مر بين يديه.
(وعن أبي ذر قال: قال رسول الله – ﷺ يقطع صلاة المرء المسلم) أي يبطلها أو ينقص ثوابها (إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل" الخشبة التي يستند إليها الراكب والمراد رحل البعير والرحل أصغر من القتب وفي لفظ آخرة وهو أفصح.
والمراد المثل وإلا فيجزئ السهم كما مر وفاعل يقطع (المرأة والحمار والكلب الأسود) أي يقطع الصلاة مرور أحدها بين يدي المصلي إن لم يكن سترة أو مرورها بينه وبين سترته "قلت ما بال الأسود فقال الأسود شيطان" أي في الكلاب فإن الشيطان كل شيء ما رده (رواه مسلم) والخمسة وغيرهم وفي لفظ "ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل".
واختلف أهل العلم في العمل بهذا الحديث لقوله "لا يقطع الصلاة شيء" ونحوه فذهب مالك والشافعي وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء. ولم يأمر أحدًا بإعادة صلاته من أجل ذلك وتأولوا أن المراد نقص الصلاة بشغل القلب بهذه الأشياء. قالوا وصح عن عمر لا يقطع الصلاة شيء مما يمر بين يدي المصلي وأوردوا أحاديث وكلها ضعيفة.
قال ابن القيم وقد صح عنه – ﷺ أنه يقطع الصلاة. المرأة
стр. 260
والحمار والكلب الأسود. ثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل ومعارض هذه الأحاديث قسمان صحيح غير صريح وصريح غير صحيح فلا يترك لمعارض هذا شأنه وقال الشيخ مذهب أحمد وجماعة من الصحابة يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأولد البهيم. قال: والصواب أن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار بين يدي المصلي دون سترة يقطع الصلاة واختاره الموفق وغيره.
(ولهما عن أبي سعيد مرفوعًا "إذا صلى أحدكم إلى شيء بستره من الناس) جدارًا كان أو بعيرًا أو حربة أو عصا أو خطًا أو غير ذلك مما تقدم ونحوه (فأراد أحد أن يجتاز) أي يمضي (بين يديه فليدفعه) ولمسلم "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدًا يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع" (فإن أبي) أي عن الاندفاع (فليقاتله) ولهما فليدفع في نحره. قال القرطبي يدفعه بالإشارة ولطيف المنع فإن لم يمتنع عن الاندفاع قاتله أي دفعه دفعًا أشد من الأول.
وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة من الإقبال عليها والاشتغال بها والخشوع فيها.
وحكى القاضي عياض وغيره الإجماع على أنه لا يجوز له المشي من مكانه كثيرًا ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور. وعن أحمد وغيره للمصلي أن يجتهد
стр. 261
في رده ما لم يخرج بذلك إلى إفساد صلاته بكثرة العمل فإن أصر فله قتاله ولو مشى يسيرًا لقوله فإن أبى فليقاتله (فإنما هو شيطان).
ولمسلم عن ابن عمر "فلا يدع أحدًا يمر بين يديه فإن أبي فليقاتله فإن معه القرين وهو الشيطان أزه على المرور" وهو في نفسه شيطان فإن شيطان كل جنس متمرده. ولا تفسد صلاته لكن لا يقاتله بسيف ولا بما يهلكه بل بالدفع باليد واللكز فإن مات بذلك فدمه هدر. قال الشيخ وغيره لأن الشارع أباح قتاله وقال القاضي عياض فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قود عليه اتفاقًا. والأمر بدفعه وإن كان ظاهره الوجوب فقال النووي لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع بل صرحوا بأنه مندوب وفيه أن اتخاذ السترة مندوب.
وفيه جواز إطلاق لفظ الشيطان على الإنسان الذي يريد إفساد صلاة المصلي وفتنته في دينه. ويحرم مروره بين يدي المصلي وسترته وبقربه إن لم يكن سترة. وأما البعيد فلا يتعلق به حكم وقال الموفق لا أعلم أحدًا حد البعيد في ذلك ولا القريب. والصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه المصلي ودفع المار بين يديه للأمر به فتقيد بدلالة الإجماع بما يقرب منه. وفي الصحيحين عن أبي جهيم مرفوعًا "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه".
стр. 262
ولمسلم "لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي" وفيه غلظ تحريمه. قال ابن القيم لوعد من الكبائر لكان له وجه وتكره صلاته في الموضع الذي يحتاج فيه إلى المرور. وتنقص صلاة من لم يرد مارًا بين يديه وهو قادر على رده إلا بمكة وإن غلبه لم يرده اتفاقًا.
باب سجود السهو
سها عن الشيء سهوًا ذهل وغفل قلبه عنه إلى غيره. وفي النهاية السهو في الشيء تركه من غير علم وعن الشيء تركه مع العلم به. وفي المشارق السهو في الصلاة النسيان فيها وجاء لفظ السهو والنسيان في الشرع بمعنى. وقال غير واحد النسيان والسهو والغفلة ألفاظ مترادفة معناها ذهول القلب عن المعلوم الحاصل في الحافظة.
وقال ابن القيم كان سهوه – ﷺ في الصلاة من إتمام نعمة الله على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السهو. وفي الموطأ أو انسى لأبين. والنسيان في القرآن نسيان ترك ونسيان سهو. وقد وضع الله الآصار والأغلال عن هذه الأمة ببركة نبيها محمد – ﷺ وكانت بنوا إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا به عجلت لهم العقوبة. فمن لطفه تعالى بهذه الأمة ورأفته بهم وإحسانه إليهم أمرهم أن يسألوه ترك مؤاخذتهم فقالوا ما (قال تعالى) عنهم ﴿رَبَّنَا لاَ
стр. 263
تُؤَاخِذْنَا﴾ أي لا تعاقبنا ﴿إِن نَّسِينَا﴾ أي تركنا فرضًا على وجه النسيان وجعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو أو فعلاً حرامًا كذلك ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي الصواب في العلم جهلاً منا بوجهه الشرعي وثبت أن الله استجاب هذا الدعاء ورفع المؤاخذة بالنسيان. فقال الله تعالى نعم" رواه مسلم من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عباس "قال الله قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قال الله قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قيل هو من حديث النفس والوسوسة "قال الله قد فعلت".
ولابن ماجه وابن حبان من حديث ابن عباس "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فرفع الله المؤاخذة عن هذه الأمة ببركة نبيها – ﷺ . ولابن أبي حاتم عن أم الدرداء "إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث عن الخطأ والنسيان والاستكراه" قال الحسن أما تقرأ بذلك قرآنًا ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فأما حديث النفس فمعفو عنه ولا سجود من أجله لأن الشرع لم يرد به ولا يمكن التحرز منه.
وأما الزيادة والنقص والشك في بعض الصور نسيانًا فجاءت السنة بمشروعية سجود السهو له جبرانًا كقوله: إذا نسي أحدكم" "إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين" وأجمع المسلمون على ذلك في الجملة ولا تبطل بشيء منه ولا بأكل
стр. 264
وشرب سهوًا وهو من خصائص هذه الأمة فضلاً من الله ونعمة.
(وعن أبي هريرة قال صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلم) والعشي ما بين زوال الشمس وغروبها وللبخاري "الظهر أو العصر" وفي لفظ "صلى بنا" فهو ظاهر أن أبا هريرة حضرها (ثم قام إلى خشبة المسجد) وللبخاري في مقدم المسجد (فوضع يده عليها) وفي رواية "فقام إلى خشبة معروضة في المسجد (فوضع يده عليها) وفي رواية "فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها" كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه.
(وخرج سرعان الناس) بفتح السين والراء ويروى بإسكانها وبضم السين والمراد أول الناس خروجًا من المسجد وفي رواية خرجت السرعان من أبواب المسجد (فقالوا أقصرت الصلاة وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه) أي بأنه سلم على الركعتين وفي رواية "فهاباه أن يكلماه".
ومعناه أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه ﷺ (وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين) وفي حديث عمران رجل يقال له الخرباق وهو عمير بن عمرو السلمي وكان في يده طول فالخرباق لقب لذي اليدين لقب به عمير لطول كان في يديه.
(فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة)
أي شرع الله قصر الرباعية إلى اثنتين. (فقال
стр. 265
لم أنس) أي في ظنه ﷺ (ولم تقصر) وفي رواية لمسلم "كل ذلك لم يكن. فقال بلى قد نسيت" وذلك رحمة من الله لهذه الأمة وبيان ولا يستمر بل يتضح له الحال (فقال أكما يقول ذو اليدين فقالوا نعم) ولأبي داود "أصدق ذو اليدين فأوموا أي نعم. وفي رواية له فقال الناس نعم (فصلى ركعتين ثم سلم) وفي رواية "فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم" قال الموفق وغيره إذا كان السلام سهوًا ولم يطل الفصل أتى بما ترك ولم تبطل صلاته إجماعًا. قال العراقي وغيره من غير فرق بين من سلم من ركعتين أو أكثر أو أقل. ولو سلم التسليمتين وتكلم. وإن كلام الناسي لا يبطل الصلاة. وكذا من ظن التمام وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف. ومذهب الشافعي وأحمد وجميع أئمة الحديث وهو مدلول هذا الحديث المتفق على صحته.
وأما من تكلم عامدًا لا يريد إصلاح شيء من أمرها فقال ابن المنذر وغيره أجمع أهل العلم على أن صلاته فاسدة لتظاهر الأدلة على ذلك. والعلم من يعلم أنه في صلاة وأن كلامه محرم فيها. قال الشيخ ولا بد في كلامه من لفظ دال على المعنى دلالة وضعية تعرف بالعقل. والقهقهة كالكلام تبطل بالإجماع (ثم كبر ثم سجد) أي للسهو (مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم وضع رأسه وكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم سلم متفق عليه) قال الشيخ وهو قول عامة
стр. 266
أهل العلم. ودل على أفضلية سجود السهو عن النقص بعد السلام واختاره.
ودل على أن سجود السهو لا يتعدد بتعدد أسباب السهو لأنه ﷺ سها فسلم وتكلم بعد سلامه وسجد لها سجودًا واحدًا، ويأتي قوله: "إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين" وهو يتناول السهو في موضعين فأكثر. وحديث "لكل سهو سجدتان" وإن كان فيه مقال فالسهو اسم جنس ومعناه لكل صلاة فيها سهو سجدتان وإن حصل للمصلي سهوان كأن زاد في صلاته من جنسها وسلم عن نقص أو حصل له شك فيغلب سجودًا أفضليته قبل السلام. وما يقال في سجود السهو وفي الرفع كسجود صلب الصلاة لإطلاقه في الأخبار فلو كان غير معروف لبين. ولا يتشهد فيه ولو كان بعد السلام اختاره الشيخ وغيره.
وعليه العمل كسجود قبل السلام ذكره في الحلاف إجماعًا لأنه لم يذكر في الأحاديث الصحيحة بل الأحاديث الصحيحة تدل على أنه لا يتشهد. وفي رواية أبي داود قلت فيه تشهد قال لم أسمع فيه تشهدًا. وللبخاري قلت لمحمد في سجدتي السهو تشهد قال ليس في حديث أبي هريرة، وقال قتادة: لا يتشهد، وحديث عمر أن الذي فيه ذكر التشهد طرف من حديث أبي هريرة وضعفه ابن عبد البر وغيره. وقالوا المحفوظ ليس فيه تشهد.
(ولهما عن ابن مسعود قال صلى رسول الله ﷺ ) قال إبراهيم زاد أو نقص ويأتي في متن الحديث ثبوته في الزيادة
стр. 267
(فلما سلم قيل له يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال وما ذاك) وفي لفظ قال لا وما ذاك استفهام منه ﷺ (قالوا صليت كذا) وكذا وفي رواية فقيل له أزيد في الصلاة فقال "وما ذاك فقالوا صليت خمسًا (فثنى رجليه) أي صرفهما عن حالتهما التي كانتا عليها.
(واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم) لأن الزيادة سهو وهي نقص في المعنى فشرع لها السجود لينجبر النقص.
فإن كان في ركعة زائدة جلس في الحال بغير تكبير وبنى على فعله قبل تلك الزيادة لئلا يغير هيئة الصلاة ولم تبطل صلاته قال الشيخ بالسنة وإجماع المسلمين ويسجد له وجوبًا (ثم أقبل علينا بوجهه) الشريف ﷺ (فقال إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به) وفيه أن الأصل في الأحكام بقاؤها على ما قررت عليه.
(ولكن إنما أنا بشر) مثلكم في البشرية وبين وجه المثلية بقوله: (أنسى كما تنسون) ولا يقر عليه ﷺ بل يقع له ﷺ تبيان ذلك أما متصلاً بالفعل أو بعده وفائدته في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره زاد النسائي واذكر كما تذكرون (فإذا نسيت فذكروني) وفيه الأمر بالتنبيه وظاهره الوجوب.
ويتأكد في حق المأمومين لارتباط صلاتهم بصلاته بحيث
стр. 268
تبطل ببطلانها. ويلزم من نبه الرجوع إلى ثقتين ما لم يجزم بصواب نفسه. ويجوز إلى قول واحد إن ظن صدقه. وظاهره أنهم تابعوه ﷺ على الزيادة، فدل على أن متابعة المؤتم للإمام فيما ظنه واجبًا لا تفسد صلاته فإنه ﷺ لم يأمرهم بالإعادة.
وهذا في حق الصحابة ﵃ في مثل هذه الصورة لتجويزهم التغيير في عصر النبوة.
أما بعده فينتظرونه قعودًا حتى يتشهد ويسلمون معه أو يفارقونه للعذر ويسلمون لأنفسهم. قال شيخ الإسلام وغيره وانتظار المأموم حتى يسلم معه أحسن (فإذا شك أحدكم في صلاته) هل زاد أو نقص والشك في اللغة التردد بين وجود الشيء وعدمه (فليتحر الصواب) وفي لفظ لمسلم "وليتحر أقرب ذلك إلى الصواب" وفي لفظ "فليتحر أو في الذي يرى أنه الصواب" رواه أبو داود.
والتحري هو البناء على غالب الظن. قال الشيخ وغيره وعلى هذا غالب أصول الشرع وهي الرواية المشهورة عن أحمد.
وروي عن علي وغيره وهو مذهب أصحاب الرأي. وقال أبو الفرج التحري سائغ في الأقوال والأفعال. وقال النووي من شك ولم يترجح له أحد الطرفين بنى على الأقل بالإجماع.
بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعًا مثلاً (فليتم عليه) بضم الياء وكسر التاء (ثم ليسجد سجدتين) وفي رواية
للبخاري "فليتم ثم يسلم ثم يسجد سجدتين) وفي رواية للبخاري "فليتم ثم يسلم ثم يسجد سجدتين" ولمسلم "سجد
стр. 269
بعد السلام والكلام" ولأحمد وأبي داود من حديث عبد الرحمن بن جعفر مرفوعًا "من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم" وصححه ابن خزيمة.
فدلت هذه الروايات على أفضلية سجود السهو بعد السلام لأنه تحرى وأتم صلاته. وإنما السجدتان إرغام للشيطان فتكون بعده. وكما أن السجود مشروع في الفريضة فكذا في النافلة وهو مذهب جماهير العلماء قديمًا وحديثًا لأنه لا فارق بينهما في الحكم. ولأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج إليه في النفل كما يحتاج إليه في الفرض. وترجم له البخاري. وإن نسي سجود السهو سجد إن قرب الزمن وإن طال عرفًا لم يسجد وصحت صلاته لأنه جابر فلم تبطل بفواته حكاه الوزير اتفاقًا.
(وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك) أي يرم به ويبعده. ولأحمد "فليلق الشك (وليبن) أي وليأت بركعة فيتم ما بقي من صلاته (على ما استيقن) منها ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أو نقص فإن كان شك في الواحدة أو اثنتين فليجعلها واحدة وإن لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثًا فيجعلها اثنتين فإن لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا فليجعلها ثلاثًا حتى يكون الشك في الزيادة".
стр. 270
فدل على أن الشاك في صلاته يجب عليه البناء على اليقين وهو مذهب جماهير العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وقيل يعيد والأحاديث ظاهرة بخلافه ولا منافات بين ما ورد الأمر بالبناء على الأقل والبناء على اليقين وتحري الصواب فإن التحري هو طلب ما هو الأحرى إلى الصواب. وأمر به ﷺ وبالبناء على اليقين. والبناء على الأقل عند عروض الشك، فإن أمكن الخروج بالتحري عن الشك وهو لا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من صلاته كذا فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل لأنه ﷺ قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدراية، والمتحري الصواب قد حصلت له الدراية، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين فقد بنى على ما استيقن. وحكى النووي عن الجمهور أن التحري هو البناء على اليقين وفرق أحمد بينهما.
(ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسًا) في رباعية (شفعن) أي السجدتان (صلاته) صيرتهما شفعًا لأن السجدتين قامتا مقام ركعة وكان المطلوب من الرباعية الشفع (وإن كان صلى تمامًا) لأربع (كانتا ترغيمًا للشيطان) إلصاقًا لأنفه بالرغام بما جعله الله للمصلي من الجبر للنقص الذي سعى اللعين في إدخاله عليه في صلاته ليلبسها عليه. والرغام بزنة غراب التراب (رواه مسلم).
وفي حديث عبد الرحمن بن عوف ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم" صححه الترمذي. ولأبي داود
стр. 271
وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة قال أحمد أنا أقول كل سهو جاء فيه عن رسول الله ﷺ أنه يسجد فيه بعد السلام فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام.
وقال شيخ الإسلام أظهر الأقوال وهو رواية عن أحمد الفرق بين الزيادة والنقصان وبين الشك مع التحري والشك مع البناء على اليقين. فإذا كان السجود لنقص كان قبل السلام لأنه جابر للصلاة لتتم الصلاة به، وإن كان لزيادة كان بعد السلام لأنه إرغام للشيطان لئلا يجمع بين زيادتين في الصلاة، وكذا إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته وإنما السجدتان إرغام للشيطان فتكون بعده. وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها وقد أتمها والسلام فيها زيادة والسجود في ذلك بعد السلام ترغيم للشيطان. وإذا شك ولم يبن له الأرجح فيعمل هنا على اليقين. فإما أن يكون صلى خمسًا أو أربعًا. فإن كان صلى خمسًا فالسجدتان يشفعان له صلاته كأنه صلى ستًا لا خمسًا. وهذا إنما يكون قبل السلام. فهذا القول الذي نصرناه يستعمل في جميع الأحاديث الواردة في ذلك.
وقال وما شرع من السجود قبل السلام يجب فعله قبله.
وما شرع بعده لا يفعل إلا بعده وجوبًا وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره وعليه يدل كلامهم وقال القاضي وغيره لا خلاف بين أهل العلم في جواز الأمرين السجود قبل السلام أو بعده وقال البيهقي كذا ذكره بعض الشافعية والمالكية إجماعًا.
стр. 272
وإنما الخلاف في الأولى والأفضل. فلو سجد للكل جاز قبله أو بعده.
(وعن ابن بحينه) عبد الله بن مالك الأسدي ويقال الأزدي اشتهر بأمه بحينة بنت الحارث صحابي مات سنة ست وخمسين (أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين) أي قام في الركعة الثالثة (ولم يجلس) عقب الركعتين الأوليين (فقام الناس معه) وفي رواية "فسبحوا به فمضى" (حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس وسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم متفق عليه) ورواه الخمسة وغيرهم بألفاظ متقاربة.
وفيه دليل على أن من ترك الجلوس للتشهد الأول سهوًا يجبره بسجود السهو ولا نزاع في ذلك. وفي رواية لمسلم "يكبر لكل سجدة وهو جالس وسجد الناس معه مكان ما نسي من الجلوس". وللترمذي وصححه أن المغيرة "صلى بهم ركعتين ولم يجلس. فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم ثم قال هكذا صنع بنا رسول الله ﷺ .
ولأبي داود وابن ماجه من حديث المغيرة "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس فإن استتم قائمًا فلا يجلس
стр. 273
وليسجد سجدتين، وله طرق وآثار تشهد له. وللبيهقي من حديث أنس تحرك للقيام في الركعتين الأخيرتين من العصر فسبحوا به فقعد ثم سجد للسهو قال الحافظ رجاله ثقات.
والحاصل إن هذه الأحاديث دلت على وجوب متابعة الإمام إذا قام من الثنتين ولم يجلس للتشهد. وإن علم قبل أن يستتم قائمًا لزمه الرجوع. قال في الإنصاف لا أعلم فيه خلافًا لأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن فلزمه الإتيان به.
وإن شرع في القراءة حرم رجوعه اتفاقًا لظاهر النهي. فإن في حديث المغيرة وغيره حجة على أن من استتم قائمًا لا يجلس لتلبسه بفرض فلا يقطعه وعليه السجود للسهو. وقال ابن القيم في قوله فأشار إليهم أن قوموا قاعدة أن من ترك شيئًا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سهوًا سجد له قبل السلام. وأخذ من بعض طرقه أنه إذا ترك ذلك وشرع في ركن لم يرجع إلى المتروك لأنه لما قام سبحوا به فأشار إليهم أن قوموا.
باب صلاة التطوع
أي باب أحكام صلاة العبد التطوع وفضلها وأحكام أوقات النهي وغير ذلك. والتطوع لغة فعل الطاعة وتطوع بالشيء تبرع به. وشرعًا وعرفًا طاعة غير واجبة. وقال الأزهري التطوع ما تبرع به من ذات نفسه مما لم يلزمه فرضه وفي
стр. 274
القاموس صلاة التطوع النافلة. والنفل والنافلة الزيادة ويرادفه السنة والمندوب والمستحب والمرغب فيه. وقال بعضهم التطوع ما لم يثبت فيه نص بخصوصه والسنة: ما واظب عليه النبي ﷺ والمستحب ما لم يواظب عليه ولكنه فعله.
وأفضل ما يتطوع به الجهاد في سبيل الله. وفي فضله والحث عليه آيات وأحاديث كثيرة معلومة. وتعلم العلم وتعليمه. وقال شيخ الإسلام تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد وأنه نوع من أنواعه من جهة أنه من فروض الكفايات. وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة أفضل ما تطوع به العلم وتعليمه والعلم لا يعدله شيء وهو الميراث النبوي. والناس إليه أحوج منهم إلى الطعام والشراب.
قال النووي اتفق جماعات السلف على أن الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك من أعمال البدن. ثم بعد العلم نوافل الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيره ذلك مما ندب إليه الشارع. وكذا كل ما يتعدى نفعه وفي فضل كل نوع من أنواع التطوعات آيات وأحاديث كثيرة وتختلف الأفضلية باختلاف الوقت وحال العامل.
(قال تعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾) فعل غير المفترض عليه من صلاة وزكاة وصوم وحج وطواف وغير ذلك من سائر الطاعات. قال الحسن وغيره أراد سائر الأعمال يعني من تطوع
стр. 275
خيرًا في العبادات ﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ﴾ يثيب على القليل بالكثير ﴿عَلِيم﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه يعطي العبد فوق ما يستحقه يشكر اليسير ويعطي الكثير. وقال تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على عظيم ثوابه تعالى لمن تقرب إليه بالنوافل.
وفي الحديث القدسي "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. وبصره الذي يبصر به. ويده التي يبطش بها. ورجله التي يمشي عليها. ولئن سألني لأعطينه. ولئن استعاذني لأعيذنه"
(وعن أبي هريرة في حديث المحاسبة) قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها" ولفظ الترمذي "أول ما يحاسب به من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر" فإن انتقص فريضة شيء (قال الله انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع أكملت منه الفريضة) "ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" (رواه الخمسة) بألفاظ متقاربة وصححه الحاكم وابن القطان.
وله شواهد منها عن تميم الداري مرفوعًا "أول ما يحاسب
стр. 276
به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها كتبت له تامة وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون به فريضته. ثم الزكاة كذلك. ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك "رواه أبو داود وغيره. وللحاكم من حديث ابن عمر "أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس. وأول ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس. وأول ما يسألون عنه الصلوات الخمس. فمن كان ضيع شيئًا منها يقول الله ﵎ انظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صلاة تتمون بها ما نقص من الفريضة. وانظروا في صيام عبدي" وذكر الزكاة.
قال: "فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة الله وعدله فإن وجد له فضل وضع في ميزانه وقيل له أدخل الجنة مسرورًا.
وإن لم يوجد له شيء من ذلك أمرت الزبانية فأخذت بيديه ورجليه ثم قذف في النار" وفيها دليل على أن ما نقص من فرض الصلاة أكمل من التطوع. وكذا ما نقص من الخشوع. وقال شيخ الإسلام التطوع تكمل به صلاة الفرض يوم القيام إن لم يكن أتمها. وفيه حديث مرفوع وكذلك الزكاة وبقية الأعمال.
وقيل هو الحكمة في مشروعيته لأنه من جنس الفريضة. فأمكن الجبران به عند التعذر.
(وعن ربيعة) بن كعب بن مالك الأسلمي من أهل
الصفة كان خادمًا للنبي ﷺ ملازمًا له حضرًا وسفرًا يكني أبا
стр. 277
فراس مات سنة ثلاث وستين (قال قال لي رسول الله ﷺ سل) وكان يبيت مع النبي ﷺ ويأتيه بوضوئه وحاجته فقال له يومًا سل (فقلت أسألك مرافقتك في الجنة) سمت همته –﵁ إلى أشرف المطالب وأعلى المراتب وعزفت نفسه عن الدنيا وشهواتها فسأل مرافقة خير الخلق النبي الكريم في خير دار جنات النعيم (قال أو غير ذلك) أي أوتسأل غير هذه الرتبة الرفيعة (قلت هو ذاك) الذي أرغب فيه قال (فأعني على نفسك بكثرة السجود رواه مسلم).
فدل الحديث على أن التطوع بالصلاة من أفضل الأعمال، وأعظم القرب التي بها ارتفاع الدرجات عند الله إلى حد لا يناله إلا المقربون. وإن كان الحديث ينصرف إلى الفرائض لكن الإتيان بالفرائض لا بد منه لكل مسلم وإنما أرشده ﷺ إلى شيء يختص به ينال به ما طلبه. وعبر عن الصلاة بالسجود تسمية لها ببعض أفرادها والسجود بعضها. قال تعالى: "وكن من الساجدين) أي المصلين ولمسلم وغيره عن ثوبان سمعت النبي ﷺ يقول "عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة. وحط بها عنك خطيئة" وذلك أنه سأله عن عمل يدخله الله به الجنة وورد في فضل التطوع بالصلاة أحاديث كثيرة.
وآكد التطوع بالصلاة صلاة الكسوف لأنه ﵊ فعلها وأمر بها. وأجمع عليها. ثم صلاة الاستسقاء لأنه
стр. 278
يشرع لها الجماعة مطلقًا أشبهت الفرائض، ثم التراويح لأنها تسن لها الجماعة. والتطوع لما تسن له الجماعة أفضل. ثم صلاة الوتر عند بعض أهل العلم والأشبه أنها آكد من التراويح فقد قيل بوجوبها، وقال الشيخ ما تنازع الناس في وجوبه فهو آكد ثم السنن الرواتب وقدمت لاتصالها بالفرائض ولتأكدها.
ويكره تركها وتسقط عدالة من دوام عليه ويأثم.
(وعن ابن عمر قال حفظت من رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها. وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين بعد الصبح متفق عليه) وفيه "كانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها أحد. حدثتني حفصة أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر" وفي رواية "وتبين الفجر صلى ركعتين" فلو صلاهما قبل طلوع الفجر لم يجزئه، وفي لفظ "قبل الغداة" يعني صلاة الفجر، وفي رواية في بيته سوى الظهر، وفي رواية وركعتين بعد الجمعة في بيته.
ولمسلم عن عائشة "كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين. وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر اثنتين" صححه الترمذي. وحكى الوزير وغيره اتفاق الأئمة على أن النوافل الراتبة عشر، ويسن الفصل بين الفرض والسنة بكلام أو قيام لما رواه مسلم من حديث معاوية "أمرنا أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج" وجاء عن عمر أنه جبذ رجلاً قام إثر فراغه فقال ﵊ يا عمر
стр. 279
أصاب الله بك. وذلك لئلا يتخذ ذريعة إلى تغيير الفرض وأن يزاد فيه ما ليس منه.
(ولهما عن عائشة أربعًا قبل الظهر) قال الطبري الأربع كانت في كثير من أحواله والركعتان في قليلها.
(ولمسلم عن أم حبيبة مرفوعًا) يعني إلى رسول الله ﷺ أنه قال: (من صلى ثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته) وفي نسخ في يوم وليلة كأن المراد كل يوم وليلة تطوعًا وفي رواية "سوى المكتوبة (بني له بهن بيت في الجنة) وللترمذي وصححه "أربعًا قبل الظهر وركعتين بعدها. وركعتين بعد المغرب. وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر".
ولفظ النسائي "ركعتين قبل العصر". ولم يذكر العشاء، وما رواه الترمذي هو ما اتفق عليه ابن عمر وعائشة.
واستحب الجمهور المواظبة على الأربع قبل الظهر. ورجح ابن القيم أنها ورد مستقل سببه انتصاف النهار لقوله ﵊ "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح" رواه أحمد وقال كان ﷺ يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة. سبع عشرة الفرائض، واثنتي عشرة التي روت أم حبيبة، وإحدى عشرة صلاة الليل فكانت أربعين ركعة.
(وللخمسة عنها قال "من حافظ على أربع) أي ركعات
стр. 280
(قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار) صححه الترمذي وغيره، وفي رواية "لم تمسه النار) والحديث يدل على تأكد استحبابها. وكفى بهذا الترغيب باعثاً على المحافظة
عليها.
(وعن ابن عمر مرفوعاً رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما و (حسنه الترمذي) وصححه ابن خزيمة وابن حبان وأنكره شيخ الإسلام وفي السنن عن علي " كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات " وللطبري من حديث عبد الله بن عمرو"من صلى أربع ركعات قبل العصر لم تمسه النار " وفيه أحاديث آخر ضعيفة لكن تدل بمجموعها على استحباب صلاة أربع قبل العصر.
(وعن عبد الله بن مغفل) بن غنم أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس توفى بها سنة ستين (قال قال رسول الله ﷺ صلوا قبل المغرب) صلوا قبل المغرب (ثم قال في الثالثة لمن شاء) أي أن يصلي قبل المغرب (كراهية أن يتخذها الناس سنة) أي طريقة مألوفة لا يتخلون عنها (رواه البخاري) ولابن حبان أن النبي ﷺ " صلى قبل المغرب ركعتين " ولمسلم "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس. وكان ﷺ يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا".
لكن ما ليس براتب لا يلحق بالراتب ولا تستحب المواظبة عليه ليضاهي السنن الراتبة. وللشيخ قاعدة معروفة وهي أن ما
стр. 281
ليس من السنن الراتبة لا يداوم عليه حتى يلحق بالرواتب. ولأبي داود عن عائشة "ما صلى العشاء قط فدخل علي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات"وفي الصحيح عن ابن عباس وذكر مبيته عند خالته ميمونة قال" فصلى أربع ركعات" وتقدم في رواية النسائي "قبل العصر ركعتين".
وقال الشيخ: وأما قبل العصر وقبل المغرب والعشاء فلم يكن يصلي, لكن ثبت عنه في الصحيح أنه قال " بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء" فمن شاء أن يصلي تطوعاً فهو حسن لكن لا يتخذ ذلك سنة. ولا يكره أن يصلي فيها بخلاف ما فعله ﷺ ورغب فيه فإن ذلك أوكد من هذا.
(وعن عائشة قالت "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل) الرواتب وغيرها (أشد تعاهداً) أي محافظة (منه على ركعتي الفجر متفق عليه) وفي رواية "معاهدة" ولمسلم "ما رأيته إلى شيء من الخير أشد منه إلى الركعتين قبل الفجر" ولابن خزيمة ولا إلى غنيمة.
(ولمسلم ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) أي أجرهما خير من الأرض وما عليها. وهذا تمثيل وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا وما فيها والحديثان يدلان على أفضليتهما واستحباب تعاهدهما وثبت عن النبي ﷺ أنه كان لا يدعهما حضراً ولا سفراً وحض عليهما حتى قال " ولو طردتكم
стр. 282
الخيل "رواه أبو داود. وحكى عن الحسن وجوبهما وقال بعضهم أفضل من الوتر. وقال الشيخ يسن ترك غيرهما في السفر ولم ينقل أنه صلى راتبة غيرهما فيه ويتطوع بغير الرواتب أفضل ونقله بعضهم إجماعاً.
(ولهما عنها كان يخفف الركعتين قبل الصبح حتى إني لأقول اقرأ فيهما بأم الكتاب أم لا) وذلك لإسراعه بقراءتها واجمعوا على سنية تخفيفهما إلا ما روي عن بعض الحنفية وقال القرطبي معنى الحديث أنه كان يطيل في النوافل فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنه لم يقرأ بالنسبة على غيرهما من الصلوات لا النقر المنهي عنه.
(ولمسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ "قرأ في ركعتي الفجر) وللخمسة إلا النسائي من حديث ابن عمر رمقت رسول الله ﷺ شهراً "فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر " (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وله شواهد. ولابن ماجه وكان يقول "نعم السورتان يقرأ بهما" ذلك لما جمعتاه من توحيد العلم والعمل. وتوحيد المعرفة والإرادة وإيجاب عبادته وحده. والتبري من عبادة ما سواه. وبيان ما يجب لله من صفات الكمال. وتنزيهه عن النقائص والأمثال.
ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر وفي الوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته ليكون مبتدأ النهار توحيد. وخاتمة الليل
стр. 283
توحيد. وله من حديث ابن عباس "كان يقرأ في الأولى (قولوا آمنا بالله) الآية التي في سورة البقرة وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية التي في سورة آل عمران".
وما جاء في الصحيحين من حديث عائشة "أنه إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" فقال أحمد عائشة ترويه وابن عمر ينكره وكذا ابن مسعود وغيره وقال بعض أهل العلم إنما اضطجاعه بعد الوتر. وقبل ركعتي الفجر. كما هو مصرح به في حديث ابن عباس. وأما حديث عائشة فرواية مالك بعد الوتر وغيره بعد ركعتي الفجر. ولا يبعد أن يكون هذا تارة وهذا تارة فيباح ولم ير مالك وغيره بأساً لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استناناً. وأما حديث أمره بالاضطجاع بعدها. فقال شيخ الإسلام باطل.
(وللترمذي عنه مرفوعاً: من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس) وصححه الحاكم وهذا مذهب الجمهور وعنه أنه ﵊ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعد ما طلعت الشمس والحديث لا يدل على المنع
من فعلهما بعد صلاة الفجر. وعن قيس بن عاصم أنه صلاها بعدها وأقره النبي ﷺ وأختاره الشيخ وغيره (وقضاء ركعتي الظهر متفق عليه) من حديث أم سلمه وفيه أنه قضاها بعد
стр. 284
العصر وللترمذي من حديث عائشة أنه قضى الأربع اللواتي قبل الظهر بعده.
(و) قضاء (ركعتي الفجر رواه مسلم) وأحمد والنسائي وغيرهم من حديث أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر وتقدم وفيه "فصلى ركعتين ثم صلى الغداة"وقد دلت هذه الأحاديث وغيرها على مشروعية قضاء النوافل الراتبة. قال الشيخ وصح أنه قال"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وهذا يعم السنن الراتبة وغيرها.
فصل في الوتر
أي في أحكام الوتر وصفته. والوتر الفرد. والمراد هنا الوتر المعروف الذي هو ختم صلاة آخر الليل وهو آكد التطوعات لم يتركه النبي ﷺ حضراً ولا سفراً حتى قال بعض أهل العلم بوجوبه. وتظاهرت الأحاديث في فضله والحث عليه (وعن خارجة) بن حذافة العدوي قيل كان يعدل بألف فارس وقضى بمصر واستشهد سنة أربعين قتله الخارجي ظناً منه أنه عمرو بن العاص (١) (قال قال رسول الله ﷺ إن الله أمدكم) وفي لفظ "زادكم (بصلاة هي خير لكم من حمر النعم) أي الإبل الحمر.
стр. 285
خصها لأنها كانت أنفس أموال العرب إذ ذاك وكان يضرب بها المثل. والمراد خير من الدنيا وما عليها وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الأفهام وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها ومثلها معها ويأتي ذكر فضل قيام الليل والوتر آكده (قلنا وما هي قال الوتر) ضد الشفع وهو أسم للركعة المنفصلة عما قبلها. وللخمس والسبع والتسع والإحدى ٍعشرة. كما أن المغرب وتر النهار اسم للثلاث المتصلة.
فإن فصلت الثلاث فأكثر بسلامين كان الوتر اسماً للركعة المفصولة وحدها ثم عين وقته فقال (ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) فجمعيه وقت للوتر. وفيه أحاديث كثيرة مستفيضة تدل على أن جميع الليل وقت للوتر إلا ما قبل صلاة العشاء إجماعاً. وفي لفظ "فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (رواه الخمسة إلا النسائي)
وصححه الحاكم وغيره وضعفه البخاري لاشتراطه اللقي. ولأحمد من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وله شواهد كثيرة تثبت أن له أصلاً.
(ولهم) أي للخمسة وصححه الحاكم أيضاً وغيره (عن علي مرفوعاً "أوتروا يا أهل القرآن) فيه تأكد الوتر في حق أهل القرآن أي حفظته العاملين به وهم أهل الله وخاصته
وأولياءه المختصون به اختصاص أهل الإنسان به (فإن الله