← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ليس من السنن الراتبة لا يداوم عليه حتى يلحق بالرواتب. ولأبي داود عن عائشة "ما صلى العشاء قط فدخل علي إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات"وفي الصحيح عن ابن عباس وذكر مبيته عند خالته ميمونة قال" فصلى أربع ركعات" وتقدم في رواية النسائي "قبل العصر ركعتين". وقال الشيخ: وأما قبل العصر وقبل المغرب والعشاء فلم يكن يصلي, لكن ثبت عنه في الصحيح أنه قال " بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء" فمن شاء أن يصلي تطوعاً فهو حسن لكن لا يتخذ ذلك سنة. ولا يكره أن يصلي فيها بخلاف ما فعله ﷺ ورغب فيه فإن ذلك أوكد من هذا. (وعن عائشة قالت "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل) الرواتب وغيرها (أشد تعاهداً) أي محافظة (منه على ركعتي الفجر متفق عليه) وفي رواية "معاهدة" ولمسلم "ما رأيته إلى شيء من الخير أشد منه إلى الركعتين قبل الفجر" ولابن خزيمة ولا إلى غنيمة. (ولمسلم ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) أي أجرهما خير من الأرض وما عليها. وهذا تمثيل وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا وما فيها والحديثان يدلان على أفضليتهما واستحباب تعاهدهما وثبت عن النبي ﷺ أنه كان لا يدعهما حضراً ولا سفراً وحض عليهما حتى قال " ولو طردتكم

стр. 282

الخيل "رواه أبو داود. وحكى عن الحسن وجوبهما وقال بعضهم أفضل من الوتر. وقال الشيخ يسن ترك غيرهما في السفر ولم ينقل أنه صلى راتبة غيرهما فيه ويتطوع بغير الرواتب أفضل ونقله بعضهم إجماعاً. (ولهما عنها كان يخفف الركعتين قبل الصبح حتى إني لأقول اقرأ فيهما بأم الكتاب أم لا) وذلك لإسراعه بقراءتها واجمعوا على سنية تخفيفهما إلا ما روي عن بعض الحنفية وقال القرطبي معنى الحديث أنه كان يطيل في النوافل فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر صار كأنه لم يقرأ بالنسبة على غيرهما من الصلوات لا النقر المنهي عنه. (ولمسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ "قرأ في ركعتي الفجر) وللخمسة إلا النسائي من حديث ابن عمر رمقت رسول الله ﷺ شهراً "فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر " (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وله شواهد. ولابن ماجه وكان يقول "نعم السورتان يقرأ بهما" ذلك لما جمعتاه من توحيد العلم والعمل. وتوحيد المعرفة والإرادة وإيجاب عبادته وحده. والتبري من عبادة ما سواه. وبيان ما يجب لله من صفات الكمال. وتنزيهه عن النقائص والأمثال. ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر وفي الوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته ليكون مبتدأ النهار توحيد. وخاتمة الليل

стр. 283

توحيد. وله من حديث ابن عباس "كان يقرأ في الأولى (قولوا آمنا بالله) الآية التي في سورة البقرة وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية التي في سورة آل عمران". وما جاء في الصحيحين من حديث عائشة "أنه إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" فقال أحمد عائشة ترويه وابن عمر ينكره وكذا ابن مسعود وغيره وقال بعض أهل العلم إنما اضطجاعه بعد الوتر. وقبل ركعتي الفجر. كما هو مصرح به في حديث ابن عباس. وأما حديث عائشة فرواية مالك بعد الوتر وغيره بعد ركعتي الفجر. ولا يبعد أن يكون هذا تارة وهذا تارة فيباح ولم ير مالك وغيره بأساً لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استناناً. وأما حديث أمره بالاضطجاع بعدها. فقال شيخ الإسلام باطل. (وللترمذي عنه مرفوعاً: من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس) وصححه الحاكم وهذا مذهب الجمهور وعنه أنه ﵊ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعد ما طلعت الشمس والحديث لا يدل على المنع من فعلهما بعد صلاة الفجر. وعن قيس بن عاصم أنه صلاها بعدها وأقره النبي ﷺ وأختاره الشيخ وغيره (وقضاء ركعتي الظهر متفق عليه) من حديث أم سلمه وفيه أنه قضاها بعد

стр. 284

العصر وللترمذي من حديث عائشة أنه قضى الأربع اللواتي قبل الظهر بعده. (و) قضاء (ركعتي الفجر رواه مسلم) وأحمد والنسائي وغيرهم من حديث أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر وتقدم وفيه "فصلى ركعتين ثم صلى الغداة"وقد دلت هذه الأحاديث وغيرها على مشروعية قضاء النوافل الراتبة. قال الشيخ وصح أنه قال"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وهذا يعم السنن الراتبة وغيرها. فصل في الوتر أي في أحكام الوتر وصفته. والوتر الفرد. والمراد هنا الوتر المعروف الذي هو ختم صلاة آخر الليل وهو آكد التطوعات لم يتركه النبي ﷺ حضراً ولا سفراً حتى قال بعض أهل العلم بوجوبه. وتظاهرت الأحاديث في فضله والحث عليه (وعن خارجة) بن حذافة العدوي قيل كان يعدل بألف فارس وقضى بمصر واستشهد سنة أربعين قتله الخارجي ظناً منه أنه عمرو بن العاص (١) (قال قال رسول الله ﷺ إن الله أمدكم) وفي لفظ "زادكم (بصلاة هي خير لكم من حمر النعم) أي الإبل الحمر.

стр. 285

خصها لأنها كانت أنفس أموال العرب إذ ذاك وكان يضرب بها المثل. والمراد خير من الدنيا وما عليها وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الأفهام وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها ومثلها معها ويأتي ذكر فضل قيام الليل والوتر آكده (قلنا وما هي قال الوتر) ضد الشفع وهو أسم للركعة المنفصلة عما قبلها. وللخمس والسبع والتسع والإحدى ٍعشرة. كما أن المغرب وتر النهار اسم للثلاث المتصلة. فإن فصلت الثلاث فأكثر بسلامين كان الوتر اسماً للركعة المفصولة وحدها ثم عين وقته فقال (ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر) فجمعيه وقت للوتر. وفيه أحاديث كثيرة مستفيضة تدل على أن جميع الليل وقت للوتر إلا ما قبل صلاة العشاء إجماعاً. وفي لفظ "فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" (رواه الخمسة إلا النسائي) وصححه الحاكم وغيره وضعفه البخاري لاشتراطه اللقي. ولأحمد من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده نحوه وله شواهد كثيرة تثبت أن له أصلاً. (ولهم) أي للخمسة وصححه الحاكم أيضاً وغيره (عن علي مرفوعاً "أوتروا يا أهل القرآن) فيه تأكد الوتر في حق أهل القرآن أي حفظته العاملين به وهم أهل الله وخاصته وأولياءه المختصون به اختصاص أهل الإنسان به (فإن الله

стр. 286

وتر) واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا مثل له ولا شريك له ولا معين له جل وعلا وتقدس (يحب الوتر) فيثيب عليه قال القاضي عياض كلما ناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه. (ولأبي داود عن بريدة مرفوعاً "من لم يوتر فليس منا) تبرأ منه ﷺ وهذا وعيد شديد. ومذهب أهل السنة إجراء أحاديث الوعيد على ظاهرها مع اعتقاد ما دلت عليه. وقال أحمد من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة. وللبيهقي "فأوتروا يا أهل القرآن " قال الحافظ سنده لين لأن فيه العتكي ضعفه بعضهم. ولأحمد عن أبي هريرة نحوه بسند ضعيف. قال شيخ الإسلام وغيره الوتر سنة مؤكدة باتفاق المسلمين ولا ينبغي لأحد تركه. ومن أصر على تركه ردت شهادته. وليس بواجب عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم مع إجماعهم أنه ليس بفرض لحديث الأعرابي. وحديث عباده وغيرهما وعن علي قال: الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ولكن سنة سنه رسول الله ﷺ وقال أوجبه أبو حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد. واختار الشيخ وجوبه على من يتهجد بالليل. وقال هو أفضل من جميع تطوعات النهار. بل أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل وأوكد ذلك الوتر. وركعتا الفجر. (وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ الوتر حق) أي

стр. 287

لا ينبغي لأحد تركه. ولأبي داود "حق على كل مسلم " زاد ابن المنذر "وليس بواجب" (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) أي بخمس ركعات لا يفصل بينهن بتسليم وفي لفظ "بسبع" (ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) وهن أدنى الكمال (ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل رواه الخمسة إلا الترمذي). وله شواهد كثيرة تدل دلالة ظاهرة على الوتر بخمس وثلاث وأن أقل الوتر ركعة وأنها صلاة صحيحة لا يكره الوتر بها. وهو مفهوم لفظ الوتر. وثبت عن عشرة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة وهو مذهب جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. (وعن عائشة: كان ﷺ يصلي بالليل) وفي لفظ "صلاة العشاء إلى الفجر (إحدى عشرة ركعة ويوتر بواحدة"متفق عليه) وفي لفظ "يصلي عشر ركعات من الليل ويوتر بسجدة" أي ركعة "ويركع ركعتي الفجر فتلك ثلاث عشرة ركعة وفي رواية "ثلاث عشرة ركعة. ثم يصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين" ويأتي قولها ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. والجمع بينها أنها أضافت إلى الإحدى عشرة ما كان يفتح به صلاته من الركعتين الخفيفتين. وفسرت بركعتين بعد الوتر

стр. 288

تجري مجرى السنة وتكميل الوتر. وإن شاء افتتح صلاته بافتتاح المكتوبة وإن شاء بغيره مما ثبت عنه ﷺ روايات مختلفة محمولة على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز والخبر يحتمل أن العشر متصلات وأنهن مفصولات. وفي لفظ "إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة" وهو أفضل لأمره ﷺ واستمرار فعله ولأنه أكثر عملاً. (ولمسلم يصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة) فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم" (ثم) يقوم فـ (يصلي التاسعة) ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليماً يسمعناه" وفيه فلما أسن وأخذه اللحم "أوتر بسبع" ولأحمد "لم يجلس إلا في السادسة ولم يسلم إلا في السابعة" وللنسائي "ولا يقعد إلا في آخرهن" (وله: عن أم سلمة كان يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام) وله: عن ابن عباس "ثم صلى سبعاً أو خمساً أوتر بهن لم يجلس إلا في آخرهن" وفي أحاديث أخر تدل على الوتر بسبع وخمس قال أحمد ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعة مفصولة. (وعن عائشة كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) ثم فصلتها بقولها (يصلي أربعاً)

стр. 289

يحتمل أنهن متصلات (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) لشهرته فلا يسأل عنهن أو لأنها لا تقدر أن تصف ذلك. قال شيخ الإسلام وكانت صلاته ﷺ معتدلة قريبة من السواء. والأفضل في حق كل أحد الأنفع له (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً) قالت فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر قال يا عائشة "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي" (متفق عليه) وجاء من غير وجه أنه كان ﷺ يوتر بثلاث. (وللبخاري عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يسلم بين الركعتين والركعة حتى أنه كان يأمر ببعض حاجته) ولأحمد من حديث عائشة لا يفصل بينهن وضعفه. وسئل أحمد تسلم في الركعتين من الوتر قال نعم قلت لأي شيء قال لأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عنه ﷺ . وقال وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره إلا أن التسليم أثبت وأقوى. قال شيخ الإسلام يخير بين فصله ووصله وصحح أن كليهما جائز وقال الوتر ركعة وإن كان قبلها شفع هذا أصح من قول من يقول لا وتر إلا كالمغرب مع أن تجويز كليهما أصح لكن الفصل أفضل من الوصل. وقال إن كان المأموم يرى أحدهما فوافقهم تأليفاً لقلوبهم كان قد أحسن. اهـ. وقال غير واحد من أهل العلم جاءت الأحاديث بمثنى ثم يوتر بواحدة وبإحدى عشرة وما بين ذلك فليس الوتر مختصاً بركعة ولا بإحدى عشرة بل يجوز ذلك وما بينه ويجوز وصله وفصله ويجوز كالمغرب

стр. 290

وكل ذلك جاءت به السنة. (وعن عائشة قالت من كل الليل قد أوتر) ﷺ "من أوله وأوسطه وآخره (وانتهى وتره إلى السحر متفق عليه) ولأحمد من حديث ابن مسعود "كان يوتر من أول الليل وأوسطه وآخره" ولابن ماجه نحوه عن علي وقال "وانتهى وتره إلى السحر" وجاء نحوه من غير وجه قال عتبة بن عمرو ليكون ذلك سعة للمسلمين أي ذلك أخذوا به كان صواباً. (ولمسلم عن جابر مرفوعاً أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله) لئلا يفوته فعله (ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة) تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار وهو وقت التنزل الإلهي ومواطأة القلب اللسان (وذلك أفضل) آي الوتر آخر الليل لمن وثق بقيامه. وفي الصحيحين وغيرهما أحاديث من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن آخر صلاته ﷺ بالليل كانت وتراً وفيهما وغيرهما أيضاً أحاديث كثيرة بالأمر بجعل صلاة آخر الليل وتراً. وقال غير واحد من أهل العلم هو قول كافة أهل العلم. (وعن ابن عباس كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر) أي في صلاة الوتر في الركعة الأولى بعد الفاتحة بـ (سبح اسم ربك الأعلى) لما تضمنته من أمور الدنيا والآخرة (و) في الثانية (قل يا أيها الكافرون) وهي تعدل ربع القرآن (و) في

стр. 291

الثالثة (فل هو الله أحد) وهي تعدل ثلث القرآن (رواه الخمسة) ولهم الخمسة) ولهم إلا الترمذي من حديث أبي نحوه ولأحمد وغيره من حديث ابن ابزى نحوه أيضًا. وقال إسحاق هو أصح شيء في القراءة في الوتر. وهذه الأحاديث وغيرها تدل على مشروعية قراءة هذه السور في الوتر ولا ينبغي المداومة على ذلك فإنه قد يفضي إلى اعتقاد أنه واجب. (وكان عمر يقول في قنوت الوتر اللهم إنا نستعينك) أي نستعين بك نطلب منك المعونة وحدك (ونستهديك) أي نسألك الهداية فيمن هديت (ونستغفرك) أي نطلب منك المغفرة (ونتوب إليك) أي نفعل التوبة. والتوبة الرجوع عن الذنب وفي الشرع الندم على ما فات والعزيمة أن لا يعود والإقلاع عن الذنب وإن كان حقًا لآدمي فلا بد من رده أو تحلله (ونؤمن بك ونتوكل عليك) أي نعتمد عليك في أمورنا والإيمان اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. (ونثني عليك الخير كله) أي نمدحك ونصفك بالخير كله (ونشكرك) ببذل مجهودنا في خدمتك (ولا نكفرك) ما أنعمت به علينا وأصل الكفر الجحود لأن الكافر جاحد. ولعل المراد هنا كفر النعمة لاقترانه بشكرها (اللهم إياك نعبد) لا نعبد سواك وتقديم المعمول يفيد الحصر. والعبادة التذلل والخضوع (ولك نصلي ونسجد) لا لغيرك وهذا من عطف الخاص على العام فإن السجود بعض أفراد الصلاة (وإليك

стр. 292

نسعى ونحفد) بكسر الفاء نسارع إلى طاعتك ونبادر وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع في العمل والخدمة. (نرجوا رحمتك) نؤمل رحمتك وسعة عطائك (ونخشى عذابك) أي نخاف ونحاذر من عقوبتك وأليم عذابك (إن عذابك الجد) بالكسر أي العظيم الحق لا اللعب (بالكفار ملحق) بكسر الحاء أي من نزل به عذابك ألحقه بالكفار أو بمعنى لاحق أي يلحق بالكفار ويصابون به رواه الشافعي وغيره و (صححه البيهقي) الحافظ أحمد بن الحسين بن علي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ورواه الطبراني عن الغافقي أن عليًا علمه هاتين السورتين. وقال ابن سيرين هاتان السورتان كتبهما أبي في مصحفه وقال أحمد يستحب بالسورتين وقال شيخ الإسلام لم ينقل مسلم دعاء في قنوت غير هذه الأدعية المأثورة في الوتر قنوت الحسن وسورتي أبي. وقال غير واحد من الحنفية وغيرهم لا يوقت في دعاء القنوت غير اللهم إنا نستعينك لأن الصحابة اتفقوا عليه والأولى بعده قنوت الحسن، وقال الإمام أحمد يدعو بدعاء عمر اللهم إنا نستعينك وبدعاء الحسن اللهم اهدني إلخ. (وعن الحسن) بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله ﷺ وريحانته ولد سنة ثلاث من الهجرة وروى عن النبي ﷺ أحاديث منها هذا الحديث وقال فيه النبي ﷺ إن ابني هذا سيد وتوفي سنة تسع وأربعين (قال علمني رسول الله ﷺ كلمات

стр. 293

أقولهن في قنوت الوتر) أي دعائه قال العراقي وغيره جاء قنوت الوتر من طرق تدل على مشروعيته. منها ما هو حسن. ومنها ما هو صحيح. ولابن حبان إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود. وجاءت السنة بالقنوت بعد الركوع وقبله وأكثر الصحابة والتابعين وفقهاء الحديث كأحمد وغيره يختارون القنوت بعد الركوع. قال الشيخ لأنه أكثر وأقيس. وقال الخطيب التي فيها القنوت قبله كلها معلولة. واستحب الجمهور رفع اليدين حال الدعاء. وفي الحديث "إن الله يستحي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" والأحاديث فيه كثيرة. وبين الحسن –﵁ الكلمات المقولة له بقوله (اللهم اهدني فيمن هديت) وأصل الهداية الدلالة وهي من الله: التوفيق والإرشاد إلى ما يوصل إلى المطلوب. (وعافني فيمن عافيت) أي عافني من الإسقام والبلايا مع من عافيته أو في جملة من عافيته من الأسقام (وتولني فيمن توليت) أي تول أمري ولا تكلني إلى نفسي وتفضل علي في جملة من تفضلت عليهم (وبارك لي فيما أعطيت) البركة النماء والزيادة أي وضع لي البركة فيما وهبت لي من العمر والمال والعلوم والأعمال. (وقني شر ما قضيت) لي من قضاء وقدرته لي من قدر فسلم لي ما أنعمت به علي (إنك

стр. 294

تقضي) فتحكم بما أردت (ولا يقضي عليك) سبحانك وبحمدك لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد (إنه لا يذل) بكسر الذال أي لا يصير ذليلاً حقيقة (من واليت) أو لا يحصل له ذلة. والموالاة ضد المعادات (تباركت ربنا وتعاليت) أي تعاظمت والأول دال على كمال بركته وعظمته والثاني على كمال علوه ونهايته (رواه الخمسة) وحسنه الترمذي وقال النووي وغيره صحيح أو حسن زاد أبو داود والبيهقي بعد قوله بعد قوله إنه لا يذل من واليت "ولا يعز من عاديت" أي لا تقوم عزة لمن عاديته وأبعدته. قال الشيخ بالفتح إذا قوي وصلب. وبالكسر إذا امتنع، وبالضم إذا غلب. وزاد النسائي في آخره "وصلى الله على محمد ﷺ " لكن قال الحافظ لا تثبت. (ولهم عن علي أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) أي استجير برضاك من سخطك والرضى والسخط صفتان للباري ﵎ على ما يليق بجلاله وعظمته لا يشبهان رضى المخلوق وسخطه (وبعفوك من عقوبتك) أي واستجير بعفوك ودفعك السوء والبلاء من عقوبتك أن تصيبني (وبك منك) أي واستجير بك من عذابك. قال الخطابي وغيره في هذا معنى لطيف وذلك أنه سأل الله أن يجيره برضاه من سخطه. وبمعافاته من عقوبته والرضى

стр. 295

والسخط ضدان متقابلان. وكذا المعافاة والمؤاخذة فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له وهو الله تعالى أظهر العجز والانقطاع وفزع منه إليه واستعاذ به منه لا غير (لا نحصي) أي لا نطيق ولا نبلغ ولا ننهي (ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). فهو سبحانه يثني بنفسه على نفسه والخلق لا يحصون ثناءًا عليه بل هو كما أثنى على نفسه قال ذلك اعترافًا بالعجز عن الثناء وردًا إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلاً وكما أنه سبحانه لا نهاية لسلطانه وعظمته فلا نهاية للثناء عليه إذ كل شيء أثنى به عليه وإن بولغ فيه فقدر الله أعظم وسلطانه أعز وصفاته أكبر وفضله وإحسانه أوسع. قال الترمذي لا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء. ومن لا يحسن القنوت يقول. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. أو يسأل المغفرة ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام يخير في دعاء القنوت بين فعله وتركه. وقال إذا صلى قيام رمضان فإن قنت جميع الشهر أو نصفه الأخير أو لم يقنت بحال فقد أحسن. وله ﵀ نبذة في دعاء القنوت مشهورة واقتصر بعض أهل العلم على قول اللهم أهدنا بضمير الجمع. قال الشيخ وظاهره أنه يستحب له إن لم يتعين واختاره أحمد وغيره. وأما إذا تعين فقال الشيخ إن كان المأموم مؤمنًا على دعاء

стр. 296

الإمام فيدعو بصيغة الجمع كما في دعاء الفاتحة في قوله (إهدنا الصراط المستقيم) فإن المأموم إنما أمن لاعتقاد أن الإمام يدعو لهما جميعًا فإن لم يفعل فقد خان الإمام المأموم، ولهذا جاء دعاء القنوت بصيغة الجمع اللهم إنا نستعينك إلخ. ففي مثل هذا يأتي بصيغة الجمع ويتبع السنة. اهـ. وينبغي أن يختمه بالصلاة على النبي ﷺ لما تقدم ولما روي الترمذي عن عمر الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك وروى عن علي نحوه مرفوعًا وفيه ضعيف وشرعت الصلاة على النبي ﷺ أول الدعاء وأوسطه وآخره. وقال بعضهم ينبغي أن يمسح وجهه بيديه إذا فرغ منه. قال شيخ الإسلام وفيه أحاديث لا تقوم بها حجة. (وعن أنس أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب) أي قبائل من قبائلهم وسماهم في لفظ آخر رعل وذكوان وعصية. ودعا لقوم بالنجاة وقال "اللهم اشدد وطأتك على مضر" وعن ابن عمر يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وكلهم أسلموا ﵃ (ثم تركه متفق عليه) وعنه "كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم" صححه ابن خزيمة وغيره. (و) ثبت في الصحيح وغيره (عن ابن عمر) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع (في الركعة الأخيرة من (الفجر) اللهم العن فلانًا وفلانًا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد" قال ابن القيم ولم

стр. 297

يكن يخص القنوت في النوازل بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من الطول ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة. قال شيخ الإسلام ولا يقنت في غير الوتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة فيقنت كل مصل في جميع الصلوات لكنه في الفجر والمغرب آكد بما يناسب تلك النازلة كما أنه إذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب تلك النازلة كما أنه إذا دعا في الاستسقاء دعا بما يناسب المقصود. فكذا إذا دعا في الاستنصار دعا بما يناسب المقصود. كما جاءت به السنة ولا يدعو بما خطر له. وقال: أما القنوت في صلاة الفجر فقد ثبت في الصحيح أنه كان يقنت في النوازل قنت مرة شهرًا يدعو على قوم من الكفار قتلوا طائفة من أصحابه ثم ترك. وقنت مرة يدعو لأقوام من أصحابه كانوا مأسورين عند قوم يمنعونهم من الهجرة إليه. وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده كانوا يقنتون نحو هذا القنوت فما كان داوم عليه وما كان بدعة بالكلية. وللعلماء فيه ثلاثة أقوال أصحها أنه يسن عند الحاجة كما قنت الرسول ﷺ وخلفاؤه وهو الذي عليه أهل الحديث وكيف يكون يقنت دائمًا في الفجر أو غيرها ويدعو بدعاء راتب ولم ينقل عنه لا في خبر صحيح ولا ضعيف بل أصحابه الذين هم أعلم الناس بسنته وأرغب الناس في إتباعها كابن عمر وغيره أنكروا ذلك حتى قال ابن عمر ما رأينا ولا سمعنا، وكذلك غيره من الصحابة عدوا ذلك من الأحداث المبتدعة.

стр. 298

ومن تدبر السنة علم علمًا قطعيًا أن النبي ﷺ لم يكن يقنت دائمًا في شيء من الصلوات وقال. وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد تبعه المأموم فيه وإن كان هو لا يراه مثل القنوت في الفجر ووصل الوتر. اهـ. ولأبي داود والنسائي أنه ﷺ كان يقول بعد وتره "سبحان الملك القدوس" ثلاثًا ويمد بها صوته. وقال ابن القيم وغيره ويقول رب الملائكة والروح. ويقول " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك" الحديث. (وعن أبي سعيد مرفوعًا من نام عن وتره أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر) لف ونشر مرتب قال حيث أصبح إذا كان نائمًا "أو ذكر" إذا كان ناسيًا (رواه الخمسة إلا النسائي) والحديث يدل على مشروعية قضاء الوتر إذا فات. وهو مذهب جماعة من الصحابة والأئمة الأربعة وغيرهم حكاه العراقي، وغيره وجزم به الشيخ وغيره وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ وظاهر الخبر أي وقت. وثبت من حديث عائشة أنه ﵊ إذا فاته حزبه من الليل قضاه من النهار اثنتي عشرة ركعة. وتقدم حديث "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها، قال الشيخ وهذا يعم الفرض وقيام الليل والوتر وقال الصحيح إنه يقضي شفعه معه للخبر.

стр. 299

فصل في قيام الليل أي في فضل قيام الليل وأفضله التراويح وهي قيام رمضان وبيان صفة ذلك وإن كان قيام الليل يشمل الوتر لكن فصل منه تنشيطًا للطالب وتقريبًا لحافظته. وقيام الليل سنة مؤكدة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وقد أفردوه بمصنفات (قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ترتفع وتنبو لما ذكر الله تعالى ما من الله به على الإنسان وعذاب من كفر بلقائه تعالى قال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. فقاموا الله يتهجدون وتركوا الاضطجاع على الفرش الوطيئة ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي خوفًا من وبال عقابه وطمعًا في جزيل ثوابه ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون﴾ فجمعوا بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، فلا تعلم نفس (إلى قوله: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ أي فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد. لما أخفوا أعمالهم كذلك أخفى الله لهم من الثواب جزاءً وفاقًا فإن الجزاء من جنس العمل. وعن معاذ قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال "لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه. تعبد الله لا تشرك به شيئًا. وتقيم الصلاة.

стр. 300

وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. ثم قال. ألا أدلك على أبواب الخير. الصوم جنة. والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار. وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ صححه الترمذي وغيره. وللحاكم عنه ﷺ "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم. وهو قربة إلى ربكم. ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" وقال تعالى في حق المتقين الذين هم في جنات وعيون ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون﴾ ينامون قليلاً منه ويصلون أكثره. وعن ابن مسعود مرفوعًا "عجب ربنا من رجلين. رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبه وأهله رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي" رواه أبو داود. (وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ أفضل الصلاة بعد المكتوبة) وفي لفظ "بعد الفريضة" فإنها أفضل الصلاة (صلاة الليل رواه مسلم) وله عنه قال سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة قال "الصلاة في جوف الليل" وللترمذي وصححه من حديث عمرو بن عبسة "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر. فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن" ولأبي داود عنه قال أي

стр. 301

الليل أسمع قال "جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة فيه مشهودة مكتوبة" والمراد الثلث الآخر أو ما قبل السدس. (ولهما عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا "أفضل الصلاة صلاة داود" وفي لفظ "أحب الصلاة إلى الله – صلاة داود" نبي الله ﵇" ابن ايشي بن عوبد من ذرية إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام (كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) فكان يجم نفسه بنوم أول الليل. ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه. هل من سائل فأعطيه سؤله. كما تواتر عن النبي ﷺ في التنزل الإلهي "حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول. من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه. من يستغفرني فأغفر له". ثم يستدرك ﵇ بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل. وهو النوم عند السحر. فيستقبل صلاة الصبح وأول النهار بنشاط. وفي الحديث دلالة ظاهرة على فضيلة قيام ثلث الليل بعد نوم نصفه وذلك حين يسمع الصارخ. وقد جرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا. وأحاديث النزول تدل على فضيلة الثلث الآخر وأنه وقت الإجابة والمغفرة، وتقدم أنه ﷺ ينام قبل الفجر إذا فرغ من وتره أو يتحدث مع عائشة. (وعن أبي هريرة قال كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام

стр. 302

رمضان) ويحض عليه ويدل على فضله (من غير أن يأمر فيه بعزيمة) أي توكيد وإنما هو حث وترغيب فيه وفيه التصريح بعدم وجوب القيام (فيقول من قام رمضان) أي ليله مصليًا ويحصل بما يصدق عليه القيام. وحكى الكرماني الاتفاق على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح وهو قول الجمهور. وهي سنة مؤكدة بإجماع المسلمين. حكاه الشيخ وغيره من أعلام الدين الظاهرة (إيمانًا) بأنها حق معتقدًا فضيلتها (واحتسابًا) مريدًا وجه الله وحده لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص (غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه) زاد أحمد والنسائي "وما تأخر" قال الحافظ وقد ورد في غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر عدة أحاديث. ولأحمد بسند ضعيف عن عبد الرحمن بن عوف موفوعًا "إن الله – فرض صيام رمضان وسننت قيامه. فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". والحديث دليل على فضيلة قيام رمضان وتأكد استحبابه. وتأكد استحباب صلاة التراويح، والتراويح جمع ترويحه في الأصل اسم للجلسة مطلقًا ثم سميت بها الجلسة بعد أربع ركعات أو ركعتين في ليالي رمضان لاستراحة الناس بها. وصلاة التراويح مشتقة من ذلك. (ولهما عن عائشة أنه صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس

стр. 303

ثم صلى الثانية فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم) كما فعل قبل (وقال إني خشيت أن تفرض عليكم) يعني التراويح (فتعجزوا عنها) وفي لفظ "وذلك في رمضان" وفي حديث زيد "حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به". والحديث دال على سنية صلاة التراويح جماعة في المسجد، ولم يترك ذلك ﷺ إلا خشية الافتراض. وفي رواية لمسلم "خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته. فأصبح الناس فتحدثوا. فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا. فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته. فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الصلاة أقبل على الناس فتشهد ثم قال أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. وللخمسة وصححه الترمذي من حديث أبي ذر قال "لم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل. ثم لم يقم بنا في الثالثة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال أنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يقم بنا حتى بقي ثلاث من الشهر فصلى بنا في الثالثة ودعًا أهله ونساءه فقام بنا

стр. 304

حتى تخوفنا الفلاح يعني السحور" قال شيخ الإسلام وغيره. وكان أصحابه ﷺ يفعلونها في المسجد أوزاعًا في جماعات متفرقة في عهده على علم منه بذلك وإقراره لهم. (وجمع عمر الناس على أبي بن كعب رواه البخاري) عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال. خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر. إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب وتقدم قوله ﵊ "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". فدلت هذه الأخبار وغيرها على أن فعل التراويح جماعة أفضل من الإنفراد. وكذا إجماع الصحابة وأهل الأمصار على ذلك وهو قول جمهور العلماء. وتجوز فرادى، واختلف أيهما أفضل للقارئ قال البغوي وغيره الخلاف فيمن يحفظ القرآن ولا يخاف الكسل عنها لو انفرد. ولا تختل الجماعة بتخلفه فإن فقد أحد هذه الأمور فالجماعة أفضل بلا خلاف. وهذا بخلاف ما لا تسن له الجماعة الراتبة كقيامة الليل والسنن الرواتب وصلاة الضحى وتحية المسجد ونحو ذلك. فقد قال شيخ الإسلام يجوز جماعة أحيانًا. وأما اتخاذه سنة راتبة فغير مشروع بل بدعة مكروهة. فإن النبي ﷺ إنما تطوع بذلك

стр. 305

في جماعة قليلة أحيانًا. وإنما كان يقوم الليل وحده ولم يكن هو ولا أصحابه ولا التابعون يعتادون الاجتماع لذلك. اهـ. ووقت التراويح بعد صلاة العشاء كما تقدم إلى طلوع الفجر الثاني. وإذا أخروا التراويح أو بعضها أو مدوا القيام إلى آخر الليل فهو أفضل لما تقدم وقال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ وأولى ذلك العشر الأخير منه وكان الصحابة والتابعون يمدون الصلاة في العشر الأواخر إلى قرب طلوع الفجر كما جاء ذلك عنهم من غير وجه. ولأبي داود عن عمر لأن يؤخر القيام إلى آخر الليل سنة المسلمين. وتقدم "أن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل" ولا نزاع في ذلك ومن كان له تهجد بعد إمامه أوتر بعد تهجده للأمر بجعل الوتر آخر صلاة الليل. فإن أحب أن ينصرف من التراويح ويوتر آخر الليل. فعل وإن شفع الوتر مع إمامه جاز، وإن كان المتهجد إمامًا استخلف من يصلي بهم تلك الركعة، فإذا سلم قام وشفعها بركعة لينال فضيلة الجماعة وفضيلة جعل وتره آخر صلاته بالليل. وقد تقدم أنه ﷺ "كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" وفي رواية ثلاث عشرة ركعة وفسرت بركعتين خفيفتين وتقدم أنه يوتر بتسع. وسبع وخمس وروى مالك والبيهقي وغيرهما أن الناس كانوا يقومون في زمن عمر في

стр. 306

رمضان بثلاث وعشرين ركعة. واختار الإمام أحمد وجمهور العلماء عشرين ركعة. لأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد العامل فيها زاد له الأجر بلا نزاع. وهو سنة الخلفاء الراشدين. وقال القاضي لا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه. وقال شيخ الإسلام له أن يصليها عشرين كما هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصليها ستًا وثلاثين كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة، وثلاث عشرة وكله حسن. فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره. وقال الأفضل يختلف باختلاف المصلين فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره فهو الأفضل. وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين هو الأفضل. وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين. فإنه وسط بين العشر والأربعين. وإن قام بأربعين وغيرها جاز، ولا يكره شيء من ذلك. ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقت لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ وقد ينشط العبد فيكون الأفضل في حقه تطويل العبادة، وقد لا ينشط فيكون الأفضل في حقه تخفيفها. وقال قراءة القرآن في التراويح سنة باتفاق أئمة المسلمين. بل من جل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمعوا

стр. 307

كلام الله اهـ. وينبغي أن يحسن صوته بالقرآن لقوله "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" والتغني التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب وتدبر وتفهم لكونه أنفع للقلب وأدعى لحصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن وهو مطلوب بلا نزاع من غير مراعاة قوانين النغم بل بما تقتضيه الطبيعة من غير تكلف ولا تمرين وإن أعان طبيعته بتحسين فحسن ويتحرى أن يختم القرآن آخر التراويح قبل ركوعه ويدعو. نص عليه أحمد وغيره. ولشيخ الإسلام في ذلك دعاء جامع شامل وقال روي أن عند كل ختمة دعوة مستجابة. (وعن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ "صلاة الليل مثنى مثنى) أي اثنتين اثنتين. ولمسلم "تسلم من كل ركعتين" وللخمسة "والنهار" وقال الدارقطني وهم. وقال النسائي والحاكم خطأ لأنه من رواية علي الأزدي وهو ضعيف. وثبت في أن صلاة النهار ركعتان أحاديث أخر. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون من كل اثنتين من النهار. والحديث دليل على مشروعية نافلة الليل مثنى مثنى وكذا النهار وإليه ذهب جماهير العلماء ولا يدل على الحصر ولا يعارض به ما ثبت بأكثر من ركعتين لوقوعه جواب سؤال لا مفهوم له اتفاقًا. وقد جاءت السنة الصحيحة الصريحة بالأربع والست. والسبع والثمان، والتسع. وغير ذلك، فلا منافاة

стр. 308

ولا يقتضي الكراهة بأكثر من ركعتين، ولا تناقض سنة رسول الله ﷺ فإن الذي قال صلاة الليل مثنى مثنى، هو الذي صلى أربعًا فأربعًا، وأوتر بالتسع والسبع، والخمس بل سنة رسول الله ﷺ يصدق بعضها بعضًا. قال شيخ الإسلام وغيره وكل ما جاءت به السنة فلا كراهة لشيء منه بل هو جائز اهـ. والحديث حمله الجمهور على أنه لبيان الأفضلية لما صح من فعله ﵊ وقوله. ويحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف إذ السلام من الركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوق أو لما فيه من الراحة غالبًا (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى متفق عليه) وفي لفظ "فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة". وفيه دليل على مشروعية جعل آخر صلاته بالليل وترًا كما تقدم، وأنه لا يشرع الوتر بعد خروج الوقت ولمسلم عنه قال قال رسول الله ﷺ "إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت كل صلاة الليل والوتر فأوتروا قبل طلوع الفجر" وله من حديث أبي سعيد "أوتروا قبل أن تصبحوا" ولابن حبان "من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له" وتقدم أنه إذا فاته قضاه من النهار. وفي هذه الأحاديث وغيرها دلالة واضحة على الاعتناء بشأنه وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير

стр. 309

تفريط. وكان ﵊ عمله ديمة. وقالت عائشة "كان إذا عمل عملاً أثبته" قال أحمد ينبغي أن يكون له ركعات معلومة من الليل والنهار فإذا نشط طولها وإلا خففها لحديث أحب العمل إلى الله أدومه. (ولهما عن زيد بن ثابت) بن الضحاك النجاري الخزرجي من علماء الصحابة والمفتين فيهم وأفرضهم توفي سنة اثنتين وأربعين (أن النبي ﷺ قال "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) أي الواجبة بأصل الشرع وهي الصلوات الخمس. ويأتي وجوب الجماعة لهن في المساجد ولابن ماجه من حديث عبد الله بن سعد سألته أيمًا أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد فقال "ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة". وله عن عمر قال ﵊ "أما صلاة الرجل في بيته فنور، فنوروا بيوتكم" ولمسلم من حديث جابر "إذا قضي أحدكم الصلاة في مسجده فليجعله لبيته نصيبًا من صلاته فإن الله – جاعل في بيته من صلاته خيرًا" وثبت من غير وجه أن الصلاة السنن الراتبة في البيت أفضل. وفي الصحيحين "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا" ولمسلم "لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".

стр. 310

وهذا كله مع شرف مسجده ﷺ والصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام لأن فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها فإنه سبب لتمام الخشوع والإخلاص وأبعد من الرياء والإعجاب وشبههما، ويستثنى من ذلك ما تشرع فيه الجماعة. قال الشيخ ولا ينبغي الجهر نهارًا وليلاً يراعي المصلحة. فإن كان الجهر أنشط في القراءة أو بحضرته من يستمع لقراءته أو ينتفع بها فالجهر أفضل. وإن كان بقرب من يتهجد أو يتضرر برفع صوته أو خاف رياء فالإسرار أفضل والنبي ﷺ ربما أسر وربما جهر، وقال "أيها الناس كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة". (وعن عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر أول من قدم البصرة وتوفي بها سنة اثنتين وخمسين (مرفوعًا) أي إلى رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا في صلاته فقال (من صلى قائمًا فهو أفضل) ولا ريب أنه أراد النفل فإنه لا نزاع أنه لا تجزئ الفريضة من قاعد لغير عذر (ومن صلى قاعدًا) يعني في النافلة لغير عذر (فله نصف أجر صلاة قائم رواه البخاري) وهو إجماع. وأما من صلى قاعدًا لعذر في فرض أو نفل فقال ابن بطال وغيره لا خلاف بين العلماء. أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء لك نصف أجر القادر عليه بل الآثار الثابتة عن النبي ﷺ أن

стр. 311

من منعه الله وحبسه عن عمله بمرض أو غيره يكتب له أجر عمله وهو صحيح. وقال شيخ الإسلام إذا كان من عادته أنه يصلي قائمًا وإنما قعد لعجزه فإن الله يعطيه أجر القائم لقوله ﷺ "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم". فلو عجز عن الصلاة كلها لمرض كان الله يكتب له أجرها كله لأجل نيته وفعله بما قدر عليه فكيف إذا عجز عن أفعالها وقال المعذور قسمان. معذور من عادته ومعذور عكسه، فالأول لا ينقص أجره عن حال صحته وهو مراد الشارع في قوله "يكتب له ما كان يعمله صحيحًا" وعكسه هو الذي أراده الشارع بالتفضيل. وفي هذا الحديث من رواية مسلم وغيره "ومن صلى نائمًا فله نصف أجر صلاة قاعد" وقال الخطابي وغيره لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع نائمًا كما رخصوا فيها قاعدًا. ولا أعلم أني سمعت نائمًا إلا في هذا الحديث وإنما دخل الوهم على ناقلها وتعقبه العراقي. وقال الشيخ لا يجوز التطوع مضطجعًا لغير عذر ولعذر تصح. ويسجد إن قدر وإلا أومى. اهـ. وأجمعوا على جواز التنفل في قعود. ويسن تربعه بمحل قيام وثني رجليه بركوع وسجود لحديث عائشة "كان يصلي متربعًا" صححه ابن حبان والحاكم. واتفقوا على أنه يجوز له القيام إذا ابتدأ الصلاة قاعدًا وأنه إن شرع في صلاة تطوع قائمًا لم يلزمه إتمامها قائمًا.

стр. 312

وإذا أتمها قاعدًا فله نصف أجر صلاة ما قعد فيه للخبر ولما فيه الصحيحين عنها "كان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحو من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع" ولمسلم "يصلي ليلاً طويلاً قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد". قال أحمد والعمل على تلك الأحاديث يعني في ركوعه عن قيام أو قعود فهي صحيحة معمول بها عند أهل العلم. قال الشيخ وتحريه مع قعوده أن يقوم ليركع ويسجد وهو قائم دليل على أنه أفضل إذ هو أكمل وأعظم خشوعًا لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من قيام. فصل في صلاة الضحى وغيرها أي في حكم صلاة الضحى وغيرها كالاستخارة والحاجة والتوبة وركعتي الوضوء وغير ذلك. (عن أبي هريرة قال أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث) خصال هي من أفضل التطوع والخلة أعلى مراتب المحبة وقد خصه ﷺ بهذه الثلاث (بصيام ثلاثة أيام من كل شهر) والأفضل البيض كما سيأتي (وركعتي الضحى) أي حضه النبي ﷺ على المداومة على ركعتين من الضحى لأنه كان يشتغل في الليل بتذكر الحديث واختار الشيخ المداومة على هاتين الركعتين لمن لم يقم من الليل لتأكدها في حقه بالأمر الشرعي

стр. 313

(وأن أوتر قبل أن أنام) وتقدم استحبابه لمن يثق بقيام آخر الليل (متفق عليه). وعن أنس مرفوعًا: «من قعد في مصلاه حين ينصرف من الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرًا غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» رواه أبو داود. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة: «من حافظ على شفعة الضحى يعني ركعتي الضحى غفرت ذنوبه، وإن كانت ممثل زبد البحر»، ولمسلم عن أبي ذر: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة. وكل تهليلة صدقة. وكل تكبيرة صدقة. وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، ولأحمد عن بريدة نحوه. قال شيخ الإسلام أقلها ركعتان باتفاق العلماء بسنة رسول الله ﷺ . (ولمسلم عن عائشة: «كان ﷺ يصلي الضحى أربعًا») أي أربع ركعات (ويزيد ما شاء الله)، وعن نعيم بن حماد مرفوعًا: «إن الله قال ابن آدم اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفِك آخره» رواه الترمذي وغيره. قال الحاكم: صحبت جماعة من أئمة الحديث يختارون هذه الصلاة. (ولهما عن أم هانئ) بنت أبي طالب عم النبي ﷺ قيل اسمها فاختة، وقيل: هند عاشت بعد أخيها علي رضي الله عنها

стр. 314

(أن النبي ﷺ عام الفتح صلى ثماني ركعات سبحة الضحى) أي نافلة الضحى والسبحة الدعاء وصلاة التطوع لأنها يسبح بها ولابن حبان عن عائشة دخل بيتي "فصلى الضحى ثماني ركعات" ولمسلم عنها "ما رأيته يصلي قط سبحة الضحى وأني لأسبحها" ولأحمد والترمذي وغيرهما من حديث أبي سعيد "كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليها". وقولها كان يصلي أربعًا لا يدل على المداومة وهي في النفي إنما نفت الرؤية وأخبرت أنها تفعلها استنادًا على ما بلغها من الحث عليها وفعله لها. وهذه الأحاديث وغيرها تدل على عظم فضل صلاة الضحى وكبر موقعها وتأكد مشروعيتها. وحكى النووي وغيره سنيتها عن جمهور السلف وكافة متأخري الفقهاء وهي لا شك دون السنن الراتبة المؤكدة فلا تلحق بها. وتقدم أن لشيخ الإسلام قاعدة: أن ما ليس من السنن الرواتب لا يداوم عليه حتى يلحق بالرواتب وهي دونها فلا تشبه بها, وأكثر ما ثبت من فعله ﵊ ثمان ركعات. وعن أنس مرفوعًا "من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بني له قصر في الجنة" رواه الترمذي بسند ضعيف وله شواهد وقيل لأحد لأكثرها وأن الأفضل أربع أو ثمان. (ولمسلم عن زيد بن أرقم) بن قيس بن النعمان

стр. 315

الخزرجي الأنصاري –﵁ توفي بالكوفة سنة ست وستين (أن رسول الله ﷺ قال "صلاة الأوابين" أي الرجاعين إلى الله بترك الذنوب وفعل الخيرات يعني الصلاة التي تميزوا بها وسموا بسببها أوابين (حين ترمض الفصال) بفتح الميم تحترق من الرمضاء وهو شدة حر الأرض من وقع الشمس على الرمل وغيره فتبرك من شدة الحر أو تبول في أخفافها وذلك يكون عند ارتفاع الشمس وتأثيرها الحر. والفصال جمع فصيل وهو ولد الناقة سمي بذلك لفصله عن أمه وفي لفظ أنه خرج على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال "صلاة الأوابين إذا أرمضت الفصال من الضحى" وفي لفظ "لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل" ولابن مردويه وهم يصلون بعد ما ارتفعت الشمس فأول وقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل الزوال وأفضله إذا تعالى النهار واشتد الحر لهذا الخبر الدال على فضيلة هذا الوقت ووصفه المصلين فيه بهذا الوصف الجميل. (وعن جابر: كان ﷺ يعلمنا الاستخارة) أي دعاء الاستخارة (في الأمور كلها) وهو دليل على العموم وأن المرء لا يحتقر أمرًا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه فيكون الإقدام عليه أو تركه ضررًا عظيمًا. ويروى من سعادة ابن آدم استخارة الله. والمراد قبل العزم على مندوب أو مباح لا واجب أو محرم (كما تعلمنا السورة من القرآن) أي يعتني

стр. 316

بشأن تعليمنا اهتمامًا بأمر الاستخارة وترغيبًا فيها لعظم نفعها وعمومه كما يعتني بالسورة فدل على تأكد استحبابها. قال العراقي لم أجد من قال بوجوبها. (يقول إذا هم أحدكم بالأمر) أي إذا أراد أمرًا بدون عزيمة كما في رواية ابن مسعود (فليركع ركعتين) لا تجزئ فيه ركعة واحدة وفي حديث أبي أيوب "ثم صلى ما كتب له" فدل على جواز الزيادة على الركعتين (من غير الفريضة) وظاهره أنه لا تحصل السنة بوقوع الدعاء بعد الفريضة وكذا الراتبة ولعله إنما أمره بذلك بعد حصول الهم بالأمر فإذا صلى راتبة أو فريضة قبله حصل الاستنان. قال شيخ الإسلام يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها قبل السلام وبعده. والدعاء قبل السلام أفضل لأنه قبل السلام لم ينصرف وهو أكثر دعاء النبي ﷺ (ثم ليقل اللهم إني أستخيرك الحديث) أي اقرأ الحديث، ولفظه "اللهم إني أستخيرك بعلمك" أي أطلب منك الخير أو الخيرة بأنك أعلم. وفي الترمذي مرفوعًا "اللهم خر لي واختر لي" وسنده ضعيف "وأستقدرك بقدرتك" أي أطلب منك أن تجعلني قادرًا عليه "وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب". إظهار للعجز والانقطاع وفزع منه تعالى إليه.

стр. 317

اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسمي حاجته خير لي في ديني ودنياي ومعاشي" أي عيشتي "وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري، وآجله فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فأصرفه عني وأصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به" (رواه البخاري) والخمسة وغيرهم وقد روي عن غير واحد من الصحابة. والحديث دليل على مشروعية صلاة الاستخارة والدعاء في آخرها أو بعدها. قال غير واحد صلاة الاستخارة سنة بلا نزاع وهل يستحب تكرار الصلاة والدعاء؟ روي فيه حديث مرفوع ولا يثبت لكن قد يستدل بتكرار النبي ﷺ الدعاء ثلاثًا. قال النووي وغيره وينبغي أن يفعل ما ينشرح له صدره ويستشير وإذا ظهرت المصلحة فعله. (وحديث صلاة الحاجة) عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ قال "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ ويحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله ويصلي على النبي ﷺ ثم ليقل لا إله إلا الله العلي العظيم. سبحان الله رب العرش العظيم. الحمد لله رب العالمين. أسألك موجبات رحمتك" أي خصالاً تتسبب لرحمتك وتقتضيها بوعدك "وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته ولا همًا إلا

стр. 318

فرجته ولا حاجة هي لك رضى مرضية لك إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه قادر (رواه) ابن ماجه و (الترمذي وقال غريب) وفي إسناده مقال لأن فائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث ويشهد له حديث عثمان ابن حنيف صححه الترمذي. (وعن أبي بكر الصديق) ﵁ واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة على الإطلاق وأحبهم إليه توفي سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون (أن رسول الله ﷺ قال "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء) وفي لفظ فيتطهر فهذه طهارة الظاهر قدمها على طهارة الباطن (فيصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له" رواه الخمسة وحسنه الترمذي وابن كثير وغيرهما وفيه ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية وله شاهد عند مسلم وفي الصحيحين "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي الحديث دليل على مشروعية الصلاة إذا أذنب يتطهر ويصلي ثم يستغفر. وفيه استيفاء وجوه الطاعة في التوبة لأنه ندم فتطهر ثم صلى ثم استغفر وإذا أتى بذلك على أكمل الوجوه غفر الله له بوعده الصادق.

стр. 319

وحديث الصلاة عقب الوضوء متفق عليه) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الصبح "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة؟ قال ما عملت عملاً أرجى عندي إلا أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" وثبت "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة". وفيهما الحث على الصلاة عقب الوضوء. قال شيخ الإسلام يستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت نهي وهو مذهب الشافعي. تتمة: قال شيخ الإسلام وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصليها لكن الاجتماع فيها لإحيائها بدعة. وقال أما إنشاء صلاة بعدد مقدر وقراءة مقدرة في وقت معين تصلي جماعة راتبة كصلاة الرغائب. والألفية ونصف شعبان، وسبع وعشرين من رجب وأمثال ذلك فهذا غير مشروع باتفاق علماء الإسلام. ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع، وفتح مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام. وقال أيضًا لا أصل لها بل هي محدثة لا جماعة ولا فرادى.

стр. 320

والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء. وقال النووي صلاة الرغائب والألفية بدعتان مذمومتان ومنكرتان قبيحتان فلا تغتروا بذكرهما ولا بالحديث المذكور فيهما فإن ذلك باطل. والرغائب أول جمعة من رجب قال شيخ الإسلام: وصلاة التسبيح نص أحمد وأئمة أصحابه على كراهيتها ولم يستحبها إمام وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوا بها بالكلية ولم ينقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف. ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وقال العمل بالخبر الضعيف لا يجوز بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، ومثله الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره. لكن يجوز ذلك في الترغيب والترهيب فيما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإنه ينفع ولا يضر واعتقاد موجبه يتوقف على الدليل الشرعي. فصل في سجود التلاوة والشكر أي في أحكام سجود التلاوة وأحكام سجود الشكر، وذلك أن الله تعالى شرعهما عبودية عند تلاوة تلك الآيات واستماعها وقربة إليه وشكرًا له عند تجدد نعمة واندفاع نقمة وخضوعًا له وتذللاً بين يديه في مقابلة فرحة النعمة وانبساط النفس لها. وتقدم حديث: "إنك لن تسجد لله سجدة إلا
следующие страницы →