← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بشأن تعليمنا اهتمامًا بأمر الاستخارة وترغيبًا فيها لعظم نفعها وعمومه كما يعتني بالسورة فدل على تأكد استحبابها. قال العراقي لم أجد من قال بوجوبها. (يقول إذا هم أحدكم بالأمر) أي إذا أراد أمرًا بدون عزيمة كما في رواية ابن مسعود (فليركع ركعتين) لا تجزئ فيه ركعة واحدة وفي حديث أبي أيوب "ثم صلى ما كتب له" فدل على جواز الزيادة على الركعتين (من غير الفريضة) وظاهره أنه لا تحصل السنة بوقوع الدعاء بعد الفريضة وكذا الراتبة ولعله إنما أمره بذلك بعد حصول الهم بالأمر فإذا صلى راتبة أو فريضة قبله حصل الاستنان. قال شيخ الإسلام يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها قبل السلام وبعده. والدعاء قبل السلام أفضل لأنه قبل السلام لم ينصرف وهو أكثر دعاء النبي ﷺ (ثم ليقل اللهم إني أستخيرك الحديث) أي اقرأ الحديث، ولفظه "اللهم إني أستخيرك بعلمك" أي أطلب منك الخير أو الخيرة بأنك أعلم. وفي الترمذي مرفوعًا "اللهم خر لي واختر لي" وسنده ضعيف "وأستقدرك بقدرتك" أي أطلب منك أن تجعلني قادرًا عليه "وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب". إظهار للعجز والانقطاع وفزع منه تعالى إليه.

стр. 317

اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسمي حاجته خير لي في ديني ودنياي ومعاشي" أي عيشتي "وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري، وآجله فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فأصرفه عني وأصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به" (رواه البخاري) والخمسة وغيرهم وقد روي عن غير واحد من الصحابة. والحديث دليل على مشروعية صلاة الاستخارة والدعاء في آخرها أو بعدها. قال غير واحد صلاة الاستخارة سنة بلا نزاع وهل يستحب تكرار الصلاة والدعاء؟ روي فيه حديث مرفوع ولا يثبت لكن قد يستدل بتكرار النبي ﷺ الدعاء ثلاثًا. قال النووي وغيره وينبغي أن يفعل ما ينشرح له صدره ويستشير وإذا ظهرت المصلحة فعله. (وحديث صلاة الحاجة) عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ قال "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ ويحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله ويصلي على النبي ﷺ ثم ليقل لا إله إلا الله العلي العظيم. سبحان الله رب العرش العظيم. الحمد لله رب العالمين. أسألك موجبات رحمتك" أي خصالاً تتسبب لرحمتك وتقتضيها بوعدك "وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبًا إلا غفرته ولا همًا إلا

стр. 318

فرجته ولا حاجة هي لك رضى مرضية لك إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه قادر (رواه) ابن ماجه و (الترمذي وقال غريب) وفي إسناده مقال لأن فائد بن عبد الرحمن يضعف في الحديث ويشهد له حديث عثمان ابن حنيف صححه الترمذي. (وعن أبي بكر الصديق) ﵁ واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي خليفة رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة على الإطلاق وأحبهم إليه توفي سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون (أن رسول الله ﷺ قال "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء) وفي لفظ فيتطهر فهذه طهارة الظاهر قدمها على طهارة الباطن (فيصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له" رواه الخمسة وحسنه الترمذي وابن كثير وغيرهما وفيه ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية وله شاهد عند مسلم وفي الصحيحين "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". وفي الحديث دليل على مشروعية الصلاة إذا أذنب يتطهر ويصلي ثم يستغفر. وفيه استيفاء وجوه الطاعة في التوبة لأنه ندم فتطهر ثم صلى ثم استغفر وإذا أتى بذلك على أكمل الوجوه غفر الله له بوعده الصادق.

стр. 319

وحديث الصلاة عقب الوضوء متفق عليه) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الصبح "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة؟ قال ما عملت عملاً أرجى عندي إلا أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" وثبت "ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة". وفيهما الحث على الصلاة عقب الوضوء. قال شيخ الإسلام يستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت نهي وهو مذهب الشافعي. تتمة: قال شيخ الإسلام وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصليها لكن الاجتماع فيها لإحيائها بدعة. وقال أما إنشاء صلاة بعدد مقدر وقراءة مقدرة في وقت معين تصلي جماعة راتبة كصلاة الرغائب. والألفية ونصف شعبان، وسبع وعشرين من رجب وأمثال ذلك فهذا غير مشروع باتفاق علماء الإسلام. ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع، وفتح مثل هذا الباب يوجب تغيير شرائع الإسلام. وقال أيضًا لا أصل لها بل هي محدثة لا جماعة ولا فرادى.

стр. 320

والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء. وقال النووي صلاة الرغائب والألفية بدعتان مذمومتان ومنكرتان قبيحتان فلا تغتروا بذكرهما ولا بالحديث المذكور فيهما فإن ذلك باطل. والرغائب أول جمعة من رجب قال شيخ الإسلام: وصلاة التسبيح نص أحمد وأئمة أصحابه على كراهيتها ولم يستحبها إمام وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم يسمعوا بها بالكلية ولم ينقل أحد من الأئمة أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف. ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وقال العمل بالخبر الضعيف لا يجوز بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب أو تخاف ذلك العقاب، ومثله الترغيب والترهيب بالإسرائيليات والمنامات ونحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعي لا استحباب ولا غيره. لكن يجوز ذلك في الترغيب والترهيب فيما علم حسنه أو قبحه بأدلة الشرع فإنه ينفع ولا يضر واعتقاد موجبه يتوقف على الدليل الشرعي. فصل في سجود التلاوة والشكر أي في أحكام سجود التلاوة وأحكام سجود الشكر، وذلك أن الله تعالى شرعهما عبودية عند تلاوة تلك الآيات واستماعها وقربة إليه وشكرًا له عند تجدد نعمة واندفاع نقمة وخضوعًا له وتذللاً بين يديه في مقابلة فرحة النعمة وانبساط النفس لها. وتقدم حديث: "إنك لن تسجد لله سجدة إلا

стр. 321

رفعك الله بها درجة. وحط بها عنك خطيئة". وحديث "إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلاه أمر بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار". وفي فضل السجود أحاديث كثيرة لما فيه من التذلل والخضوع لله. قال ابن القيم: ومواضع السجدات أخبار وأوامر خبر من الله عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا فسن للتالي والسامع أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها وآيات الأوامر بطريق الأولى. (عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة) يعني من القرآن (فيقرأ السجدة) وفي لفظ "فيها السجدة (فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته) يعني من شدة الزحام (متفق عليه) قال أبن عمر حتى يسجد على ظهر أخيه. والحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة وهو عند الجمهور سنة وعند أبي حنيفة واجب. وهو رواية عن أحمد واختاره الشيخ وغيره. قال وهو مذهب طائفة من العلماء. وقال ابن بطال وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد اهـ. ولا يسن لسامع الذي لم يقصد الاستماع قال عثمان إنما السجدة على من استمع ونحوه عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ولا يعرف لهم مخالف وهو مذهب الجمهور. ولأبي داود

стр. 322

"كبر وسجد وسجدنا معه" وفيه ضعف. وللحاكم نحوه من طريق آخر على شرط الشيخين "ويرفع يديه" ندبًا لا في صلاة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لقول ابن عمر ولا يفعل ذلك في السجود وهو المذهب صرح به ابن القيم وغيره. وقال في الفروع كسجود نافلة فيما يعتبر له اتفاقًا واحتج الأصحاب بأنه صلاة فيدخل في العموم. وخالف شيخنا قال: ولا يشرع فيه تحريم ولا تحليل. هذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ وعليها عامة السلف. وقال أحمد أما التسليم فلا أدري ما هو. قال ابن القيم وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي غيره. ولا نقل فيه تشهد ولا سلام البتة ولا جلوس. وعلى هذا فليس بصلاة فلا يشترط له شروط الصلاة بل يجوز وإن كان على غير طهارة وكان ابن عمر يسجد على غير طهارة وهو مفهوم الخبر واختاره البخاري. لكن السجود بشروط الصلاة أفضل. ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر فالسجود بشروط الصلاة أفضل. ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به. لكن قد يقال إنه لا يجب في هذه الحال كما لا يجب على السامع ولا على من لم يسجد قارؤه. وإن كان ذلك السجود جائزًا عند جمهور العلماء. وقال غير واحد ليس في أحاديث السجود ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا. وليس بصلاة من كل وجه قال ابن جرير ليس بركعة ولا ركعتين فيجوز بلا وضوء وللجنب والحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر.

стр. 323

ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس وقال ابن القيم القول الثاني لا يشترط وهو قول كثير من السلف حكاه ابن بطال. وقالوا ليس في اشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. اهـ. وكان يسجد مع النبي ﷺ من حضره. ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء. وليس فيها أيضًا ما يدل على طهارة المصلي. قال في الفروع وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان فمعتبر اتفاقًا وسجود عن قيام أفضل كصلاة النفل لما فيه من كمال الخضوع. قال الشيخ بل سجود التلاوة قائمًا أفضل منه قاعدًا كما ذكره من ذكره من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. وكما نقل عن عائشة. وكذا سجود الشكر كما رواه أبو داود في سننه عن النبي ﷺ من سجوده للشكر قائمًا وهذا ظاهر في الاعتبار قال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهو عن قيام. (وللبخاري عن عمر أن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء) أي السجود فهو موكول إلى مشيئتنا. وله عنه أنه قرأ على المنبر سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل وسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب أي السنة ومن لم يسجد فلا إثم عليه.

стр. 324

وخبر عمر في هذا الموطن العظيم والجمع العميم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب. ولأن الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح في الأمر به. وفي الصحيحين عن زيد بن ثابت قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد فيها. ويأتي أنه سجد فيها ففعله تارة وتركه تارة يدل على السنة. قال الحافظ وأولى الاحتمالات أنه لبيان الجواز. (وله عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد بالنجم) ولهما عن ابن مسعود قرأ "والنجم فسجد من كان معه" والسجود فيها مذهب الجمهور. (ولمسلم عن أبي هريرة: سجدنا مع رسول الله ﷺ في (إذا السماء انشقت) و (اقرأ باسم ربك) ورواه الخمسة وغيرهم وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وإنما خالف بعض المالكية. وذكر قولاً للشافعي في القديم، ولهما عن أبي هريرة "أنه سجد خلف النبي ﷺ في إذا السماء انشقت" وقال الطحاوي تواترت الآثار عنه ﷺ بالسجود في المفصل وقال ابن عبد البر وأي عمل يدعى مع مخالفة النبي – ﷺ والخلفاء الراشدين بعده. وذكر الحافظ أن في رواية أبي الأشعث عن معمر التصريح بأن سجود النبي ﷺ في (إذا السماء انشقت) كان داخل الصلاة. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء ولم يفرقوا بين صلاة الفريضة والنافلة.

стр. 325

وقال أجمعوا على أنه يسجد في عشرة مواضع وهي متوالية إلا ثانية الحج. وص وأما سجود المفصل فتقدم أنه ثابت في الصحيح وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين. وخالف بعضهم في سجدة آخر الحج وص. وعن عمرو بن العاص قال "أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل. وفي الحج سجدتان" رواه أبو داود والحاكم وحسنه النووي والمنذري وتكلم فيه الحافظ وغيره. ولأبي داود وغيره من حديث عقبة بن عامر قلت يا رسول الله أفي سورة الحج سجدتان قال "نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأها" ولفظ حديث خالد "فضلت بسجدتين". (وعن ابن عباس: ليست ص من عزائم السجود) أي لم يرد فيها تحريض ولا حديث فليست مما سنه منها (وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها رواه البخاري) وسئل ابن عباس من أين أخذت السجود في ص قال من قوله تعالى: إلى قوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فدل على أنه أخذه عن النبي ﷺ وسمعه واستنبطه من الآية. وللنسائي مرفوعًا "سجد في ص، وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا ولأبي داود وغيره من حديث أبي سعيد "نزل عن المنبر وسجد سجد الناس معه" ولما بلغها يومًا آخر نشزوا للسجود فقال: "إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم نشزتم للسجود فسجد وسجدوا.

стр. 326

وجاء عن جماعة من الصحابة أنهم سجدوا فيها. فينبغي سجودها خارج الصلاة كما هو قول الجمهور. لا في الصلاة خروجًا من الخلاف. كما أنه لا ينبغي السجود في الصلاة السرية خشية الإبهام والتخليط على المأموم. (وعن عائشة: كان ﷺ يقول في سجود القرآن) بالليل (سجد وجهي لله الذي خلقه) زاد البيهقي: وصوره (وشق) أي فتح (سمعه وبصره) حتى جعله يسمع ويبصر "بحوله وقوته" رواه الخمسة وغيرهم إلا ابن ماجه و (صححه الترمذي) وابن السكن وزاد الحاكم "فتبارك الله أحسن الخالقين" ولمسلم نحوه من حديث علي وتقدم في الصلاة. وللترمذي وغيره عن ابن عباس "اللهم حط عني بها وزرًا وأكتب لي بها عندك أجرًا وأجعلها لي عندك ذخرًا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇" وفيهما مشروعية الذكر في سجود التلاوة بما اشتملا عليه ويقول قبلهما سبحان ربي الأعلى كما يقول في سجود صلب الصلاة. (وعن أبي بكرة) نفيع بن مسروح ويقال ابن الحارث بن عمرو الثقفي تدلى في بكرة مع غلمان من أهل الطائف توفي سنة إحدى وخمسين ﵁ (إن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره) ظاهره خاصًا كان أو عامًا

стр. 327

(خر ساجدًا لله" رواه الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي) وقال غريب ولفظ أحمد: أنه شهد النبي ﷺ أتاه بشير يبشره بظفر جند له على عدوهم ورأسه في حجر عائشة "فقام فخر ساجدًا فأطال السجود ثم رفع رأسه فتوجه عند صدفته فدخل فاستقبل القبلة". وله من حديث عبد الرحمن بن عوف نحوه وفيه: "إن جبريل أتاني فبشرني فقال إن الله – يقول لك من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت شكرًا" ولأبي داود عن سعد بن أبي وقاص قال خرجنا مع النبي ﷺ من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبًا من عزوراء "نزل ثم رفع يديه ساعة ثم خر ساجدًا فعله ثلاثًا. وقال "إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فخررت ساجدًا" وذكر الثالثة كذلك. (وعن البراء بن عازب) بن حارث الأنصاري الأوسي مات بالكوفة سنة اثنتين وسبعين (في كتاب علي إلى النبي ﷺ بإسلام همدان) وكان رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن معلمًا لهم ولما أسلموا وانقادوا كتب علي –﵁ إلى رسول الله ﷺ بخبر إسلامهم (قال) البراء ﵁ (لما قرأه) رسول الله ﷺ (خر ساجدًا شكرًا لله) على ذلك رواه البيهقي وغيره و (صححه المنذري) الحافظ الحجة زكي

стр. 328

الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المشهور بالمنذري المتوفي سنة ست وخمسين وستمائة. وفي الصحيحين قصة سجود كعب بن مالك في عهد النبي ﷺ لما بشر بتوبة الله عليه. وروى سعيد بن منصور وغيره سجود أبي بكر لما جاءه خبر قتل مسيلمة وسجد علي لما وجد ذا الثدية في الخوارج. وذلك يدل على أن مشروعية سجود الشكر كانت متقررة عندهم وهو مذهب جمهور العلماء. وروي عن مالك كراهته وأبي حنيفة والثانية عنه إباحته وهذا عنهما رحمهما الله غريب لاستفاضته عنه ﷺ وعن أصحابه من طرق كثيرة تقوم بها الحجة. وقال ابن القيم لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس ومقتضى عبودية الرغبة. كما أن السجود عند الآيات مقتضي عبودية الرهبة. اهـ. فلا مرية في مشروعية سجود الشكر في غير الصلاة عند تجدد النعم سواء كانت خاصة أو عامة دينية أو دنيوية. كتجدد ولد أو مال أو جاه أو نصرة على عدو أو غير ذلك من سائر النعم أو اندفاع النقم. شكرًا لله عليها وخضوعًا له وتذللاً بين يديه في مقابلة فرحة النعمة وانبساط النفس لها. لا دوام النعمة لأنه لا ينقطع. فلو شرع له السجود لاستغرق عمره وشكرها بالطاعات. قال شيخ الإسلام ولو أراد الدعاء فعفر وجهه لله بالتراب

стр. 329

وسجد له ليدعوه فيه فهذا سجود لأجل الدعاء ولا شيء يمنعه. وابن عباس سجد لما جاء نعي بعض أزواج النبي ﷺ وقد قال ﵊ "إذا رأيتم آية فاسجدوا" قال وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات فالمكروه هو السجود بلا سبب. فصل في أوقات النهي أي في ذكر أحكام أوقات النهي وما يباح من الصلاة فيها. (عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال لا صلاة) أي لا تصلوا النافلة (بعد الصبح) أي صلاته أو طلوعه وفي لفظ "لا صلاة بعد صلاة الفجر". ومن حديث عمر وأبي هريرة "بعد الفجر" وفي لفظ عن عمر "بعد صلاة الصبح" (حتى تطلع الشمس) أي ترتفع وتشرق ليس المراد مجرد ظهور القرص. ولأحمد وغيره عن ابن عمر "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر" احتج به أحمد وقال الترمذي: هو ما أجمع عليه أهل العلم كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر وفي الصحيحين "إذا طلع الفجر لم يصل إلا ركعتين خفيفتين" قال شيخ الإسلام: وليس بعد طلوع الفجر والفريضة

стр. 330

سنة إلا ركعتان اهـ؛ وادعى النووي الإجماع على ذلك وذهب مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد أن النهي متعلق بفعل الصلاة وأن الوتر يقضى قبل صلاة الفجر لقوله: "لا صلاة بعد صلاة الفجر" وقد يقال المراد بصلاة الصبح فيما قبل وقتها فهو بمعنى طلوع الفجر فتتفق الأدلة. وأما قضاء ركعتي الفجر بعدها فجائز لحديث قيس واختار أحمد: أن يقضيها من الضحى. (ولا صلاة بعد العصر) وفي لفظ: بعد صلاة العصر (حتى تغيب الشمس متفق عليه) والأحاديث في النهي عن الصلاة في هذين الوقتين مستفيضة عن النبي ﷺ وأجمعوا على أنه لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. والاعتبار بالفراغ منها لا بالشروع فيها فمن لم يصل العصر أبيح له التنفل. وإن صلى غيره قال في المبدع بغير خلاف نعلمه. وكذا لو أحرم بها ثم قلبها نفلاً أو قطعها لعذر لم يمنع من التطوع حتى يصليها. ومن صلاها فليس له التنقل ولو صلى وحده. وتقضي سنة الظهر بعدها لما في الصحيحين "أنه قضى سنة الظهر بعد العصر" وأما التطوع بعدها بركعتين ففي صحيح مسلم وغيره كان عمر يضرب عليهما بمحضر من الصحابة فكان إجماعًا. (ولمسلم عن عقبة بن عامر) بن عمرو بن قيس الجهني ولي إمارة مصر وتوفي بها سنة ثمان وخمسين (قال ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن) أي نافلة (وأن

стр. 331

نقبر) بضم وتكسر أي ندفن (فيهن موتانا) قال البغوي والنووي والشيخ وغيرهم معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات وضعفوا قول من قال إنه الصلاة لأن الصلاة على الجنازة لا تكره في هذه الأوقات إجماعًا وبين الثلاث الساعات. فقال: (حين تطلع الشمس بازغة) أي ظاهرة (حتى ترتفع) أي قيد رمح في رأي العين (وحين يقوم قائم الظهيرة) وهو البعير يكون باركًا فيقوم من شدة الحر. والظهيرة شدة الحر وقيل حين لا يبقى للقائم ظل أو قيام الشمس وقت الزوال لتخيل المتأمل إنها وقفت وهي سائرة (وحين تضيف) أي تميل (الشمس للغروب حتى تغرب) وفي الصحيح من حديث ابن عمر إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب. ولمسلم عن عمرو بن عبسة قلت: يا نبي الله أخبرني عن الصلاة. قال: "صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ثم أقصر عن الصلاة فإنها حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب

стр. 332

الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفار. وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على تحريم الصلاة في هذه الأوقات. والحاصل أن هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ترجع إلى ثلاثة فأما ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس وما بعد العصر إلى غروبها فمتواتر. وأما وقت قيام الشمس ففيه أربعة أحاديث. حديثة عقبة وعمرو وأبي هريرة عند ابن ماجه والصنابحي في الموطأ. وعد بعضهم أيضًا وقتين عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند غروبها حتى تتم لهذه الأخبار وغيرها فتكون خمسة. ولعل الاختلاف في الألفاظ وقع من الرواة. ولا نزاع بين أهل العلم في أنه لا يجوز أن يبتدئ في هذه الأوقات تطوعًا لا سبب له للآثار المستفيضة في النهي عن ذلك. وثبت من حديث عائشة وابن عمر "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك" أي لا يقصد أحدكم الصلاة عند ذلك لأن الكفار يسجدون لها في هذين الوقتين فنهينا عن ذلك سدًا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى مشابهتهم في القصد. وأما ذوات الأسباب فتفعل فيها للأدلة الدالة على ذلك وهي تخص عموم النهي واستثني يوم الجمعة بسند ضعيف عن أبي قتادة "كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة وقال إن

стр. 333

جهنم تسجر إلا يوم الجمعة" وقال أبو داود مرسل ومن حديث أبي هريرة عند الشافعي إلا يوم الجمعة وهو ضعيف أيضًا ولكن يؤيده فعل أصحاب النبي ﷺ فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة. وحث النبي ﷺ على التبكير إليها والترغيب في الصلاة إلى خروج الإمام وعده ابن القيم وغيره من خصائصها. (وعن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل القرشي أسلم بعد الفتح يقال توفي سنة أربع أو سبع وخمسين (أن رسول الله ﷺ قال يا بني عبد مناف) بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشيين وكانوا ولاة الحرم الشريف (لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه الخمسة) وغيرهم وهذا إذن منه ﷺ في فعل الطواف وركعتيه في جميع أوقات النهي. وقال ابن عمر افعل كما رأيت أصحابي يفعلون فكان يصلي إثر الطواف بعد الصبح. وقبل طلوع الشمس. وبعد العصر قبل غروب الشمس. وهذا مذهب الشافعي وأحمد. وعن ابن عباس مرفوعًا " يا بني عبد المطلب" وهو ابن هاشم القرشي. "أو يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي" الحديث رواه الدارقطني وهو معلول وفي حديث أبي ذر عند الشافعي إلا بمكة وفيه عبد الله بن مؤمل وهذا الحديث مما أنكر عليه ولو صحا لكان دليلاً على جواز النافلة عند البيت مطلقًا

стр. 334

فيخص من النهي ركعتا الطواف كما يخص غيرها مما له سبب للإجماع على تحريم إنشاء تطوع في أوقات النهي ولم يخصوا مكة ولا غيرها وبه تتفق الأدلة. (ولهم) وغيرهم (إلا ابن ماجه عن يزيد بن الأسود) العامري السواءي ويقال الخزاعي حليف قريش –﵁ (في الذين لم يصليا الفجر مع رسول الله ﷺ ) ولفظه قال: صليت مع رسول الله ﷺ الفجر فلما قضى صلاته إذا هو برجلين لم يصليا معه فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا" (قال: لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما) أي في منازلكما. (ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم) ولابن حبان "ثم أدركتما الصلاة فصليا" ولفظ أبي داود "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه" ويأتي حديث أبي ذر "صل الصلاة لوقتها فإن أقيمت وأنت في المسجد فصل ولا تقل إني صليت فلا أصلي (فإنها لكما نافلة) وفي التصريح بأن الثانية في الصلاة المعادة نافلة سواء كانت الأولى جامعة أو فرادى لعدم الإستفصال (صححهما الترمذي). ولهذا شواهد كلها تدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة وإن كان وقت نهي للتصريح بأن ذلك كان في صلاة الصبح ولو وجدهم يصلون

стр. 335

وهذا مذهب أحمد والشافعي واختاره ابن القيم وغيره. قيل لأحمد فيمن صلى جماعة ثم دخل المسجد وهم يصلون أيصلي معهم قال: نعم ولئلا يتخذ قعوده ذريعة إلى إساءة الظن به وأنه ليس من المصلين. وتقدم قوله ﷺ "من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته" وتقدم أيضًا قصة نومهم عن صلاة الفجر وأن قضاء الصلاة في أوقات النهي أمر مجمع عليه. وتقدم أيضًا قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" وأنه حكى النووي إجماع المسلمين على سنيتها في جميع الأوقات وصحح الشيخ وغيره قول من استحب ذلك. وإن الحديث عام لم يخص فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص. ويأتي قوله ﷺ للداخل يوم الجمعة حال الخطبة بعد أن قعد "قم فصل ركعتين" ولو كانت تترك في وقت لكان هذا الوقت أولى لأنه يمنع حال الخطبة من الصلاة لا التحية. وكل هذا مبالغة في تعميم التحية. فكل ما له سبب من جميع ما تقدم وما يأتي يجوز فعله في أوقات النهي. قال الشيخ وغيره هذا مذهب أهل الحديث وأهل التحقيق من أتباع الأئمة حملوا أحاديث النهي على مالا سبب له. وأما ذوات الأسباب فتفعل في أوقات النهي للأدلة الدالة على ذلك وهي تخص عموم النهي كما خص منه صلاة الجنائز

стр. 336

باتفاق المسلمين. وقضاء الفوائت. والداخل حال الخطبة. ومن منع ذلك قيل له: جوزت الصلاة وقت الخطبة وهو وقت نهي باتفاق العلماء. وكذا إعادة الجماعة وقضاء الفوائت ومنعت ما سواهما مما له سبب فلم تعمل بأحاديث النهي على ظاهرها بل خالفت ظاهرها في بعض دون بعض. وقال: ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كانت وقت نهي للخبر المتقدم ولئلا يبقى الوضوء خاليًا عن مقصوده. وتصلي صلاة الاستخارة في وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة وغير ذلك مما هو أعم من أحاديث النهي. وحيث ثبت قضاؤه الركعتين وإقراره الذي صلى بعد الفجر ركعتي الفجر وغير ذلك مما مر وغيره مع أنه لا يفوت بالتأخير فما له سبب يفوت بالتأخير أولى. باب صلاة الجماعة أي باب بيان أحكام الجماعة في الصلاة ومن الأولى بالإمامة وموقف الإمام والمأموم وما يبيح ترك الجماعة من الأعذار وما يتعلق بذلك، وفصلت أحكام الجماعة لأنها صفة زائدة على ماهية الصلاة وسميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا فإذا أخلوا بهما أو بأحدهما لغير عذر كان ذلك منهيًا عنه باتفاق الأئمة. واتفق المسلمون على أن الصلوات الخمس في المساجد

стр. 337

جماعة من أوكد العبادات وأجل الطاعات وأعظم القربات بل وأعظم شعائر الإسلام شرعها الله – لهذه الأمة ببركة نبيها محمد – ﷺ لأجل التواصل والتوادد وعدم التقاطع وعموم البركة ومضاعفة الثواب وزيادة العمل عند مشاهدة أولي الجد وغير ذلك من الحكم، وشرع أيضًا اجتماعات معلومة منها الجمعة والعيدان والوقوف بعرفة. وبرهان وجوب الجماعة للصلوات الخمس الكتاب والسنة والآثار والاعتبار وعمل المسلمين قرنًا بعد قرن وموجب عمارة المساجد وفرض النداء لها وغير ذلك. (قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ أي فصليت بهم إمامًا في صلاة الخوف ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ الآية وذكر حالة الاجتماع والائتمام بإمام واحد ويأتي. قال ابن كثير وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك. قال الشيخ فإن الجماعة يعني في صلاة الخوف يترك لها أكثر واجبات الصلاة فلولا وجوبها لم يؤمر بترك الواجبات لها. اهـ. فأمر تعالى بالجماعة أولاً ثم أمر بها ثانيًا ولم يرخص لهم حال الخوف فلو كانت سنة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف ولو كانت فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى فدلت هذه الآية وكذا الأحاديث الآتية في صلاة الخوف وغيرها على وجوبها

стр. 338

على الأعيان وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِين﴾ والسياق يدل على اختصاص الركوع بذلك وخص الركوع لأنه تدرك به الصلاة فليس إلا فعلها مع المصلين. وإطلاق البعض على الكل كثير فالمراد وصلوا مع المصلين والأمر المقيد بصفة أو حال لا يكون المأمور ممتثلاً إلا بالإتيان به على تلك الصفة والحال. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُون﴾ ونحو صلاة الخوف الجمع بين الصلاتين في المطر لأجل تحصيل الجماعة مع أن إحدى الصلاتين قد وقعت خارج الوقت والوقت شرط فلو لم تكن الجماعة واجبة لما ترك لها الوقت. (وعن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله – ﷺ قال والذي نفسي بيده) فيه إثبات صفة اليد له تعالى على ما يليق بجلاله تعالى وعظمته من غير تمثيل (لقد هممت) هو جواب القسم والإقسام منه – ﷺ لبيان عظم شأن ما يذكره زجرًا عن ترك الجماعة أي عزمت (أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف) أي آتي (إلى رجال لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون الجماعة (فأحرق عليهم بيوتهم بالنار متفق عليه). وفي لفظ "ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" وأحرق

стр. 339

بالتشديد يقال حرقه إذا بالغ في تحريقه. وإنما منعه – ﷺ من تحريق المتخلفين ما في البيوت من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم الجماعة. ولابن ماجه "لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم" وأول الحديث "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر" لأنهما وقت السكون والراحة ولذة النوم وليس لهم داع. "ولو يعلمون ما فيهما" يعني من مزيد الفضل "لأتوهما" أي لأتوا المحل الذي يصليان فيه جماعة "ولو حبوا" على المرافق والركب إذا منعهم مانع من المشي وهو شاهد لأثر ابن مسعود الآتي ولفضيلة الجماعة قال الحافظ وهذا الحديث ظاهر في كونها فرض عين لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول – ﷺ ومن معه، وكون الشيء واجبًا لا ينافي كونه فضيلة. (ولمسلم قال أتى النبي – ﷺ رجل أعمى) هو ابن أم مكتوم (فقال: ليس لي قائد يقودني إلى المسجد) ولأحمد وأبي داود وغيرهما عنه أنه قال: "أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي" والرخصة التسهيل في الأمر والتيسير (فرخص له) أي في عدم إتيان المسجد (فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب) ولفظ أحمد وأبي داود قال: "أتسمع النداء" قال: نعم قال: "ما أجد لك رخصة".

стр. 340

قال شيخ الإسلام وهذا نص في إيجاب الجماعة اهـ. ويأتي قوله: "فليؤمكما أكبركما" ولمسلم "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم" وهو أمر ظاهر الوجوب. وقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وقواه عبد الحق. وفي السنن: "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له" قال الشيخ هذا يقتضي أن النداء والصلاة في الجماعة من الواجبات. (وله عن ابن مسعود: لقد رأيتنا) يعني أصحاب محمد ﷺ الذين هم أعمق الناس علمًا وأغزرهم فهمًا شاهدوا التنزيل وعلموا التأويل اختارهم الله لصحبة نبيه ولحفظ دينه. وأول الأثر قال من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليصل هذه الصلوات الخمس حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى. وإن هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادي بهن من سنن الهدى. وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ولقد رأيتنا (وما يتخلف عنها) يعني الصلوات الخمس (إلا منافق معلوم النفاق) قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ (ولقد كان الرجل يؤتى به) يعني إلى الجماعة (يهادي بين الرجلين) أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما (حتى يقام في الصف) لتأكد حضورها.

стр. 341

وهذا دليل ظاهر على استقرار وجوبه عند أصحاب النبي – ﷺ ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق لا يكون إلا واجبًا على الأعيان. قال شيخ الإسلام وهو المشهور عن أحمد وغيره من أئمة السلف وفقهاء الحديث وغيرهم. ولأحمد وغيره مرفوعًا "الجفا كل الجفا والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصلاة فلا يجيبه" وثبت حديث "يد الله على الجماعة فمن شذ شذ في النار". وسئل حبر الأمة عبد الله بن عباس عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار ولا يحضر الجماعة فقال: هو في النار. ومن قال من الأئمة إنها سنة. فمؤكدة لتصريحه بتأثيم تاركها وسقوط عدالته وتعزيره وأنه لا رخصة في تركها إلا لعذر للأخبار فوافقونا معنى بل صرح بعضهم بأنها سنة مؤكدة وأنهم أرادوا بالتأكيد الوجوب أخذًا بالأخبار الواردة بالوعيد الشديد على تركها. وقال النووي وطوائف من اتباع الأئمة: الجماعة مأمور بها للأحاديث الصحيحة المشهورة وإجماع المسلمين. وذكر الوجه الثالث أنها فرض عين وأنه قول للشافعي واثنين من أكابر أصحابهم المتمكنين في الفقه أبي بكر بن خزيمة وابن المنذر وغيرهما. وأن من خالف ذلك فليس له دليل مقاوم أدلة وجوبها. وقال الشافعي وأما الجماعة فلا أرخص في تركها إلا من عذر، ذكره المزني.

стр. 342

وقال الشيخ اتبع الإمام أحمد ما دل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة من وجوبها مع عدم العذر وسقوطها بالعذر. وقال الشيخ من أصر على ترك الجماعة فهو آثم مخالف الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. وقال هو وابن القيم من تأمل الكتاب والسنة وما كان عليه السلف حق التأمل علم أن فعلها في المسجد فرض عين إلا لعذر وأنه كترك الجماعة لغير عذر وبه تتفق الأحاديث والآثار. وما ورد من الأدلة على وجوب الجماعة مما تقدم وغيره صريح في إتيان المساجد لها وأنه من أكبر شعائر الدين. (وعن ابن عمر مرفوعًا "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ) أي الفرد (بسبع وعشرين درجة متفق عليه) ولأحمد "خمس وعشرين درجة كلها مثل صلاته" ولهما من حديث أبي هريرة "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة" وفي لفظ "بخمس وعشرين جزءًا" وهو مروي عن جماعة من الصحابة. وفي بعض الروايات "ضعفًا" وفي بعضها "صلاة". والمراد أنه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبعًا وعشرين مرة. وللخمسة من حديث أبي "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده. وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل. وما كان أكثر فهو أحب إلى الله" وقال القرافي لا نزاع أن الصلاة مع الصلحاء والعلماء والكثير

стр. 343

من أهل الخير أفضل من غيرهم لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة وقبول الشفاعة، اهـ. وقيل مفهوم العدد غير مراد فلا منافاة، وقيل باعتبار قرب المسجد وبعده وقيل غير ذلك. وفي فضل صلاة الجماعة أحاديث وآثار كثيرة واستدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذا الحديث. وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل وإن المشترك ههنا لا بد أن يكون هو الإجزاء والصحة وكون الشيء واجبًا لا ينافي كونه فضيلة. فكذا كونه فضيلة لا ينافي كونه واجبًا. وأنكر شيخ الإسلام وغيره حمله على غير المعذور. وقال التفضيل لصلاة الجماعة على صلاة الفرد إنما دل على فضل هذه الصلاة وحده ولعله من لم تكن عادته الصلاة في جماعة فقد قال قاعدة الشريعة أن من كان عازمًا على الفعل عزمًا جازمًا وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل. وقال إنما يكتب له إذا كان من عادته أن يعمل ونيته أن يعمل وفي الصحيح "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا". والجمهور أنه تصح صلاة المنفرد بلا عذر مع الإثم. قال الموفق وغيره لا نعلم من أوجب الإعادة على من صلى وحده إلا

стр. 344

ما روي عن بعض الصحابة أن من صلى وحده من غير عذر فلا صلاة له. وقال الشيخ الوقت لا يمكن تلافيه فإذا فات لم يمكن فعل الصلاة فيه. ونظيره من فوت الجماعة الواجبة التي يجب عليه شهودها وليس هناك جماعة أخرى فإنه يصلي منفردًا. وتصح صلاته هنا مع الإثم لعدم إمكان صلاته جماعة. (ولهما عنه مرفوعًا إذا استأذنكم نساؤكم) بالليل (إلى المسجد) ولم يذكر أكثر الرواة بالليل وخص لما فيه من الستر بالظلمة (فأذنوا لهن) "ولا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد" لأنهم من أهل الفرض أشبهن الرجال فيدخلن في عموم ما تقدم من فضل الجماعة. ولأحمد وأبي داود "وبيوتهن خير لهن" أي صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك. ولا نزاع في ذلك ولأحمد من حديث أم سلمة: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن»، وله من حديث أبي هريرة "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات" أي غير متطيبات. ولمسلم عنه "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة". قال القاضي عياض وشرط العلماء في خروجهن أن يكون بليل غير متزينات ولا متطيبات ولا مزاحمات للرجال ولا شابة مخشية الفتنة. وقالت عائشة لو أن رسول الله ﷺ رأي من النساء ما رأينا لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها وذلك لما رأت من حسن الملابس والطيب والزينة والتبرج وإنما

стр. 345

كان النساء يخرجن في المروط والأكسية والشملات الغلاظ فإذا كان الحال كذلك لم يجز منعهن عن المساجد. ويدخل في ذلك مجالس الذكر للتفقه ونيل البركة. وإن منعها لم يحرم. وذكره البيهقي قول عامة الفقهاء ولأن ملازمة المسكن حق واجب للزوج فلا تتركه لفضيلة. وقال الوزير الذي أرى حضورهن الجماعات وأنهن يكن في أواخر الصفوف من الرجال على ما جاءت به الأحاديث ومضى عليه زمان المصطفى – ﷺ والصدر الأول وغير مكروه بل مسنون. وقال اتفقوا على أنه يكره للشواب منهن حضور جماعات الرجال اهـ. وتسن لهن الجماعة منفردات عن الرجال وهو مذهب أحمد والشافعي لفعل عائشة وأم سلمة رواهما البيهقي وغيره ولأمر النبي – ﷺ لأم ورقة "أن تجعل لها مؤذنًا وأمرها أن تؤم أهل دارها" رواه الخمسة. ولأنهن من أهل الفرض فيدخلن في عموم الخبر المتقدم. قال ابن القيم لو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله "تفضل صلاة الجماعة" الحديث لكفى وهو قول ابن عمر وابن عباس ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. (وعن أبي موسى) الأشعري واسمه عبد الله بن قيس مشهور باسمه وكنيته استعمله النبي – ﷺ على بعض اليمن توفي بالكوفة وقيل بمكة سنة خمسين (مرفوعًا "الإثنان فما فوقهما جماعة" رواه ابن ماجه وفيه ضعف) وللبيهقي من حديث أنس

стр. 346

نحوه وفيه ضعف أيضًا ولأن الجماعة مأخوذة من الاجتماع والإثنان أقل ما يتحقق به الجمع. والحديثان وإن كان فيهما ضعف ففي الصحيحين "وليؤمكما أكبركما" وفيهما عن ابن عباس فقمت عن يساره "فأقامني عن يمينه" وقال ﵊ "من يتصدق على هذا" فقام رجل فصلى معه فقال: "هذان جماعة" رواه أحمد وغيره. وقال الوزير أجمعوا على أن أقل الجمع الذي تنعقد به صلاة الجماعة في الفرض غير الجمعة إثنان إمام ومأموم قائم عن يمنه وحكاه النووي إجماع المسلمين. (وعن أبي مسعود) البدري وهو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري مشهور بكنيته توفي سنة أربعين ﵁ (أن رسول الله – ﷺ قال لا يؤمن الرجل الرجل) في بيته ولا (في سلطانه) محل ولايته ومظهر سلطانه أو فيما يملكه وليس له ذلك (إلا بإذنه رواه مسلم) قال النووي معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره، وعن ابن مسعود من السنة أن يتقدم صاحب البيت. فإمام المسجد الراتب أولى ولقوله "من زار قومًا فلا يؤمهم" ولعمومات كثيرة. وقال الخطابي معناه أن صاحب المنزل أولى بالإمامة في بيته إذا كان من القراءة أو العلم بمحل يمكنه أن يقيم الصلاة ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقه منه قال في المبدع بغير خلاف نعلمه. وأتى ابن عمر أرضًا له فيها مولى له

стр. 347

فصلى معهم وقال صاحب المسجد: أحق رواه البيهقي بسند جيد. وإن كان إمام المسجد عن ولاية سلطان أو عامله فهو داخل في حكم السلطان أو كان إمام المسجد باتفاق من أهل المسجد فهو أحق لأنها ولاية خاصة ولأن التقدم عليه يسيء الظن به وينفر عنه وتبطل فائدة اختصاصه بالتقدم فيحرم تقديم غيرهما عليهما بدون إذن. ولهما تقديم غيرهما ولا يكره بل يستحب إن كان أفضل منهما وتصح بلا نزاع ويقدم عليهما ذو السلطان لأن له الولاية العامة. ثم نوابه كالقاضي وكل سلطان أولى من جميع نوابه. وإن تأخر إمام عن وقته المعتاد وظن حضوره أرسل إليه إن أمكن فإن ضاق الوقت صلوا لفعل الصديق وعبد الرحمن بن عوف ﵄ حين غاب النبي ﷺ ، وقال: "أحسنتم" متفق عليهما. وكذا إن ظن حضوره والمعروف عنه أنه لا يكره صلوا لأنهم معذورون وقد أسقط حقه بالتأخير ولأن تأخره عن وقته المعتاد يغلب على الظن وجود عذر له. وإن بعد محله أو لم يظن حضوره صلوا لإسقاط حقه. (وله عن أبي ذر مرفوعًا صل الصلاة لوقتها) وذلك أنه قال له: "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة أو يؤخرون الصلاة عن وقتها قلت فما تأمرني قال صل الصلاة لوقتها" (فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة) وفي رواية "ولا تقل إني صليت فلا أصلي" وفي رواية "فإن أقيمت الصلاة

стр. 348

وأنت في المسجد فصل" ففيه مشروعية الدخول في الصلاة معهم. وتقدم حديث يزيد "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة". ولأحمد من حديث محجن قال أتيت النبي – ﷺ وهو في المسجد فحضرت الصلاة "فصلى يعني ولم أصل فقال لي ألا صليت فقلت يا رسول الله إني قد صليت في الرحل ثم أتيتك قال فإذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة" وللدارقطني "إذا دخلت مسجدًا فصل مع الناس وإن كنت قد صليت فحضور الجماعة سبب للإعادة، فيسن أن يعيدها سواء كانت وقت نهي أولا لظاهر الأحاديث ولئلا يكون قعوده والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به وأنه ليس من المصلين. وأما قصد الإعادة فمنهي عنه إذ لو كان مشروعًا لأمكن أن تصلي الصلاة الواحدة مرات. قال الشيخ ولا ريب في كراهته ولأنه غير مشروع تتبع المساجد للإعادة ولا يعيد من بالمسجد وغيره بلا سبب. وليس للإمام إعادة الصلاة مرتين ويجعل الثانية عن فائتة أو غيرها والأئمة متفقون على أنه بدعة إلا لعذر مثل صلاة خوف ونحوه. ولأحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" فلا يجوز للرجل أن يصلي صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ منها. فيعيدها. من غير سبب على جهة الفرض. وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة

стр. 349

اقتداء بالنبي – ﷺ في أمره بذلك فليس من إعادة الصلاة في يوم مرتين لأن الأولى فريضة والثانية نافلة فلا إعادة حينئذ. ولأحمد وغيره أنه – ﷺ قال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه" فقام رجل من القوم. ولابن أبي شيبة أنه أبو بكر فصلى معه. (وله عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة") وفي لفظ "إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة" فلا يجوز أن يشرع في نفل مطلقًا ولا راتبة من سنة فجر أو غيرها في المسجد أو غيره إذا أقيمت الصلاة ولو ببيته لعموم الخبر. قال الشيخ وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها بتحية المسجد ولكن تنازعوا في سنة الفجر والصواب أنه إذا سمع الإقامة فلا يصلي السنة لا في بيته ولا في غير بيته. وفي الصحيحين أنه رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف لاث به الناس فقال – ﷺ "الصبح أربعًا الصبح أربعًا" وفيهما أنه قال: "يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا" ولمسلم "بأي الصلاتين اعتددت بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا" وكان عمر يضرب على الصلاة بعد الإقامة وصح عن ابنه أنه كان يحصب من يشتغل في المسجد بعد الشروع في الإقامة. وقال ابن حزم من كان حاضرًا لإقامة الصلاة فترك الدخول مع الإمام أو اشتغل بقراءة قرآن أو بذكر الله أو بابتداء

стр. 350

تطوع فلا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أنه عاص لله تعالى متلاعب بالصلاة. قال النووي والحكمة أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة. ونهى النبي – ﷺ عن الاختلاف على الأئمة فلا تنعقد نافلة بعد إقامة الفريضة التي يريد أن يفعلها مع ذلك الإمام الذي أقيمت له. وإن لم يرد أن يفعلها معه انعقدت كما لو أقيمت بمسجد لا يريد الصلاة فيه. وأما قضاء الفائتة فتجب مع سعة الوقت. وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها خفيفة إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها لأن الفرض أهم. (وعنه) أي: أبي هريرة قال: (قال رسول الله – ﷺ : من "أدرك ركعة من الصلاة") يعني مع الجماعة (فقد أدرك الصلاة" متفق عليه) ولأبي داود "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها ركوعًا ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" واختار شيخ الإسلام وغيره أنها لا تدرك الجماعة إلا بركعة وقال إذا أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك الجماعة وإن أدرك أقل من ركعة فله بنيتة أجر الجماعة ولا يعتدله به وإنما يفعله متابعة لإمامه. وإن قصد الجماعة ووجدهم قد صلوا كان له أجر من صلى في الجماعة كما وردت به السنة عن النبي ﷺ وفي السنن

стр. 351

فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة. وكما في الصحيح فيمن حبسهم العذر عن الجهاد وغير ذلك فالمعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح إذا كانت نيته أن يفعل وقد عمل ما يقدر عليه. ويستحب أن يصلي في جماعة أخرى إذا فاتته فإن لم يجد استحب لبعضهم أن يصلي معه لقوله ﵊ "من يتصدق على هذا" بل يجب على من فاتته الجماعة ولم يجد من يصلي معه قصد مسجد آخر إن أمكن لأجل الجماعة. (ولهما عنه فما أدركتم) أي إذا فعلتم ما أمرتكم به من ترك الإسراع ونحوه وقد تقدم (فصلوا) فدل على أن فضيلة الجماعة يدركها ولو دخل مع الإمام في أي جزء من أجزاء الصلاة ولو أقل من ركعة وهو قول الجمهور وفيه صحة الدخول معه على أي حالة أدركه عليها (وما فاتكم فأتموا) أي أكملوا وهذه رواية الجمهور. وفي رواية "فاقضوا". والقضاء في الأصل بمعنى الأداء. وقال الحافظ أكثر الروايات ورد بلفظ "فأتموا"، وأقلها بلفظ "فاقضوا"، والقضاء. يطلق على الأداء كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ﴾. ومخرج الحديث واحد فيحمل اقضوا على معنى الأداء والفراغ ولا يغاير فأتموا فلا حجة لمن تمسك برواية فاقضوا على أن ما

стр. 352

أدرك مع الإمام هو آخر صلاته حتى يستحب له الجهر في الركعتين الأخريين وقراءة السورة بل هو أولها. وإن كان آخر صلاة إمامه لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه. وفي الصحيحين عن المغيرة في صلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس فلما سلم "قام رسول الله – ﷺ يتم صلاته فلما قضاها أقبل عليهم وقال أحسنتم" وللبيهقي عن علي ما أدركت مع الإمام هو أول صلاتك وهذا مذهب الشافعي ورواية عن مالك وأحمد. قال الشافعي هو أولها حكمًا ومشاهدة وهو مقتضى الأمر بمتابعة الإمام والائتمام. وقال ابن عمر يكبر فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته وهو قول طائفة من الصحابة فيستفتح ويستعيذ فيما يدرك. وأجمعوا على تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وعلى التشهد الأخير في آخر صلاته ولا يحتسب له بتشهد الإمام الأخير لا من أول صلاته ولا من آخرها إلا أنه يأتي فيه بالتشهد الأول فقط. ولو أدرك ركعة من المغرب تشهد عقب الركعة الأولى من القضاء. ولا يسردها إجماعًا لئلا يغير هيئة الصلاة. وهذا أوضح دليل على أن ما أدرك المؤتم مع الإمام أول صلاته. وأنه يقضي ما فاته على الهيئة المشروعة. (وللبخاري عن أبي بكرة أنه ركع دون الصف) ولفظه أنه انتهى إلى النبي – ﷺ وهو راكع. فركع قبل أن يصل إلى

стр. 353

الصف فذكر ذلك للنبي – ﷺ وفي رواية أنه دخل المسجد. وللطبراني فانطلق يسعى وللطحاوي وقد حفزه النفس. وللطبراني فلما انصرف قال رسول الله – ﷺ "أيكم دخل الصف وهو راكع" فذكر ذلك لرسول الله – ﷺ (فقال النبي – ﷺ زادك الله حرصًا) أي على الخير (ولا تعد) بضم العين أي إلى ما صنعت من السعي الشديد. ثم الركوع دون الصف. ثم من المشي إلى الصف كما ورد صريحًا في طرقه. ولم يأمره بإعادة الركعة فدل على أن المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع قبل رفع رأسه منه دخل معه في الركعة واجتزأ بها ولا يضره سبق الإمام له بالقراءة لعدم وجوب القراءة عليه حينئذ حكاه شيخ الإسلام وجماعة من الحنفية وغيرهم إجماعًا. وعليه عمل الأمة من الصحابة والتابعين لا يعرف عن السلف خلاف في ذلك ولأنه لم يفته من الأركان غير القيام. وهو يأتي به مع التكبيرة ثم يدرك مع الإمام بقية الركعة. وأيضًا فلابن خزيمة من حديث أبي هريرة "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها" وعمومات أحاديث أخر احتج بها الفقهاء وفهموا منها صحة ركعة المأموم إذا ركع مع إمامه قبل أن يرفع صلبه وكان أمرًا مشهورًا عند الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين لم يأمر أحدًا منهم بإعادة صلاة من أدرك إمامه.

стр. 354

مع أن هذه المسألة من أشهر مسائل الدين ووقوعها يتكرر بين أظهر المسلمين وفهمه أبو بكرة وسائر الصحابة والتابعين فإنه لو لم يكن متقررًا عندهم أن مدرك الركوع مع الإمام مدرك للركعة لم يوجد هذا الإسراع منهم إذ لو قد علموا أن الركعة تفوت بفوات قراءة الفاتحة لم يسرعوا هذا الإسراع الذي نهاهم النبي ﷺ عنه وهذا أمر معلوم مدرك الحس. ويجزئ من ذلك إذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء قبل أن يزول الإمام عنه وحكى ابن العربي وغيره الإجماع عليه وقال الزين العراقي: مذاهب الأئمة الأربعة –وعليه الناس قديمًا وحديثًا- إدراك الركعة بإدراك الركوع بأن يلتقي هو وإمامه في حد أقل الركوع حتى لو كان في الهوى والإمام في الارتفاع وقد بلغ هويه حد أقل الركوع قبل أن يرفع الإمام عنه، وإن لم يلتقيا فيه فلا اهـ. ويأتي بالتكبيرة كلها قائمًا ولو لم يطمئن ثم يطمئن ويتابع إمامه وتجزئه التحريمة عن تكبيرة الركوع. روي عن زيد وابن عمر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل واحد فأجزأ الركن عن الواجب كنظائره. والأفضل بتكبيرتين خروجًا من خلاف من أوجبه. ولو ترك تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وهو ذاكر للإحرام متعمد لما أجزأته صلاته لتركه تكبيرة الإحرام حكاه ابن رشد إجماعًا

стр. 355

وإن لم ينو شيئًا انعقدت فرضًا صححه النووي وغيره. ودل على استحباب موافقة الداخل للإمام على أي حال وجده عليها. وفي سنن سعيد بن منصور "من وجدني قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فليكن معي على الحال التي أنا عليها" وعن أبي هريرة وغيره" إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا" ويكبر لوجوبه لكل انتقال يعتد به المصلي. (وعن جابر أن رسول الله – ﷺ قال من كان له إمام) يأتم به في الصلاة (فقراءته له قراءة رواه أحمد) قال في شرح المقنع بإسناد صحيح متصل رجاله كلهم ثقات. قال الحافظ هو مشهور من حديث جابر وله طرق ورواه سعيد بن منصور والدارقطني مرسلاً. قال الشيخ وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين. ومرسله من أكابرهم ومثله يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، اهـ. ورواه الحافظ أحمد بن منيع وعبد بن حميد وأبو حنيفة وغيره من طرق مرفوعة صحيحة. رفعه سفيان وشريك وجرير وأبو الزهير وغيرهم ورواه مالك عن جابر موقوفًا وثبت عن عشرة من أصحاب النبي – ﷺ النهي عن القراءة خلف الإمام. وحكي إجماعًا ولعله سكوتي فإنه لما ثبت عن عشرة منهم الخلفاء ولم يثبت رد أحد عليهم عند توفر الصحابة كان إجماعًا.
следующие страницы →