← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فيمن تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد يدرك الجماعة فوجدها قد فاتت أنه يكتب له أجر صلاة الجماعة. وكما في الصحيح فيمن حبسهم العذر عن الجهاد وغير ذلك فالمعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح إذا كانت نيته أن يفعل وقد عمل ما يقدر عليه. ويستحب أن يصلي في جماعة أخرى إذا فاتته فإن لم يجد استحب لبعضهم أن يصلي معه لقوله ﵊ "من يتصدق على هذا" بل يجب على من فاتته الجماعة ولم يجد من يصلي معه قصد مسجد آخر إن أمكن لأجل الجماعة. (ولهما عنه فما أدركتم) أي إذا فعلتم ما أمرتكم به من ترك الإسراع ونحوه وقد تقدم (فصلوا) فدل على أن فضيلة الجماعة يدركها ولو دخل مع الإمام في أي جزء من أجزاء الصلاة ولو أقل من ركعة وهو قول الجمهور وفيه صحة الدخول معه على أي حالة أدركه عليها (وما فاتكم فأتموا) أي أكملوا وهذه رواية الجمهور. وفي رواية "فاقضوا". والقضاء في الأصل بمعنى الأداء. وقال الحافظ أكثر الروايات ورد بلفظ "فأتموا"، وأقلها بلفظ "فاقضوا"، والقضاء. يطلق على الأداء كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ﴾. ومخرج الحديث واحد فيحمل اقضوا على معنى الأداء والفراغ ولا يغاير فأتموا فلا حجة لمن تمسك برواية فاقضوا على أن ما

стр. 352

أدرك مع الإمام هو آخر صلاته حتى يستحب له الجهر في الركعتين الأخريين وقراءة السورة بل هو أولها. وإن كان آخر صلاة إمامه لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه. وفي الصحيحين عن المغيرة في صلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس فلما سلم "قام رسول الله – ﷺ يتم صلاته فلما قضاها أقبل عليهم وقال أحسنتم" وللبيهقي عن علي ما أدركت مع الإمام هو أول صلاتك وهذا مذهب الشافعي ورواية عن مالك وأحمد. قال الشافعي هو أولها حكمًا ومشاهدة وهو مقتضى الأمر بمتابعة الإمام والائتمام. وقال ابن عمر يكبر فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته وهو قول طائفة من الصحابة فيستفتح ويستعيذ فيما يدرك. وأجمعوا على تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وعلى التشهد الأخير في آخر صلاته ولا يحتسب له بتشهد الإمام الأخير لا من أول صلاته ولا من آخرها إلا أنه يأتي فيه بالتشهد الأول فقط. ولو أدرك ركعة من المغرب تشهد عقب الركعة الأولى من القضاء. ولا يسردها إجماعًا لئلا يغير هيئة الصلاة. وهذا أوضح دليل على أن ما أدرك المؤتم مع الإمام أول صلاته. وأنه يقضي ما فاته على الهيئة المشروعة. (وللبخاري عن أبي بكرة أنه ركع دون الصف) ولفظه أنه انتهى إلى النبي – ﷺ وهو راكع. فركع قبل أن يصل إلى

стр. 353

الصف فذكر ذلك للنبي – ﷺ وفي رواية أنه دخل المسجد. وللطبراني فانطلق يسعى وللطحاوي وقد حفزه النفس. وللطبراني فلما انصرف قال رسول الله – ﷺ "أيكم دخل الصف وهو راكع" فذكر ذلك لرسول الله – ﷺ (فقال النبي – ﷺ زادك الله حرصًا) أي على الخير (ولا تعد) بضم العين أي إلى ما صنعت من السعي الشديد. ثم الركوع دون الصف. ثم من المشي إلى الصف كما ورد صريحًا في طرقه. ولم يأمره بإعادة الركعة فدل على أن المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع قبل رفع رأسه منه دخل معه في الركعة واجتزأ بها ولا يضره سبق الإمام له بالقراءة لعدم وجوب القراءة عليه حينئذ حكاه شيخ الإسلام وجماعة من الحنفية وغيرهم إجماعًا. وعليه عمل الأمة من الصحابة والتابعين لا يعرف عن السلف خلاف في ذلك ولأنه لم يفته من الأركان غير القيام. وهو يأتي به مع التكبيرة ثم يدرك مع الإمام بقية الركعة. وأيضًا فلابن خزيمة من حديث أبي هريرة "من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها" وعمومات أحاديث أخر احتج بها الفقهاء وفهموا منها صحة ركعة المأموم إذا ركع مع إمامه قبل أن يرفع صلبه وكان أمرًا مشهورًا عند الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين لم يأمر أحدًا منهم بإعادة صلاة من أدرك إمامه.

стр. 354

مع أن هذه المسألة من أشهر مسائل الدين ووقوعها يتكرر بين أظهر المسلمين وفهمه أبو بكرة وسائر الصحابة والتابعين فإنه لو لم يكن متقررًا عندهم أن مدرك الركوع مع الإمام مدرك للركعة لم يوجد هذا الإسراع منهم إذ لو قد علموا أن الركعة تفوت بفوات قراءة الفاتحة لم يسرعوا هذا الإسراع الذي نهاهم النبي ﷺ عنه وهذا أمر معلوم مدرك الحس. ويجزئ من ذلك إذا اجتمع مع الإمام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الإجزاء قبل أن يزول الإمام عنه وحكى ابن العربي وغيره الإجماع عليه وقال الزين العراقي: مذاهب الأئمة الأربعة –وعليه الناس قديمًا وحديثًا- إدراك الركعة بإدراك الركوع بأن يلتقي هو وإمامه في حد أقل الركوع حتى لو كان في الهوى والإمام في الارتفاع وقد بلغ هويه حد أقل الركوع قبل أن يرفع الإمام عنه، وإن لم يلتقيا فيه فلا اهـ. ويأتي بالتكبيرة كلها قائمًا ولو لم يطمئن ثم يطمئن ويتابع إمامه وتجزئه التحريمة عن تكبيرة الركوع. روي عن زيد وابن عمر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. ولأنه اجتمع عبادتان من جنس واحد في محل واحد فأجزأ الركن عن الواجب كنظائره. والأفضل بتكبيرتين خروجًا من خلاف من أوجبه. ولو ترك تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وهو ذاكر للإحرام متعمد لما أجزأته صلاته لتركه تكبيرة الإحرام حكاه ابن رشد إجماعًا

стр. 355

وإن لم ينو شيئًا انعقدت فرضًا صححه النووي وغيره. ودل على استحباب موافقة الداخل للإمام على أي حال وجده عليها. وفي سنن سعيد بن منصور "من وجدني قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فليكن معي على الحال التي أنا عليها" وعن أبي هريرة وغيره" إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا" ويكبر لوجوبه لكل انتقال يعتد به المصلي. (وعن جابر أن رسول الله – ﷺ قال من كان له إمام) يأتم به في الصلاة (فقراءته له قراءة رواه أحمد) قال في شرح المقنع بإسناد صحيح متصل رجاله كلهم ثقات. قال الحافظ هو مشهور من حديث جابر وله طرق ورواه سعيد بن منصور والدارقطني مرسلاً. قال الشيخ وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين. ومرسله من أكابرهم ومثله يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، اهـ. ورواه الحافظ أحمد بن منيع وعبد بن حميد وأبو حنيفة وغيره من طرق مرفوعة صحيحة. رفعه سفيان وشريك وجرير وأبو الزهير وغيرهم ورواه مالك عن جابر موقوفًا وثبت عن عشرة من أصحاب النبي – ﷺ النهي عن القراءة خلف الإمام. وحكي إجماعًا ولعله سكوتي فإنه لما ثبت عن عشرة منهم الخلفاء ولم يثبت رد أحد عليهم عند توفر الصحابة كان إجماعًا.

стр. 356

وقال الشعبي أدركت سبعين بدريًا كلهم يمنعون المأموم عن القراءة خلف الإمام. وروي عن ثمانين كلهم يشددون في النهي عن القراءة خلف الإمام. وقال ابن مسعود لا أعلم في السنة القراءة خلف الإمام. وقال بلال لا تسبقني بآمين. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله – ﷺ : "ما لي أنازع القرآن" قال: فانتهى الناس أن يقرؤا فيما يجهر فيه النبي – ﷺ وهو من مقابلة الخاص بالعام وقد توافرت فيه آثار الصحابة والتابعين. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ وهذا أيضًا نص في وجوب الاستماع والإنصات علل به حصول الرحمة وقال غير واحد من الصحابة والتابعين. إنها نزلت في القراءة خلف الإمام. وقال أحمد أجمع أهل العلم على أن هذه الآية في الصلاة. وفي الصحيح: "وإذا قرأ فأنصتوا" وغير ذلك من عمومات الكتاب والسنة الدالة على وجوب الإنصات والاستماع والإنصات هو السكوت والاستماع هو الإصغاء. قال شيخ الإسلام وهو إجماع الأمة فيما زاد على الفاتحة وقول جماهير السلف فيها وغيرها. وقال القراءة مع جهر الإمام منكر مخالف للكتاب والسنة وما عليه الصحابة. وعلى النهي عنه جمهور السلف والخلف وفي بطلان الصلاة به نزاع اهـ. ولم يجئ دليل بسكوت الإمام سكوتًا

стр. 357

يسع قراءة المأموم الفاتحة فأين الإنصات المأمور به وما تقدم من حديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" خص منه المدرك في الركوع إجماعًا فيجوز تخصيصه بالمأموم لأن القراءة ثبتت منه شرعًا فإن قراءة الإمام له قراءة. وقال أحمد وسفيان وغيرهما لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إذا كان وحده. وقال غير واحد إذا كان ضامنًا للصلاة إمامًا أو منفردًا يؤيده ما رواه مسلم وغيره "بفاتحة الكتاب فصاعدًا" ولأبي داود وغيره من حديث أبي سعيد "وما تيسر" ومن حديث أبي هريرة "وما زاد" وجاء "وبما شئت" أفيدل على وجوب قراءة ما زاد عليها. وقد أجمع أهل العلم على عدم وجوب ما زاد على الفاتحة فكذلك لا يدل على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم. ولو سلم فالمأموم يقرأ حكمًا ويقال أيضًا قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" ونحوه المراد به الإمام والمنفرد والمأموم أيضًا إذا أمكنه جمعًا بين الأخبار. والجمع مطلوب إذا أمكن عند العلماء وهذا أحوط لئلا يترك العمل بحديث رسول الله – ﷺ بغير سبب يوجب ترك العمل به إما نسخ أو غيره من الأسباب. مع أن قوله "إلا بفاتحة الكتاب" فيه ثلاث علل. فيه مكحول وهو يدلس. وقد اضطرب في إسناده وتفرد به محمود ابن الربيع وخالفهما من هو أثبت منهما. وما روي من طريق نافع

стр. 358

ابن محمود فقال الحافظ وغيره لا يحتج به. وإذًا فكالمردود. وقال ابن عبد البر وغيره ليس في هذا الباب ما لا مطعن فيه. ويدل على ضعفها أدلة أخر منها أن حديث المنازعة رواه أبو هريرة من غير استثناء وليس فيه أثر من الاستثناء مع أن كل واحد من الحديثين ورد في صلاة الصبح. وقد قال مالي أنازع القرآن فمجموع الأمرين يدل على اتحاد الواقعة. ومنها أن جمعًا من الصحابة اتفقوا على ترك القراءة خلف الإمام في الجهرية كما تقدم فلو كان ما روي عن عبادة في الاستثناء صحيحًا لا اشتهر بينهم لأن الواقعة كانت في جماعة من الصحابة في صلاة الصبح. ولكان مذهب عامتهم القراءة بها خلف الإمام في الجهرية كالسرية. ومنها أن هذه الزيادة لم يخرجها الشيخان مع أن البخاري كان حريصًا على إثبات القراءة خلف الإمام. وأما من زعم أنه صححه في جزء القراءة فليس بصحيح كما لا يخفى على من طالعه فيجب أن يرجح النص الصحيح من الأخبار. وقال الشيخ وإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة فقد أمر أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته وهو سفه تنزه عنه الشريعة كمن يتكلم والإمام يخطب. قال ابن كثير ولمنزلة مشروعية التأمين على قراءة الإمام فينزل بمنزلة قراءتها فإن قوله (قد أجيبت دعوتكما) على أن هارون أمن على دعاء موسى فنزل

стр. 359

منزلة من دعا فدل على أن من أمن على دعاء فكأنما قاله. ومما يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم أن الإنصات من تمام الائتمام فمن نازع إمامه لم يكن مؤتمًا. وقد ثبت النهي عن منازعة الإمام فلو قرأ عصى النهي وكان له قراءتان في صلاة واحدة وهذا غير مشروع. وإذا أخذت الأدلة من مواضع تفوت الحصر وهي مع ذلك مختلفة المساق لا ترجع إلى باب واحد إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه. وتكاثرت على الناظر عضد بعضها بعضًا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع. (وعن أبي هريرة: كان رسول الله – ﷺ إذا كبر للصلاة) أي تكبيرة الإحرام (سكت هنيهة) أي سكتة لطيفة (قبل القراءة) والمراد عن الجهر لا عن مطلق القول قال: (فسألته) عن سكوته ما يقول فيه (فقال أقول "اللهم باعد بيني وبين خطاياي" الحديث متفق عليه) ولمسلم أرأيت سكوتك وتقدم أن حديث عمر أولى الاستفتاحات وقال شيخ الإسلام الأفضل أن يستفتح حال سكوته وهو أفضل من قراءته في ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما لأن القراءة يعتاض عنها بخلاف الاستفتاح. وقال وما ذكره ابن الجوزي أن قراءة المأموم وقت مخافتة الإمام أفضل من استفتاحه غلط. بل قول أحمد وأكثر أصحابه

стр. 360

الاستفتاح أولى. لأن الاستماع بدل من قراءته. ولأبي داود وغيره عن الحسن عن سمرة أنه حفظ عنه سكتتين سكتة إذا كبر يعني في الركعة الأولى. وهذه يشهد لها النصوص الصحيحة الدالة على سكوته – ﷺ بعد التحريم للاستفتاح. وسكتة بعد الفراغ من قراءة الفاتحة وهو مذهب الشافعي وأحمد. قال ابن القيم وغيره قيل إنها لأجل قراءة المأموم فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة المأموم الفاتحة. وقال مالك وأصحاب الرأي مكروهة وقال المجد والشيخ وغيرهما: هما سكتتان على سبيل الاستحباب إحداها تختص بأول ركعة للاستفتاح والثانية سكتة يسيرة بعد القراءة كلها ليرتد إليه نفسه لا لقراءة الفاتحة خلفه ولم ينقل عنه ﵊ أنه كان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة ولا عن الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرؤونها. ولو كان يسكت سكوتًا يسع قراءة الفاتحة لنقل كما نقل غيره مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله. ولو كان مشروعًا لكانوا أحق الناس بعلمه. فعلم أنه بدعة والسكتتان اللتان جاءت بهما السنة الأولى بعد التكبير للاستفتاح ثبت سكوته في ذلك في الصحيح وغيره. وفي السنن "أنه كان له سكتتان سكتة في أول القراءة وسكتة بعد القراءة وهي لطيفة للفصل لا تتسع لقراءة الفاتحة. ولم يقل أحد أنه كان له ثلاث سكتات فمن نقلها فقد قال قولاً

стр. 361

لم ينقله أحد من المسلمين. والسكتة التي عند قوله ولا الضالين من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي. ومثل هذا لا يسمى سكوتًا. وإن كان لا يسمع لبعد أو صمم أو كان يسمع همهمة الإمام ولا يفقه ما يقول فالأظهر أنه يقرأ لأن الأفضل أن يكون إما مستمعًا وإما قارئًا وهذا ليس بمستمع ولا يحصل له مقصود السماع فقراءته أفضل من سكوته وقال: المصلي إما أن يكون مستمعًا وإما قارئًا وجميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها سرًا يشرع للمأموم أن يقولها سرًا. ومعلوم أن القرآ، أفضل من الذكر والدعاء وجاء الأمر بذلك في الكتاب والسنة. والأمر متناول الإمام والمأموم والمنفرد. والسكوت بلا ذكر ولا دعاء ولا قراءة ليس عبادة. وقال النووي وغيره لا يسكت في صلاته إلا في حال استماعه لقراءة إمامه فلو سكت في قيامه أو ركوعه أو سجوده أو قعوده يسيرًا لم تبطل فإن سكت طويلاً لعذر بأن نسي شيئًا فسكت ليتذكره لم تبطل وهو قول الجمهور وإن سكت طويلاً لغير عذر ففي بطلانها خلاف. (ولهما عنه أن رسول الله ﷺ قال إنما جعل الإمام ليؤتم به) قد نقل الاتفاق على إفادة إنما للحصر وقصر المأموم على الاتصاف بكونه مؤتمًا بالإمام لا يتجاوزه إلى مخالفته وأكده بقوله: (فلا تختلفوا عليه) فيجب الاقتداء به والاتباع له ومن شأن

стр. 362

التابع أن لا يتقدم على المتبوع ومقتضى ذلك أنه لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها ولا في غيرها مما ينقاس عليها بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله. (فإذا كبر) أي للإحرام أو النقل (فكبروا) ولأحمد وأبي داود، ولا تكبروا حتى يكبر، زاده تأكيدًا لما أفاده مفهوم الشرط من أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه. وكذلك الركوع والرفع منه والسجود (وإذا ركع فاركعوا) ولا تركعوا حتى يركع أي حتى يأخذ في الركوع. (وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد)، وتقدم وللبخاري عن أنس "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تركعوا حتى يركع ولا ترفعوا حتى يرفع" (وإذا سجد) أي أخذ في السجود (فاسجدوا) "ولا تسجدوا حتى يسجد" وفي الصحيحين عنه "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول الله صورته حمار". قال شيخ الإسلام وهذا لأن المؤتم متبع لإمامه مقتد به والتابع المقتدي لا يتقدم على متبوعه وقدوته فإذا تقدم عليه. كان كالحمار الذي لا يفقه ما يراد بعلمه ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير وللبزار عنه الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان" ولمسلم عن أنس "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف"، ولما رأى عمر رجلاً

стр. 363

يسابق الإمام ضربه وقال لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت. ولمسلم عن البراء "وإذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله ﷺ ساجدًا ثم نقع سجودًا بعده". فيستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه في قول أكثر أهل العلم للأخبار ونقل الخلف عن السلف. وإن كبر معه للإحرام لم تنعقد، وهو مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم لأن شرطه أن يأتي بها بعد إمامه وهو عنوان الاقتداء به. وإن قارنه في غيرها لم تبطل باتفاق العلماء لكن يكره وتفوته فضيلة الجماعة. وأما مسابقة الإمام فقال شيخ الإسلام حرام باتفاق الأئمة لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه ولا يرفع قبله ولا يسجد قبله. وقد استفاضت الأحاديث عن النبي – ﷺ بالنهي عن ذلك. وقال النووي الجمهور أنها تصح مع الإثم ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرجع ليأتي به بعده فإن لم يفعل عمدًا بطلت صلاته لتركه الواجب عمدًا. وسهوًا تصح. قال شيخ الإسلام لكن يتخلف عنه بقدر ما سبق به الإمام كما أمر بذلك أصحاب رسول الله – ﷺ وإن ركع ورفع قبل إمامه بطلت الركعة فقط إن لم يأت بها مع الإمام كما لو لم يدركه، وتصح صلاته للجهل أو النسيان. قال في الإنصاف بلا

стр. 364

نزاع لخبر "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان" وكذا إن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه وأولى. ويصلي تلك الركعة قضاء. وأما إن ترك متابعته عمدًا فلا نزاع في بطلان صلاته حكاه صاحب المنتهى وغيره لما تقدم من النهي والتخلف عنه كالسبق فيما تقدم. قال الموفق وغيره فإن سبق الإمام المأموم بركن كامل مثل أن يركع ويرفع قبل ركوع المأموم لعذر من نعاس أو غفلة أو زحام أو عجلة إمام فإنه يفعل ما سبق به ويدرك إمامه ولا شيء عليه. لا نعلم فيه خلافًا والمراد أنه يفعل ما سبق به إذا أمن فوات الركعة الثانية، وإلا تبعه ولغت. والتي تليها عوض عنها ويقضي بدلها. (وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا) وجوبًا في الفرض مع القدرة إجماعًا (وإذا صلى قاعدًا) لعذر (فصلوا قعودًا أجمعون) بالرفع تأكيدًا لضمير الجمع. وفي رواية للبخاري بالنصب على الحال قال ابن عبد البر روي هذا من طرق متواترة عن النبي – ﷺ من حديث أنس وجابر وأبي هريرة وعائشة وغيرهم. وحكاه ابن حزم قول جمهور السلف وحكي إجماع الصحابة فيه وثبت عن أربعة بعد النبي – ﷺ قال ابن المنذر ولا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. والحكمة في ذلك سد الذريعة عن مشابهة الكفار حيث

стр. 365

يقومون على ملوكهم وهم قعود. ولأبي داود من حديث جابر "ولا تفعلوا كما تفعل أهل فارس بعظمائها" وفي الصحيحين وغيرهما أنه "صلى جالسًا والناس خلفه قيام" وذلك يوم السبت أو الأحد وتوفي يوم الاثنين. قال الخطابي وقد صلى قاعدًا والناس خلفه قيام. وادعى النسخ وحكى هو والنووي وابن دقيق وغيرهم صحتها خلفه قيامًا قول أكثر العلماء وذكره في الفروع اتفاقًا ولأنه الأصل ولم يأمر – ﷺ من صلى خلفه قائمًا بالإعادة. وجمع الإمام أحمد بين الأخبار فذهب إلى أن الإمام الراتب إذا ابتدأ الصلاة قائمًا لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته فإنه لم يأمرهم بالقعود لأنه ابتدأ صلاته قائمًا. وهذا لا نزاع فيه لأن القيام هو الأصل. فإذا بدأ به لزمه في جميعها إذا قدر عليه وهو بخلاف صلاته في مرضه الأول فإنه ابتدأ صلاته قاعدًا فأمرهم بالقعود فيجوز وأنكر دعوى النسخ وهو جمع حسن. وقال الشافعي: يستحب للإمام إذا لم يستطع القيام استخلاف من يصلي بالجماعة قائمًا كما استخلف النبي – ﷺ ولأن فيه خروجًا من خلاف من منع الاقتداء بالقاعد المرجو زوال علته. ولأن القائم أكمل وأقرب إلى كمال هيئات الصلاة. والنبي – ﷺ فعل الأمرين وكان الاستخلاف أكثر فدل

стр. 366

على فضيلته وأم قاعدًا في بعض الصلوات لبيان الجواز ولا تصح خلف عاجز عن الركوع وسجود وقعود إلا بمثله. (ولهما عنه مرفوعًا أيكم أم الناس) وفي لفظ "إذا أم أحدكم الناس" وفي لفظ "إذا صلى أحدكم بالناس (فليخفف" ولهما من حديث أبي مسعود: أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز (فإن فيهم الصغير والضعيف والكبير وذا الحاجة) وفي رواية "منهم". وفي رواية "خلفه" وهؤلاء يريدون التخفيف فيلاحظهم الإمام. وفي الصحيح أنه قال: "أفتان يا معاذ، إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها. وسبح اسم ربك، والليل إذ يغشى. فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". والحديث مروي بألفاظ كثيرة. ولأبي داود وغيره عن عثمان بن أبي العاص أن النبي – ﷺ قال: "أنت إمام قومك وأقدر القوم بأضعفهم" قال ﵊: "وإذا صلى وحده فليطول ما شاء" وفي لفظ "فليصل كيف شاء" مخففًا ومطولاً ولهما عن أنس "كان يكملها" وفي رواية "ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله – ﷺ " وقال ابن عمر "كان يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات" فالذي فعل هو الذي أمر به. وتقدم صفة صلاته ﷺ . فالتخفيف المأمور به أمر نسبي يرجع إلى ما فعله ﷺ ،

стр. 367

وواظب عليه لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن يأمر أمته بأمر ثم يخالفه. قال الحافظ، ومن سلك طريقة النبي – ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يشتكى منه تطويل. وقال اليعمري الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا كما شرع القصر. ومراده ما لم يؤثروا التطويل وعددهم ينحصر. وقال ابن عبد البر التخفيف للأئمة أمر مجمع عليه مندوب إليه عند العلماء لا خلاف في استحبابه على ما شرطنا من الإتمام. وقال شيخ الإسلام ليس له أن يزيد على القدر المشروع. وينبغي أن يفعل غالبًا ما كان النبي ﷺ يفعله غالبًا. ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص أحيانًا للمصلحة. ويلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه. وقال النووي قال العلماء واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال. وكان ﷺ يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول. وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه فيخفف. وفي وقت يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخفف. كما ثبت في الصحيح وغيره اهـ. ويسن تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية لخبر أبي قتادة وتقدم. وليلحقه القاصد إليها ما لم يشق على مأموم.

стр. 368

تتمة: الجن مكلفون في الجملة إجماعًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ فلذلك يدخل كافرهم النار إجماعًا ويدخل مؤمنهم الجنة لعموم الأخبار. قال الشيخ ونراهم في الآخرة ولا يرونا وتنعقد بهم الجماعة وهم موجودون في زمن النبوة وقبلها وليس منهم رسول. وقال ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد والحقيقة لكنهم شاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء. فصل الإمامة أي في أحكام الإمامة وفضلها مشهور. تولاها النبي ﷺ وخلفاؤه وهم لا يختارون إلا الأفضل وتقدم هل الأذان أفضل أو لا ورجح بعض أهل العلم أنها أفضل. وله أجر بذلك لما في الحديث "ثلاثة على كثبات المسك يوم القيامة رجل أم قومًا وهم له راضون" الحديث. وحديث "له من الأجر مثل من صلى خلفه" ويجوز طلبها لقوله يا رسول الله "اجعلني إمام قومي" وليس من طلب الرياسة المكروهة فإن ذلك مما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها ولا يستحق أن يعطاها. ويشهد له عموم قوله ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو (أن رسول الله ﷺ -

стр. 369

قال: يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله) أي أحسنهم قراءة على ما تقتضيه طبيعته من غير تكلف. أو أكثرهم حفظًا للقرآن. وفي الصحيح عن عمرو بن سلمة "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنًا" قال فقدموني وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكلهم من الصحابة. قال ابن حزم ولا نعلم لهم مخالفًا وهو قول الجمهور. وأم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنًا وأبو عمرو مولى عائشة. ولأبي داود من حديث ابن عباس "ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم" (فإن كانوا في القراءة سواء) أي استووا في القدر المعتبر منها إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها. وفي لفظ وإن كانت القراءة واحدة (فأعلمهم بالسنة) أي أفقههم في دين الله وتقديم الأقرأ على الأفقه مذهب أبي حنيفة وأحمد. وقال الحافظ لا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما تتعين معرفته من أحوال الصلاة. أما إذا كان جاهلاً فلا يقدم اتفاقًا اهـ. وكذلك لا يقدم أمي من عجز عن فرض القراءة إلا بمثله. لأنه بصدد تحمل القراءة عن المأموم. ولأن القراءة شرط فلم يصح اقتداء القادر عليها بالعاجز عنها كالطهارة. وتكره إمامة اللحان. والفأفاء. والتمتام. ومن لا يفصح ببعض الحروف. فإن اجتمع فقيهان قارئان وأحدهما أفقه أو أقرأ قدم الأقرأ من الفقيهين أو الأفقه منهما. ولو كان

стр. 370

أحد الفقيهين أفقه أو أعلم بأحكام الصلاة قدم. وذهب مالك والشافعي إلى أنه لو تعارض فضل القراءة وفضل الفقه قدم الأفقه لأن احتياج المصلي إلى الفقه أكثر من احتياجه إلى القراءة لأن ما يجب في الصلاة محصور وما يقع فيها من الحوادث غير محصور ولتقديم أبي بكر على من هو أقرأ منه كزيد وأبي. وقال الزركشي وغيره لا خلاف بين العلماء أنه يقدم بعد الأقرأ الأفقه ولو قدم الأفقه على الأقرأ جاز قال الموفق لا أعلم فيه خلافًا إذ الأمر فيه أمر إرشاد. وقال شيخ الإسلام إذا كان رجلان من أهل الديانة فأيهما كان أعلم بالكتاب والسنة وجب تقديمه على الآخر وكان ائتمامه به متعينًا. (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) أي سبقًا إلى دار الإسلام مسلمًا. والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وهي باقية إلى قيام الساعة وقوله "لا هجرة بعد الفتح" يعني من مكة بعد فتحها إذ ذاك حيث صارت دار إسلام. وإلا فالحكم يدور مع علته. قال شيخ الإسلام فقدم النبي ﷺ بالفضيلة بالعلم بالكتاب والسنة فإن استووا في العلم قدم بالسبق إلى العمل الصالح وقدم بالسابق باختياره وهو المهاجر على من سبق بخلق الله وهو الكبير السن. وقال في حديث "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فمن سبق إلى هجر السيئات بالتوبة منها فهو أقدم هجرة فيقدم في الإمامة.

стр. 371

(فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا) لأن كبر السن في الإسلام فضيلة يرجع إليها. وفي الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث "وليؤمكم أكبركم" وفي لفظ "أكبركما" ولمسلم وكانوا متقاربين في القراءة. ولأبي داود وكنا متقاربين في العلم. ولأنه أقرب إلى الخشوع وإجابة الدعاء. وفي رواية "سلمًا" أي إسلامًا فيكون من تقدم إسلامًا أولى ممن تأخر وهذا مع الاتفاق في الصفات المتقدمة. وقال بعض أهل العلم ثم يقدم الأشرف نسبًا وهو القرشي وتقدم بنو هاشم على سائر قريش لقربهم من رسول الله – ﷺ وقال شيخ الإسلام لا يقدم في الإمامة بالنسب، وهو قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد لقوله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ويجب تقديم من قدمه الله ورسوله، ولو كان بخلاف شرط الواقف. واختار هو وجمع تقديم الأتقى على الأشرف ويقدم الأورع والأعمر للمسجد لأن مقصود الصلاة هو الخضوع ورجاء إجابة الدعاء. والأتقى والأورع أقرب إلى ذلك. فإن استووا وتشاحوا أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة قدم فهو الأحق. (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه رواه مسلم) وفي لفظ "في أهله ولا سلطانه إلا بإذنه" إذا كان أهلاً للإمامة وإن كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقه منه وإن كان ذو سلطان قدم لعموم ولايته وتقدم، والحر أولى من العبد. والمقيم أولى

стр. 372

من المسافر. والبصير أولى من الأعمى. والمختون أولى من الأقلف والمتوضئ أولى من المتيمم. وقيل تكره إمامة غير الأولى بدون إذنه لحديث "إذا أم القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال" ذكره أحمد بعد قوله في رسالته. ومن الحق الواجب على المسلمين أن يقدموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه. (وللبخاري عن أبي هريرة مرفوعًا يصلون لكم) أي أئمتكم يصلون الصلاة لكم ولهم وإن كانوا أئمة جور قال شيخ الإسلام صلاة الفاسق صحيحة بلا نزاع (فإن أصابوا فلكم) أي ثواب صلاتكم ولهم ثواب صلاتهم (وإن أخطؤا) أي: ارتكبوا الخطيئة (فلكم) ثواب صلاتكم (وعليهم) خطؤهم. قال ابن المنذر هذا الحديث يرد على من زعم أن خطأ الإمام يؤثر في صلاة المأموم إذا أصاب. وقال المهلب فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه. وقيل لعثمان وهو محصور إنك إمام عامة ونزل بك ما ترى ويصلي بنا إمام فتنة ونتحرج. فقال إن الصلاة هي أحسن ما يعمل الناس. مراده الصلاة الصحيحة، فإذا أحسنوا فأحسن معهم أي لا يضرك كونه مفتونًا بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه وإن أساؤوا فاجتنب

стр. 373

إساءتهم وقال الحسن صل وعليه بدعته. وفي صحيح مسلم وغيره "كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة قال: فما تأمرني قال: صل الصلاة لوقتها. فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة" وتقدم فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة لأنهم أخروها عن وقتها وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورًا بالصلاة معهم فريضة. قال شيخ الإسلام وكذا عموم أحاديث الجماعة من غير فرق. والأصل أن من صحت صلاته صحت إمامته. وعن مكحول عن أبي هريرة مرفوعًا "الصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًا كان أو فاجرًا" رواه أبو داود وغيره. وعن عبد الكريم البكاء قال: أدركت عشرة من أصحاب رسول الله – ﷺ كلهم يصلون خلف أئمة الجور. رواه البخاري في تأريخه. وإن كان عبد الكريم لا يحتج بروايته فقد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًا. ولا يبعد أن يكون قوليًا على الصلاة خلف الجائرين. فثبت عن ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما أنهم صلوا خلف المختار. والحجاج، ومروان وغيرهم، وأجمعوا هم وتابعوهم عليه لأن أئمة تلك الأعصار في كل بلد: هم الأمراء وحالهم لا تخفى. قال النووي وغيره هو مذهب جمهور أهل العلم. وقال

стр. 374

الشيخ تصلى خلفهم جماعة فإن الصلاة في جماعة خير من صلاة الرجل وحده وإن كان الإمام فاسقًا. هذا مذهب جماهير العلماء أحمد والشافعي وغيرهما. بل الجماعة واجبة على الأعيان في ظاهر مذهب أحمد. ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة. والصحيح أنه يصلي ولا يعيد فإن الصحابة كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون. والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة. فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته وإنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر والنهي واجب. ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورًا لا يرتب إمامًا للمسلمين فإنه يستحق التعزير حتى يتوب. وقال التحقيق أن الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في نفسها لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين اهـ، وما روي عن جابر "ولا يؤمن فاجر مسلمًا" فواه ولا يوجب بطلان الصلاة وأما كون الصلاة خلفه مكروهة فلا نزاع في ذلك. وقال الشيخ الصلاة خلفه منهي عنها بإجماع المسلمين وقال الماوردي يحرم على الإمام نصب الفاسق إمامًا للصلوات لأنه مأمور بمراعاة المصالح وليس منها أن يوقع الناس في صلاة مكروهة، فلو صلى خلف من يعلم أنه فاسق أو مبتدع

стр. 375

ففي صحة صلاته قولان مشهوران في مذهب أحمد ومالك. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة الصحة. وقال الحارثي يجب أن يولى في الوظائف وإمامة المساجد الأحق شرعًا. وليس للناس أن يولى عليهم الفساق وقال الشيخ في موضع لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع مع القدرة. وأما الجمعة والعيد فتصح للضرورة عند عامة السلف والخلف وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. ولهذا قالوا في العقائد تصح الجمعة والعيد خلف كل إمام برًا كان أو فاجرًا. وأما الكافر أصليًا كان أو مرتدًا وسواء كان كفره ببدعة أو غيرها ولو أسره فلا تصح خلفه. كما أنها لا تصح صلاته لنفسه ولكن لا يحكم بكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر مخالفها. والأفعال والأقوال في ذلك سواء. فقد يكون لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها. وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها وتصح خلف من لا يعرفه بكفر لأن الأصل في المسلمين السلامة. وقال ويجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم. وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقده بل يصلي خلف مستور الحال.

стр. 376

وتصح خلف المخالف في الفروع كما يرى صحة النكاح بغير ولي أو شهادة لفعل الصحابة ومن بعدهم. قال المجد من قال لا تصح خلفه فقد خرق إجماع من تقدم من الصحابة فمن بعدهم. وقال شيخ الإسلام تجوز صلاة أهل المذاهب بعضهم خلف بعض كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم يصلي بعضهم خلف بعض مع تنازعهم فيمن تقيأ أو مس ذكره ونحوه أو لم يتشهد أو لم يسلم ونحوه. والمأموم يعتقد وجوب ذلك. ولم يقل أحد من السلف أنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. وكل ما لا يقطع فيه بخطأ المخالف. وأما ما يقطع فيه بخطأ المخالف فتحرم. وهو الذي تدل عليه السنة والآثار وقياس الأصول. وقال اتفق المسلمون على أن من ترك الأركان المتفق عليها لم يصل خلفه. وقال الآجري وغيره إجماعًا لأمره ﵊ تارك الطمأنينة بالإعادة قاله البغوي وغيره. وفي الحديث دليل على أنه إذا صلى بقومه محدثًا أنها تصلح صلاة المأموم وذلك ما لم يعلم حدث إمامه وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور السلف والخلف. ويعيد الإمام وحده وصح من حديث أبي بكرة "أنه دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم وقال إنما أنا بشر

стр. 377

وإني كنت جنبًا" وصح عن عمر أنه صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرن فاهراق الماء فوجد في ثوبه احتلامًا فأعاد ولم يعد الناس. ونحوه عن عثمان وعلي وابن عمر وهذا في محل الشهرة فلم ينكر فكان إجماعًا. قال الشيخ وبذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين فإنهم صلوا بالناس ثم رأوا الجنابة بعد الصلاة فأعادوا ولم يأمروا الناس بالإعادة. وقال: الناس في انعقاد صلاة المأموم بصلاة الإمام على ثلاثة أقوال أحدها أنه لا ارتباط بينهما. والثاني أنها منعقدة بها مطلقًا. والثالث أنها منعقدة بها لكن إنما يسري النقص إلى صلاة المأموم مع عدم العذر. فأما مع العذر فلا يسري النقص. فإذا كان الإمام يعتقد طهارته فهو معذور في الإمامة والمؤتم معذور في الائتمام وهذا قول مالك وأحمد وغيرهما وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة وهو أوسط الأقوال. ويدل على صحته ما في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله – ﷺ قال: "يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطئوا فلكم وعليهم" فهذا نص في أن درك خطئه عليه لا على المأموم اهـ. وإن علم حدثه لم تصح لأنه أخل بشرط الصلاة مع القدرة فأشبه المتلاعب. ولكونه لا صلاة له في نفسه فيعيد من خلفه. وقال غير واحد أجمعت الأمة على تحريم الصلاة خلف محدث علم حدثه. وإن علم الإمام أو المأموم في الصلاة فقال

стр. 378

أحمد يعجبني أن يبتدؤا الصلاة. وعنه يبني المأموم وهو مذهب مالك والشافعي. وقالت الحنفية واختلفت الصحابة في ذلك فيصار للقياس وهو ظاهر. وعن أحمد يستخلف الإمام عند عروض عذر يقتضي ذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي والدليل على ثبوت الاستخلاف شرعًا إجماع الصحابة وقصة عمر مشهورة. وعلي رعف فأخذ بيد رجل فقدمه وانصرف رواه سعيد. (ولهما عن جابر كان معاذ يصلي مع النبي – ﷺ العشاء) يعني الآخر (ثم يصلي بقومه) ولفظه "ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم (تلك الصلاة) زاد الشافعي والدارقطني هي له تطوع ولهم مكتوبة وصححها الحافظ وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد وصلاة معاذ بهم مستفيضة وقال الحافظ يصلي معه ثلاثون عقبيًا وأربعون بدريًا. وكذا قال ابن حزم ولا نحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك بل قال معهم بالجواز عمر وابنه وأبو الدرداء وغيرهم. ويشهد له صلاته – ﷺ بالطائفة الثانية في صلاة الخوف ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال المعهودة وتصحان جماعة وفرادى فصح بناء إحداهما على الأخرى واختاره الموفق وشيخنا والشيخ وغيره وقال والذين منعوا ذلك ليس لهم حجة مستقيمة فإنهم احتجوا بلفظ لا يدل على محل النزاع كقوله "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" وبأن "الإمام ضامن" وليس في هذين ما يدفع

стр. 379

تلك الحجج. والاختلاف المراد به الاختلاف في الأفعال كما جاء مفسرًا. وكذا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر وغيرها واختاره وهي فرع على ائتمام المفترض بالمتنفل بل هنا أولى لصحة الظهر خلف من يصلي الجمعة. وأما النفل خلف الفرض فيصح إجماعًا لقوله "من يتصدق على هذا" وقوله "فصليا معهم فإنها لكما نافلة" ولأن في نية الإمام ما في نية المأموم وهو نية التقرب وزيادة. وهي الوجوب فلا منع بوجه من الوجوه. (وفي السنن) من غير وجه منها عن عبد الله بن عمرو ابن العاص (أن رسول الله – ﷺ قال: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة. رجل أم قومًا وهم له كارهون" الحديث) قال الشيخ أتى بواجب ومحرم فقاوم صلاته فلم تقبل إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها. وتمام الحديث "ورجل أتى الصلاة دبارًا والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته ورجل اعتبد محرره. رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما وفي إسناده الزيلعي. وعن أبي أمامة بلفظ "لا تجاوز صلاتهم آذانهم" وذكر "الآبق حتى يرجع. وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط. وإمام قوم وهم له كارهون" (حسنه الترمذي) وفي إسناده. أبو غالب الراسبي. وللترمذي عن أنس بلفظ "لعن رسول الله ﷺ وأبدل الآبق برجل سمع حي على الفلاح فلم يجب"

стр. 380

ولابن ماجه من حديث ابن عباس "لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا. رجل أم قومًا وهم له كارهون" وحسنه العراقي ولها شواهد تنتهض للاستدلال على تحريم أو كراهة إمامة من يكرهون بحق. قال الخطابي والبغوي وغيرهما إذا كرهوه لمعنى مذموم كوال ظالم. أو من تغلب على إمامة الصلاة ولا يستحقها. ولا يتصون من النجاسات. أو يمحق هيئات الصلاة. أو يتعاطى معيشة مذمومة. أو يعاشر أهل الفسوق ونحوهم. فإن لم يكن شيء من ذلك فلا كراهة. والعتب على من كرهه. وقال الشيخ إذا كانوا يكرهونه لأمر في دينه مثل كذبه أو ظلمه أو جهله أو بدعته ونحو ذلك. ويحبون آخر أصلح منه في دينه مثل أن يكون أصدق أو أعلم أو أدين فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الذي يحبونه. وليس لذلك الرجل الذي يكرهونه أن يؤمهم كما في الحديث عنه – ﷺ إنه قال: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم أذانهم. رجل أم قومًا وهم له كارهون. ورجل لا يأتي الصلاة إلا دبارًا. ورجل اعتبد محرره". وقال أيضًا إذا كان بينهم معاداة مثل جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب لم ينبغ أن يؤمهم لأن المقصود بالصلاة جماعة إنما يتم بالائتلاف. وقال ﵊ "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" وقال القاضي المستحب أن لا يؤمهم صيانة

стр. 381

لنفسه ولا يكره الائتمام به. إن لم يشوش عليه باله لأن الكراهة في حق الإمام. فصل في الموقف أي موقف الإمام والمأمومين في الفرض والنفل في صلاة الجماعة. (عن جابر قال قام رسول الله – ﷺ يصلي) ولأحمد "يصلي المغرب" (فقمت عن يساره فـ) أخذ رسول الله – ﷺ بيدي فأدراني حتى (أقامني عن يمينه) ولهما عن ابن عباس صليت خلف رسول الله – ﷺ ذات ليلة فقمت عن يساره "فأخذ برأسي من ورائي فأقامني عن يمينه" ولمسلم عن أنس أنه أقامه عن يمينه. فدلت هذه الأحاديث على أن موقف الواحد عن يمين الإمام وهو إجماع. وذهب الأكثر إلى أن ذلك واجب، ومذهب أحمد عدم الصحة مع خلو يمينه وعنه تصح عن يساره مع خلو يمينه وهو مذهب الأئمة الثلاثة واختاره الموفق وغيره. وقال في شرح المقنع وهي القياس كما لو كان عن يمينه. وقال الوزير اجمعوا على أن المصلي إذا وقف عن يسار الإمام وليس عن يمينه أحد أن صلاته صحيحة. إلا أحمد فقال تبطل ولا خلاف في الندبية. وأكثر ما تدل الأحاديث على أن اليمين هو الموقف الشرعي

стр. 382

وأما إذا كانوا ثلاثة فأكثر فيقومان خلفه لقول جابر (ثم جاء جابر) بن صخر الأنصاري السلمي شهد العقبة وما بعدها (فقام عن يساره) يعني يسار رسول الله – ﷺ (فأخذ بأيدينا) جميعًا فدفعنا، يعني من ورائه (فأقامنا خلفه رواه مسلم) وعن سمرة بن جندب قال "أمرنا رسول الله – ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا" رواه الترمذي. ووقوف المأمومين اثنين فأكثر خلف الإمام نقله الخلف عن السلف. واستمر أمر المسلمين عليه لا ينازع في ذلك أحد إلا ما استثني لحاجة كضيق مكان ونحوه لصلاة ابن مسعود بين علقمة والأسود. قال ابن سيرين وغيره كان المكان ضيقًا وكان بمكة وتقدمه – ﷺ متواتر لا عدول عنه بفعل لعذر ومهجور بالإجماع. فإن شق تأخيرهما أو تعذر تقدم الإمام فصلى بينهما ثم إن بطلت صلاة أحدهما تقدم الآخر إلى يمين الإمام وإن كانا خلف الصف تقدم إلى الصف إن أمكنه. ولا يصح تقدم المأموم عند جمهور العلماء وعند مالك يكره وتصح وذكره شيخ الإسلام وجهًا للأصحاب. قال في الفروع والمراد وأمكن الاقتداء وهو متجه وقيل تصح جمعة ونحوها بعذر اختاره شيخنا. وقال من تأخر بلا عذر فلما أذن جاء فصلى قدامه عزر. وقال إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدام الإمام فإنه يصلي هنا لأجل الحاجة وهو قول طوائف من أهل العلم.

стр. 383

ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشرع ساقط الوجود والمضطر إليه بلا معصية غير محظور فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد ولم يحرم ما اضطر إليه وقال تصح قدامه مع العذر وهو أعدل الأقوال وأرجحها لأن ترك التقدم غايته أن يكون واجبًا والواجب يسقط مع العذر اهـ، ولا يضر تقدم أصابع المأموم بطول قدمه ولا تقدم رأسه في السجود لطوله. والحكم على كل من تقدم بكل القدمين أو تأخر بهما أو انفصل بقدرهما ببطلان صلاته لا دليل عليه. ولا نزاع أن تسوية الصف سنة. والتراص والزاق الكعاب سنة مؤكدة وشريعة مستقرة وإن وقفوا حول الكعبة المشرفة مستديرين صحت كما فعله ابن الزبير وأجمعوا عليه. ولا يضر تقدم المأموم حيث كان في الجهة المقابلة للإمام لأنه في غير جهته ولا يتحقق تقدمه عليه. وتصح داخلها إذا جعل وجهه إلى وجه إمامه أو ظهره إلى ظهره اتفاقًا. ويغتفر التقدم في شدة الخوف إذا أمكنت المتابعة. (ولهما عن أنس فقمت ويتيم خلفه) أي خلف رسول الله – ﷺ واليتيم هو ضميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة. فدل على أن مقام الاثنين خلف الإمام كما تقدم. وأن الصغير يعتد بوقوفه ويسد الجناح وأن موقفه في الصف دون المرأة وهو الرواية الثانية عن أحمد ومذهب الأئمة الثلاثة واختاره ابن عقيل واستظهره في الفروع وعليه العمل قال شيخنا وهو قول

стр. 384

قوي (وأم سليم) وهي أم أنس واسمها مليكة (خلفنا) وفي لفظ والعجوز من ورائنا. فتصح صلاتها خلف الصف قال شيخ الإسلام باتفاق أهل العلم إذا لم يكن في الجماعة إمرأة غيرها كما جاءت به السنة ولأنها لا موقف لها مع الرجال. وإن أمت نساء وقفت في صفهن ندبًا قال في الإنصاف وغيره هذا مما لا نزاع فيه. ويصح تقديمها وإن وقفت عن يمين الإمام صحت صلاتها، وإن وقفت بصف رجال لم تبطل صلاة من يليها أو خلفها ولا صلاتها. وحكي اتفاقًا لكنه غير مشروع. وقال الشيخ إذا وقفت في الصف ففي بطلان صلاتها قولان أحدهما لا تبطل وهو مذهب مالك والشافعي وقول ابن حامد والقاضي وغيرهما. وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دونها قال الحافظ وهو عجيب. (وعن وابصة) بن معبد بن مالك من بني أسد بن خزيمة الأنصاري مات بالرقة وله أحاديث منها (أن رسول الله – ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة) رواه الخمسة إلا النسائي و (حسنه الترمذي) وصححه ابن حبان وفي رواية لأحمد قال سئل عن رجل يصلي خلف الصفوف وحده فقال "يعيد الصلاة" وعن علي بن شيبان أن رسول الله ﷺ "رأى رجلاً يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف

стр. 385

الصف" رواه أحمد وابن ماجه. وقال ابن سيد الناس رواته ثقات ولابن حبان عن طلق بن علي مرفوعًا "لا صلاة لمنفرد خلف الصف". قال شيخ الإسلام قد صحح الحديثين حديث وابصة وعلي غير واحد من أئمة الحديث وأسانيدهما مما تقوم بها الحجة وليس فيهما ما يخالف الأصول بل ما فيهما هو مقتضى النصوص المشهورة والأصول المقررة فإن صلاة الجماعة سميت جماعة لاجتماع المصلين في الفعل مكانًا وزمانًا فإذا أخلوا لغير عذر كان منهيًا عنه باتفاق الأئمة. فلو كان هذا خلف هذا كان من أعظم الأمور المنكرة. وأمروا بتقويم الصفوف مبالغة في تحقيق اجتماعهم على أحسن وجه بحسب الإمكان. وقياس الأصول يقتضي وجوب الاصطفاف. وأن صلاة المنفرد لا تصح كما جاء به هذان الحديثان. ومن خالف ذلك من العلماء فلا ريب أنه لم تبلغه هذه السنة من وجه يثق به. ووقوفه وحده خلف الصف مكروه وترك للسنة باتفاقهم إلا أن لا يجد موقفًا إلا خلفه ففيه نزاع. والأظهر صحة صلاته في هذا الموضع لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز. وأما التفريق بين العالم والجاهل كقول في مذهب أحمد فلا يسوغ فإن المصلي المنفرد لم يكن عالمًا بالنهي وقد أمره بالإعادة كما أمر المسيء اهـ. وأما أبو بكرة فإنما ركع دون الصف ثم مشي

стр. 386

إلى الصف ولا يعد حكم الشروع في الركوع خلف الصف حكم الصلاة كلها خلفه. قال شيخ الإسلام لأنه أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق الأئمة حتى لو قدر أن أبا بكرة دخل في الصف بعد اعتدال الإمام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. لكان سائغًا. وإذا لم يجد فرجة يدخلها ولا يمكنه أن يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه صفًا ليتمكن من الاقتداء. وكره تنبيهه بجذبه لأنه تصرف فيه بغير إذنه. قال الشيخ ويصلي خلف الصف فذًا ولا يجذب غيره. وتصح في هذه الحالة فذًا لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر. وقال الأفضل أن يقف وحده ولا يجذب لما في الجذب من التصرف في المجذوب وإن كان المجذوب يطيعه قائمًا أفضل له. وللمجذوب الاصطفاف معه مع بقاء فرجة أو وقوف المتأخر وحده ونحوه. والجمهور على وجوب إتباع من نبهه وهو أفضل من بقائه في مقامه. ولو حضر اثنان فالأفضل اصطفافهما لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب رجحه الشيخ وغيره. (وعن أبي مسعود مرفوعًا ليلني) بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبلها وروي بإثباتها (منكم) وعن أنس وكان يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه" رواه أحمد

стр. 387

وغيره أي ليقرب مني (أولو الأحلام) واحدها حلم بضم الحاء: السكون الوقار والإناءة والتثبت في الأمور وضبط النفس عن هيجان الغضب ويراد بهم ذو الألباب والعقول وقيل البالغون وقيل أهل العلم والفضل (والنهى) (بضم النون) العقول أي ليدن مني البالغون العقلاء لشرفهم ومزية تفطنهم. وقال ابن سيد الناس الأحلام والنهى بمعنى واحد (متفق عليه) ولمسلم عن ابن مسعود "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم". فدلت هذه الأحاديث على مشروعية تقدم أهل العلم والفضل ولتأتي التبليغ منهم والاستخلاف عند الحاجة ولأبي داود وغيره قال أبو مالك الأشعري ألا أحدثكم بصلاة رسول الله – ﷺ "أقام الصف، فصف الرجال وصف الغلمان خلفهم" ولأحمد نحوه وزاد "والنساء خلف الغلمان وقال أحمد يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام. وكان عمر إذا رأى صبيًا في الصف أخرجه. ولأحمد من حديث أبي أن عمر قال له كونوا في الصف الذي يليني. وقال بعض الأصحاب الأفضل تأخير مفضول، وكذا تأخير صبي. واختاره الشيخ وقطع به ابن رجب. وقال في الفروع وظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه وفيمن سبق إلى مكان ليس له ذلك أي تأخير صبيان لبالغين لاتحاد جنسهم وهو مذهب الشافعية وغيرهم وقاله الحافظ وغيره وصوبه في الإنصاف.

стр. 388

وقطع به المجد وعليه عمل الناس. وقوله ليلني لا يتم الاستدلال به على إخراجهم من صفوف الرجال إنما فيه تقديم البالغين أو نوع منهم. وإذا كانوا أقرأ ففيهم أهلية لذلك. فإن الصبي إذا عقل القربة كالبالغ في الجملة وقدم الصحابة عمرًا في الإمامة وهو ابن ست أو سبع سنين فالمصافة أولى فإنه قد يكون صبي أقرأ من مكلف وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وأحاديث "من سبق إلى مكان فهو أحق به" و "لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه" ونحو ذلك مطلقة وحديث أبي مالك ليس فيه نهي وقد يحمل فعل عمر وقول أحمد على نقرة الإمام للخبر ما لم يكن الصبي أقرأ. ولو كان تأخيرهم أمرًا مشهورًا لاستمر العمل عليه كتأخير النساء. ولنقل نقلاً لا يحتمل الاختلاف كما نقلت الأمور المشهورة. وقال الحافظ على قول ابن عباس وأنا فيهم أن الصبيان مع الرجال وأنهم يصفون معهم ولا يتأخرون عنهم. فصل في الاقتداء أي في أحكام اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وخارجه وانصرافهما. (وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي في حجرته)

стр. 389

أي حجرة بيته وعند أبي نعيم "كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه (وجدار الحجرة قصيرة) تمكن رؤيتهم منه (فرأى الناس شخصه) – ﷺ وهو يصلي في حجرته (فقام أناس) ممن رأوه (يصلون بصلاته" رواه البخاري) ولأحمد عنها قالت كانت لنا حصيرة نبسطها بالنهار ونحتجر بها بالليل "فصلى فيها رسول الله – ﷺ ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته فصلوا بصلاته" وفي لفظ أمرني أن أنصب له حصيرًا على باب حجرتي" ففعلت. فدل على أن الحائل بين الإمام والمأمومين غير مانع من صحة الصلاة مهما علم حال الإمام قال النووي يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام. سواء صليا في المسجد أو في غيره أو أحدهما فيه والآخر في غيره بالإجماع. ويحصل العلم بذلك بسماع الإمام أو من خلفه أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد واحد من هذه الأمور، اهـ. ولا يشترط الاتصال في المسجد حكاه أبو البركات إجماعًا. لأنه إنما بنى للجماعة فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة بخلاف خارج المسجد فإنه ليس معدًا للاجتماع فيه فلذلك اشترط الاتصال فيه فإذا اتصلت صحت إجماعًا. وحكى الإجماع على أنه لا يضر بعد المؤتم في المسجد ولا الحائل ولو كان فوق القامة مهما علم حال الإمام واعتبره بعضهم ببعد غير معتاد بحيث يمنع إمكان الاقتداء فيرجع فيه إلى العرف.

стр. 390

ولو كانوا في صحراء ليس فيها قارعة طريق وبعدوا عن الإمام أو تباعدت الصفوف جاز ذلك مع سماع التكبير ووجود المشاهدة إن اعتبرت. وإن كان أحدهما خارج المسجد إن رأى الإمام أو المأمومين ولو لم تتصل الصفوف لانتفاء المفسد ووجود المقتضى للصحة وهو الرؤية وإمكان الاقتداء وفي الإنصاف المرجع في اتصال الصفوف إلى العرف على الصحيح من المذهب وصححه في المغني فلا يتقدر بشيء وهو مذهب مالك والشافعي لأنه لا حد في ذلك ولا إجماع ولأنه لا يمنع الاقتداء فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت. واشترط النووي أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد وهو قول جمهور العلماء وإذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة. فقال الشيخ لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وإذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي فيه الناس لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. (وعن حذيفة أن رسول الله – ﷺ قال إذا أم الرجل قومًا فلا يقومن في مقام أرفع من مقامهم) قال عمار لحذيفة لذلك اتبعتك. وهو أن عمارًا صلى بالمدائن فقام على دكان والناس أسفل منه فأخذ حذيفة بيده فاتبعه عمار حتى أنزله فلما فرغ قال ألم تعلم أن رسول الله ﷺ قال "إذا أم الرجل" الحديث. وفي لفظ "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك قال بلى" (رواه أبو
следующие страницы →