Полный текст (2 171 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
إلى الصف ولا يعد حكم الشروع في الركوع خلف الصف حكم الصلاة كلها خلفه. قال شيخ الإسلام لأنه أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركًا للركعة فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام فإن هذا جائز باتفاق الأئمة حتى لو قدر أن أبا بكرة دخل في الصف بعد اعتدال الإمام كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. لكان سائغًا.
وإذا لم يجد فرجة يدخلها ولا يمكنه أن يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه صفًا ليتمكن من الاقتداء. وكره تنبيهه بجذبه لأنه تصرف فيه بغير إذنه. قال الشيخ ويصلي خلف الصف فذًا ولا يجذب غيره. وتصح في هذه الحالة فذًا لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر.
وقال الأفضل أن يقف وحده ولا يجذب لما في الجذب من التصرف في المجذوب وإن كان المجذوب يطيعه قائمًا أفضل له.
وللمجذوب الاصطفاف معه مع بقاء فرجة أو وقوف المتأخر وحده ونحوه. والجمهور على وجوب إتباع من نبهه وهو أفضل من بقائه في مقامه. ولو حضر اثنان فالأفضل اصطفافهما لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب رجحه الشيخ وغيره.
(وعن أبي مسعود مرفوعًا ليلني) بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبلها وروي بإثباتها (منكم) وعن أنس وكان يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه" رواه أحمد
стр. 387
وغيره أي ليقرب مني (أولو الأحلام) واحدها حلم بضم الحاء: السكون الوقار والإناءة والتثبت في الأمور وضبط النفس عن هيجان الغضب ويراد بهم ذو الألباب والعقول وقيل البالغون وقيل أهل العلم والفضل (والنهى) (بضم النون) العقول أي ليدن مني البالغون العقلاء لشرفهم ومزية تفطنهم.
وقال ابن سيد الناس الأحلام والنهى بمعنى واحد (متفق عليه) ولمسلم عن ابن مسعود "ليلني منكم أولو الأحلام والنهى. ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم".
فدلت هذه الأحاديث على مشروعية تقدم أهل العلم والفضل ولتأتي التبليغ منهم والاستخلاف عند الحاجة ولأبي داود وغيره قال أبو مالك الأشعري ألا أحدثكم بصلاة رسول الله – ﷺ "أقام الصف، فصف الرجال وصف الغلمان خلفهم" ولأحمد نحوه وزاد "والنساء خلف الغلمان وقال أحمد يكره أن يقوم الصبي مع الناس في المسجد خلف الإمام. وكان عمر إذا رأى صبيًا في الصف أخرجه. ولأحمد من حديث أبي أن عمر قال له كونوا في الصف الذي يليني.
وقال بعض الأصحاب الأفضل تأخير مفضول، وكذا تأخير صبي. واختاره الشيخ وقطع به ابن رجب. وقال في الفروع وظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه وفيمن سبق إلى مكان ليس له ذلك أي تأخير صبيان لبالغين لاتحاد جنسهم وهو مذهب الشافعية وغيرهم وقاله الحافظ وغيره وصوبه في الإنصاف.
стр. 388
وقطع به المجد وعليه عمل الناس. وقوله ليلني لا يتم الاستدلال به على إخراجهم من صفوف الرجال إنما فيه تقديم البالغين أو نوع منهم. وإذا كانوا أقرأ ففيهم أهلية لذلك.
فإن الصبي إذا عقل القربة كالبالغ في الجملة وقدم الصحابة عمرًا في الإمامة وهو ابن ست أو سبع سنين فالمصافة أولى فإنه قد يكون صبي أقرأ من مكلف وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وأحاديث "من سبق إلى مكان فهو أحق به" و "لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه" ونحو ذلك مطلقة وحديث أبي مالك ليس فيه نهي وقد يحمل فعل عمر وقول أحمد على نقرة الإمام للخبر ما لم يكن الصبي أقرأ. ولو كان تأخيرهم أمرًا مشهورًا لاستمر العمل عليه كتأخير النساء. ولنقل نقلاً لا يحتمل الاختلاف كما نقلت الأمور المشهورة. وقال الحافظ على قول ابن عباس وأنا فيهم أن الصبيان مع الرجال وأنهم يصفون معهم ولا يتأخرون عنهم.
فصل في الاقتداء
أي في أحكام اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وخارجه وانصرافهما.
(وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي في حجرته)
стр. 389
أي حجرة بيته وعند أبي نعيم "كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه (وجدار الحجرة قصيرة) تمكن رؤيتهم منه (فرأى الناس شخصه) – ﷺ وهو يصلي في حجرته (فقام أناس) ممن رأوه (يصلون بصلاته" رواه البخاري) ولأحمد عنها قالت كانت لنا حصيرة نبسطها بالنهار ونحتجر بها بالليل "فصلى فيها رسول الله – ﷺ ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته فصلوا بصلاته" وفي لفظ أمرني أن أنصب له حصيرًا على باب حجرتي" ففعلت.
فدل على أن الحائل بين الإمام والمأمومين غير مانع من صحة الصلاة مهما علم حال الإمام قال النووي يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام. سواء صليا في المسجد أو في غيره أو أحدهما فيه والآخر في غيره بالإجماع. ويحصل العلم بذلك بسماع الإمام أو من خلفه أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد واحد من هذه الأمور، اهـ.
ولا يشترط الاتصال في المسجد حكاه أبو البركات إجماعًا. لأنه إنما بنى للجماعة فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة بخلاف خارج المسجد فإنه ليس معدًا للاجتماع فيه فلذلك اشترط الاتصال فيه فإذا اتصلت صحت إجماعًا. وحكى الإجماع على أنه لا يضر بعد المؤتم في المسجد ولا الحائل ولو كان فوق القامة مهما علم حال الإمام واعتبره بعضهم ببعد غير معتاد بحيث يمنع إمكان الاقتداء فيرجع فيه إلى العرف.
стр. 390
ولو كانوا في صحراء ليس فيها قارعة طريق وبعدوا عن الإمام أو تباعدت الصفوف جاز ذلك مع سماع التكبير ووجود المشاهدة إن اعتبرت. وإن كان أحدهما خارج المسجد إن رأى الإمام أو المأمومين ولو لم تتصل الصفوف لانتفاء المفسد ووجود المقتضى للصحة وهو الرؤية وإمكان الاقتداء وفي الإنصاف المرجع في اتصال الصفوف إلى العرف على الصحيح من المذهب وصححه في المغني فلا يتقدر بشيء وهو مذهب مالك والشافعي لأنه لا حد في ذلك ولا إجماع ولأنه لا يمنع الاقتداء فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت.
واشترط النووي أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد وهو قول جمهور العلماء وإذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة. فقال الشيخ لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وإذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي فيه الناس لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء.
(وعن حذيفة أن رسول الله – ﷺ قال إذا أم الرجل قومًا فلا يقومن في مقام أرفع من مقامهم) قال عمار لحذيفة لذلك اتبعتك. وهو أن عمارًا صلى بالمدائن فقام على دكان والناس أسفل منه فأخذ حذيفة بيده فاتبعه عمار حتى أنزله فلما فرغ قال ألم تعلم أن رسول الله ﷺ قال "إذا أم الرجل" الحديث. وفي لفظ "ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك قال بلى" (رواه أبو
стр. 391
داود) وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ورواه الشافعي والبيهقي ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم بإسناد صحيح. وللدارقطني معناه بإسناد حسن.
فدل الحديث على كراهة علو الإمام عن المأموم ذراعًا فأكثر وهو مذهب جمهور أهل العلم أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم.
وحكى اتفاقًا إلا لحاجة ويشترك الإمام والمأموم في النهي قال ابن فرحون لأن الإمامة تقتضي الترفع فإذا انضاف إلى ذلك علوه عليهم في المكان دل على قصده الكبر وإن كان العلو يسيرًا لحاجة لم يكره. لما في الصحيحين من حديث سهل أنه – ﷺ "صلى على المنبر ثم نزل القهقري فسجد وسجدنا معه ثم عاد حتى فرغ ثم قال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي".
ولا يضر ارتفاع المؤتم. وحكي إجماعًا ما لم يكن ارتفاعًا مفرطًا بحيث لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام لأن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام رواه أحمد والشافعي والبيهقي والبخاري تعليقًا. وعن أنس نحوه رواه سعيد ويروى عن ابن عباس وابن عمر ولأن المتابعة حاصلة أشبهت العلو اليسير والأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع، أما إذا لم يمكن العلم بأفعال الإمام فممنوع للإجماع من غير فرق بين المسجد وغيره.
(وعن سمرة أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى صلاته أقبل
стр. 392
علينا بوجهه، متفق عليه) ولمسلم عن عائشة كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" أي لا يلبث جالسًا عن هيئته قبل السلام بل يتحول ويقبل على أصحابه وروى عبد الرزاق عن أنس: كان ساعة يسلم يقوم.
وثبت أنه إذا انصرف انحرف واستفاضت الأحاديث أنه ﷺ كان يعقب سلامه بالانصراف والإقبال على المأمومين. ولا فرق بين الانفتال والانصراف وحكى النووي وغيره أن عادته ﷺ إذا انصرف استقبل المأمومين جمعيهم. وقاله القاضي والحافظ وغيرهما وهو مفهوم ما ورد عنه من الذكر بعد الصلاة
والتذكير وغيره وقال ابن القيم: كان يسرع الإنفتال إلى المأمومين، اهـ.
ويكره إطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة. وقال إبراهيم احصبوه ولأن في تحوله إعلامًا بأنه صلى فلا ينتظر. وربما إذا بقي على حاله يسهو فيظن أنه لم يسلم أو يظن غيره أنه في الصلاة فكره سدًا للذريعة. وينحرف عن يمينه وهو أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين ولا كراهة في انحرافه على اليسار لثبوته عنه – ﷺ ويستحب أن لا ينصرف المأموم قبل إمامه لما في صحيح مسلم وغيره "لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف" إلا أن يخالف الإمام السنة في إطالة الجلوس فلا بأس.
стр. 393
قال خارجة بن زيد السنة أن يقوم الإمام ساعة يسلم فلا يبقى مستقبلاً القبلة. وذكر غير واحد أن استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة فإذا انقضت الصلاة زال السبب فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأموم فإن صلى معه نساء مكث قليلاً لينصرفن لئلا يدركهن الرجال لما في الصحيح وغيره عن أم سلمة "كان إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مكانه يسيرًا قبل أن يقوم".
(ولمسلم عن معاوية: نهى – ﷺ أن توصل صلاة بصلاة) أي: يجمع بينهما فلا تفصل (حتى نتكلم) والأفضل بما شرع من الأذكار بعد الصلاة (أو يخرج) من مكاننا الذي صلينا فيه. ولأبي داود وغيره من حديث المغيرة "لا يصل الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول" فيكره بلا حاجة ليميز فرض الصلاة عن نفلها. والمأموم كالإمام اتفاقًا وقيل إن كانت البقعة فاضلة لم يكره لفعل سلمة عند الأسطوانة وقال كان النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها. ولحاجة كتدريس ونحوه وحكي اتفاقًا.
وينبغي أن يفصل بالكلام إن لم يتحول. وكره أحمد لغير الإمام اتخاذ مكان لا يصلي إلا فيه والمصافحة بعد السلام من الصلاة لا أصل لها لا بنص ولا بعمل من الشارع وأصحابه.
ولو كانت مشروعة لتوفرت الهمم والدواعي على نقلها. أما إذا كانت أحيانًا لكونه لقيه عقب الصلاة لا لأجل الصلاة فحسن.
стр. 394
فصل في الأعذار
أي في بيان الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة.
(قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي يسرها أي لا يكلف الله أحدًا فوق طاقته والوسع اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه فدلت هذه الآية وما في معناها على أن من لم يمكن في وسعه المجيء إلى الجماعة لمرض أو مطر أو خوف ونحو ذلك لا يكلف فوق طاقته فلا يلزمه حضور الجماعة وهذا مما لا نزاع فيه.
(وعن عائشة قالت مرض رسول الله ﷺ ) أي مرضه الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه (فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس) فخرج أبو بكر يصلي "فوجد النبي ﷺ في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين" (رواه مسلم) فمن بلغ إلى تلك الحالة لا يستحب له الخروج للجماعة إلا إذا وجد من يتوكأ عليه. وقوله "لأتوهما ولو حبوا" على المبالغة فيعذر بترك جمعة وجماعة: مريض قال في الإنصاف بلا نزاع.
وقال ابن المنذر لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض. وقال النووي ضبطوا المرض الذي يشق معه القصد كمشقة المشي في المطر. وتقدم قوله: "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر.
قالوا يا رسول الله وما العذر قال "خوف أو مرض" رواه
стр. 395
أبو داود بسند صحيح. وكذا خائف حدوث مرض أو زيادته أو تباطؤه لأنه مرض.
(وللبخاري عن ابن عمر مرفوعًا "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء) ولا يعجل حتى يفرغ منه" وفي لفظ "إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة" وتقدم حديث عائشة "لا صلاة بحضرة طعام. ولا وهو يدافعه الأخبثان" وحديث أنس "إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم" ولا نزاع في ذلك ليقبل على صلاته وقلبه فارغ وينبغي أن لا يعمد إلى هذه الأمور ونحوها. وإنما يجوز إذا وقعت اتفاقًا وينبغي اجتنابه إذا كان يقع كثيرًا
(ولهما عنه كان ينادي منادي رسول الله – ﷺ في الليلة الباردة أو ذات المطر صلوا في رحالكم) ولمسلم عن جابر خرجنا مع رسول الله – ﷺ في سفر فمطرنا فقال "ليصل من شاء منكم في رحله" ولهما عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير "لا تقل حي على الصلاة ولكن قل صلوا في رحالكم فكأن الناس استنكروا ذلك فقال فعله من هو خير مني يعني رسول الله – ﷺ وإني كرهت أن أخرجكم في الطين والدحض". والثلج والجليد والبرد كذلك.
وذكر النووي وغيره أن البرد الشديد عذر في الليل والنهار وشدة الحر عذر في الظهر وذكر أبو المعالي وغيره أن كل ما
стр. 396
أذهب الخشوع كالحر المزعج عذر والزلزلة عذر لأنها نوع خوف. قال ابن عقيل ومن له عروس تجلى عليه. ويعذر بترك الجمعة والجماعة خائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه لأن المشقة اللاحقة بذلك أعظم من بل الثياب بالمطر الذي هو عذر باتفاق أهل بالعلم. قال المجد والأفضل فعل ذلك ترك الجمعة والجماعة إلا ما يرجو وجوده.
ويعذر من يخاف بحضوره موت قريبه وليس له من يمرضه غيره فيتشوش خشوعه. قال الموفق لا نعلم فيه خلافًا لأن ابن عمر ترك الجمعة لذلك رواه البخاري. وكذا إن خاف على نفسه من ضرر كسبع أو من سلطان يأخذه أو من ملازمة غريم ولا شيء معه أو فوات رفقته أو غلبة نعاس أو خاف على أهله أو ماله أو نحو ذلك مما يشوش عليه حضوره. وإن طرأ بعض الأعذار في الصلاة أتمها خفيفة إن أمكن وإلا قطعها لأن من شروط صحة الصلاة أن يعي أفعالها ويعقلها. وهذه الأشياء تمنع ذلك فإذا زالت فعلها على كمال خشوعها وفعلها مع كمال خشوعها بعد فوات الجماعة أولى من فعلها مع الجماعة بدون كمال خشوعها لأن لب الصلاة وروحها الخشوع. وحضور القلب.
وقال زكريا الأنصاري ومن الأعذار كل مشوش للخشوع مع سعة الوقت. وأكل منتن ومن ببدنه أو ثوبه ريح خبيث وأن عذر كذي بخر أو أصنان مستحكم ما لم يسهل عليه إزالته ومن كان أكله لعذر ما لم يأكله بقصد إسقاط الجمعة والجماعة وإلا
стр. 397
لزمه إزالته مهما أمكن ولا تسقط عنه. والمراد سقوط الإثم على قول: الفرض وفي الصحيحين "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصل معنا" ولهما عن عمر فلا يأت المسجد والمراد لا تحيلاً فلا تسقط ويحرم.
باب صلاة أهل الأعذار
وهم المريض والمسافر والخائف ونحوهم. والأعذار جمع عذر والعذر الحجة التي يعتذر بها وما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه سموا بذلك لما قام بهم من الأعذار الآتية ونحوها.
(قال تعالى: ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا تكلف إلا ما أطاقت من العمل قال أهل التفسير فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدًا وقد وضع الله الحرج عن هذه الأمة وجعل دينها يسرًا وأرشد عباده المؤمنين أن يقولوا ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ ِ وقال: "قد فعلت" وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين﴾ يعني الموت الموقن به الذي لا يشك فيه أحد والمعنى واعبد ربك في جميع أوقاتك ومدة حياتك حتى يأتيك الموت وأنت في عبادة ربك وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قال ابن كثير يستدل بالآية على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا فيصلي بحسب حاله.
стр. 398
(وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله – ﷺ صل قائمًا) وذلك أن عمران كانت به بواسير فسأل النبي – ﷺ فأمره أن يصلي قائمًا إن استطاع. والقيام واجب في الفرض إجماعًا مع القدرة. ولو كان قيامه كصفة راكع لحدب أو كبر أو مرض ونحوه أو معتمدًا في قيامه على شيء من نحو عصا، أو مستندًا إلى حائط ونحوه.
(فإن لم تستطع) أي الصلاة قائمًا (فقاعدًا) قال النووي وغيره أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة صلى قاعدًا ولا إعادة عليه ولا ينقص ثوابه للخبر، اهـ.
وكذا لو شق عليه القيام أو كان في سفينة، أو بيت قصير سقفه وتعذر الخروج أو خاف عدوًا إن انتصب قائمًا صلى جالسًا. وقال إمام الحرمين الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة.
وكذا رقيب غزاة أو كمينهم خاف إن قام رؤية العدو. ويصلي متربعًا اتفاقًا وكيف قعد جاز فإن الشارع لم يخص جلسة دون جلسة. وذكر ابن أبي نسيبة عن جماعة من التابعين أنهم كانوا إذا صلوا جلوسًا يجثون (فإن لم تستطع) أي قاعدًا (فعلى جنب رواه البخاري) والخمسة وغيرهم وذكره غير واحد مذهب الجمهور.
زاد النسائي فإن لم تستطع فمستلقيًا ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا
стр. 399
إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وقال الشيخ ووجهه إلى القبلة للخبر إن استطاع أو كان عنده من يوجهه وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلى على أي جهة توجهه اهـ. وإذا لم يقدر على جنبه وصلى على ظهره فصلاته صحيحة بلا نزاع. وروى الدارقطني من حديث علي بسند ضعيف فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيًا رجلاً مما يلي القبلة ولو صلى على ظهره ورجلاه إلى غير القبلة فإنه يصير مستدبرًا للقبلة فلا تنعقد صلاته مع القدرة ويومئ العاجز برأسه راكعًا وساجدًا مهما أمكنه.
قال الشيخ فيمن لا يستطيع التحرك. وإذا سجد لا يستطيع الرفع يومئ برأسه إيماء بحسب حاله وروي عن جابر صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك ولا ينقص أجر من نوى الخير وفعل ما يقدر عليه لخبر أبي كبشة وغيره. ولو عجز عن الإيماء برأسه سقطت عنه الصلاة ولا يلزمه الإيماء بطرفه وهذا مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد وهو ظاهر حديث عمران وغيره.
وينتقل إلى القيام من قدر عليه وإلى الجلوس من عجز عن القيام إجماعًا. وإن قدر على قيام وقعود وعجز عن ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وبسجود قاعدًا عند جمهور أهل العلم. ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد لأنه – ﷺ صلى جالسًا حين جحش شقه وأم سلمة تركت السجود لرمد بها.
стр. 400
(وعن يعلى بن مرة) بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك الثقفي من أفاضل الصحابة ﵃ (أن النبي – ﷺ انتهى إلى مضيق) ضد متسع من واد وغيره (والسماء) يعني المطر (من فوقهم والبلة) يعني النداوة (من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم النبي – ﷺ فصلى بهم) يعني إيماء (يجعل السجود أخفض من الركوع رواه) أحمد و (الترمذي) وقال العمل عليه عند أهل العلم.
وثبت عن أنس من فعله ولم ينقل عن غيره خلاف في أن الفرض يصح على الراحلة واقفة كانت أو سائرة خشية التأذي بوحل أو مطر أو ثلج أو برد. فإن قدر على نزول بلا ضرر لزمه وكذا إن خاف انقطاعًا عن رفقته بنزوله أو على نفس من عدو ونحوه أو عجز عن ركوب إن نزل قال في الاختيارات تصح صلاة الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرفقة أو حصول ضرر بالمشي أو تبرز الخفرة وعليه الاستقبال وما يقدر عليه من شروط وأركان وواجبات وما لا يقدر عليه لا يكلف به.
ومن كان بسفينة ونحوها وقدر على القيام لزمه بلا نزاع. وسئل النبي – ﷺ كيف أصلي في السفينة قال "صل فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق" رواه الدارقطني ويؤيده الأحاديث المستفيضة في وجوب القيام مع القدرة. وصلى جابر وأبو سعيد وأبو هريرة في سفينة قيامًا في جماعة. وإن عجز عن القيام فيها والخروج
стр. 401
منها صلى جالسًا مستقبلاً اتفاقًا. ويدور إلى القبلة عند الجمهور كلما انحرفت السفينة بخلاف النفل فلا يلزمه أن يدور وتقدم.
فصل في القصر
أي في قصر المسافر الصلاة الرباعية إلى ركعتين وهو مشروع بالكتاب والسنة جائز بالإجماع.
(قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي سافرتم فوق الأرض من موضع إلى آخر ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ حرج وإثم حال ضربكم في الأرض ﴿أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ من أربع ركعات إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء دون المغرب والفجر كما فهمه الجمهور من هذه الآية واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر. وقصر الشيء إذا نقصه أو نقص منه وقال شيخ الإسلام والأصح أن الآية أفادت قصر العدد وقصر العمل جميعًا. ولهذا علق ذلك بالسفر والخوف فإذا اجتمع الضرب في الأرض والخوف أبيح القصر الجامح لهذا ولهذا. وإذا انفرد السفر فإنما يبيح قصر العدد، وإذا انفرد الخوف فإنما يبيح قصر العمل. وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ خرج مخرج الغالب وإنما علق على الخوف لأن غالب أسفار النبي ﷺ لم تخل منه قال الشيخ وإذا كان القصر أفضل عند جماهير أهل العلم لم يجز أن يحتج بنفي الجناح على أنه مباح لا أفضلية فيه. وفي صحيح مسلم قال يعلى لعمر ما لنا نقصر وقد أمنا. فقال سألت
стр. 402
رسول الله – ﷺ فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وقال ابن عمر: "هي رخصة من الله فإن شئتم فردوها"، فقول عمر: "فرضت الصلاة ركعتين تمام غير قصر" ونحوه أوله بعض أهل العلم أنه لمن أراد القصر، لا أنه أصل لمخالفة نص القرآن وإجماع المسلمين في أنها مقصورة وأن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام.
(وعن ابن عمر قال صحبت النبي – ﷺ ) يعني في جميع أسفاره (وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك) أي: لا يزيدون في السفر على ركعتين (متفق عليه) والسفر قطع المسافة سمي سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال أي يكشفها وقيل غير ذلك. ولفظ مسلم "صحبت النبي – ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله . وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله .
وظاهره أن عثمان لم يتم في السفر، ولمسلم عنه: ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم أتم، وفي رواية: ثمان سنين أو ست سنين؛ وأكثر العلماء: أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى. وفي الصحيحين أن عبد الرحمن بن يزيد قال –صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال صليت مع رسول الله – ﷺ بمنى
стр. 403
ركعتين. وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر بمنى ركعتين. فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان فدل على سنية القصر في السفر.
وقال الخطابي مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر. وقال الشيخ وغيره هو جائز بإجماع أهل العلم منقول عن النبي – ﷺ بالتواتر واختاره فقهاء الحديث وغيرهم كأحمد وغيره إتباعًا لسنة رسول الله ﷺ .
فإنه لم يصل في السفر قط إلا مقصورة حتى إن من العلماء من يوجبه. ومن صلى أربعًا لم يبطلوا صلاته لأن الصحابة أقروا من فعل ذلك منهم بل منهم من يكره ذلك ومنهم من لا يكرهه وإن رأى تركه أفضل.
ولهذا كان المسلمون مجمعين على جواز القصر في السفر مختلفين في جواز الإتمام لأن النبي – ﷺ داوم عليه قال ولم ينقل أحد أنه صلى أربعًا قط وحديث عائشة في مخالفة ذلك لا تقوم به حجة وقال في موضع باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله – ﷺ وجميع أصحابه واختار أنه سنة وأن الإتمام مكروه. وذكر أن القصر أفضل عند عامة أهل العلم ليس فيه إلا خلاف شاذ. وأن أكثرهم يكرهون التربيع للمسافر. ونقل عن أحمد أنه توقف في الإجزاء.
(ولمسلم عن أنس كان – ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال) واحدها ميل قال الحافظ منتهى مد البصر لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه. وقيل ينظر إلى الشخص لا
стр. 404
يدري أرجل أم امرأة. وقال النووي ستة آلاف ذراع (أو فراسخ) وأحدها فرسخ والفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة أميال، وأربعة الفراسخ بريد والبريد نصف يوم بسير الإبل والأقدام، وهو ربع مسافة يومين (صلى ركعتين) شعبة الشاك هل قال رسول الله – ﷺ ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ وقال ابن القيم ثبت أنه – ﷺ سمى مسيرة البريد سفرًا في قوله لا يحل "لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريدًا إلا مع ذي محرم" وذكر قصر أهل مكة معه – ﷺ بعرفة ومزدلفة.
وقد اختلف أهل العلم في مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة على نحو من عشرين قولاً أقل ما قيل فيها ميل كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر وهو مذهب ابن حزم واحتج له بإطلاق السفر في الكتاب والسنة وفيما دونه بخروج النبي – ﷺ إلى البقيع والفضاء والناس معه فلم يقصر ولم يفطر. وأخذ بحديث الباب الظاهرة. قال الحافظ وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه.
وقال البغوي عامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام. وكان ابن عمر يقصر في مسيرة يوم. وقاله الأوزاعي وابن المنذر وآخرون لإطلاق الكتاب والسنة وحديث أنس. وذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم إلى أنه لا يجوز إلا في مسيرة مرحلتين. وقال أبو حنيفة لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل وأورد البخاري ما يدل على أن اختياره يوم وليلة وسمي النبي
стр. 405
- ﷺ السفر يومًا وليلة فقال في المرأة "لا تسافر يومًا وليلة إلا ومعها ذو محرم".
قال شيخ الإسلام قال أبو محمد لا أعلم لما ذهب إليه الأئمة وجهًا وهو كما قال فإن التحديد بذلك ليس بثابت بنص ولا إجماع ولا قياس ولا حجة لتحديده. بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر واستظهر جواز القصر لمن سافر يومًا وقلا المسافر يريد أن يذهب إلى مقصوده ويعود إلى وطنه. وأقل ذلك مرحلة يذهب في نصفها ويرجع في نصفها وهذا هو البريد. وقد حدوا بهذه المسافة الشهادة على الشهادة وغير ذلك. وقال الفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسول الله – ﷺ بل الأحكام التي علق الله بالسفر علقها مطلقًا وذكر الآيات في ذلك والآثار.
ثم قال فهذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير. فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ما جمع الله بينه فرقًا لا أصل له من كتاب الله ولا سنة رسوله. فالمرجع فيه إلى العرف فما كان سفرًا في عرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم. وذكر مثل سفر أهل مكة إلى عرفة وقال أي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم فإن هذه المسافة بريد. وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع.
وقال إن حد فتحديده ببريد أجود إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. والمعلوم أن الإجماع لم ينعقد على خلافه وهو اختيار
стр. 406
طائفة من علماء أصحاب أحمد كان بعضهم يقصر الصلاة في مسير بريد وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها قال والمحددون لهم طريقان بعضهم يقول لم أجد أحدًا قال بأقل من ذلك وقد علم من قال ذلك. وبعضهم يقول هذا قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالفه لهما وهذا باطل. فقد ثبت عنهما وغيرهما ما يخالف ذلك.
وتحديد السفر بالمسافة لا أصل له في شرع ولا لغة ولا عرف ولا عقل ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقًا بشيء لا يعرفونه. والاعتبار بما هو سفر فمن سافر ما يسمى سفرًا قصر وإلا فلا. وأدنى ما يسمى سفرًا في كلام الشارع البريد وكان يأتي قباء راكبًا وماشيًا" ويأتي إليه أصحابه ولم يقصر هو ولا هم يأتون إلى الجمعة من نحو ميل وفرسخ. والنداء يسمع من نحو فرسخ.
واختار جواز القصر للحشاش والحطاب ونحوهما فيما يطلق عليه اسم السفر. وقال بعض أهل العلم ولو قطع المسافة في ساعة.
وقال شيخ الإسلام السفر ليس محدودًا بمسافة بل يختلف فيكون مسافرًا في مسافة بريد وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا. فلو ركب رجل فرسًا سابقًا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافرًا يدل على ذلك أن النبي – ﷺ لما قال يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، فلو قطع البريد ثلاثة أيام كان مسافرًا ثلاثة أيام فيمسح مسح مسافر. ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافرًا. والنبي – ﷺ إنما اعتبر ثلاثة أيام سواء
стр. 407
أكان حثيثًا أو بطيئًا. وذكر أن ابن عباس نهى من ذهب ورجع من يومه إلى أهله أن يقصر.
وقال أيضًا الذين جعلوا المسافة الواحدة حدًا يشترك فيه جميع الناس مخالفون كلام رسول الله – ﷺ فالرجل يخرج من القرية إلى صحراء الحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافرًا وإن كانت المسافة أقل من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافرًا. فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفرًا والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفرًا فالسفر يكون بالعمل الذي يسمي سفرًا لأجله والعمل لا يكون إلا في زمان فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر سمي مسافرًا وإن لم تكن المسافة بعيدة.
وإذا قصر العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم سفرًا وإن بعدت المسافة. فالأصل هو العمل الذي يسمى سفرًا. ولا يكون العمل إلا في زمان فيعتبر العمل الذي هو سفر. ولا يكون ذلك إلا في مكان يسفر عن الأماكن. وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم. فما سموه سفرًا فهو سفر وإلا فلا، اهـ.
وخص بعضهم السفر المباح وهو إجماع في سفر الطاعة.
وأما المحرم فمذهب مالك والشافعي وأحمد لا يقصر. وعنه يقصر في سائر جنس الأسفار وهو مذهب أبي حنيفة وطوائف
стр. 408
من السلف والخلف. قال الموفق وغيره الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه وقال الشيخ الحجة مع من جعل القصر مشروعًا في جنس السفر ولم يخص سفرًا من سفر وهذا القول هو الصحيح. فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر ولم ينقل عن النبي – ﷺ أنه خص سفرًا من سفر.
ولو كان مما يختص بنوع لكان بيانه من الواجبات ولو بين لنقلته الأمة وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئًا ولم يذكر تقييده في شيء من الكتاب والسنة بنوع دون نوع فكيف يجوز أن يكون معلقًا بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ولا رسوله ذلك بل يكون بيان الله ورسوله متناولاً سفر الطاعة وسفر المعصية ونصره ابن عقيل وهو قول بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد وعليه العمل. وقال النووي من سافر لأي قصد من المقاصد دينًا أو دنيًا ترخص بلا خلاف ولغير قصد إلا الترخص ترخص وفاقًا لأبي حنيفة وأحمد واحد القولين للشافعي. وقطع به أهل التحقيق في الفرجة ونحوها. والملاح ونحوه يترخص اتفاقًا اختاره الشيخ وقال سواء كان معه أهله أو لا، لأنه أشق.
(ولهما عنه: خرجنا مع رسول الله ﷺ
من المدينة إلى مكة) يحتمل أنه عام الفتح أو في حجة الوداع (فكان يصلي) أي الرباعية (ركعتين ركعتين) أي كل رباعية ركعتين من حين خروجه بما يقع عليه اسم المفارقة بنوع من
стр. 409
البعد عرفًا لأن الله إنما أباح القصر لمن ضرب في الأرض وقبل المفارقة لا يكون ضاربًا فيها ولا مسافرًا وكذلك يجوز له القصر إن فارق خيام قومه اتفاقًا. ولهما عنه "صليت مع رسول الله – ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين" وثبت عنه – ﷺ أنه إنما كان يقصر إذا ارتحل. ولم يثبت عنه القصر قبل البروز ولو كان في مصر كبير.
قال شيخ الإسلام فإن السائر في المصر الكبير لو سار يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرًا. والمسافر عن قرية صغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرًا. وأن المسافر لا بد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء، وإن لفظ السفر يدل على ذلك، يقال سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لم يكن مسافرًا، اهـ.
وينتهي سفره ببلوغه مبدأ سفره. قال البخاري وخرج علي فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها قال أنس (حتى رجعنا إلى المدينة) ولأبي داود من حديث أبي هريرة: أنه "صلى مع النبي – ﷺ إلى مكة في المسير والمقام بمكة إلى أن رجعوا ركعتين ركعتين. قال يحيى بن أبي إسحاق لأن أقمتم بها شيئًا قال أقمنا بها عشرًا، ولمسلم خرجنا من المدينة إلى الحج ثم ذكر مثله.
وقال أحمد إنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي ﷺ .
стр. 410
بمكة ومنى وإلا فلا وجه له غير هذا واحتج بحديث جابر أن النبي – ﷺ "قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى وخرج من مكة متوجهًا إلى المدينة بعد أيام التشريق ومعنى ذلك كله متفق عليه من غير وجه.
وللبخاري عن ابن عباس قال "أقام النبي – ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يقصر" ويأتي حديث عمران بن حصين "ثماني عشرة" ولأبي داود عن جابر "أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر".
وهذه الأحاديث دلت على جواز القصر في هذه المدة ولا تدل على نفي ما زاد على تلك المدة فابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وأنس بنيسابور سنة أو سنتين يقصر.
وعن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة، ولا يسمى المسافر بالبقاء مع التردد كل يوم في الإقامة أو الرحيل مقيمًا وإن طالت المدة. وقال ﵊ "إنا قوم سفر" فمن صدق عليه هذا الاسم قصر لأن المعتبر هو السفر.
قال شيخ الإسلام وغيره للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع إقامة ويستوطن. قال وتقسيم الإقامة إلى مستوطن وغير مستوطن لا دليل عليه من جهة الشرع بل هو مخالف للشرع فإن هذه حال النبي ﷺ بمكة في غزوة الفتح. وفي حجة الوداع، وحاله بتبوك والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها
стр. 411
ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا عرف وذكر إقامة النبي – ﷺ وأصحابه وقصرهم في تلك المدة وأنهم مجمعون على إقامة أكثر من أربعة أيام. وقال ابن المنذر أجمعوا على أن المسافر يقصر ما لم يجمع على إقامة ولو أتى عليه سنون ومن حبس ظلمًا أو بمرض أو مطر ونحوه ولم ينو إقامة قصر أبدًا وإجماعًا.
(وعن عمران بن حصين مرفوعًا) قال غزوت مع النبي ﷺ وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين (يقول يا أهل البلد صلوا أربعًا) وفي لفظ "أتموا" (فإنا قوم سفر) بفتح السين وسكون الفاء أي مسافرون وكان أهل مكة يصلون مع رسول الله – ﷺ بالأبطح (رواه أبو داود) وغيره.
ولمسلم كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وقال ابن عباس تلك السنة رواه أبو داود.
وحكى أحمد وابن المنذر عن ابن عباس وابن عمر أن المسافر إذا ائتم بمقيم صلى بصلاته ولا يعرف لهم مخالف.
ولقوله ﵊ "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" ولأنها صلاة مردودة من أربع فلان يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة وسواء اقتدى به في جميع الصلاة أو بعضها اعتقده مسافرًا أو لا. ويسن للمسافر إذا أم مقيمين أن يقول أتموا لفعله ﵊ وخليفتيه من بعده بمكة لئلا يلتبس على الجاهل عدد الركعات.
والقصر لا يحتاج إلى نية وهو مذهب مالك وأبي حنيفة
стр. 412
وعليه عامة العلماء قال شيخ الإسلام لم ينقل أحد عن أحمد أنه قال لا يقصر إلا بنية وإنما هو قول الخرقي ومن اتبعه. ونصوص أحمد وأجوبته كلها مطلقة كما قاله جماهير العلماء وهو اختيار أبي بكر موافقة لقدماء الأصحاب. وما علمت أحدًا من الصحابة والتابعين لهم بإحسان اشترط نية لا في قصر ولا في جمع.
ولم ينقل قط أحد عن النبي – ﷺ أنه أمر أصحابه لا بنية قصر ولا بنية جمع ولا كان – ﷺ وأصحابه يأمرون بذلك من يصلي خلفهم. وقال وإذا كان فرضه ركعتين فإذا أتى بهما أجزأه ذلك سواء نوى القصر أو لم ينوه. وهذا قول الجماهير كمالك وأبي حنيفة وعامة السلف، اهـ.
وإن أحرم في الحضر ثم سافر أتم حكاه ابن حامد وغيره إجماعًا. وقال النووي وغيره اجتماع الحضر والسفر في العبادة يوجب تغليب حكم الحضر، اهـ. وإن أحرم سفرًا ثم أقام كراكب سفينة أحرم بالصلاة مقصورة فيها ثم وصل إلى وطنه في أثناء الصلاة أتم. وإن ذكر صلاة حضر في سفر أتمها إجماعًا حكاه أحمد وغيره وكذا إن ذكر صلاة سفر في حضر أتم لأن القصر من رخص السفر فبطل بزواله.
стр. 413
فصل في الجمع
أي في أحكام الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت أحدهما. قال الشيخ وهو رخصة عارضة للحاجة إليه فإن النبي – ﷺ لم يفعله إلا مرات قليلة فلذلك فقهاء الحديث كأحمد وغيره يستحبون تركه إلا عند الحاجة إليه اقتداء بالنبي – ﷺ إذا جد به السير. وفي الصحيح وغيره عن ابن مسعود قال "ما رأيت رسول الله – ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين" وأوسع المذاهب في الجمع مذهب أحمد فإنه نص على أنه يجوز دفعًا للحرج ويجوز للشغل.
وذكر ابن القيم أحاديث. وقال كل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها. وأوقات المعذورين ثلاثة وقتان مشتركان ووقت مختص والوقتان المشتركان لأرباب الأعذار أربعة لأرباب الرفاهية. ولهذا جاءت الأوقات في كتاب الله نوعين خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه فتوافقت دلالة الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح.
(وعن أنس) ﵁ قال: (كان رسول الله – ﷺ إذا ارتحل) في سفره (قبل أن تزيغ الشمس) أي قبل الزوال
(أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما) يعني في
وقت العصر. ولمسلم "إذا عجل به السير يؤخر الظهر
стр. 414
إلى وقت العصر فيجمع بينهما" وفي لفظ "كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ثم يجمع بينهما" وعن معاذ "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعًا.
فدلت هذه الأحاديث على جواز تأخير الظهر إلى وقت العصر لمن جد به السير وهو قول عامة أهل العلم إلا أبا حنيفة فلم ير سوى جمعي عرفة ومزدلفة وهو محجوج بهذه السنن الصحيحة الصريحة في جواز هذا الجمع وبالقياس على الجمع بمزدلفة، وكذا حكى عن الحسن والنخعي ولا التفات لقول مخالف للنصوص (فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر) أي وحده ولا يضم إليه العصر (ثم ركب متفق عليه) قال شيخ الإسلام لأن المسافر إذا ارتحل بعد زيغ الشمس ينزل وقت العصر. فهذا مما لا يحتاج إلى الجمع بل يصلي العصر في وقتها ولأحمد من حديث ابن عباس ومعاذ أنه يصلي الظهر والعصر وتكلم فيهما غير واحد. وقال الشيخ وقد يتصل سيره إلى الغروب فهذا يحتاج إلى الجمع بمنزلة جمع عرفة وبه تتفق الأحاديث.
(ولهما عن ابن عمر كان) رسول الله ( ﷺ إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء) يعني تأخيرًا. ولفظ الترمذي وصححه "أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما. ثم أخبر أن
стр. 415
رسول الله – ﷺ كان يفعل ذلك" وعن ابن عباس "وإذا حانت له المغرب في منزله نزل فجمع بينهما" رواه أحمد وغيره. وله من حديث معاذ "وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء. وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب"
فيستحب عند الحاجة كما كان يصلي ﷺ في سفره إذا جد به السير وهذا مذهب جمهور العلماء. قال البيهقي والنووي وغيرهما الجمع بين الصلاتين في وقت الأولى أو الثانية بعذر السفر هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين مع الثابت عن رسول الله ﷺ من جمع الناس بعرفة ومزدلفة, وهو موجود في كل الأسفار.
وقال شيخ الإسلام والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع بمزدلفة. وفي بعض أسفاره. وتارةً يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين. وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك. والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة، اهـ.
فلا يستحب إلا عند الحاجة إليه للاختلاف فيه غير جمعي عرفة ومزدلفة فسن بشرطه إجماعًا قال شيخ الإسلام الجمع
стр. 416
بعرفة ومزدلفة متفق عليه وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه وفعل كل صلاة في وقتها أفضل إذ لم يكن حاجة عند الأئمة كلهم. والنبي – ﷺ – لم يجمع في حجته إلا بعرفة ومزدلفة ولم يجمع بمنى ولا في ذهابه وإيابه. ولكن جمع في غزوة تبوك إذا جد به السير. والذي جمع هناك يشرع أن يفعل نظيره اهـ.
وما ورد في حديث معاذ وابن عباس من تقديم العصر ففيه مقال. وقال شيخ الإسلام هذا إذا كان لا ينزل إلا وقت الغروب كما كان بعرفة لا يفيض حتى تغرب الشمس أما إذا كان ينزل وقت العصر فإنه يصليها في وقتها وقال وإذا كان نازلاً في وقتهما جميعًا نزولاً مستمرًا فما علمت روي ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ وغزوة تبوك وحجه – ﷺ لم ينقل إنه جمع فيه إلا بعرفة ومزدلفة. وحديث معاذ ليس في المشهور.
وقال ابن القيم لم يكن ﷺ يجمع راتبًا في سفره كما يفعله كثيرًا من الناس. ولا الجمع حال نزوله أيضًا وإنما كان يجمع إذا جد به السير. وإذا سار عقيب الصلاة كما في أحاديث تبوك. وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه
إلا بعرفة ومزدلفة لأجل اتصال الوقوف كما قال الشافعي وشيخنا. (ولمسلم عن ابن عباس جمع النبي – ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء) بالمدينة (من غير خوف ولا مطر وفي لفظ "من غير خوف ولا سفر" وقيل لابن عباس
ما أراد بذلك. قال أراد أن لا يحرج أمته. أي لئلا يشق عليهم
стр. 417
فقصد إلى التخفيف عنهم. ولهما عنه أن النبي ﷺ "صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء" وفي لفظ "صلى لنا الظهر والعصر جميعًا من غير خوف ولا سفر" ودل الحديث بفحواه على الجمع للمرض والمطر والخوف. وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع وإخبار المواقيت فتبقى فحواه على مقتضاه قال ابن المنذر يجوز من غير خوف ولا مطر. قال الخطابي وهو قول جماعة من أصحاب الحديث لظاهر الحديث. ومنعه الجمهور لغير حاجة وفي الترمذي "الجمع من غير عذر من الكبائر" قال والعمل عليه عند أهل العلم. قال النووي وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع للحاجة لم لا يتخذه عادة.
وقال شيخ الإسلام في الجمع لمطر أو غيره: وبهذا الحديث استدل أحمد على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل فإنه إذا جمع ليرفع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع والجمع لها أولى من الجمع لغيرها وما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر وإن كان أولى بالجواز ما رواه مسلم عنه قال رأيت رسول الله ﷺ "يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء" قال ابن شقيق فحاق في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته
стр. 418
فصدق مقالته. ولمسلم عنه لما قال له رجل الصلاة قال أتعلمنا بالصلاة "وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله – ﷺ " وقد استدل على فعله وهو يخطب بالبصرة بما رواه لما رأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته وكانت عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع وكان يرى أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة.
وقال شيخ الإسلام: وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن الأمة. فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا والأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة. وقال أيوب ولعله في ليلة مطيرة. وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة المطيرة. وروي ذلك مرفوعًا وهو قول جمهور أهل العلم وذكر الشيخ أثارًا عن الصحابة.
ثم قال فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين. مع أنه لم ينقل أن أحدًا منهم أنكر ذلك فعلم أنه منقول عنهم بالتواتر جواز ذلك. وقول ابن عباس جمع النبي – ﷺ ليس نفيًا منه للجمع لتلك الأسباب بل إثبات منه لأنه جمع بدونها وإن كان قد جمع بها أيضًا ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى.
стр. 419
وقال يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك وإن لم يكن المطر نازلاً في أصح قولي العلماء. وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم. بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلي الصلوات الخمس في المسجد جماعة وذلك أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع كمالك والشافعي وأحمد.
والحديث يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى. وقال النووي وغيره يجوز الجمع من أجل المرض وفاقًا لمالك وقواه. وقال يستدل له بحديث ابن عباس "من غير خوف ولا مطر"؛ لأنه إما أن يكون بالمطر وإما بغيره مما في معناه أو دونه ولأن حاجة المريض آكد من الممطور. وقال الشيخ يجوز للمرض كما جاءت بذلك السنة في جمع المستحاضة فإن النبي ﷺ أمرها بالجمع في حديثين.
وقال: ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقت إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور. وفي الاختيارات يجوز للمرضع الجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة والجمهور على خلاف ذلك. قال ويجوز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله أو مال غيره بترك الجمع وللصلاة في الحمام مع جوازها فيه خوف فوات الوقت ولخوف تحرج في تركه وذكر ما في الصحيحين من حديث ابن
стр. 420
عباس أنه سئل لم فعل ذلك قال أرد أن لا يحرج أحدًا من أمته. فلم يعلله بمرض ولا غيره وجاء عن عمر أن من الكبائر الجمع بين الصلاتين إلا من عذر.
قال فدل على جواز إباحة الجمع للعذر ولم يخص عمر عذرًا دون عذر.
وإذا استوى التأخير والتقديم في الأرفق بهم فالتأخير أفضل في الجملة. وقال الشيخ في جمع المطر السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية وقيل إن ظاهر كلامه أنه لا يجمع وفيه وجه ثالث أن الأفضل التأخير وهو غلط مخالف للسنة والإجماع القديم. وصاحب هذا القول ظن أن التأخير أفضل مطلقًا وهذا غلط فليس جمع التأخير أولى من التقديم بل ذلك بحسب الحاجة والمصلحة فقد يكون هذا أفضل. وهذا مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه وغيره. ويأتي الكلام في جمعي عرفة ومزدلفة إن شاء الله. ويشترط الترتيب وقيل والموالاة. ورجح الموقف وغيره أنه راجع إلى العرف.
وذكر الشيخ أن كلام أحمد يدل على أن الجمع عنده هو الجمع في الوقت وإن لم يصل إحداهما بالأخرى كالجمع في وقت الثانية على المشهور في مذهبه ومذهب غيره. وإنه إذا صلى المغرب في أول وقتها والعشاء في آخر وقت المغرب حيث يجوز له
стр. 421
الجمع جاز ذلك. وأنه نص على نظير هذا فقال إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو الجمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة.
قال والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا وقت الثانية فإنه ليس لذلك حد في الشرع. وفي الصحيحين في قصة جمع مزدلفة بعد أن صلى المغرب "أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء" واشترطوا وجود العذر عند افتتاحهما وسلام الأولى. فلو انقطع السفر ونحوه في الأولى بطل.
فصل في صلاة الخوف
أي في بيان صفة صلاة الخوف وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر الأمة إلا أبا يوسف فقال إنما صلوها معه – ﷺ – لفضله. قال الطحاوي وهذا القول ليس عندنا بشيء والكتاب والسنة وإجماع الصحابة حجة عليه وقال ﵊ "صلوا كما رأيتموني أصلي".
(قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ﴾ أي يا محمد ﴿فِيهِمْ﴾ أي مع المؤمنين الخائفين والمراد بيان الحكم لا لوجوده أي بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ أي إذا أردت أن تقيم بهم الصلاة قال ابن عباس لما رأى المشركون
стр. 422
رسول الله – ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر وهو يؤمهم وذلك في غزوة ذات الرقاع ندم العدو على تركهم الإقدام على قتالهم فقال بعضهم دعوهم فإن لهم بعد صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأولادهم وأموالهم يريدون صلاة العصر فإن رأيتموهم قاموا إليها فشدوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبرائيل بهذه الآيات بين الصلاتين
فعلمه كيفية أداء صلاة الخوف وأطلعه الله على قصدهم ومكرهم. قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ أي تقف معك بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو وليحرسوكم منهم ﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي الطائفة القائمة معك وهم المصلون ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي لا يضعوها ولا يلقوها وإنما عبر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي القائمون معك وأتموا الصلاة ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ أي فلينصرفوا إلى مقابلة العدو للحراسة. ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ﴾ بعد وهي الطائفة الواقفة تجاه العدو للحراسة ﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ الركعة الباقية ويتموا لأنفسهم كما في حديث سهل ﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي هذه الطائفة القائمة معك وقيل وليأخذ الطائفة الباقية ﴿حِذْرَهُمْ﴾ وهو التحفظ والتيقظ والاحتياط لئلا يهجم عليهم العدو ﴿وَلْيَأْخُذُواْ َأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ليدفعوا عن أنفسهم والجمهور لا
стр. 423
يجب ولا يشترط اتفاقًا ويكره ما ينقل كجوشن ويضر غيره كرمح ما لم يكن على جانب.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ فينالون منكم غرة وينتهزون فرصة ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيشدون عليكم شدة واحدة والمراد بالأمتعة ما يتمتع به في الحرب مطلقًا ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ رخصة لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من المطر أو يضعفهم من مرض.
ومن ذلك قال بعض أهل العلم بوجوب حمل الأسلحة وجمهور الفقهاء على الندب ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر ثم قال ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾ سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ بتعديل أركانها ومراعاة شرائعها ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ فلا بد من إقامتها في حالة الخوف والأمن على الوجه المشروع فيهما.
وقال: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أي اشتد الخوف وتواصل الطعن والضرب والكر والفر ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما تقدم ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي فصلوا رجالاً أو ركبانًا والرجال جمع راجل والراجل الكائن على رجليه واقفًا كان أو ماشيًا والركبان جمع راكب وأكثر ما يقال لراكب الإبل بدون إضافة
стр. 424
والأمر للوجوب. قال الزركشي لا تسقط الصلاة حال المسايفة والتحام الحرب بلا نزاع ولا يجوز تأخيرها إن لم تكن الأولى من المجموعتين.
(وعن سهل) بن أبي حثمة بن ساعدة الأوسي الأنصاري ولد سنة ثلاث من الهجرة روى عن النبي ﷺ وغيره من الصحابة وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية (أن طائفة من أصحاب النبي ﷺ صفت معه) يوم ذات الرقاع في صلاة الخوف بأرض غطفان.
قال ابن القيم هي قبل الخندق (وطائفة وجاه) بكسر الواو أي: تجاه العدو وهذا فيما كان العدو في غير جهة القبلة.
(فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى) التي كانت قبل وجاه العدو (فصفت معه) ﷺ (فصلى بهم الركعة التي بقيت) من صلاته ﷺ (ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم" متفق عليه) واختار الشافعي وأحمد وغيرهما حديث سهل لكونه أشبه بكتاب الله وأحوط للصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل وأحوط لأمر الحرب وأنكى للعدو. وقال مالك ذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.
وهذه القصة واضحة وقد ذهب إليها جماعة من الصحابة ومن بعدهم. وظاهر القرآن مطابق لما دل عليه هذا الحديث
стр. 425
الجليل لقوله تعالى ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ وهذه الكيفية أقرب إلى موافقة المعتاد من الصلوات في تقليل الأفعال المنافية للصلاة ولمتابعة الإمام.
(ولهما عن ابن عمر نحوه) ولفظه قال غزوت مع رسول الله – ﷺ قبل نجد فوازينا العدو فصاففناهم "فقام رسول الله – ﷺ فصلى بنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع بمن معه ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاؤوا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين".
ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى ويحتمل أنهم أتموا في حالة واحدة. والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد فلو كانوا ثلاثة جاز للإمام أن يصلي بواحد والثالث يحرس ثم يصلي مع الإمام.
(ولهما عن جابر صلى بكل طائفة ركعتين) ولفظه أقبلنا مع رسول الله – ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع قال فنودي بالصلاة "فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخر فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله – ﷺ أربع وللقوم ركعتان".
(ولمسلم عنه صففنا صفين خلفه) أي خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة "فكبر وكبرنا جميعًا ثم ركع
وركعنا جميعًا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا (ثم
следующие страницы →