← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الجمع جاز ذلك. وأنه نص على نظير هذا فقال إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو الجمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة. قال والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال لا في وقت الأولى ولا وقت الثانية فإنه ليس لذلك حد في الشرع. وفي الصحيحين في قصة جمع مزدلفة بعد أن صلى المغرب "أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء" واشترطوا وجود العذر عند افتتاحهما وسلام الأولى. فلو انقطع السفر ونحوه في الأولى بطل. فصل في صلاة الخوف أي في بيان صفة صلاة الخوف وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر الأمة إلا أبا يوسف فقال إنما صلوها معه – ﷺ – لفضله. قال الطحاوي وهذا القول ليس عندنا بشيء والكتاب والسنة وإجماع الصحابة حجة عليه وقال ﵊ "صلوا كما رأيتموني أصلي". (قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ﴾ أي يا محمد ﴿فِيهِمْ﴾ أي مع المؤمنين الخائفين والمراد بيان الحكم لا لوجوده أي بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ أي إذا أردت أن تقيم بهم الصلاة قال ابن عباس لما رأى المشركون

стр. 422

رسول الله – ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر وهو يؤمهم وذلك في غزوة ذات الرقاع ندم العدو على تركهم الإقدام على قتالهم فقال بعضهم دعوهم فإن لهم بعد صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأولادهم وأموالهم يريدون صلاة العصر فإن رأيتموهم قاموا إليها فشدوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبرائيل بهذه الآيات بين الصلاتين فعلمه كيفية أداء صلاة الخوف وأطلعه الله على قصدهم ومكرهم. قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ أي تقف معك بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو وليحرسوكم منهم ﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي الطائفة القائمة معك وهم المصلون ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي لا يضعوها ولا يلقوها وإنما عبر عن ذلك بالأخذ للإيذان بالاعتناء باستصحابها كأنهم يأخذونها ابتداء ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي القائمون معك وأتموا الصلاة ﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ أي فلينصرفوا إلى مقابلة العدو للحراسة. ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ﴾ بعد وهي الطائفة الواقفة تجاه العدو للحراسة ﴿فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ الركعة الباقية ويتموا لأنفسهم كما في حديث سهل ﴿وَلْيَأْخُذُواْ﴾ أي هذه الطائفة القائمة معك وقيل وليأخذ الطائفة الباقية ﴿حِذْرَهُمْ﴾ وهو التحفظ والتيقظ والاحتياط لئلا يهجم عليهم العدو ﴿وَلْيَأْخُذُواْ َأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ليدفعوا عن أنفسهم والجمهور لا

стр. 423

يجب ولا يشترط اتفاقًا ويكره ما ينقل كجوشن ويضر غيره كرمح ما لم يكن على جانب. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ فينالون منكم غرة وينتهزون فرصة ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيشدون عليكم شدة واحدة والمراد بالأمتعة ما يتمتع به في الحرب مطلقًا ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ رخصة لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من المطر أو يضعفهم من مرض. ومن ذلك قال بعض أهل العلم بوجوب حمل الأسلحة وجمهور الفقهاء على الندب ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر ثم قال ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾ سكنت قلوبكم من الخوف وأمنتم ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ بتعديل أركانها ومراعاة شرائعها ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ فلا بد من إقامتها في حالة الخوف والأمن على الوجه المشروع فيهما. وقال: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أي اشتد الخوف وتواصل الطعن والضرب والكر والفر ولم يمكن تفريق القوم وصلاتهم على ما تقدم ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي فصلوا رجالاً أو ركبانًا والرجال جمع راجل والراجل الكائن على رجليه واقفًا كان أو ماشيًا والركبان جمع راكب وأكثر ما يقال لراكب الإبل بدون إضافة

стр. 424

والأمر للوجوب. قال الزركشي لا تسقط الصلاة حال المسايفة والتحام الحرب بلا نزاع ولا يجوز تأخيرها إن لم تكن الأولى من المجموعتين. (وعن سهل) بن أبي حثمة بن ساعدة الأوسي الأنصاري ولد سنة ثلاث من الهجرة روى عن النبي ﷺ وغيره من الصحابة وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية (أن طائفة من أصحاب النبي ﷺ صفت معه) يوم ذات الرقاع في صلاة الخوف بأرض غطفان. قال ابن القيم هي قبل الخندق (وطائفة وجاه) بكسر الواو أي: تجاه العدو وهذا فيما كان العدو في غير جهة القبلة. (فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى) التي كانت قبل وجاه العدو (فصفت معه) ﷺ (فصلى بهم الركعة التي بقيت) من صلاته ﷺ (ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم" متفق عليه) واختار الشافعي وأحمد وغيرهما حديث سهل لكونه أشبه بكتاب الله وأحوط للصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل وأحوط لأمر الحرب وأنكى للعدو. وقال مالك ذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف. وهذه القصة واضحة وقد ذهب إليها جماعة من الصحابة ومن بعدهم. وظاهر القرآن مطابق لما دل عليه هذا الحديث

стр. 425

الجليل لقوله تعالى ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ وهذه الكيفية أقرب إلى موافقة المعتاد من الصلوات في تقليل الأفعال المنافية للصلاة ولمتابعة الإمام. (ولهما عن ابن عمر نحوه) ولفظه قال غزوت مع رسول الله – ﷺ قبل نجد فوازينا العدو فصاففناهم "فقام رسول الله – ﷺ فصلى بنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع بمن معه ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاؤوا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين". ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى ويحتمل أنهم أتموا في حالة واحدة. والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد فلو كانوا ثلاثة جاز للإمام أن يصلي بواحد والثالث يحرس ثم يصلي مع الإمام. (ولهما عن جابر صلى بكل طائفة ركعتين) ولفظه أقبلنا مع رسول الله – ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع قال فنودي بالصلاة "فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخر فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله – ﷺ أربع وللقوم ركعتان". (ولمسلم عنه صففنا صفين خلفه) أي خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة "فكبر وكبرنا جميعًا ثم ركع وركعنا جميعًا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا (ثم

стр. 426

انحدر بالسجود والصف الذي يليه الحديث) أي وانحدر الصف الذي يليه "وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى السجود قام الصف الذي يليه وانحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع وركعنا جميعًا. وذكر نحو ما تقدم ثم سلم النبي – ﷺ وسلمنا جميعًا" وفي لفظ غزونا قومًا من جهينة وذكر نحوه. (ولأحمد) وأبي داود والنسائي وغيرهم (عن أبي بكرة صلى) يعني رسول الله – ﷺ صلاة الخوف (بكل طائفة صلاة ولفظه "صلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم ثم تأخروا وجاء الآخرون فكانوا في مقامهم فصلى بهم ركعتين ثم سلم ثم تأخروا وجاء الآخرون فكانوا في مقامهم فصلى بهم ركعتين ثم سلم" وروي أنه " صلى بكل طائفة ركعة بلا قضاء" ومنعه الأكثر. وقال بعض أهل العلم في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ﴾ هو قصر الكيفية لا الكمية وصوبه ابن كثير واستأنسوا بقول عمر وغيره فرضت الصلاة ركعتين، قالوا ولهذا قال بعدها ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ الآية وقال البغوي وأكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم لا ينقص الخوف من العدو شيئًا. وقيل المراد ركعة مع الإمام وليس فيها نفي الثانية. وقال أحمد صحت صلاة الخوف عن النبي – ﷺ من خمسة أوجه أو ستة أوجه كلها جائزة. ومن ذهب إليها كلها فحسن.

стр. 427

قال شيخ الإسلام وغيره وهذا قول عامة السلف إتباعًا ولما جاء به الشارع – ﷺ وأحمد ﵀ على قاعدته يجوز جميع ما ورد وقال فقهاء الحديث كأحمد وغيره متبعون لعامة الثابت عن النبي – ﷺ وهذه الأحاديث أصولها وربما اختلف بعض ألفاظها فذكرها بعضهم أكثر. قال ابن القيم والصحيح هذه الأوجه فصح أنه – ﷺ صلاها في أربع. ذات الرقاع وبطن نخل. وعسفان. وذي قرد المعروف بغزوة الغابة. وقال أحمد أصولها ست صفات: وأبلغها بعضهم أكثر هؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجهًا فصارت سبعة عشر لكن يمكن أن تتداخل أفعال النبي – ﷺ وإنما هو من اختلاف الرواة، قال الحافظ: وهذا هو المعتمد. ومنع ابن الماجشون صلاة الخوف في الحضر. ورد قوله بأن اعتبار السفر وصف طردي ليس بشرط ولا سبب وإلا لزم أن لا يصلي إلا عند الخوف من العدو الكافر. وأما كونه – ﷺ لم يصلها يوم الخندق فذلك قبل نزول آية صلاة الخوف. واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على جوازها سواء كان القتال سفرًا أو حضرًا لأن المبيح الخوف لا السفر. ولا تأثير له في قصر الصلاة. وإنما تأثيره في الصفة. وقال الزركشي ومن شروط صلاة الخوف أن يكون العدو يحل قتاله ويخاف هجومه لأنها رخصة فلا تستباح بالقتال المحرم. ودلت هذه النصوص على عظم شأن صلاة الجماعة.

стр. 428

(وعن ابن عمر قال إذا كان خوف أشد من ذلك) أي مما تقدم (صلوا رجالاً قيامًا على أقدامهم وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه) زاد البخاري قال نافع لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي – ﷺ وتقدمت الآية في ذلك. ولأنه ﷺ صلى بأصحابه في غير شدة الخوف وأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة ثم يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم فمع شدة الخوف أولى. ولا يلزم الإحرام على القبلة ولو أمكن. وقال أحمد وغيره تجوز صلاة شدة الخوف رجالاً وركبانًا جماعة كما تجوز فرادى وهو مذهب الشافعي. ولم يجوزه مالك وأبو حنيفة: ولا تسقط بحال إجماعًا ويكرون ويفرون ولا يؤخرون الصلاة وهو قول أكثر أهل العلم لما تقدم ويومؤن بقدر طاقتهم لأنهم لو تمموا الركوع والسجود كانوا هدفًا لأسلحة العدو ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم. وكذا حالة هرب من عدو أو سيل أو سبع أو نار أو غريم ظالم، أو خوف على نفسه أو أهله أو ماله إن صلى صلاة أمن أو ذب عنه أو عن غيره وكل ذلك مبيح للصلاة على هذه الصفة وحكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه في صلاة المطلوب وإن كان طالبًا نزل فصلى إلا أن ينقطع فيخاف أو يخاف فوت عدو يطلبه لفعل عبد الله بن أنيس لما بعثه النبي – ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله صلى بالإيماء نحوه رواه أبو داود وغيره.

стр. 429

ولأن فوت عدوه ضرر عليه فأبيحت له صلاة الخوف كحال لقائه. وكذا من خاف كمينًا أو مكيدة أو مكروهًا صلى صلاة الخوف. وكذا أسير خاف على نفسه فيصلي كيف أمكنه قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا ومستلقيًا إلى القبلة وغيرها بالإيماء حضرًا وسفرًا. أو خاف فوت الوقوف بعرفة صلى صلاة خائف اختاره الشيخ وغيره. وقال ابن القيم فيكون في طريقه مصليًا كما يصلي الهارب من سيل أو سبع أو عدو اتفاقًا أو الطالب لعدو يخشى فواته على أصح القولين وهو أقيس الأقوال وأقربها إلى قواعد الشرع ومقاصده. فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان. وأن لا يفوت منها شيء اهـ فكيفما أمكن في صلاة الخوف أولى من تأخير الصلاة عن وقتها لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله – ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". باب صلاة الجمعة اتبعت السفر لمناسبة تنصيف كل صلاة منهما وسميت بذلك لجمعها الخلق الكثير أو من اجتماع الناس لها. أو لأن آدم جمع خلقه فيها أو لما جمع فيها من الخير. واسمه القديم يوم العروبة لأن العرب كانت تعظمه. وقيل أو من سماه يوم

стр. 430

الجمعة. كعب بن لؤي قال الشيخ فعلت بمكة على صفة الجواز وفرضت بالمدينة وهي واجبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وحكى ابن المنذر وابن العربي الإجماع على أنها فرض عين. وقال العراقي: مذاهب الأئمة متفقة على أنها فرض عين لكن بشروط. يشترطها أهل كل مذهب. اهـ وصلاة الجمعة من أوكد فروض الإسلام ومن أعظم مجامع المسلمين. وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه سوى مجمع عرفة وأفرضه. وخص بأكثر من أربعين خاصية لا توجد في غيره. (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي﴾ أي بالأذان الثاني وهو الذي كان على عهد النبي – ﷺ وأما الأول الآن فهو إنما زاده عثمان ﵁ فالمراد الثاني الذي يجب به السعي ﴿لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ أي في يوم الجمع ﴿فَاسْعَوْا﴾ أي اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي صلاة الجمعة ليس المراد ههنا المشي السريع ولا عدو البدن. وإنما هو الاهتمام بها والعمل والفعل. وكان عمر وابن مسعود يقرآن (فامضوا إلى ذكر الله) وتقدم قوله ﵊ "إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار". فبينت السنة المراد بالسعي أنه المضي إليها لإدراكها وذلك لمن يدركها به وإلا فما الضروري التقدم لإدراكها ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وكذا الشراء وهو إنما يحرم عند النداء الثاني الذي كان على عهد النبي ﷺ حين نزول الآية. فتعلقت

стр. 431

الأحكام به ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع والشراء ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من المبايعة ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ مصالح أنفسكم فدلت الآية على فضلها وفرضيتها. (وعن أبي هريرة أن رسول الله – ﷺ قال "هذا يومهم الذي فرض عليهم) يعني، فرض على أهل الكتاب والمراد باليوم "يوم الجمعة" فرض تعظيمه عليهم (فاختلفوا فيه) هل يلزمهم تعينه أم يسوغ لهم إبداله بيوم آخر فاجتهدوا فأخطؤوا (فهدانا الله له) والناس لنا فيه تبع وأول السياق "نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة، بيد) أي غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" يعني التوراة والإنجيل "وأوتيناه" يعني القرآن "من بعدهم (متفق عليه). وفي لفظ "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة. هدانا الله له وضل الناس عنه" ولمسلم أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة" ولفظ البخاري "فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له" قال ابن بطال ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليهم وهو مؤمن. وإنما يدل والله أعلم أنه فرض عليهم يوم من الأسبوع ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام ولم يهتدوا ليوم الجمعة؛ فهدى الله هذا النبي الكريم وأمته لها بالنص والاجتهاد.

стр. 432

قال الحافظ وغيره. وفي الحديث دليل على فرضية الجمعة كما قال النووي لقوله "فرض عليهم فهدانا الله له" فإن التقدير فرض عليهم وعلينا فضلوا وهدينا أي لخير يوم طلعت عليه الشمس. وفي صحيح الحاكم "سيد الأيام يوم الجمعة" ولابن ماجه "يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر" وخصت به هذه الأمة وشرفه الله وخصه بعبادات يختص بها عن غيره. وقيل الحكمة في اختيار الجمعة وقوع خلق آدم فيه والإنسان إنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه ولأن الله أكمل فيه الموجودات. وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه فهو اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة ويتخلى فيه عن أشغال الدنيا فهو مع غيره في الأيام كرمضان في الشهور وله على سائر الأيام مزية كما لرمضان. وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان. ولهذا من صحت له جمعته وسلمت له صح له وسلم له سائر أسبوعه. فهو ميزان الأسبوع وهو عيد الأسبوع ويوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد. (ولمسلم عنه) أي عن أبي هريرة وكذا عن ابن عمر (سمعته) يعني رسول الله – ﷺ (يقول على أعواد منبره) أي الذي عمل له من عود سنة سبع عمله له غلام امرأة من الأنصار وكان على ثلاث درج ولم يزل حتى زاده مروان في زمن

стр. 433

معاوية ست درجات من أسفله ولم يزل حتى احترق المسجد سنة أربع وخمسين وستمائة (لينتهين أقوام عن ودعهم) أي تركهم (الجمعات) جمع جمعة (أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم هو الطبع والتغطية عليها عقوبة على تركهم لها. فإن من استولت عليه الغفلة وعرض عليه الخير فاعرض عنه يعاقب بأن لا يحصل له (ثم ليكونن من الغافلين) بعد ختمه على قلوبهم فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم وللخمسة عن أبي الجعد أن رسول الله – ﷺ قال "من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه" ولابن ماجه نحوه عن أبي هريرة وفي هذه الأحاديث وغيرها أعظم الزجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها. وإن تركها من أعظم أسباب الخذلان وعزم على تحريق المتخلف عنها. وتقدم ذكر ما ورد في وجوب صلاة الجماعة من الكتاب والسنة وقول علماء الأمة ما يدل على وجوب صلاة الجمعة بطريق الأولى. وهي أفضل من الظهر بلا نزاع وآكد منه لأنه ورد في فضلها وفي التهديد على تركها ما لم يرد في الظهر ولأن لها شروطًا وخصائص ليست له، وصلاة الجمعة مستقلة وليست بدلاً عن الظهر وإذا فات وقتها فاتت بالكلية بخلاف غيرها. قال عمر صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد – ﷺ . وهي فرض الوقت فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقية الوقت

стр. 434

لم تصح لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به. وتركوا ما خوطبوا به كما لو صلوا العصر مكان الظهر. وتلزمهم الجمعة ولا يعارض فرض الظهر ليلة الإسرى تأخير فرض الجمعة بعده فإنها إذا فاتت وجب الظهر إجماعًا فهو بدل عنها إذا فاتت. (وعن طارق بن شهاب) بن عبد شمس البجلي الأحمسي رأي النبي – ﷺ ولم يسمع منه وتوفي سنة ثلاث وثمانين (أن رسول الله – ﷺ قال الجمعة حق واجب على كل مسلم) خرج الكافر فإن الإسلام شرط في صحة العبادة. وللنسائي عن حفصة قال "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" وذكره ابن المنذر إجماعًا والنصوص في ذلك شهيرة (إلا أربعة) بالنصب وما بعده بدل منه. وإن رفع فخبره محذوف. أو على تأويل لا يترك الجمعة مسلم في جماعة إلا أربعة أو إلا بمعنى لكن وأربعة مبتدأ. وبين الأربعة بقوله (عبد مملوك) فلا تجب عليه أشبه المحبوس بالدين قال ابن المنذر وهو قول أكثر العلماء اهـ. وهذا القول إحدى الروايات عن أحمد وعنه تجب على العبد وعليه أكثر أهل العلم واختاره المجد وغيره. وقال هو كالإجماع وعبد وما عطف عليه يحتمل أن يكون منصوبًا على البدل سقطت منه الألف على طريقة المتقدمين في عدم رسم الألف اكتفاء في مثله بالشكل وله شواهد. ويحتمل أن يكون مرفوعًا على القطع أي هم عبد لما تقرر إن البدل إذا فصل به مذكور وكان وافيًا يجوز

стр. 435

فيه البدل وإلا تعين القطع إن لم ينو معطوف محذوف كما هو معروف. (وامرأة) فلا تجب الجمعة عليها إجماعًا حكاه ابن المنذر وغيره. وأجمعوا على أنهم إذا حضرن فصلين الجمعة إن ذلك يجزئ عنهن وغير العجائز لا يستحب لهن حضورها بلا نزاع. وتقدم ذكر ما يباح له منهن حضور الجماعة (أو صبي) فلا تجب عليه إجماعًا لنقص بدنه ورفع التكليف عنه. وكذا لا تجب على مجنون ولا كافر بمعنى أنهما لا يقضيانها. وتقدم أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة. (أو مريض) وتقدم أم المرض المسقط لحضورها هو الذي يلحق صاحبه مشقة ظاهرة غير محتملة (رواه أبو داود) قال في المبدع إسناده ثقات وقال الحافظ صححه غير واحد وقال هو مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح. وقال العراقي حجة عند الجمهور، وإذ قد ثبتت صحبته فالحديث صحيح وادعى بعض الحنفية الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة. وسمي مرسلاً لصغر طارق ويؤيده ما رواه جابر وتميم الداري وابن عمر وأبو هريرة وغيرهم. وفي حديث أبي هريرة "وأهل البادية " وللطبراني من حديث ابن عمر "ليس على مسافر جمعة" وفيها دليل على أن صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم سوى من استثنى إذا كان مستوطنًا ببناء يشمله اسم.

стр. 436

واحد ولو تفرق كالمدينة النبوية فلا تجب على كل مسافر لأن النبي – ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون إلى الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر مع اجتماع الخلق الكثير. ومن وجبت عليه انعقدت به قاله الشيخ وغيره ويجوز أن يؤم فيها عند جماهير العلماء أبي حنيفة ومالك والشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد لصحتها منه وتجزئة بلا نزاع. ومن سقطت عنه لعذر كمرض وحضرها أجزأته وجاز أن يؤم فيها إجماعًا لأن سقوطها عنه لمشقة السعي وقد زالت. قال ابن القيم في المسافر الاختيار أن لا يسافر إذا طلع الفجر وهو حاضر حتى تصلى الجمعة ما لم يخف فوت رفقته اهـ، وإن كان من العدد المعتبر لها وقد كان يعلم أنها لا تكمل إلا به فيحرم وإلا فيكره ولا يحرم لقوله ﵊ "ما منعك أن تغدو مع أصحابك " قال أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم فقال لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم. وقال عمر لا تحبس الجمعة عن سفر وكما لو سافر من الليل هذا إذا لم يكن أذن لها فإن كان أذن لها فيحرم كما لو زالت الشمس حتى يصلي لتركه لها بعد الوجوب وهذا مذهب جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وقال الطوفي لا نزاع في تحريم السفر حينئذ لتعلق حق الله بالإقامة اهـ. كما لو تركها لتجارة فإن خافت فوت رفقته سقوط وجوبها.

стр. 437

فصل في شروطها أي في شروط صحة الجمعة وهي الوقت والجماعة والاستيطان والخطبتان. لا إذن الإمام لأن عليًا صلى بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد وصوبه عثمان وأبطأ الوليد بن عقبة فصلى ابن مسعود وصلى أبو موسى الأشعري حين أخرها سعيد بن العاص. وقال أحمد وقعت الفتنة في الشام تسع سنين وكانوا يجمعون ولم تنكر هذه الجمع فكان إجماعًا. (عن سهل) يعني ابن سعد ﵁ (قال ما كنا نقيل) من القيلولة وهي الاستراحة وسط النهار (ولا نتغذى) قال ابن قتيبة لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال أي لا نفعل ذلك (إلا بعد الجمعة متفق عليه) وفي رواية "في عهد رسول الله ﷺ " وفيه دليل على أنهم كانوا في عهد رسول الله ﷺ يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر. وللبخاري عن أنس قال: "كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة ثم نرجع إلى القائلة فنقبل" وأصرح منه ما في مسلم عن جابر "كنا نصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنربحها حين تزول الشمس". فدلت هذه الأحاديث لما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من السلف من جواز صلاة الجمعة قبل الزوال لقول عبد الله بن سيدان شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت

стр. 438

خطبته وصلاته قبل نصف النهار. ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول قد زال النهار. فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره احتج به أحمد فصار إجماعًا سكوتيًا. وعن ابن مسعود كان يصلي الجمعة ضحى ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم. رواه أحمد وعن معاوية نحوه رواه سعيد. وفعلها ابن الزبير في وقت العيد وصوبه ابن عباس وأبو هريرة ولأنها صلاة عيد فجازت قبل الزوال. (وللبخاري عن أنس قال كان رسول الله – ﷺ "يصلي الجمعة حين تميل الشمس) ولهما عن سلمة بن الأكوع قال "كنا نجمع مع رسول الله – ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء" وفي لفظ "وليس للحيطان ظل يستظل به" فدلت هذه الأحاديث على شدة التبكير. والجمهور أنها لا تجوز إلا بعد الزوال. وقال الزركشي والتقديم ثبت رخصة بالسنة والآثار. وأما وقت الوجوب فبزوال الشمس إجماعًا. وعن أحمد وقتها كالظهر وفاقًا. ولا ينافي ما تقدم لأن سائر المسلمين لا يمنعون ذلك بعد الزوال. وآخر وقتها آخر وقت صلاة الظهر لا نزاع إلحاقًا لها بها لوقوعها موضعها وفعلها بعد الزوال أفضل لهذه الأخبار وخروجًا من الخلاف ولأنه الوقت الذي كان يصلي

стр. 439

فيه رسول الله – ﷺ في أكثر أوقاته فالأولى فعلها بعد الزوال صيفًا وشتاءً حين تميل الشمس. وإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوا ظهرًا بلا خلاف لفوات الشرط ولأنها لا تقضي. (وعن أبي سعيد قال قال رسول الله – ﷺ "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم" رواه مسلم) وهذا عام وقال شيخ الإسلام تنعقد الجمعة بثلاثة واحد يخطب وإثنان يستمعان وهو إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء اهـ. وذهب طائفة من أهل العلم على اشتراط أربعين من أهل وجوبها وهذا المذهب عند أصحاب أحمد والشافعي واستدلوا بقصة مصعب بن عمير لما بعثه النبي – ﷺ إلى أهل المدينة فلما كان يوم الجمعة جمع بهم وكانوا أربعين وقالوا لم ينقل إنها صليت بدون ذلك. وقد ثبت أنه – ﷺ صلى بهم حين انفضوا ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً وهو أيضًا لا يقتضي أنها لا تصح بدون ذلك. وحكى النووي وغيره إجماع الأمة على اشتراط العدد وأنها لا تصح من منفرد وأن الجماعة شرط لصحتها. والله أعلم أنه لا مستند لاشتراط عدد أوضح وأصح من حديث أبي سعيد ويشهد له عموم الآية وما سواه من الأقوال يحتاج إلى برهان. قال شيخنا ولا برهان يخرجه من هذا العموم فدل على أنها تنعقد بالجمع وأقله ثلاثة وأما ما روي من قول جابر مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة فلم يصح ولا يقاوم حديث أبي سعيد ولا حديث جابر.

стр. 440

وقال حافظ عصره الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو حديث ساقط لا يحتج به لأنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن وهو ضعيف. قال البيهقي هذا حديث لا يحتج به ثم لو صح فليس فيه حجة، ويقال اشتراط الأربعين العقلاء الحاضرين الذكور الأحرار تحكم بالرأي بلا دليل وإسقاط للجمعة عمن دون الأربعين. وقد ثبت وجوب الجمعة بعموم الآية والأحاديث والإجماع على كل أحد فمن أراد إخراج أحد عن وجوبها فعليه الدليل واتفق المسلمون على اشتراط الجماعة لها واختلفوا في العدد المشترط لها وذكر الأقوال ثم قال: ونص أحمد على أنها تنعقد بثلاثة اثنان يستمعان وواحد يخطب اختاره شيخ الإسلام. قال الشيخ سليمان وهذا القول أقوى وهو كما قال شرعًا ولغة وعرفًًا لقوله (فاسعوا) وهذا صيغة جمع وأقل الجمع ثلاثة وفي الحديث "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم". فأمرهم بالإمامة وهو عام في إمامة الصلوات كلها الجمعة والجماعة. ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم. وإسقاطها عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح اهـ ويقال ولو كانت الأربعون شرطًا لما جز أن يسكت عنه الشارع – ﷺ ولا يبينه. وقد أبلغ الحافظ وغيره أقوالهم إلى خمسة عشر.

стр. 441

ولا مستند لاشتراط عدد معين أربعين أو خمسين أو ثلاثين أو تسعة أو سبعة أو خمسة كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين وقال به طائفة. واشترط في المأمومين المستمعين للخطبة ومن أسقطها عن هذا العدد فما فوق فعليه البرهان. وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالإجماع والجمعة صلاة فلا تخص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل. وقال عبد الحق وغيره لم يثبت في عدد الجمعة شيء. وعن ابن عباس (أول جمعة جمعت) أي صليت جماعة زاد أبو داود في الإسلام (بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ ) يعني بالمدينة وهو رواية ووقع في رواية بمكة وقال الحافظ خطأ بلا مرية وإنما أول جمعة وقعت بعد الجمعة بالمدينة جمعة (في مسجد عبد القيس) قبيلة من أسد بن ربيعة وفي رواية من قرى عبد القيس (بجواثي) بضم الجيم ولفظ أبي داود بجواثي قريبة من قرى (البحرين) وهو المعروف الآن بالأحساء فليس من شروطها المصر (رواه البخاري). وبيوتهم من جريد النخل ونحوه. وكتب ﵊ إلى قرى عرينة أن يصلوا الجمعة. وأسعد بن زرارة أول من جمع في قرية يقال لها هزم النبيت في حرة بني بياضة على ميل من المدينة, وأقر عمر أهل المنازل التي بين مكة والمدينة على التجميع ومعلوم أنها لم تكن بمدر وهي إما من جريد أو سعف أو قصب. والحديث وما في معناه يدل على وجوب الجمعة على

стр. 442

أهل القرى كالمدن من أي أجزاء البناء وهو قول جماهير العلماء إلا ما روي عن الحنفية. قال شيخ الإسلام كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفًا تقام فيه الجمعة إذا كان مبنيًا بما جرت به عادتهم من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقع القطر وينتقلون في البقاع وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء والإمام أحمد علل سقوطها عن البادية لأنهم ينتقلون، اهـ. ولو كان البناء الذي تقام فيه الجمعة متفرقًا فإن المدينة كانت محلات وهي بريد في بريد ولم يجمع فيها في غير المسجد الذي أسسه رسول الله – ﷺ قال الشيخ وتجب الجمعة على من حول المصر عند أكثر العلماء وهو يقدر بسماع النداء بفرسخ. (وعن ابن عمر أن النبي – ﷺ كان يخطب قائمًا) واستفاض عنه – ﷺ من غير وجه وقال تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وقال جابر "من أنبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب" رواه مسلم ولا نزاع في سنيته. وقال ابن المنذر وعليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار. وحكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن أطاقه. ودخل كعب بن

стр. 443

عجرة وعبد الرحمن بن الجهم يخطب قاعدًا فقال انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا وقرأ الآية. ومذهب الشافعي أن القيام شرط مع القدرة. وعند مالك واجب. فدل على تأكد سنيته. ويعتمد على عصا لفعله ﵊ رواه أبو داود. وقال ابن القيم لم يحفظ أنه توكأ على سيف وإنما المحفوظ الاتكاء على العصى والقوس اهـ. وفي الحرب يعتمد على قوس. وفي الجمعة على عصا اتفاقًا، ويده الثانية على حرف المنبر إن كان، والغرض أن يكون أثبت لجأشه ولئلا يعبث بهما (ثم يقعد) يعني بين الخطبتين فيسن أن يجلس بينهما جلسة خفيفة وعليه السلف والخلف وخروجًا من خلاف من أوجبه. قال الترمذي وهو الذي رآه أهل العلم أن يفصل بين الخطبتين بجلوس. قال جماعة بقدر سورة الإخلاص (ثم يقوم) أي فيخطب الخطبة الثانية قائمًا (كما تفعلون اليوم) فثبت من فعله – ﷺ وإجماع الصحابة عليه (متفق عليه) ورواه الجماعة من وجوه كثيرة عن ابن عمر وغيره. وفيه دليل على مشروعية خطبتين قبل صلاة الجمعة والسنة مستفيضة في ذلك ولا نزاع فيه. وأمر تعالى بالسعي إلى ذلك في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والذكر هو الخطبة عند كثير من أهل التفسير وسميت ذكرًا لاشتمالها عليه فتجب إذ لا يجب السعي لغير واجب. وواظب عليه – ﷺ وفعله مبين للآية وقد

стр. 444

قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" واستمر عمل المسلمين عليه خلفًا عن سلف. وهما شرط عند جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد. قال الموفق وغيره شرط لا تصح بدونهما ولا نعلم مخالفًا إلا الحسن. وقال في الفروع ومن شرطهما تقديمهما اتفاقًا وهما بدل ركعتين لا من الظهر لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر بل مستقلة وإنما الظهر بدل عنها إذا فاتت. وعن عمر وعائشة قصرت الصلاة من أجل الخطبة. (ولمسلم عن جابر كانت خطبته يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه) بما هو أهله وعن أبي هريرة مرفوعًا "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" رواه أبو داود وللترمذي أنه – ﷺ قال "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" وللبيهقي " وجعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي". ولأبي داود عن ابن مسعود كان إذا تشهد قال "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونتوب إليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) وقال أحمد لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله والصلاة على رسول الله – ﷺ لأن كل

стр. 445

عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله – ﷺ كالأذان وذكره مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة. قال ابن القيم وهو الواجب في الخطبة قطعًا. وأوجب شيخ الإسلام وغيره حمد الله والثناء عليه والشهادتين والموعظة في الخطبة. وقال ابن القيم في خصائص الجمعة الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده بالشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ونقمته ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها. (وله عنه) أي ولمسلم عن جابر (كان) رسول الله – ﷺ (يقرأ آية) وفي لفظ "يقرأ القرآن" وله عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت "ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ إلا من لسان رسول الله – ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس" ويحتمل أنها أخذتها آية آية أو آيات لأن قراءتها بتمامها مع غيرها من الحمد والثناء والتشهد والوعظ وغير ذلك يعارض حثه على قصر الخطبة. ولأبي داود "ويقرأ آيات من القرآن" ولهما ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ وروي غير ذلك. وفيه وغيره دليل على مشروعية قراءة آية أو آيات أو سورة في الخطبة كل جمعة وأجمعوا على ذلك وظاهر كلام أحمد وغيره لا يشترط ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة لأنه يسمى

стр. 446

خطبة وما عداه ليس على اشتراطه دليل (ويذكر الناس) آلاء الله ونعمه ويوصيهم بتقوى الله وطاعته قال شيخ الإسلام وغيره لا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفًا بما يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير. قال الزركشي وغيره أركان الخطبة حمد الله والثناء عليه والشهادتان والصلاة على النبي – ﷺ والقراءة والموعظة. (وفي رواية عنه قال كان رسول الله – ﷺ (إذا خطب احمرت عيناه) أي اشتد احمرارها اهتمامًا بشأن الموعظة. (وعلا صوته) أي ارتفع جداً فينبغي رفع الصوت قدر الإمكان ولذلك استحب المنبر لأنه أبلغ في الإسماع (واشتد غضبه) لإنذاره الأمور العظام وتحذيره الخطوب الجسام واحمرت وجنتاه (حتى كأنه منذر جيش) أي معلم ومخوف ومحذر بما قد دهم من العدو (يقول) أي منذر الجيش (صبحكم) يعني الجيش (ومساكم) أي أتاكم العدو وقت الصباح أو وقت المساء ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب ويجزل كلامه. ويفخم أمر الخطبة لأنه أوقع في النفوس وأبلغ في الوعظ. وينبغي أن يكون متعظاً بما يعظ به ليحصل الانتفاع. (ويقول أما بعد) والرواية الثانية "يحمد الله ويثني عليهم يقول على أثر ذلك"أي قوله أما بعد وقد علا صوته.

стр. 447

والإتيان بأما بعد رواها نحو من ثلاثين صحابيًّا. وكان يلازمها في جميع خطبة بعد حمد الله والثناء والتشهد (فإن خير الحديث) أي ما يتحدث به (كتاب الله) فيه الهدى والنور (وخير الهدى) بفتح الهاء أي أحسن الطريق (هدي محمد ﷺ ) أي طريقه وعلى رواية الضم معناه الدلالة والإرشاد وهو الذي يضاف إلى الرسل وإلى القرآن. (وشر الأمور) واحدها أمر أي وشر الشؤون أو الأشياء (محدثاتها) والمحدثات ما لم يكن ثابتاً بشرع من الله ولا من رسوله وذلك هو البدعة (وكل بدعة ضلالة) والبدعة لغة ما عمل على غير مثال سابق والمراد هنا ما عمل من دون أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة وهذا كقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فكل بدعة ليست مما أمر الله به ورسوله صغيرة كانت أو كبيرة فهي ضلالة باتفاق أهل العلم بالشرع المطهر وفي رواية "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له"، وجاء عنه ﷺ خطب متنوعة يعلم الناس قواعد الإسلام وشرائعة ويأمرهم وينهاهم ويحثهم على الطاعة وينهاهم عن المعاصي. وذكر ابن القيم وغيره أن خطبه ﷺ إنما كانت تقريرًا لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته. وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ودعوة إلى الله وتذكيرًا بآلائه التي تحببه

стр. 448

إلى خلقه وأيامه التي تخوفهم من بأسه وأمرًا بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيملأ القلوب من خطبه إيمانًا وتوحيدًا ومعرفة بالله وآياته وآلائه ومحبة لشكره وذكره فينصرف السامعون وقد أحبوا الله فأحبهم. ولمسلم وغيره "إذا دعا رفع السبابة وأشار بها". (وله عن عمار مرفوعًا أن طول صلاة الرجل) يعني بالنسبة إلى خطبته ليس المراد التطويل المنهي عنه (وقصر) بكسر القاف وفتح الصاد أي تقصير (قطبته مثنة) بفتح الميم وكسر الهمزة أي علامة ودلالة يستدل به على ما خول (من فقهه فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة" حتى لا يملوها ويكون قصرها معتدلاً فلا يبالغ بحيث يمحقها. ولمسلم عن جابر وكانت صلاته ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا". وكون قصر الخطبة علامة على فقهه. لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ فيتمكن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة. وقال ﵊ "إن من البيان لسحرًا"شبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من الجزالة وتناسق الدلالة وإفادة المعاني الكثيرة ووقوعه من الترغيب والترهيب بالمقام الأوفى ولا يقدر عليه إلا فقيه. وله عن عثمان أنه خطب وأوجز فقيل له لو تنفست فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول "قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه.

стр. 449

فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة" ولا نزاع في مشروعية إقصار الخطبة. ولأبي داود "كان لا يطيل الخطبة إنما هي كلمات يسيرات" وينبغي أن تكون الثانية أقصر من الأولى كالإقامة مع الآذان والقراءة في الركعة الثانية أقصر من الأولى. ويدعو للمسلمين لفعله – ﷺ وقال النووي الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق ونحو ذلك مستحب بالاتفاق. وذكر البغوي وغيره استحباب ختم الخطبة بقوله استغفر الله لي ولكم. وقال ابن القيم كان ﷺ يختم خطبته بالاستغفار اهـ ويباح أن يخطب من صحيفة. ومن سنن الخطبة أن يسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم بوجهه رواه الضياء وغيره. وأصل التسليم مستفيض في الجملة. وروي عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وغيرهم أنهم كانوا إذا صعد أحدهم المنبر وأقبل على المأمومين بوجهه سلم عليهم وأن يخطب على منبر لفعله ﵊ المستفيض عنه أو على موضع عال ولا نزاع في ذلك. وأن يجلس إلى فراغ الأذان وهو إجماع لقول ابن عمر كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن. ثم يقوم فيخطب. وقد تقرر استقباله الناس وقت الخطبة. واستدارة أصحابه إليه بوجوههم من غير وجه. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم ويستحبونه اهـ. ولأنه الذي يقتضيه الأدب وهو أبلغ في الوعظ.

стр. 450

قال النووي وهو مجمع عليه. قال إمام الحرمين سبب استقبالهم له واستقباله إياهم واستدباره القبلة أن يخاطبهم فلو استدبرهم كان قبيحًا. وإن استقبلوه استدبروا القبلة فاستدبار واحد واستقبال الجميع أولى من عكسه. فصل في صفتها أي في كيفية صلاة الجمعة وتحريم تعدادها لغير حاجة وذكر مسنوناتها. (عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ألم تنزيل) في الركعة الأولى بعد الفاتحة (وهل أتى على الإنسان) في الركعة الثانية بعد الفاتحة ولهما من حديث أبي هريرة مثله ففيهما مشروعية قراءتهما في صلاة الفجر قال شيخ الإسلام إنما كان ﵊ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم وذكر الموت وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة فكان في قراءتهما هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، قال ولا ينبغي المداومة عليهما بحيث يظن الجهال إنهما واجبتان وإن تاركهما مسيء بل ينبغي تركهما أحيانًا لعدم وجوبهما. قال أحمد لا أحب أن يداوم عليهما لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة وقد جاءت السجدة تبعًا ليست مقصودة حتى يقصد

стр. 451

المصلي قراءتها. قال الشيخ ويحرم تحري قراءة سجدة غيرها ولا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة. ثم ذكر ﵁ ما كان يقرأ في صلاتها فقال (وفي صلاة الجمعة) يعني في الركعة الأولى (سورة الجمعة) بعد الفاتحة (والمنافقين) يعني في الركعة الثانية بعد الفاتحة لما علم من غير هذا الحديث (رواه مسلم) ورواه الخمسة إلا النسائي. ولهم إلا الترمذي من حديث النعمان "يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالغاشية" ولهم إلا ابن ماجه: بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية) وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين وعن أبي جعفر ﵁ قال كان النبي – ﷺ "يقرأ بالجمعة والمنافقين فأما سورة الجمعة فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم. وأما سورة المنافقين فيؤيس بها المنافقون ويوبخهم". وقال شيخ الإسلام أما القراءة فيها بسورة الجمعة فلما تضمنته من الأمر بهذه الصلاة وإيجاب السعي إليها وترك العمل العائق عنها بإكثار ذكره ليحصل لهم الفلاح في الدارين. وأما القراءة بسورة المنافقين فلما فيها من التحذير للأمة من النفاق المردي والتحذير لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة وعن ذكره وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ولا بد وحضًا لهم على الإنفاق الذي هو من أكبر سعادتهم وتحذيرًا لهم

стр. 452

من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الرجعة ولا يجابون إليها ويتمون الإقالة وأما سبح والغاشية فيأتي في العيدين. ففي هذه الأحاديث وغيرها سنة قراءة هذه السور جهرًا وهذا أمر مجمع عليه والجهر فيها وفي العيدين أبلغ في تحصيل المقصود وأنفع للجمع بل فيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة وفيها أن الجمعة ركعتان وهو إجماع معلوم بالضرورة كما علم عدد ركعات الصلوات الخمس لا ينكره إلا مكابر. وقال عمر صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر. (وعن أبي هريرة مرفوعًا من أدرك ركعة من الجمعة) يعني مع الإمام (فقد أدرك الصلاة رواه الأثرم) الحافظ أبو بكر أحمد ابن محمد بن هانئ الطائي الإسكافي المتوفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين في كتاب السنن له وروى الحاكم نحوه من ثلاثة طرق قال فيها على شرط الشيخين وأصله في الصحيحين من غير وجه. وللبيهقي نحوه من حديث ابن مسعود وابن عمر ولفظ النسائي وابن ماجه "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى. وقد تمت صلاته". قال الحافظ إسناده صحيح. وقال شيخ الإسلام مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة أي لا تفته تلك الصلاة ومن لم تفته

стр. 453

الجمعة صلاها ركعتين لقوله "فليصل إليها أخرى" ولا بد من إدراك المسبوق منها مع الإمام ركعة بسجدتيها فإذا أدرك ذلك أتمها جمعة إجماعًا. وإن لم يدرك إلا أقل من ذلك بأن رفع الإمام رأسه من الثانية ثم دخل معه أتمها ظهرًا قيل إن كان نوى الظهر ودخل وقته ولو لم يدرك إلا التشهد دخل معه وتشهد حكاه أبو بكر عن الصحابة إجماعًا وقال ابن مسعود كذلك فعل أصحاب رسول الله – ﷺ وإلا أتمها نفلاً. ومن فاتتهم صلوا ظهرًا ولم ينقل تجميع مع أنه لم يخل عصر من نفر تفوتهم الجمعة وقال ابن المنذر لا تجميع إجماعًا. وتحرم إقامة الجمعة في أكثر من موضع بالبلد لغير حاجة لأنه ﷺ وأصحابه لم يقيموها في أكثر من موضع واحد وقال "صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" وفي تعطيل من حول المدينة مساجدهم واجتماعهم في مسج واحد أبين وأوضح دلالة بأن الجمعة ليست كسائر الصلوات وأنها لا تصلي إلا في مكان واحد ولا نزاع في ذلك إلا ما روي عن عطاء ويحرم إذن إمام فيها إذًا. قال شيخ الإسلام وصرح العلماء ببطلان صلاة من صلى جمعة ثانية بغير إذن الإمام وبغير حاجة داعية وأوجبوا عليه الإعادة. وقواعد الشرع تدل عليه. وأما مع الحاجة فيجوز بحسبها. وقال إقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في أكثر من موضع

стр. 454

يجوز للحاجة عند أكثر العلماء لصلاة علي بضعفة الناس في المسجد. ولما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي وجمعة في الجانب الغربي وجوز ذلك علماء العصر. وذكر الحجة لذلك ولأن في الإلزام باتحاد الموضع حرجًا بينًا لاستدعائه تطويل المسافة على أكثر الحاضرين ولا دليل على عدم جواز التعدد مع الحاجة، وقضية الضرورة عدم اشتراطه كضيق المسجد عن أهله وعداوة بينهم يخشى لاجتماعهم في محل واحد وإثارتها فيجوز التعدد بحسب الحاجة. وقد كانت تفعل في الأمصار العظيمة في مواضع من غير نكير فكان إجماعًا وكونه ﷺ لم يفلعها في أكثر من موضع هو ولا أصحابه فلعدم الحاجة إليه. (وعن زيد بن أرقم) ابن زيد الخزرجي استصغر يوم أحد وتوفي سنة ست وستين (قال صلى النبي – ﷺ العبد أي في يوم الجمعة (ثم رخص في الجمعة) أي في صلاتها (وقال من شاء أن يصلي) أي الجمعة (فليصل) هذا بيان لقوله "رخص" وأعلام بأنه كان الترخيص بهذا اللفظ (رواه الخمسة إلا الترمذي) وصححه ابن خزيمة وابن المديني والحاكم وفيه مقال. ولأبي داود عن أبي هريرة أنه ﷺ قال "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فيمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمعون". وللبخاري عن عثمان أنه قال في خطبته "يا أيها الناس قد اجتمع عيدان في يومكم فمن أراد من أهل العالية أن يصلي معنا

стр. 455

الجمعة فليصل ومن أراد أن ينصرف فلينصرف" وفعله ابن الزبير. وسئل عنه ابن عباس فقال أصاب السنة. فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد يجوز تركها لمن صلى العيد وهو مذهب جماعة من أهل العلم وذلك في غير حق الإمام. ومن لم يصل العيد ومن لم تنعقد إلا به ولأن يوم الجمعة عيد ويوم الفطر والأضحى عيد ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس أدخل إحداهما بالأخرى ولأن في إيجابهما على الناس تضييقًا وتكديرًا لمقصود عيدهم وما سن لهم فيه من السرور والانبساط فحينئذ تسقط الجمعة سقوط حضور لا وجوب. قال شيخ الإسلام إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال ثالثها وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها. ومن لم يشهد العيد وهذا هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف. وقال وهو المنقول الثابت عن النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه وهو قول من بلغه من الأئمة كأحمد وغيره والذين خالفوه لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار اهـ. ومن سقط عنه الحضور وجب عليه أن يصلي ظهرًا. (وعن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه) وفي رواية في بيته. ولمسلم "إذا صلى

стр. 456

أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات" وروي عن ابن عمر لفعله ﷺ وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم والجمع بين الأخبار أنه إن صلى في بيته صلى ركعتين وإن صلى في المسجد صلى أربعًا واختار ذلك الموفق والشيخ وغيرهما. وقال الشيخ وغيره أدنى الكمال ست لما روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يفعله. والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل بكلام أو قيام. ويكفي الانتقال من موضعه في الجمعة وغيرها كما تقدم ولا يفعل ما يفعله كثير من الناس، يصل السلام بركعتي السنة وهذا ركوب لنهيه ﷺ وذريعة إلى تغيير الفرض. وأن يزاد فيه ما ليس منه ولا راتبة للجمعة قبلها فإن النبي ﷺ كان يخرج من بيته ويصعد المنبر ثم يأخذ بلال في الأذان فإذا أكمله أخذ النبي ﷺ في الخطبة من غير فصل. وأما الأذان الأول فإنما زاده عثمان ﵁ فاستقر الأمر عليه. وقوله ﵊ "بين كل أذانين صلاة لمن شاء" لا تتخذ راتبة وليس هو الأذان المعهود على عهده ﷺ ولما لم يذكر لها راتبة إلا بعدها علم أنه لا راتبة لها قبلها وهذا مما انعقد سبب فعله في عهده ﷺ . فإذا لم يفعله ولم يشرعه علم أن تركه هو السنة قال شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما لا سنة للجمعة قبلها وهو أصح قولي العلماء وعليه تدل السنة قال الشيخ وهو مذهب الشافعي وأكثر أصحابه وعليه جماهير الأئمة لأنها وإن كانت ظهرًا مقصورة فتفارقها في بعض الأحكام. وكما أن ترك

стр. 457

المسافر السنة أفضل لكون ظهره مقصورة. وقال أبو شامة وما وقع من بعض الصحابة أنهم كانوا يصلون قبل الجمعة فمن باب التطوع. ولأنهم كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام اهـ. والأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام لما في الصحيح ثم يصلي ما كتب له. قال الشيخ وألفاظه ﷺ فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت وهو المأثور عن الصحابة كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر. فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة. ومنهم من يصلي ثماني ركعات ومنهم من يصلي أقل من ذلك ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقتة بوقت مقدرة بعدد. قال والصلاة قبل الجمعة حسنة وليست بسنة راتبة إن فعل أو ترك لم ينكر عليه وهذا أعدل الأقوال. وحينئذ فقد يكون الترك أفضل إذا اعتقد الجهال أنها سنة راتبة. واختار أنه لا تكره الصلاة في وقت الزوال لأن من أتى الجمعة يستحب له أن يصلي إلى أن يخرج الإمام. (وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال لا يغتسل رجل يوم الجمعة) إلى قوله "إلا غفر له" ولأحمد "على كل مسلم الغسل يوم الجمعة". ولابي داود عن ابن عباس كان الناس يلبسون الصوف ويعملون والمسجد ضيق. فخرج عليهم ﷺ في يوم حار وقد عرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم روائح

стр. 458

وآذي بعضهم بعضًا "فأمرهم بالغسل والمس من الطيب" وللبخاري عن عائشة: كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيخرج منهم الريح فقال "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا". فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على سنية الغسل للجمعة وهو كالإجماع عن الصحابة وفي الصحيحين "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" ووجوبه أقوى من وجوب الوتر وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح. وقال ابن عبد البر أجمع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض لقوله – ﷺ "ومن اغتسل فالغسل أفضل" وليس شرطًا إجماعًا. ومن قال بوجوبه فتصح بدونه وقوله ﷺ "واجب " محمول على تأكيد الاستحباب كما يقال حقك علي واجب جمعًا بين الأدلة ويرشحه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين إجماعًا. وغسل الجمعة آكد الأغسال المستحبة مطلقًا. وأحاديثه مستفيضة ولأنها يجتمع لها الناس ويزدحمون فيعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا فسن الغسل لزوال الرائحة الكريهة. والغسل عن جماع أفضل لقوله "غسل واغتسل" وفي رواية "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة" قال أحمد غير واحد من التابعين يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة. وإذا نواهما أجزأ ولو أحدث بعده أو لم يتصل به المضي غليها. ولو اغتسل بعد الفجر ثم أجنب لم يبطل غسل الجمعة. قال

стр. 459

الماوردي وهو قول العلماء كافة بل هو أبلغ لأن المقصود منه التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس. (ويتطهر ما استطاع من طهر) وفي لفظ "من طهره" والمراد المبالغة في التنظيف (ويدهن) ولفظه عن سلمان "ويدهن من دهنه" والمراد به إزالة شعث الشعر به. وفيه إشارة إلى التنزين يوم الجمعة (ويمس من طيب امرأته) وعن سلمان "من طيب بيته" فإن لم يتخذ لنفسه طيبًا فليستعمل من طيب امرأته ولفظ مسلم "ولو من طيب المرأة" ولهما "وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجده" ولفظ أحمد من حديث أبي أيوب "ومس من طيب إن كان عنده. ولبس من أحسن ثيابه". وفيها وغيرها تأكد سنية التطيب والتنظيف يوم الجمعة. وكل حال تغير فيه رائحة البدن إتفاقًا. ويقطع روائح كريهة بسواك وتقليم وغيره ويغسل الثوب إذا توسخ لقوله "أما يجد أحدكم ماء يغسل به ثوبه" رواه أبو داود. وله عن ابن سلام أنه ﵊ كان يقول على المنبر "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته" ولابن ماجه "أحسن ما زرتم الله في مساجدكم البياض". ولا نزاع في استحباب ذلك وفي الصحيحين قال عمر يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للجمعة والوفد. قال ابن بطال

стр. 460

وغيره كان معهودًا عندهم أن يلبس المرء أحسن ثيابه وتقدم الحث على أخذ الزينة عند الصلوات ففي الجمعة أولى (ثم يخرج) أي إلى المسجد وله من حديث سلمان "ثم يروح إلى المسجد ولأحمد "ثم يمشي وعليه السكينة حتى يأتي المسجد" وله من حديث أوس "من غسل واغتسل وبكر وابتكر. ومشي ولم يركب. ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها" وله شواهد. ولهما من حديث أبي هريرة قال "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح" زاد في الموطأ "في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". فدلت: على فضيلة التبكير إليها والدنو من الإمام وقرب أهل الجنة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة. وذكر الساعات للحث على التبكير والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل فضيلة الصف الأول، وفي الصحيحين وغيرهما من غير وجه فضل التهجير والرواح إلى الجمعة والمراد به التبكير يدل عليه مجموع الروايات واعتناء السلف الصالح قال عبد الله
следующие страницы →