Полный текст (2 171 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربع ركعات" وروي عن ابن عمر لفعله ﷺ وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم والجمع بين الأخبار أنه إن صلى في بيته صلى ركعتين وإن صلى في المسجد صلى أربعًا واختار ذلك الموفق والشيخ وغيرهما.
وقال الشيخ وغيره أدنى الكمال ست لما روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يفعله. والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل بكلام أو قيام. ويكفي الانتقال من موضعه في الجمعة وغيرها كما تقدم ولا يفعل ما يفعله كثير من الناس، يصل السلام بركعتي السنة وهذا ركوب لنهيه ﷺ وذريعة إلى تغيير الفرض. وأن يزاد فيه ما ليس منه ولا راتبة للجمعة قبلها فإن النبي ﷺ كان يخرج من بيته ويصعد المنبر ثم يأخذ بلال في الأذان فإذا أكمله أخذ النبي ﷺ في الخطبة من غير فصل. وأما الأذان الأول فإنما زاده عثمان ﵁ فاستقر الأمر عليه.
وقوله ﵊ "بين كل أذانين صلاة لمن شاء" لا تتخذ راتبة وليس هو الأذان المعهود على عهده ﷺ ولما لم يذكر لها راتبة إلا بعدها علم أنه لا راتبة لها قبلها وهذا مما انعقد سبب فعله في عهده ﷺ . فإذا لم يفعله ولم يشرعه علم أن تركه هو السنة قال شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما لا سنة للجمعة قبلها وهو أصح قولي العلماء وعليه تدل السنة قال الشيخ وهو مذهب الشافعي وأكثر أصحابه وعليه جماهير الأئمة لأنها وإن كانت ظهرًا مقصورة فتفارقها في بعض الأحكام. وكما أن ترك
стр. 457
المسافر السنة أفضل لكون ظهره مقصورة.
وقال أبو شامة وما وقع من بعض الصحابة أنهم كانوا يصلون قبل الجمعة فمن باب التطوع. ولأنهم كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام اهـ. والأولى لمن جاء إلى الجمعة أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام لما في الصحيح ثم يصلي ما كتب له. قال الشيخ وألفاظه ﷺ فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت وهو المأثور عن الصحابة كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر. فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة. ومنهم من يصلي ثماني ركعات ومنهم من يصلي أقل من ذلك ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة موقتة بوقت مقدرة بعدد. قال والصلاة قبل الجمعة حسنة وليست بسنة راتبة إن فعل أو ترك لم ينكر عليه وهذا أعدل الأقوال. وحينئذ فقد يكون الترك أفضل إذا اعتقد الجهال أنها سنة راتبة. واختار أنه لا تكره الصلاة في وقت الزوال لأن من أتى الجمعة يستحب له أن يصلي إلى أن يخرج الإمام.
(وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال لا يغتسل رجل يوم الجمعة) إلى قوله "إلا غفر له" ولأحمد "على كل مسلم الغسل يوم الجمعة". ولابي داود عن ابن عباس كان الناس يلبسون الصوف ويعملون والمسجد ضيق. فخرج عليهم ﷺ في يوم حار وقد عرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم روائح
стр. 458
وآذي بعضهم بعضًا "فأمرهم بالغسل والمس من الطيب" وللبخاري عن عائشة: كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء فيخرج منهم الريح فقال "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا".
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على سنية الغسل للجمعة وهو كالإجماع عن الصحابة وفي الصحيحين "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" ووجوبه أقوى من وجوب الوتر وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح. وقال ابن عبد البر أجمع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض لقوله – ﷺ "ومن اغتسل فالغسل أفضل" وليس شرطًا إجماعًا.
ومن قال بوجوبه فتصح بدونه وقوله ﷺ "واجب " محمول على تأكيد الاستحباب كما يقال حقك علي واجب جمعًا بين الأدلة ويرشحه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين إجماعًا. وغسل الجمعة آكد الأغسال المستحبة مطلقًا. وأحاديثه مستفيضة ولأنها يجتمع لها الناس ويزدحمون فيعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا فسن الغسل لزوال الرائحة الكريهة.
والغسل عن جماع أفضل لقوله "غسل واغتسل" وفي رواية "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة" قال أحمد غير واحد من التابعين يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة.
وإذا نواهما أجزأ ولو أحدث بعده أو لم يتصل به المضي غليها. ولو اغتسل بعد الفجر ثم أجنب لم يبطل غسل الجمعة. قال
стр. 459
الماوردي وهو قول العلماء كافة بل هو أبلغ لأن المقصود منه التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس.
(ويتطهر ما استطاع من طهر) وفي لفظ "من طهره" والمراد المبالغة في التنظيف (ويدهن) ولفظه عن سلمان "ويدهن من دهنه" والمراد به إزالة شعث الشعر به. وفيه إشارة إلى التنزين يوم الجمعة (ويمس من طيب امرأته) وعن سلمان "من طيب بيته" فإن لم يتخذ لنفسه طيبًا فليستعمل من طيب امرأته ولفظ مسلم "ولو من طيب المرأة" ولهما "وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجده" ولفظ أحمد من حديث أبي أيوب "ومس من طيب إن كان عنده. ولبس من أحسن ثيابه".
وفيها وغيرها تأكد سنية التطيب والتنظيف يوم الجمعة. وكل حال تغير فيه رائحة البدن إتفاقًا. ويقطع روائح كريهة بسواك وتقليم وغيره ويغسل الثوب إذا توسخ لقوله "أما يجد أحدكم ماء يغسل به ثوبه" رواه أبو داود. وله عن ابن سلام أنه ﵊ كان يقول على المنبر "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته" ولابن ماجه "أحسن ما زرتم الله في مساجدكم البياض".
ولا نزاع في استحباب ذلك وفي الصحيحين قال عمر يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للجمعة والوفد. قال ابن بطال
стр. 460
وغيره كان معهودًا عندهم أن يلبس المرء أحسن ثيابه وتقدم الحث على أخذ الزينة عند الصلوات ففي الجمعة أولى (ثم يخرج) أي إلى المسجد وله من حديث سلمان "ثم يروح إلى المسجد ولأحمد "ثم يمشي وعليه السكينة حتى يأتي المسجد" وله من حديث أوس "من غسل واغتسل وبكر وابتكر. ومشي ولم يركب. ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة عمل صيامها وقيامها" وله شواهد.
ولهما من حديث أبي هريرة قال "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح" زاد في الموطأ "في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
فدلت: على فضيلة التبكير إليها والدنو من الإمام وقرب أهل الجنة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة. وذكر الساعات للحث على التبكير والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل فضيلة الصف الأول، وفي الصحيحين وغيرهما من غير وجه فضل التهجير والرواح إلى الجمعة والمراد به التبكير
يدل عليه مجموع الروايات واعتناء السلف الصالح قال عبد الله
стр. 461
سارعوا إلى الجمعة فإن الله يبرز إلى أهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب كافور فيكونون منه في القرب على قدر تسارعهم.
قال الشيخ وما ذكر عن أهل المدينة أنهم لا يبكرون فليس بحجة. فقد يكون الرجل يشتغل بمصالحه ومصالح أهله ومعاشه وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضل من رواحه إلى الجمعة من أول النهار اهـ.
فإذا أتى المسجد (فلا يفرق بين اثنين) إلا بإذنهما ورأى النبي ﷺ وهو على المنبر رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له "اجلس فقد آذيت" رواه أحمد قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم كرهوا أن يتخطى الرجل رقاب الناس يوم الجمعة وشددوا في ذلك.
واختار النووي والشيخ وغيرهما تحريمه لأنه من الظلم والتعدي لحدود الله. وظاهر عبارات أهل العلم حرمته ولو في غير الصلاة كما صرح به الشيخ وغيره. والتفريق متناول القعود بينهما وإخراج أحدهما والقعود مكانه. وقد يطلق على مجرد التخطي وفيه زيادة رفع رجليه على رؤوسهما إلا لحاجة كإمام ومن لم يجد طريقًا فلا يكره بلا نزاع لأنه ﵊ تخلص حتى وقف في الصف.
أما كونه يقيم غيره ويجلس مكانه فيحرم اتفاقًا لما في الصحيحين عن ابن عمر مرفوعًا "نهى أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه" ولمسلم "لا يقيمن أحدكم أخاه ثم يخالف
стр. 462
إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول تفسحوا" ولهما "من سبق إلى مكان فهو أحق به " وللترمذي وصححه "الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه" فمن سبق إلى موضع مباح سواء كان مسجدًا أو غيره في جمعه أو غيرها لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته منه والقعود فيه.
ومن قام منه لقضاء حاجة ثم رجع إليه فهو أحق به ما لم تطل مفارقته له بحيث يعد راغبًا عنه وإن قعد فيه غيره فله أن يقيمه. وعلى القاعد أن يفارقه. ولا يكره إيثار غيره بمكانه الفاضل.
قال ابن القيم: قولهم لا يجوز الإيثار بالقرب لا يصح وقد طلب أبو بكر من المغيرة أن يبشر رسول الله ﷺ بوفد ثقيف ففيه جواز طلب الإيثار بالقرب وجواز الإيثار.
وقد آثرت عائشة عمر بدفنه في بيتها بجوار النبي ﷺ وسألها عمر ولم تكره له السؤال. ولا لها البذل فإذا بذل مكانه أو سأل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال ولا لذلك البذل. ولأن تقدم وتقديم الفاضل مشروع. وأما تحجير المسجد بالفرش قبل الحاجة إليه فمنعه الشيخ وغيره وقال وما يفعله كثير من الناس من تقديم مفارش أو غيرها إلى المسجد يوم الجمعة قبل صلاتهم فهذا منهي عنه باتفاق المسلمين بل محرم.
стр. 463
وهل تصح صلاته على ذلك المفروش. فيه قولان للعلماء لأنه غصب بقعة من المسجد بفرش ذلك المفروش فيها ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد. والمأمور به أن يسبق الرجل بنفسه إلى المسجد. فإذا قدم المفروش ونحوه وتأخر هو فقد خالف الشريعة من وجهين من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد. ومنعه السابقين له وأن يتموا الصف الأول فالأول. ثم إنه إذا حضر يتخطى رقاب الناس أهـ.
(ثم يصلي) إذا دخل المسجد (ما كتب له) أي قدر له ولفظ أبي هريرة "ما قدر له" من غير توقيت كما تقدم. وفيه دليل على أنه لا راتبة لها قبلها وإنما يصلي الداخل إلى المسجد ما شاء ويشتغل بالذكر والقراءة والصلاة على النبي – ﷺ إلى خروج الإمام للخطبة لما في ذلك من تحصيل الأجر (ثم ينصت إذا تكلم) أي خطب الإمام (إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري).
وله عن سلمان نحوه وفي "ثم ينصت للإمام إذا تكلم" ولمسلم عن أبي هريرة نحوه وفيه "ثم أنصت حتى يفرغ
الإمام من خطبته ثم يصلي معه إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" ولأحمد عن أبي أيوب نحوها أيضًا وفيه أنصت إذا خرج إمامه. ولابن ماجه من حديث أبي ذر
"من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله وتطهر فأحسن
стр. 464
طهوره. ولبس من أحسن ثيابه ومس ما كتب الله له من طيب أهله ثم أتى الجمعة ولم يلغ ولم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" وللطبراني نحوه من حديث ابن عمر والبزار عن ابن عباس وأبو داود عن عبد الله بن عمرو في أحاديث من طرق كثيرة.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة انصت والإمام يخطب فقد لغوت" أي قلت اللغو.
ولأحمد من حديث علي "من قال صه فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له" وله شواهد كثيرة تدل على تحريم الكلام حال الخطبة وقال الطحاوي تواترت به الروايات وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ قال بعض المفسرين إنها نزلت في الخطبة وسميت قرآنًا لاشتمالها عليه والأكثر على أنها القراءة في الصلاة ولا مانع من العموم والاستماع هو شغل القلب بالاستماع والإصغاء والإنصات هو السكوت.
ولأحمد عن ابن عباس هو كالحمار يحمل أسفارًا.
ويجوز للإمام ومن يكلمه لأنه ﷺ كلم سليكًا وكلمه هو متفق عليه. ويجب لتحذير ضرير وغافل عن هلكة كما يجوز قطع الصلاة لذلك وله الصلاة على النبي ﷺ إذا سمعها من الخطيب لتأكدها ويدعو ويؤمن على الدعاء ويحمد إذا عطس ويرده قال أحمد فعله غير واحد قال الشيخ اتفق المسلمون أن الصلاة عليه ﷺ والدعاء كله سرًا أفضل، بل الجهر ورفع
стр. 465
الصوت بالصلاة بدعة. ورفع الصوت بذلك أو بالترضي قدام الخطيب في الجمعة مكروه أو محرم بالاتفاق اهـ.
ويكره العبث حال الخطبة باتفاق أهل العلم لقوله ﵊ "من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له" وصححه الترمذي ولأن العبث يمنع الخشوع ولا فرق بين العبث بيد أو رجل أو لحية أو ثوب أو غير ذلك.
(وعن أوس) بن أوس الثقفي ﵁ قال الحافظ وهو غير أوس بن أبي أوس على الصحيح (إن رسول الله ﷺ قال أكثروا علي من الصلاة) أي أكثروا من قول اللهم صلى على محمد ونحو ذلك مما ورد في الصلاة عليه ﷺ وخص (يوم الجمعة) لأنه أفضل الأيام ولفظه "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي" (رواه الخمسة) فرواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة. وجاء نحوه من حديث أبي الدرداء وأبي أمامة وغيرهما.
وكذا يسن أن يكثر من الصلاة على النبي ﷺ في ليلتها لحديث "أكثروا علي من الصلاة في ليلة الجمعة ويوم الجمعة فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا " رواه البيهقي بإسناد جيد. وقال "أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة" رواه الترمذي. والأحاديث المذكورة وغيرها تدل على مشروعية
стр. 466
الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلتها وأنها تعرض عليه وأنه ﷺ حي في قبره حياة برزخية أعلى من حياة الشهداء وقال "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء".
(وعن أبي سعيد مرفوعًا من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور) ضد الظلام أي أشرق له (ما بين الجمعتين) أي بينها وبين التي تليها (رواه النسائي) ورواه البيهقي والحاكم بإسناد حسن ولابن مردويه عن ابن عمر مرفوعًا "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين" قال المنذري لا بأس به فدلت هذه الأحاديث على فضل قراءتها يوم الجمعة وهو مذهب جمهور أهل العلم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وغيرهم وذكر الشيخ أنها مطلقة يوم الجمعة. ونقل عن الشافعي أنها نهارًا أكد وأولاه بعد الصبح مسارعة للخير ورجحه الموفق وغيره والحكمة في تخصيصها أن فيها ذكر أحوال يوم القيامة ويوم الجمعة شبيه به لما فيه من اجتماع الناس ولأن الساعة تقوم يوم الجمعة.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال إن في الجمعة
ساعة) أي يستجاب الدعاء فيها هي فيها كليلة القدر
في رمضان (لا يوافقها عبد مسلم) وروي يصلي (يسأل الله
стр. 467
شيئًا) نكرة تعم وفي لفظ "خيرًا" (إلا أعطاه إياه) وأشار بيده يقللها (متفق عليه).
واختلف في تعيينها وعن أبي موسى مرفوعًا "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة" رواه مسلم وعن عمرو بن عوف مرفوعًا "هي حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها" حسنه الترمذي وله عن جابر مرفوعًا "والتمسوها آخر ساعة بعد العصر" ولأحمد نحوه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وهو قول عبد الله بن سلام وقال أبو سلمة لم يختلف ناس من الصحابة تذاكروها أنها آخر ساعة.
وقال أحمد أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها إجابة الدعاء أنها بعد صلاة العصر ورجحه هو وإسحاق وابن القيم وأكثر أهل العلم وكان يعظمها جميع أهل الملل وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة وينبغي أن يكون متطهرًا مكثرًا من الدعاء منتظرًا صلاة المغرب فإنه في صلاة للخبر. والقول بأنها ساعة الصلاة لأن ساعة الصلاة ساعة إجابة لأن اجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى له تأثير في الإجابة فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة.
وفي حديث أبي هريرة وهو قائم يصلي فيكون النبي ﷺ قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله في هاتين الساعتين. فقوله هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة لا ينافي قوله التمسوها آخر ساعة بعد العصر فكلاهما ساعة إجابة
стр. 468
وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر كما هو قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث وأبلغها الحافظ وغيره إلى أربعين قولاً وبقية الأقوال غير هذين القولين لا دليل عليها يعتد به بل قال أحمد إنها تنحصر في هذين الوقتين.
(ولهما عن جابر مرفوعًا "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام) ولمسلم "والإمام يخطب" (فليصل ركعتين) ولهما عنه قال دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فقال "صليت قال لا قال قمت فصل ركعتين" وللخمسة عن أبي سعيد نحوه صححه الترمذي وللستة عن أبي قتادة نحوه أيضًا في أحاديث مستفيضة أو متواترة.
وكلها صريحة في الدلالة على استحباب صلاة ركعتين لداخل المسجد والإمام يخطب وكراهة الجلوس قبل أن يصليهما. ولا خلاف يعتد به وهذه نصوص لا يتطرق إليها تأويل ولا تبلغ عالمًا فيخالفها. ولمسلم "وليتجوز فيهما" وهو مذهب جماهير العلماء. وإن غلب على ظنه أنه إن صلى تحية المسجد فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام لم يصل بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يجلس فيدخل تحت النهي.
стр. 469
باب صلاة العيدين
أي: صفتها وأحكامها وما يتعلق بذلك وهي أحد الاجتماعات التي تكرر كاليومي للصلوات الخمس. والإسبوعي للجمعة. وهذا الحولي للعيدين. والعمري يوم عرفة والسر والله أعلم معرفة الأحوال الدينية وتذاكرهم فيها ومعرفة المفاسد فيتجنبوها والتعاون على البر والتقوى فإن الدين ما قام إلا بالجهاد ولغير ذلك من الأسرار العجيبة التي من جملتها إقامة هذه العبادة. فإنه لو ترك ونفسه لم تحصل هذه العبادة ولهذا ترى من يتهاون بالجماعة لا يصلي بحال.
وصلاة العيدين مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين وفرض كفاية عند الجمهور. ومذهب أبي حنيفة فرض عين اختاره شيخ الإسلام للآية وأمره ﷺ بها حتى النساء قال المجد وليست واجبة بدون استيطان وعدد إجماعًا. وفي الفروع يشترط لوجوبها شروط الجمعة اتفاقًا قال ابن نصر الله المراد شروط وجوبها لا صحتها ومرادهم ما يسقط به فرض الكفاية لأنها تصح من المنفرد.
والعيد ما يعود ويتكرر ويعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان ثم صار علمًا على اليوم المخصوص لعوده في السنة مرتين. وقد كان المشركون اتخذوا أعيادًا زمانية ومكانية فأبطلها الشرع وعوض عنها عيد الفطر وعيد الأضحى والكعبة والمشاعر وثبت عنه ﷺ قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما
стр. 470
فقال: "قد أبدلكما الله بهما خيرًا منهما يوم النحر ويوم الفطر" قال السيوطي وهي من خصائص هذه الأمة.
ومناسبة اتباع العيدين الجمعة ظاهرة وهي أنها يؤديان بجمع عظيم ويجهر فيهما بالقراءة ويشترط لكل منهما ما يشترط للآخر في الجملة وقدمت الجمعة للفرضية وكثرة وقوعها.
(قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ أي أخلص لربك صلاتك ونحرك شكرًا لما امتن به عليك من الكوثر. وقال عكرمة وعطاء وقتادة وغيرهم يعني صلاة العيد ونحر النسك، قال المجد وغيره هو المشهور عن المفسرين، وكان ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك".
(وعن أبي سعيد: كان النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى متفق عليه) وعبر بالمصلى ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى وأول صلاة صلاها رسول الله ﷺ يوم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة ولم يزل يواظب عليها حتى فارق الدنيا. وأجمع المسلمون عليها خلفًا عن سلف وإذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام كالأذان فإنهما من أعلام الدين الظاهرة وفي تركها تهاون بالدين.
وفيه مشروعية الخروج لها والبروز في صحراء قريبة من البنيان قربًا معروفًا أوقع لهيبة الإسلام وأظهر لشعائر الدين.
ولا مشقة في ذلك لعدم تكرره. قال النووي والعمل عليه في
стр. 471
معظم الأمصار. وكان النبي ﷺ يفعلها في المصلى المشهور الذي على باب المدينة الشرقي. ولأن المقصود في العيد إظهار الزينة.
وتكره في الجامع بلا عذر من مطر أو غيره لقصة علي حيث استخلف أبا مسعود البدري ليصلي بضعفة الناس في المسجد.
وقول أبي هريرة أصابنا مطر في يوم عيد "فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد" رواه أبو داود. ولا تكره في المسجد بمكة المشرفة لفضيلة البقعة وشرفها. ولمعاينة الكعبة المشرفة، وكذا بيت المقدس لشرفه ولسعتهما وما سواهما فلا ينبغي لمخالفة
فعله ﷺ .
(ولهما عن أم عطية قالت أمرنا) مبني للمجهول للعلم بالآمر به وللبخاري "أمرنا نبينا ﷺ (أن نخرج) أي إلى المصلى (العواتق) البنات الأبكار والبالغات والمقاربات للبلوغ، وكذا الصبيان لخبر ابن عباس إظهارًا لشعائر الإسلام (والحيض) هو أعم من الأول من وجه وفي لفظ "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها.
وحتى تخرج الحيض (في العيدين يشهدن الخير) هو الدخول في فضيلة الصلاة لغير الحيض (و) يشهدن جميعهن (دعوة المسلمين وتعتزل الحيض المصلى) وللبخاري "فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته" فيكن بحيث يسمعن. وفيه قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب "قال لتلبسها أختها من جلبابها".
стр. 472
والحديث استدل به بعض أهل العلم على وجوب إخراجهن ويشهد له ما رواه ابن ماجه وغيره عن ابن عباس أنه ﷺ كان يخرج نساءه وبناته في العيدين" وهو ظاهر في استمراره وعام لمن كانت ذات هيئة وغيرها. وصريح في الشواب وفي العجائز بالأولى. قال الشيخ ولا بأس بحضور النساء غير متطيبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة لقوله ﵊ "وليخرجن تفلات ويعتزلن الرجال" ودلت هذه الأحاديث على تأكد سنية صلاة العيدين على الأعيان وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف.
(وعن جندب) ابن كعب بن عبد الله الأزدي جندب الخير قتل بصفين قال (كان رسول الله ﷺ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد) بكسر القاف أي قدر (رمحين) في رأي العين (و) يصلي بنا (الأضحى) والشمس (على قيد رمح رواه ابن البناء) الحافظ الحسن بن أحمد بن عبد الله في سننه ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وتوفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة له نحو من خمسمائة مصنف ﵀ أورده في كتاب الأضاحي من طريق وكيع عن المعلى بن هلال عن الأسود بن قيس عن جندب وأورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم في المعلى ولعله لكثرة شواهده وكونه من طريق الإمام وكيع بن الجراح
الشهير.
стр. 473
وتقدم النهي عن الصلاة بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح. ولأبي داود بسند صحيح عن عبد الله بن بسر قال ذلك حين التسبيح أي حين يصلي صلاة الضحى فأول وقتها أول وقت صلاة الضحى. وتقدم أن أوله من ارتفاع الشمس قيد رمح بدليل الإجماع على فعلها ذلك الوقت. ولأنه قبل ارتفاعها وقت نهي وجاء من غير وجه أنه ﷺ ومن بعده لم يصلوهما إلا بعد ارتفاع الشمس واستمر عمل المسلمين عليه لا نزاع بينهم في ذلك.
فهذا الحديث وإن لم يكن مشهورًا فقد تأيد بأصول أخر. وقال ابن بطال وغيره أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها وإنما تجوز عند جواز النافلة.
ودل الحديث على سنية تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر. وقال الموفق وغيره لا نعلم في ذلك خلافًا والحكمة في ذلك استحباب الإمساك في صلاة الأضحى لمن يضحي حتى يفرغ من الصلاة فإنه ربما كان ترك التعجيل لصلاة الأضحى مما يتأذى به منتظر الصلاة لذلك وأيضًا فإنه يعود إلى الاشتغال بذبح الأضحية فينبغي التعجيل ليتسع وقت الأضحية بخلاف عيد الفطر فإنه لا إمساك ولا ذبح، وتخرج صدقة الفطر قبلها فاستحب التأخير ليتسع الوقت للإخراج.
وروى الشافعي أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم "أن عجل الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس".
стр. 474
(وعن أبي عمير) بن أنس بن مالك الأنصاري يقال اسمه عبد الله وهو من صغار التابعين روى عن جماعة من الصحابة وعمر بعد أبيه (عن عمومة له) من الصحابة من الأنصار (أن ركبًا جاؤوا) يعني إلى النبي ﷺ قال أبو عمير غم علينا هلال شوال فأصبحنا صيامً فجاء ركب في آخر النهار (فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس) وفي رواية للطحاوي أنهم شهدوا بعد الزوال.
(فأمرهم النبي ﷺ أن يفطروا) وفي رواية "فأمر الناس أن يفطروا" من يومهم الذي جاء الركب فيه وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم" رواه الخمسة إلا الترمذي) وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن راهويه وابن حزم والخطابي والنووي والحافظ وغيرهم فدل على أن وقت صلاة العيد ينتهي إلى الزوال إذ لو كانت تؤدى بعد الزوال لما أخرها إلى الغد.
ولأن العيد شرع له الاجتماع العام وله وظائف دينية ودنيوية وآخر النهار مظنة الضيق عن ذلك غالبًا وقال تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ودل أيضًا على أنها تصلى في اليوم الثاني حيث انكشف العيد بعد خروج وقت الصلاة أداء والجمهور قضاء. وذهب مالك إلى أنها لا تقضى مطلقًا وسنة رسول الله ﷺ أحق بالاتباع قال الخطابي حديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب وكالفرائض وفيه أن
стр. 475
مصلى العيد كان معروفًا عندهم وأنه غير مصلى الجمعة كما تقدم.
(وعن أنس) ﵁ (قال كان النبي ﷺ لا يغدو) أي يذهب غدوة فيخرج وقت الغداة (يوم الفطر) إلى المصلى (حتى يأكل تمرات رواه البخاري) وفي رواية "ويأكلهن وترًا" ولأحمد "ويأكلهن أفرادًا"، ولابن حبان والحاكم "حتى يأكل تمرات ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر وترًا".
فدل الحديث على أنه يسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر باتفاق أهل العلم امتثالاً لأمره تعالى بالإفطار بعد امتثال أمره بالصيام ولئلا يظن لزوم الصوم حتى يصلي العيد فكأنه أراد سد هذه الذريعة عكس صلاة الأضحى فإن السنة أن لا يطعم من يضحي يوم النحر حتى يصلي وفاقًا لحديث بريدة "كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم وصححه ابن حبان وغيره.
والحكمة في تأخيره ليأكل من أضحيته التي شرعها الله له ويشكره عليها. وتسن الصدقة فيهما ليغني الفقراء عن السؤال.
ويسن تبكير مأموم لصلاة العيد ليحصل له الدنو من الإمام وفضل انتظار الصلاة كالجمعة وسائر الصلوات. ويسن أن
стр. 476
يكون سعيه إليها ماشيًا لقول علي: "من السنة أن يخرج إلي العيد ماشيًا" رواه الترمذي وقال العمل عليه عند أكثر أهل العلم ولتكتب له خطاه. ويكبر جهرًا.
ويسن تأخر إمام إلى وقت الصلاة لما في الصحيح من حديث أبي سعيد "كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة" وقال مالك مضت السنة عندنا في وقت الأضحى والفطر أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاه وقد حلت الصلاة.
(وعن جابر قال كانت للنبي ﷺ حلة" واحدة الحلل وهي برود اليمن.
قال ابن الأثير ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد (يلبسها) أي تلك الحلة من برود اليمن في (العيدين) عيد الفطر وعيد الأضحى (و) يلبسها في (الجمعة) متجملاً بها في تلك المجامع العظام (رواه ابن خزيمة) الحافظ الكبير شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة. قال الذهبي انتهت إليه الإمامة والحفظ في عصره بخراسان.
ولهما عن ابن عمر قال وجد عمر حلة من استبرق تباع فقال يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد. وللبخاري والجمعة. قال الحافظ وكلاهما صحيح. وللطبراني أن
عطاردًا جاء بثوب من ديباج كساه إياه كسرى فقال عمر لو
стр. 477
اشتريتها لك يا رسول الله فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على مشروعية التجمل للعيد وكذا الجمعة لفعله ﷺ وتقريره لعمر على أصل التجمل للعيد والجمعة.
قال ابن بطال وكان معهودًا عندهم أن يلبس المرء أحسن ثيابه لهما وروى ابن عبد البر عن جابر كان رسول الله ﷺ يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. وعن ابن عمر أنه كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه رواه البيهقي وغيره ولا نزاع في استحباب خروجه في العيدين على أحسن هيئة متنظفًا متطيبًا قاطعًا للرائحة الكريهة من بدنه وثوبه لابسًا أجمل ثيابه لأنه يوم الجمال ويوم الزينة. وكالجمعة وأولى، بل العيد أولى من وجوه عديدة.
والإمام أولى بذلك لأنه منظور إليه من بين سائر الناس. واستثنى بعضهم المعتكف أنه يخرج في ثياب اعتكافه لما روي "ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده. إلا المعتكف فإنه يخرج في ثياب اعتكافه" وهو عند أبي داود بسند ضعيف دون الاستثناء وعن أحمد وغيره. ثياب جيدة كغيره. وقال شيخ الإسلام يسن التزين للإمام الأعظم وإن خرج من المعتكف.
ويسن الغسل لأنه يوم يجتمع الناس فيه فسن الغسل فيه اتفاقًا كيوم الجمعة، وفيه حديثان ضعيفان وآثار عن الصحابة
стр. 478
جيدة فثبت عن ابن عمر أنه كان يغتسل للعيد قبل خروجه وعلي وسلمة وغيرهم. وحكى النووي الاتفاق على سنيته للرجال والنساء والصبيان لأنه يراد لقطع الرائحة الكريهة وللزينة كلهم من أهلها بخلاف الاستسقاء والكسوف لعدم نقله فتركه فيهما هو السنة.
(وللبخاري عنه أن رسول الله ﷺ إذا خرج إلى العيد خالف الطريق) وللترمذي وغيره "إذا خرج من طريق رجع في غيره" ولمسلم نحوه من حديث أبي هريرة. ولأبي داود عن ابن عمر وهو مستفيض وبه قال أكثر أهل العلم ولعل الحكمة في ذلك شهادة الطرق أو سرورها بمروره أو نيل بركته أو ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق. أو الصدقة على فقرائها. قال ابن القيم والأصح أنه لذلك كله ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها.
فصل في صفتها
أي كيفية صلاة العيدين ومشروعية الخطبة والتكبير وتقديم الصلاة على الخطبة وبيان مطلق التكبير من المقيد وغير ذلك (عن ابن عمر) ﵄ (قال كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة متفق عليه) ولهما عن جابر: "خرج النبي ﷺ يوم الفطر فصلى قبل الخطبة"
ولهما عن ابن عباس: "شهدت العيد مع النبي ﷺ وأبي بكر
стр. 479
وعمر وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة" وفي لفظ اشهد وعن أبي سعيد "فصلى ثم انصرف فقام فوعظ الناس".
والأحاديث في تقديم الصلاة على الخطبة متواترة معلومة بالضرورة. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وقال القاضي هذا هو المتفق عليه بين علماء الأمصار وأئمة الفتوى لا خلاف بين أئمتهم فيه وهو فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده وقال الموفق لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين إلا عند بني أمية ولا يعتد به اهـ.
فلا يعتد بها إن قدمت وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لأنه مسبوق بالإجماع الذي قبله ومخالف للسنة الصحيحة الصريحة. وقد أنكر عليهم فعله وعد بدعة. وأول من ابتدعه مروان والحكمة أن خطبة العيد ليست بشرط بخلاف خطبة الجمعة وصلاة العيد فرض وخطبتها سنة والفرض
أهم.
(ولهما عن ابن عباس: "صلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) وأجمع المسلمون على أن صلاة العيدين ركعتان كغيرها أركانًا وشروطًا وواجبات وسننًا ونقله الخلف عن السلف وعلم بالضرورة من الدين واستفاض في الصحيحين وغيرهما من
غير وجه عن جماعة من الصحابة. وقال عمر "صلاة
الفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وقد
стр. 480
خاب من افترى" ولا ينكره إلا مكابر. وللترمذي وصححه عن ابن عمر –﵄ أنه خرج يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها. وذكر أن النبي ﷺ فعله وللبخاري عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد.
ولأحمد وابن ماجه عن أبي سعيد أنه ﷺ "كان لا يصلى قبل العيد شيئًا" وروي عن علي "من السنة أنه لا يصلي قبلها ولا بعدها" وعن ابن مسعود ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد قال الموفق وهو إجماع ونوزع في ذلك. ولأحمد عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا " لا صلاة يوم العيد قبلها ولا بعدها" وهذا مع ما تقدم ظاهر الدلالة على النفي. وقال الزهري لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحدًا من سلف هذه الأمة كان يصلي تلك الصلاة ولا بعدها.
(ولهما عنه) ﵁ (لم يكن يؤذن) بالبناء للمجهول (يوم الفطر ولا ويوم الأضحى) يعني لصلاة العيد. ولمسلم عن جابر ابن سمرة قال "صليت مع النبي ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة ولا نداء ولا شيء" وله عن عطاء قال أخبرني جابر أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج ولا نداء ولا شيء إلا نداء يومئذ ولا إقامة.
قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم أنه لا يؤذن
стр. 481
لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل. قال العراقي والعمل عليه عند العلماء كافة. وقال الموفق لا نعلم في هذا خلافًًا ممن يعتد بخلافه إلا أنه روي عن ابن الزبير وقيل زياد. ولابن أبي شيبة أول من أحدثه معاوية.
وللخمسة عن عمرو بن شعيب وعمرو بن عوف وغيرهما (أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة) فسرها بقوله (سبعًا في الأولى) أي الركعة الأولى (وخمسًا في) الركعة الأخرى ورواه البزار والدارقطني وغيرهما و (صححه أحمد) وقال أنا أذهب إلى هذا. وفي رواية قال النبي ﷺ "التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما".
وللترمذي عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده عمرو بن عوف في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا وقال هو أحسن شيء في هذا الباب. وقال البخاري ليس في الباب شيء أصح من هذا وبه أقول.
وقال شيخ الإسلام في الحديثين صح هذا وهذا ولم يصح عنه غير ذلك، ولهما شواهد كثيرة وعن جابر عند البيهقي "مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعًا وخمسًا" وقال ابن عبد البر روي عنه ﷺ من طرق كثيرة حسان أنه كبر سبعًا الأولى وخمسًا الثانية.
ولم يرو عنه من وجه قوي خلاف. وعن ابن عباس وأبي
стр. 482
هريرة نحو ذلك وعن عروة أن أبيًا وزيدًا أمراه أن يكبر سبعًا وخمسًا وقال مالك وهو الأمر عندنا وجاءت في الأحاديث المرفوعة وهو مذهب الشافعي وأحمد والفقهاء السبعة. وقال العراقي هو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة وهو سنة قال الموفق لا أعلم فيه نزاعًا ويرفع يديه مع كل تكبيرة لقول وائل بن حجر "كان النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبير" قال أحمد فأرى أن يدخل فيه هذا كله وهو مذهب جمهور العلماء أبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وداود وابن المنذر وغيرهم وقياسًا على الصلاة قال الشافعي وغيرهم.
وقال عقبة بن عامر سألت ابن مسعود عما يقول بعد تكبيرات العيد قال يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ثم يدعو ويكبر. قال شيخ الإسلام روى نحو هذا العلماء عن ابن مسعود وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وإن قال سبحان الله والحمد لله والله أكبر اللهم صل على محمد كما جاء عن بعض السلف كان حسنًا، وكذا إن قال الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلا وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا أو نحو ذلك، وليس في ذلك شيء مؤقت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه وقال ابن القيم
كان يسكن بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة ولم يحفظ
عنه ذكر معين بين التكبيرات اهـ. ويضع يمينه
стр. 483
على شماله بين كل تكبيرتين. وإن أدرك الإمام راكعًًا أحرم ثم ركع ولا يشتغل بقضاء التكبير إجماعًا كما أنه لا يشتغل بقراءة الفاتحة في الفريضة فهنا أولى وإن أدركه قائمًا بعد فراغه من التكبير لم يقضه اتفاقًا.
وكذا إن أدركه في أثناءه سقط ما فاته اتفاقًا لفوات محل ما فات منه لا إن فاتته الصلاة فقال الجمهور يقضيها أو فاته بعضها فيقضيها على صفتها قال الزركشي بلا نزاع.
(وعن النعمان بن بشير) ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ولد في الثانية من الهجرة واستعمل بالكوفة ثم بحمص وقتل سنة خمس وستين ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين) وفي الجمعة (بسبح اسم ربك الأعلى) يعني في الركعة الأولى (و) في الثانية (هل أتاك حديث الغاشية) قال وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين (رواه مسلم) والخمسة إلا ابن ماجه.
وعن سمرة: كان يقرأ في العيدين بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية) رواه أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما ولابن ماجه من حديث ابن عباس نحوه وروي عن عمر وأنس وغيرهما وفيه دليل على مشروعية قراءتهما في العيدين وكذا في الجمعة وهما أكبر المجامع التي تجمع الجمع الكثير من المسلمين.
стр. 484
قال شيخ الإسلام وقراءتهما في تلك المجامع لما فيهما من التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد والحث على الصدقة والصلاة وغير ذلك مما يناسب قراءتهما في تلك الصلاة الجامعة وربما اجتمع العيد والجمعة فقرأ بهما فيهما رواه أبو داود وغيره وهو المشهور من مذهب أحمد اهـ.
وعنه الأولى بـ (ق) و (اقتربت) لما في صحيح مسلم والسنن وغيرهما أنه ﷺ كان يقرأ بـ (ق) و (اقتربت) لما اشتملتا عليه من الأخبار بابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد والقيامة والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب والإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين وتشبيه بروز الناس بالعيد ببروزهم بالبعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر وغير ذلك من الحكم.
وعنه لا توقيت وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
وقال شيخ الإسلام مهما قرأ به جاز كما تجوز القراءة في نحوها من الصلوات لكن إن قرأ بـ (ق) و (اقتربت) ونحو ذلك مما جاء في الأثر كان حسنًا وكانت قراءته ﷺ في المجامع الكبار بالسور المشتملة على التوحيد والأمر والنهي والمبدأ والمعاد وقصص الأنبياء مع أممهم وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم وما حل بهم من الهلاك والشقاء ومن آمن بهم وصدقهم وما لهم من النجاة والعافية.
ويقرأ فيهما جهرًا إجماعًا نقله الخلف عن السلف. واستمر عمل المسلمين عليه ويؤيده قولهم كان يقرأ في الأولى بكذا وفي
стр. 485
الثانية بكذا واستفاض من غير وجه. وقال ابن عمر كان يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء رواه الدارقطني وغيره.
(ولهما عن أبي سعيد أول شيء يبدأ به صلىلله عليه وسلم الصلاة) يعني إذا أتى مصلى العيد (ثم) إذا فرغ من الصلاة (ينصرف) عن جهة القبلة (فيقوم مقابل الناس) ولابن حبان "فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه" (والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم) ففيه استحباب الوعظ والتوصية والأمر بنحو ما كان يأمر به صلىلله عليه وسلم في خطبة العيد. ولمسلم من حديث جابر "فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن" وفي لفظ فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن.
فينبغي للخطيب أن يحثهم في خطبة الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون وفي الأضحى يرغبهم في الأضحية ويبين لهم أحكامها. وقال غير واحد وينبغي تعليمهم أيضًا في خطبة الجمعة التي قبل العيد ليعلموا ما ينبغي لهم عمله قبل الصلاة. ولابن ماجه "خطب قائمًا ثم قعد قعدة ثم قام فخطب"
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس رواه الشافعي،
وفي الصحيحين وغيرهما من غير وجه إثبات أنه
стр. 486
خطب الناس بعد صلاة العيد.
وقال الزركشي وغيره السنة أن يخطب خطبتين يجلس بينهما كخطبتي الجمعة قال النووي والمعتمد فيه القياس على الجمعة. قال شيخ الإسلام وغيره يفتتحهما بالحمد لأنه لم ينقل عنه ﷺ أنه افتتح خطبة بغيره وقال "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" وقال ابن القيم وكان يفتتح خطبة كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعد أنه كان يكثر التكبير أضعاف الخطبة.
فينبغي أن يكثر التكبير في خطبتي العيدين وصوبه شيخ الإسلام والخطبتان والتكبير فيهما سنة ولا يجب حضورهما ولا استماعهما قال غير واحد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيره على عدم وجوب خطبتي العيد ولا نعلم قائلاً بوجوبهما لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال شهدت مع النبي ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب"، رواه ابن ماجه وغيره.
(وقال ابن عباس: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم﴾ هو تكبيرات ليلة الفطر) وجاء عن عروة وأبي سلمة وابن المسيب وغيرهم أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير
стр. 487
ولشبه ليلة النحر بها. وأخذ كثير من أهل العلم مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية. قال الشيخ والتكبير فيها أوكد من أجل أن الله أمر به فقال تعالى ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾ عدة رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم﴾ عند إكمالها.
وأوجبه داود لظاهرها وهو مستحب عند السلف والخلف والأئمة إلا أبا حنيفة (وقال) يعني ابن عباس ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾: أيام العشر) عشر ذي الحجة وهو قول أكثر المفسرين قيل لها معلومات للحرص على العلم بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها.
(وقال) ﵁ ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾: أيام التشريق) رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم ووصله عبد بن حميد وغيره وهو إجماع وحكى القولين عنه جمهور المفسرين. ومن الذكر فيها التكبير وهو قول جماهير أهل العلم من المفسرين وغيرهم وثبت عن عمر وابنه وغيرهما التكبير فيها يتأولون هذه الآية.
قال الشيخ وهو في النحر أوكد منه في الفطر واختاره ونصره بأدلة منها انه يشرع في أدبار الصلوات وأنه متفق عليه. وأنه يجتمع فيه المكان والزمان وأن عيد النحر أفضل من عيد الفطر وأنه لا يكبر فيه إدبار الصلوات وغير ذلك. وما جاء من أن الله أمر به في عيد الفطر لا يقتضي أوكديته على عيد النحر قال
стр. 488
البخاري وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. وكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون. ويكبر أهل الأسواق حتى يرتج منى تكبيراُ.
ولأحمد عن ابن عمر مرفوعاً "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيها من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد " فيسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين في البيوت والأسواق والمساجد وغيرها. ويجهر به في الخروج إلى المصلى إلى فراغ الإمام من خطبته.
قال شيخ الإٍسلام مشروع في عيد الأضحى بالاتفاق وكذلك هو مشروع في عيد الفطر عند مالك والشافعي وأحمد وذكره الطحاوي مذهبًا لأبي حنيفة وحكاه في البدر إجماعًا قال أحمد وكان ابن عمر يكبر في العيدين جميعًا ويتأكد في ليلتي العيدين وفي الخروج إليهما لاتفاق الآثار عليه.
قال الشيخ ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. وقال النووي وغيره يسن إظهاره في حق من كان من أهل الصلاة ممن مميز وبالغ وحر وعبد مسافر أو مقيم من أهل القرى والأمصار إجماعًا. ويسن جهر به لغير أنثى لعموم (ولتكبروا الله) وقوله في الحيض (وليكبرن مع الناس).
стр. 489
(وعن جابر كان النبي ﷺ يكبر في صلاة الفجر) أي بعد ما يسلم من صلاة الفجر (يوم عرفة) وفي رواية كان إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول مكانكم ويقول "الله أكبر" إلخ يقول ذلك دبر كل صلاة مكتوبة من فجر يوم عرفة (إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات) قال شيخ الإسلام أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة لما في السنن "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام. وهي أيام أكل وشرب وذكر لله" ولما رواه الدارقطني عن جابر ولأنه إجماع من أكابر الصحابة.
وقيل لأحمد بأي شيء تذهب في ذلك قال بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود. وقال الزركشي وغيره يسن عقب كل فريضة في جماعة في الأضحى بالإجماع الثابت بنقل الخلف عن السلف. قال النووي وعليه العمل في الأمصار وعن أحمد يكبر ولو منفردًا للعموم وهو مذهب الجمهور.
(وعنه: يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد رواهما الدارقطني) وهما من حديث جابر بن زيد وهو ضعيف عند بعضهم وروى عنه شعبة والثوري
ووثقاه وهما هما. وقال أحمد ولم يتكلم في جابر في حديثه إنما تكلم فيه لرأيه على أنه ليس في المسألة حديث مرفوع أقوى
стр. 490
إسنادًا منه ليترك من أجله قال ابن القيم وإن كان إسناده لا يصح فالعمل عليه اهـ. ورواه ابن أبي شيبة بسند جيد عن ابن مسعود أنه كان يقوله ثم عمم عن الصحابة. وروى الحاكم نحوه عن علي وعمار مرفوعًا وقال جمع وعليه عمل الناس في الأمصار واستمر عليه العمل في عامة الأمصار والأعصار قال الشيخ وهو المنقول عن أكثر الصحابة والحكم فيه حكم فضل وندب.
وإن نسيه قضاه ما لم يطل الفصل وقيل لا يسن عقب صلاة عيد أو نافلة واختار الموفق وغيره يكبر عقب صلاة العيد لأنها صلاة مفروضة في جماعة وخص بالتكبير ويجزئ مرة واحدة وإن كرره ثلاثًا فحسن قال الشيخ وإن قال الله أكبر ثلاثًا جاز ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضًا كأن يقول لغيره بعد الفراغ من خطبة العيد تقبل الله منا ومنكم كالجواب قال الشيخ قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره والتعريف بدعة لم يره أبو حنيفة ومالك وغيرهما بغير عرفة ولا نزاع فيه بين العلماء وأنه منكر وفاعله ضال.
стр. 491
باب صلاة الكسوف
أي صفتها وأحكامها وما يتبع ذلك ويقال كسفت بفتح الكاف وضمها ومثله خسفت وهما بمعنى ويقال انكسفا وانخسفا وخسفا وكسفا وكلاهما جاءت به الأخبار قال ثعلب وغيره أجود الكلام خسف القمر وكسفت الشمس والكسوف لغة التغير إلى سواد وكسوف الشمس والقمر ذهاب ضوء الشمس كله أو القمر كله أو بعض ضوء الشمس أو القمر.
والكسوف آية من آيات الله يخوف به عباده ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار. وقد يكون سبباً لأمر مخوف كما قال تعالى ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ وصلاة الكسوف سنة مؤكدة باتفاق المسلمين تواترت بها السنن الصحيحة عن النبي ﷺ فرواها عنه بضعة وعشرون نفساً من الصحابة ﵃.
(قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾) الدالة على عظيم قدرته وحكمه الدالة على وحدانيته وتفرده بالربوبية الدال على تفرده بالآلهية ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ أي أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه فهمما متعاقبان لا يفتران ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي ومن آياته أنه خلق الشمس بنورها وإشراقها والقمر وضياءه وقدرهما في فلكيهما. ولما كان الشمس والقمر أحسن المخلوقات في العالم العلوي والسفلي قال ﴿لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَر﴾ فهما مخلوقان مسخران لا يستحقان أن يسجد لهما لأن السجود نهاية التعظيم ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ فهو سبحانه المستحق
стр. 492
للعبادة والتعظيم ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ تفردونه بالعبادة لا تشركون به شيئًا.
وحيث كان شرك المشركين منه ما هو بالشمس والقمر وهو جعل حق رب العالمين لبعض الخلق استنبط بعض أهل العلم صلاة الكسوف من هذه الآية فذكرت هنا فإن كونها تكسف هو من أدلة أن يعبد وحده. وقال زكريا الأنصاري احتج بقوله تعالى ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي عند كسوفهما لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما لأنهم كانوا يعبدون غيرهما فلا معنى لتخصيصهما بالنهي والمراد على تقدير تمام هذا الاحتجاج بالسجود في الصلاة اهـ ولعل الاستنباط بأن الله هو أمر بالسجود بعد ذكر أنها من آياته فدل على أنه يسجد عند آياته والمراد استنبط من عمومها ذلك وإرادة النهي عن عبادتهما لا يقدح في أنهم كانوا يعبدون غيرهما لجواز تخصيصهما بحكمة تقتضيه.
(وعن المغيرة مرفوعًا "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) أي علامتان من العلامات الدالة على وحدانيته وقدرته وعلى تخويف عباده من سطوته (لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته) فليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع على أنفسهما والسبب أن إبراهيم ابن النبي ﷺ مات سنة
عشر قبل الفطام. وكان ولد من مارية القبطية سنة ثمان فقال الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم وكانوا يزعمون
أنهما لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء فبين لهم
стр. 493
النبي ﷺ بطلان زعمهم وفساد اعتقادهم. وفي رواية أنه قال هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بها عباده (فإذا رأيتموها) وفي لفظ "فإذا رأيتم ذلك" أي كسوف الشمس أو القمر ذكره زيادة في الإفادة وبيانًا أن حكمهما واحد ثم أرشدهم إلى ما يشرع عند رؤية ذلك بقوله (فصلوا وادعوا) وفي رواية، فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة" وفي رواية "فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وهذا مما يرشح ما تقدم من استنباط السجود من الآية وفيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه (حتى ينكشف) وفي رواية "حتى ينجلي" ومن حديث عائشة حتى يكشف ما بكم" ونحوه من حديث جابر وغيره أي حتى يرتفع ما حل بكم من كسوف الشمس أو القمر (متفق عليه) والأمر بالصلاة عند الكسوف وفعله مستفيض من وجوه عن أبي سعيد وابن مسعود وجابر وعائشة وغيرهم بألفاظ متقاربة ولا نزاع في مشروعيتها.
والجمهور على أنها سنة مؤكدة ونقل عن أبي حنيفة وجوبها وأمر ﷺ بالمسارعة إليها ولما كسفت الشمس خرج مسرعًا فزعًا يجر رداءه فصلى بالناس وأخبر أن كسوفها سبب لنزول عذاب بالناس وأمر بما يزيل الخوف فأمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك من الأعمال الصالحة حتى يكشف
стр. 494
ما بالناس وجعل انكشافه غاية قال الشيخ الكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى بحسب ما يكسف منها فقد تكسف كلها وقد يكسف نصفها أو ثلثها فإذا عظم الكسوف طول الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ .
وإن تجلى الكسوف وهو في الصلاة أتمها خفيفة لأن المقصود التجلي وقد حصل. ولا يقطعها لقوله ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ قال الشيخ ويشرع تخفيفها لزوال السبب وكذا إذا علم أنه لا يطول وإن خف قبل الصلاة شرع وأوجز وعليه جماهير أهل العلم لأنها شرعت لعلة وقد زالت وإن فرغ منها قبل التجلي قال الشيخ وغيره يذكر الله ويدعو إلىلتجلي.
ولا تعاد باتفاق أهل العلم لأنه سبب واحد فلا يتعدد مسببه وقبل الدخول تفوت به فلا تقضى إذا فات محلها اتفاقًا لأن المقصود منها زوال العارض فوقتها يتقيد بحصول السبب من ابتدئه إلى التجلي اتفاقًا في أي وقت كان عند جمهور أهل العلم. ويقدم كسوف على جمعة ومكتوبة أمن فواتها وإلا فلا إذ السنة لا تعارض فرضًا وإن غابت الشمس كاسفة لم يصل. أو طلعت والقمر خاسف لم يصل لأنه قد ذهب وقت الانتفاع بهما وزال التخويف ويعمل بالأصل في بقائه فلا يصلي إذا شك في وجوده مع غيب ونحوه لأن الأصل عدمه.
ويصلي إذا علم الكسوف ثم حصل غيم فشك في التجلي
стр. 495
لأن الأصل بقاؤه ودعوى بعضهم غيبوبة القمر خاسفًا ليلاً أو الكسوف يوم عرفة ونحو ذلك لم يقع لأنه لا ينخسف إلا في ليالي الإبدار إذا تقابل جرم الشمس والقمر فحالت بينهما الأرض ولا تنكسف الشمس إلا ليالي الإستسرار إذا حال القمر بيننا وبينها. قال شيخ الإسلام وقد أجرى الله العادة أن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار وهي الليالي البيض وأن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار.
ومن قال إنها تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط ويستحيل كسوفها يوم عرفة ولم تجر به عادة كما لم تجر بالاستهلال ونحوه في غير وقته. وللشمس والقمر ليال معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف كما أن من علم ما مضى من الشهر يعلم أن الشهر يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها والعلم بالعادة فيه يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس من باب علم الغيب وإذا تواطأ خبرهم بوقت الصلاة لا يكادون يخطئون ومع ذلك لا يترتب على خبرهم حكم شرعي فإنها لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك.
(ولهما عن عائشة: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديًا ينادي الصلاة جامعة) الأول مفعول لفعل محذوف أي احضروا والثاني على الحال ويجوز رفعهما.
وعن ابن عمر نحوه وهو دليل على مشروعية الإعلام بهذا اللفظ للاجتماع لها. ولم يرد إلا في هذه الصلاة واتفقوا على
следующие страницы →