← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

باب صلاة الكسوف أي صفتها وأحكامها وما يتبع ذلك ويقال كسفت بفتح الكاف وضمها ومثله خسفت وهما بمعنى ويقال انكسفا وانخسفا وخسفا وكسفا وكلاهما جاءت به الأخبار قال ثعلب وغيره أجود الكلام خسف القمر وكسفت الشمس والكسوف لغة التغير إلى سواد وكسوف الشمس والقمر ذهاب ضوء الشمس كله أو القمر كله أو بعض ضوء الشمس أو القمر. والكسوف آية من آيات الله يخوف به عباده ليفزعوا إلى التوبة والاستغفار. وقد يكون سبباً لأمر مخوف كما قال تعالى ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ وصلاة الكسوف سنة مؤكدة باتفاق المسلمين تواترت بها السنن الصحيحة عن النبي ﷺ فرواها عنه بضعة وعشرون نفساً من الصحابة ﵃. (قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾) الدالة على عظيم قدرته وحكمه الدالة على وحدانيته وتفرده بالربوبية الدال على تفرده بالآلهية ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ أي أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه فهمما متعاقبان لا يفتران ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي ومن آياته أنه خلق الشمس بنورها وإشراقها والقمر وضياءه وقدرهما في فلكيهما. ولما كان الشمس والقمر أحسن المخلوقات في العالم العلوي والسفلي قال ﴿لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَر﴾ فهما مخلوقان مسخران لا يستحقان أن يسجد لهما لأن السجود نهاية التعظيم ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ فهو سبحانه المستحق

стр. 492

للعبادة والتعظيم ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ تفردونه بالعبادة لا تشركون به شيئًا. وحيث كان شرك المشركين منه ما هو بالشمس والقمر وهو جعل حق رب العالمين لبعض الخلق استنبط بعض أهل العلم صلاة الكسوف من هذه الآية فذكرت هنا فإن كونها تكسف هو من أدلة أن يعبد وحده. وقال زكريا الأنصاري احتج بقوله تعالى ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي عند كسوفهما لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما لأنهم كانوا يعبدون غيرهما فلا معنى لتخصيصهما بالنهي والمراد على تقدير تمام هذا الاحتجاج بالسجود في الصلاة اهـ ولعل الاستنباط بأن الله هو أمر بالسجود بعد ذكر أنها من آياته فدل على أنه يسجد عند آياته والمراد استنبط من عمومها ذلك وإرادة النهي عن عبادتهما لا يقدح في أنهم كانوا يعبدون غيرهما لجواز تخصيصهما بحكمة تقتضيه. (وعن المغيرة مرفوعًا "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) أي علامتان من العلامات الدالة على وحدانيته وقدرته وعلى تخويف عباده من سطوته (لا ينكسفان لموت أحد أو لحياته) فليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع على أنفسهما والسبب أن إبراهيم ابن النبي ﷺ مات سنة عشر قبل الفطام. وكان ولد من مارية القبطية سنة ثمان فقال الناس انكسفت الشمس لموت إبراهيم وكانوا يزعمون أنهما لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء فبين لهم

стр. 493

النبي ﷺ بطلان زعمهم وفساد اعتقادهم. وفي رواية أنه قال هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بها عباده (فإذا رأيتموها) وفي لفظ "فإذا رأيتم ذلك" أي كسوف الشمس أو القمر ذكره زيادة في الإفادة وبيانًا أن حكمهما واحد ثم أرشدهم إلى ما يشرع عند رؤية ذلك بقوله (فصلوا وادعوا) وفي رواية، فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة" وفي رواية "فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا" وهذا مما يرشح ما تقدم من استنباط السجود من الآية وفيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه (حتى ينكشف) وفي رواية "حتى ينجلي" ومن حديث عائشة حتى يكشف ما بكم" ونحوه من حديث جابر وغيره أي حتى يرتفع ما حل بكم من كسوف الشمس أو القمر (متفق عليه) والأمر بالصلاة عند الكسوف وفعله مستفيض من وجوه عن أبي سعيد وابن مسعود وجابر وعائشة وغيرهم بألفاظ متقاربة ولا نزاع في مشروعيتها. والجمهور على أنها سنة مؤكدة ونقل عن أبي حنيفة وجوبها وأمر ﷺ بالمسارعة إليها ولما كسفت الشمس خرج مسرعًا فزعًا يجر رداءه فصلى بالناس وأخبر أن كسوفها سبب لنزول عذاب بالناس وأمر بما يزيل الخوف فأمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك من الأعمال الصالحة حتى يكشف

стр. 494

ما بالناس وجعل انكشافه غاية قال الشيخ الكسوف يطول زمانه تارة ويقصر أخرى بحسب ما يكسف منها فقد تكسف كلها وقد يكسف نصفها أو ثلثها فإذا عظم الكسوف طول الصلاة حتى يقرأ بالبقرة ونحوها في أول ركعة وبعد الركوع الثاني يقرأ بدون ذلك وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ . وإن تجلى الكسوف وهو في الصلاة أتمها خفيفة لأن المقصود التجلي وقد حصل. ولا يقطعها لقوله ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم﴾ قال الشيخ ويشرع تخفيفها لزوال السبب وكذا إذا علم أنه لا يطول وإن خف قبل الصلاة شرع وأوجز وعليه جماهير أهل العلم لأنها شرعت لعلة وقد زالت وإن فرغ منها قبل التجلي قال الشيخ وغيره يذكر الله ويدعو إلىلتجلي. ولا تعاد باتفاق أهل العلم لأنه سبب واحد فلا يتعدد مسببه وقبل الدخول تفوت به فلا تقضى إذا فات محلها اتفاقًا لأن المقصود منها زوال العارض فوقتها يتقيد بحصول السبب من ابتدئه إلى التجلي اتفاقًا في أي وقت كان عند جمهور أهل العلم. ويقدم كسوف على جمعة ومكتوبة أمن فواتها وإلا فلا إذ السنة لا تعارض فرضًا وإن غابت الشمس كاسفة لم يصل. أو طلعت والقمر خاسف لم يصل لأنه قد ذهب وقت الانتفاع بهما وزال التخويف ويعمل بالأصل في بقائه فلا يصلي إذا شك في وجوده مع غيب ونحوه لأن الأصل عدمه. ويصلي إذا علم الكسوف ثم حصل غيم فشك في التجلي

стр. 495

لأن الأصل بقاؤه ودعوى بعضهم غيبوبة القمر خاسفًا ليلاً أو الكسوف يوم عرفة ونحو ذلك لم يقع لأنه لا ينخسف إلا في ليالي الإبدار إذا تقابل جرم الشمس والقمر فحالت بينهما الأرض ولا تنكسف الشمس إلا ليالي الإستسرار إذا حال القمر بيننا وبينها. قال شيخ الإسلام وقد أجرى الله العادة أن القمر لا ينخسف إلا وقت الإبدار وهي الليالي البيض وأن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار. ومن قال إنها تنخسف في غير وقت الاستسرار فقد غلط ويستحيل كسوفها يوم عرفة ولم تجر به عادة كما لم تجر بالاستهلال ونحوه في غير وقته. وللشمس والقمر ليال معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف كما أن من علم ما مضى من الشهر يعلم أن الشهر يطلع في الليلة الفلانية أو التي قبلها والعلم بالعادة فيه يعرفه من يعرف حساب جريانهما وليس من باب علم الغيب وإذا تواطأ خبرهم بوقت الصلاة لا يكادون يخطئون ومع ذلك لا يترتب على خبرهم حكم شرعي فإنها لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك. (ولهما عن عائشة: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث مناديًا ينادي الصلاة جامعة) الأول مفعول لفعل محذوف أي احضروا والثاني على الحال ويجوز رفعهما. وعن ابن عمر نحوه وهو دليل على مشروعية الإعلام بهذا اللفظ للاجتماع لها. ولم يرد إلا في هذه الصلاة واتفقوا على

стр. 496

أنه لا يؤذن لها ولا يقام ولا يشترط لها إذن الإمام (فصلى أربع ركعات) أي ركوعات (في ركعتين) كما سيأتي موضحًا (وأربع سجدات) ولفظ ابن عمر: "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي أن الصلاة جامعة فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلي عن الشمس". وثبت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها وغيرها من غير وجه عن جابر وابن عباس وعمرو بن العاص وأبي موسى وغيرهم صلاته ﷺ ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات وقال أحمد والشافعي والبخاري وابن عبد البر والشيخ وغيرهم هذا أصح ما في الباب وهو مذهب جمهور العلماء. وهي الصفة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة قال الشيخ قد ورد في صلاة الكسوف أنواع ولكن الذي استفاض عند أهل العلم بسنة رسول الله ﷺ رواه البخاري ومسلم من غير وجه وهو الذي استحبه أكثر أهل العلم كمالك والشافعي وأحمد أنه صلى بهم ركعتين في كل ركعة ركوعان وقال البخاري وغيره من أهل العلم بالحديث لا مساغ لحمل هذه الأحاديث يعني في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع أو خمس على بيان الجواز إلا إذا تعددت الواقعة وهي لم تتعدد لأن مرجعها كلها إلى صلاته ﷺ في كسوف الشمس يوم مات ابنه إبراهيم

стр. 497

وحينئذ يجب ترجيح أخبار الركوعين فقط لأنها أصح وأشهر. وما رواه مسلم من حديث جابر ست ركوعات قال الشافعي منقطع ومن حديث ابن عباس ثمان وهو من رواية حبيب عن طاوس. قال ابن حبان ليس بصحيح وحبيب معروف بالتدليس وقال شيخ الإسلام ما زاد عن ركوعين في ركعة غلط وإنما صلى ﷺ مرة واحدة. (وفيه) أي في حديث عائشة (جهر فيها بالقراءة) وللترمذي وصححه عنها أيضًا أنه صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها. قال شيخ الإسلام ثبت في الصحيح الجهر بالقراءة فيها لكن روي فيها المخافتة والجهر أصح والكسوف الذي صلى بالمسلمين فيه إنما وقع أول النهار بلا نزاع. والمثبت مقدم على النافي ودل الحديث وغيره على تأكد سنية صلاتها جماعة وهو أفضل اتفاقًا وقيل بوجوبها في الجامع أفضل اتفاقًا. وفي الصحيحين عن عائشة "خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه" ولأحمد "فافزعوا إلى الصلاة" وروي عن أبي حنيفة يصلي لخسوف القمر فرادى والأحاديث ثبتت بالتسوية ولا تشترط لها الجماعة فلو لم يجدوا إمامًا يصلي بهم صلوها فرادى وهو مذهب الجمهور. ولا يسن الغسل لها لمبادرته ﷺ إلى فعلها من حيث العلم بالكسوف واستمر العمل عليه. وقال ابن القيم وغيره الصحيح أنه لا

стр. 498

يسن لها الغسل لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يغتسلوا لها. (ولهما عن ابن عباس) ﵄ (قال انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى فقام قيامًا طويلاً نحوًا من قراءة سورة البقرة) ومهما قرأ به من السور جاز لعدم تعيين القراءة (ثم ركع ركوعًا طويلاً) من غير تقدير قال الموفق وغيره نحو مائة آية وهو مذهب الشافعي وأحمد وقال آخرون بقدر معظم القراءات والأولى أن يكون نسبيًا كالفريضة. (ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول) وفي حديث عائشة "ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى بل كمعظمهما. قال الموفق آل عمران أو قدرها وهو في رواية أبي داود ومذهب الجمهور مالك والشافعي ورواية عن أحمد لا تصح إلا بقراءة الفاتحة في القيام الثاني (ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول) نسبته إلى القراءة كنسبة ركوع الأولى من قراءة الأولى. وقال الموفق نحوًا من سبعين آية وقال النووي وغيره اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أكثر من القيام الأول وركوعه فيها (ثم رفع رأسه) أي من الركوع الثاني وفي حديث عائشة ثم كبر فركع ركوعًا هو أدنى من الركوع الأول ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ولا يطيل اعتداله حكاه القاضي وغيره إجماع العلماء لعدم

стр. 499

ذكره في الروايات الصحيحة ولا يقرأ بل يقول ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا إلخ (ثم يسجد) أي سجدتين طويلتين بالنسبة إلى القيام وثبت إطالتهما في الصحيحين وغيرهما من فعله ﷺ وقالت عائشة "ما ركعت ركوعًا قط ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه" وهو ثابت من رواية جماعة. ولا يزيد على سجدتين إجماعًا لأنه لم يرد في شيء من الأخبار ولا يطيل الجلوس بين السجدتين إجماعًا لعدم وروده. (وذكر الركعة الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل) يعني في الأولى ولفظه ثم "قام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول" يعني "ثم رفع" فلم يطل "ثم سجد" يعني "سجدتين طويلتين دون السجود الأول" ولفظ حديث عائشة، "ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات" وهذا مجمع عليه. وقال القاضي وغيره القراءة في كل قيام أقصر مما قبله وكذا التسبيح. وقال ابن بطال لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعها وحكاه النووي وغيره اتفاق أهل العلم. ولمسلم من حديث جابر وسجوده نحو من ركوعه (قال ثم انصرف) يعني بعد كمال ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات والتشهد والتسليم.

стр. 500

(وقد انجلت الشمس) ولفظ عائشة "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف ثم قام (فخطب الناس) فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال إن الشمس والقمر آيتان" إلخ وفي رواية للبخاري "وشهد أنه عبده ورسوله" وفيه أنه ذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك. ولمسلم من حديث فاطمة عن أسماء قالت "فخطب رسول الله ﷺ الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار" إلخ. فدلت هذه الروايات على استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف وهو مذهب أبي حنيفة ومالك الشافعي وأكثر أئمة الحديث وجمهور السلف فيحثهم على التوبة والصدقة والعتق ويحذرهم من الغفلة والاغترار ويأمرهم بالإكثار من الدعاء والاستغفار كما ثبت ذلك من غير وجه عنه ﷺ إعذارًا وإنذارًا. قال شيخ الإسلام يصلي لكل آية كما دل على ذلك السنن والآثار وقالها المحققون من أصحاب أحمد وغيرهم. ولولا أن ذلك يكون لشر وعذاب لم يصح التخويف لذلك وهذه صلاة رهبة وخوف كما أن صلاة الاستسقاء صلاة رغبة ورجاء وقد أمر الله عباده أن يدعوه خوفًا وطمعًا. وقال ﵊: "إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئًا فافزعوا إلى الصلاة" وقال ابن أبي موسى يصلي لكل آية وهو ظاهر كلام أحمد وينبغي أن يعظهم عند نزول البلاء ويأمرهم بالتوبة والصدقة

стр. 501

وإن صلى أحدهم في بيته ركعتين توبة إلى الله تعالى فحسن لأن صلاة التوبة مشروعة ومذهب مالك والشافعي وأحمد لا يصلي لغير الزلزلة إن دامت لعدم نقله عنه ﷺ وعن أصحابه فكما أن فعله صل الله عليه وسلم هو وأصحابه من بعده سنة فكذلك ما تركه مع وجوده في زمنه فتركه هو السنة. وقد وجد في زمنه انشقاق القمر وهبوب الرياح الصواعق وغير ذلك كما هو مستفيض وأما الزلزلة فلفعل ابن عباس رواه سعيد والبيهقي وابن جرير وروى الشافعي عن علي نحوه وقال هو ثابت عن ابن عباس وقال ابن القيم التحقيق إنما يكون بما هو سبب للشر المخوف كالزلزلة. والريح العاصف وإلا فما وجوده متكرر لا يحصل به تخويف. باب صلاة الاستسقاء أي صفتها وأحكامها والاستسقاء استفعال من السقي بضم السين وهو الدعاء بطلب السقي على صفة مخصوصة. وأجمع المسلمون على مشروعيته عند المحل وكان في الأمم الماضية النفوس مجبولة على الطلب ممن يغيثها ونزول الغيث لا تلتفت القلوب في سؤاله إلا من خالقها الذي بيده خزائن السموات والأرض. ويأتي قول الأعرابي الجاهلي للنبي ﷺ استسق لنا ربك. والاستسقاء على ثلاثة أضرب أحدها صلاتهم جماعة أو

стр. 502

فرادى على ما يأتي تفصيله وهو أكملها. وصلاته ﷺ مستفيضة في الصحاح وغيرها. واتفق فقهاء الأمصار عليه والثاني استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها كما فعل النبي – ﷺ واستفاض عنه من غير وجه وهذا الضرب مستحب اتفاقًا واستمر عمل المسلمين عليه والثالث دعاؤهم عقب صلواتهم وفي خلواتهم ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة. (قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ بن عمران كليم الرحمن ولد قبل عيسى بألف وخمسمائة وإحدى وسبعين سنة وعاش مائة وعشرين ﴿لِقَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ وذلك حين عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأمره الله أن يضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا حتى شربوا ورووا. ولأحمد وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة: خرج سليمان ﵇ يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك. فقال "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم" فدل على أن الاستسقاء شرع لمن قبلنا والخروج له كذلك. وشرعهم شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه. (وعن عائشة قالت وعد رسول الله ﷺ الناس يومًا

стр. 503

يخرجون فيه رواه أبو داود) بسند جيد والمراد يتهيئوا للخروج على الصفة المسنونة وينبغي أن يعظ الناس بما يلين قلوبهم ويسوقها إلى التوبة وإصلاح السيرة والسريرة ويأمرهم بالتوبة من المعاصي. ويدخل فيها المحرمات لحق الله وحق الآدميين وهي واجبة مطلقًا إلا أنها مع حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تتأكد وتطلب المسارعة فيها. ويأمرهم برد المظالم ونحوها إلى أهلها وبترك التشاحن وبالصدقة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث ويخرج أهل الدين والصلاح والشيوخ لأنه أسرع للإجابة ويخرج الصبيان والمميزون لأنهم لا ذنوب لهم فترجى إجابتهم. قال في الفصول نحن لخروج الصبيان أشد استحبابًا وإن خرجت الأطفال والعجائز جاز واستحب خروجهن أبو حنيفة لا ذوات الهيئات اتفاقًا خوف الفتنة والتفات القلوب عن الخضوع لله والتضرع بين يديه. ويجوز التوسل بدعاء الصالحين كما كان الصحابة يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته وتوسل عمر بالعباس وقال اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا وقام العباس فدعا الله. وتوسل معاوية بيزيد وذلك لأن دعوة الصالحين مستجابة. وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين بمكان لم يمنعوا إلا بيوم لئلا يتفق نزول غيث فيفتتن بهم ضعفاء العوام

стр. 504

(وعن ابن عباس قال خرج رسول الله ﷺ ) أي من المدينة إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء. قال ابن عباس في رمضان سنة ست من الهجرة فيسن أن يجتمعوا خارج البلد في صحراء قريبة عرفا ليبرزوا لربهم ويتضرعوا بين يديه ولم يكن يصليها ﷺ إلا في الصحراء (متواضعًا) لأن التواضع من أسباب الإجابة والتواضع: التذلل والخشوع ضد الكبر (متبذلاً) أي لابسًا ثياب البذلة. والمراد ترك الزينة وحسن الهيئة تواضعًا وإظهارًا للحاجة. (متخشعًا) أي خاضعًا بقلبه وعينه ومشيه وجلوسه وغير ذلك. والخشوع سكون القلب على المقصود ومن غير التفات إلى غيره وسكون الجوارح في غير المفعول وقريب منه الخضوع إلا أن الخشوع أكثر استعمالاً في الصوت والبدن والخضوع في الأعناق (متضرعًا) أي مستكينًا بلسانه مبتهلاً إليه مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله متصاغرًا ومتعرضًا في جلب الحاجة ولا يتطيب اتفاقًا لأنه يوم استكانة وخضوع (فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه رواه الخمسة وصححه الترمذي) وأبو عوانه وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وغيرهم. ولمسلم من حديث عبد الله بن زيد "خرج يستسقي بالناس فصلى ركعتين ثم استسقى وعن أبي هريرة قال خرج

стр. 505

رسول الله ﷺ "يومًا يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله " رواه ابن ماجه وأحمد. وله من حديث عبد الله بن زيد "بدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القبلة فدعا" وله عن أنس نحوه ولأبي داود عن عائشة بدأ بالصلاة قبل الخطبة. وقد دلت هذه الأحاديث وغيرها على تأكد سنية صلاة الاستسقاء وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف ولم يخالف إلا أبو حنيفة مستدلاً بأحاديث ليس فيها ذكر الصلاة وإنما هي نوع آخر كما تقدم وخالفه جمهور أصحابه. وقال زكريا وغيره ورده أئمتنا بورودها في الأخبار الصحيحة ولا ريب أنها ثبتت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من غير وجه ولا معارض لها ولا مخصص. وأجمع المثبتون للصلاة أنها ركعتان كصلاة العيد صرح به الحافظ وغيره، وقال ظاهره أنه صلاها في وقت صلاة العيد لحديث عائشة وجابر "خرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس" رواه أبو داود وغيره. ولأنها في معناها إلا أنه لا وقت لصلاتها لكنها لا تفعل وقت النهي بلا خلاف. ونقل الموفق الإجماع عليه ولا تقيد بزوال الشمس فيجوز فعلها بعده كسائر النوافل. فيصليها ركعتين كصلاة العيد بلا أذان ولا إقامة إجماعًا.

стр. 506

قال ابن القيم ولا نداء ألبتة. قال الشيخ والقياس على الكسوف فاسد الاعتبار اهـ. يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سبح وبالغاشية في الثانية ويرفع يديه مع كل تكبيرة كما تقدم في صلاة العيد لشبهها بها وهو مذهب جمهور أهل العلم. وروى الشافعي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون الاستسقاء يكبرون فيها سبعًا وخمسًا. وعن ابن عباس نحوه رواه الدارقطني وفيه أنه قرأ بسبح والغاشية. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد جهر فيهما بالقراءة وذكر الإجماع على استحبابه النووي وابن بطال وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم ولم يصرح في حديث عبد الله بن زيد بالخطبة. وجاء في سنن أبي داود وغيره من حديث ابن عباس وعائشة تقديم الخطبة، وقال القرطبي وغيره: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد. وما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة. قال الحافظ ويمكن الجمع بين الروايات في ذلك أنه ﷺ بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف والمرجح عند الشافعية والمالكية والحنبلية الشروع بالصلاة. قال النووي وبه قال الجماهير وكان مالك يقول بعد الخطبة ثم رجع إلى قول الجماهير وذلك أن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها.

стр. 507

وقال البغوي السنة في الاستسقاء أن يخرج إلى المصلى فيبدأ بالصلاة فيصلي ركعتين مثل صلاة العيد ثم يخطب روي ذلك عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعلي وهو قول الشافعي وأحمد وهو المرجح عند المالكية. وقال ابن عبد البر وغيره هو مذهب العلماء كافة وليس بإجماع فقد ذهب قوم إلى جواز البداءة بالخطبة. وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم. إلا أن تقديم الصلاة على الخطبة أكثر أحواله ﷺ وعمل أكثر المسلمين عليه. وقوله في حديث ابن عباس لم يخطب خطبكم هذه أي كما يفعل في الجمعة ولكن خطبة واحدة ولم ينف مطلق الخطبة كما تدل عليه الرواية الثانية أنه ﷺ رقي المنبر ومذهب مالك وغيره يخطب خطبتين واختاره بعض الأصحاب. وقال الزيلعي وغيره لم يرو أنه ﷺ خطب خطبتين. (وعن أبي هريرة ثم خطبنا ﷺ ودعا الله ولأحمد من حديث عبد الله بن زيد قال رأيت رسول الله ﷺ "حين استسقى لنا أطال الدعاء وأكثر المسألة. وعن عائشة أمر بمنبر فوضع له في المصلى ثم قال "الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. لا إله إلا الله يفعل ما يريد. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت. أنت الغني ونحن الفقراء. أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلته قوة وبلاغًا إلى حين" رواه أبو داود.

стр. 508

وذلك أنهم شكوا إليه قحوط المطر فقال "إنكم شكوتم جدب دياركم فقد أمركم أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم" يشير إلى قوله تعالى ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وقوله: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾ وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر به فيكثر فيها الاستغفار؛ لأنه سبب لنزول الغيث، وخرج عمر يستقي فلم يزد على الاستغفار؛ فقالوا ما رأيناك استسقيت قال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يستنزل به المطر ثم قرأ هذه الآية. وعن علي نحوه. والثناء على الله والاستغفار والدعاء والصلاة على النبي ﷺ من أكبر أسباب استجابة الدعاء لقوله ﵊ "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء) وقال "ثم ليسأل حاجته" قال أبو هريرة ﵁ (وحول) ﷺ (وجهه نحو القبلة رافعًا يديه) وفي الصحيح من حديث عبد الله بن زيد "فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو" ولأبي داود عن عائشة ثم "رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدأ بياض إبطيه". وفي الصحيحين من حديث أنس "كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه" أي مبالغًا في الرفع "إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه" وقد صار أكفهما نحو

стр. 509

السماء من شدة الرفع وهو إنما كان متوجهًا ببطونهما مع القصد ويدعو قائمًا ويرفعون أيديهم ويؤمنون جلوسًا. ويكثر من الدعاء ويلح فيه فإن الله يحب الملحين في الدعاء. ومنه ما يأتي قال (ثم قلب رداءه) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد "وحول رداءه" وروي ليتحول القحط. ولمسلم "حول رداءه حين استقبل القبلة" زاد البخاري "جعل اليمين على الشمال" ولأبي داود من حديث عائشة "وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه". وفسره أبو هريرة ﵁ بقوله (فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن رواه أحمد) ورواه ابن ماجه وغيرهما وقال في الخلافيات رواته ثقات وله شواهد كثيرة. ولأحمد من حديث عبد الله بن زيد "ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرًا لبطن وحول الناس معه" ولأبي داود "فحول رداءه وجعل عاطفه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عاطفه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله ". وفي هذه الأحاديث استحباب تحويل الرداء حال استقبال القبلة بعد الفراغ من الخطبة وإرادة الدعاء وهو مذهب الجمهور حكاه الحافظ وغيره. ويدعو الإمام والمأموم سرًا مستقبلي القبلة باتفاق أهل العلم لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبلغ في الخشوع وأسرع في الإجابة. ومنه اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا إنك لا

стр. 510

تخلف الميعاد. لأن فيه استنجازًا لما وعد من فضله. وقال بعض أهل العلم وإذا فرغ من الدعاء استقبلهم ثم حثهم على الصدقة والخير ويصلي على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ثم يقول أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله. (وعن أنس أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ قائم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال) يعم المواشي وغيرها. وللبخاري هلكت الماشية وهلكت العيال وهلك الناس وانقطعت السبل عبارة عن عدم السفر لضعف الإبل بسبب عدم المراعي والأقوات أو لأنه لما نفد ما عند الناس من الطعام لم يجدوا ما يحملونه إلى الأسواق (فادع الله يغثنا) بضم الياء وفتحها. (فرفع رسول الله ﷺ يديه) وللبخاري ورفع الناس أيديهم وفي لفظ "فرفع يديه يدعو ورفع الناس أيديهم يدعون" زاد مسلم "حذاء وجهه" ولابن خزيمة "حتى رأيت بياض إبطيه" وللبخاري في الأدب فنظر إلى السماء (ثم قال اللهم أغثنا) زاد البخاري "واسقنا" (اللهم أغثنا) قال انس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت

стр. 511

السماء انتشرت ثم أمطرت قال فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا". ولابن ماجه وأبي عوانة ورجاله ثقات عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله "لقد جئتك من قوم ما يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل "فصعد المنبر فحمد الله ثم قال اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا طبقًا غدقًا عاجلاً غير رائث" وبعضه في أحاديث مستفيضة. وعن ابن عمر بلفظ "اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا غدقا مجللا سحا عاما طبقا دائما نافعا غير ضار اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين" رواه الشافعي وغيره. ولأبي عوانة عن سعد أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء "اللهم جللنا سحابا كثيفا قصيفا دلوقا ضحوكا تمطرنا منه رذاذا قطقطًا سجلاً يا ذا الجلال والإكرام" ولأبي داود كان إذا استسقى قال "اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق" رواه الشافعي مرسلاً وبعضه في الصحيح "اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأرد لنا الضرع واسقنا من بركات السماء وأنزل علينا من بركاتك اللهم ارفع عنا الجوع والجهد والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك" وتقدم حديث أبي هريرة. ويدعو بما أحب مما ورد وغيره مما يليق بالحال وهذه الأدعية

стр. 512

ونحوها تقال في سائر الأنواع وعدها ابن القيم ستة الأول الصلاة والخطبة، والثاني يوم الجمعة على المنبر وتقدما، والثالث استسقاؤه على منبر المدينة مجردا في غير الجمعة، والرابع وهو جالس في المسجد، والخامس عند أحجار الزيت، والسادس في بعض غزواته لما سبق إلى الماء وأغيث فيها. وهذه الأربعة يشملها الضرب الثالث المتقدم في الترجمة. قال أنس (ثم دخل رجل) من ذلك الباب (في الجمعة المقبلة) ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا (فقال يا رسول الله) هلكت الأموال وانقطعت السبل فـ (ادع الله يمسكها عنا) قال (فرفع) رسول الله ﷺ (يديه ثم قال اللهم حوالينا) أي اجعله في الأودية والمراعي التي تحيط بنا ولا يضرها وحوالي جمع حوال ولمسلم حولنا (ولا علينا) أي لا على الأبنية والطرق وهو بيان للمراد الذي قبله. (اللهم على الظراب) أي الروابي الصغار (والآكام) على وزن آصال قال مالك الجبال الصغار (وبطون الأودية) الأمكنة المنخفضة لينتفع به (ومنابت الشجر) أي أصولها قال فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس (متفق عليه) وفيه علم من أعلام النبوة وللشافعي من حديث المطلب أنه ﷺ كان يقول عند المطر "اللهم سقيا اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا".

стр. 513

فدل على مشروعية هذا الدعاء ونحوه عند زيادة الأمطار وخوف الضرر منها. وفيه تعليمنا الأدب حيث لم يدع برفعه مطلقًا لأنه قد يحتاج باستمراره بالنسبة لبعض الأدوية والمزارع فطلب منع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر سالك وابن سبيل وسأل بقاء نفعه لمن ينتفع به وينبغي لمن وصلت إليه نعمة أن لا يتسخط لعارض قارنها بل يسأل الله رفعه وبقاءها وإن الدعاء برفع المضر لا ينافي التوكل. وينبغي أن يقول "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" إلى آخر الآية (ولهما عن عائشة كان يقول) يعني رسول الله ﷺ (إذا رأى المطر اللهم صيبًا نافعًا والصيب من صاب المطر إذا وقع. وقيد بالكثير ونافعا صفة مقيدة احترازا عن الصيب الضار. (و) لهما (من حديث زيد بن خالد) الجهني (مطرنا بفضل الله ورحمته) وذلك أنه صلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال "هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب). وذلك أن العرب كانت تزعم أن مع سقوط نجم وطلوع نظيره يكون مطر فينسبونه إليها. وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعا، ومحرم نسبته إلى النجم وإن قصد نسبة الفعل

стр. 514

إلى الله. ويباح مطرنا في نوء كذا كما لو قال مطرنا في شهر كذا ودل الحديثان على استحباب هذا الدعاء عند نزول المطر. ويستحب أن يقف في أول المطر وخرج رحله وثيابه ليصيبها لفعله ﷺ وقوله "إنه حديث عهد بربه" ويتوضأ أو يغتسل منه لما روي أنه قال "اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا فنتطهر به". وإذا رأى سحابا أو هبت ريح سأل الله من خيره وتعوذ من شره. وإذا سمع صوت الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. وإذا سمع الصواعق قال. "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك". وقال الماوردي كان السلف يقولون عند الرعد والبرق لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبوح قدوس. وإذا انقض كوكب قال. ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر المجلد الأول من شرح أصول الأحكام ويليه المجلد الثاني: أوله كتاب الجنائز.

стр. 515

جمع الفقير إلى الله تعالى عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي رحمه الله تعالى (١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ) المُجَلّد الثَّاني

стр. 516

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 517

كتابُ الجَنَائِز أي صفة عيادة المريض وتلقينه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وغير ذلك وأحكام ذلك. والجنائز بفتح الجيم جمع جنازة بكسرها اسم للميت أو للنعش عليه ميت وإلا فسرير. وأتبع الصلاة لأن الصلاة على الميت من أهم ما يفعل بالميت كما يأتي وإلا فحقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض وأفرد وأخر لمغايرتها لمطلق الصلاة نظرا لتلك المغايرة فإنها ليست صلاة من كل وجه ولتعلقها بآخر ما يعرض للحي وهو الموت. وكان هديه ﷺ في الجنائز أكمل الهدي مخالفا لهدي سائر الأمم. مشتملا على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال وعلى الإحسان إلى الميت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده من عيادة وتلقين وتطهير وتجهيز إلى الله تعالى إلى أحسن أحواله وأفضلها. فيقفون صفوفا على جنازته يحمدون الله ويثنون عليه ويصلون على نبيه ﷺ ويسألون للميت المغفرة والرحمة والتجاوز. ثم على قبره يسألون له التثبيت. ثم الزيارة إلى قبره

стр. 518

والدعاء له كمايتعاهد الحي صاحبه في الدنيا ثم بالإحسان إلى أهله وأقاربه وغير ذلك. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ وهو مفارقة الروح الجسد وليس بإفناء وإعدام ﴿وَالْحَيَاةَ﴾ أوجد الخلائق من العدم وقدم الموت لأنه إلى القهر أقرب. أو لأنه أقدم ولما مجد تعالى نفسه وأخبر أنه بيده الملك وأنه المتصرف في جميع خلقه وعلى كل شيء قدير وأنه الذي خلق الموت والحياة أوضح لنا الحكمة في ذلك فقال ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ يختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي خيرا وأزكى وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته. قال الفضيل: أيكم أحسن عملا أخلصه وأصوبه أو قال: العمل لا يكون خالصا حتى يكون لله. ولا يكون صوابا إلا إذا كان على السنة. ولا يقبل يكون خالصًا صوابًا ولا بن أبي حاتم من حديث قتادة كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دارة جزاء ثم دار بقاء وهو العزيز في انتقامه ممن عصاه الغفور لمن تاب إليه". وقال: ﴿لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي كونوا على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك وأول الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأداء ما يلزمكم على

стр. 519

قدر طاقتكم كقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فمن اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته. فإذا جاء الأجل إذا أنتم مسلمون مؤمنون مخلصون مفوضون أموركم إلى الله محسنون الظن به. وعن عبد الله بن عمرو مرفوعا "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" رواه أحمد وغيره. ويأتي قوله ﵊ في الحديث الصحيح "لايموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وفي هذه الآيات وغيرها الحض على التأهب للموت قبل نزوله. وفي الحديث "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني". (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت) أي قاطع اللذات ومفرق الجماعات بعد رغد عيشهم. وميتم البنين والبنات بعد عزهم بوالديهم (رواه الخمسة) بأسانيد صحيحة وصححه ابن حبان والحاكم وابن السكن وابن طاهر وغيرهم وله شواهد. وهو دليل على أنه لا ينبغى للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ وهو الموت فكفى به واعظا.

стр. 520

وفيه (فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله) ففي كثرة ذكره قصر الأمل وانتظار الأجل "ولا ذكر في قليل إلا كثره) لاستقلال ذاكره ما بقي من عمره لأن قليل الدنيا إذا علم انقطاعه بالموت استكثره ما عنده. وللديلمي "أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله قلبه وهون عليه الموت" ولابن حبان وغيره "أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكره عبد قط في ضيق إلا وسعه ولا في سعة إلا ضيقها". فإنه لا بد للإنسان في هذه الدار من ضيق وسعة. ونعمة ونقمة. فيحتاج إلى ذكر الموت لينخفض عنه بعض ما هو فيه من صعوبة الشدة وغفلة النعمة. وروي من حديث أنس "أكثروا ذكر الموت فإن ذلك تمحيص للذنوب وتزهيد في الدنيا" ولابن أبي الدنيا "فإنه يمحق الذنوب ويزهد في الدنيا فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم" وللترمذي وغيره عن ابن مسعود "وليذكر الموت والبلى" ولابن ماجه وغيره بسند جيد سئل أي الناس أكيس وأحزم؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة". ودلت هذه الأحاديث ونحوها على تأكد سنية الإكثار من ذكر الموت لأنه أدعى إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي وإلى الاستعداد له بالمبادرة إلى التوبة من المعاصي والخروج من المظالم لئلا يفجأه الموت بغتة.

стр. 521

(وعن أنس مرفوعا "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) من بلاء ومحنة أو خشية من عدو أو مرض أو فاقة أو نحوها من مشاق الدنيا لما في ذلك من الجزع وعدم الصبر على القضاء وعدم الرضا. والخبر خرج مخرج العالب لأن المرء لايتمنى الموت إلا من ضر. فيكره تمنيه ولو لغير ضر أصابه. ولهما "لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد وإما مسيئا فلعله أن يستعتب" ولمسلم "لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به قبل أن يأتيه. إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا". ولأحمد وغيره: "إن من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة". وعن بعض السلف: إن كان من أهل الجنة فالبقاء خير له. وإن كان من أهل النار فما يعجله إليها. ولما في التمنى المطلق من الاعتراض ومراغمة القدر. والمرض ونحوه كفارة له. وثبت عنه ﷺ أنه قال "لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" وقال "ما من شئ يصيب المؤمن إلا يكفر الله به عنه سيئاته ". وهو موعظة في المستقبل إلا لضرر في دينه من خوف وقوع في فتنة ونحوها فلا يكره فإن الخبر يرشد إلى أنه لا بأس به بل يستحب. وفي الحديث "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" صححه الترمذي وغيره ولقوله تعالى ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقوله ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ ويستحب تمني

стр. 522

الشهادة لا سيما عند حضور أسبابها لما في الصحيح وغيره "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء". (فإن كان لا بد) أي لا محالة (متمنيا) وفي لفظ "فاعلا" (فليقل) بدلا عن لفظ التمنى (اللهم أحينى إذا كانت الحياة خيرا لي) أي من الموت. وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية (وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) أي من الحياة بأن يكون الأمر عكس ما تقدم (متفق عليه) والأولى أن لا يفعل. وعن عمار مرفوعًا "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" رواه أحمد وغيره. وهذا الحديث ونحوه يدل على وجوب الصبر وحكاه الشيخ وغيره إجماعا: فإن الثواب في المصائب معلق على الصبر عليها. وأما الرضى: فمنزلة فوق الصبر. فإنه يوجب رضى الله . والصبر حبس النفس عن الجزع وحبس اللسان عن التشكي. والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر. بل مطلوبة شرعا مندوب إليها اتفاقا. ومن شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعا لقوله (مسني الضر) وقوله ﵇ "أجدني مغموما" و"أنا وارأساه"، "كما يوعك رجلان منكم" ونحو

стр. 523

ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب وإذا كانت مما يمكن كتمانه فكتمانها من أعمال الله الخفية. وذكر الشيخ أن عمل القلب من التوكل وغيره واجب باتفاق الأئمة. وفي الصحيحين "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فيحسن العبد ظنه بربه عند إحساسه بلقاء الله بأن يغفر له ويرحمه لئلا يكره الله لقاءه ويتدبر ما ورد في الآيات والأحاديث من كرم الله وعفوه ورحمته وما وعد به أهل توحيده وطاعته. وفي الصحيح "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وفيهما "أنا عند ظن عبدي بي" ولأحمد "فليظن بي خيرا". ويسن لمن عند المريض ونحوه تحسين ظنه وتطميعه في رحمة ربه ويذكر له الآيات والأحاديث في الرجاء وينشطه لذلك وقيل بوجوبه إذا رأى منه إمارات اليأس والقنوط لئلا يموت على ذلك فيهلك فهو من النصيحة الواجبة. ويغلب الرجاء لقوله ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته ليحسن ظنه بربه بخلاف الصحة يغلب الخوف ليحمله على العمل. ونص أحمد: يكون خوفه ورجاؤه واحدا فأيهما غلب على صاحبه هلك قال الشيخ هذا العدل لأن من غلب عليه حال

стр. 524

الخوف أوقعه في نوع من اليأس. ومن غلب عليه الرجاء أوقعه في نوع من الأمن من مكر الله والرجاء بحسب رحمة الله يجب ترجيحه. وأما الخوف فيكون بالنظر إلى تفريط العبد. وينبغي للمريض أن يشتغل بنفسه وما يعود عليه ثوابه. (ولهما عن ابن مسعود قال) يعني رسول الله ﷺ (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) فدل الحديث على تحريم التداوي بمحرم مأكولا كان أو غيره. وهو مذهب جماهير العلماء ولأبي داود عن أبي الدرداء مرفوعا "إن الله أنزل الداء والدواء. وجعل لكل داء دواء. فتداووا ولا تداووا بحرام" ولأحمد وغيره "نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث" وفي صحيح مسلم في الخمر "إنه ليس بدواء ولكنه داء". ويحرم التداوي بسم ونحوه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ويدخل فيما تقدم ترياق فيه لحوم حيات أو ضفدع. وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الضفدع لذلك. وقال شيخ الإسلام وغيره في التلطخ بالخمر ونحوه ثم يغسله بعد ذلك. الصحيح أنه يجوز للحاجة كما يجوز استنجاء الرجل بيده وإزالة النجاسة بيده. وكلبس الحرير للتداوي به لا ما أبيح للضرورة كالمطاعم الخبيثة فلا يجوز التداوي بها وذكر الدليل والتعليل في غير موضع. ويحرم بصوت ملهاة وغيره كسماع الغناء، ويجوز ببول

стр. 525

مأكول اللحم لقصة العرنيين وتحرم التميمة وهي: عوذ أو خرز أو خيوط ونحوها يتعلقها، لقوله ﵊ "من تعلق تميمة فلا أتم الله له) وفي رواية "من تعلق تميمة فقد أشرك" ولا بأس بكتب قرآن وذكر في إناء ثم يسقى منه مريض وحامل لعسر ولادة. ويباح التداوي بمباح إجماعا. ولا يجب عند جمهور العلماء. ولو ظن نفعه واختار القاضي وغيره فعله وفاقا لأكثر الشافعية. وعند الحنفية أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب. ومذهب مالك أن التداوي وتركه سواء. والمشهور في مذهب أحمد وغيره أن تركه أفضل لأنه أقرب إلىلتوكل لحديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون. ولا يكتوون. ولا يتطيرون. وعلى ربهم يتوكلون. وصفهم بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم. أن يرقيهم لرضاهم عنه. وثقتهم به. وصدق الالتجاء إليه. وإنزال حوائجهم به تعالى. واعتماد قلوبهم عليه. مع أن مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه غير قادح في التوكل فلا يكون تركه مشروعا لحديث "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" كما أنه لا يقدح فيه دفع ألم الجوع والعطش. (وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "حق المسلم على المسلم خمس) والمراد الحق الذي لا ينبغي تركه ويكون فعله

стр. 526

إما واجبا وإما مندوبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه وفي لفظ "خمس" تجب للمسلم على أخيه (وذكر) من الخمس (عيادة المريض متفق عليه) وهي سنة إجماعا حكاه النووي وغيره. وقال شيخ الإسلام الذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض. كرد السلام وأوجبها البخاري وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهما. والسنة تدل على أنها واجبة أو سنة مؤكدة شبيهة بالواجب. ففي الصحيح "عودوا المريض" ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب. قال الحافظ يعني على الأعيان وعامة في كل مرض ولعل المراد مرة ويسن أكثر لقصة سعد فيقال هو واجب على الكفاية. أو في حق بعض دون بعض. ولابن ماجه بالمعروف أي يأتي به على الوجه المعتاد عرفًا. ويعاد من كل مرض. وكان ﵊ "يعود من الرمد وغيره" قال ابن القيم في عيادته ﷺ زيد بن أرقم من وجع كان بعينه فيه رد على من زعم أنه لا يعاد من الرمد وعللوه بأنه يرى في بيته ما لا يراه وهذا باطل من وجوه اهـ، ويغيب بها عند الأكثر والأوجه أنها تختلف باختلاف حال الناس والعمل بالقرائن وظاهر الحال ونحو قريب ومن يشق عليه عدم رؤيته كل يوم يسن لهم المواصلة ما لم يفهموا كراهيته. ومن أول المرض لخبر "إذا مرض فعده" قال ابن القيم

стр. 527

وغيره لم يخص ﷺ يوما من الأيام ولا وقتا من الأوقات بعيادة بل في سائر الأوقات. ولا يطيل الجلوس في الجملة. ويعمل بالقرائن، وظاهر الحال، وورد في فضلها آثار كثيرة منها ما رواه مسلم وغيره "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة" أي في اجتناء ثمارها حتى يرجع وورد عن أكثر من عشرة من الصحابة مرفوعا "من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح" وهو عند الخمسة وغيرهم. ونص أحمد وغيره لا يعاد المبتدع والداعية فقط. وفي النوادر تحرم عيادة المبتدع ومن جهر بالمعصية. ومن فعل بحيث يعلم جيرانه ولو في داره فمعلن. والمستتر من لا يعلم به غالبا إما لبعد أو نحوه غير من حضره واعتبر الشيخ المصلحة في ذلك. وقال في عيادة النصراني: لا بأس بها فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام وعاد النبي ﷺ يهوديا فأسلم. وعاد عمه وهو مشرك. ويسن السؤال عن حاله ويقول: كيف تجدك؟ ويسأل عما يشتهيه ويخبره المريض بما يجده بلا شكوى. ويأخذ الزائر بيده ويقول: لا باس طهور إن شاء الله. وينفس له في أجله لما رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما "إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله. فإن ذلك لا يرد شيئا". وإنما هو تطييب لنفسه.

стр. 528

وإدخال السرور عليه. وتخفيف لما يجده من الكرب وقيل لهارون وهو عليل: هون عليك وطيب نفسك فإن الصحة لا تمنع من الفناء والعلة لا تمنع من البقاء فقال والله لقد طيبت نفسي. وروحت قلبي. ويسن أن يدعو له لما ورد كما في صحيح مسلم أنه دعا لسعد "اللهم اشف سعدا" ثلاثًا وكان أحيانا "يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه ويقول: "اللهم اشفه ويمسح بيده اليمنى على المريض ويقول أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" متفق عليه ولأحمد أنه قال "ما من مسلم يعود مريضا لم يحضره أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي". وعاد جبريل النبي ﷺ فقال "باسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك" رواه مسلم وكان يرقي ﵇ من به قرحة أو جروح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها فيقول "بسم الله بتربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا" متفق عليه ولهما أنه كان ينفث على نفسه. وقال لعثمان بن أبي العاص "ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا. وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".

стр. 529

ويسن أن يذكره التوبة لأنه أحوج إليها من غيره لنزول مقدمات الموت به. ويذكره الخروج من المظالم لأنه شرط لصحة التوبة. ويذكره الوصية ويرغبه فيها. ولو كان مرضه غير مخوف لأن ذلك مطلوب حتى من الصحيح. وذهب بعضهم إلى وجوبها. والجمهور على استحبابها في المتبرع به. وأما بأداء الديون ورد الأمانات ونحو ذلك مما يتوقف على الإيصاء به فواجب عليه. وينبغي له أن يحرص على تحسين خلقه. وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا. وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار العمل فيختمها بخير. ويستحل أهله وجيرانه ومن بينه وبينه معاملة. ويوصي أهله بالصبر عليه والدعاء له. (ولمسلم) والخمسة وغيرهم عنه مرفوعا "لقنوا موتاكم" أي ذكروهم عند الاحتضار (لا إله إلا الله) ولابن عدي "أكثروا من لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها. ولقنوها موتاكم" أي لتكون آخر كلامهم وروي من حديث عطاء عن أبيه عن جده "من لقن عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة" ولأحمد وغيره عن معاذ مرفوعا "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ولمسلم "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وله "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" ولابن أبي حاتم من حديث

стр. 530

حذيفة "فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا". وسماهم موتى باعتبار ما يؤولون إليه. والمراد من قرب منه الموت. ولا يقال له قل بل يتشهد عنده ليقولها فيموت عليها فتنفعه بحصول ما وعده الله عليها. ولأن تلك حالة يتعرض فيها الشيطان لإفساد اعتقاد الإنسان فيحتاج إلى مذكر له. ومنبه على التوحيد. والتلقين سنة مؤكدة مأثورة عمل بها المسلمون وأجمعوا عليها وعلى القيام بحقوق الميت واستفاض من غير وجه. في الصحيحين وغيرهما أن قول لا إله إلا الله من موجبات دخول الجنة من غير تقييد بحال الموت فبالأولى إذا كان في وقت لا تعقبه معصية. وإن لم يجب أعاد تلقينه برفق إجماعا ليكون آخر كلامه الشهادة. وفي قصة أبي طالب فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه. ويسر التلقين برفق لأنه مشغول بما هو فيه فربما حصل له التأذي به إذا كان بعنف. ويسن تعاهد أرفق أهله وأتقاهم وأعرفهم بمدارات المريض ببل حلقه بماء. أو شراب. فيجرع الماء والشراب إن ظهرت أمارة تدل على احتياجه له. كأن يهش إذا فعل به ذلك لأن العطش يغلب عند شدة النزع. وقبض الروح. ويندي شفتيه بقطنة لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة. ويسهل عليه النطق بالشهادة. وأجمع أهل العلم على
следующие страницы →