Полный текст (2 171 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
إما واجبا وإما مندوبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه وفي لفظ "خمس" تجب للمسلم على أخيه (وذكر) من الخمس (عيادة المريض متفق عليه) وهي سنة إجماعا حكاه النووي وغيره.
وقال شيخ الإسلام الذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض. كرد السلام وأوجبها البخاري وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهما. والسنة تدل على أنها واجبة أو سنة مؤكدة شبيهة بالواجب. ففي الصحيح "عودوا المريض" ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب. قال الحافظ يعني على الأعيان وعامة في كل مرض ولعل المراد مرة ويسن أكثر لقصة سعد فيقال هو واجب على الكفاية. أو في حق بعض دون بعض. ولابن ماجه بالمعروف أي يأتي به على الوجه المعتاد عرفًا.
ويعاد من كل مرض. وكان ﵊ "يعود من الرمد وغيره" قال ابن القيم في عيادته ﷺ زيد بن أرقم من وجع كان بعينه فيه رد على من زعم أنه لا يعاد من الرمد وعللوه بأنه يرى في بيته ما لا يراه وهذا باطل من وجوه اهـ، ويغيب بها عند الأكثر والأوجه أنها تختلف باختلاف حال الناس والعمل بالقرائن وظاهر الحال ونحو قريب ومن يشق عليه عدم رؤيته كل يوم يسن لهم المواصلة ما لم يفهموا كراهيته.
ومن أول المرض لخبر "إذا مرض فعده" قال ابن القيم
стр. 527
وغيره لم يخص ﷺ يوما من الأيام ولا وقتا من الأوقات بعيادة بل في سائر الأوقات. ولا يطيل الجلوس في الجملة. ويعمل بالقرائن، وظاهر الحال، وورد في فضلها آثار كثيرة منها ما رواه مسلم وغيره "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة" أي في اجتناء ثمارها حتى يرجع وورد عن أكثر من عشرة من الصحابة مرفوعا "من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح" وهو عند الخمسة وغيرهم.
ونص أحمد وغيره لا يعاد المبتدع والداعية فقط. وفي النوادر تحرم عيادة المبتدع ومن جهر بالمعصية. ومن فعل بحيث يعلم جيرانه ولو في داره فمعلن. والمستتر من لا يعلم به غالبا إما لبعد أو نحوه غير من حضره واعتبر الشيخ المصلحة في ذلك. وقال في عيادة النصراني: لا بأس بها فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام وعاد النبي ﷺ يهوديا فأسلم. وعاد عمه وهو مشرك.
ويسن السؤال عن حاله ويقول: كيف تجدك؟ ويسأل عما يشتهيه ويخبره المريض بما يجده بلا شكوى. ويأخذ الزائر بيده ويقول: لا باس طهور إن شاء الله. وينفس له في أجله لما رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما "إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله. فإن ذلك لا يرد شيئا". وإنما هو تطييب لنفسه.
стр. 528
وإدخال السرور عليه. وتخفيف لما يجده من الكرب وقيل لهارون وهو عليل: هون عليك وطيب نفسك فإن الصحة لا تمنع من الفناء والعلة لا تمنع من البقاء فقال والله لقد طيبت نفسي. وروحت قلبي.
ويسن أن يدعو له لما ورد كما في صحيح مسلم أنه دعا لسعد "اللهم اشف سعدا" ثلاثًا وكان أحيانا "يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه ويقول: "اللهم اشفه ويمسح بيده اليمنى على المريض ويقول أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" متفق عليه ولأحمد أنه قال "ما من مسلم يعود مريضا لم يحضره أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي".
وعاد جبريل النبي ﷺ فقال "باسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك" رواه مسلم وكان يرقي ﵇ من به قرحة أو جروح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ثم يرفعها فيقول "بسم الله بتربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا" متفق عليه ولهما أنه كان ينفث على نفسه. وقال لعثمان بن أبي العاص "ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا. وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".
стр. 529
ويسن أن يذكره التوبة لأنه أحوج إليها من غيره لنزول مقدمات الموت به. ويذكره الخروج من المظالم لأنه شرط لصحة التوبة. ويذكره الوصية ويرغبه فيها. ولو كان مرضه غير مخوف لأن ذلك مطلوب حتى من الصحيح. وذهب بعضهم إلى وجوبها. والجمهور على استحبابها في المتبرع به. وأما بأداء الديون ورد الأمانات ونحو ذلك مما يتوقف على الإيصاء به فواجب عليه.
وينبغي له أن يحرص على تحسين خلقه. وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا. وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار العمل فيختمها بخير. ويستحل أهله وجيرانه ومن بينه وبينه معاملة. ويوصي أهله بالصبر عليه والدعاء له.
(ولمسلم) والخمسة وغيرهم عنه مرفوعا "لقنوا موتاكم" أي ذكروهم عند الاحتضار (لا إله إلا الله) ولابن عدي "أكثروا من لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها. ولقنوها موتاكم" أي لتكون آخر كلامهم وروي من حديث عطاء عن أبيه عن جده "من لقن عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة" ولأحمد وغيره عن معاذ مرفوعا "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ولمسلم "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وله "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" ولابن أبي حاتم من حديث
стр. 530
حذيفة "فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا".
وسماهم موتى باعتبار ما يؤولون إليه. والمراد من قرب منه الموت. ولا يقال له قل بل يتشهد عنده ليقولها فيموت عليها فتنفعه بحصول ما وعده الله عليها. ولأن تلك حالة يتعرض فيها الشيطان لإفساد اعتقاد الإنسان فيحتاج إلى مذكر له. ومنبه على التوحيد. والتلقين سنة مؤكدة مأثورة عمل بها المسلمون وأجمعوا عليها وعلى القيام بحقوق الميت واستفاض من غير وجه. في الصحيحين وغيرهما أن قول لا إله إلا الله من موجبات دخول الجنة من غير تقييد بحال الموت فبالأولى إذا كان في وقت لا تعقبه معصية. وإن لم يجب أعاد تلقينه برفق إجماعا ليكون آخر كلامه الشهادة. وفي قصة أبي طالب فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه.
ويسر التلقين برفق لأنه مشغول بما هو فيه فربما حصل له التأذي به إذا كان بعنف. ويسن تعاهد أرفق أهله وأتقاهم وأعرفهم بمدارات المريض ببل حلقه بماء. أو شراب. فيجرع الماء والشراب إن ظهرت أمارة تدل على احتياجه له. كأن يهش إذا فعل به ذلك لأن العطش يغلب عند شدة النزع. وقبض الروح.
ويندي شفتيه بقطنة لأن ذلك يطفئ ما نزل به من الشدة. ويسهل عليه النطق بالشهادة. وأجمع أهل العلم على
стр. 531
وجوب الحضور عنده لتذكيره وتأنيسه. وتغميضه والقيام بحقوقه كما هو ظاهر الحديث. ويستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفق به واحتمال الصبر على ما يشق من أمره. وكذا من قرب موته بسبب حد أو قصاص أو نحوهما لقوله ﵊ لولى التي زنت "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها"
(ولأبي داود عن معقل) بن يسار بن عبد الله المزني حفر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر فسمي به ومات في آخر خلافة معاوية رضى الله عنهما (مرفوعا) يعنى إلى رسول الله ﷺ أنه قال (اقرءوا على موتاكم يس) بسكون النون على الحكاية ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه وأعله الدارقطني وابن القطان. وقال أحمد حدثنا صفوان قال كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يس عند الموت خفف عنه بها. وفي الفردوس عن أبي الدرداء وأبي ذر مرفوعا "ما من ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه".
وذكر ابن القيم رواية: "عند موتاكم" أي من حضره الموت منكم لأن الميت لا يقرأ عليه. وقال ابن حبان المراد من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه. وقال شيخ الإسلام القراءة على الميت بعد موته بدعة. بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بيس وقيل الحكمة في قراءتها: اشتمالها على أحوال القيامة وأهوالها، وتغير الدنيا وزوالها ونعيم الجنة وعذاب جنهم
стр. 532
فيتذكر بقراءتها تلك الأحوال الموجبة للثبات.
(وأوصى البراء) بن معرور الأنصاري الخزرجي السلمي أول من بايع واستقبل القبلة حيا وعند وفاته ما تقبل قدوم النبي ﷺ بشهر فأوصى عند وفاته (أن يوجه إلى القبلة إذا احتضر فقال ﷺ أصاب السنة) وفي رواية أصاب الفطرة ثم صلى عليه وقال "اللهم اغفر له وأدخله الجنة" (صححه الحاكم) محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي النيسابوري الشافعي الحافظ سمع من نحو ألفي شيخ مات سنة خمس وأربعمائة ورواه البيهقي وغيره.
وقال الحاكم لا أعلم في توجيه المحتضر غيره. وأمر حذيفة أصحابه عند موته أن يوجهوه إلى القبلة وروي عن فاطمة وغيرها ويأتي ما رواه أبو داود وغيره أنه ﵊ قال عن البيت الحرام "قبلتكم أحياء وأمواتا" ولا نزاع في توجيه المحتضر إلى القبلة بل العمل عليه خلفا عن سلف. وعلى جنبه الأيمن أفضل إن كان المكان واسعا وهو مذهب الجمهور.
وفي الصحيحين وغيرهما: "إذا أخذت مضجعك فتوضأ ثم اضطجع على شقك الأيمن" وفيه "فإن مت من ليلتك
فأنت على الفطرة" وغيره مما فيه إشارة إلى أن يكون المحتضر على تلك الهيئة وإن ضاق المكان فعلى ظهره مستلقيا
ورجلاه إلى القبلة كوضعه على مغتسله. وعند أكثر
стр. 533
أصحاب الأئمة وغيرهم. وهو رواية عن أحمد أنه يوجه مستلقيا على قفاه. سواء كان المكان واسعا أو ضيقا لأنه أيسر لخروج الروح. وندي شفتيه وتغميضه وشد لحييه وأمنع من تقويس أعضائه. وقال جماعة ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة.
(وعن أم سلمة قالت دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة" بن عبد الأسد الأسدي هاجر إلى الله ورسوله وتوفي سنة أربع فدخل عليه (وقد شق بصره) بفتح الشين يقال شق الميت بصره إذا حضره الموت وصار ينظر إلى شئ لا يرتد عنه طرفه (فأغمضه) رسول الله ﷺ (رواه مسلم) والحديث دليل على استحباب تغميض بصره إذا مات وهذا بإجماع المسلمين وذكر أبو داود أن أبا ميسرة غمض جعفرا المعلم في حالة الموت فرآه في منامه يقول. أعظم ما كان علي تغميضك لي قبل الموت. وفيه أن الأرواح أجسام هوائية لطيفة وليست بعرض.
ولأحمد عن شداد مرفوعا "إذا حضرتم الميت فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح" ولأنه إذا لم تغمض العينان
بقيت مفتوحة فيقبح منظره ويساء به الظن. وفي حديث
أم سلمة: قال ﷺ "اللهم اغفر لأبي سلمة. وارفع درجته في المهديين. واخلفه في عقبه في الغابرين.
واغفر لنا وله يا رب العالمين. وأفسح له في قبره ونور
له فيه" فينبغى أن يقال نحو ذلك وفيه:
стр. 534
"لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" وفي حديث شداد "وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت" ويقول حال تغميضه "بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ " لما رواه البيهقي وغيره عن بكر بن عبد الله المزني ولفظه "وعلى ملة رسول الله ﷺ ".
ويسن إذا مات شد لحييه بعصابة ونحوها تجمع لحييه ويربطها فوق رأسه لئلا يبقى فمه مفتوحا. ويتشوه خلقه وتدخله الهوام. وقال عمر لما حضرته الوفاة لابنه عبد الله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي. فضع كفك اليمنى على جبهتى واليسرى تحت ذقنى وينبغى تليين مفاصله عقب موته ليسهل تغسيله فإن شق تركه.
(ولهما عن عائشة أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي) أي غطي جميع بدنه صلوات الله وسلامه عليه (ببرد حبرة) وزن عنبة ويجوز إضافة البرد إلى الحبرة ووصفه بها والحبرة ما كان لها أعلام. والتسجية مستحبة إجماعا بعد نزع الثياب التي توفي فيها لئلا يتغير بدنه بسببها. والحكمة صيانته من الانكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين. قال الجوهري: سجيت الميت إذا مددت عليه ثوبا.
وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين بعد أن زاغت الشمس لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة عشر. ودفن صلوات الله
стр. 535
وسلامه عليه ليلة الأربعاء وله ثلاث وستون سنة. منه أربعون قبل النبوة وسيرته ﷺ وشرفه ملء النفوس والمكاتب. وتولى غسله ودفنه علي والعباس وأسامة. وقيل: والفضل وشقران.
ويسن وضع حديدة أو نحوها على بطنه فوق ثوبه المسجى به. قال أنس: ضعوا على بطنه شيئا من حديد لئلا ينتفخ بطنه ويقبح منظره. وقدر بعضهم ما يوضع عليه بقدر عشرين درهما. ويوضع على سرير غسله ليرتفع عن الهوام ونداوة الأرض منحدرا نحو رجليه لينصب عنه ما يخرج منه.
(وعن الحصين) بن وحوح الأنصاري قال البخاري: له صحبة قال ابن السكن: قتل بالعذيب (أن رسول الله ﷺ قال "لاينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني) زيد فيه الألف والنون تأكيدا وفي لفظ "أظهر" وفي لفظ "ظهري" (أهله) وذلك أن طلحة بن البراء الأنصاري مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا" الحديث (رواه أبو داود) ولأحمد وغيره عن علي نحوه.
ويشهد له أحاديث الحث على الإسراع بالجنازة وأجمع العلماء على سنية الإسراع في تجهيزه إن مات غير فجأة وسماه جيفة لما يؤول إليه حاله. والجيفة جثة الميت إذا أنتن فالإسراع
стр. 536
في تجهيزه أحفظ له وأصون من التغير وإن كان صالحا فخير يقدم إليه كما سيأتي. وقال أحمد: كرامة الميت تعجيله ولا بأس أن ينتظر به من يحضره من ولي أوغيره إن كان قريبا ولم يخش عليه أو يشق على الحاضرين.
ولا بأس بتقبيله والنظر إليه بعد تكفينه. قالت عائشة: رأيت رسول الله ﷺ يقبل عثمان بن مظعون. وقبل جابر أباه بحضرة النبي ﷺ . ولتقبيل أبي بكر له ﷺ ولم ينكر فكان إجماعا. ويباح إعلام الناس بموت قريبهم للمبادرة لتهيئته وشهود جنازته والصلاة عليه وغير ذلك بخلاف نعي الجاهلية من النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره.
قال ابن العربي وغيره: يؤخذ من مجموع الأحاديث في النعي ثلاث حالات إعلام الأقارب والأصحاب وأهل الصلاح فسنة. ودعوة الحفل للمفاخرة فتكره. والإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فتحرم اهـ. ونعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه ونعى الأمراء والنعي ليس ممنوعا كله وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق.
وإن مات فجأة بسبب صعقة أو هدم أو حرق أو خوف من حرب أو سبع أو ترد من جبل أو في بئر ونحو ذلك أو كان مبطونا أو مطعونا ونحو ذلك انتظر يه حتى يتيقن موته بعلامات
стр. 537
تدل عليه كانخساف صدغيه. وغيبوبة سواد عينيه. وميل أنفه. وانفصال كفيه. واسترخاء رجليه. وامتداد جلدة وجهه. وغير ذلك مما يدل على موته. ووجه جواز تأخيره لاحتمال أن يكون عرض له سكتة ونحوها وقد يفيق بعد يوم أو يومين. أو ثلاثة. وقد يعرف موت غير الفجأة بهذه العلامات وغيرها.
وموت الفجأة أشق وفي الأثر "وأعوذ بك من موت الفجأة" ولأحمد قال: أكره موت الفوات ولعله لما فيه من خوف حرمان الوصية وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة والأعمال الصالحة. وعن عائشة وابن مسعود: موت الفجأة راحة للمؤمن. وأسف على الفاجر. وذكر المدائني أن الخليل في جماعة من الأنبياء ماتوا فجأة. قال: وهو موت الصالحين وهو تخفيف على المؤمنين وقد يقال: إنه لطف ورفق بأهل الاستعداد للموت.
(وعن أبي هريرة مرفوعا نفس المؤمن) أي روحه الذي إذا فارق البدن ليس بعده حياة (معلقة بدينه) أي مطالبة بما عليه ومحبوسة عن مقامها الكريم أو عن دخولها الجنة في زمرة الصالحين ولأحمد عن سمرة أنه قال ﷺ "إن صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه" (حتى يقضى عنه) دينه أي يقضيه وارث ونحوه ففيه الحث على قضاء دينه في الحياة وقضاء الولي
والورثة وغيرهم. عنه بعد الوفاة رواه أحمد والشافعي وغيرهما و (حسنة الترمذي) ولحديث "قضى بالدين قبل
стр. 538
الوصية" ولما فيه من إبراء ذمته ويجب إن أمكن قبل الصلاة عليه لعدم صلاته ﵊ على من عليه دين وقوله "صلوا على صاحبكم".
فإن تعذر قضاؤه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه لقصة أبي قتادة لما قال رسول الله ﷺ "أعليه دين" قالوا نعم قال: "صلوا على صاحبكم" فقال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه. ولما قال له: قضيتها، قال نعم، قال: "الآن برد عليه جلده" وسواء كان الدين عليه من نذر أو زكاة أو حج أو كفارة أو غير ذلك أو لآدمي كرد أمانة وغصب وعارية وغير ذلك أوصى به أو لم يوصِ به ويقدم على الوصية. وإنما قدمها في القرآن لمشقة إخراجها على الوارث. فقدمت حثًّا على الإخراج ولذلك جيء بكلمة أو التي تقتضي التسوية. فاستويا في الاهتمام وعدم التضييع وإن كان الدين مقدمًا عليها وهو مقيد بمن له مال يقضى منه دينه أو وجد من يتبرع عنه بالقضاء أو من لا مال له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد أحاديث تدل على أن الله يقضي عنه. بل محبته لقضائه موجبة لقضاء الله عنه. ويقضى عنه. من بيت مال المسلمين وهو أحد المصارف الثمانية. ولما في الصحيح "ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني" وفي لفظ "فإليَّ وعليَّ" وثبت أنه كان يصلي بعد أن وسع الله على من مات مديونا ويقضي عنه.
стр. 539
فصل في غسل الميت
أي في أحكام غسل الميت وما يتعلق به. وهو فرض كفاية إجماعا على من علم به وأمكنه حكاه النووي وغيره وهو حق لله تعالى. فلو أوصى به لم يسقط وإن لم يعلم به إلا واحد تعين عليه. وخالف بعض المالكية. ورد ابن العربي وغيره على من لم يقل به وقال. قد توارد به القول والعمل ويأتي الأمر به.
(عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : ليله) أي ليل غسل الميت (أقربكم إن كان يعلم) فدل الحديث على أن الأحق بغسل الميت من الناس الأقرب إلى الميت بشرط أن يكون عالما بما يحتاج إليه من العلم فيه "فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة" (رواه أحمد) والطبراني (وفيه ضعف) فإن في إسناده الجعفي وفيه مقال.
والجمهور على تقديم الاقرب فالأقرب. والأقرب الأب لاختصاصه بالحنو والشفقة. ثم الجد وإن علا لمشاركته الأب في المعنى. ثم الابن فابنه وإن نزل. ثم الأخ لأبوين. ثم لأب. وهكذا على ترتيب الميراث. ثم ذووا أرحامه. ثم الأجانب ويقدم الأصدقاء منهم ثم غيرهم الأدين. ويقدم الجار على الأجنبي اتفاقا لا على صديق.
وإن كان الميت أوصى لمن يغسله قدم فأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين. وأوصى غيره بذلك. ولأن أبا بكر
стр. 540
الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء أخرجه مالك. وأوصى جابر وعبد الرحمن بن الأسود امرأتيهما أن تغسلاهما رواه سعيد. وروى ابن المنذر أن عليا غسل فاطمة ولم ينكر. وغسل أبو موسى زوجته وغيرهم. ولا خلاف في جوازه إلا ما روي عن أبي حنيفة في المنع من تغسيل الزوج امرأته والمعتمد القياس على غسلها له وهو إجماع.
ويشهد لذلك قول عائشة لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه رواه أحمد. وله عنها أنه قال "ما يضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" فدلت هذه الآثار على جواز تغسيل أحدهما لصاحبه وإن لم يوص به قال النووي وغيره: إنما المنع رواية عن أحمد فإن ثبتت فمحجوج بالإجماع اهـ. وأكثر الأصحاب لم يذكرها عنه منهم القاضي والشريف وأبو الخطاب والشيرازي وغيرهم.
وأما إذا أوصى به لعدل زوجا كان أو غيره تعين. لأن حق للميت فقدم فيه وصية على غيره كباقي حقوقه. ولم يزل المسلمون يقدمونه من غير نكير فكان إجماعا. والأولى بغسل أنثى وصيتها العدل ثم القربى فالقربى من نسائها. ويجوز للرجل والمرأة غسل من له دون سبع سنين. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبي الصغير فتغسله مجردا من غيرسترة وتمس عورته لأنه لا عورة له. قيل إن إبراهيم بن
стр. 541
النبي ﷺ غسله النساء كما يأتي. وذكرابن كثير وغيره أن عليًّا هو الذي غسله ورواه أحمد وغيره.
وقال بعضهم إن مات رجل بين نسوة ليس فيهن زوجة له ولا أمة مباحة يمم اتفاقًا. وكذا إن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوج ولا سيد لها يممت. ولا تشترط مباشرة الغاسل. فلو ترك تحت ميزاب ونحوه وحضر من يصلح لغسله ونوى وسمى وعمه الماء كفى. أو يغسل في ثوب واسع ويلف الغاسل على يده خرقة.
ويحرم أن يغسل مسلم كافرا أو يدفنه إجماعا للآية وإنما يوارى لعدم من يواريه لإلقائهم في القليب وقوله لعلي لما أخبر بموت أبي طالب "أذهب فواره" ويشترط لغسل الميت إسلام غاسل. فلا يصح من كافر إجماعا ويشترط عقل اتفاقا. لا بلوغ ويشترط طهورية ماء. ولا يكره من حائض وجنب عند الجمهور. وكره مالك تغسيل الجنب.
(وله) أي لأحمد وأبي داود وغيرهما (عنها) أي
عائشة رضى الله عنها (قالت: لما أرادوا غسل النبي ﷺ
قالوا والله ما ندري نجرد رسول الله ﷺ كما نجرد
موتانا) وذلك أنهم اختلفوا كما في سنن أبي داود
وغيرها فألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم من أحد إلا
وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا
يدرون من هو: اغسلوا رسول الله ﷺ في ثيابه فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون
стр. 542
أيديهم. وفي لفظ يفاض عليه الماء والسدر ويدلك الرجال بالقميص.
ولابن ماجه وغيره عن بريدة ناداهم مناد من الداخل لا تنزعوا عن النبي ﷺ قميصه. ولابن حبان من حديث عائشة وكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب. وللحاكم أيضا من حديث عبد الله بن الحارث قال: غسل النبي ﷺ علي. وعلى يد علي خرقة فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه. ولابن أبي شيبة والبيهقي والشافعي وغيرهم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال غسل النبي ﷺ ثلاثا بسدر. وغسل وعليه قميص وولي سفلته علي والفضل محتضنه والعباس يصب الماء. قال الحافظ: مرسل جيد والرواية الأولى أن عليا أسنده إلى صدره فالله أعلم.
والحديث يدل على تجريد الميت وأنه كان معلوما عندهم بأمره ﷺ وإقراره. وحكي أنه إجماع منهم فيستحب للغاسل إذا أخذ في غسل الميت ستر عورته وجوبا وستره عن العيون وتجريده ندبا لأنه أمكن في تغسيله وأبلغ في تطهيره وأشبه بغسل الحي وأصون له من التنجيس إذ يحتمل خروجها منه وتلويثه ويدل على رفع رأسه بحيث يكون كالمحتضن في صدر غيره.
وينبغي عصر بطنه برفق ليخرج ما هو مستعد للخروج ويكون هناك بخور لئلا يتأذي برائحة الخارج ويلف الغاسل على يده خرقة خشنة أو يدخل يده في كيس لئلا يمس عورته الممنوع من مسها فينجيه. وذكر المروذي عن ابن سيرين أن
стр. 543
عليا لف على يده خرقة حين غسل فرج النبي ﷺ ويستحب أن لا يمس سائره إلا بخرقة لفعل علي.
(وعن أم عطيه) الأنصارية رضى الله عنها (قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته) ولمسلم أنها زينب زوج أبي العاص وكانت وفاتها سنة ثمان. وفي رواية أنها أم كلثوم زوج عثمان بن عفان وكان وفاتها سنة تسع (فقال اغتسلنها ثلاثا) وهو سنة إجماعا وتغسل الحائض والجنب غسلا واحدا في قول أهل العلم إلا ما روي عن الحسن أنها تغسل غسلين وتداخل الأغسال وغيرها معلوم (أو خمسا) للتخيير وإن لم ينق الغسل الوسخ بثلاث زيد حتى ينقي. وذكره في الفروع اتفاقا.
(أو أكثر من ذلك) بكسر الكاف خطاب للمؤنث وفي لفظ "اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا) زاد البخاري وغيره "أو أكثر من ذلك" ـ وإن خرج منه شئ بعد سبع حشي المحل بقطن. وغسل المتنجس إجماعا ووضئ كالجنب إذا أحدث بعد الغسل. وإن خرج شئ بعد تكفينه لم يعد الغسل للمشقة.
(إن رأيتن ذلك) والمراد اغسلنها وترا وليكن ثلاثا فإن احتجتن إلى زيادة عليها للإنقاء فليكن خمسا. فإن احتجتن إلى زيادة الإنقاء فليكن سبعا. ورجع الشارع النظر إلى الغاسل ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي لقوله "إن رأيتن" اي احتجتن. والحاصل أن الثلاث مأمور بها ندبا. فإن حصل
стр. 544
الإنقاء بها لم تشرع الرابعة ولاخامسة. وإلا زيد حتى يحصل الإنقاء. ويندب كونها وترا.
واتفق أهل العلم على استحبابه وكرهوا الاقتصار على المرة الواحدة للأمر بالثلاث. ولأنه لا يحصل بها كمال النظافة وتجزئ كالحي وحكي إجماعا (بماء وسدر) عين السدر لأن فيه مادة حادة تشبه الصابون. وتقدم جعلهم له في غسل النبي ﷺ . ويأتي الأمر به في غسل الذي وقصته دابته. ويغسل برغوته رأسه ولحيته لأنها لا تعلق بالشعر. بخلاف التفل قال القرطبي يجعل السدر في ماء ثم يخضخض إلى أن تخرج رغوته ثم يدلك به جسد الميت.
(واجعلن في الغسلة الآخرة كافورا متفق عليه) ورواه الخمسة وغيرهم وجعل الكافور في الماء هو قول الجمهور وقالت الحنفية: يجعل في الحنوط والحديث حجة عليهم. واختار جمهور الأصحاب جعله مع السدر. قال الخلال والعمل عليه. والحكمة في الكافور كونه يصلب الجسد ويطيبه ويبرده ويطرد عنه الهوام برائحته. ويمنع ما يتحلل من الفضلات. ويمنع أيضا إسراع الفساد. ويطيب رائحة المحل. وذلك وقت تحضر فيه الملائكة وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك وكونه في الآخرة لئلا يذهب به الماء. وإن عدم قام غيره مقامة مما فيه هذه الخواص أو بعضها. وإن احتيج إلى الماء الحار والأشنان لإزالة وسخ ونحوه. جاز للحاجة إليه. وإلا كره لعدم ورود السنة به.
стр. 545
(وفي رواية ابدأن بميامنها) أي ما يلي الجانب الأيمن وهو مذهب جمهور أهل العلم وخالفت الحنفية في البداءة بالميامن والحديث نص في ذلك فيسن البداءة بالشق الأيمن المقبل من عنقه. وصدره. وفخذه وساقه. ثم يغسل شقه الأيسر كذلك مرة في دفعتين وقيل: مرة في أربع، يده اليمنى وصفحة عنقه وشق صدره. وفخذه وساقه ثم الأيسر كذلك. ثم يرفعه من جانبه الأيمن. فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه. ثم الأيسر كذلك قال أبو البركات: والأول أقرب إلى قوله ابدأن بميامنها. وأشبه بغسل الجنابة وكيف ما فعل أجزأ.
(ومواضع الوضوء منها) ولا تنافي بين الأمرين لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معا فيوضيه ندبا كوضوئه للصلاة ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفهما ولا يدخلهما الماء خوف تحريك النجاسة بدخول الماء جوفه وينجيه كما يستنجي الحي اتفاقا بعد لف خرقة على يده كما تقدم. وينوي غسله ويسمي كغسل الجنابة.
(وفيه فضفرنا شعرها ثلاثة قرون) أي ثلاث ضفائر قرنيها وناصيتها وأصل الضفر الفتل قالت: مشطناها ثلاثة قرون. وروي سعيد بن منصور عنها قال لنا: "اغسلنها وترا
واجعلن شعرها ضفائر". ولابن حبان "واجعلن لها ثلاثة
قرون" (وألقيناه) أي شعرها ثلاثة القرون (خلفها) أي
خلف ظهرها وهذا مذهب الجمهور. قال ابن المنذر ليس في
стр. 546
أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية وعليه عول الأئمة. وذهبت الحنفية إلى إرساله مفرقا.
وهذه الأحاديث تدل على استحباب جعله ثلاث ضفائر من خلفها. ولا يسرح شعره لما فيه من تقطيع الشعر من غير حاجة إليه. ومرت عائشة بقوم يسرحون شعر ميتهم فنهتهم عن ذلك ويحرم حلق رأس الميت لأنه إما لزينة أو نسك. وشعر عانة لما فيه من مس عورته. كما يحرم ختن الميت الأقلف. ولا يقص شاربه. ولا تقلم أظفاره. لأن أجزاء الميت محترمة فلا تنتهك بذلك. ولم يصح عنه ﷺ ولا عن الصحابة في هذا شئ فيكره فعله اتفاقا.
(ولهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في محرم مات) قال ابن عباس ﵄. بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته يعنى صرعته فدقت عنقه فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال (اغسلواه بماء وسدر) فدل على تأكد استحباب جعل سدر في ماء الغسل وتقدم (وكفنوه في ثوبيه) لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة.
(ولا تحنطوه) من الحنوط وهو الطيب الذي يوضع للميت ذكرا كان أو أنثى. وللنسائي "ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة محرما" وفي رواية "ولا تمسوه طيبا فإنه يبعث يوم
стр. 547
القيامة ملبيا" (ولا تخمروا رأسه) أي لا تغطوه. وفي رواية ولا تغطوا وجهه والأشهر في أكثر الروايات ذكر الرأس فقط. فقال أحمد: يغطى وجهه وسائر بدنه وتجوز الزيادة على ثوبيه إذا كفن كبقية كفن حلال.
وفيه دليل على بقاء حكم الإحرام وعلله بقوله فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" وفي رواية "محرما" وهذا مذهب الشافعي وأحمد وجمهور السلف والخلف. وقال الداودي عن مالك لم يبلغه هذا الحديث. وجامع الكلام فيه أنه يجب تجنيبه ما يجب اجتنابه حال إحرامه وهو مذهب الجمهور. ولا تمنع معتدة من طيب لسقوط الأحداد بموتها.
(ولهما عن جابر في قتلى أحد) سنة ثلاث من الهجرة (وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم" قال إمام الحرمين: معتمدنا الأحاديث الصحيحة أنه لم يصل عليهم ولم يغسلوا قال الشافعي جاءت من وجوه متواترة ولعل الحكمة في ترك الغسل والصلاة أن يلقوا الله بكلومهم لما جاء أن ريح دمهم ريح المسك. واستغنوا بإكرام الله لهم عن الصلاة مع التخفيف على من بقي من المسلمين لما يكون فيمن قاتل في الزحف من الجراحات وخوف عود العدو ورجاء طلبهم وهمهم بأهلهم وهم أهلهم بهم.
ولأحمد أن النبي ﷺ قال في قتلى أحد "لاتغسلوهم فإن
стр. 548
كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ". فالصحيح أن لا يغسلوا لئلا يزول أثر العبادة المطلوب بقاؤها كما دلت عليه الأخبار. وقطع الموفق وغيره بالتحريم وهو مذهب جمهور أهل العلم ولا يوضأ حيث لا يغسل. ولو وجب قبل لأنه أثر العبادة والشهادة.
وقال ابن القيم: حديث جابر في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح والذي يظهر من أمر شهداء أحد أنه لم يصل عليهم عند الدفن. وذكر ما ورد في الصلاة ثم قال والصواب أنه مخير في الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين. وأصح الأقوال أنهم لا يغسلون ويخير في الصلاة عليهم. وبهذا تتفق جميع الأحاديث وقال في موضع آخر: السنة في الشهيد أن لا يغسل ولا يصلى عليه، اهـ. ـ.
فإن كان جنبا قبل أن يقتل فقيل يغسل. ومذهب مالك وغيره لا يغسل. ولأبي داود، إن صاحبكم يعني حنظلة لتغسله الملائكة فسألوا أهله فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة.
فقال رسول الله ﷺ : "فلذلك غسلته الملائكة" وأسلم أصيرم بني عبد الأشهل يوم أحد ثم قتل ولم يأمر ﷺ بغسله. ولو كان شهيد المعركة أنثى أو غير مكلف فكالذكر المكلف فيما تقدم عند الجمهور وصاحبي أبي حنيفة لأنهم مسلمون أشبهوا المكلف.
وشذ أبو حنيفة في غير المكلف واحتج بأنه لا ذنب
له وهو باطل من وجوه.
стр. 549
وإن سقط عن دابته أو شاهق بغير فعل العدو أو وجد ميتا ولا أثر به أو مات حتف أنفه أو برفسة. وقيل أو عاد سهمه عليه غسل وصلي عليه لأنه لم يمت بفعل العدو ولا مباشرته ولا تسببه وهو مذهب جمهور أهل العلم أبي حنيفة وأحمد وغيرهما.
ومذهب الشافعي ونصره القاضي لا يغسل إن عاد عليه سهمه ولا يصلى عليه لأن عامر بن الأكوع بارز رجلا يوم خيبر فعاد عليه سهمه فقتله فلم يفرد عن الشهداء بحكم.
وإن حمل فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم وطال بقاؤه عرفا بعد حمله غسل وصلي عليه. لأن سعد بن معاذ أصابه سهم يوم الخندق فحمل إلى المسجد ثم مات بعد ذلك "فغسله رسول الله ﷺ وصلى عليه" وإن كانت هذه الأمور قبل حمله من المعركة ثم مات فيها فكشهيد المعركة إلا أن يطول مكثه فيها.
والمقتول بمثقل يغسل ويصلى عليه إجماعا. وقيس عليه المقتول ظلما كمن قتله نحو لص أو الكفار صبرا في غير الحرب أو في البلد بحديد أو غيره وهو مذهب جماهير أهل العلم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم لقصة عمر وعلي وابن الزبير وغيرهم وكل شهيد غسل صلي عليه وجوبا. ويدفن شهيد المعركة وجوبا بدمه إلا أن تخالطه نجاسة فيغسل الدم والنجاسة لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ويدفن في ثيابه التي قتل فيها. قال النووي وغيره: هو قول
стр. 550
العلماء كافة بعد نزع السلاح والجلود عنه لما روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ﷺ "أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم" وله شواهد في الصحيح وغيره تقضي بمشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب ونزع الحديد والجلود عنه وكل ما هو آلة حرب.
وعن علي ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصابها دم.
وإن سلبها كفن بغيرها وجوبا كغيره. والشهداء ثلاثة. شهيد في الدنيا والآخرة. وهو من قاتل في سبيل الله حتى قتل.
لترتب أحكام الشهداء عليه من ترك تغسيل، ونحوه لإرادته وجه الله والدار الآخرة. وشهيد في الآخرة فقط من أصابه جرح في سبيل الله ثم مات منه بعد مدة. وشهيد في الدنيا فقط من قاتل في سبيل الله وسريرته باطلة فتجري عليه أحكام الشهيد من ترك غسل وغيره.
ولأبي داود والترمذي وصححه عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قتل دون دينه فهو شهيد. ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد" قال شيخ الإسلام وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "الغريق شهيد. والمبطون شهيد. والحريق شهيد. والنفساء شهيدة. وصاحب الهدم شهيد" وجاء ذكر غير هؤلاء.
стр. 551
وذكر أن من غلب على ظنه عدم السلامة ليس له ركوب البحر للتجارة فإن فعل فغرق فيه لا يقال له إنه شهيد. وذكر بعض أهل العلم غير ذلك. منهم متمني الشهادة. والمتجرد لله في جهاد نفسه. ومن مات وهو يطلب العلم إلى أربعين وإلى خمسين والمراد أنهم شهداء في ثواب الآخرة لا في أحكام الغسل والصلاة.
وقال غير واحد: ويغسل الباغي ويصلى عليه. ويقتل قاطع الطريق ويغسل ويصلى عليه بلا نزاع ثم يصلب. والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصلي عليه وإن لم يستهل عند أحمد والشافعي لما يأتي من قوله ﵊ "والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة"رواه أحمد وأبو داود وغيرهما ولأنه نسمة نفخ فيها الروح وقد كتب عليه الشقاوة أو السعادة ولأنه يبعث فيسمى.
وفي الصحيحين أنه ينفخ فيه يعني بعد الأربعة الأشهر وأما دونها فلا يصلى عليه قال العبدري: بلا خلاف. وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء. قال بعضهم لأنه لا يبعث قبلها واختار الأكثر يبعث. قال الشيخ وهو قول كثير من الفقهاء وتستحب تسميته وأما الطفل فللترمذي وصححه "والطفل يصلى عليه" ولابن ماجه
"صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم".
стр. 552
وحكى غير واحد إجماع المسلمين على وجوب الصلاة على الطفل لهذه الأخبار ولعموم النصوص الواردة بالصلاة على المسلمين وهو داخل في عمومهم. والتغسيل والصلاة على الميت متلازمان في الجملة. قال ابن كثير غسل علي إبراهيم بن النبي ﷺ وذكر ابن عبد البر وغيره أن مرضعة إبراهيم بن النبي ﷺ هي التي غسلته. وقال صلي عليه وكبر أربعا" وأنه قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح. وأما من تعذر غسله فييمم أو بعضه فيغسل ما أمكن وييمم للباقي كالحي.
فائدة
يجب على الغاسل ستر ما رآه من الميت إن لم يكن حسنا لما رواه أحمد وغيره عن عائشة مرفوعا "من غسل ميتا وأدى فيه الأمانة ولم ينشر عيبه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" ولقوله "من سترة مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة" وقال جمع إلا على مشهور ببدعة أو فجور ليرتدع نظيره.
ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء ولا نشهد لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له النبي ﷺ . قال الشيخ أو اتفقت الأمة على الثناء عليه أو الإساءة. وظاهر كلامه ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم وإلا لم تكن علامة مستقلة. وفي الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال رسول الله ﷺ -
стр. 553
"وجبت" ثم بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال "وجبت" فقال عمر ما وجبت قال: "هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة. وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض". والحديث على عمومه.
فلما ألهم الناس الثناء عليه كان دليلا. سواء كانت أفعاله تقتضيه أولا. وهذا إلهام يستدل به على تعيينها ولأحمد "ما من مسلم يموت فيشهد له ثلاث أبيات من جيرانه الأدنين بخير إلا قال الله قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما لم يعلموا" وللحاكم نحوه قال الشيخ وتواطؤ الرؤيا كتواطئ الشهادات. ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة. بخلاف من ظاهره الفسق فلا حرج بسوء الظن به. ويستحب ظن الخير بالمسلم للأخبار.
فصل في كفنه
أي: كفن الميت ومؤونة تجهيزه وما يتعلق بذلك. أجمع العلماء على أنه فرض كفاية على من علم به وأمكنه. وقال غير واحد: وحنوطه وطيبه وهو مذهب مالك وأحمد وقول للشافعي.
(عن خباب) بن الأرت بن جندلة بن سعد بن زيد مناة أسلم قديما وشهد المشاهد وتوفي بالكوفة سنة سبع وثلاثين (أن مصعبا) يعني ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف أحد
стр. 554
السابقين هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة (قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة) هي شملة لها خطوط بيض وسود أو بردة من صوف (فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي بها رأسه ونجعل على رجليه شيئا من الإذخر) وفيه قال: فكنا، إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه (متفق عليه).
وظاهره أنه لم يكن له مال غيرها. وفي رواية البخاري أن عبد الرحمن بن عوف قال: قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة. وقتل حمزة أو رجل آخر فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة. ولأحمد عن خباب أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر فدلت هذه الأحاديث على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس لشرفه وجعل النقص مما يلي الرجلين. قال النووي فإن ضاق عن ذلك سترت العورة، فإن فضل شيء جعل فوقها، وإن ضاق عن العورة سترت السوأتان لأنهما أهم، وهما الأصل في العورة وهذا قول جمهور أهل العلم.
وفيه أن الواجب ثوب يستر جميعه مع القدرة وفيه. وفي قصة المحرم الذي وقصته دابته فقال رسول الله ﷺ : "كفنوه في ثوبيه" دليل على أنه يجب تكفين الميت في ماله مقدما
стр. 555
على دين وغيره وكذا مؤونة تجهيزه اتفاقا. غير حنوط وطيب فمستحب. وقال ابن المنذر وغيره قال بذلك جميع أهل العلم ولأن المفلس يقدم بالكسوة على الدين فكذا الميت يقدم عليه بل أولى. ولأن سترته واجبة في الحياة فكذا بعد الموت.
واتفق الجمهور على وجوب ثوب لا يصف البشرة يستر جميع بدن الميت ذكرا كان أو أنثى ما لم يكن محرما. ويكون من ملبوس مثله في الجمع والأعياد ما لم يوص بدونه فيجوز إجماعا.
ونقل أبو البركات الإجماع على جواز الوصية بالثوب الواحد والجديد أفضل من العتيق كما فعل به ﷺ وللأمر بتحسينه رواه مسلم وغيره ما لم يوص بغيره فيمتثل لقول الصديق كفنوني في ثوبي هذين لأن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هما للمهلة والتراب رواه البخاري.
فإن لم يكن للميت مال فكفنه ومؤونة تجهيزه على من تلزمه نفقته لأن ذلك يلزمه حال الحياة فبعد الموت أولى إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته وفاقا لأحد القولين عند أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك ولو كان غنيا لأن الكسوة وجبت عليه بالزوجية والتمكن من الاستمتاع وقد انقطع ذلك بالموت فأشبهت الأجنبية. وعن أحمد يلزمه كفنها وفاقا لمالك وأحد القولين لأصحاب أبي حنيفة والشافعي ورجحوه لأن من لزمته كسوتها في الحياة لزمه كفنها بعد الوفاة كالأمة مع السيد.
стр. 556
وإن عدم مال الميت ومن تلزمه نفقته فكفنه ومؤونة تجهيزه في بيت المال إن كان مسلما اتفاقا لأنه للمصالح وهذا من أهمها فإن لم يكن بيت مال فعل المسلمين العالمين بحاله كنفقة الحي وكسوته. قال الشيخ تقي الدين: من ظن أن غيره لا يقوم به تعين عليه. وقال النووي وغيره لو مات إنسان ولم يوجد ما يكفن به إلا ثوب مع مالك له غير محتاج إليه لزمه بذله بقيمته كالطعام للمضطر.
(ولهما عن عائشة كفن رسول ﷺ في ثلاثة أثواب بيض) ولابن ماجه "أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض) وتقدم قوله ﷺ "البسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيها موتاكم" (سحولية) نسبة إلى سحول قرية باليمن وهو الأبيض النقي. جمع سحل ولا يكون إلا من قطن ولم يكن الله ليختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل. واستمر عمل الصحابة ومن بعدهم عليه. قال الترمذي: وهو الذي استحبه أهل العلم. وقال: النووي وهو مجمع عليه.
(ليس فيها قميص ولا عمامة) أي لم يكن في كفنه ﷺ قميص ولا عمامة وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما أدرج في الثلاثة الأثواب إدراجًا ولا يكره إن جعل فيها قميص لقصة أبي ولا عمامة لفعل ابن عمر. قال الحاكم وغيره تواترت الأخبار عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وعائشة في تكفينه ﷺ في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة.
стр. 557
وقال أحمد: أصح الأحاديث في كفن النبي ﷺ حديث عائشة لأنها أعلم من غيرها. وقال الترمذي: قد روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة وحديث عائشة أصح الروايات التي رويت في كفنه ﷺ والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم فدل الحديث على سنية تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن تبخر بعد رشها بماء ورد أو غيره لتعلق رائحة البخور إن لم يكن محرما ويكون البخور بالعود أو نحوه لفعل ابن عمر وابن عباس وأسماء وغيرهم ولأن هذا عادة الحي.
وروي مرفوعا ثلاثا ثم تبسط الثلاثة الأثواب بعد التبخير بعضها فوق بعض ليوضع الميت عليها مرة واحدة وأوسعها وأحسنها أعلاها لأن عادة الحي جعل الظاهر أفخر ثيابه.
ويجعل الحنوط وهو أخلاط من طيب يعد للميت خاصة فيذر فيما بين اللفائف وهو مشروع بدليل الخطاب من قوله ﷺ في المحرم "ولا تحنطوه" ولا يجعل فوق العليا لكراهة عمر وابنه وأبي هريرة وغيرهم له وذكره في الفروع اتفاقا. ولا يجعل على الثوب الذي على النعش لكراهة السلف له. ثم يوضع الميت على اللفائف مستلقيا لأنه أمكن لإدراجه فيها. ويجب ستره حال حمله بثوب. ويوضع برفق متوجها ندبا.
ويجعل من الحنوط في قطن بين إليتيه ويشد فوقها خرقة كالسراويل بلا أكمام تجمع إليتيه ومثانته ليرد ما يخرج ويخفي ما يظهر من الروائح ويجعل الباقي من الحنوط على منافذ وجهه
стр. 558
منعا للهوام وعلى مواضع سجوده تشريفا لها وعلى مغابنه لأن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك قال الزركشي ويروى عن النبي ﷺ وإن طيب الميت كله فحسن لأن أنسا طلي بالمسك وكذا ابن عمر وغيرهما.
وكره أن يجعل في داخل عينيه اتفاقا لأنه يفسدهما وأن يطيب بورس وزعفران ويرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن ويرد طرفها الآخر فوقه ثم الثانية والثالثة كذلك ويجعل أكثر الفاضل على رأسه لشرفه ثم يعقدها لئلا ينتشر الكفن وتحل في القبر لقول ابن مسعود "إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد".
(وللبخاري عن جابر أنه ﷺ ألبس عبد الله بن أبي) ابن سلول رأس المنافقين (قميصه لما مات) وذلك أنه لما توفي عدو الله أتى ابنه عبد الله ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال "أعطني قميصك أكفنه فيه فأعطاه إياه" متفق عليه من حديث ابن عمر وحديث جابر أنه ﷺ "أتى عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه" ولعل المراد بالإعطاء أنه أنعم عليه بذلك وقيل تكرمة لابنه. وقيل إنما كساه قميصه لأنه كان كسا العباس لما أسر ببدر فأراد ﷺ أن يكافئه.
وفيه دليل على مشروعية التكفين في القميص وأن قميص الميت كقميص الحي. وأجمعوا على أنه إن كفن في قميص ومئزر
стр. 559
ولفافة جاز من غير كراهة ولو لم تتعذر اللفائف. وعن عمرو بن العاص أن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثلاثة. قال في الفروع لا يكره في خمسة اتفاقا. ولا يكره تعميمه. ولا يكره تكفينه في ثوبين لما تقدم. ولا ريب أن الواجب ثوب يستر جميعه. وجاءت الأخبار بالأمر بتحسين الكفن صنفا ونظافة ونقاء وجمالا وحسن وضعه عليه وتوسيطه لا السرف والمغالاة ولا الوضع في غير جهة لائقة به.
(وعن أم عطية في غسل ابنته) فعند أحمد وابن ماجه أنها أم كلثوم وعند مسلم أنها زينب زوج أبي العاص وكانت وفاتها سنة ثمان (قالت كفناها في خمسة أثواب صححه الحافظ) من رواية الخوارزمي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية.
ولفظ أحمد وأبي داود من حديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ وكان "أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقاء يعني الإزار ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر. قالت: ورسول الله ﷺ عند الباب معه كفنها يناولنا ثوبا ثوبا، وفي إسناده مقال.
وقال ابن المنذر أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب والجمهور أنها تؤزر بالمئزر ثم تلبس
стр. 560
القميص ثم تخمر ثم تلف باللفافتين. وقال المجد: يشد فخذاها بمئزر تحت درع ويلف فوق الدرع الخمار باللفافتين جمعا بين الأخبار. ويسن أن تكفن صغيرة في قميص ولفافتين وصبي في ثوب واحد اتفاقا لأنه دون الرجل.
ويجوز تكفين المرأة في ثوب الرجل حكاه ابن بطال اتفاقا لإعطائهن حقوه يشعرن ابنته. ويكره برقيق يحكي الهيئة وبصوف وشعر لأنه خلاف فعل السلف ويحرم بجلود لنزعه له ﵊ ويجوز في حرير لضرورة اتفاقا.
فصل في الصلاة عليه
أي على الميت وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وفرض كفاية إجماعا على غير شهيد معركة وقيل ومقتول ظلما. قال الفاكهي: والصلاة على الميت من خصائص هذه الأمة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ وذلك أنه ﷺ صلى على عبد الله بن أبي رأس المنافقين.
فأنزل الله هذه الآية أن يتبرأ منهم وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات وهو عام في كل من عرف نفاقه ولأحمد:
فما صلى بعده على منافق. ومفهوم الآية مشروعية
الصلاة على المسلمين كما ثبتت به السنة وأجمع عليه
المسلمون إجماعا ضروريا لا ينكره إلا كافر معاند.
стр. 561
وقال الشيخ لما نهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين كان دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه قبل الدفن ويقام على قبره بعده. ودلت الآية أيضا على أن الصلاة على المسلمين من أكبر القربات وأفضل الطاعات ورتب الشارع عليها الجزاء الجزيل كما في الصحاح وغيرها. ودلت الآية على أن الصلاة عليه كان: عادة النبي ﷺ في المسلمين وأمرا متقررا عند المسلمين واستمروا عليه. وفرض كفاية.
قال الشيخ: وفروض الكفايات إذا قام بها رجل سقط الإثم عن الباقين ثم إذا فعل الكل ذلك كان كله فرضا وذكره ابن عقيل محل وفاق. وتسقط بثلاثة اتفاقا فجاء أنه ﷺ صلى على عمير بن أبي طلحة في منزلهم وأبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة.
(وعن مالك) بن هبيرة بن خالد السكوني ويقال: الكندي مات في زمن مروان قال: (إن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت) وفي لفظ "ما من مؤمن يموت "فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا غفر له) وفي رواية كان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جرأهم ثلاثة أجزاء أي فرقهم جعل
القوم الذين يمكن أن يكونوا صفا واحدا ثلاثة صفوف ثم
قال قال رسول الله ﷺ "من صلى عليه ثلاثة صفوف
فقد أوجبت" ولأبي داود "وجبت له الجنة" (رواه الخمسة)
стр. 562
وغيرهم (إلا النسائي) وصححه الحاكم وغيره وله شواهد كثيرة.
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه". وله من حديث ابن عباس "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعوا فيه" قال النووي والقاضي الأحاديث كلها معمول بها وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين وفيها استحباب تكثير جماعة الجنازة.
وروى ابن بطة عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ شهد جنازة وهو سابع سبعة "فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه فصف ثلاثة واثنين وواحدا خلف الصف فصلى على الميت ثم انصرف" وصرح القسطلاني وغيره أن الثلاثة في الفضيلة سواء وأنه إنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على المقصود من الثلاثة الصفوف.
ويأتي في صلاته على النجاشي أنه "صف بهم" وفي لفظ "فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف" ودلت هذه الأحاديث وغيرها على سنية صلاة الجنائز جماعة صفوفا وهو إجماع المسلمين لفعله ﷺ وفعل أصحابه واستمرار عمل المسلمين عليه. وتجوز فرادى.
(ولهم أن أنسا صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه)
стр. 563
وهو مذهب الشافعي وقال ابن المنذر وغيره هو قول جماهير العلماء ولم يذكر عن أحمد غيرها. وعنه عند صدره وهو مذهب أبي حنيفة أو يكون بالقرب منهما فإن رأس الرجل قريب من صدره فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر (و) لما رفعت (أتى بـ) جنازة (امرأة) فصلى عليها (فقام وسطها) بفتح السين (وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ ) وفيه فلما فرغ قال احفظوا (حسنهما الترمذي) فحديث مالك تقدم رواته.
وهذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم بألفاظ منها ما رواه أبو غالب الحناط قال. شهدت أنسا صلى على جنازة قال وفينا العلاء بن زياد فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ "يقوم من الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت قال نعم" وفي لفظ لأبي داود قال العلاء هكذا كان رسول الله ﷺ "يصلي على لجنازة كصلاتك يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم".
وفي الصحيحين من حديث سَمُرة أنه ﷺ "صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها" قال غير واحد هذا مذهب جمهور العلماء الشافعي وأحمد وغيرهما. وفي الحديثين دلالة واضحة على مشروعية ذلك وماعداه لا مستند له من المرفوع ولا يدل على الوجوب فإنما الواجب هو استقبال جزء من الميت رجلا كان أو امرأة. والنزاع فما هو الأولى والأحسن ولا أولى ولا أحسن
стр. 564
من الكيفية التي فعلها رسول الله ﷺ .
والحكمة والله أعلم أن القلب في الصدر ووسط المرأة محل حملها والصبي والصبية كذلك. والسنة وضع رأسه مما يلي يمين الإمام كما هو المعمول به ويسوي بين رؤوس كل نوع ويجعل وسط أنثى حذاء صدر أو رأس رجل ليقف الإمام موقف من الكل. وجمعهم بصلاة أفضل وهو مذهب مالك وأحمد.
(وللبخاري عن الحسن) البصري هو ابن أبي الحسين الأنصاري واسمه يسار بن بلال الأنصاري مولاهم ثقة ففيه إمام جليل من خيار التابعين مات سنة عشر ومائة وقد قارب التسعين قال (أدركت الناس) وهم إذ ذاك متوافرون في القرن المفضل المثنى عليهم (وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه) إماما (لفرائضهم) وتقدم ذكر من يقدم في الإمامة.
وقال أبو هريرة شهدت حسينا حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك. ومقتضاه أنه سنة وخلفه يومئذ ثمانون صحابيا. قال الموفق ولم ينكر فكان إجماعا وهو مذهب جماهير أهل العلم أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم لأنه ﷺ وخلفاؤه من بعده كانوا يصلون على الموتى. ولم ينقل عنهم استئذان العصبة ولا غيرهم. قال ابن رشد أكثر أهل العلم على أن الوالي أحق بالصلاة على الميت، اهـ.
стр. 565
وتقديمهم ليس على سبيل الوجوب فإن الصحابة ﵃ ما زالوا يوصون بالصلاة فأبو بكر أوصى أن يصلي عليه عمر. وعمر صهيبا. وأم سلمة سعيد بن زيد. وأبو بكرة أبا برزة وغيرهم وهذه قضايا اشتهرت من غير إنكار ولا مخالف فكانت إجماعا. ثم الأولى بعدهم الأولى بغسل على ما تقدم.
(وجعل ابن عمر الرجال في صلاة الجنازة مما يلي الإمام) لشرفهم وكالفريضة (والنساء مما يلي القبلة رواه البيهقي) ولفظه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة. ولأبي داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن عمار قال: شهدت جنازة أم كلثوم وابنها "فوضع الغلام مما يلي القبلة والمرأة وراءه فصلى عليهما. وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة فقالوا: هذه السنة" وفي رواية للبيهقي ونحو من ثمانين من أصحاب النبي ﷺ ولم يذكر ابن المنذر خلافا في ذلك.
(وفي الصحيحين) وغيرهما من غير وجه عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر وغيرهم (أنه ﷺ يكبر في صلاة الجنازة أربعا) فمن حديث أبي هريرة وجابر في قصة صلاته على النجاشي. ومن حديث ابن عباس في الصلاة على القبر وستأتي. وجمع عمر الناس على أربع تكبيرات. وقال لا يجوز النقص عن الأربع. وقال النخعي اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت أبي مسعود فأجمعوا على أربع.
следующие страницы →