Полный текст (2 171 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقال الشيخ لما نهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين كان دليل الخطاب أن المؤمن يصلى عليه قبل الدفن ويقام على قبره بعده. ودلت الآية أيضا على أن الصلاة على المسلمين من أكبر القربات وأفضل الطاعات ورتب الشارع عليها الجزاء الجزيل كما في الصحاح وغيرها. ودلت الآية على أن الصلاة عليه كان: عادة النبي ﷺ في المسلمين وأمرا متقررا عند المسلمين واستمروا عليه. وفرض كفاية.
قال الشيخ: وفروض الكفايات إذا قام بها رجل سقط الإثم عن الباقين ثم إذا فعل الكل ذلك كان كله فرضا وذكره ابن عقيل محل وفاق. وتسقط بثلاثة اتفاقا فجاء أنه ﷺ صلى على عمير بن أبي طلحة في منزلهم وأبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة.
(وعن مالك) بن هبيرة بن خالد السكوني ويقال: الكندي مات في زمن مروان قال: (إن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت) وفي لفظ "ما من مؤمن يموت "فيصلي عليه ثلاثة صفوف إلا غفر له) وفي رواية كان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جرأهم ثلاثة أجزاء أي فرقهم جعل
القوم الذين يمكن أن يكونوا صفا واحدا ثلاثة صفوف ثم
قال قال رسول الله ﷺ "من صلى عليه ثلاثة صفوف
فقد أوجبت" ولأبي داود "وجبت له الجنة" (رواه الخمسة)
стр. 562
وغيرهم (إلا النسائي) وصححه الحاكم وغيره وله شواهد كثيرة.
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه". وله من حديث ابن عباس "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعوا فيه" قال النووي والقاضي الأحاديث كلها معمول بها وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين وفيها استحباب تكثير جماعة الجنازة.
وروى ابن بطة عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ شهد جنازة وهو سابع سبعة "فأمرهم أن يصفوا ثلاثة صفوف خلفه فصف ثلاثة واثنين وواحدا خلف الصف فصلى على الميت ثم انصرف" وصرح القسطلاني وغيره أن الثلاثة في الفضيلة سواء وأنه إنما لم يجعل الأول أفضل محافظة على المقصود من الثلاثة الصفوف.
ويأتي في صلاته على النجاشي أنه "صف بهم" وفي لفظ "فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف" ودلت هذه الأحاديث وغيرها على سنية صلاة الجنائز جماعة صفوفا وهو إجماع المسلمين لفعله ﷺ وفعل أصحابه واستمرار عمل المسلمين عليه. وتجوز فرادى.
(ولهم أن أنسا صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه)
стр. 563
وهو مذهب الشافعي وقال ابن المنذر وغيره هو قول جماهير العلماء ولم يذكر عن أحمد غيرها. وعنه عند صدره وهو مذهب أبي حنيفة أو يكون بالقرب منهما فإن رأس الرجل قريب من صدره فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر (و) لما رفعت (أتى بـ) جنازة (امرأة) فصلى عليها (فقام وسطها) بفتح السين (وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ ) وفيه فلما فرغ قال احفظوا (حسنهما الترمذي) فحديث مالك تقدم رواته.
وهذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم بألفاظ منها ما رواه أبو غالب الحناط قال. شهدت أنسا صلى على جنازة قال وفينا العلاء بن زياد فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ "يقوم من الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت قال نعم" وفي لفظ لأبي داود قال العلاء هكذا كان رسول الله ﷺ "يصلي على لجنازة كصلاتك يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم".
وفي الصحيحين من حديث سَمُرة أنه ﷺ "صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها" قال غير واحد هذا مذهب جمهور العلماء الشافعي وأحمد وغيرهما. وفي الحديثين دلالة واضحة على مشروعية ذلك وماعداه لا مستند له من المرفوع ولا يدل على الوجوب فإنما الواجب هو استقبال جزء من الميت رجلا كان أو امرأة. والنزاع فما هو الأولى والأحسن ولا أولى ولا أحسن
стр. 564
من الكيفية التي فعلها رسول الله ﷺ .
والحكمة والله أعلم أن القلب في الصدر ووسط المرأة محل حملها والصبي والصبية كذلك. والسنة وضع رأسه مما يلي يمين الإمام كما هو المعمول به ويسوي بين رؤوس كل نوع ويجعل وسط أنثى حذاء صدر أو رأس رجل ليقف الإمام موقف من الكل. وجمعهم بصلاة أفضل وهو مذهب مالك وأحمد.
(وللبخاري عن الحسن) البصري هو ابن أبي الحسين الأنصاري واسمه يسار بن بلال الأنصاري مولاهم ثقة ففيه إمام جليل من خيار التابعين مات سنة عشر ومائة وقد قارب التسعين قال (أدركت الناس) وهم إذ ذاك متوافرون في القرن المفضل المثنى عليهم (وأحقهم بالصلاة على جنائزهم من رضوه) إماما (لفرائضهم) وتقدم ذكر من يقدم في الإمامة.
وقال أبو هريرة شهدت حسينا حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك. ومقتضاه أنه سنة وخلفه يومئذ ثمانون صحابيا. قال الموفق ولم ينكر فكان إجماعا وهو مذهب جماهير أهل العلم أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم لأنه ﷺ وخلفاؤه من بعده كانوا يصلون على الموتى. ولم ينقل عنهم استئذان العصبة ولا غيرهم. قال ابن رشد أكثر أهل العلم على أن الوالي أحق بالصلاة على الميت، اهـ.
стр. 565
وتقديمهم ليس على سبيل الوجوب فإن الصحابة ﵃ ما زالوا يوصون بالصلاة فأبو بكر أوصى أن يصلي عليه عمر. وعمر صهيبا. وأم سلمة سعيد بن زيد. وأبو بكرة أبا برزة وغيرهم وهذه قضايا اشتهرت من غير إنكار ولا مخالف فكانت إجماعا. ثم الأولى بعدهم الأولى بغسل على ما تقدم.
(وجعل ابن عمر الرجال في صلاة الجنازة مما يلي الإمام) لشرفهم وكالفريضة (والنساء مما يلي القبلة رواه البيهقي) ولفظه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة. ولأبي داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن عمار قال: شهدت جنازة أم كلثوم وابنها "فوضع الغلام مما يلي القبلة والمرأة وراءه فصلى عليهما. وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة فقالوا: هذه السنة" وفي رواية للبيهقي ونحو من ثمانين من أصحاب النبي ﷺ ولم يذكر ابن المنذر خلافا في ذلك.
(وفي الصحيحين) وغيرهما من غير وجه عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر وغيرهم (أنه ﷺ يكبر في صلاة الجنازة أربعا) فمن حديث أبي هريرة وجابر في قصة صلاته على النجاشي. ومن حديث ابن عباس في الصلاة على القبر وستأتي. وجمع عمر الناس على أربع تكبيرات. وقال لا يجوز النقص عن الأربع. وقال النخعي اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت أبي مسعود فأجمعوا على أربع.
стр. 566
وقال ابن عبد البر وغيره أنه قد أجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحيحة. وما سوى ذلك عندهم شذوذ. وقال النووي قد كان لبعض الصحابة وغيرهم خلاف في أن التكبير المشروع خمس أم أربع أم غير لك ثم انقرض ذلك الخلاف وأجمعت الأمة الآن على أنه أربع تكبيرات بلا زيادة ولا نقص. والأولى أن لا يزيد على أربع لأن المداومة تدل على الفضيلة.
وقال ابن القيم وكان ﷺ يكبر أربع تكبيرات وصح أنه كبر خمسًا وكان الصحابة بعده يكبرون أربعًا وخمسًا وستًا وسبعًا وحكى الوزير عن الأئمة الأربعة أنه لا يتابع على ما زاد على الأربع. وقال الموفق: لا خلاف أنه لا يتابع على الزيادة عليها، ولا تستحب إجماعا فيباح الزيادة على الأربع إلى السبع وليس إخلالا بصورة الصلاة فلا تبطل.
(وفي البخاري صلى ابن عباس) ﵄ (على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنها سنة) أي طريقة متبعة ورواه ابن خزيمة وغيره والنسائي من رواية طلحة قال فأخذت بيده فسألته عن ذلك فقال نعم يا بن أخي إنه حق وسنة وهو عند ابن ماجه وغيره مرفوعًا وسنده ضعيف. وقال الحاكم أجمعوا على أن قول الصحابي من السنة حديث مسند وللنسائي وغيره عن أبي أمامة قال: "السنة في الصلاة على
стр. 567
الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة".
وقال مجاهد سألت ثمانية عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ عن القراءة على الجنازة فكلهم قالوا يقرأ. ولها شواهد فدلت على وجوب قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى وهي تكبيرة الإحرام وبعد التعوذ والبسملة وهو مذهب جمهور العلماء الشافعي وأحمد وغيرهما من السلف والخلف إلا التعوذ فقيل لا يتعوذ. وقد ورد الأمر به.
وأما البسملة فأجمعوا على الإتيان بها وأما الاستفتاح فالأكثر أنه لا يستفتح لأن مبناها علىلتخفيف كما أنه لا يقرأ السورة بعد الفاتحة. وقال الشيخ لا تجب قراءة الفاتحة بل هي سنة وهو مذهب مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد.
(وللحاكم) عن ابن عباس أنه صلى على جنازة فكبر ثم قرأ الفاتحة (ثم صلى على النبي ﷺ ) يعني بعد التكبيرة الثانية ثم دعا بعد الثالثة. وللشافعي وابن الجارود وغيرهم بسند رجاله رجال الصحيحين عن أبي أمامة "السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب سرًا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ " وذكر أبو أمامة عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة.
فدلت على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الجنازة كالصلاة عليه في التشهد الأخير. ولنقل الخلف
стр. 568
عن السلف ولا يتعين لفظ صلاة مخصوصة لأن المقصود مطلق الصلاة. والجمهور على قول اللهم صل على محمد كالتشهد الأخير.
(وعن أبي هريرة مرفوعا إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود) وصححه ابن حبان وفي حديث أبي أمامة ويخلص الدعاء للميت وحسنه الحافظ وذلك لأن المصلين عليه شفعاء والشافع يبالغ في طلب الشفاعة يريد قبول شفاعته فيه فيدعو بعد الثالثة بأحسن ما يحضره من الدعاء المأثور إجماعا لأنه هو المقصود بالصلاة عليه فلا يجوز الإخلال به. ونقل فيه ما لم ينقل في القراءة والصلاة على النبي ﷺ .
ولأحمد عن أبي الزبير سألت جابرًا ما يدعى للميت فقال ما أتاح أي ما قدر لنا رسول الله ﷺ . ولا أبو بكر. ولا عمر. فدل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص والأمر المطلق بإخلاص الدعاء للميت يقضي بأن يخلص للمسيء كالمحسن فإن ملابس المعاصي أحوج إلى دعاء إخوانه المسلمين ولذلك قدموه بين أيديهم ليشفعوا له.
(ولمسلم) والخمسة وغيرهم (عنه قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول) يعنى بعد التكبيرة الثالثة (اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا وصغيرنا) لعله لرفع الدرجات (وكبيرنا وذكرنا وأنثانا) المقصود الشمول والاستيعاب كأنه قيل اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات
стр. 569
(اللهم من أحييته منا) معشر المسلمين (فأحيه على الإسلام) الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد لأمره.
(ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) وهو اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان ولما كان الإسلام هو العبادات كلها والإيمان شرط فيها ووجودها في حال الحياة ممكن بخلاف حالة الموت فإن وجودها متعذر. فلهذا اكتفى بالموت على الإيمان خاصة وطلب الحياة على الإسلام الذي الإيمان جزء منه.
(اللهم لا تحرمنا أجره) أي لا تمنعنا من أجره وحرمه الشيء منعه إياه (ولا تضلنا بعده) أي لا تصيرنا إلى الضلال ضد الهدى والرشاد. قال ابن القيم روي من طرق تدل على أن له أصلا وله شواهد. ولأبي داود عنه أن النبي ﷺ دعا في الصلاة على الجنازة "اللهم أنت ربها وأنت خلقتها. وأنت هديتها للأسلام وأنت قبضت روحها. وأنت أعلم بسرها وعلانيتها. جئنا شفعاء له فاغفر له ذنبه".
ولابن ماجه من حديث واثلة قال صلى بنا رسول الله ﷺ على جنازة رجل من المسلمين فسمعته يقول "اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك قِه عذاب القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحمد اللهم فاغفر له وارحمه فإنك أنت الغفور الرحيم" صححه ابن القيم.
стр. 570
(وله عن عوف) ابن مالك الأشجعي شهد الفتح ومعه راية أشجع وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين (أنه سمع النبي ﷺ يقول) يعنى على جنازة صلى عليها (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه) الضمير عائد إلى الميت فلا يحول الضمير (وأكرم نُزُله) بضم الزاي وقد تسكن ما يهيء للضيف أول ما يقدم (ووسع مَدْخَلَهُ) بفتح الميم مكان الدخول وبضمها الإدخال والفتح أولى.
(واغسله بالماء والثلج والبرد) بفتح الراء المطر المنعقد وليس المراد بالغسل وإنما هو استعارة بديعة للطهارة العظيمة من الذنوب (ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقَ الثوب الأبيض من الدنس) يغنى الوسخ (وأبدله دارًا خيرًا من داره. وزوجًا خيرا من زوجه) ولا يقول أبدلها لعود الضمير على الميت وإن لم يكن زوج والمراد بالإبدال الفعلي أو التقديري أي خير من زوج لو تزوج إذ منهم من ليس له دار بالدار الدنيا.
(وأدخله الجنة. وأعذه من عذاب القبر. وعذاب النار) قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله ﷺ لذلك الميت" وهذا من أجمع الأدعية ورواه النسائي والترمذي وغيرهما وصححه وإن شاء قال وأفسح له في قبره ونور له فيه.
(وعن المغيرة مرفوعًا والسقط) أي الولد لغير تمام (يصلى عليه) إذا بلغ أربعة أشهر عند أحمد والشافعي وعند
стр. 571
الجمهور إذا تحرك وتقدم (ويدعى لوالديه) كما سيأتي (بالمغفرة والرحمة رواه أحمد) ورواه أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه وقال على شرط البخاري.
ورواه النسائي (وصححه الترمذي لكن بلفظ "الطفل) يصلى عليه" واحتج به أحمد. وفي سنن ابن ماجه مرفوعا "صلوا على أطفالكم" وتقدم ذكر الإجماع عليه وأورد الأصحاب وغيرهم بدل الاستغفار دعاء يقوله المصلي لهذا الخبر وغيره بعد ما تقدم من قوله وتوفه على الإيمان. اللهم اجعله أي الطفل ذخرا لوالديه وفرطا أي سابقا أمام والديه سواء مات في حياتهما أو بعدهما.
قال القاضي وهو في هذا الدعاء الشافعي شفع لوالديه وللمؤمنين المصلين عليه وأجرا وشفيعا مجابا. اللهم ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم إشارة إلى ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره عن خالد بن معدان "إن في الجنة لشجرة يقال لها طوبى كلها ضروع من مات من الصبيان الذين يرضعون رضع من طوبى وحاضنهم إبراهيم خليل الرحمن" وقه برحمتك عذاب الجحيم.
فما ذكروه من الدعاء لائق بالمحل مناسب لحاله. فإن الدعاء لوالديه أولى من الدعاء له لأنه شافع غير مشفوع فيه. وإذا لم يعرف إسلام والديه دعا لمواليه إن كان له موالٍ يعلم
стр. 572
إسلامهم فيقول ذخرا لمواليه. قال شيخ الإسلام ومن كان من أمة أصلها كفار لم يجز أن يستغفر لأبويه إلا أن يكونا قد أسلما للآية، اهـ. وأما ولد الزنا فيدعى لأمه فقط وكذا المنفي بلعان.
واستحب الجمهور أن يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلا لحديث زيد بن أرقم "كان يكبر أربعًا ثم يقف ما شاء الله" ومن حديث ابن أبي أوفى يدعو قال أحمد لا أعلم شيئا يخالفه وقال المجد لا خلاف في جوازه فيقول. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وكان أنس لا يدعو بدعاء إلا ختمه بهذا الدعاء. واختار بعض أهل العلم أن يقول. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله.
(ولابن ماجه عن ابن أبي أوفى) عبد الله بن علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي صحابي شهد الحديبية وتوفى سنة سبع وثمانين بالكوفة ﵁ (مرفوعا كان يكبر أربعًا) وهو إجماع وفيه أنه يدعو بعد الرابعة وتقدم (ثم يسلم) ورواه البيهقي وغيره وقال الحاكم هذا حديث صحيح. وقد استفاض السلام عنه ﷺ في صلاة الجنازة وهو واجب فيها إجماعا. وزاد أحمد وغيره من رواية شريك عن يمينه وشماله لكن.
قال ابن القيم ﵀ المعروف عن ابن أبي أوفى تسليمه واحدة ذكره عنه أحمد وغيره. ويجوز أن يسلم تسليمة ثانية عن
стр. 573
يساره كتسليم الصلاة وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي. وله أن يتابع الإمام فيه كالقنوت وظاهركلام ابن الجوزي يسر بالثانية وفاقًا. وعن أحمد يسلم واحدة عن يمينه وفاقًا لمالك. ويجوز تلقاء وجهه يجهر بها الإمام كالمكتوبة لهذا الخبر ولما روى الجوزجاني عن عطاء بن السائب أن النبي ﷺ سلم على الجنازة تسليمة واحدة.
وقيل لأحمد أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلم على الجنازة تسليمتين قال لا ولكن عن ستة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسلمون تسليمة واحدة خفيفة وذكره البيهقي عن عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ولأنه أشبه بالحال ومبناها على التخفيف وأكثر ما روي في التسليم وقول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين بل قال ابن المبارك من سلم على الجنازة تسليمتين فهو جاهل. قال الموفق واختار القاضي أن المستحب تسليمتان وواحدة تجزئ واختياره مخالف لإمامه وأصحابه وإجماع الصحابة والتابعين.
ويسن وقوف المصلي بعده عليها مكانه حتى ترفع قال مجاهد رأيت ابن عمر لا يبرح من مصلاة حتى يراها على أيدي الرجال. وقال الأوزاعي لا تنفض الصفوف حتى ترفع الجنازة وهو قول عاملة العلماء. وسن رفع يديه مع كل تكبيرة قال الشافعي وغيره ترفع للأثر والقياس على السنة في الصلاة. ورواه عن ابن عمر وأنس وسعيد عن ابن عباس والأثرم عن
стр. 574
عمر وزيد بن ثابت. ورواه البيهقي مرفوعا بسند ضعيف وفيه ويضع اليمنى على اليسرى.
واشترط الجمهور فيها النية وحكي اتفاقا. ولا يشترط معرفة عين الميت. والشرط الثاني إسلام الميت لأن الصلاة شفاعة له ودعاء والكافر ليس أهلاً لذلك. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ قال شيخ الإسلام من كان مظهرًا للإسلام فإنه يجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة من تغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك.
لكن من علم منه النفاق والزندقة فإنه لا يجوز لمن علم ذلك منه الصلاة عليه وإن كان مظهرا للإسلام وذكر الآية. وقوله ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية ثم قال وأما من كان مظهرًا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر فلا بد أن يصلي عليهم بعض المسلمين. ومن امتنع زجرًا لأمثاله كما فعل النبي ﷺ كان حسنًا وإن صلى يرجو رحمة الله ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة كان حسنا وإن امتنع في الظاهر ودعا في الباطن كان أولى.
وكل من لم يعلم منه النفاق وهو مسلم يجوز الاستغفار له والصلاة عليه ويؤمر به كما قال تعالى ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وإن اختلط المسلمون بالمشركين ولم يتميزوا غسل الجميع وصلي عليهم سواء كان عدد المسلمين أقل
стр. 575
أو أكثر وهذا مذهب جماهير العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، اهـ.
والشرط الثالث طهارته من الحدث والنجس مع القدرة اتفاقا لأن العجز عن الطهارة لا يسقط فرض الصلاة كالحي وكباقي الشروط وإن خاف فوت الجنازة. وقال أبو حنيفة يجوز إن خاف فوتها إن اشتغل بالوضوء وحكاه ابن المنذر عن جماعة من التابعين واختاره الشيخ. وإن عجز عن طهارة الميت يمم ويصلي عليه.
والرابع والخامس الاستقبال والسترة كمكتوبة والسادس حضور الميت بين يديه قبل الدفن. وصرح به جماعة في المسبوق اتفاقا ولأنه لا صلاة بدون الميت سوى ما يأتي في الصلاة على الغائب. فلا تصح على جنازة محمولة. ولا من وراء جدار. ولا من وراء خشب كتابوت اتفاقا. بخلاف السترة من غير ذلك.
ويشترط تكفينه فلا تصح قبل أن تغسل أو ييمم لعدم ويكفن ويسن دنوه منها وقال المجد وغيره قربه من الإمام مقصود لأنه يسن الدنو منها ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته وهو مذهب الشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك وقول جمهور العلماء وإن خشي رفعها تابع التكبير وإن سلم مع الإمام ولم يقضه صحت لقول عائشة لا قضاء عليك والأولى قضاؤها اتفاقا ويدخل المسبوق بين التكبيرتين كالحاضر إجماعًا.
стр. 576
(وعن أبي هريرة أن امرأة سوداء) سماها البيهقي أم محجن وفي رواية أو شابًّا (كانت تقم المسجد) أي تخرج القمامة منه (ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها فقالوا ماتت) قال أفلا آذنتموني قال أبو هريرة فكأنهم صغروا أمرها (فقال دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها متفق عليه) وعن ابن عباس قال "انتهى رسول الله ﷺ إلى قبر رطب فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا" متفق عليه.
وللدارقطنى عنه أن النبي ﷺ "صلى على ميت بعد ثلاث" وفي رواية "صلى على قبر بعد شهر" وللترمذي عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر ولها شواهد كثيرة تدل على سنية الصلاة على الجنازة المدفونة. وقال أحمد من يشك في الصلاة على القبر. والصلاة على القبر مشهورة متواترة عن النبي ﷺ وقال غير واحد لا نزاع فيها.
فأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة والإجماع باق ومن صلي عليه فقد قال بمشروعية الصلاة عليه الجمهور. قال أحمد يروى عن النبي ﷺ من ستة أوجه أو ثمانية أوجه أنه صلى على ميت بعد ما دفن. واختاره الشيخ وجمهور السلف. ومن اعتذر عن هذه السنة المشهورة فلعله لم يظهر له السبب في الإعادة. وقال ابن حامد يصلى عليه لأنه دعاء.
стр. 577
وقال المجد يصلي تبعًا وإلا فلا إجماعا. وقال تستحب إعادتها تبعًا مع الغير ولا تستحب ابتداء. وقال الشيخ لا تعاد الصلاة عليها إلا لسبب مثل أن يعيد غيره فيعيد معه. أو يكون أحق بالإمامة من الطائفة الثانية فيصلي بهم. وقال ابن المبارك إذا دفن الميت ولم يصلي عليه صلي على القبر. وذكر ابن القيم أن الأحاديث إنما تدل على هذا.
وحدد بعض أهل العلم الصلاة عليه بعد الدفن إلى شهر قال أحمد إذ هو أكثر ما روي عنه ﷺ . وحده الشافعي بما إذا لم يبل الميت ومنع منه مالك وأبو حنيفة إلا للولي إذا كان غائبا وقال ابن القيم: صلى النبي ﷺ على القبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتا.
وقال ابن عقيل يجوز مطلقًا لقيام الدليل على الجواز. وما وقع من الشهر فاتفاق ويؤيده أن النبي ﷺ "صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين" رواه البخاري وغيره وفي السنن وغيرها أنه ﷺ "صلى على قبر بعد شهرين" والحق أنه لم يرد توقيت ولأن المراد من الصلاة عليه الدعاء له وهو جائز في كل وقت. قال ابن القيم والعظام تبقى مدة طويلة ولا تأثير لتمزق اللحوم.
(ولهما عنه أنه ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه) سنة تسع في رجب (وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات) ولهما عن جابر أنه ﷺ قال "توفي
стр. 578
اليوم رجل صالح من الحبشة فهلموا فصلوا عليه فصففنا خلفه فصلى عليه ونحن صفوف". وفي رواية "صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً".
وللترمذي وغيره وصححه عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال "إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه" قال فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت. والنجاشي هو ملك الحبشة وكان اسمه أصحمة. ومعناه بالعربية عطية. ويسمى كل ملك للحبشة نجاشي. كما يسمى كل خليفة للمسلمين أمير المؤمنين. وملك الروم والفرس قيصر وكسرى.
فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على مشروعية الصلاة على الغائب عن البلد بالنية. قال الحافظ وهو قول الشافعي وأحمد وجمهور السلف. وقال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه وقال الشافعي الصلاة على الميت دعاء له فكيف لا يدعى له غائب وقيل إن لم يكن صلي عليه وإلا فلا اختاره الشيخ. وقال ولا يصلى كل يوم على كل غائب لأنه لم ينقل.
وقال ابن القيم مات خلق عظيم وهم غيب فلم يصل عليهم. وإنما صلي على النجاشي وفعله سنة وتركه سنة وصوب أنه إن مات ببلد لم يصلي عليه كما صلى النبي ﷺ على
стр. 579
النجاشي وإلا فلا، اهـ. ولا يصلى على غائب في أحد جانبي البلد ولو كان كبيرا ولو لمشقة مطر أو مرض. ويصلى على غريق وأسير ونحوهما.
وإن وجد بعض ميت لم يصلَ عليه غسل وكفن وصلي عليه وجوبا لأن أبا أيوب صلى على رجل إنسان رواه أحمد. وصلى عمر على عظام بالشام. وأبو عبيدة على رؤوس رواهما عبد الله بن أحمد. وقال الشافعي ألقى طائر يدًا بمكة من وقعة الجمل عرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب فصلى عليها أهل مكة وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير أهل العلم ولأنه بعض من ميت فثبت له حكم الجملة.
فإن كان بعضا من ميت صلي عليه ندبا. وقيل يصلى عليه مطلقا. وأما تغسيله وتكفينه ودفنه فيجب اتفاقا. ثم إن وجد الباقي بعد غسل البعض وتكفينه ودفنه غسل وكفن وصلي عليه ودفن بجنب القبر أو في جانبه.
ولا يصلى على مأكول ببطن آكل لفقد الشرط من غسل وتكفين. ولا يصلى على مستحيل بإحراق ونحوه لأنه لم يبق منه ما يصلى عليه. ولا يصلى على بعض حي مدة حياته لأن الصلاة دعاء له وشفاعة وهذا عضو لا حكم له في الثواب. وفي الحديث دليل على أفضلية الصلاة عليه خارج المسجد.
стр. 580
(وعن جابر) بن سمرة ﵁. (أن رجلا قتلا نفسه بمشاقص) جمع مشقص كمنبر نصل عريض أو سهم فيه ذلك. أو نصل طويل أو سهم فيه ذلك يرمي به الوحش (فلم يصلِ عليه النبي ﷺ رواه مسلم) والخمسة وغيرهم وللنسائي "أما أنا فلا أصلي عليه" ومراده ﷺ من تركه الصلاة عليه عقوبة له وردعا لغيره عن مثل فعله وهو استعجال إزهاق النفس.
وفي الصحيح في الرجل الجري الذي قال فيه النبي ﷺ هو في النار وكان في غزوة خيبر وجرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. وقال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي لا يصلى عليه مطلقا. الجمهور أنه لا يصلي عليه الإمام الأعظم.
(وعن زيد بن خالد في الذي غلَ في سبيل الله) أي كتم شيئا مما غنمه وذلك أن رجلا من المسلمين توفي بخيبر وأنه ذكر لرسول الله ﷺ (فقال صلوا على صاحبكم) فتغيرت وجوه القوم لذلك فلما رأى الذي بهم قال "إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود ما يساوي درهمين (رواه الخمسة إلا الترمذي) واحتج به أحمد ورجال إسناده رجال الصحيح.
وفيه تحريم الغلول وإن كان حقيرا وفي الوعيد عليه أحاديث شهيرة وإنما ترك ﷺ الصلاة عليه زجرا له ولأمثاله عن
стр. 581
الغلول. كما امتنع عن الصلاة على قاتل نفسه. وعلى المديون وأمرهم بالصلاة عليه أولاً حتى كفله أبو قتادة ﵁ فدل الحديثان على سنية ترك الإمام الأعظم وإمام كل قرية وهو واليها في القضاء الصلاة على قاتل نفسه عمدا. والغال من الغنيمة. قال أحمد ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه.
ولو صلى عليهما الإمام فلا بأس كبقية الناس اختاره ابن عقيل وغيره وذكره في الفروع اتفاقا. وقال الشيخ: وإن تركهما أئمة الدين زجرًا فهو أولى. وإن صلى يرجو رحمة الله ولم يكن في الامتناع مصلحة راجحة فيحسن. وإن امتنع في الظاهر ودعا في الباطن فحسن. وأما من سواهما من سائر العصاة كالسارق والشارب والمقتول قصاصا أو حدًّا ونحو ذلك فيصلى عليهم. كما أن على سائر المسلمين أن يصلوا على موتى المسلمين كما دل عليه الحديثان وغيرهما.
وقال النووي وغيره مذاهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم. ومحدود. ومرجوم. وقاتل نفسه .. وولد الزنا. ونحوهم لقوله "صلوا على من قال لا إله إلا الله" المراد عاملا بمقتضاها. فلو قالها وأشرك لم تنفعه ولم يجز الصلاة عليه.
(وعن عائشة قالت صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد" رواه مسلم) وفي رواية سهيل وأخيه يعني سهلا
стр. 582
وفي رواية: أمرت أن تمر بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه فأنكر الناس ذلك عليها فقالت ما أسرع ما نسي الناس، والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد" قال الحافظ لما أنكرت ذلك سلموا لها. فدل على أنها حفظت ما نسوه. وفي رواية أرسل بعض أزواج النبي ﷺ وذكر نحوه وبنو بيضاء ثلاثة سهل وسهيل وصفوان وأمهم البيضاء وصف لها واسمها دعد وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري.
فدل هذا الحديث على جواز الصلاة عليه في المسجد وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم. وصلى عمر على أبي بكر في المسجد. وصهيب على عمر في المسجد رواهما ابن أبي شيبة وغيره قال الخطابي وغيره ثبت ذلك ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا ذلك وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك. وكرهه أبو حنيفة ومالك.
وقال ابن القيم وغيره لم يكن من هدية ﷺ الراتب الصلاة على الجنائز في المسجد وإنما كان يصلي خارجه وربما صلى عليها فيه ولكن لم يكن من سنته وعادته وكلاهما جائز والأفضل خارجه لأنه الغالب وتقدم في قصة صلاته على النجاشي أنه خرج بهم إلى المصلى وكان هو المعهود في عصره ﷺ . وحديث عائشة ظاهر الدلالة في الجواز إن أمن تلويثه وإلا حرم لتنجيسه.
стр. 583
(ولهما عن أبي هريرة مرفوعًا من شهد الجنازة حتى يصلى عليها) وللبخاري من "شيع" وفي لفظ "من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها" وفي لفظ لمسلم "من خرج مع جنازة من بيتها حتى يصلى عليها (فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) وللبخاري "فإنه يرجع بقيراطين" ولمسلم "ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له قيراط".
فدل على أنه لا يستحق الأجر المذكور إلا من صلى عليها وتبعها حتى تدفن، قال ابن القيم كان مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده وقضاء حق أهله دينار مثلاً فللمصلي عليه قيراط من هذا الدينار والذي يتعارفه الناس من القيراط أنه نصف السدس فإن صلى عليه وتبعه كان له قيراطان منه هما سدسه وعلى هذا فيكون نسبة القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه وكلما كان أعظم كان القيراط منه بحسبه، اهـ. ولا سيما بحسب الإخلاص والمشقة.
ولما كان المتعارف به حقيرًا نبه الشارع على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك لما (قيل) له (وما القيراطان) أي الحاصلان لمن شهد الجنازة حتى يصلى عليها وتبعها حتى تدفن (قال مثل الجبلين العظيمين) ولمسلم "كل قيراط مثل أحد"
стр. 584
وللنسائي "كل واحد منهما أعظم من أحد" ولمسلم "أصغرهما مثل أحد". وعند ابن عدي. من رواية واثلة "كتب له قيراطان من الأجر أخفهما في ميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد".
فبين أن زنة الثواب المترتب على ذلك العمل مثل الجبلين العظيمين. وكثيرًا من يمثل الشارع أمور الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الأفهام وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها. وخص الصلاة عليه والدفن بالذكر لكونهما المقصود بخلاف باقي أحوال الميت فإنها وسائل.
وسأل ابن عمر عائشة هل قال ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقالت صدق أبو هريرة. فقال ابن عمر لقد فرطنا في قراريط كثيرة وكان يصلي عليها ثم ينصرف فلما بلغه جد في اتباعها حتى تدفن. وفيه الترغيب في حضور الميت والصلاة عليه ودفنه. وفيه أيضا الدلالة على عظم فضل الله وتكريمه للميت وإكرامه بجزيل الثواب لمن أحسن إليه بعد موته.
فصل في دفنه
أي في صفة حمل الميت ودفنه والقيام عليه وأحكام القبور ووصول الثواب إلى الميت وغير ذلك ودفن الميت المسلم مشروع بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وفرض كفاية إجماعا. وكذا حملة ومؤونتهما والمراد على علمه كباقي مؤن
стр. 585
التجهيز. وفعلها بر وطاعة وإكرام للميت. ويكره أخذ الأجرة على ذلك ويسقط بفعل كافر وغيره كتكفينه لعدم اعتبار النية اتفاقا.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ وعاء ومعنى الكفت الضم والجمع ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتا في بطنها أي تحوزهم إذ يدفنون فيها.
(وقال: ثم أماته فأقبره) أي جعل له قبرًا يوارى فيه. ولم يجعله ملقى للسباع والطيور. أو أقبره أي ستره الله بحيث يقبر وجعله ذا قبر يدفن وهذه مكرمة لبني آدم على سائر الحيوانات.
(وقال: وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) أي لا تقف عليه ولا تول دفنه. وقال أكثر المفسرين لا تقم على قبره بالدعاء والاستغفار بعد الفراغ من دفنه وذلك أنه كان عادة النبي ﷺ في المسلمين وتقدم أصل القصة. قال شيخ الإسلام لما نهى نبيه ﷺ عن القيام على قبور المنافقين كان دليل الخطاب أن المؤمنين يقام على قبورهم بعد الدفن واستحبه هو وغيره من أهل العلم وفعله علي وغيره ويأتي.
(وقال ابن مسعود: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها) فيضع قائمة السرير اليسرى في المقدمة على كتفه
стр. 586
الأيمن ثم ينتقل إلى المؤخرة ثم يضع قائمته اليمنى المقدمة على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى المؤخرة فتكون البداءة من الجانبين بالرأس والخاتمة من الجانبين بالرجلين وهو مذهب أبي جنيفة والشافعي وأحمد وأصحاب مالك. وقال مالك وهو وما بين العمودين سواء لما فيها من الموافقة لكيفية غسله. قال ابن مسعود ﵁ (فإنه من السنة) وقول الصاحبي من السنة له حكم الرفع (رواه ابن ماجه) وابن أبي شيبة وغيرهما ورواته ثقات. وكره الآجري وغيره الازدحام عليها لمخالفة الإسراع المأمور به.
ويباح أن يحمل كل واحدة على عاتقه بين العمودين وهو الأفضل عند الشافعية لما روي أنه ﷺ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين. وروي عن سعد وابن عمر وأبي هريرة أنهم فعلوا ذلك. وعثمان حمل سريرًا بين العمودين فلم يفارقه حتى وضع. ويبدأ من عند رأسه ثم من عند رجليه لكن المؤخر إن توسط بين العمودين لم ير ما بين قدميه فلا يهتدي إلى المشي فيحمله حينئذ ثلاثة.
ويستحب أن يكون على نعش بعد أن يغسل ويكفن مستلقيا على ظهره إن أمكن وتغطية نعشها بمكبة كالقبة لأنه أستر لها. ويروى أن فاطمة صنع لها ذلك بأمرها. قال ابن عبد البر هي أول من غطي نعشها في الإسلام. ثم زينب بنت جحش ويجعل فوق المكبة ثوب وكذا إن كان بالميت حدب.
стр. 587
وكره تغطيته بغير أبيض ولا بأس بحمله على دابة لغرض صحيح كبعد قبره وسمن مفرط. ويجزئ الحمل على سرير أو لوح أو محمل وأي شيء حمل عليه ولا يحرم حمله على هيئة مزرية كفي قفة وغرارة وزنبيل ومكتل وعلى هيئة يخاف معها سقوطه بل يكره. وفي الفروع يتوجه احتمال يحرم وفاقا للشافعي. ولا بأس بحمله على الأيدي والرقاب كطفل.
(وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال أسرعوا بالجنازة) أي بحملها إلى قبرها والإسراع ضرب من العدو وهو عدو فسيح سريع دون العنق وفوق السعي والجمهور أن المراد بالإسراع ما فوق سجيه المشي المعتاد. قال الموفق وغيره هذا الأمر للاستحباب بلا خلاف بين العلماء وشذ ابن حزم فقال بوجوبه والمراد شدة المشي. ولأبي داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أبي بكرة "لقد رأيتنا ونحن نرمل رملاً مع رسول الله ﷺ " وللبخاري في تاريخه عن محمود "أسرع النبي ﷺ حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ".
وذكر غير واحد من أهل العلم: لا يفرط في الإسراع فتمخض مخضا ويؤذي متبعها. ولأحمد عن أبي موسى أنه ﵊ "مر بجنازة تمخض مخضا فقال عليكم بالقصد في جنائزكم" فيستحب الإسراع بها بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسد بالميت أو مشقة على الحامل
стр. 588
والمتبع. وتراعى المصلحة والحاجة اتفاقا. فإن خيف عليه من الإسراع مشي به الهوينا.
ولا ينبغي الإبطاء في شيء من حالاتها من غسل ووقوف عند القبر. وقال ابن القيم وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب. وأخبر عليه والسلام بالعلة في الإسراع فقال (فَإِنْ تَكُ) أي الجنازة والمراد به الميت (صالحة) ولفظ الترمذي خيرًا أي ذات خير (ف) ـهو (خير تقدمونها إليه) أي فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة.
(وإن تك سوى ذلك) ولفظ الترمذي وغيره وإن تك شرا (فشر تضعونه عن رقابكم متفق عليه) وفي لفظ وإن كان غير ذلك وللطبراني من حديث ابن عمر يقول إذا مات أحدكم فلا تحبسوه. وأسرعوا به إلى قبره قال الحافظ إسناده حسن. وتقدم حديث "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله" وفيها المبادرة بتجهيز الميت ودفنه. وفيه دلالة على أن حمل الجنازة يختص بالرجال للإتيان فيه بضمير الذكور.
(وعن المغيرة أن النبي ﷺ قال الراكب يمشي خلف الجنازة) قال الخطابي لا أعلمهم يختلفون أن يكون خلفها ولأن سيره أمامها يؤذي متبعها وقال النخعي كانوا يكرهونه وكره جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ركوب تابع
стр. 589
الجنازة لغير حاجة لما وراه الترميذي وغيره أنه ﵊ "رأي رجلا راكبا مع جنازة فقال ألا تستحيون ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب".
ولأبي داود عن ثوبان أن رسول الله ﷺ "أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها فلما انصرف أُتي بدابة فركب فقيل له فقال "إن الملائكة تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت" وأما لحاجة فلا يكره وكذلك لا يكره رجوعه راكبا ولو لغير حاجة لما روى جابر أن النبي ﷺ "تبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس" رواه مسلم (والماشي كيف شاء منها رواه الخمسة وصححه الترمذي) قال الموفق وغيره حيث مشى فحسن يمينها أو شمالها أو خلفها أو أمامها. ويؤيده سنية الإسراع وأنهم لا يلزمون مكانا واحدا يمشون فيه لئلا يشق عليهم أو على بعضهم.
وقال البيهقي وغيره الآثار في المشي أمامها أكثر وأصح وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. قال ابن المنذر ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة ورواه الخمسة وغيرهم. وقال الترمذي روي عن بعض الصحابة أنهم يتقدمون الجنازة فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم.
ولا يكره أن يكونوا خلفها. وقال الأوزاعي: إنه الأفضل لأنها متبوعة والقرب من الجنازة أفضل فإن بعد أو تقدم إلى القبر
стр. 590
فلا بأس لكن بحيث أن ينسب إليها. وتقدم حديث "من تبعها وكان معها حتى يفرغ من دفنها فله قيراط". وفي الصحيحين من حديث البراء أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنازة وهو من حقوق الإسلام لقوله للمسلم على المسلم ست وعدَّ منها اتباع جنازته وفي لفظ يشهدها أي يحضرها ليصلي عليه ويدفنه.
واتباعها سنة باتفاق المسلمين. وفي الرعاية فرض كفاية للأمر به وهو حق للميت وأهله. قال الشيخ لو قدر أنه لو انفرد الميت لم يستحق هذا الحق لمزاحم أو لعدم استحقاقه بتعه لأجل أهله إحسانا إليهم لتألف أو مكافأة أو غير ذلك وذكر فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن أُبي وذكر الآجري أنه من القضاء لحق أخيه المسلم.
واتباعها على ثلاثة أضرب أحدها أن يصلي عليها، ثم ينصرف. والثاني أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن. والثالث أن يقف بعد الفن على القبر ويسأل له التثبيت ويدعو له بالمغفرة والرحمة.
(وعن أم عطية نهينا) أي معشر النساء (عن اتباع الجنائز متفق عليه) أي أن نصل إلى القبور وظاهرة التحريم ولأبي يعلى من حديث أنس قال "أتحملنه قلن لا. قال أتدفنه قلن لا. قال فارجعن مأزروات غير مأجورات" ونقل النووي أنه لا خلاف في ذلك ولم يكن يخرجن على عهد النبي ﷺ ولا
стр. 591
على عهد خلفائه. وقولها ولم يعزم علينا ظن منها ﵂ أنه ليس نهي تحريم والحجة في قوله ﷺ لا في ظن غيره.
ويكره أن يتبعها مع منكر إن عجز عن إزالته. وقيل يتبعها وينكره بحسبه وإن قدر وجب الإنكار وتأكد الاتباع لحصول المقصودين. ويكره رفع الصوت معها ولو بقراءة أو تهليل حكاه الشيخ وغيره اتفاق المسلمين لأنه بدعة ولنهي النبي ﷺ أن تتبع الجنازة بصوت أو نار رواه أبو داود. قال ابن المنذر يكرهه كل من نحفظ عنه.
وكان من فعل أهل الكتاب وقد شرط عليهم أن لا يفعلوا ذلك. ونهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من سلفنا الأول فكيف. وقد نهينا عنه وحرمه جماعة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهم وكذا قوله (استغفروا له) ونحوه بدعة. قال ابن عمر وسعيد بن جبير لا غفر الله لك بعد وأجمعوا على النهي على اتباعها بنار إلا لحاجة.
وروى ابن ماجه عن أبي بردة قال. أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال لا تتبعوني بجمر فقالوا له أو سمعت فيه شيئا قال نعم من رسول الله ﷺ . وللترمذي عن أبي هريرة مرفوعا "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا يمشي بين يديها بصوت ولا نار" وله شواهد وذلك لأنه من شعار الجاهلية والنصارى ولما فيه من التفاؤل ومن ثم قالوا يحرم.
стр. 592
(ولهما عن أبي سعيد أنه ﷺ قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا) ولمسلم "إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا" وروي غير ذلك وكلها ترجع لتعظيم أمر الله وتعظيم أمر القائمين به، وللترمذي "فقوموا حتى تخلفكم أو توضع" وفي الصحيح أنه ﷺ قام لجنازة يهودي وجاء عن علي أنه ﷺ "قام ثم قعد".
قال النووي المختار في القيام للجنازة أنه مستحب واختاره الشيخ وغيره وقال أحمد إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس. وقال قوم بالتخيير وبه تتفق الأدلة (فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع) ولأحمد في الأرض وقال البخاري باب من شهد الجنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال وللنسائي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ما راينا رسول الله ﷺ "شهد جنازة قط فجلس حتى توضع" وللبيهقي عن أبي هريرة وابن عمران القائم مثل الحامل في الأجر.
قال النووي وغيره مذهب جمهور أهل العلم استحبابه وقد صحت الأحاديث باستحباب القيام إلى أن توضع، ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي ويحتمل أنه لبيان الجواز أو نسخ قيام القاعد دون استمرار قيام مشيعها كما هو المعروف من مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وإن سبق إلى القبر وشق جلس لما في انتظاره قائما حتى تصل إليه وتوضع من المشقة ولأبي داود وغيره عن البراء خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فانتهينا إلى
стр. 593
القبر ولم يلحد بعد فجلس مستقبلا القبلة وجلسنا معه وتقدم أن بعض الصحابة يتقدمون الجنازة فيجلسون قبل أن تنتهي إليهم.
واستحب الجمهور أن يسجى قبر المرأة لأنها عورة فلا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون ويكره لرجل بلا عذر كمطر ونحوه ولأنه ليس بعورة وكشفه أبعد عن التشبه بالنساء وقال علي ﵁ وقد مر بقوم يدفنون ميتًّا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال إنما يصنع هذا بالنساء رواه سعيد وغيره.
(ولمسلم عن سعد) يعني ابن أبي وقاص ﵁ (قال الحدوا) بوصل الهمزة وفتح الحاء (لي لحدا) وأصل اللحد الميل وسمي لحدا لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسطه وهو هنا الشق تحت الجانب القبلي من القبر يسع الميت، ولولا مزيد فضله ما عانوه وهو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ ولا يختار له إلا الأفضل.
فإنه كان في المدينة رجلان أحدها يلحد والثاني يشق فأرسلوا إليهما وقالوا من جاء عمل عمله لرسول الله ﷺ فجاء الذي يلحد فأمروه أن يلحد للنبي ﷺ ، وللخمسة "اللحد لنا والشق لغيرنا"، وللترمذي وصححه "فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، واتفق الأئمة وغيرهم على أن اللحد أفضل من الشق.
стр. 594
واتفقوا على أن السنة اللحد وأن الشق ليس بسنة. وأجمعوا على أن الدفن في اللحد والشق جائزان. والشق أن يحفر في وسط القبر كالنهر ويبني جانباه فإن كان ثم عذر بأن كانت الأرض رخوة لا يثبت فيها اللحد ولا يمكن رفع انهيارها بنصب لبن ولا حجارة ونحوها شق فيها للحاجة، وإلا كره كإدخاله خشبا وما مسته النار لكراهة السلف لذلك. وكذا دفن في تابوت ولو امرأة إجماعا ويسن أن يوسع ويعمق لقوله في قتلى أحد: "احفروا وأوسعوا وعمقوا" صححه الترمذي قال سعد ﵁ (وانصبوا عليَّ اللبن) بفتح فكسر (نصبا كما فعل برسول الله ﷺ ) وله شواهد. واتفق الصحابة على ذلك ونقلوا عددا اللبن تسعا.
فيسن نصب اللبن عليه نصبا اتفاقا. ويجوز ببلاط وغيره. ويتعاهد خلاله بالمدر ونحوه. ثم يطين فوق ذلك لئلا ينتخل عليه التراب منها لقوله "سدوا خلال اللبن" ثم قال "وليس هذا بشيء ولكن يطيب نفس الحي" رواه أحمد وغيره. ومن مات بسفينة ولم يمكن دفنه في البرية –ولو حبس يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد- ألقي في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه وتثقيله بشيء ليستقرَ في قرار البحر.
وإن مات في بئر أُخرج وجوبا ليغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن وإلا طمت إن لم يحتج إليها. والسنة أن يسل في القبر وكذا في البحر من قبل رجلي القبر لأنه عليه الصلاة والسلام
стр. 595
سل من قبل رأسه رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح. وأدخل عبد الله بن زيد بن الحارث من قبل رجلي القبر وقال هذا من السنة رواه أحمد وغيره.
وله عن أنس أنه كان في جنازة فأمر بالميت فسل من عند رجلي القبر وهو المعروف عن الصحابة والتابعين. قال الشافعي لا يختلفون أنه يسل سلا وإن لم يكن أسهل أدخل من حيث سهل. وقال أبو حنيفة يدخل معترضا وقال مالك هما سواء.
(وعن ابن عمر كان ﷺ إذا وضع الميت في القبر قال بسم الله) أي وضعناك (وعلى ملة رسول الله) ﷺ أي دينه وشريعته. وفي رواية "وعلى سنة رسول الله ﷺ " أي سلمناك: وفي رواية "إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا بسم الله وعلى ملة رسول الله" ﷺ رواه الخمسة و"حسنه الترمذي".
فيستحب هذا الذكر عند وضع الميت في قبره. وإن قرأ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ أو أتى بذكر أو دعاء لائق بالمحل فلا بأس لفعله ﷺ وفعل أصحابه.
ويقدم بدفن رجل من يقدم بغسله لأنه ﵊ تولى دفنه العباس وعلي وأسامة وهم الذين تولوا غسله. ولأنه أقرب إلى ستر أحواله.
ويدفن امرأة محارمها الرجال الأقرب فالأقرب ممن يحل له النظر إليها. قال الزركشي لا نزاع في ذلك والترتيب مستحب.
стр. 596
ثم أجانب لأنه ﷺ أمر أبا طلحة فنزل قبل امرأة وهو أجنبي.
(وعن عبيد بن عمير) بن قتادة بن سعد الليثي وعبيد تابعي مشهور وأبوه عمير له صحبة سكن مكة ولم يرو عنه غير ابنه (قال ﷺ في الكعبة) بعد أن ذكر الكبائر ثم قال "واستحلال البيت الحرام (قبلتكم أحياء وأمواتا، رواه أبو داود) والنسائي.
فأما التوجه إليها في الحياة في الصلاة فبالكتاب والسنة والإجماع. وأما إذا وضع في اللحد فبلا نزاع. وقد دل الحديث وغيره على سنية وضع الميت في لحده متوجها إلى القبلة ويكون على شقه الأيمن. والنبي ﷺ وصاحباه صُنِعَ بهم كذلك بلا نزاع وهو طريق المسلمين. بنقل الخلف عن السلف لا يمتري فيه مسلم. ولأنه يشبه النائم وسنته أن ينام على شقه الأيمن مستقبل القبلة.
وينبغي أن يدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه فيسند وجهه ورجلاه إلى جدار القبر أو يسند أمامه بتراب ومن ورائه لئلا ينقلب ويجعل تحت رأسه لبنة فإن لم توجد فحجر. وتكره المخدة والمضربة اتفاقا. وكذا قطيفة ونحوها وتحل العقد لما تقدم وللاستغناء عنها لأنها إنما تعقد لخوف الانتشار عند حمله ونحوه.
(وعن أبي هريرة أنه ﷺ حثى عليه) أي على قبر الميت
стр. 597
والحثو الأخذ بالكفين معا أو أحدهما (من قبل رأسه ثلاثا رواه ابن ماجه) بسند جيد ونحوه للدارقطني والبيهقي عن عامر بن ربيعة. ولأن مواراته فرض كفاية وبالحثو يكون فيمن شارك فيها. ولأن في ذلك أقوى عبرة واستذكار فاستحب ذلك.
ولأحمد بسند ضعيف أنه ﵊ لما وضع ابنته في القبر قال ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾. وفَيهِا نعيدكم. ومنها نخرجكم تارة أخرى) واستحب بعض أهل العلم أن يقال بذلك عند حثي التراب استئناسا بهذا الخبر. وروي عن علي أنه كان إذا حثى على ميت قال اللهم إيمانا بك وتصديقا برسولك وإيقانا ببعثك "هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله رسوله" ثم يهال التراب على القبر.
(وعن عثمان) بن عفان ﵁ (قال كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه) أي على قبر الميت (وقال استغفروا لأخيكم سلوا له التثبيت) أي عند سؤال الملكين له (فإنه الآن) أي هذا الوقت (يسأل) من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ أو يقال له ما كنت تبعد. فيقول: أعبد الله فيقال له ما هذا الرجل لمحمد ﷺ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله. أو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أو يقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته أو
стр. 598
يقول غير ذلك مما جاء عن النبي ﷺ (رواه أبو داود) وصححه البزار والحاكم وتقدم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ وقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال ابن المنذر وغيره جمهور أهل العلم قالوا بمشروعية الوقوف على قبره والاستغفار له.
وقال الترمذي الوقوف على القبر والسؤال للميت مدد للميت بعد الصلاة عليه. لأن الصلاة بجماعة المسلمين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك يشفعون له والوقوف على القبر وسؤال التثبيت مدد للعسكر وهو ثمرة دعاء العسكر في الصلاة عليه وتلك ساعة شغل الميت لأنه استقبله هول المطلع وسؤال الفتانين كما هو مستفيض عن النبي ﷺ ومجمع عليه.
وقد أجلسته لتسأله فيستحب الوقوف عليه والدعاء له بالتثبيت فهو في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من قريب أو صديق.
(وعن جابر أن النبي ﷺ رُفِعَ قبره) أي رفعه الصحابة ﵃ (عن الأرض قدر شبر رواه الشافعي) محمد بن إدريس القرشي الشافعي الإمام الشهير المتوفى سنة أربع ومائتين. ورواه ابن حبان في صحيحه وأبو بكر الساجي وغيرهم.
ولأبي داود وغيره بإسناد صحيح عن القاسم. قلت
لعائشة اشكفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه رضي الله
стр. 599
عنهما فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
فدلت هذه الأخبار مع ما يأتي من النهي عن رفع القبور والزيادة على ترابها أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر واستحبه أهل العلم ليعرف فيزار ويحترم. وما يأتي من الأمر بتسويتها محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء. قال ابن القيم وهذه الآثار لا تضاد بينها. والأمر بتسوية القبور إنما هو تسويتها بالأرض وأن لا ترفع مشرفة عالية. وهذا لا يناقض تسنيمها يسيرا في الأرض ولا يزاد على الشبر. فإن الزيادة على المشروع محرم.
وينبغي أن يسنم لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما. وعن الحسن مثله وهو مذهب الجماهير أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم إلا ما ذهب إليه بعض الشافعية من التسطيح وينبغي وضع حصباء عليه لفعل الصحابة بقبره ﷺ . وللبزار أنه ﷺ أمر به أن يجعل على قبر عثمان بن مظعون. وللشافعي أنه وضع على قبر ابنه. ولابن ماجه أنه فعل بقبر سعد ولأنه أثبت له وأبعد لدروسه وأمنع لترابه من أن تذهب به الرياح واستمر عمل المسلمين عليه.
وينبغي رشه بماء لما روى الشافعي وغيره أنه ﵊ رش على قبر ابنه إبراهيم ماء ولا بأس بتعليمه بحجر
стр. 600
ونحوه لما رواه أبو داود وغيره أنه وضع حجرا عند رأس عثمان وقال: "أعلم به قبر أخي أدفن إليه من مات من أهلي" وليعرفه به إذا زاره.
(وعنه) أي عن جابر ﵁ قال (نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر) أي يبيض بالجص أو بالجير وهو من البدع المحدثة ومن الوسائل المفضية إلى الشرك. وكذا تخليقه يعني طليه بالطيب وتزويقه. وتبخيره ووضع الستائر عليه. وأما تقبيله والتمسح به وكتابة الرقاع عليه ودسها في الأنقاب والاستشفاء به والطواف به والتبرك به والعكوف عنده وسؤاله النفع والضر فمن البدع المحدثة. ومن الشرك بالله. بل عبادة القبور أول شرك حدث على وجه الأرض.
(و) نهى (أن يقعد عليه) وللترمذي وصححه "نهى أن تجصص وأن يكتب عليها وأن توطأ لما فيه من الاستخفاف. ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" وله عن أبي مرثد "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" قال الخطابي وغيره ثبت أنه نهى أن توطأ القبور وكذا يكره الاتكاء عليها عند الجمهور لما روى أحمد أنه ﵊ رأى عمرو بن حزم متكئا على قبر فقال: "لا تؤذه" وأفظع منه التخلي عليها وبينها. ولا نزاع في تحريمه إذ هو بيت المسلم فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق. وكلما
следующие страницы →