← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ثم أجانب لأنه ﷺ أمر أبا طلحة فنزل قبل امرأة وهو أجنبي. (وعن عبيد بن عمير) بن قتادة بن سعد الليثي وعبيد تابعي مشهور وأبوه عمير له صحبة سكن مكة ولم يرو عنه غير ابنه (قال ﷺ في الكعبة) بعد أن ذكر الكبائر ثم قال "واستحلال البيت الحرام (قبلتكم أحياء وأمواتا، رواه أبو داود) والنسائي. فأما التوجه إليها في الحياة في الصلاة فبالكتاب والسنة والإجماع. وأما إذا وضع في اللحد فبلا نزاع. وقد دل الحديث وغيره على سنية وضع الميت في لحده متوجها إلى القبلة ويكون على شقه الأيمن. والنبي ﷺ وصاحباه صُنِعَ بهم كذلك بلا نزاع وهو طريق المسلمين. بنقل الخلف عن السلف لا يمتري فيه مسلم. ولأنه يشبه النائم وسنته أن ينام على شقه الأيمن مستقبل القبلة. وينبغي أن يدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه فيسند وجهه ورجلاه إلى جدار القبر أو يسند أمامه بتراب ومن ورائه لئلا ينقلب ويجعل تحت رأسه لبنة فإن لم توجد فحجر. وتكره المخدة والمضربة اتفاقا. وكذا قطيفة ونحوها وتحل العقد لما تقدم وللاستغناء عنها لأنها إنما تعقد لخوف الانتشار عند حمله ونحوه. (وعن أبي هريرة أنه ﷺ حثى عليه) أي على قبر الميت

стр. 597

والحثو الأخذ بالكفين معا أو أحدهما (من قبل رأسه ثلاثا رواه ابن ماجه) بسند جيد ونحوه للدارقطني والبيهقي عن عامر بن ربيعة. ولأن مواراته فرض كفاية وبالحثو يكون فيمن شارك فيها. ولأن في ذلك أقوى عبرة واستذكار فاستحب ذلك. ولأحمد بسند ضعيف أنه ﵊ لما وضع ابنته في القبر قال ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾. وفَيهِا نعيدكم. ومنها نخرجكم تارة أخرى) واستحب بعض أهل العلم أن يقال بذلك عند حثي التراب استئناسا بهذا الخبر. وروي عن علي أنه كان إذا حثى على ميت قال اللهم إيمانا بك وتصديقا برسولك وإيقانا ببعثك "هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله رسوله" ثم يهال التراب على القبر. (وعن عثمان) بن عفان ﵁ (قال كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه) أي على قبر الميت (وقال استغفروا لأخيكم سلوا له التثبيت) أي عند سؤال الملكين له (فإنه الآن) أي هذا الوقت (يسأل) من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ أو يقال له ما كنت تبعد. فيقول: أعبد الله فيقال له ما هذا الرجل لمحمد ﷺ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله. أو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أو يقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته أو

стр. 598

يقول غير ذلك مما جاء عن النبي ﷺ (رواه أبو داود) وصححه البزار والحاكم وتقدم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ وقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقال ابن المنذر وغيره جمهور أهل العلم قالوا بمشروعية الوقوف على قبره والاستغفار له. وقال الترمذي الوقوف على القبر والسؤال للميت مدد للميت بعد الصلاة عليه. لأن الصلاة بجماعة المسلمين كالعسكر له قد اجتمعوا بباب الملك يشفعون له والوقوف على القبر وسؤال التثبيت مدد للعسكر وهو ثمرة دعاء العسكر في الصلاة عليه وتلك ساعة شغل الميت لأنه استقبله هول المطلع وسؤال الفتانين كما هو مستفيض عن النبي ﷺ ومجمع عليه. وقد أجلسته لتسأله فيستحب الوقوف عليه والدعاء له بالتثبيت فهو في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من قريب أو صديق. (وعن جابر أن النبي ﷺ رُفِعَ قبره) أي رفعه الصحابة ﵃ (عن الأرض قدر شبر رواه الشافعي) محمد بن إدريس القرشي الشافعي الإمام الشهير المتوفى سنة أربع ومائتين. ورواه ابن حبان في صحيحه وأبو بكر الساجي وغيرهم. ولأبي داود وغيره بإسناد صحيح عن القاسم. قلت لعائشة اشكفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه رضي الله

стр. 599

عنهما فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. فدلت هذه الأخبار مع ما يأتي من النهي عن رفع القبور والزيادة على ترابها أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر واستحبه أهل العلم ليعرف فيزار ويحترم. وما يأتي من الأمر بتسويتها محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء. قال ابن القيم وهذه الآثار لا تضاد بينها. والأمر بتسوية القبور إنما هو تسويتها بالأرض وأن لا ترفع مشرفة عالية. وهذا لا يناقض تسنيمها يسيرا في الأرض ولا يزاد على الشبر. فإن الزيادة على المشروع محرم. وينبغي أن يسنم لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما. وعن الحسن مثله وهو مذهب الجماهير أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم إلا ما ذهب إليه بعض الشافعية من التسطيح وينبغي وضع حصباء عليه لفعل الصحابة بقبره ﷺ . وللبزار أنه ﷺ أمر به أن يجعل على قبر عثمان بن مظعون. وللشافعي أنه وضع على قبر ابنه. ولابن ماجه أنه فعل بقبر سعد ولأنه أثبت له وأبعد لدروسه وأمنع لترابه من أن تذهب به الرياح واستمر عمل المسلمين عليه. وينبغي رشه بماء لما روى الشافعي وغيره أنه ﵊ رش على قبر ابنه إبراهيم ماء ولا بأس بتعليمه بحجر

стр. 600

ونحوه لما رواه أبو داود وغيره أنه وضع حجرا عند رأس عثمان وقال: "أعلم به قبر أخي أدفن إليه من مات من أهلي" وليعرفه به إذا زاره. (وعنه) أي عن جابر ﵁ قال (نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر) أي يبيض بالجص أو بالجير وهو من البدع المحدثة ومن الوسائل المفضية إلى الشرك. وكذا تخليقه يعني طليه بالطيب وتزويقه. وتبخيره ووضع الستائر عليه. وأما تقبيله والتمسح به وكتابة الرقاع عليه ودسها في الأنقاب والاستشفاء به والطواف به والتبرك به والعكوف عنده وسؤاله النفع والضر فمن البدع المحدثة. ومن الشرك بالله. بل عبادة القبور أول شرك حدث على وجه الأرض. (و) نهى (أن يقعد عليه) وللترمذي وصححه "نهى أن تجصص وأن يكتب عليها وأن توطأ لما فيه من الاستخفاف. ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر" وله عن أبي مرثد "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" قال الخطابي وغيره ثبت أنه نهى أن توطأ القبور وكذا يكره الاتكاء عليها عند الجمهور لما روى أحمد أنه ﵊ رأى عمرو بن حزم متكئا على قبر فقال: "لا تؤذه" وأفظع منه التخلي عليها وبينها. ولا نزاع في تحريمه إذ هو بيت المسلم فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق. وكلما

стр. 601

كان الميت أفضل كان حقه أوكد. ويكره المشي في المقبرة بالنعل لقوله ﷺ : "ألق سبتيتيك" لئلا يطأ بها فوق رءوسهم إلا خوف نجاسة أو شوك ونحوهما مما يتأذى به. وذكر ابن القيم أن إكرامها عن وطئها بالنعال واحترامها من محاسن الشريعة. وقال من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر والاتكاء عليه والوطء عليه علم أن النهي إنما كان احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رءوسهم. وأخبر أن الجلوس على الجمر حتى تخرق الثياب خير من الجلوس على القبر. ومعلوم أن هذا أحق من المشي بين القبور بالنعال. والقبور هي دار الموتى ومنازلهم ومحل تزاورهم وعليها تنزل الرحمة من ربهم. فهي منازل المرحومين ومهبط الرحمة ويلقى بعضهم بعضا على أفنية قبورهم يتجالسون ويتزاورون كما تظافرت به الآثار، اهـ. قال مالك بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت. قال الشيخ: ولهذا روي أنها على أفنية القبور وأنها في الجنة والجميع حق اهـ. ولا يجاورون بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة فإن لها من الحرمة ما جاءت به السنة. (وأن يبنى عليه رواه مسلم) وأبو داود والترمذي وغيرهم وصححه وللنسائي "نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه" وظاهره تحريم الكتابة عليه. ولمسلم

стр. 602

عن علي مرفوعا "لا تدعن صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته" والمشرف ما رفع كثيرا عن المأذون فيه. وأمر فضالة بقبر فسوي وقال سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها رواه مسلم. والنهي عن البناء على القبور مستفيض عن النبي ﷺ من غير وجهه وأمر ﵊ بهدمه. وقال الشافعي رأيت العلماء بمكة يأمرون بهدم ما يبنى عليها. والبناء عليها من وسائل وذرائع وعلامات الكفر وشعائره والمنع من ذلك كله قطع لتلك الذرائع المفضية إلى الشرك. والله جل ذكره بعث محمدا ﷺ بهدم الأوثان. ولو كانت على قبر رجل صالح. لأن اللات رجل صالح فلما مات عكفوا على قبره وبنوا عليه بنية وعظموها. قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ يعني التي كنتم تعبدونها هل نفعت أو ضرت؟ فلما أسلم أهل الطائف أمر ﷺ بهدمها فهدمت. وفيه وفي غيره أوضح دليل على أنه لا يجوز إبقاء شيء من هذه القبب التي بنيت على القبور واتخذت أوثانا ولا لحظة واحدة. وإذا كانت تعبد فهي أوثان كاللات والعزى ومناة بلا نزاع وقال ﵊ "لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقال "لا تجعلوا قبري عيدا" بل تعظيم القبور بالبناء ونحوه هو أصل شرك العالم الذي أرسلت الرسل وأنزلت الكتب بالنهي عنه والوعيد على فاعله بالخلود في النار.

стр. 603

ويحرم إسراجها واتخاذ المساجد عليها. قال شيخ الإسلام: يتعين إزالتها لا أعلم فيه خلافا بين العلماء سواء كانت قبور أنبياء أو غيرها لما في السنن وغيرها "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وفي الصحيحين "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ولهما أيضا "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" والنهي عنه مستفيض عن النبي ﷺ . قال ابن القيم: لو وضع المسجد والقبر معا لم يجز. ولم يصح الوقف ولا الصلاة "وعن هشام" بن عامر الأنصاري استشهد في غزوة كابل بعد أن أبلى فيها "أن رسول الله ﷺ قال في قتلى أحد احفروا وأوسعوا" وتقدم الندب في توسيعه "وأحسنوا" وفيه الأمر بتحسين القبر "وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" وذلك أنه شكي إلى رسول الله ﷺ كثرة الجراحات "رواه الأربعة وصححه الترمذي" وفي لفظ قالوا: الحفر علينا لكل إنسان شديد فقال "ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" وفي الصحيح عن جابر "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فيقدمه في اللحد" فيجوز دفن اثنين وثلاثة للضرورة عند الجمهور أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وروى عبد الرزاق عن واثلة أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه. وكان يجعل

стр. 604

بينهما حائلا من تراب ليصير كل واحد كأنه في قبر منفرد ولا سيما إن كانا أجنبيين. وإذا دفن اثنين فأكثر في قبر واحد فإن شاء سوى بين رءوسهم وإن شاء حفر قبرا طويلا وجعل رأس كل واحد عند رجلي الآخر أو وسطه كالدرج ويجعل رأس المفضول عند رجلي الفاضل. ويكره دفن اثنين فأكثر معا من غير ضرورة وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد اختارها الشيخ وغيره. وكذا دفن واحد بعد واحد قبل بلاء السابق لأنه ﷺ كان يدفن كل ميت في قبر. وعلى هذا استمر فعل الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف. وإذا وجد عظام ميت دفنها في محلها. ولا يدفن آخر عليه بل يحرم نبش قبر ميت باق لذلك. ومتى ظن أنه بلي جاز ومتى كان رميما جازت الزراعة والحرث وغير ذلك ما لم يخالف شرط واقف إجماعا وإلا فلا. وفي المدخل اتفق العلماء على أن الموضع الذي دفن فيه المسلم وقف عليه ما دام منه شيء ما موجودا فيه حتى يفنى فإذا فني حينئذ يدفن غيره فيه فإن بقي شيء ما من عظامه فالحرمة باقية كجميعه والعظام تبقى مدة طويلة ولا تأثير لتمزق اللحوم. ولا يجوز أن يحفر عليه ولا يدفن معه غيره ولا يكشف عنه اتفاقا قال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾

стр. 605

فالستر في الحياة ستر العورات. وفي الممات ستر جيف الأجساد وتغير أحوالها. فالبنيان في القبور ونحو ذلك سبب لخرق هذا الإجماع وانتهاك حرمة موتى المسلمين في حفرهم قبورهم والكشف عنهم، اهـ. ومن نبش القبور التي لم تبل أربابها وأدخل أجانب عليهم فهو من المنكر الظاهر وليس من الضرورة المبيحة لجمع ميتين فأكثر في قبر. وكره الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها وقيامها. وتقدم الحديث في ذلك ويجوز ليلا ذكره النووي وغيره قول جماهير العلماء لأنه ﷺ لم ينكر عليهم إلا أنه كفن في ثوب غير طائل ولم يعلموه به. ودفنوا أبا بكر ليلا. وفاطمة. وكان ذلك كالإجماع على الجواز. وذكر الوزير اتفاقهم على كراهته ليلا. ونهارا أولى إجماعا لحضور كثرة المصلين وتحسين الكفن وغير ذلك وللأحاديث الصحيحة. والخروج من الخلاف. وقال ابن القيم الذي ينبغي أن يقال إنه متى كان الدفن ليلا لا يفوت به شيء من حقوق الميت والصلاة عليه فلا بأس به. وعليه تدل أحاديث الجواز وإن كان يفوت بذلك حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام عليه نهي عن ذلك. وعليه يدل الزجر. اهـ. ودفن في صحراء أفضل من الدفن بعمران. لأنه ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع واستمر عمل المسلمين على ذلك في سائر

стр. 606

الأمصار سوى قبر النبي ﷺ فإنه قبر ببيته. وقالت عائشة خشي أن يتخذ قبره مسجدا رواه البخاري وغيره. ولما روي "تدفن الأنبياء حيث يموتون" وقال أبو بكر سمعته يقول "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه". ورأى أصحابه تخصيصه بذلك. واختار صاحباه الدفن عنده تشرفا به ﷺ . وجاءت أخبار تدل على دفنهم كما وقع ويستحب قريبا من الشهداء والصالحين لينتفع بمجاورتهم ولأنه أقرب إلى الرحمة. قال الشيخ إنه يخفف العذاب عن الميت بمجاورة الرجل الصالح كما جاءت بذلك الآثار المعروفة ولتناله بركتهم. ويستحب جمع الأقارب في بقعة لتسهل زيارتهم ولأنه أبعد لاندراس قبورهم. وتقدم قوله في قبر عثمان "لأدفن إليه من مات من أهلي". وكذا في البقاع الشريفة فقد سأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة متفق عليه. وسأل عمر الشهادة في سبيل الله والموت في بلد الرسول ﷺ . ولا بأس بتحويل الميت ونقله إلى مكان آخر لغرض صحيح كبقعة شريفة ومجاورة صالح مع أمن التغير لفعل الصحابة وغيرهم إلا القتلى في سبيل الله فلا يحولون لحديث ادفنوا القتلى في مصارعهم. وتدفن ذمية حامل من مسلم وحدها إن أمكن. قال الشيخ لا تدفن في مقابر المسلمين ولا في مقابر النصارى. لأنه اجتمع مسلم وكافر فلا يدفن الكافر مع المسلم. ولا المسلم مع الكافر. بل تدفن منفردة لأنها إذا

стр. 607

دفنت في مقبرة المسلمين تأذوا بعذابها. وإذا دفنت في مقبرة النصارى تأذى الولد بعذابهم. وتأذيه بعذابها ضرورة وهو أخف من عذاب المجموع. فإن لم يمكن دفنها وحدها فمعنا على جنبها الأيسر وظهرها إلى القبلة ليكون الجنين على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة وهو مسلم بإسلام أبيه. وإن كانت أمه كافرة باتفاق المسلمين، وقال: لابد أن تكون مقابر المشركين متميزة عن مقابر المسلمين تميزًا ظاهرًا بحيث لا يختلطون بهم ولا يشبه المسلمين بقبور الكفار وهو أكبر من التميز بينهم حال الحياة فإن في مقابر المسلمين الرحمة وفي مقابر الكافرين العذاب. (وعن عائشة) ﵂ (أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أمي لو تكلمت تصدقت) وذلك أنها افتلتت نفسها فلم توص بشيء من أعمال البر (فهل لها أجر إن تصدقت لها؟ قال: نعم متفق عليه) وللبخاري عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله ﷺ إن أمي توفيت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: (نعم) قال فإن لي مخرفا أي حديقة من نخل وعنب أو غيرهما فإن أشهدك أني قد تصدقت بها عنها. ولأحمد عن سعد بن عبادة أن أمه ماتت فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال"نعم قلت فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء" قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة وله من

стр. 608

حديث عمرو بن العاص إن أباه نذر أن ينحر مائة بدنة فقال له النبي ﷺ "لو أقر أبوك بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه نفعه ذلك" قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه. وقال ابن القيم: من صلى أو صام أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة. وقال شيخ الإسلام اتفق أئمة الإسلام على انتفاع أهل الميت بالدعاء له وما يعمل عنه من البر وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام. وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فمن خالف ذلك كان من أهل البدع. وذكر استغفار الملائكة والرسل والمسلمين للمؤمنين. وما تواتر من الصلاة على الميت والدعاء له. وما صح عن النبي ﷺ فيمن توفيت أمه وقال أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال "نعم" وغير ذلك وذكر اتفاقهم على وصول الصدقة ونحوها وتنازعهم في العبادات البدنية كالصلاة والصوم والحج والقراءة. وذكر ما في الصحيحين من حديث عائشة "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". وعن ابن عباس وفيه "فصومي عن أمك" وحديث عمر وإذا صاموا عن المسلم نفعه وما ورد في الحج وغير ذلك. ثم قال. فهذا الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع علم مفصل مبين. ثم قال ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة

стр. 609

الصريحة من بلغته وإنما خالفها من لم تبلغه ولا ينافي قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ولا قوله "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" إلخ لأن ذلك ليس من عمله والله تعالى يثيب هذا الساعي وهذا العامل على سعيه وعمله يرحم هذا الميت بسعي هذا الحي وعمله بسعي غيره وليس من عمله. ثم ذكر أن أفضل العبادات ما وافق هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه وقول ابن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب رسول الله ﷺ . وأن الذي كان معروفا بين المسلمين في القرون المفضلة أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها ويدعون للؤمنينن والمؤمنات كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم في قيام الليل وغيره. وفي صلاتهم على الجنائز وعند زيارة القبور وغير ذلك من مواطن الإجابة. ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا وصاموا تطوعا وحجوا أو قرءوا القرآن يهدون ذلك لموتاهم المسلمين. بل كان من عادتهم الدعاء كما تقدم فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف إنه أفضل وأكمل. ولم ير هو وغيره من أهل التحقيق الإهداء للنبي ﷺ . وقال: فإن له كأجر العامل فلم يحتج إلى أن يهدى إليه ثواب صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد. ورآه هو وبعض الفقهاء بدعة. ولم يكن الصحابة يفعلونه وفي الاختيارات لا يستحب اهداء القرب للنبي ﷺ بل هو بدعة

стр. 610

هذا هو الصوات المقطوع به، اهـ. ومن البدع المحدثة القراءة علىلقبر والآثار في النهي عن العكوف على القبر واعتياده متظاهرة. وكان أحمد وغيره من السلف ينكر القراءة على القبر وكرهها أبو حنيفة ومالك بل عامة السلف أنكروها وشددوا فيها. قال شيخ الإسلام نقل الجماعة كراهتها وهو قول جمهور السلف وعليه قدماء الأصحاب. وعن أحمد بدعة وهو مذهب الشافعي لأنه ليس من فعله ﷺ ولا من فعل أصحابه فعلم أنه محدث. وسأله عبد الله يحمل مصحفا إلى القبر فيقرأ عليه قال: بدعة. قال الشيخ ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين أن القراءة عند القبر أفضل. ولا رخص في اتخاذها عنده أحد منهم كاعتياد القراءة عنده في وقت معلوم. أو الذكر أو الصيام. وقال: واتخاذ المصاحف عندها ولو للقراءة فيها بدعة. ولو نفع الميت لفعله السلف ولا أجر للميت بالقراءة عنده. ومن قال إنه ينتفع بسماعها دون ما إذا بعد القارئ فقوله باطل مخالف للإجماع. ولا ريب أن القراءة على القبر عكوف كما يعتاد عباد القبور العكوف عندها بأنواع القرب. وهذا العكوف يضاهي العكوف في المساجد بالطاعات. (وعن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب عم النبي ﷺ وعبد الله هو أول من ولد بالحبشة من المسلمين وتوفي سنة سبع

стр. 611

وثمانين وله تسعون (أن النبي ﷺ قال: اصنعوا لآل جعفر) أي أهله الذين كانوا في نفقته أو الذي يأوون معه في بيته ويتولون أمره. والأول هو المعروف في اللغة أي اعملوا لهم "طعاما" ليشبعهم يومهم وليلتهم. (فقد أتاهم) أي دهمهم من المصيبة بموت جعفر ﵁ (ما يشغلهم) عن أنفسهم بفتح الياء والغين. قال الزبير فعمدت سلمى مولاة الرسول ﷺ إلى شعير فطحنته وأدمته بزيت جعل عليه وبعث به إليهم (رواه الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي) وصححه ابن السكن فدل على مشروعية القيام بمؤنة أهل الميت مما يحتاجون إليه من الطعام لاشتغالهم عن أنفسهم وهو مذهب الشافعي وأحمد. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال. فما زالت تلك السنة فينا حتى تركها من تركها يعني من أمره ﵊ بصنع الطعام لآل جعفر. وكان قتل ﵁ في جمادى سنة ثمان من الهجرة في غزوة مؤتة موضع معروف بالشام عند الكرك اقتحم عن فرسه فعقرها. وكان أول من عقر في الإسلام ثم قاتل حتى قتل ﵁ وأرضاه. ووجد فيما أقبل من جسده بضعا وتسعين ما بين طعنة ورمية. وسمي ذا الجناحين لأنه قاتل حتى قطعت يداه. قالت عائشة لما جاءت وفاته رئي في وجه رسول الله ﷺ الحزن. وهو أحد السابقين الأولين شقيق علي

стр. 612

ولد قبله بعشر سنين. قال أبو هريرة إنه أفضل الناس بعد النبي ﷺ وفي الصحيح أنه قال له أشبهت خلقي وخلقي. ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام يشبعهم. ويقصد بالطعام أهل الميت لا من يجتمع إليهم. قال شيخ الإسلام لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدي وكان على سبيل المعاوضة مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله. فإن علم الرجل أنه ليس بمباح لم يأكل منه وإن اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه إذا كان فيه مصلحة راجحة مثل تأليف القلوب ونحو ذلك، اهـ. ويكره لأهل الميت فعل الطعام للناس لما روى أحمد عن جرير قال. كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة وإسناده ثقات. قال أحمد هو من فعل أهل الجاهلية ولأنه معونة على مكروه. وهو اجتماع الناس عند أهل الميت. بل هو بدعة وخلاف السنة لأنهم مأمورون أن يصنعوا لأهل الميت طعاما فخالفوا الأمر وكلفوهم صنع الطعام لغيرهم. وقد علل ﷺ بما هم فيه من الشغل بمصابهم. قال الموفق وغيره إلا من حاجة كأن يجيء من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة ويبيت عندهم فلا يمكن إلا أن يطعموه، اهـ. وأما جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم ليقرءوا ويهدوا له. فقال شيخ الإسلام ليس معروفا عند السلف. وقد كرهه

стр. 613

طوائف من العلماء من غير وجه وقرب دفنه منهي عنه وعده السلف من النياحة. وذكر خبر جرير وهذا في المحتسب فكيف بمن يقرأ بالكراء. قال وأكثر من يقرأ ويهدي للميت بدعة لم يفعلها السلف ولا استحبها الأئمة والفقهاء تنازعوا في جواز الاكتراء على تعليمه فأما اكتراء من يقرأ ويهدي فما علمت أحدا ذكره ولا ثواب له فلا شيء للميت. قاله العلماء ولا تنفذ وصية بذلك. وقال الطرطوشي: فأما المآثم فممنوعة بإجماع العلماء. والمأتم هو الاجتماع على المصيبة وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء. وكذلك ما بعده من الاجتماع في اليوم الثاني والثالث والرابع والسابع والشهر والسنة فهو طامة. وإن كان من التركة وفي الورثة محجور عليه أو من لم يأذن حرم فعله وحرم الأكل منه. ويحرم الذبح عند القبور والأكل منه. قال شيخ الإسلام: يحرم الذبح والتضحية عند القبر ولو نذره. ولو شرطه واقف فشرطه باطل لحديث أنس "لا عقر في الإسلام" رواه أحمد بسند صحيح وكان من فعل أهل الجاهلية إذا مات فيهم الميت عقروا عند قبره شاة أو بعيرا ويقولون إنه كان يعقر للأضياف أيام حياته فيكافئونه بمثل صنيعه بعد وفاته أو ليكون مطعما في حياته وبعد وفاته. وفي معنى الذبح عند القبر الصدقة عنده. وقال الشيخ

стр. 614

إخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة. وهو يشبه الذبح عند القبر ولا يشرع شيء من العبادات عند القبور الصدقة وغيرها. وأنكر أن يوضع الطعام أو الشراب عند القبر ليأخذه الناس. فصل في زيارة القبور أي في بيان أحكام زيارة القبور وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع وأما الزيارة البدعية فمحرمة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة ويأتي الفرق بينهما. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فزيارة الميت المشروعة بالدعاء والاستغفار هي من هذا القيام المشروع وفيها دليل على أن زيارة قبور المسلمين أمر متقرر عند المسلمين وأن الدعاء لهم والاستغفار من أكبر القربات وأفضل الطاعات ورتب الشارع عليها الجزاء الجزيل. (وعن بريدة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور) وذلك أنهم كانوا حدثاء عهد بعبادة القبور والتعلق بها فلما استقر عندهم التوحيد وصاروا هم يعيبون زيارتها أذن لهم فيها ولعل ما روي عن ابن سيرين والنخعي والشعبي من كراهة زيارة القبور: عدم اطلاعهم على نسخ النهي والأمر بالزيارة وهو قوله ﷺ : (فزوروها رواه مسلم) وغيره من أهل السنن والمساند.

стр. 615

ولهم عن أبي هريرة أنه ﷺ "زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي. واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" وتقدم الأمر بالإكثار من ذكر الموت وحكى النووي والحازمي وغيرهما إجماع أهل العلم على أن زيارة القبور سنة وهو ما استقر عليه الأمر بعد. وذهب ابن حزم إلى وجوب الزيارة ولو مرة لورود الأمر به وهو مستفيض من طرق كثيرة وتباح زيارة قبر الكافر للاعتبار لفعله ﷺ . (زاد ابن ماجه عن ابن مسعود فإنها تذكرة الآخرة) وصححه الترمذي من حديث بريدة (وتزهد في الدنيا) وسنده صححي وله نحوه عن عائشة. ولأحمد نحوه من حديث أبي سعيد وعلي وكلها دالة على تأكد سنية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها. وفي حديث ابن مسعود. فإنها عبرة وذكر للآخرة وتزهيد في الدنيا. ومن لم يتعظ بالموتى فلا تنفعه موعظة. والحاصل أن المقصود من زيارة القبور الاعتبار والنفع المزور والزائر بالدعاء فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار بحاله كيف تقطعت أوصاله وتفرقت أجزاؤه وكيف يبعث من قبره وأنه عما قريب يلحق به. وقال القرطبي ينبغي أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ويتعظ بأهلها وأحوالهم ويعتبر بهم وما صاروا إليه. (وعن بريدة كان رسول الله ﷺ يعلمهم) أي يعلم

стр. 616

أصحابه ﵃ (إذا خرجوا إلى المقابر) أن يقولوا (السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين) وله من حديث أبي هريرة أنه أتى المقبرة فقال "السلام علكيم دار قوم مؤمنين" ونحوه لأحمد وغيره من حديث عائشة وغيرها بلفظ "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" والمراد قبور المسلمين بقوله الزائر لهم أو المار بهم. (وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) والاستثناء للتبرك في قول أكثر أهل العلم وصححه النووي وامتثالا لقوله (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله). وذكر البغوي وغيره أنه راجع للحوق لا الموت أو إلى البقاع والموت واقع لا محالة (نسأل الله لنا ولكن العافية) من كل مكروه (رواه مسلم) وله نحوه من حديث عائشة وفيه ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. (زاد أحمد عن عائشة اللهم لا تحرمنا أجرهم) أي لا تمنعنا من أجرهم (ولا تفتنا بعدهم) أي لا تضلنا بعدهم وفتنة أضله (واغفر لنا ولهم) وللترمذي من حديث ابن عباس قال "مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر" وكان بعض السلف إذا وقف على المقابر يقول آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل حسناتكم.

стр. 617

والأدعية الواردة في الدعاء للميت المسلم عند زيارته مستفيضة وكان ابن عمر يقول إذا دخل المسجد. السلام عليك يا رسول الله. السلام عليك يا أبا بكر. السلام عليكم يا أبت. قال الشيخ وهكذا كان الصحابة يسلمون عليه. ويسلمون عليه مستقبلي الحجرة مستدبري القبلة عند الأئمة وغيرهم. واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرة ولا يقبلها ولا يطوف بها ولا يصلي إليها ولا يدعو مستقبلها فإن هذا منهي عنه باتفاق الأئمة. ويستقبل الزائر وجه والده وغيره قريبا منه كزيارته في حياته ويقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته اللهم اغفر له وارحمه والمزور يسمع كلام الزائر لمفهومها ولما في الصحيحين وغيرهما قال: "إنه ليسمع خفق نعالهم" وقال في قتلى بدر "ما أنت بأسمع لما أقول منهم" وقال إنهم يسمعون الآن وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن الميت يسمع في الجملة. وقال الشيخ وابن كثير وغيرهما سماع الموتى هو الصحيح من كلام أهل العلم ولم يكن ليأمر بالسلام علىمن لا يسمع ولا يجب أن يكون السمع له دائما. بل قد يسمع بحال دون حال كما يعرض للحي. وهذا السمع سمع إدراك لا يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي في القرآن وإن سمع فلا يمكنه إجابة الداعي ولا ينتفع بالأمر والنهي. وقال ابن القيم الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى

стр. 618

جاء علم به المزور وسمع سلامه وأنس به ورد عليه وذلك عام في حق الشهداء وغيرهم ولا توقيت في ذلك. وقال الشيخ استفاضت الآثار بمعرفة الميت بأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وإن ذلك يعرض عليه. وجاءت الآثار بأنه يرى ويدري بما فعل عنده ويسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا. وجاءت بتلاقيهم وتسائلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات فيجتمعون إذا شاء الله كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم. وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل والأسفل لا يصعد إلى الأعلى. وللروح اتصال بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم كما تظاهرت به الآثار. (وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لا تشد الرحال) جمع رحل وشدها كناية عن السفر ولمسلم "إنما يسافر" وكنى بشد الرحال لأنه لازمه وخرج ذكرها مخرج الغالب وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والحمير وغيرها والمشي إلى موضع فاضل والمراد النهي عن السفر. قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلى موضع يتعبد فيه وسدا لذريعة الشرك بالقبور. (إلا إلى ثلاثة مساجد) أي إلا هذه البقاع لاختصاصها

стр. 619

بما اختصت به. قال القاضي عياض والجويني وغيرهما يحرم شد الرحل لغيرها كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة للتعبد. وأما لزيارة صديق أو قريب أو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي. وكان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها. فسد النبي ﷺ الذرائع المفضية إلى الشرك ولئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر ولئلا يصير ذريعة إلى عبادة قبره ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها وبدأ بـ (المسجد الحرام) أي المحرم ككتاب بمعنى مكتوب والمراد جميع الحرم أو المسجد ورجح عطاء وغيره الحرم كله لأنه كله مسجد (ومسجدي هذا) وفي لفظ "ومسجد الرسول ﷺ " ولعله من تصرف الرواة (والمسجد الأقصى) أي بيت المقدس سمي الأقصى لبعده في المسافة عن مكة. وخص الثلاثة لأن الأول إليه الحج والقبلة. والثاني أسس على التقوى. والثالث قبلة بعض الأمم الخالية. ولأنها مساجد الأنبياء فمسجده ﷺ بناه حين قدم المدينة مهاجرا بعد مسجد قباء طوله مما يلي القبلة نحو مائة ذراع والجانبين مثل ذلك أو دونه قليلا وفي الصحيحين عن أبي ذر قلت أي مسجد وضع أولا؟ قال المسجد الحرام قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى. قلت كم بينهما؟ قال أربعون سنة.

стр. 620

قال الشيخ فالمسجد الأقصى كان من عهد إبراهيم لكن سليمان بناه بناء عظيما. فكل من المساجد الثلاثة بناه نبي كريم ليصلي فيه هو والناس. ولما كانت الأنبياء تقصد الصلاة في هذ المساجد شرع السفر إليها والعبادة فيها اقتداء بالأنبياء وتاسيا بهم وجاء في فضلها أحاديث كثيرة وفي الصحيحين عن أبي هريرة "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". ولأحمد وغيره عن جابر "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" وللبيهقي وغيره عنه بسند حسن "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة. وصلاة في مسجدي الف صلاة. وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة" وحديث الباب (متفق عليه) من غير وجه وهو في السنن والمساند وغيرها بألفاظ متقاربة. وقال شيخ الإسلام هكذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وهو مروي من طرق أخر. واتفق الأئمة على صحته وأجمعوا على العمل به في الجملة فلا تشد الرحال إلا إلى المسجد الحرام ومسجد المدينة مسجده ﷺ والمسجد الأقصى والنية في السفر إلى مسجده ﷺ وزيارة قبره مختلفة فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع. وكذا من قصد السفر إلى مسجده وقبره معا فهذا قصد مستحب مشروع بالإجماع.

стр. 621

وإن لم يقصد إلا القبر ولم يقصد المسجد فهذا مورد النزاع فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر. وكثير من الذين يحرمونه لا يجوزون قصر الصلاة فيه وآخرون يجعلونه جائزا. وإن كان السفر غير جائز ولا مستحب ولا واجب بالنذر ولم يعرف أحد من أصحاب النبي ﷺ أنه قال تستحب زيارة قبر النبي ﷺ أو لا تستحب ولا علق بهذا الاسم حكما شرعيا. وقد كره كثير من العلماء التكلم به وذلك اسم لامسمى له ولفظ لا حقيقة له وإنما تكلم به من تكلم من بعض المتأخرين ومع ذلك لم يريدوا ما هو المعروف من زيارة القبور فإنه معلوم أن الذاهب إلى هناك إنما يصل إلى مسجده ﷺ . والمسجد نفسه يشرع إتيانه سواء كان القبر هناك أو لم يكن وذكر ما جاء عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ قبره عيدا وسؤاله ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وأنه يدل على منع شد الرحل إلى قبره ﷺ وغيره من القبور والمشاهد. بل قبر غيره أولى بالمنع لأن قبره أفضل قبر على وجه الأرض. وقد نهى عن اتخاذه عيدا فغيره أولى بالنهي كائنا من كان. وشد الرحل إليها من اتخاذها أعيادا ومن أعظم أسباب الإشراك بها كما هو الواقع. واتفق الأئمة على المنع من ذلك أنه من وسائل الشرك وذرائعه. قال الشيخ والذي عليه أئمة المسلمين وجمهور العلماء على أن السفر للمشاهد التي على القبور

стр. 622

غير مشروع بل هو معصية من أشنع المعاص وقال ولم ينقل جوازه عن أحد من المتقدمين وذكر أنه بدعة واختار القاضي والجويني وغيرهما تحريم بالسفر لزيارة القبور مطلقا. وغلط أهل التحقيق من استثنى قبر النبي ﷺ لأنه الاستثناء في قوله "لا تشد الرحال" ونحوه عند أهل الاصول معيار العموم. وفي حديث النهي عن اتخاذ قبره عيدا قال: "فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" وقال ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". قال الشيخ وأما وقد منع الناس من الوصول إليه بثلاثة الجدران فلا تحصل المزية فسواء سلم عليه عند قبره أو في مسجده إذا دخله أو في أقصى المشرق أو المغرب فالكل يبلغه كما وردت به الأحاديث. وأخبر ﷺ أنه يسمع الصلاة من القريب وأنه يبلغ ذلك من البعيد. قال ولا يسافر للوقوف عند قبر أحد لا من الأنبياء ولا من المشائخ ولا غيرهم باتفاق المسلمين. بل أظهر قولي العلماء أنه لا يسافر أحد لزيارة قبر من القبور ولكن تزار القبور بالزيارة الشرعية فيزورها من كان قريبا ومن اجتاز بها كما أن مسجد قباء يزار من المدينة وليس لأحد أن يسافر إليه ولا إلى غيره من المساجد ونحو ذلك غير المساجد الثلاثة المستثناة في الحديث. وذلك أن الدين مبني على أصلين. أن لا يبعد إلا الله

стр. 623

وحده. ولا يعبد إلا بما شرع. لا بالبدع وذكر أن الزيارة على قسمين شرعية وبدعية، فالشرعية المقصود بها السلام على الميت والدعاء له. كما يقصد بالصلاة على جنازته من غير شد رحل. والبدعية أن يكون المقصود الزائر أن يطلب حوائجه من ذلك الميت وهذا شرك أكبر أو يقصد الدعاء عند قبره أو الدعاء به. وهذه بدعة منكرة ووسيلة إلى الشرك وليس من سنة النبي ﷺ ولا استحبه أحد من سلف الأمة وأئمتها. وقال في موضع آخر: على وجهين وجه نهي عنه النبي ﷺ واتفق العلماء على أنه غير مشروع وهو أن يتخذها مساجد ويتخذها وثنا ويتخذها عيدا فلا يجوز أن تقصد للصلاة الشرعية ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان ولا أن تتخذ عيدا يجتمع إليها في وقت معين كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى. وذكر أن أحاديث النهي كثيرة مشهورة. (وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور رواه الخمسة وصححه الترمذي) ولأبي داود وغيره عن أبي هريرة نحوه قاله شيخ الإسلام وغيره. وقال: وقد تعددت طرقهما وليس فيهما متهم ولا خالفهما أحد من الثقات. وقد روي هذا عن صاحب وهذا عن صاحب آخر وذلك يبين أن الحديث في الاصل معروف وتقدم في الصحيحين أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز.

стр. 624

وفي السنن وصححه أبو حاتم من حديث ابن عمر قال فلما فرغنا يعني من دفن الميت انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه فلما توسطنا الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة فلما دنت إذا هي فاطمة فقال ما أخرجك؟ قالت أتيت أهل هذا البيت فعزيناهم بميتهم فقال لعلك بلغت معهم الكدى قالت معاذ الله أن أكون بلغت معهم الكدى وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر فقال لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. وقد فسر الكدى بالقبور وبالأرض الصلبة لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة. فدلت هذه الأحاديث وما في معناها على تحريم زيارة النساء القبور. ولأبي يعلى من حديث أنس قال: "أتحملنه؟ قلن لا قال أتدفنه؟ قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات" ونقل النووي أنه لا خلاف في ذلك والأحاديث صريحة في ذلك ورجحه الشيخ وغيره وقال وعلى هذا العمل في أظهر قولي أهل العلم. واحتج أهل القول الآخر بالإذن وليس بجيد فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور أو متناول لغيرهم فإن كان مختصا فلا ذكر للنساء وإن كان متناولا كان لفظ الحديث في النهي مختصا. ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة فكان مقدما على العام عند عامة أهل العلم كما لو علم أنه بعدها.

стр. 625

والنبي ﷺ علل بالإذن للرجال بأن ذلك يذكر بالموت ويرقق القلب ويدمع العين ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف وكثرة الجزع وقلة الصبر. وأيضا فإن ذلك سبب لتأذي الميت ببكائها والرجال بصوتها وصورتها كما في الخبر "فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت". وإذا كان مظنة فمن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو غير منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سدًا للذريعة وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت وذلك ممكن في بيتها. ولهذا قال الفقهاء إذا علمت من نفسها أنها إذا زارت المقبرة بدا منها ما لا يجوز من قول أو عمل لم تجز لها الزيارة بلا نزاع. وقال إذا كانت زيارة النساء مظنة ومنشأ للأمور المحرمة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع أما لومرت في طريقها على مقبرة وسلمت فلا بأس لأنها لا تسمى زائرة.

стр. 626

فصل في التعزية أي في بيان التعزية وأحكامها ووجوب الصبر على المصيبة وتحريم الندب والنياحة وما يتعلق بذلك قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على الرزايا والبلايا وقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ذكره في أكثر من تسعين موضعا من كتابه ووصفهم في هذه الآية بقوله ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فجيعة في نفس أو مال ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبيد له وملك له يفعل فينا ما يشاء ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يوم القيامة فيجازي كلا بعمله. قال ابن كثير وغيره تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك لله عبيد له يتصرف فيهم بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم اعترافهم بأنهم عبيده وراجعون إليه في الدار الآخرة. ثم أخبرهم بما وعدهم على صنيعهم بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ في الدنيا والآخر. وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة فإنه إذا تحقق بمعرفتها تسلى عن مصيبته. وإذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه المصيبة والصبر المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة هو ما وقع عند الصدمة الأولى لما في الصحيحين وغيرهما أنه قال "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" وفي رواية "عند أول صدمة" يعني

стр. 627

إذا وقع الثبات عند أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع وذلك هوالصبر الكامل المرتب عليه الأجر الجزيل الذي وعد الله به. والصبر واجب إجماعا حكاه شيخ الإسلام وغيره. وذكر في الرضى قولين ثم قال وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها اهـ. ـ. والصبر المنع والحبس منع النفس عن الجزع وحبس اللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود والجيوب ونحو ذلك وهو خلق فاضل يمتنع به من فعل ما لا يحسن فعله وقوة به صلاح العبد ووعد الله عليه جزيل الثواب. وأما الرضا بالقضاء فمنزلة فوق الصر يوجب الله به رضاه ولا يجب بمرض وفقر ونحوهما ويحرم الرضى بفعل المعصية منه أو من غيره إجماعا حكاه ابن عقيل وغيره لوجوب إزالتها. وأما الرضى بالكفر فكفر إجماعًا. (وعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال ما من عبد تصيبه مصيبة) بلية أو محكروه في نفس أو ولد أو مال أو غيرها (فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون) ملك له وراجعون إليه في الآخرة (اللهم آجرني) بالمدو القصر وكسر الجيم (في مصيبتي) ولابي داود وغيره اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأجرني فيها ومعنى آجره الله أعطاه أجره وجزاه صبره وهم في مصيبته (وأخلف) بقطع الهمزة وكسر اللام (لي خيرا

стр. 628

منها) أي مما أصبتني به. يقال لمن ذهب منه مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله. أخلف الله عليك أي: رد الله عليك مثله. وما لا يتوقع مثله خلف الله عليك أي كان الله لك خليفة منه عليك (إلا آجره الله في مصيبته) أثابه عليها والأجر والثواب والمكافأة قال النووي وغيره هو بقصر الهمزة ومدها والقصر أفصح فيها وأشهر (وأخلف له) أي عوضه عنها (خيرا منها) في العاجل والآجل (رواه مسلم). قالت أم سلمة فلما توفي أبو سلمة قلت من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ قالت ثم عزم الله لي فقلت اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ . فدل الحديث وغيره على مشروعية الاسترجاع عند المصيبة وهو سنة إجماعا. ولأحمد وغيره عن الحسن مرفوعا "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث عند ذلك استرجاعا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب". (وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن جزاء) مكافأة وأجرا وثوابا (إذا قبضت صفيه) أي حبيبه وصديقه. وصفيه: الرجل الذي يصافيه الود ويخلص له (من أهل الدنيا ثم احتسبه) طلبا لوجه الله وثوابه واعتد صبره حال مباشرة المصيبة لله فليس له عنده جزاء (إلا

стр. 629

الجنة رواه البخاري) وغيره وفي معناه أحاديث كثيرة. ولهما عن أنس وغيره من غير وجه "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد" وفي "اثنان فتمسه النار إلا تحله القسم" وفيها "وكانوا حجابا له من النار". وفيهما "ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة" قال ابن المنير ويدخل الكبير في ذلك بطريق الفحوى. وللترمذي وغيره وحسنه "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم. فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم. فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد، وفي الصحيح عن صهيب مرفوعا "عجبا للمؤمن إن أمر المؤمن له خير ولي ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" ولهما عن أبي سعيد مرفوعا "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه". وللترمذي وغيره "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم" الحديث والأحاديث في الصبر عليها أكثر من أن تذكر. وثبت أن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى المرء على حسب دينه ولا يزال به حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة. وأيضا من نظر في كون المصيبة لم

стр. 630

تكن في دينه هانت عليه مصيبته. (وعن عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة" أي يسليه فيها ويحثه على الصبر بوعد الأجر والدعاء للميت والمصاب وأصلها التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه وعزاه تعزية سلاه وصبره وأمره بالصبر وقال له أحسن الله عزاك أي رزقك الصبر الحسن وإن قال أحسن الله عزاك وأعظم أجرك وغفر لميتك ونحوه فحسن. قاله شيخ الإسلام وغيره ولا يتعين شيء في ذلك ولأحمد أنه ﷺ قال لرجل ﵀ وآجرك وإن شاء أخذ بيد من عزاه. وذكر ﷺ ما أعد الله للمعزي من الجزاء فقال: (إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة رواه ابن ماجه) وله عن ابن مسعود مرفوعا "من عزى مصابا بأن عمد إلى قلبه فداواه فله مثل أجره لأن كلا منهما رفع الجزع" ورواه الترمذي وغيره عن معاذ أنه مات ابن له فكتب إليه رسول الله ﷺ "إني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله وعطاياه وعواريه المستودعة متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك في أجر كبير الصلاة والرحمة والهدى فالصبر لا تحبط به جزعك فتندم واعلم ان الجزع لا يرد شيئًا ولا يدفع قدرًا وما هو نازل فكائن لا محالة". وله "من عزى ثكلى كسي بدرا في الجنة" والثكلى المرأة تفقد

стр. 631

ولدها أو من يعز عليها وللطبراني "من عزى مصابًا كساه الله حلتين من حلل الجنة لا تقوم بهما الدنيا" والأحاديث في التعزية مستفيضة وهي سنة متبعة وفي الصحيحين أنه ﷺ لما أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن صبيا لها في الموت قال "أخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب". وتسن لصغير لعموم الأخبار وصديق للميت وجار ونحوهما. وسواء قبل الدفن أو بعده من حين الموت. والأولى بعده لاشتغال أهل الميت بتجهيزه إلا أن يرى منهم جزعا. ولا بأس بالجلوس بقرب دار الميت ليتبع جنازته أو يخرج وليه فيعزيه. قال في الإنصاف وغيره فعله السلف وظاهر الأخبار تستحب مطلقا. وقال بعضهم ما لم ينس المصيبة ويرد معزى بقوله استجاب الله دعاك ورحمنا وإياك. ونحوه لا تعيين في ذلك. وإن جائته التعزية في كتاب ردها على الرسول لفظا. (وعن أسامة بن زيد) بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى الكعبي الحب بن الحب. زارت أم زيد أهلها فأغار عليهم خيل لبني القين فاحتملوه فباعوه بعكاظ. فاشتراه حكيم لخديجة فوهبته لرسول الله ﷺ وأتى أبوه فخيره رسول الله ﷺ فاختار زيد رسول الله ﷺ فقال ابني. وطابت نفس أبيه به وأنزل الله (ادعوهم لآبائهم) استشهد زيد بمؤتة. وأسامة سنة أربع وخمسين.

стр. 632

قال ﵁ (في قصة وفاة ابن بنت النبي ﷺ ) ولابن أبي شيبة أنه ابن لزينب فأرسلت إليه تخبره أن صبيا لها في الموت فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إليها فأخبرها أن الله ما أخذ وله ما أعطى" نحو ما تقدم فعاد الرسول فقال إنها أقسمت لتأتينها فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل قال أسامة فانطلقت معهم (فرفع إليه الصبي) قيل هو علي بن أبي العاص بن الربيع ولكن ذكر أنه أردفه النبي ﷺ يوم فتح مكة. ولأحمد أنه صبية ورجحه الحافظ ويؤيده ما في سنن أبي داود أن ابنتي قد حضرت. (ونفسه تقعقع) كأنها في شنة أي لها صوت وحشرجة كصوت ما ألقي في قربة بالية. والقعقعة حكاية صوت الشن اليابس (ففضات عيناه) أي النبي ﷺ (فقال سعد ما هذا يا رسول الله؟ أي قاله سعد بن عبادة سيد الخزرج المتوفى سنة خمس (قال رحمة جعلها الله في قلوب عباده) أي هذه الدمعة أثر رحمة (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) جمع رحيم من صيغ المبالغة. أي إنما تختص رحمة الله بمن اتصف بالرحمة (متفق عليه). ولهما عن ابن عمر قال اشتكى سعد بن عبادة فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشية. فقال: "قد

стр. 633

قبض فقالوا لا يا رسول الله فبكى رسول الله ﷺ " فلما رأى القوم بكاءه بكوا قال: ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم. وقال: "العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا" ولما قتل زيد وجعفر وابن رواحة جلس ﷺ يعرف في وجهه الحزن وحزن لما قتل القراء. وقال تعالى عن يعقوب ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ والبث شدة الحزن، ولأحمد عن ابن عباس لما ماتت زينب بكت النساء فجعل عمر يضربهن فقال "مهلا يا عمر ثم قال إياكن ونعيق الشيطان. ثم قال إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان". وله عن عائشة أنه لما حضر موت سعد بن معاذ ومعه أبو بكر وعمر قالت إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر. فالبكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وجائز مجرد الحزن والهم. ولا باس بيسير الندب إذا لم يخرج مخرج النوح ولا قصد نظمه كفعل أبي بكر وفاطمة ﵄. ولا ينافي الصبر بل ولا الرضى وكان رسول الله ﷺ أرضى الخلق عن الله في قضائه وأعظمهم له حمدا. وكذلك أصحابه من بعده. وما ورد من قوله "لا تبكين على هالك بعد اليوم" رواه

стр. 634

أحمد وقوله "إذا وجب فلا تبكين باكية" رواه أبو داود فمحمول على بكاء معه ندب أو نياحة أو أنه كثرة البكاء والدوام عليه أيامًا كثيرة. قال الشيخ ولا بد من حمل الحديث على البكاء الذي معه ندب ونياحة ونحو ذلك وما هيج المصيبة من وعظ وإنشاد شعر فمن النياحة. وأما البكاء فيستحب رحمة للميت وهو أكمل من الفرح لقوله "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وقوله "مهما كان من العين والقلب فمن الله وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" والاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم. فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق. ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، اهـ. ـ. ويكره تغير حال المصاب من خلع رداء ونحوه وغلق حانوت وترك عمل ونحو ذلك ما فيه إظهار الجزع وهجر للزينة وحسن الثياب ثلاثة أيام وجعل علامة يعرف بها فإن السلف لم يكونوا يفعلون شيئا من ذلك، قال الشيخ وغيره وكل ذلك مناف للصبر والآثار صريحة في النهي عن ذلك. وصرح غير واحد من الأصحاب وغيرهم بكراهة لبس خلاف زيه المعتاد. (ولهما عن ابن مسعود مرفوعًا: ليس منا) هذا من أبلغ الوعيد ومذهب أهل السنة والجماعة إمرار أحاديث الوعيد كما

стр. 635

جاءت واعتقاد معانيها حقيقة من غير تعرض لها بتأويل فإنه أبلغ في الزجر وأنكى في الردع عن الوقوع في مثل ذلك (من ضرب الخدود) وفي لفظ لطم الخدود وخص الخد لكونه الغالب في ذلك. وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك. (وشق الجيوب) أي خرقها مزقها وجيب القميص طوقه وما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس وكل ذلك من علامات السخط (ودعا بدعوى الجاهلية) من النياحة ونحوها وكذا الندبة كقولهم واجبلاه، واناصراه. وكذا الدعاء بالويل والثبور، والجاهلية ما كان في الفترة قبل الإسلام. ولمسلم "بدعوى أهل الجاهلية". ولهما عن أبي بردة قال وجع أبو موسى فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها فلما أفاق قال: أنا بريء مما بريء منه رسول الله ﷺ "إنه بريء من الصالقة" وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة؛ "والحالقة" هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، "والشاقة" وهي التي تشق ثيابها عند المصيبة، ولمسلم "لعن النائحة والمستمعة" وفي الصحيحين "أخذ علينا أن لا ننوح". وأجمع أهل العلم على تحريم النياحة إلا ما روي عن بعض المالكية لحديث أم عطية والحديث حجة عليهم. يقال ناحت المرأة علىلميت إذا ندبته بكت عليه وعددت محاسنه. ويقال
следующие страницы →