← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(ولأبي داود) وأحمد وابن ماجه ومالك والبزار وعبد الله بن حميد وأبي يعلى والبيهقي والحاكم وصححه (عن أبي سعيد مرفوعا) إلى رسول الله ﷺ أنه قال (لا تحل الصدقة) أي ولا يجزئ دفعها (لغني إلا لخمسة) أي فتحل لهم مع الغنى لأنهم أخذوها بوصف آخر (لعامل عليها) أي على الزكاة. وإن كان غنيا. لأنه يأخذ أجره على عمله لا لفقره. (أو رجل اشتراها) أي الزكاة (بماله) من الفقير الذي أخذها فإنها قد وافقت مصرفها. وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها. وصارت ملكا لمن صرفت إليه فإذا باعها فقد باع ما ليس بزكاة حين البيع بل ملك له (أو غارم) والمراد لإصلاح ذات البين فتحل له وإن كان غنيا. فإنه يجوز أن يقضي ذلك الغرم من الزكاة وتقدم (أو غاز في سبيل الله) فيحل له أن يتجهز من الزكاة. وإن كان غنيا لأنه ساع في سبيل الله. (أو مسكين تصدق عليه) أي على المسكين بشيء من الزكاة (فاهدى) ما دفع إليه (منها لغني) فتحل له لأن الزكاة بلغت محلها. ويشهد له قوله ﷺ في قصة بريرة "هو عليها صدقة وهو لنا منها هدية" وليس بقيد ولأبي داود "ورجل تصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك" قال ابن عبد البر وغيره هذا الحديث مفسر لمجمل قوله ﷺ "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" وأنه لس على عمومه.

стр. 702

وأجمع أهل العلم على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغير الخمسة المذكورة. كما ذكره الباجي وغيره. فإن دفعها لغني غير هؤلاء عالما بغناه لم تجز بلا خلاف. وما ورد بدليل خاص. كان تخصيصا لهذا العموم "وفي لفظ أو ابن سبيل) وهو المسافر المنقطع به كما تقدم. فيأخذ من الزكاة ما يوصله وإن كان غنيا في بلده. (ولمسلم) وأحمد وأبي داود والنسائي وغيرهم (عن قبيصة) ابن مخارق بن عبد الله بن شداد العامري الهلالي. وفد على رسول الله ﷺ وله ستة أحاديث هذا الخبر (مرفوعا إن المسألة) أي الطلب من أموال الناس (لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل) بالكسر بدل من ثلاثة ويصح الرفع بتقدير أحدهم (تحمل حمالة) بفتح الحاء. وهو المال يتحمله الإنسان عن غيره. والحميل الضامن سواء كان دينا أو دية أو غرامة أو ليصلح بمال بين طائفتين (فحلت له المسألة) أي جازت له المسألة من أموال الناس مع غناه. لأنه لا يلزمه تسليمها من ماله لكن بشرط (حتى يصيبها) أي يجد ما يؤدي حمالته. أو يأخذ الصدقة (ثم يمسك) عن المسألة وهذا أحد الخمسة المتقدمة. (ورجل أصابته جائحة) أي آفة مهلكة للثمار والأموال. سماوية أو أرضية كالبرد والجراد والغرق ونحو ذلك (اجتاحت ماله) أي أهلكت ماله بحيث لم يبق له ما يقوم

стр. 703

بعيشته (فحلت له المسألة) من أموال الناس وإن كان قبل غنيا (حتى يصيب قواما) بكسر القاف ما يقوم بحاجته وسد خلته. وقوام الشيء عماده القائم به (من عيش) أي ما يقوم بمعيشته يعني بحاجته الضرورية من أكل ولباس وغيره. (ورجل أصابته فاقة) أي حاجة شديدة اشتهر بها بين قومه (حتى يقول) على رءوس الأشهاد (ثلاثة من ذوي الحجى) بكسر الحاء أي ذوي العقول الكمل (من قومه) والمراد حيث كان معروفا بالغنى ثم افتقر. وخص ذوي الحجى من قومه لأنهم أخبر بحاله يقولون (لقد أصابت فلانا فاقة) ولا يقبل من غلب عليه الغباوة والتغفيل. وكونهم ثلاثة هو مذهب الجمهور. (فحلت له المسألة) بسبب هذه القرائن الدالة على صدقه (حتى يصيب قواما من عيش) يقوم بحاجته (فما سواهن من المسألة يا قبيصة) أي في هذه الأحوال الثلاث. وكذا ما في حديث سمرة من جواز سؤال السلطان. وفي الأمر الذي لا بد منه (سحت) بضم السين المهملة. والسحت الحرام الذي لا يحل كسبه. سمي سحتا لأنه يسحت البركة ويذهبها (يأكلها) أي يأكل السائل ما لا يحل له من الصدقة (سحتا) أي حراما لا يجوز سؤاله. فلا يجوز دفع الزكاة لغني إلا لمن قام به أحد هذه الأوصاف ونحوها.

стр. 704

(ولهما أنه) ﷺ (أعطى المؤلفة قلوبهم) فمن حديث أبي سعيد وغيره ﷺ أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة العامري وزيد الطائي فقالت قريش: تعطي صناديد نجد فقال: "لا تألفهم وأعطى صناديد الطلقاء وأشرافهم وعد ابن الجوزي المؤلفة نحو الخمسين ولمسلم عن صفوان بن أمية قال أعطاني يوم حنين يعني قبل إسلامه. وإنه لأبغض الناس إلي. فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. وذكر أنه استبصره أربعة أشهر لينظر في أمره وأومأ له عام حنين إلى إبل محملة. فقال "هذا لك" فقال: صفوان هذا عطاء من لا يخشى الفقر. وقال ابن عباس كانوا يأتون إلى النبي ﷺ فيرضخ لهم من الزكاة فإذا أعطاهم قالوا هذا دين صالح. وإلا عابوه. وتقدم أن سهمهم باق للآية. وبراءة من آخر ما نزل. ومن زعم أنه منسوخ فقد أبعد النجعة. (ولمسلم قال) يعني رسول الله ﷺ (اقم يا قبيصة) أمر من الإقامة. بمعنى أثبت أي امكث عندنا واصبر. وكن في المدينة مقيما. وكان تحمل حمالة فأتى إلى رسول الله ﷺ يسأله فيها فقال اقم (حتى تأتينا الصدقة) أي يحضرنا مال من الزكاة (فنأمر لك بها) أي بالصدقة أو بالحمالة. وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر. فدل على جواز الاقتصار على شخص واحد من الأصناف الثمانية. قال في

стр. 705

المبدع وغيره في قول جماهير العلماء. ولأنه لما لم يمكن استغراق الأصناف حمل على الجنس. وكالعامل اتفاقا. ولما في الاستيعاب من العسر. وهو منتف شرعا. ويجوز دفعها لى غريمه أو مكاتبه ما لم يكن حيلة. كأن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه. فلا يجزئه. لأن من شرطها تمليكا صحيحا فإذا شرط الرجوع لم يوجد التمليك. ولأنها لله فلا يصرفها على نفعه وقال أحمد وسفيان وغيرهما كانت العلماء تقول: لا يحابي بها قريبا. ولا يدفع بها مذمة ولا يقي بها ماله. وقال الشيخ الذي عليه الدين لا يعطيه ليستوفي دينه. وإسقاط زكاة العين عن المعسر لا يجزئ بلا نزاع. وقدر زكاة دينه فيه قولان أظهرهما الجواز. وذكر ابن القيم من الحيل الباطلة دفع زكاته إلى غريمه المفلس ليطالبه بالوفاء. فإذا وفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع. قال وهذه الحيلة باطلة محرمة. سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفع إليه. أوملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه. فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة. ولا يعد مخرجا لها لا شرعا ولا عرفا. كما لو أسقط دينه وحسبه من الزكاة. "وقال" يعني رسول الله ﷺ (لعمر) وكان حمل على فرس في سبيل الله وقد أضاعه الذي هو عنده فأراد أن يشتريه منه برخص فسأل رسول الله ﷺ فقال (لا تعد في صدقتك) وفي لفظ "لا تشتره ولا تعد في صدقتك" وفي لفظ "وإن أعطاكه

стр. 706

بدرهم" مبالغة في رخصه. فمنعه من العود في صدقته بشراء أو نحوه. ولو وجده يباع في السوق. سدا لذريعة العود فيما خرج منه لله. لو بعوض. فإن المتصدق إذا منع من تملك صدقته بعوض. فتمكلها بغير عوض أشد منعا. وأفطم للنفوس عن تعلقها مما خرجت منه لله. وقال ابن عمر لا تشتر طهور مالك. (فإن العائد في صدقته) شمل البيع وغيره (كالعائد في قيئه متفق عليه) وفي لفظ "كالكلب يعود في قيئه" أي كما يقبح أن يقيء ثم يأكل ما قاءه. كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بأي وجه من الوجوه. وشبهه بأخس الحيوان في أخس أحواله. تصويرا للتهجين. وتنفيرا منه. فدل على حرمة العود فيها. وهو مذهب جمهور العلماء. وقال ابن المنذر ليس لأحد أن يتصدق ثم يشتري صدقته للنهي. ويلزم من ذلك فساد البيع. إلا أن يثبت الإجماع على جوازه. ولم يثبت. قال ابن القيم والصواب ما حكم به النبي ﷺ من المنع من شرائها مطلقا. ولا ريب أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها. فمن محاسن الشريعة سد هذه الذريعة. فإن رجعت إليه بإرث ونحوه جاز تملكها، لما روى مسلم وغيره أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركتها، فقال: "وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث".

стр. 707

(وعن سلمان بن عامر) بن أوس الضبي البصري صحابي عاش إلى خلافة معاوية ﵄ (مرفوعا) إلى النبي ﷺ قال (الصدقة) وهي ما وقع لمحض التقرب إلى الله (على المسكين) فرضا كانت أو تطوعا (صدقة) أي واحدة (و) الصدقة (على ذي الرحم) أي القرابة ثنتان (صدقة وصلة) أي إحسان وعطف ورفق. وكله موجود في الصدقة على القرابة. لأنه يعد بذلك محسنا متعطفا رافقا. ولأنه أولى الناس بالمعروف (رواه الخمسة) وابن حبان وغيرهم وحسنه الترمذي. ولأحمد وغيره من حديث أبي أيوب "إن أفضل الصدقة: الصدقة على ذي الرحم الكاشح" ويأتي. فيسن أن يفرقها فيهم على قدر حاجتهم. ويبدا بالأحوج فالأحوج. والأقرب فالأقرب إجماعا. وإن كان الأجنبي أحوج فلا يعطي القريب ويمنع البعيد بل يعطي الجميع والجار أولى من غيره اتفاقا. والعالم والدين وذو العيلة أولى من ضدهم. فصل فيمن لا تحل له أي في بيان من لا تحل له الزكاة. ولا يجزئ دفعها إليه. (وعن المطلب) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم سكن المدينة ثم تحول إلى الشام. وتوفي بدمشق سنة اثنين وستين وكان المطلب والفضل بن العباس انطلقا إلى رسول

стр. 708

الله ﷺ . قال المطلب ثم تكلم أحدنا فقال يا رسول الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات. فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة. وتؤدي إليك ما يؤدي الناس ثم (إن رسول الله ﷺ قال إن الصدقة) أي الزكاة المفروضة (لا تحل لآل محمد). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ "ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" وفي رواية "إنا لا تحل لنا الصدقة" فدل على تحريم الزكاة على محمد ﷺ هو إجماع ونقل الموقف الإجماع على أنها لا تحل لآل محمد. وآله ﷺ هم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث. وحكى الاتفاق على خمسة البطون غير واحد من أهل العلم. وقال جمهور أهل العلم وآل أبي لهب ابن عبد المطلب. وأخرجهم بعض أهل العلم. لأن أبا لهب كان حريصا على أذاه ﷺ . فإن حرمة الصدقة على آله ﷺ كرامة من الله لهم. ولذريتهم. حيث نصروه في جاهليتهم وإسلامهم. وفي جامع الأصول وغيره أن عتبة ومعتبا ابني أبي لهب اسلما عام الفتح. وسر ﷺ بإسلامهما. وشهدا معه حنينا والطائف. ولهما عقب. قال (إنما هي أوساخ الناس رواه مسلم) فكرم ﷺ آله أن يكونوا محلا للغسالة. وشرفهم عنها. وهذه هي العلة المنصوصة في التحريم. ولأبي نعيم مرفوعا "لهم في خمس

стр. 709

الخمس ما يكفيهم ويغنيهم" والكفارة كالزكاة. لأن مشروعيتها لمحو الذنب فهي من أشد أوساخ الناس. وتسميتها أوساخا لأنها تطهير لأموالهم ونفوسهم. وذلك من الشتبيه البليغ. ويجوز لهم أخذ صدقة التطوع وحكي إجماعا. لأنهم إنما منعوا من أخذ الزكاة لأنها أوساخ الناس. والصدقة ليست كذلك. ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي. وفي الصحيحين "كل معروف صدقة" قال في الفروع ومعلوم أن هذا للاستحباب إجماعا. وكل من حرمت عليه الزكاة فله أخذها هدية اتفاقا لأكله ﷺ مما تصدق به على أم عطية. وتجزئ إليه إن كان غازيا أو غارما لإصلاح ذات البيت لجواز الأخذ بذلك مع الغنى وعدم المنة فيه. واختار الشيخ والقاضي وأبو البقاء وأبو صالح وأبو طالب البصيري وأبو يوسف والأصطخري وغيرهم جواز الأخذ لبني هاشم إذا منعوا الخمس. لأنه محل حاجة وضرورة. وقال الشيخ يجوز لهم الأخذ من زكاة الهاشمي ولهم أخذ وصية ونذر لفقراء إجماعا. لأنه لا يقع عليهما اسم الزكاة. (وقال) ﷺ (لأبي رافع) مولى رسوله ﷺ قيل اسمه إبراهيم وقيل هرمز وقيل كان للعباس فوهبه لرسول الله ﷺ فلما أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله ﷺ بإسلامه فأعتقه. مات في خلافة علي. وذلك أن النبي ﷺ بعث رجلا على

стр. 710

الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع اصحبني فإنك تصيب منها. فقال حتى آتي رسول الله ﷺ فاساله فأتاه فسأله فقال (أنا لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم منهم) وفي لفظ "من أنفسهم) أي حكمه حكمهم "رواه أحمد والثلاثة وصححه الترمذي". فموالي بني هاشم وهم الذين اعتقهم بنو هاشم تحرم الصدقة عليهم. وكتحريمها على بني هاشم. قال الطحاوي تواترت عنه ﷺ الآثار بذلك. وقال ابن عبد البر لا خلاف بين المسلمين في عدم حل الصدقة للنبي ﷺ ولبني هاشم ومواليهم. وفي الحديث نص على تحريم العمالة على الموالي فبالأولى على آل محمد. وتجوز إلى موالي مواليهم لأنهم ليسوا من القوم ولا من مواليهم. (وقال ابن عباس) ﵄ (إذا كان) لك (ذو قرابة) أي صاحب قرابة منك وهم عشيرتك الأدنون. ويشمل الأصول والفروع والحواشي (لا تعولهم) أي تمونهم (فاعطهم من زكاة مالك) ولعموم قوله "صدقتك على ذي الرحم صدقة وصلة" وفي حديث زينب في الصدقة على أزواجهما وأيتام في حجورهما. فقال "لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة" متفق عليه. قال شيخ الإسلام في دفع الزكاة إلى الوالدين والولد إذا

стр. 711

كانوا فقراء وهو عاجز عن الإنفاق عليهم يجوز دفعها إليهم. وهو أحد القولين في مذهب أحمد. ويشهد له العمومات. وقال الأقوى دفعها إليهم في هذه الحال. لأن المقتضي موجود. والمانع مفقود فوجب العمل بالمقتضي السالم من المعارض المقاوم. وقال إذا كان محتاجا إلى النفقة وليس لأبيه ما ينفق عليه ففيه نزاع. والأظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه. وأما إن كان مستغنيا بنفقة أبيه فلا حاجة به إلى زكاته. وفي الصحيح في الذي وضع صدقته عند رجل فجاء ولد المتصدق فأخذها ممن هي عنده فقال النبي ﷺ لمتصدق "لك ما نويت" وقال للآخذ "لك ما أخذت". قال ابن رجب إنما يمنع من دفع زكاته إلى ولده خشية أن تكون محاباة. وإذا وصلت إليه من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية. وهو من أهل الاستحقاق. وقال الشيخ إذا كانت الأم فقيرة ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضر بهم أعطيت من زكاتهم. وإذا كان على الولد دين لا وفاء له جاز أن يأخذ النفقة من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره. قال ﵁ (وإن كنت تعولهم فلا تعطهم) فتكون صارفا لنفسك (ولا تجعلها لمن تعول رواه الأثرم) وقد انعقد الإجماع: أنها لا تجزئ إلى أصله وفرعه في حالة تجب عليه

стр. 712

نفقتهم. لأن ملك أحدها في حكم ملك الآخر. وإذا كان كذلك لم يزل ملكه عنه. ومن شرط الزكاة زوال الملك. وقيل وسائر من تلزمه نفقته لغناه بوجوب النفقة له. ولأن نفعها سيعود إلى الدافع وظاهر المذهب وغيره ويجوز لما تقدم. واختاره الموفق والشيخ وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. لوجود المقتضي. ودخولهم في العمومات. ولا نص ولا إجماع. وفي الصحيح أن امرأة عبد الله سألت النبي ﷺ عن أبناء أخ لها أيتام في حجرها افتعطيهم زكاتها قال "نعم" ولهذا لو دفع إليه شيئا في غير مؤنته التي عوده إياها تبرعا جاز اتفاقا. وكذا من تعذرت نفقته من زوج أو قريب بنحو غيبة أو امتناع اتفاقا. لوجود المقتضي مع عدم المانع. وفي الصحيح "زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم والأصل عدم المانع. وتجوز إلى غير الوارث بلا نزاع. ولا يجزئ دفعها إلى غير أهلها. وإن دفعها لمن ظنه غير أهل لها لم تجزئه لعدم جزمه بنية الزكاة حال دفعها لمن ظنه غير أهل لها، أو دفعها لغير أهلها ظانا أنهم أهلها ككافر لم تجزئه لكن قيل إلا لغني ظنه فقيرا لاعتقاده استحقاقه. والجمهور أنها لا تجزئه. ويرجع عليه بها أو بقيمتها. ويشترط لإجزائها تمليك المعطى. فلا يكفي إبراء فقير من

стр. 713

دينه. ولا حوالة بها. ولا يقضي منها دين ميت غرم لمصلحة نفسه أو غيره. حكاه ابن عبد البر إجماعا. لعدم أهليته لقبولها. وهذا مذهب الجمهور وقال شيخ الإسلام يوفى الدين عن الميت في أحد قولي العلماء ولأن الله قال "والغارمين" ولم يقل وللغارمين فالغارم لا يشترط تمليكه على هذا. وعليه يجوز الوفاء عنه. وأن يملك لوارثه ولغيره. باب صدقة التطوع الصدقة ما يعطى لوجه الله ديانة وعبادة محضة من غير قصد إلى شخص معين. ولا طلب عوض من جهته وهي سنة كل وقت بإجماع المسلمين. لإطلاق الحث عليها في الكتاب والسنة. وقال غير واحد من أهل العلم هي أفضل من الجاهد لا سيما إذا كان زمن مجاعة على المحاويج. خصوصا صاحب العائلة. خصوصا القرابة. ومن الحج لأنه متعد. والحج قاصر. وافضل من العتق لقوله لميمونة "لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" متفق عليه وقد حث تعالى عليها في كتابه العزيز ورغب فيها ﷺ في غير ما حديث. قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني أن التصدق خير لكم وأفضل. لأن في الثناء الجميل في الدنيا. والثواب الجزيل في العقبى. وقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ أي أعطى المال ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أي

стр. 714

أخرجه وهو محب له راغب فيه. وفي الصحيح: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر" ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ قرابات الرجل. وهم أولى من أعطى من الصدقة. للآيات وللأخبار (الآية) وآخرها ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ يعني المسافر ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ يعني الطالبين المعترضين للصدقات. وفي الخبر "وإن جاء على فرس" (وَفِي الرِّقَابِ) وتقدم. وقال ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي جوع. وقلبها قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك الرقاب وإطعام المساكين. وهو مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في عمل الخير والبر. فجعله كالذي يفك من صعود العقبة أو لم يحمل نفسه المشقة بعتق الرقبة. والإطعام (يتيما) أي أطعم في هذا اليوم يتيما (ذا مقربة) اي قرابة بينه وبينه (أو مسكينا ذا متربة) أي فقيرا مدقعا قد لصق بالتراب من فقره وضره. ليس له شيء وفي الحديث "من أعطم مؤمنا جائعا: أطعمه الله من ثمار الجنة" ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: برحمة الناس. وفيه الإشارة إلى تعظيم أمر الله. والشفقة على خلق الله. وقال ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ أي تظهروها والصدقات. ما يظهره الإنسان على وجه القربة. فيدخل فيه الزكاة الواجبة.

стр. 715

وصدقة التطوع ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي فنعمت الخصلة هي ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ أي تسروا الصدقة ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ في السر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني إخفاء الصدقة أفضل من إعلانهاز وكل مقبول إذا كانت النية صادقة. ولكن السر أفضل. واتفق العلماء على أن إخفاء صدقة التطوع أفضل وخير من إظهارها. لأن ذلك أبد من الرياء. وأقرب إلى الإخلاص. وفيه بعد عما تؤثره النفس من إظهار الصدقة. وفائدة ترجع إلى الفقير الآخذ. وهي أنه إن أعطي في السر زال عنه الذل والانكسار. إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به. فيكون أفضل من هذه الحيثية. والأصل أن السر أفضل لهذه الآية وغيرها ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي بالصدقات. ولا سيما إذا كانت سرا ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ سواء كان سرا أو علانية. والآيات في فضل الصدقة كثيرة. منها قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. وقال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ وذلك أن معاذا وثعلبة سألا رسول الله ﷺ فقالا إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فنزلت ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني الفضل. وذلك أن لا يجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس. وفي الخبر "ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسك شر لك ولا تلام على كفاف"

стр. 716

فمعناه التصدق عن ظهر غنى. حتى لا يبقى كلا على الناس كما سيأتي. قال ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي يقدمون المحاويج على أنفسهم ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون به. وفي الصحيحين أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال إن مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء. ثم الأخرى مثل ذلك. ثم قال "من يضيفه يرحمه الله" فقال أبوطلحة أنا. فقال لامرأته هل عندك شيء قالت لا. إلا قوت صبياني. قال علليهم بشيء ونوميهم. فإذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل. ثم اطفئ السراج ففعلت. فلما أصبح قال رسول الله ﷺ "عجب الله من صنيعكما" فنزلت الآية. ثم أثنى الله عليهم فقال ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فالذين أنفقوا الفضل قد لا يكون لهم إليه حاجة. ولا ضرورة. وهؤلاء آثروا على أنفسهم لشدة ثقتهم ومن هذا المقام تصدق الصديق بجميع ماله. ويأتي أنه يختلف باختلاف أحوال الناس. (وفي الصحيحين) وغيرهما (من حديث أبي هريرة) أن رسول الله ﷺ قال (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ولسعيد بن منصور من حديث سلمان في ظل عرشه

стр. 717

(وذكر منهم رجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) وفيه فضيلة المبالغة في الإخفاء وإبعاد الصدقة عن مظان الرياء. وفضل الإخفاء على الإبداء إلا للاقتداء. والمرأة كالرجل. فلا مفهوم له. وبقية السبعة "الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة الله. ورجل معلق قلبه بالمساجد. ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وافترقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله. ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" ووردت خصال أخرى تقتضي الظل. أبلغها الحافظ ثمانيا وعشرين والسيوطي سبعين. ولابن حبان والحاكم من حديث عقبة "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس". ومن فوائد صدقة التطوع أنها تطفئ غضب الرب. وتدفع ميتة السوء. رواه الترمذي وفي الصحيحين "إن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل" وإنها تكون توفية للزكاة إن وجدت في الآخرة ناقصة كما تقدم في التطوع. وللحاكم من حديث ابن عمر "انظروا في زكاة عبدي فإن كان ضيع منها شيئا فانظروا هل تجدون لعبد نافلة من صدقة لتتموا بها ما نقص من الزكاة" وذلك من رحمة الله وعدله. (وفيهما) أي في الصحيحين البخاري ومسلم (عن ابن

стр. 718

عباس كان رسول الله ﷺ أجود الناس أي في جميع خصال الخير وأكثرهم جودا. لكونه مطبوعا على الجود مجبولا على الإعراض عن متاع الدنيا "وكان أجود ما يكون في رمضان" فإن الحسنة فيه بسبعين حسنة فيما سواه وللترمذي عن أنس مرفوعا "أي الصدقة أفضل" أي أعظم أجرا قال "صدقة في رمضان". وفيه إعانة على أداء الصوم المفروض. ومن فطر صائما كان له مثل أجره وكذا الصدقة في العشرة والحرمين. وكل مكان وزمان فاضل. وفي شدة حاجة. لما روي "أيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الهل من ثمار الجنة" وبطيب نفس أفضل. وكذا في الصحة كما تقدم. (ولأحمد عن أبي أيوب مرفوعا أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" أي العدو المضمر للعداوة. الطاوي عليها كشحه أي باطنه. والذي يطوي عنك كشحه ولا يألفك. وتقدم أنها "على ذي الرحم صدقة وصلة" فمع العداوة هي أفضل منها على ذي الرحم غير الكاشح. لما فيه من قهر النفس للإذعان لمعاديها. وهذا الحديث صححه ابن طاهر وأقره المنذري والحافظ. ونحوه عند أبي داود والترمذي من حديث أبي سعيد. والطبراني عن أم كلثوم بنت عقبة. ورجاله رجال الصحيح.

стр. 719

(وعن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال اليد العليا) وهي المعطية (خير من اليد السفلى) وهي السائلة وروي "اليد العليا التي تعطي ولا تأخذ" فالأيدي اثنتان: معطية عليا. وسائلة سفلى. وباعتبار الأيدي أربعا: يد المعطي وتضافرت الأخبار بأنها عليا. ويد السائل وتضافرت بأنها سفلى. أخذت أم لا. ويد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا فهي عليا علوا معنويا. ويد الآخذ بغير سؤال قيل سفلى نظرا إلى المحسوس. وأما المعنوي فلا يطرد. فقد تكون عليا في بعض الصور. وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل سفلى باستعماله. دون من فرض عليه إتيان الشيء فأتى به فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل من الذي يعطي. فأعلى الأيدي المنفقة ثم المتعففة. عن الأخذ. ثم الآخذة بلا سؤال. وأسفل الأيدي المانعة والسائلة. (وابدأ) أيها المتصدق (بمن تعول) أي تمون ممن تلزمك نفقته فقدمه على التصدق على غيرهم. تقديما للواجب على المندوب وفيه البداءة بالأهم فالأهم. فيبدأ بنفسه وعياله. كما يأتي لأنهم الأهم (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) أي عفوا قد فضل عن غنى أو فضل عن العيال. والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام. وتمكينا. كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال.

стр. 720

فدل على أن افضل الصدقة ما بقي صاحبها بعد إخراجها مستغنيا. إذ معنى أفضل الصدقة ما أبقى المتصدق من ماله ما يستظهر به على حوائجه ومصالحه. فالاختيار للمرء أن يتبقى لنفسه قوتا. وأن لا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة لما يخاف عليه من فتنة الفقر. وشدة نزاع النفس إلى ما خرج من يده فيندم ويذهب ماله ويبطل أجره. ويصير كلا على الناس. بل يأثم إن تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه لتركه الواجب. أو بما يضر بنفسه أو غريمه أوكفيله في مال أو بدن. لقوله ﷺ "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يفوت" رواه أبو داود. وقال ابن الجوزي الأولى أن يدخر لحاجة تعرض. وأنه قد يتفق له مرفق فيخرج: ما في يده فينقطع مرفقه فيلاقي من الضراء ومن الذل ما يكون الموت دونه. فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال. بل يصور كلما يجوز وقوعه. وأكثر الناس لا ينظر في العواقب. وقد تزهد خلق كثير فأخرجوا ما بأيديهم. ثم احتجاجوا. فدخلوا في مكروهات. والحازم من يحفظ ما في يده. والإمساك في حق الكريم جهاد. كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد. وقال غير واحد نحن في زمان من احتاج فأول ما يبذل دينه. وأما من أراد أن يتصدق بماله كله وله عائلة لهم كفاية. أو يكفيهم بكسبه استحب له ذلك. لأن أبا بكر جاء بجميع ماله. فقال له رسول

стр. 721

الله ﷺ "ما أبقيت لأهلك" قال الله ورسوله. وكان تاجرا ذا كسب. أو كان وحده ويعلم من نفسه حسن التوكل. واثقا بما عند الله. آيسا مما في أيدي الناس استحب له. قال القاضي وغيره عند جمهور العلماء وأئمة الأمصار. لقوله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ وإلا حرم عليه ذلك. ويمنع منه. ويحجر عليه لتبذيره. ولو تبرع بماله بحيث لا يبقى لأهل الحقوق ما يستوفونه فهو باطل في أحد قولي العلماء. من جهة أن قضاء الدين واجب ونفقة الولد كذلك. فيحرم عليه أن يدع الواجب ويصرفه فيما لا يجب فيرد إلى ملكه. ويصرف في قضاء دينه. ونفقة ولده. وعن جابر: جاء رجل بمثل بيضة من ذهب. وقال خذها ما أملك غيرها. قال "فحذفه بها" وقال "يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة. ثم يقعد يتكفف الناس. خير صدقة ما كان عن ظهر غنى" رواه أبو داود. (ومن يستعفف) أي من يطلب من نفسه العفة ويتكلفها. ويكف عن سؤال الناس. أو يطلب العفة من الله (يعفه الله) أي يعطيه إياها ويعنيه عليها. ويجعله عفيفا والعفة الحفظ عن المناهي (ومن يستغن) بما عنده وإن قل: وعما في أيدي الناس (يغنه الله) بإلقاء القناعة في قلبه.

стр. 722

والقنوع بما عنده. وهي الكنز الذي لا يفنى ويعطيه الله من فضله. ومن يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنيا من التعفف يغنه الله فيجعله غني القلب (متفق عليه) وفي الخبر "ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس". (وعن أبي هريرة مرفوعا) قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال (أفضل الصدقة جهد المقل رواه أبو داود) الجهد بضم الجيم وسكون الهاء الوسع والطاقة. وبالفتح المشقة. والمراد قدر ما يحتمله قليل المال. كما في حديث "سبق درهم ألف درهم" رجل له درهما تصدق بأحدهما. ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه ألف درهم فتصدق بها. لدلالة المقل على الثقة بالله. والزهد في الدنيا. فصدقته أفضل الصدقة. وهو أفضل الناس. وإذا صدقت نية العبد وقصده رزقه الله وحفظه من الذل. ودخل في قوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وجمع البيهقي وغيره بين الحديثين أن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية. (وله عنه) أي لأبي داود عن أبي هريرة (أنه ﷺ قال تصدقوا) فحث على الصدقة ورغب فيها (فقال

стр. 723

رجل عندي دينار) أي أريد أن أتصدق به وهو مثقال من الذهب مضروبا كان أو غير مضروب (قال تصدق به على نفسك) ففيه أن النفقة على النفس صدقة. وأنه يبدأ بها (قال عندي آخر) أي دينار آخر (قال تصدق به على ولدك) ففيه تقديم الولد على من بعده لشدة افتقاره إلى النفقة. ولأنه بعض منه ولاسيما إذا كان صغيرا ونحوه. قال أبو قلابة وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم. أو ينفعه الله بهم ويغنيهم. ولمسلم "أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله" (قال عندي آخر قال تصدق به على خادمك" إن كان مملوكا أو مطلق من يخدمه (قال عندي آخر قال أنت أبصر) أي اعلم إن شئت تصدقت به وإن شئت أمسكت. وتقدم تقديم الأهم فالأهم. رواه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم ولم يذكر في الحديث الزوجة "وقدم في صحيح مسلم الزوجة على الولد" من حديث جابر ولفظه "ابدأ بنفسك فتصدق عليها. فإن فضل شيء فأهلك. فإن فضل شيء فلذي قرابتك" ويأتي تقديمها في النفقات إن شاء الله تعالى. (وله) أي مسلم في صحيحه (عن أبي هريرة مرفوعا من يسأل الناس أموالهم تكثرا) اي قصدا للجمع من غير حاجة

стр. 724

(فإنما يسأل جمرا) أي فإن الذي يسأل يصير جمرا يكوى به كما في مانع الزكاة (فليستقل أوليستكثر) أي من جمر جهنم. ففيه أن سؤال التكثر محرم. والنهي عن السؤال أكثر من أن يحصر. وتقدم طرف منه. ومنه "لا يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم" متفق عليه. (وللبخاري عن الزبير مرفوعا) أي إلى النبي ﷺ (لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب) وفي لفظ "فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه (خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) وفي لفظ لهما من حديث أبي هريرة "فيبيعها فيستغني بها عن الناس خير له" الخ. ولو أدخل على نفسه المشقة. وذلك لما يدخل السائل على نفسه من ذل السؤال. وذلة الرد إن لم يعط. ودل الحديث وما قبله على قبح السؤال مع الحاجة. وزاد بالحث على الاكتساب. ومن له قدرة على الكسب فصحح بعضهم أنه حرام للأخبار. وكرهه بعضهم بشروط. أن لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسؤول فإن فقد أحدها حرم اتفاقا. وعن سمرة مرفوعا "إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا" لأن لكل حقا في بيت المال. وإنما السلطان وكيل "أو في أمر لا بد منه" نسأل الله السلامة.

стр. 725

ولأحمد عن خالد بن عدي مرفوعا "من بلغه معروف من أخيه عن غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله. ولا يرده. فإنما هو رزق ساقه الله إيه" وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا "إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. وما لا فلا تتبعه نفسك" وفي المال حقوق سوى الزكاة: نحو مواساة قرابة وصلة إخوان. وإعطاء سائل. وإعارة محتاج. نحو دلو وركوب ظهر. وإطراق فحل. قال الشخ وإعطاء السائل فرض كفاية إن صدق. وقال القرطبي اتفق العلماء علىنه إذا نزل بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك يجب على الناس فداء أسرهم. وإن استغرق ذلك أموالهم. وفي الإقناع وغيره وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعا مع أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة اتفاقا. لكن ما يعرض لجائع وعار ونحوهما فيجب عند وجود سببه.

стр. 726

كتابُ الصِّيَام الصوم ترك الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك. وكان معروفا قبل مستعملا. كما في الصحيحين "يوم عاشوراء" كان يوما تصومه قريش في الجاهلية" فهو لغة مجرد الإمساك. وشرعا إمساك بنية عن اشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص. فرض في السنة الثانية من الهجرة. وهو أحد أركان الإسلام. وفرض من فروض الله المعلومة بالضرورة من دين الإسلام. بل من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف. وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. ويأتي ذكر فضله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وأوجب ﴿الصِّيَامُ﴾ أي الإمساك عن الطعام والشراب والجماع. من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. بنية خالصة. لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها عن الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. والضمير عائد إلى المسلم دون الكافر إجماعا. فلا يجب عليه الصوم ولو مرتدا. لأنه عبادة بدنية محضة

стр. 727

تفتقر إلى نية فكان من شرطها الإسلام ولا يصح صوم كافر بأي كفر كان إجماعا. وتمنع الردة صحته إجماعا. ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني الأنبياء والأمم. والمعنى كما أوجبه عليكم فقد أوجبه على من كان قبلكم فلكم فيهم أسوة. فاجتهدوا في أدائه أكمل من أولئك ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يعني بالصوم. لأن الصوم وصلة إلى التقوى. لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات. وذكر أياما معدودات أي مقدرات. (إلى قوله) ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أي كتب عليكم الصيام. ثم بينه تعالى فقال ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ وسمي الشهر شهرا لشهرته. ورمضان اسم للشهر. سمي به من الرمضاء. قيل كان في شدة الحر حينما كانوا يصومون. ثم مدح تعالى شهر رمضان من بين سائر الشهور. بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم. وكان ذلك في ليلة القدر. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أي أنزله جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا. وأنزل من الله مفرقا بحسب الوقائع. وفي الحديث "أنه الشهر الذي أنزل الله فيه الكتب الإلهية على الأنبياء" وسمي قرآنا لجمعه السور والآي والحروف والقصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والحلال والحرام. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ من الضلالات ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾

стр. 728

دلالات واضحات (والفرقان) بين الحق والباطل ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب من الله ختم على من شهد منكم الشهر كله فليصم الشهر كله ومن لم يشهد منكم الشهر كله فليصم ما شهد منه. يوضحه إفطاره ﷺ وأصحابه عام الفتح والمخاطب بالوجوب المكلف. فلا يجب على صغير ولا مجنون اتفاقا لخبر "رفع القلم عن ثلاثة مجنون حتى يفيق وصغير حتى يبلغ". ويصح من المميز كصلاته. ولا يصح من مجنون وإن أفاق من نواه جزءامن النهار صح اتفاقا ومن نام ولو جميعه صح. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ أي ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام أو يؤذيه فأفطر. فعدة من أيام أخر. ﴿أو﴾ كان منكم ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ أي في حال السفر فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة من أيام أخر أي ما أفطره في السفر من الأيام صامه من أيام أخر غير أيام مرضه وسفره ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ أي إنما رخص لكم فيالفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه عليكم في حق المقيم الصحيح تيسيرا عليكم ورحمة بكم. ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فالدين كله يسر ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدد الأيام التي أفطرتم فيها بعذر السفر والمرض. وكذا الحيض والنفاس لتقضوها بعددها ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا

стр. 729

هَدَاكُمْ﴾ ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على نعمه فيسن الفطر لمريض يضره الصوم إجماعا في الجملة. ويكره له الصوم لإضراره بنفسه وترك تخفيف الله له ورخصة الله المطلوب إتيانها. وأجمعوا على أنه إذا كان الصوم يزيد في مرضه أنه يفطر ويقضي. وإذا احتمل وصام أجزأ. ولم يذكروا خلافا في الإجزاء. ولا يفطر إن لم يتضرر اتفاقا. وقال أحمد الفطر للمسافر افضل. وإن لم يجهده الصوم. لأنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ وثبت في السنن أن من الصحابة من يفطر إذا فارق عامر قريته. ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ . والفطر في السفر جائز بالنصوص وإجماع المسلمين. وقال الشيخ سواء كان كان سفر حج أو جهاد أو تجارة ونحو ذلك من الأسفار التي لا يكرهها الله ورسوله. وتنازعوا في سفر المعصية. وقال يجوز في كل سفر. وإن كن قصيرا. فإن شق بأن جهده كره له فعله. وكان الفطر أفضل. وصومه صحيح. وحكاه الوزير وغيره اتفاقا. واتفقوا على أنه يجوز له أن يصوم ويفطر. وكذا إن سافر في أثناء يوم لما تقدم وكما بعد سفره إجماعا. قال البغوي لا فرق عند عامة أهل العلم بين من ينشئ السفر في شهر رمضان وبين من يدخل عليه وهو مسافر. وجاءت الآثار في الفطر لمن أنشأ السفر في أثناء يوم. (وتقدم قوله ﷺ بني الإسلام على خمس) شهادة أن لا إله

стр. 730

إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإتياء الزكاة (وفيه وصوم رمضان) فهو ركن من أركان الإسلام التي لا ينبني الإسلام إلا عليها (و) كذا (حج البيت) الحرام من استطاع غليه سبيلا وجاء إليه ﷺ أعرابي فقال ماذا فرض الله علي من الصيام قال "شهر رمضان" وغير ذلك من الأحاديث الدالة على فرضيته. (وفي الصحيحين وغيرهما) من غير وجه. قال الطحاوي تواتر عن رسول الله ﷺ (أنه قال صوموا لرؤيته) أي رؤية هلال شهر رمضان. فيجب صومه برؤيته بإجماع المسلمين. والمراد إذا ثبتت رؤيته. كما سيأتي. فيلزم الناس كلهم الصوم إذا اتفقت المطالع وإلا فلا. ويستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان احتياطا لصومهم وحذرا من الاختلاف. وعن عائشة "كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين ثم صام" صححه الدارقطني. ويستحب قول ما ورد: ومنه الله أكبر ثلاثا. لا إله إلا الله ثلاثا. اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى ربي وربك الله. هلال رشد وخير الحمد لله الذي جاء بشهر رمضان وذهب بشهر شعبان (وأفطروا لرؤيته) إجماعا وليس المراد جميع الناس بل يثبت بعدلين بعدلين إجماعا.

стр. 731

(فإن غم عليكم) من غممت الشيء إذا غطيته. أي حال بينكم وبينه سحاب أو قتر هائج من الأبخرة. كنحو ما يحصل في الصيف من الأغيرة والأدخنة. فإنه لا يمكن رؤيته في مثل ذلك. كما يمكن في مثل صفاء الجو. وفي لفظ غبي عليكم وغمي. وهو بمعنى غم. وللترمذي وغيره "فإن حال بينكم وبينه سحاب" (فاكلموا عدة شعبان ثلاثين). وثبت من غير وجه "لا تصوموا حتى تروه" والمراد إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يوما "ولا تفطروا حتى تروه" أي أو تكملوا ثلاثين "فإن حال دونه غياية فاكلموا ثلاثين يوما" وفي رواية "فاقدروا له" أي احسبا له قدره. وذلك ثلاثون. من قدر الشيء وليس من اضيق في شيء. بل قال الحافظ الزركشي السنة الصحيحة ترد تأويلهم ورواه الترمذي. وقال العمل عليه عند أهل العلم. كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. وإن كان يصوم صوما فوافق صيامه فلا بأس به عندهم. وله عن ابن عباس مرفوعا "لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته" الخ وصح من غير وجه النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ويأتي "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ "وصنف جامعة من أهل العلم في كراهة صوم يوم الشك أو تحريمه. وذهب إليه المحققون من أصحاب أحمد

стр. 732

وغيره. وهو رواية عن أحمد. وفاقا للثلاثة. واختاره الشيخ وغيره. وأجمعوا على أنه لا اعتبار بالحساب لهذا الخبر وغيره. (وعن ابن عمر) ﵄ قال (تراءى الناس) أي اجتمعوا للرؤية وتكلفوا النظر ليروا (الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ ) وحدي (أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود) وصححه ابن حبان والحاكم وابن حزم. وللخمسة عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال فقال "أتشهد أن لا إله إلا الله" قال نعم قال "أتشهد أن محمدا رسول الله" قال نعم. فقال "أذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا" صححه ابن خزيمة. قال الترمذي العمل عليه أكثر أهل العلم. قالوا تقبل شهادة رجل واحد في الصيام. وبه يقول الشافعي وأحمد وأهل الكوفة. قال النووي وهو الأصح. ولأنه خبر ديني لا تهمة فيه. وأحوط للعبادة. ويقبل خبره رجلا كان أو امرأة بدون لفظ الشهادة. لأنه من باب الرواية. فيصام بقوله رأيت الهلال. ولو لم يقل أشهد. وتعتبر عدالته. (وله) أي لأبي داود وأحمد وغيرهما ورجاله رجال الصحيح عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . قال اختلف الناس في آخر يوم من رمضان و (أن أعرابيين) قدما على النبي ﷺ و (شهد عند النبي ﷺ ) بالله

стр. 733

(أنهما رأيا الهلال بالأمس عشية. وأمس علم على اليوم الذي قبل يومك (فأمر ﷺ الناس أن يفطروا) وأن يغدوا إلى مصلاكم" وتقدم نحوه عن أبي عمير صححه ابن المنذر وغيره. وثبت أنه قال ﷺ "إن شهد اثنان فصوموا وافطروا) فلا يقبل في الفطر إلا اثنان عدلان. وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم ير الهلال لم يفطروا. كما لو شهد بهلال شوال بالإجماع. لأن الصوم إنما كان احتياطا. والأصل بقاء رمضان. وموافقة الأصل أولى. ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله. أو رأى هلال شوال فمع الناس قال الشيخ لا يزلمه الصوم أي ولا الفطر. ولا الأحكام المتعلقة بالهلال من طلاق وغيره. وقال يصوم مع الناس ويفطر مع الناس. وهذا أظهر الأقوال. إلا أن يكون في مكان ليس فيه غيره. (وعن أبي هريرة مرفوعا صومكم يوم تصومون) يعني أنتم معشر المسلمين (وفطركم يوم تفطرون) ماض لا وزر ولا عتب ولا شيء عليكم (رواه الترمذي) وغيره وحسنه. وسكت عنه أبو داود والمنذري. ورجال إسناده ثقات. وللترمذي وصححه عن عائشة قال" الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس" قال الشيخ أي هذا اليوم الذي تعلمون أنه وقت الصوم والفطر والأضحى فإذا لم تعلموه لم يترتب عليه حكم.

стр. 734

وقال أحمد وغيره يصوم ويفطر مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحوة والغيم. وقال يد الله على الجماعة. وقال الشيخ فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. ولأنه لو رأى هلال النحر وحده لم يقف دون سائر الحاج. وأصل هذه المسألة أن الله علق أحكاما شرعية بمسمى الهلال والشهر. كالصوم والفطر والنحر. وذكر الآيات. وتنازع الناس في الصوم. ثم قال: لكن النحر ما علمت أن أحدا قال من رآه ييقف وحده دون سائر الحاج. وذكر تنازعهم في الصوم وتناقضهم. ثم قال: وتناقض هذه الأقوال يدل على أن الصحيح صنعه مثل ذلك في ذي الحجة. وحينئذ فشرط كونه هلالا وشهرا شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة. أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين. فلذلك لا يصوموا إلا مع المسلمين ولا يفطرون إلا معهم. فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين فكذلك لا يصومون ولا يفطرون إلا مع المسلمين وهذا معنى قوله ﷺ "صومكم يوم تصومون ونحركم وأضحاكم" الحديث. وقال: الأصل أن الله علق الحكم بالهلال والشهر والهلال اسم لما يستهل به أي يعلن به ويجهر به فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلال. وكذا الشهر مأخوذ من

стр. 735

الشهرة فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل وعلى هذا تفترق أحكام الشهر هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم أو لا يبين ذلك قوله " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). فإنما أمر بالصوم من شهد اشهر والمشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه وقوله "إذا رأيتموه فصوموا. وإذا رأيتموه فافطروا" من الواضح الوضح. ونحو ذلك خطاب للجماعة. قال ولا يلزمه طلاقه وعتقه المعلق بالهلال وغير ذلك من خصائص الرمضانية. وذكر ابن عبد البر أنه قول أكثر العلماء. وأما الفطر فلاحتمال خطئه وتهمته. فوجب الاحتياط. وحكى بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز إظهار الفطر وقال الشيخ باتفاق العلماء إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر. وقال عمر وعائشة وغيرهما لا يفطر. قال الموفق لا يعلم لهما مخالف فكان إجماعا وهو المذهب وفاقا لأبي حنيفة ومالك. وقال الشيخ هو أصح القولين. (وعن حمزة بن عمرو) هو أبو صالح أو محمد الأسلمي الحجازي روى عنه ابنه محمد وعائشة. مات سنة إحدى وستين وله ثمانون (أنه قال يا رسول الله أجد بي قوة على الصوم في السفر فهل على جناح) أي إثم وميل إن صمت في السفر (فقال هي رخصة من الله) أي تسهيل وتخفيف من الله لعباده

стр. 736

(فمن أخذ بها) أي برخصة الله (فحسن) ولا إثم عليه. (ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم) وهو عند الجماعة بلفظ "إن شئت فصم وإن شئت فافطر" وللبخاري "إن أفطرت فحسن. وإن صمت فلا بأس" وفي المسند "إن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يكره أن تؤتى معصيته" وفي الصحيحين "ليس من البر الصيام في السفر" وفيه أنه قد ظلل عليه وفي حديث حمزة "وهو اهـ. ون علي من أن أؤخره" وعلل بعضهم بالكراهة للضرر والمشقة. وحكي إذا جهده كره اتفاقا. لكن إن فعله أجزأ إجماعا. وقال الشيخ جائز باتفاق الأئمة. سواء كان قادرا على الصوم أو عاجزا. وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق. ومن قال إن الفطر لا يجوز لا لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب. وكذلك من أنكر على المفطر أو أن عليه إثما فإن هذه الأقوال خلاف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة. (وله عن جابر أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة) عام الفتح سنة ثمان في رمضان (فصام حتى بلغ كراع الغميم) بضم الكاف واد أمام عسفان من أموال أعالي المدينة. ولهما عن ابن عباس خرج منالمدينة ومعه عشرة آلاف فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون. حتى إذا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد من أموال أعالي المدينة. والجميع من عمل عسفان والقضية واحدة.

стр. 737

(وصام الناس معه فقيل) له إن الناس (قد شق عليهم) الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت (فدعا بقدح من ماء) بعد العصر (فشرب) والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وصام بعضهم (وبلغه أن أناسا صاموا فقال أولئك العصاة) ولفظ الصحيحين أفطر وأفطروا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر. وله طرق. وفيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى الصيام من الليل وهو قول الجمهور. وحكاه في الفروع اتفاقا. وبما شاء وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. لأن من له الأكل فله الجماع. إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه لظاهر الآية والأخبار. ومنها ما روى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط في شهر رمضان ثم قرب غداءه. فقلت الست ترى البيوت قال أترغب عن سنة رسول الله ﷺ رواه أبو داود وغيره. وعن أنس نحوه رواه الترمذي وصححه ابن العربي. فصرح هذان الصحابيان أنه سنة. ولأن السفر مبيح للفطر كالمرض الطارئ. ورجح الشيخ وغيره جوازه. وقال كما ثبت في السنن أن من الصحابة من يفطر إذا خرج من يومه. ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ . وذكر الحديث. والأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم. خروجا من خلاف من لم يبح له الفطر. ولا يفطر قبل خروجه اتفاقا.

стр. 738

(وقال ابن عباس) يعني في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه. وفي قراءة أخرى (يطوقونه) ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (رخص للشيخ الكبير) يعني الفاني الذي لا يستطيع الصوم (أن يفطر) في رمضان (ويطعم عن كل يوم مسكينا) وفي رواية نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا. قال ابن القيم أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة المريض المايوس منه. والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطر ويطعما كل يوم مسكينا. إقامة للإطعام مقام الصيام رحمة وتخفيفا اهـ. وثبت عنه من غير وجه بألفاظ متقاربة. وقال ابن كثير وغيره حاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه لقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وأما الشيخ الفاني الهرم والمرأة الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصيام فلهما أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكينا. ولا قضاء عليهما. وقد أطعم أنس ﵁ لما كبر. قال ابن كثير وه والصحيح وعليه أكثر العلماء. ومثله المريض الذي لا يرجى زوال مرضه قاله ابن عباس وغيره. قال ابن القيم ولا يصار إلى الفدية إلا عند الياس من القضاء. (وقال) يعني ابن عباس ﵄ (في الحامل والمرضع) إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما (يفطران

стр. 739

ويطعمان) لدخولهما في الآية الكريمة. وعن ابن عمر نحوه. ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة. قال ابن القيم أفتى ابن عباس وغيره في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما كل يوم مسكينا. إقامة للإطعام مقام الصيام اهـ. ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة فوجب به الكفارة كالشيخ الهرم وثبت أيضا عن ابن عباس أنه قال في الآية: أثبتت للحبلى والمرضع. وظاهره نسخ الحكم في غيرهما. والكبير الهرم. وهو مذهب الجمهور. وقالوا وحكم الإطعام باق في حق من لم يطق الصيام وذهب ابن عباس وابن عمر إلى عدم القضاء. وقال أحمد أذهب إلى حديث أبي هريرة "إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم" قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم تفطران وتطعمان وتقضيان كالمريض إذا خاف على نفسه. وقال الشيخ تفطر وتقضي عن كل يوم يوما وتطعم عن كل يوم مسكينا رطلا من خبز بأدمه. وقال غير واحد على الفور. ويجوز إلى واحد جملة بلا نزاع. وحكى الوزير وغيره الاتفاق بدون إطعام. بخلاف خوفهما على ولديهما فقط أو الكبير لقدرتهما عليه. وكره صومهما مع خوف الضرر اتفاقا. وإن صامتا أجزأ كالمريض والمسافر. وحكم ظئر مرضعه لغير ولدها كأم. ويجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من هلكة

стр. 740

كغريق وتقدم سنية الفطر لمريض يضره الصوم وفي الإنصاف إن خاف المريض زيادة مرضه أو طوله. وصحيح مرضًا في يومه أو خاف مرضا لأجل العطش استحب له الفطر. وكره صومه وإتمامه إجماعا. وقال ابن القيم أسباب الفطر أربعة: السفر. والمرض. والحيض. والخوف على هلاك من يخشى عليه. كالمرضع. والحامل ومثله مسالة الغريق. وأجاز شيخ الإسلام الفطر للتقوي على الجهاد. وفعله وأفتى به لما نزل العدو دمشق في رمضان وأنكر عليه بعض المتفقهة. وقال ليس هذا بسفر فقال الشيخ هذا فطر للتقوي على جهاد العدو وهو أولى من الفطر للسفر. والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فهموربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة المسلمين. وهل يشك فقيه أن الفطر هنا أولىمن فطر المسافر. وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالفطر للتقوي على عدوهم. قال ابن القيم إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما. وفطر من يخلص الغريق. ففطر المقاتلين أولى بالجواز. وهذا من باب قياس الأولى. ومن باب دلالة النص وإيمائه. (وعن حفصة) يعني أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب ﵄ زوجة رسول الله ﷺ (مرفوعا) أن النبي ﷺ قال (من لم يبيت) أي ينوي (الصيام من الليل) يقال بيت
следующие страницы →