(فمن أخذ بها) أي برخصة الله (فحسن) ولا إثم عليه.
(ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم) وهو عند الجماعة بلفظ "إن شئت فصم وإن شئت فافطر" وللبخاري "إن أفطرت فحسن. وإن صمت فلا بأس" وفي المسند "إن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يكره أن تؤتى معصيته" وفي الصحيحين "ليس من البر الصيام في السفر" وفيه أنه قد ظلل عليه وفي حديث حمزة "وهو اهـ. ون علي من أن أؤخره" وعلل بعضهم بالكراهة للضرر والمشقة. وحكي إذا جهده كره اتفاقا. لكن إن فعله أجزأ إجماعا.
وقال الشيخ جائز باتفاق الأئمة. سواء كان قادرا على الصوم أو عاجزا. وسواء شق عليه الصوم أو لم يشق. ومن قال إن الفطر لا يجوز لا لمن عجز عن الصيام فإنه يستتاب. وكذلك من أنكر على المفطر أو أن عليه إثما فإن هذه الأقوال خلاف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة.
(وله عن جابر أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة) عام الفتح سنة ثمان في رمضان (فصام حتى بلغ كراع الغميم) بضم الكاف واد أمام عسفان من أموال أعالي المدينة. ولهما عن ابن عباس خرج منالمدينة ومعه عشرة آلاف فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون. حتى إذا بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد من أموال أعالي المدينة. والجميع من عمل عسفان والقضية واحدة.
стр. 737
(وصام الناس معه فقيل) له إن الناس (قد شق عليهم) الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت (فدعا بقدح من ماء) بعد العصر (فشرب) والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وصام بعضهم (وبلغه أن أناسا صاموا فقال أولئك العصاة) ولفظ الصحيحين أفطر وأفطروا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخر فالآخر. وله طرق.
وفيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى الصيام من الليل وهو قول الجمهور. وحكاه في الفروع اتفاقا. وبما شاء وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. لأن من له الأكل فله الجماع. إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه لظاهر الآية والأخبار. ومنها ما روى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط في شهر رمضان ثم قرب غداءه.
فقلت الست ترى البيوت قال أترغب عن سنة رسول الله ﷺ رواه أبو داود وغيره. وعن أنس نحوه رواه الترمذي وصححه ابن العربي.
فصرح هذان الصحابيان أنه سنة. ولأن السفر مبيح للفطر كالمرض الطارئ. ورجح الشيخ وغيره جوازه. وقال كما ثبت في السنن أن من الصحابة من يفطر إذا خرج من يومه. ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ . وذكر الحديث. والأفضل لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم. خروجا من خلاف من لم يبح له الفطر. ولا يفطر قبل خروجه اتفاقا.
стр. 738
(وقال ابن عباس) يعني في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه. وفي قراءة أخرى (يطوقونه) ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (رخص للشيخ الكبير) يعني الفاني الذي لا يستطيع الصوم (أن يفطر) في رمضان (ويطعم عن كل يوم مسكينا) وفي رواية نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا.
قال ابن القيم أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة المريض المايوس منه. والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطر ويطعما كل يوم مسكينا. إقامة للإطعام مقام الصيام رحمة وتخفيفا اهـ. وثبت عنه من غير وجه بألفاظ متقاربة. وقال ابن كثير وغيره حاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه لقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وأما الشيخ الفاني الهرم والمرأة الكبيرة اللذان لا يستطيعان الصيام فلهما أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكينا. ولا قضاء عليهما. وقد أطعم أنس ﵁ لما كبر. قال ابن كثير وه والصحيح وعليه أكثر العلماء. ومثله المريض الذي لا يرجى زوال مرضه قاله ابن عباس وغيره. قال ابن القيم ولا يصار إلى الفدية إلا عند الياس من القضاء.
(وقال) يعني ابن عباس ﵄ (في الحامل والمرضع) إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما (يفطران
стр. 739
ويطعمان) لدخولهما في الآية الكريمة. وعن ابن عمر نحوه. ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة. قال ابن القيم أفتى ابن عباس وغيره في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما كل يوم مسكينا. إقامة للإطعام مقام الصيام اهـ.
ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة فوجب به الكفارة كالشيخ الهرم وثبت أيضا عن ابن عباس أنه قال في الآية: أثبتت للحبلى والمرضع. وظاهره نسخ الحكم في غيرهما.
والكبير الهرم. وهو مذهب الجمهور. وقالوا وحكم الإطعام باق في حق من لم يطق الصيام وذهب ابن عباس وابن عمر إلى عدم القضاء. وقال أحمد أذهب إلى حديث أبي هريرة "إن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم" قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم تفطران وتطعمان وتقضيان كالمريض إذا خاف على نفسه.
وقال الشيخ تفطر وتقضي عن كل يوم يوما وتطعم عن كل يوم مسكينا رطلا من خبز بأدمه. وقال غير واحد على الفور. ويجوز إلى واحد جملة بلا نزاع. وحكى الوزير وغيره الاتفاق بدون إطعام. بخلاف خوفهما على ولديهما فقط أو الكبير لقدرتهما عليه. وكره صومهما مع خوف الضرر اتفاقا. وإن صامتا أجزأ كالمريض والمسافر. وحكم ظئر مرضعه لغير ولدها كأم.
ويجب الفطر على من احتاجه لإنقاذ معصوم من هلكة
стр. 740
كغريق وتقدم سنية الفطر لمريض يضره الصوم وفي الإنصاف إن خاف المريض زيادة مرضه أو طوله. وصحيح مرضًا في يومه أو خاف مرضا لأجل العطش استحب له الفطر. وكره صومه وإتمامه إجماعا. وقال ابن القيم أسباب الفطر أربعة: السفر. والمرض. والحيض. والخوف على هلاك من يخشى عليه. كالمرضع. والحامل ومثله مسالة الغريق.
وأجاز شيخ الإسلام الفطر للتقوي على الجهاد. وفعله وأفتى به لما نزل العدو دمشق في رمضان وأنكر عليه بعض المتفقهة. وقال ليس هذا بسفر فقال الشيخ هذا فطر للتقوي على جهاد العدو وهو أولى من الفطر للسفر. والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فهموربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة المسلمين.
وهل يشك فقيه أن الفطر هنا أولىمن فطر المسافر. وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالفطر للتقوي على عدوهم. قال ابن القيم إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما. وفطر من يخلص الغريق. ففطر المقاتلين أولى بالجواز. وهذا من باب قياس الأولى. ومن باب دلالة النص وإيمائه.
(وعن حفصة) يعني أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب ﵄ زوجة رسول الله ﷺ (مرفوعا) أن النبي ﷺ قال (من لم يبيت) أي ينوي (الصيام من الليل) يقال بيت
стр. 741
فلان رأيه إذا فكر فيه وخمره وكل ما فكر فيه ودبر بليل فقد بيت (فلا صيام له رواه الخمسة وصححه الترمذي) وفي لفظ "من لم يجمع الصيام" أي يعزم عليه ويحكم النية "من الليل فلا صيام له" وللدراقطني عن عائشة مرفوعا "من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له".
فدلت الأحاديث على وجوب تعيين النية. وهو قول الجمهور. وفي الصحيحين "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وأصل النية في الصوم كغيره وإن كان تطوعا بالإجماع. ولأن النية عند ابتداء الصيام كالصلاة والحج.
وحكى الشيخ ثلاثة أقوال ثالثها أن الفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية من الليل. لما دل عليه حديث حفصة وابن عمر. لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم. والنية لا تنعطف على الماضي. وقال هذا أوسط الأقوال. ولا فرق بين أول الليل ووسطه وآخره.
ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم يدل نيته قال الشيخ هو حين يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصوم. ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي ورمضان. وقال كل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقدنوى صومه. وهو فعل عامة المسلمين. واتفقوا على أن ما ثبت في الذمة من الصوم كقضاء رمضان والنذر والكفارات لا يجزئ صومه إلا بالنية من
стр. 742
اليل. وعند أحمد تكفي النية أول الشهر ما لم يقطعها وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.
(ولمسلم عن عائشة قالت دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلنا لا قال فإني إذا صائم) وإذا للاستقبال. قالت "ثم أتانا يوما آخر فقلنا اهـ. دي لنا حيس فقال أرينيه فلقدأصبحت صائما فأكل" وفي رواية كان يدخل على بعض أزواجه فيقول "هل من غداء" فإن قالوا لا قال "فإني صائم" وله ألفاظ: منها فإن قلنا ننعم "تغدى" فدل على انه كان مفطرا. وإن قلنا لا قال "إني صائم" وثبت عن جماعة من الصحابة ﵃.
فدل على جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان تطوعا. وإفطاره قبل الليل. واتفقوا علىن صوم النفل كله يجوز بنية من النهار قبل الزوال وبعده. إلا ما روي عن مالك. قال الشيخ يجزئ كما دل عليه الخبر. وكالمكتوبة يجب فيها من الأركان كالقيام والاستقرار على الأرض ما لا يجب في التطوع توسيعا من الله على عباده طرق التطوع. فإن أنواع التطوعات دائما أوسع من أنواع المفروضات. وهذا أوسط الأقوال.
وشرطه أن لا يوجد مناف غير نية الإفطار. اقتصارا على مقتضى الدليل. ونظرا إلى أن الإمساك هو المقصود الأعظم فلا يعفىعنه أصلا. فإن فعل قبل النية ما يفطره لم يجز
стр. 743
الصيام. قال الموفق وغيره بغير خلاف. فلا يصح صوم من أكل ثم نوى بقية يومه اتفاقا. لعدم حصول حكمة الصوم. لأن من عادة المفطر الأكل بعض النهار. وإمساك بعضه. وقد أجمع المسلمون على أنه يدخل في الصوم بالفجر الثاني. ينقضي بتمام الغروب.
والصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية. لأن ما قبله لم يوجد فيه قصد القربة. فلا يقع عبادة. قاله الشيخ وغيره من نوى الإفطار أو أن وجد طعاما أكل بطل صومه. وإن قطع نية فرض ثم نواه نفلا صح. وإن نوى إن كان الصيام غدا من رمضان فهو فرضه لم يجزئه التعيين لعدم جزمه. وإن نواه ليلة الثلاثين من رمضان أجزأه بناء على الاصل.
باب ما يفسد الصوم
أي باب بيان الذي يبطل الصوم وهوكل ما ينافيه من أكل وشرب وجماع ونحوها. وبيان ما يتعلق بذلك.
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يعني في ليالي الصوم مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء. حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كناية عن الجماع إلى أن قال ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ جامعوهن حلالا. إلى أن قال ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
стр. 744
الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أي حتى يتبين لكم ضياء الصباح من سواد الليل. كما جاء مفسرا في الصحيحين وغيرهما. سميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتدا كالخيط.
وفي الترمذي وغيره "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد. فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" قال والعمل عليه عند أهل العلم. وثبت في الصحيح وغيره أن الذي يحرم الطعام يذهب مستطيلا في الافق والآخر الذي لا يحرم فيه الطعام كذنب السرحان. يذهب مرتفعا في السماء كالعمود. وبينهما وقت يظهر هذا وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهورا بينا لا ظلمة بعده.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فيحرم على الصائم الطعام والشراب. وكذا الجماع بطلوع الفجر الصادق إجماعا. قال الشيخ وغيره فعقل من الآية أن المراد الصيام من الأكل والشرب. فإنه أباحه إلى غاية ثم أمر بالإمساك عنهما إلى الليل.
وفي قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وكان معقولا عندهم أن الصيام هو الإمساك عنهما. فمن أكل أو شرب عامدا ذاكرا لصومه فسد صومه بإجماع المسلمين ولا فرق بين الكثير والقليل. ويمتد الحضر إلى غروب الشمس.
وإذا غربت حصل الفطر. وفي الصحيحين "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر
стр. 745
الصائم" ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الألفق وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق. ويعرف في العمران بزوال الشعاع. وإقبال الظلام. ويأتي الحث على تأخير السحور وتعجيل الفطر.
وذكر جمع: وكذا لو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان أفطر. سواء كان بمائع ويغذي. أو غير مغذ كحصاة. وسواء كان من مداواة نحو جائفة. أو مأمومة. لأنه في الجميع أوصل إلى جوفه ما هو ممنوع من إيصاله إليه. اشبه ما لو أوصل غليه مأكولا أو مشروبا.
وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه. وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة. فمما تنازع الناس فيه. فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك ومنهم من فطر بشيء دون شيء. والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك. فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام. فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصيام بها. لكان هذا مما يجب على الرسول ﷺ بيانه. ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة. كما بلغوا سائر شرعه.
فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا. ولا مسندا ولا مرسلا. علم أنه ﷺ لم يذكر شيئا من ذلك. والحديث المروي في الكحل ضعيف وقد
стр. 746
عورض بحديث ضعيف. وقال الترمذي لا يصح فيه شيء. وهؤلاء الذين قالوا إن هذه الأمور تفطر لم يكن معهم حجة عن النبي ﷺ وإنما ذكروا ذلك بما رأوا من القياس. وأقوى ما احتجوا به "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما".
ولايجوز إفساد الصوم بهذه الاقيسة لوجوه: منها أن الأحكام الشرعية بينتها النصوص. وليس فيها ما يدل على إفطاره بهذه. ومنها أن الأحكام لا بد أن يبينها الشارع ولو كانت هذه مما يفطر لبينه كما بين الإفطار بغيرها. فلما لم يبين ذلك علمنا أنه من جنس الطيب والبخور والدهن. وهي مما يتقوى به البدن. وقد كان المسلمون في عهده يجرح أحدهم مأمومة وجائفة فلو كان يفطر لبينه لهم.
ومنها أن إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون صحيحا وليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن. وما كان واصلا من منفذ أو وصلا إلى الجوف ونحو ذلك من المعاني. التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عن الله ورسوله. وإذا لم يكن للحكم بهذا دليل كان قولا بلا علم وذكر أن من نشق المال بمنخريه ينزل غلى حلقه وجوفه. فيزول العطش ويطبخ الطعام كما يحصل بشراب الماء. وليس كذلك الكحل والحقنة. ومداواة الجائفة والمأمومة. فإن الكحل لا يغذي. وكذا الحقنة.
стр. 747
بل تستفرغ ما في البدن. ولا تصل إلى المعدة (١) والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليه من غذائه بل ليس فيه تغذية. والصائم نهي عن الأكل والشرب. لأنه سبب التقوي.
فترك الأكل والشرب الذي يولد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان إنما يتولد من الغذاء. لا عن حقنة ولا كحل ولا ما يقطر في الذكر ولا ما يداوي به المأمومة والجائفة. فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإجماع. فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف معارض بهذه الأوصاف والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه) فيه دليل على أن ثم صوم يتم. وللدارقطني "ولا قضاء" وللحاكم وقال على شرط مسلم "من أكل في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة" وأفتى به جماعة من الصحابة. ولا مخالف لهم. وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ فالنسيان ليس من كسب القلوب.
стр. 748
(فإنما أطعمه الله وسقاه) أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلى الله. وأن هذا النسيان من الله ولطفه تيسيرا عليه ودفعا للحرج (متفق عليه) وللترمذي "إنما هو رزق ساقه الله إليه. ولا قضاء عليه" وإضافة الفعل إلى الله تعالى أنه سبحانه هو الذي أطعمه إياه تدل على ان لا اثر لذلك الأكل والشرب بالنسبة إلى الصائم. يؤيده "ولا قضاء عليه".
ولأن النسيان والخطأ ضرورة والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها. ولا هو مؤاخذ بها وإلى ذلك ذهب جماهير العلماء أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأهل الحديث عملا بالحديث. واعتذر بعض المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة. والحديث مع ما يعضده قاعدة مستقلة. وكذا إن طار إلى حلقه ذباب أو غبار أو دخان لم يفطر اتفاقا. كالنائم يدخل حلقه شيء.
وكذا لو فكر فأنزل عند الجمهور. وقال الوزير أجمعوا على أن من لمس فأمذى أن صومه صحيح. إلا ما روي عن أحمد. وإن احتلم فأنزل لم يفسد. قال الشيخ باتفاق الناس أو اغتسل أو تمضمض أو استنثر أو بالغ فدخل الماء حلقه لم يفطر إجماعا. ولا بكل ما دخل حلقه من غير قصد أشبه الناسي.
(وللخمسة عنه) أي عن أبي هريرة (مرفوعا) إلى رسول الله ﷺ أنه قال (من ذرعه القيء) أي غلبه وسبقه في الخروج
стр. 749
(فلا قضاء عليه) إجماعا لأنه لا تقصير منه. وكذا إن أصبح في فيه طعام فلفظه. أو شق عليه فبلع ريقه من غير قصد لم يفسد حكاه ابن المنذر إجماعا. أو بلغ ريقه عادة اتفاقا (ومن استقاء فعليه القضاء) وفي لفظ "من استقاء عمدا فليقض" أي تسبب لخروجه عمدا وجب عليه القضاء إجماعا. وقال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم.
وقال الشيخ نهي عن إخراج ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب الذي يتغذى به لمايوجب إخراجه من نقصان بدنه وضعفه. فإذا مكن منه ضره. وكان متعديا في عبادته. لا عادلا فيها. وعن ابن عمر نحوه موقوفا. ولأحمد عن أبي الدرداء أنه ﷺ قاء فأفطر. قال الترمذي هو أصح شيء في هذا الباب.
وقال البغوي والخطابي وغيرهما أجمعوا على أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه. ومن استقاء فعليه القضاء. لم يختلفوا فيه. وجودوا هذا الحديث وله طرق وشواهد.
(ولهم أن النبي ﷺ أتى على الرجل) بالبقيع (وهو يحتجم في رمضان) لثمان عشرة خلت من رمضان (فقال أفطر الحاجم) لأنه لا بد أن يصل إلى جوفه من الدم والحجامة شرط ظاهر الجلد المتصل قصدا لإخراج الدم من الجسد دون العروق أفطر (و) أفطر (المحجوم) للضعف الذي يلحق من ذلك إلى أن يعجز عن الصوم (صححه الترمذي) من حديث رافع (و) كذا صححه (غيره)
стр. 750
ابن المديني والدارمي وغيرهماز وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث شداد.
وقال أحمد والبخاري إنه أصح حديث في الباب. وصححه أحمد والحاكم من حديث ثوبان. وقال الدارمي إنه وحديث رافع اصح شيء في هذا الباب. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله رواه أحمد. وله من حديث عائشة وأسامة ومصعب وبلال وصفية وأبي موسى وعمرو بن شعيب وغيرهم اثني عشر صحابيا. وقال الطحاوي وغيره متواتر. وقال الشيخ الأحاديث الواردة فيه كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ.
وهذا نص في حصول الفطر لهما. فلا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما. والنبي ﷺ مخبر عنهما بالفطر. لا سيما وقد أطلق هذا القول إطلاقا من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن ظاهره غير مراد. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم. وكان أهل البصرة يغلقون حوانيت الحجامين. والقول بأن الحجامة تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث كأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر.
وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع النبي ﷺ . والذين لم يروه احتجوا بما في صحيح البخاري أنه ﷺ احتجم وهو صائم محرم. وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة. وهي قوله وهو صائم. وقالوا الثابت أنه احتجم وهو محرم. وقال أحمد وهو صائم ليس بصحيح. وأنكره يحيى بن
стр. 751
سعيد. وقال أحمد هو خطأ من قبل قبيصة. وقال أيضا عن حديث ابن عباس ليس فيه صائم. وقال أصحاب ابن عباس لا يذكرون صائم.
قال الشيخ وهذا الذي ذكره أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان. ولهذا أعرض مسلم عنه ولم يثبت إلا حجامة المحرم. قال وأما الحاجم فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه. والهواء يجتذب ما فيها من الدم. فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه. وهو لا يشعر. والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بالمظنة. كالنائم تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء. فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه وهو لا يدري.
والدم من أعظم المفطرات. فإنه حرام في نفسه لما فيه من طغيان الشهوة والخروج من العدل والصائم مأمور بحسم مادته والدم يزيد الدم فهو من جنس المحظور. فيفطر الحاجم لهذا. وأما الشارط فليس بحاجم. وهذا المعنى منتف فيه. وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة. بل يمتص غيره. أو يأخذ الدم بطريق أخرى والنبي ﷺ خرج كلامه على الحاجم المعتاد. المعروف.
وقال وقد بينا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس. وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاء
стр. 752
وبالاستمناء. وإذاكان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم بقصاد أوشرط أو رعاف أفطر. كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر. فتلك طرق لإخراج القيء. هذه طرق لإخراج الدم.
والمعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد ونحوه. ويدل عليه كلام العلماء قاطبة وصوبه أبو المظفر الوزير العالم العادل وغيره ولهذا كان إخراج الدم بهذا وهذا سواء في باب الطهارة. فتبين بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه.
وقال إن احتاج إليه المريض اقتصر وعليه القضاء. وإلا أخره في أحد قولي العلماء. ولا يفطر في شيء مما تقدم إلا بشرط أن يكون قاصدًا الفعل. ذاكرًا لصومه. ويجب القضاء. وظاهر الحديث وإن لم يكونا عالمين. ولكن كما قال ابن القيم: وأما النسيان المانع من الفطر فيستفاد من دليل آخر.
(وعن عائشة أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من جماع) لا احتلام (ثم يصوم متفق عليه) ولهما عن أم سلمة نحوه. ولمسلم عن عائشة أن رجلا قال يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فاصوم" فقال لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال "والله إني لا أرجو أن أكون أخشاكم الله وأعلمكم بما أتقي" وفي حديث أم سلمة كان يصبح جنبا من جماع لا حلم. ثم لا يفطر ولا يقضي.
стр. 753
وفي الكتاب العزيز جعل الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام. وهو دليل على أن من أصبح جنبًا فيغتسل وليتم صومه. ولا حرج عليه. وقال ابن كثير وغيره هذا مذهب الأئمة الأربعة. وحكاه الوزير والنووي وغيرهما إجماعًا. ومن ضرورة إباحة حل الرفث في جميع الليل أن يصبح صائمًا جنبًا. والغسل شيء وجب بالإنزال وليس في فعله شيء يحرم على الصائم.
فإن الصائم قد يحتلم في النهار فيجب عليه الغسل. ولا يفسد صومه بإجماع المسلمين. وأجمعوا على أنه إذا انقطع دم الحائض والنفساء قبل الفجر ثم طلع الفجر قبل أن يغتسلا فصومهما صحيح.
(وللبخاري عن أسماء) بنت أبي بكر ﵄ (أنهم أفطروا على عهد النبي ﷺ يوم غيم ثم طلعت الشمس) أي بعد أن افطروا. فكانوا كمن أفطر ناسيًا لجواز الفطر بغلبة الظن (ولم يذكر قضاء) قال البخاري قال معمر سمعت هشامًا يقول لا أدري اقضوا أم لا. وعن مجاهد وعطاء وعروة عدم القضاء. وقول هشام "لا بد من قضاء" [إنما هو] برأيه.
قال الشيخ وثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس. ولم يذكر في الحديث أنهم أمروا بالقضاء. ولو أمرهم لشاع ذلك كما نقل فطرهم. فلما لم ينقل
стр. 754
دل على أنه لم يأمرهم وثبت عن عمر أنه أفطر ثم تبين النهار فقال لا نقضي فإنا لم نتاجنف لإثم. وهذا القول أقوى أثرا ونظرا وأشبه بدلائل الكتاب والسنة والقياس وكذا قال ابن القيم. وأنهم اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه فصار فعله غير منسوب إليه كالناسي. لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر.
قال الشيخ فإذا أكل عند غروبها بناء على غلبة الظن فظهرت ثم أمسك فكالناسي. وكما لو أكل ظانا غروبها ولم يتبين له الخطأ واختار أنه لا قضاء على من أكل أو جامع معتقدا أنه ليل فبان نهارا. وقال قال به طائفة من السلف والخلف. وهو الثابت عن عمر وغيره. فأما إذا أكل شاكا في طلوع الفجر فالأصل بقاء الليل. ولأنه لا يمنع نية الصوم إلا اليقين.
فصل في الكفارة
أي في بيان ما يتعلق بالجماع في نهار رمضان من الكفارة. وهي عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها وتمحوها. وهي فعالة للمبالغة: فدية تلزم المجامع في نهار رمضان من غير عذر وعقوبة وزجر للواطئ وتكفير لجرمه. واستدراك لفرطه. وجبر لوهن الصوم. والجماع في نهار رمضان مفسد للصيام بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي أبيح لكم ليلة الصيام ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني مجامعة النساء تيسيرًا عليكم
стр. 755
وكان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء أو يرقد قبلها، فإذا صلى أو رقد قبلها حرم عليه إلى الليلة القابلة ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تخونون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالمجامعة ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي تجاوز عنكم ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ محا ذنوبكم ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ جامعوهن حلالا ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من الولد أو الرخصة ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر ثم أتموا الصيام إلى الليلِ﴾.
فأباح الأكل والشرب والجماع في أي الليل شاء. إلى أن يتبين ضياء الصباح ثم حرمه إلى الليل. فدلت الآية على أن الصيام المأمور بإتمامه ترك الوطء والأكل. فإذا وجد فيه الجماع لم يتم فيكون باطلا واتفق العلماء على أن من جامع في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة في الجملة ولما ذكر الشيخ انقسام المفطرات بالنص والإجماع. قال وأما الجامع فاعتبار أنه سبب إنزال المني يجري مجرى الاستقاءة والحيض والاحتجام.
فإنه من نوع الاستفراغ. ومن جهة أنه إحدى الشهوتين فجرى مجرى الأكل والشرب.
وقد قال النبي ﷺ "يدع طعامه وشرابه من أجلي" فترك الإنسان ما يشتهيه لله هوعبادة مقصودة يثاب عليها. والجماع
стр. 756
من أعظم نعيم البدن وسرور النفس وانبساطها. وهو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل. فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم والغذاء يبسط الدم. فتنبسط نفسه إلى الشهوات. فهذا المعنى في الجماع أبلغ. فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات ويضعف إرادتها عن العبادة أعظم.
بل الجماع هو غاية الشهوات. وشهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب ولهذا وجب على المجامع كفارة الظهار. فوجب عليه العتق. أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع لأن هذا أغلظ وداعيه أقوى. والمفسدة به أشد فهذا أعظم الحكمتين في تحريم الجماع. وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ فذلك حكمة أخرى. فصار فيها كالاستقاء والحيض. وهو في ذلك أبلغ منهما. فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل والحيض.
(وعن أبي هريرة) ﵁ (قال جاء رجل) هو سلمة بن صخر الأنصاري الخزرجي البياضي (إلى النبي ﷺ فقال هلكت) وللدارقطني "وأهلكت" فيدل على أنه كان عامدًا. لأن الهلاك هنا عبارة عن العصيان المؤدي إلى ذلك (قال وما أهلكك؟) استفهام منه ﷺ عن الذي أهلكه (قال وقعت على امرأتي في رمضان) أي جامعها في نهار رمضان.
(قال) له رسول الله ﷺ (هل تجد ما تعتق رقبة) بالنصب بدل من ما. وظاهره الإطلاق. فيحمل على المقيد في
стр. 757
كفارة القتل بالإيمان. وهو قول الجمهور ولا بد أن تكون سليمة من العيوب الضارة بالعمل (قال لا) أي لا أجد رقبة. ولابن ماجه قال لا أجدها (قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين) وحكى الوزير وغيره الإجماع على وجوب التتابع فيها (قال لا) اي قال لا استطيع صوم شهرين متتابعين.
(قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال لا) أي لا أجد ما أطعم به ستين مسكينا. قال النووي أجمع عليه العلماء في الأعصار المتأخرة وهو اشتراط إطعام ستين مسكينًا والجمهور على أن لكل مسكين مدًا من طعام ربع صاع مما يجزئ في فطرة كما تقدم عن شيخ الإسلام. وظاهر الحديث الترتيب لأنه نقله من أمر بعد عدمه إلى آخر ولم يأمره إلا عند العجز. وليس هذا شأن التخيير وهو مذهب جمهور العلماء.
ولابن ماجه قال "أعتق رقبة" قال لا أجدها. قال "صم شهرين متتابعين" قال لا أطيق. قال "أطعم ستين مسكينا" وفيه دلالة قوية على الترتيب "ثم جلس" غير قادر على شيء مما أمره به النبي ﷺ "فأتى النبي ﷺ بعرق) بفتح الراء (فيه تمر) اي في العرق وهو المكتل أو الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا. وروي فيه خمسة عشر صاعًا (فقال تصدق به).
فدل على أن الكفارة تجب على الرجل وهو اتفاق وعند الجمهور وعلى المرأة. وسكوته ﷺ لكونها لم تسأل. فلا حاجة
стр. 758
ولاحتمال أن تكون مكرهة. لقوله "هلكت وأهلكت" وإن كانت مطاوعة عالمة فك الرجل عند الجمهور لأن تمكينها كفعله في حد الزنا. ففي الكفارة أولى. وتسقط بتكفير غيره عنه "فقال أعلى أفقر منا" فهم من الأمر بالتصدق به أن يكون المتصدق عليه فقيرا "فما بين لابتيها" أي ما بين حرتي المدينة (أهل بيت أحوج إليه منا).
(فضحك النبي ﷺ حتىبدت نواجذه) جمع ناجذ والمشهور أنها أقصى الاضراس استغرب وضحك ﷺ مما شاهده من حال الرجل حيث جاء خائفا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه. فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه في الكفارة أو من حسن بيانه (وقال اذهب فأطعمه أهلك. متفق عليه).
فدل على أنه إذا لم يجد شيئًا يطعمه المساكين سقطت الكفارة. لأنه ﷺ لم يأمره بكفارة أخرى ولم يذكر له بقاءها في ذمته قال الوزير أجمعوا على أنه إذا عجز عن كفارة الوطء حين الوجوب سقطت إلا الشافعي في أحد قوليه وأوجب بعض العلماء على الرجل الكفارة ولو ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلاً قالوا لأنه ﷺ لم يستفصل المواقع عن حاله ولأن الوطء يفسد الصوم فأفسده على كل حال كالحج.
وعن أحمد لا تجب اختاره شيخ الإسلام وغيره وقال هو قياس أصول أحمد وغيره لأن الكفارة ماحية ومع النسيان
стр. 759
والإكراه والجهل لا إثم يمحى وقا قد ثبت بالكتاب والسنة أن من فعل محظورا مخطئًا أو ناسيًا لم يؤاخذه الله وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله فلا يكون عليه إثم ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيًا ولا مرتكبًا لما نهي عنه ومثل هذا لا تبطل عبادته.
ونقل ابن القاسم كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة قال أكثر الأصحاب وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة. وقال ابن عبد البر الصحيح في الأكل والوطء إذا غلب عليهما لا يفطرانه. وكذا قال غير واحد من أهل العلم الجماع كالأكل فيما مر فيه من الإكراه والنسيان والجهل قال النووي وهو قول جمهور العلماء والصحيح من مذهبهم. لأنه صح الحديث أن أكل الناسي لا يفطر والجماع في معناه.
والأحاديث في العامد لقوله "هلكت وأهلكت" وهذا لا يكون إلا في العامد. فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع. وقال الشيخ لا يقضي متعمد بلا عذر صوما ولا صلاة ولا يصح منه. وأنه ليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه. وضعف أمر المجامع بالقضاء لعدول البخاري ومسلم عنه. والجمهور على خلافه وذكر الحافظ أن له طرقًا تثبت أن له أصلاً. ولفظه عند أبي داود وصم يوما مكانه. والاحتياط والخروج من الخلاف مستحب.
وإن كرر الجماع في يوم فكفارة واحدة. قال الوزير أجمعوا
стр. 760
أنه إذا وطئ وكفر ثم عاد فوطئ ثانيًا في يومه ذلك أنه لا يجب عليه كفارة ثانية. وإن جامع في يومين متفرقين لزمه كفارتان عند الجمهور مالك والشافعي وأحمد وكما لو كفر عن اليوم الأول فإنه يلزمه لليوم الثاني كفارة ثانية. ذكره ابن عبد البر إجماعًا.
ومن جامع وهو معافى ثم مرض أو جن أو سافر لزمته الكفارة اتفاقًا لأنه ﷺ لم يسأل الأعرابي هل طرأ له بعد وطئه مرض أو غيره بل أمره بالكفارة. ولو اختلف الحكم لسأله عنه. ولأنه أفسد صيامًا واجبًا من رمضان بجماع فاسقرت كفارته. وإن جامع من نوى الصوم في سفره أفطر ولا كفارة عليه.
وأجمعوا على أنه إذا أفطر في السفر يباح له الجماع. وينبغي أن يفطر بنية الفطر. فيقع الجماع بعده.
ومن لزمه الإمساك ثم جامع فعليه الكفارة اتفاقًا. ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان إجماعًا. ولا كفارة بجماع دون الفرج ولا بمباشرة أو قبلة ونحوها ولو مع الإنزال اتفاقًا. ولا بالجماع في قضاء رمضان أو نذر أو كفارة. لأن الكفارة لهتك حرمة الشهر وغيره لا يساويه.
وقال طوائف من السلف من جامع معتقدا عدم طلوع الفجر ثم تبين أنه طلع فلا قضاء عليه. وقال الشيخ هذا القول أصح الأقوال وأشبهها بأصول الشريعة ودلالة الكتاب والسنة. فإن الله رفع المؤاخذة عن الناسي والمخطئ وقد أباح الله الأكل
стр. 761
والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. واستحب تأخير السحور. ومن فعل ما ندب إليه وأبيح له لم يفرط. فهذا أولى بالعذر من الناسي اهـ.
ومن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال لم يكفر اتفاقًا. وقال ابن أبي موسى قولا واحدا. واختاره أبو حفص وصاحب الفائق والشيخ وغيرهم. وقال هذا قول طوائف من السلف والخلف وقال غير واحد النزع ترك للجماع وقال ابن القيم من طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينًا.
ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث ولا شيء عليه. اختاره شيخنا. وهو الصواب. والحكم في حقه وجوب النزع. والمفسدة في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه. ونزعه. وإن استدام فعليه القضاء والكفارة. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. لأنه جماع في نهار رمضان باختيار فلا فرق بين ابتدائه ودوامه.
باب ما يكره ويستحب في الصوم
أي باب بيان ما يكره في الصوم من شتم وقبلة ونحو ذلك. وبيان ما يستحب في الصوم من تعجيل فطور وتأخير سحور قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ أي الكذب والبهتان
والباطل كغيبة ونميمة وشتم وفحش ونحوه. ويجب اجتنابه كل وقت وفي كل مكان. وفي رمضان والمكان الفاضل
стр. 762
آكد. لأن الحسنات والسيئات تتضاعف بالزمان والمكان الفاضل.
والنهي عن الزور كثير في الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ وقال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ وقال ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ وقال ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ فعلى المرء أن يسعى في حفظ لسانه عن جميع الكلام إلا ما ظهرت فيه مصلحة "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
قال أحمد ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه ولا يماري. ويصون صومه. وكانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد وقالوا نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا. ولا يعمل عملا يجرح به صومه. ويشرع له كثرة القراءة والذكر والصدقة لمضاعفة الحسنات في رمضان.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من لم يدع) أي يترك ويجتنب (قول الزور) وللطبراني من حديث أنس "من لم يدع الخنى والكذب" (والعمل به) أي بالزور (والجهل) أي السفه (فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) أي ليس المقصود من الصوم نفس الجوع والعطش. بل ما يتبعه من كسر
стр. 763
ثائرة الغضب وتطويع النفس الأمارة للطمأنينة.
فإذا لم يحصل لم يبال الله بصومه "رب صائم حظه من صيامه الجوع والظمأ" (رواه البخاري) ورواه أحمد وأهل السنن وغيرهم. وفيه الزجر والتحذير من قول الزور ومن العمل به. وأن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور. قال الشيخ وقد يكثر فيزيد على الصوم. وقد يقل وقد يتساويان. وهذا مما لا نزاع فيه. وفي المسند في المرأتين اللتين صامتا عما أحل الله لهما من الطعام وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس أمرهما أن يتقيئا فقاءتا ملء قدح قيحًا وصديدًا ولحمًا عبيطًا.
وذكر الشيخ وجها يفطر بغيبة ونميمة ونحوها. ونقل عن بعض السلف. لكن قال أحمد لو كانت الغيبة تفطر. ما كان لنا صوم. وذكره الموفق إجماعًا. وقول الأئمة لا تفطر أي لا يعاقب عقاب المعلن بالفطر. ومن قال يفطر بمعنى أنه لم يحصل له مقصود الصوم. أو قد تذهب بأجر الصوم. فقوله موافق لقول الأئمة.
ولا نزاع في تحريمها وفي الصحيحين "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ولما عرج به مر على قوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: "يا جبرائيل من
стр. 764
هؤلاء قال: الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم".
(ولهما) أي وللبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال بعد قوله "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب ولا يجهل" قال (وإن شاتمه أحد) أي شتمه متعرضًا لمشاتمته والشتم السب وهو رمي أعراض الناس بالمعائب القبيحة وذكرهم بقبيح القول حضرًا أو غيبًا (أو قاتله) أي نازه ودافعه ويحمل على ظاهره. وعلى اللعن. فيجعر إلى معنى الشتم والصائم مأمور أن يكف نفسه عن ذلك ولا يقابله بالشتم والسب.
(فيقل إني) امرؤ (صائم) أي صومي يمنعني من ذلك. وآكد للزجر ليرده به عن نفسه وظاهره أنه يقوله جهرًا اختاره الشيخ وغيره. لأن القول المطلق باللسان وفي الفرض لا نزاع فيه حكاه ابن العربي. وإنما الخلاف في التطوع بعدًا عن الرياء. قال النووي كل منهما حسن. والقول باللسان أقوى من القول في النفس ولو جمعهما لكان حسنًا.
(وعن عائشة) ﵂ أنه ﷺ (كان يقبل وهو صائم) ولهما عن أم سلمة أنه كان يقبلها وهو صائم. ولمسلم عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ أيقبل الصائم؟ فقال له "سل هذه "لأم سلمة فأخبرته أنه ﷺ كان يفعل ذلك.
стр. 765
فقال يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال "أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له" وفيه أن أفعاله حجة. وقال لعمر أرأيت لو تمضمضت؟ رواه أبو داود. فدلت على أنه يجوز التقبيل للصائم. ولا يفسد به الصوم. قال النووي ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم. إلا أن أنزل بها (ويباشر وهو صائم) المباشرة الملامسة وترد بمعنى الوطء. وليس مرادا هنا. وذكر المباشرة بعد التقبيل من ذكر العام بعد الخاص. فإن المباشرة المذكورة هنا أعم من التقبيل ما لم يبلغ إلى حد الجماع. لأنها في الأصل التقاء البشرتين.
(ولكنه أملككم لإربه) بكسر الهمزة أي حاجته ووطره. وقيل لعضوه. وقيل لنفسه. وهي رواية وآمنكم من الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة أو هيجان نفس. والمقصود أملككم لنفسه. فيأمن مع هذه المباشرة الوقوع في المحرم (متفق عليه).
(ولأبي داود عن أبي هريرة نهى) رسول الله ﷺ (شابا) سأله عن المباشرة للصائم فنهاه. وقال: "الشاب يفسد صومه" خشية أن تغلبه الشهوة وأن لا يملك نفسه عند التقبيل. ولذلك ذهب قوم إلى تحريم التقبيل على من تحرك شهوته الشاب مظنة لذلك. وقال المجد تحرم القبلة إن ظن إنزالا بغير خلاف. لتعريضه للفطر. ثم إن أنزل أفطر بلا خلاف وإن لم ينزل لم يفطر ذكره ابن عبد البر إجماعًا.
стр. 766
(ورخص الشيخ) سأله عن المباشرة للصائم. وقال الشيخ يملك إربه. وإسناده صحيح. ورواه البيهقي وهذا لفظه. ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء وابن عباس بإسناد صحيح. ولفعله ﵊. والتعبير بالشيخ والشاب جرى على الغالب. فلو انعكس الأمر انعكس الحكم.
وليست محرمة على من لم تحرك شهوته. ولا يقال إنها مكروهة له. وإنما هي خلاف الأولى في حقه. لثبوت فعله ﷺ وذلك لأنه يؤمن في حقه مجاوزة القبلة. ويخاف على غيره مجاوزتها. والمراد قبلة من تباح قبلته في الفطر. كزوجته وسريته تلذذا لا رحمة وتوددًا. فأما من تحرم قبلته في الفطر ففي الصوم أولى بالتحريم. وكذا دواعي الوطء كمعانقة ولمس وتكرار نظر للتلذذ والشهوة. وأما اللمس لغير شهوة كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه فلا يكره اتفاقًا.
(وقال ابن عباس) ﵄ (لا بأس بذوق طعام لحاجة رواه البخاري) وكذا قال أحمد وغيره لا بأس به لحاجة ومصلحة. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وكالمضمضة. ويكره بلا حاجة لأنه لا يأمن أن يصل إلى حلقه فيفطره. قال أحمد أحب إلي أن يجتنبه فإن فعل فلا بأس. وقال الشيخ إذا ذاق طعامًا ولفظه أو وضع فيه عسلا ومجه فلا بأس به لحاجة كالمضمضة والاستنشاق اهـ.
стр. 767
ويكره مضغ علك قوي لا يتحلل اتفاقًا. ويحرم المتحلل إجماعًا. لأنه يكون قاصدًا لإيصال شيء من خارج إلى جوفه مع الصوم وهو حرام ويكره أن يدع بين أسنانه بقايا من الطعام خشية خروجه فيجري به ريقه إلى جوفه.
ويكره جمع ريقه فيبتلعه خروجًا من الخلاف. ويحرم بلع النخامة وقيل يفطر بها إن وصلت إلى فمه وفاقًا للشافعي. كالقيء. وعن أحمد وغيره لا يفطر لأنه معتاد في الفم كالريق. فالأولى اجتنابه ولا يفطر به إجماعًا.
(وعن أنس أن النبي ﷺ قال تسحروا) فيه الأمر بالسحور فإن في السحور بركة متفق عليه) لأنه يقوي على الصيام وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر. وقال الحافظ الأجر والثواب. ولابن ماجه عن ابن عباس: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار". فحكمته التقوي على الصيام.
وسمي فلاحًا لأنه سبب لبقاء الصوم ومعينًا عليه
ولابن حبان عن ابن عمر "ولو أن يجرع أحدكم جرعة
من ماء" ولأحمد عن أبي سعيد "السحور بركة فلا تدعه
ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء. فإن الله وملائكته
يصلون على المتسحرين" ولأبي داود "نعم سحور المؤمن
التمر" والسحور بفتح السين اسم لما يؤكل في السحر.
وبالضم اسم الفعل على الأشهر. والمراد هنا
стр. 768
الفعل. وكل ما حصل من أكل وشرب حصل به فضيلة السحور.
(ولمسلم عن عمرو بن العاص مرفوعًا فصل ما بين صيامنا) أي الفارق بين صيامنا معشر المسلمين (و) بين صيام أهل الكتاب) اليهود والنصارى (أكلة السحر) أي السحور لأن الله أباحه لنا إلى الصبح وحرمه عليهم بعد أن يناموا. ومخالفتنا إياهم مأمور بها شرعا. فتأكدت بالتعيين. وتقع هنا موقع الشكر لتلك النعمة. وفيه "أن هذا الدين يسر لا عسر فيه".
وقد تقدم ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ وفرحوا به بعد المنع. والأمر بالسحور والحث عليه مستفيض وأجمعوا على ندبيته ولا يجب إجماعا حكاه ابن المنذر وغيره لما ثبت من الوصال.
(ولهما عن سهل مرفوعًا لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) أي لا يزالون بخير في دينهم مدة فعلهم ذلك امتثالا للسنة. ولأبي داود "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر. لأن اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم" ونحوه في الصحيحين. فقوام الدين على مخالفة الأعداء. فدلت هذه الأحاديث أنه لا يزال أمر هذه الأمة
стр. 769
معظمًا. وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة. مخالفين لأهل الكتاب وغيرهم من المشركين.
وفيها إشارة إلى أن تغيير هذه السنة علم على فساد الأمر. فتأكد الفعل. ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا "يقول الله تعالى أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا" ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة. وكان ﷺ يعجل الإفطار صححه الترمذي.
(زاد أحمد عن أبي ذر وأخروا السحور) ولفظه أن رسول الله ﷺ قال "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر" قال ابن عبد البر وغيره أحاديث تعجيل الفطور وتأخير السحور صحيحة متواترة. وأجمع العلماء علىن تجعيل الفطور وتأخير السحور سنة متبعة. حكاه الوزير وغيره. وجزم به الشيخ وغيره.
وقوله (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يقتضي الإفطار عند غروب الشمس. حكمًا شرعيًا لما في الصحيحين وغيرهما "إذا اقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" أي دخل في وقت الفطر وجاز له أن يفطر.
وأجمعوا على أن الصوم ينقضي ويتم بتمام الغروب. وأن السنة أن يفطر إذا تحقق غروب الشمس. وله الفطر بغلبة الظن.
стр. 770
اتفاقا. إقامة له مقام اليقين. ولأن ما عليه إمارة يدخله التحري كالوقت.
قال الشيخ ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك لا بعد أن يذهب وقت طويل من الليل يفوت المغرب ويفوت تعجيل الفطور. والمصلي مأمور بصلاة المغرب وتعجيلها. وثبت في صحيح البخاري عن أسماء أفطرنا يوما من رمضان في غيم على عهد رسول الله ﷺ ثم طلعت الشمس. فدل على أنه لا يستحب التأخير مع الغيم إلى أن يتيقن الغروب. فإنهم لم يفعلوا ذلك. ولم يأمرهم به. والصحابة مع نبيهم ﷺ ورضي الله عنهم أعلم وأطوع لله.
وكره الفطر مع الشك في غروب الشمس. لا في طلوع الفجر. قال ابن عباس وغيره كل ما شككت حتى لا تشك. وقال الصديق يا غلام أجف الباب لا يفاجأنا الفجر. ولا يعرف لهما مخالف. بخلاف الجماع لما في الشك من التعرض لوجوب الكفارة. وليس مما يتقوى به. ولا يستحب اتفاقا. ولأبي داود "إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه".
والمراد والله أعلم ما لم يعلم طلوع الفجر. ولإمكان سرعة أكله وشربه لتقارب وقته واستدراك حاجته. واستشراف نفسه. وقوة نهمته. وتوجه شهوته بجميع همته. مما يكاد يخاف عليه أنه
стр. 771
لو منع منه لما امتنع. فأجازه الشارع رحمة عليه. قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أي ينتشر ويظهر ويستطير معترضا. كما بينه الشارع.
وهو من باب الرخصة. والأخذ بها محبوب إلى الله وندب إليه رسول الله ﷺ . وأما إذا علم انتشار الصبح فيحرم اتفاقًا. بل امتناع السحور بطلوع الفجر قول الأئمة وفقهاء الأمصار.
(وعن أنس قال كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي) وللطبراني "إذا كان صائمًا لم يصل حتى يأتيه برطب وماء فيأكل ويشرب" ففيه أيضًا سنية تعجيل الفطور قبل صلاة المغرب. وهو أفضل اتفاقًا. وأنه على رطب قدمه على اليابس. فيقدم عليه إن وجد (فإن لم تكن) أي فإن لم توجد رطبات (فتمرات) أي فيفطر على تمرات. ولفظ الطبراني. وإذا لم يكن رطب لم يصل حتى يأتيه بتمر وماء. ولأن التمر حلو وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم.
(فإن لم تكن) أي توجد رطبات ولا تمرات (حسا حسوات من ماء) أي يشرب شربات من ماء والحسوة الجرعة من ماء بقدر ما يحسى مرة واحدة وحسا الماء شربه شيئًا بعد شيء والحديث (رواه أبو داود) ورواه الترمذي وغيره وحسنه وللخمسة وصححه ابن خزيمة من حديث سليمان بن عامر "إذا أفطر أحدكم فيلفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور".
стр. 772
وروي من طرق عن جماعة من الصحابة تدل على أن الإفطار بما ذكر سنة. وفي صحيح مسلم "فاجدح لنا" وهو خلط السويق بالماء. فنزل فجدح له. فشرب. وفي معنى الرطب والتمر كله حلو لم تمسه النار لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم. قال ابن القيم وهذا من كمال شفقته ﷺ على أمته ونصحه لهم فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو. مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به. لا سيما القوى الباصرة. فإنها تقوى به.
وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإن رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القب لا يعلمها إلا أطباء القلوب.
(وله عن معاذ بن زهرة) بضم الزاي ذكره يحيى بن يونس في الصحابة وقال ابن معين حديثه مرسل (إن النبي ﷺ كان إذا أفطر) أي إذا كان عند الفطر (قال اللهم لك صمت) أي أمسكت عن الطعام والشراب والجماع وغيره (وعلى رزقك) الذي أطعمتنيه (أفطرت) أي أكلت وشربت. وإن شاء زاد "فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".
стр. 773
وإن شاء قال "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم" وعن ابن عمر "اللهم إني أسألك رحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي" فإن للصائم دعوة عند فطره لا ترد. كما ثبت عن النبي ﷺ : "للصائم عند فطره دعوة لا ترد" وعنه "ثلاثة لاترد دعوتهم. منهم الصائم" ويستحب تفطير الصائم. لحديث "من فطر صائمًا فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" صححه الترمذي. قال الشيخ المراد أن يشبعه.
فصل في القضاء
أي في حكم قضاء رمضان وغيره. وما يتعلق بذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ أي فمن شهد منكم الشهر في الحضر مقيمًا وكان مريضًا فعدة من أيام أخر ﴿أو﴾ من كان منكم ﴿عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أباح تعالى الفطر لعذر المرض والسفر. وتقدم. وأعاد تعالى ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار بشرط القضاء. ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ.
وقال جل وعلا ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تيسيرا عليكم روحمة بكم. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم. وذلك
стр. 774
إذا أمكن بعد البرء وبعد الإقامة وجب القضاء اتفاقًا على التراخي مفرقًا ومتابعًا. وإن مات قبل التمكن فلا شيء عليه باتفاق أهل العلم. وقال الشيخ لا يأثم بتأخير قضاء رمضان ولو مات لأنه وقت موسع. وإن فرط أطعم عنه كما سيأتي.
(وعن عائشة قالت كان يكون) بتكرير الكون لتحقيق القصة وتعظيمها. وتكرار الفعل أي يكون مرارا (علي الصوم) أي قضاء (من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) وللترمذي وغيره: ما قضيت شيئًا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله ﷺ (لمكان رسول الله ﷺ متفق عليه).
ولفظ البخاري لشغل النبي ﷺ .اي من كونها مهيئة نفسها للنبي ﷺ . متربصة لاستمتعاه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك. وهذا من الأدب ولا ريب في إطلاع النبي ﷺ على ذلك. لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية. وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي ﷺ كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيها حينئذ في النهار. ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فلا يجوز تأخيره عنه.
ويشهد لذلك قوله ﷺ "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" ويخص منه رمضان والقضاء المضيق قال المجد
стр. 775
وغيره يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذر ما لم يدرك رمضان ثان. ولا نعلم فيه خلافًا وكذا ذكر غير واحد مذهب الأئمة وجماهير السلف والخلف أن القضاء يجب على التراخي. ولا يشترط المبادرة فيه في الإمكان. قال النووي الصحيح عند محققي الفقهاء وأهل الأصول فيه وفي كل واجب موسع أنه يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله. وإذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه وجب فورا إجماعا.
ويستحب قضاؤه مع سعة الوقت متتابعًا على الفور اتفاقًا مسارعة لبراءة الذمة. ولا بأس أن يفرقه اتفاقًا. وقاله البخاري عن ابن عباس. وعنه مرفوعا "قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع" رواه الدارقطني. وله عن محمد بن المنكدر قال بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء رمضان فقال "ذلك إليك أرأيت لو كان على أحد دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضى؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر".
ولأنه لا يتعلق بزمان معين فلم يجب فيه التتابع كالنذر المطلق. ومن فاته رمضان قضاه عدد أيامه تامًا كان أو ناقصًا إجماعًا. وهل يجوز له التطوع قبل القضاء مع سعة الوقت؟ نقل عن أحمد وغيره لا يجوز. لخبر "من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه حتى يصومه" وقال الموفق متروك. ولأن المبادرة إلى إبراء الذمة من أكبر العمل الصالح. وإن نواه في نحو عشر ذي الحجة أجزأ.