← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لو منع منه لما امتنع. فأجازه الشارع رحمة عليه. قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ أي ينتشر ويظهر ويستطير معترضا. كما بينه الشارع. وهو من باب الرخصة. والأخذ بها محبوب إلى الله وندب إليه رسول الله ﷺ . وأما إذا علم انتشار الصبح فيحرم اتفاقًا. بل امتناع السحور بطلوع الفجر قول الأئمة وفقهاء الأمصار. (وعن أنس قال كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي) وللطبراني "إذا كان صائمًا لم يصل حتى يأتيه برطب وماء فيأكل ويشرب" ففيه أيضًا سنية تعجيل الفطور قبل صلاة المغرب. وهو أفضل اتفاقًا. وأنه على رطب قدمه على اليابس. فيقدم عليه إن وجد (فإن لم تكن) أي فإن لم توجد رطبات (فتمرات) أي فيفطر على تمرات. ولفظ الطبراني. وإذا لم يكن رطب لم يصل حتى يأتيه بتمر وماء. ولأن التمر حلو وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم. (فإن لم تكن) أي توجد رطبات ولا تمرات (حسا حسوات من ماء) أي يشرب شربات من ماء والحسوة الجرعة من ماء بقدر ما يحسى مرة واحدة وحسا الماء شربه شيئًا بعد شيء والحديث (رواه أبو داود) ورواه الترمذي وغيره وحسنه وللخمسة وصححه ابن خزيمة من حديث سليمان بن عامر "إذا أفطر أحدكم فيلفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور".

стр. 772

وروي من طرق عن جماعة من الصحابة تدل على أن الإفطار بما ذكر سنة. وفي صحيح مسلم "فاجدح لنا" وهو خلط السويق بالماء. فنزل فجدح له. فشرب. وفي معنى الرطب والتمر كله حلو لم تمسه النار لأنه يرد للبصر ما زاغ منه بالصوم. قال ابن القيم وهذا من كمال شفقته ﷺ على أمته ونصحه لهم فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو. مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به. لا سيما القوى الباصرة. فإنها تقوى به. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإن رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. (وله عن معاذ بن زهرة) بضم الزاي ذكره يحيى بن يونس في الصحابة وقال ابن معين حديثه مرسل (إن النبي ﷺ كان إذا أفطر) أي إذا كان عند الفطر (قال اللهم لك صمت) أي أمسكت عن الطعام والشراب والجماع وغيره (وعلى رزقك) الذي أطعمتنيه (أفطرت) أي أكلت وشربت. وإن شاء زاد "فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني".

стр. 773

وإن شاء قال "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم" وعن ابن عمر "اللهم إني أسألك رحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي" فإن للصائم دعوة عند فطره لا ترد. كما ثبت عن النبي ﷺ : "للصائم عند فطره دعوة لا ترد" وعنه "ثلاثة لاترد دعوتهم. منهم الصائم" ويستحب تفطير الصائم. لحديث "من فطر صائمًا فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" صححه الترمذي. قال الشيخ المراد أن يشبعه. فصل في القضاء أي في حكم قضاء رمضان وغيره. وما يتعلق بذلك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ أي فمن شهد منكم الشهر في الحضر مقيمًا وكان مريضًا فعدة من أيام أخر ﴿أو﴾ من كان منكم ﴿عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أباح تعالى الفطر لعذر المرض والسفر. وتقدم. وأعاد تعالى ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار بشرط القضاء. ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ. وقال جل وعلا ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تيسيرا عليكم روحمة بكم. ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم. وذلك

стр. 774

إذا أمكن بعد البرء وبعد الإقامة وجب القضاء اتفاقًا على التراخي مفرقًا ومتابعًا. وإن مات قبل التمكن فلا شيء عليه باتفاق أهل العلم. وقال الشيخ لا يأثم بتأخير قضاء رمضان ولو مات لأنه وقت موسع. وإن فرط أطعم عنه كما سيأتي. (وعن عائشة قالت كان يكون) بتكرير الكون لتحقيق القصة وتعظيمها. وتكرار الفعل أي يكون مرارا (علي الصوم) أي قضاء (من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان) وللترمذي وغيره: ما قضيت شيئًا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله ﷺ (لمكان رسول الله ﷺ متفق عليه). ولفظ البخاري لشغل النبي ﷺ .اي من كونها مهيئة نفسها للنبي ﷺ . متربصة لاستمتعاه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك. وهذا من الأدب ولا ريب في إطلاع النبي ﷺ على ذلك. لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية. وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي ﷺ كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيها حينئذ في النهار. ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فلا يجوز تأخيره عنه. ويشهد لذلك قوله ﷺ "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" ويخص منه رمضان والقضاء المضيق قال المجد

стр. 775

وغيره يجوز تأخير قضاء رمضان بلا عذر ما لم يدرك رمضان ثان. ولا نعلم فيه خلافًا وكذا ذكر غير واحد مذهب الأئمة وجماهير السلف والخلف أن القضاء يجب على التراخي. ولا يشترط المبادرة فيه في الإمكان. قال النووي الصحيح عند محققي الفقهاء وأهل الأصول فيه وفي كل واجب موسع أنه يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله. وإذا لم يبق من شعبان إلا قدر ما عليه وجب فورا إجماعا. ويستحب قضاؤه مع سعة الوقت متتابعًا على الفور اتفاقًا مسارعة لبراءة الذمة. ولا بأس أن يفرقه اتفاقًا. وقاله البخاري عن ابن عباس. وعنه مرفوعا "قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع" رواه الدارقطني. وله عن محمد بن المنكدر قال بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء رمضان فقال "ذلك إليك أرأيت لو كان على أحد دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضى؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر". ولأنه لا يتعلق بزمان معين فلم يجب فيه التتابع كالنذر المطلق. ومن فاته رمضان قضاه عدد أيامه تامًا كان أو ناقصًا إجماعًا. وهل يجوز له التطوع قبل القضاء مع سعة الوقت؟ نقل عن أحمد وغيره لا يجوز. لخبر "من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه حتى يصومه" وقال الموفق متروك. ولأن المبادرة إلى إبراء الذمة من أكبر العمل الصالح. وإن نواه في نحو عشر ذي الحجة أجزأ.

стр. 776

وعن أحمد يجوز التطوع قبله ويصح. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة للعموم. كالتطوع بصلاة في وقت فرض متسع قبل فعله فالأوجه أن يجوز صوم العشر ونحوها تطوعًا وقضاء. والتطوع أفضل كالسنن الراتبة في أول وقت الصلاة وإن أخره بلا عذر إلى رمضان آخر حرم عليه، ووجب عليه إطعام مسكين لكل يوم عند الجمهور مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وروي عن أبي هريرة بسند ضعيف عن النبي ﷺ في رجل مرض في رمضان فأفطر ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر فقال: "يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم كل يوم مسكينا" ورواه الدارقطني موقوفًا. وعن ابن عباس فإذا قضى أطعم. عن ابن عمر نحو. قال يحيى بن أكثم وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم مخالفًا. وقال أبو العباس إن ترك الأداء لغير عذر وجبت وإلا قضى فقط اتفاقًا. ويجزئ الإطعام قبل القضاء وبعده ومعه. وقال المجد الأفضل عندنا تقديمه مسارعة إلى الخير. وتخلصًا من آفات التأخير. وإذا تكرر رمضان لا يلزمه أكثر من فدية واحدة لأن كثرة التأخير لا يزاد بها الواجب كما لو أخر الحج لسنين لم يكن عليه أكثر من فعله. (ولهما عنها) ﵂ (مرفوعًا) إلى رسول الله ﷺ أنه قال (من مات وعليه صوم) أي واجب بالنذر. وقيل أو قضاء عن فائت. مثل أن يكون مسافرًا وأمكنه القضاء ففرط

стр. 777

فيه حتى مات. أو يكون مريضا فيبرا ولا يقضي. (صام عنه وليه) أي ليصم عنه وليه. خبر بمعنى الأمر. وفي البزار بسند حسن "فليصم عنه وليه إن شاء". فدل الحديث على أنه يصوم الولي. وهو كل قريب عصبة كان أو نسبًا وارثًا أو غير وارث قال البيهقي. هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها وإن صام غير ولي الميت جحاز مطلقا بإذن الولي والورثة وعدمه. لأن الصيام من الأجنبي تبرع فجاز منه كقضاء الدين لتشبيهه به كما يأتي ولا يجب على الولي اتفاقًا. وإنما يسن فعله عنه لتفرغ ذمته كقضاء دينه وقال الشيخ إن تبرع عمن لا يطيقه لكبر ونحوه أو عن ميت وهما معسران يتوجه جوازه لأنه اقرب إلى المماثلة من المال. ويأتي الجمع بين الآثار. (وعن ابن عباس أن امرأة) من جهينة (قالت يا رسول الله ﷺ إن أمي ماتت وعليها صوم نذر) وهو إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر (أفأصوم عنها؟) اي ما نذرته وللبخاري صوم شهر وفي رواية خمسة عشر يوما ولعله تعدد في الواقعة (قال) رسول الله ﷺ (أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه عنها) أي ذلك الدين (أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت نعم). وفيه مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أوقع في نفس السامع. وأقرب إلى سرعة فهمه (قال فصوم عن أمك

стр. 778

متفق عليه) ولأبي داود وغيره أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا. فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها. فقال "صومي عنها" وعن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفاصوم عنها. قال "صومي عنها" قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال "حجي عنها" رواه مسلم. وعن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال "نعم حجي عنها" رواه البخاري وغيره من غير وجه. ولأبي داود عن سعد بن عبادة قال إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه قال "أقضه عنها" ومعناه في الصحيحين وغيرهما من غير وجه ويروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وغيرهما ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. ولأن النيابة تدخل في العبادة حسب خفتها. وهو أخف حكما من الواجب بأصل الشرع أوجبه الناذر على نفسه. (وقال ابن عباس) ﵄ (يطعم عن الفرض) أي إذا مرض الرجل في رمضان أو سافر وأمكنه القضاء ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء. وللترمذي عن ابن عمر مرفوعًا "من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين" وقال الصحيح إنه موقوف. وعن أبي هريرة وعائشة نحوه. وللنسائي ومالك وغيرهما لا يصوم أحد عن أحد. وهو قول أكثر أهل العلم مالك وأبي حنيفة

стр. 779

والشافعي وأحمد وغيرهم. قال مالك لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا من التابعين أمر بصوم عن أحد ولا صلاة عن أحد. وأجمع أهل العلم على أن الصلاة المفروضة من الفروض التي لا تصح فيها النيابة بنفس ولا مال. والصوم الواجب بأصل الشرع له بدل شرعي وهو الإطعام. وفي أجزاء الصوم خلاف قوي والإطعام لا خلاف فيه فالإطعام أولى واتفقوا على أنه إذا أفطر في المرض والسفر ثم لم يفطر في القضاء حتى مات فلا شيء عليه ولا يجب الإطعام عنه ولو مضى عليه أحوال لأنه حق لله وجب بالشرع ومات من وجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج. قال ﵁ (ويقضى عنه النذر) وفي رواية عنه أما رمضان فيطعم عنه. وأما النذر فيصام قال ابن القيم وهذا أعدل الأقوال وعليه يدل كلام الصحابة وبهذا يزول الإشكال. وقال الشيخ: ابن عباس الذي روى الأحاديث أمر أن يقضى عن الميت الصوم المنذور. وأما رمضان فيطعم عنه كل يوم مسكين. وبذلك أخذ أحمد وإسحاق وغيرهما وهذا مقتضى النظر كما هو موجب الأثر. فإن النذر كان ثابتا في الذمة كالدين فيفعل عنه بعد الموت. وأما صوم رمضان فإن الله لم يوجبه على عاجز عن الصوم بل أمر العاجز بالفدية طعام مسكين.

стр. 780

والقضاء إنما يجب على من قدر عليه لا على من عجز عنه، فلا يحتاج أن يقضي أحد عن أحد. وأما الصوم وغيره من المنذورات فيفعل عنه بلا خلاف للأحاديث الصحيحة، والواجب بالشرع ايسر من الواجب بالنذر. وقال ابن القيم: يصام عن النذر دون الفرض الأصلي، وهذا القول مذهب أحمد وغيره، والمنصوص عن ابن عباس وعائشة، ولا تعارض بين روايتهما ورأيهما. وبهذا يظهر اتفاق الروايات وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع وإنما أوجبه العبد علىنفسه فصار بمنزلة الدين، ولهذا شبهه النبي ﷺ به، والدين تدخله النيابة، وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء، فهو أحد أركان الإسلام فلا تدخله النيابة بحال. كما لا تدخل الصلاة والشهادتين. فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامه بحقوق العبودية والتي خلق لها وأمر بها، وهذا لا يؤديه عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره. وهكذا من ترك الحج عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع إن فعلها عنه بعد الموت لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه، والحق أحق أن يتبع اهـ. فيقضي عنه وليه كما تقدم، فإن لم يفعل الولي ولا غيره فعلى الولي أن يدفع في الصوم عن كل يوم طعام مسكين، لأنه فدية الصوم، وكمتعة حج.

стр. 781

ولا كفارة مع الصوم عنه أو الإطعام، ولا يلزم القضاء إلا في حق شخص أمكنه صوم ما نذره. بأن مضى ما يتسع لفعله قبل موته فلم يصمه، فيفعل عنه لثبوته في ذمته كقضاء دينه من تركته، وإن لم يمكنه إلا بعضه لم يقض إلا ذلك البعض، كمن نذر صوم شهر ومات قبل ثلاثين يومًا، فيصام عنه ما مضى دون الباقي، لأنه لم يثبت في ذمته. وإن كان مريضا. لأن المرض لا يمنع ثبوت الصوم في ذمته. وكذا لو مات وعليه حج منذور فعل عنه. ولو لم يمكنه فعله في حياته لجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى، ومن مات قبل دخول شهر نذر صومه لم يصم، ولم يقض عنه، قال المجد هذا مذهب سائر الأئمة ولا أعلم فيه خلافًا. باب صوم التطوع أي باب بيان فضل صوم التطوع وعظيم أجره. وقد ورد في فضله آيات وأحاديث كثيرة. وتقدم "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" وقال أحمد: الصيام أفضل ما تطوع به. لأنه لا يدخله رياء. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي زاد على الواجب. وتطوع بالشيء تبرع به ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ وأعظم أجرًا، والخير اسم جامع لكل ما ينتفع به.

стр. 782

(وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ كل عمل ابن آدم له الحسنة) منه (بعشر أمثالها) أي كل أعمال ابن آدم تضاعف الحسنة بعشر أمثالها، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (إلى سبعمائة ضعف) أي أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس. وإنما تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله (قال الله تعالى إلا الصوم) أي فإنه أحب العبادات إلي. ولا ينحصر تضعيفه بل يضاعفه الله أضعافًا كثيرة. ويثيب عليه بغير تقدير. وهو جنة يستجن به من النار ومن الصبر والصبر ثوابه الجنة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ واتفقوا على أن المراد بالصوم هنا المصون من المعاصي قولاً وفعلاً (فإنه لي) خصه تعالى بإضافته إليه دون سائر الأعمال تنويهًا بالتشريف والتعظيم والتفخيم. ثم قال (وأنا أجزي به) أي أجازي عليه جزاء جزيلاً بلا عدد ولا حساب. لأنه لم يشاركني فيه أحد. ولم يعبد به غيري. فأنا أتولى الجزاء عليه بنفسي. على قدر اختصاصه بي. ولأنه سر بين الله وبين عبده لا يطلع عليه سواه. فلا يكون العبد صائمًا حقيقة إلا وهو مخلص في الطاعة. وفيه بيان عظم فضل الصوم والحث عليه وعظم فضله. وكثرة ثوابه. لأن الكريم إذا أخبر أنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظم ذلك الجزاء وسعة العطاء. وله من الفضائل والمثوبة ما لا

стр. 783

يحصيه إلا الله. قال تعالى: (يدع طعامه وشرابه) وشهوة الجماع (من أجلي متفق عليه) ولم يصرح بنسبته إلى الله تعالى للعلم بذلك. فيتقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح من أجل الله في صورة من لا حاجة له في الدنيا إلا رضى الله . وهي أعظم شهوات النفس. فتنكسر سورتها الحاملة لها على الأشر والبطر والغفلة. ويتخلى القلب للذكر والفكر. ويعرف قدر نعمة الله عليه بأقداره على ما منعه كثيرًا من الفقراء. وفيه "والذي نفسي بيده: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه". وفي فضل الصوم أحاديث كثيرة: منها عن علي مرفوعًا من منعه الصيام من الطعام والشراب أطعمه الله من ثمار الجنة وسقاه من شرابها" وفي الصحيحين "في الجنة باب يدعى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، فيقال لهم يوم القيامة ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. (وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال له صم من كل شهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها) أي تضاعف بعشر أمثالها وكان ﵁ قال إني أقوى أكثر من ذلك فأرشده ﷺ إلى الأرفق به شفقة عليه. وإرشادًا له إلى

стр. 784

مصلحته. وحثًا له على ما يطيق الدوام عليه. ونهيًا له عن الإكثار من العبادة التي يخاف عليه الملل بسببها. أو ترك بعضها. كما قال "عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا" "وأحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه". ثم قال (وذلك) اي صيام ثلاثة أيام من كل شهر (مثل صيام الدهر متفق عليه) وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها فيعدل صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الشهر كله. فيكون كمن صام الدهر من غير حصول المشقة في صومه. وللترمذي من حديث أبي ذر "من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر) فأنزل الله (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) اليوم بعشر. وقال الشيخ مراده أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر بتضعيف الأجر. ولمسلم "يصوم من كل شهر ثلاثة الأيام" وللبخاري من حديث أبي هريرة "أوصاني خليلي بثلاث، صيام ثلاثة أيام من كل شهر" الحديث ولأبي داود: "من كل شهر أول اثنين وخميسين" ولمسلم "ما يبالي من أي الشهر صام" فيحصل أصل السنة بصوم ثلاثة من أي أيام الشهر. واتفق أهل العلم على سنية صيام ثلاثة من كل شهر. (وللخمسة من حديث أبي قتادة وغيره) فرواه أصحاب

стр. 785

السنن عن قتادة بن ملحان القيسي البصري له صحبة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم (البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) وقال "هي كهيئة الدهر" وعن أبي ذر "أمرنا أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" رواه الترمذي وصححه ابن حبان وغيره. ورواه أحمد وغيره من حديث أبي هريرة "فإن كنت صائمًا فصم الغر" أي البيض. والنسائي من حديث جرير "صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر ثلاثة الأيام البيض" وورد من طرق عديدة. ولا معارضة بينها وبين ما تقدم. فإنها كلها دالة على ندبية صوم ثلاثة أيام من كل شهر والبيض منها أشهر. وما أمر به ﷺ وحث عليه ووصى به أولى وأفضل. والبيض على حذف مضاف أي أيام ليالي البيض. وهي الليالي التي لياليهن مقمرة خصت لتعميم لياليها بالنور المناسب للعبادة والشكر على ذلك. وقيل من داوم على صيامها لم يعتل. لأن الفضلات تهيج في البدن في كل شهر وهذه الليالي أشد لقوة القمر. والصوم يذهب فضلات البدن. فمن صامها سلم. واتفق العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاثة المذكورة وسط الشهر. كما حكاه النووي وغيره. وقال الروياني وغيره صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب. فإن اتفقت أيام البيض كان أحب.

стр. 786

و (فيها) أي في مسند أحمد والسنن (عن عائشة) وأسامة ابن زيد وغيرهما (كان) يعني رسول الله ﷺ (يتحرى صيام الاثنين والخميس) أي يقصد ويجتهد في الطلب والعزم على تخصيص صيام يوم الاثنين والخميس، صححه الترمذي. وللخمسة وغيرهم من حديث أبي هريرة وأسامة (وقال هما يومان تعرض الأعمال فيهما) أي في يوم الإثنين والخميس على رب العالمين. وورد أنه تعرض أعمال العباد كل يوم. ففيه أنه أيضا تعرض الأعمال في يوم الاثين والخميس. ثم أعمال السنة في شعبان. ولكل عرض حكمة (فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) ونحوه في صحيح مسلم. ولفظ أبي داود كان يصومهما. فسئل عن ذلك فقال "إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس" ولمسلم قال له رجل أرايت الاثنين قال "فيه ولدت وفيه أنزل علي القرآن"فيسن صومهما اتفاقا لفعله ﷺ وحثه عليه وسمي الاثنين لأنه ثاني الأسبوع. والخميس لأنه خامسه. (وعن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ قال: من صام رمضان ثم أتبعه) أي أتبع رمضان بالصوم (ستًا من شوال) ستا أصله سدس. ولو ميز بالهاء لكان صحيحًا. لأن العدد المميز إذاكان غير مذكور لفظا جاز تذكير مميزه وتأنيثه بالهاء أي ستة أيام من شهر شوال من شالت الإبل بأذنابها

стр. 787

للطراق (كان كصيام الدهر رواه مسلم) ورواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة. ولفظ ثوبان "من صام رمضان فشهره بعشرة ومن صام ستة أيام بعد الفطر فذلك صيامه السنة" رواه أحمد وغيره وهو حديث مستفيض. وذكروا أنه متواتر. عن النبي ﷺ والمراد بالتشبيه في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه. وإنما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبه بالتبتل. ولولا ذلك لكان فيه فضل عظيم. لاستغراق الزمان بالطاعة والعبادة. فدل الحديث على سنية صوم ست من شوال. وحكى الموفق وغيره اتفاق أهل العلم على أن صومها سنة. وقال النووي وغيره كره مالك ذلك وعلله بأنه ربما ظن وجوبها وهو باطل في مقابلة السنة الصحيحة. ولا تترك السنة لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها قال ويلزمه ذلك في سائر أنواع الصوم وغيره المرغب فيه. ولا قائل به. وقال ابن عبد البر: لم يبلغ مالك هذا الحديث. واتباع الست يحتمل أن يكون بلا فاصل إلا بما لا يصلح للصوم ويحتمل إطلاقه مع الفاصل. ويستحب تتابعها. وكونها عقب العيد. لما فيه من المسارعة إلى الخير. ويحصل فضلها متتابعة ومتفرقة وفي أول الشهر وفي آخره. واختاره الشيخ وغيره. لظاهر الخبر. وذكره قول الجمهور. وذكر بعضهم أنها تحصل

стр. 788

الفضيلة بصومها في غير شوال. كما في خبر ثوبان وغيره. وصام ستة أيام بعد الفطر. ولعل تقييده بشوال لسهولة الصوم فيه لاعتياده. (وله) أي ولمسلم وأهل السنن وغيرهم (عن أبي هريرة مرفوعًا) إلى النبي ﷺ أنه سئل أي الصيام بعد رمضان أفضل فقال (أفضل الصيام بعد رمضان) أي بعد صيام رمضان لأن الواجب أفضل من المسنون وأعظم أجرًا. كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل. فحيث علم فضل صيام رمضان، فأفضل الصيام بعد صيامه (شهر الله المحرم) إضافة إلى الله تعالى تشريفًا وتفخيمًا وتعظيمًا. كقولهم بيت الله. قال بعض أهل العلم وهو أفضل الأشهر يعني بعد رمضان. والمعنى أفضل شهر تطوع به كاملا بعد شهر رمضان في الفضيلة شهر الله المحرم. لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه كعرفة وعشر ذي الحجة. فالتطوع المطلق بشهر كامل سوى رمضان أفضله المحرم. وهذا الخبر الصحيح صريح في فضل صومه. ولم يكن ﷺ يكثر فيه الصوم. إما لعذر أو لم يوح إليه بفضله إلا في آخر حياته. ويدل على فضله أيضًا أنه ﷺ سأله رجل أي شهر تأمرني أن أصومه بعد شهر رمضان فقال "إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان فصم المحرم. فإنه شهر الله فيه يوم تاب الله فيه على

стр. 789

قوم. ويتوب فيه على قوم" حسنه الترمذي. وسمي محرمًا لكونه شهرًا محرمًا تصريحًا بفضله وتأكيدًا لتحريمه. لأن العرب كانت تتقلب فيه فتحله عامًا وتحرمه عامًا. وهو أول شهور العالم. (وله عن ابن عباس) أن النبي ﷺ (صام العاشر) أي من شهر المحرم وعليه جماهير العلماء ويسمى عاشوراء. ولفظه صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء (وأمر بصيامه) ولهما عنه سئل عن صوم عاشوراء فقال ما علمت أن رسول الله ﷺ صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم. وعن عائشة كان يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان قال "من شاء صامه ومن شاء تركه". ومن حديث معاوية قال: "إن هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء أفطر" وأكثرها يدل على أن صومه وجب ثم نسخ. وقاله الإمام أحمد وغيره. وهو مذهب أبي حنيفة واختاره الشيخ وغيره. وبقي استحباب صومه إجماعًا. وأخباره مستفيضة أو متواترة (فقيل له إنه يوم تعظمه اليهود) والنصارى. ولهما عن أبي موسى كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا فقال "صوموه أنتم". ومن حديث ابن عباس قدم النبي ﷺ فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال "ما هذا" قالو هذا يوم صالح نجى الله

стр. 790

فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. فقال "أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه" وعزم على مخالفتهم (فقال لئن بقيت إلى قابل) أي العام المقبل (لأصمن التاسع) وفي رواية "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" قال فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ". واستحب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء الجمع بينهما. لأنه ﷺ صام العاشر وأمر بصيامه. وأجمعوا على سنيته. ونوى صيام التاسع. وفي الحديث إشارة إليه (ولأحمد) "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع (والعاشر) رواه هو والخلال بسند جيد. وفي رواية أن رسول الله ﷺ قال "صوموا يوم عاشوراء. وخالفوا فيه اليهود. صوموا قبله يوما أو بعده يوما" وفي رواية "صوموا قبله يوما وبعده يوما" وسنده ضعيف وروي نحوه. وسكت عنه في التلخيص. وهو صريح في مشروعية ضم اليومين إلى يوم عاشوراء. وقال أحمد إن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام ليتيقن صومها. وكره ابن عباس أفراد العاشر. وروي عنه صوموا التاسع والعاشر. وخالفوا اليهود. وهو مقتضى كلام أحمد وغيره. للأمر بمخالفة اليهود. وقال الشيخ لا يكره إفراده بالصوم مع مبالغته في مخالفة المشركين. وتصريحه في الأمر بمخالفتهم.

стр. 791

وما روي فيه من التوسعة على العيال فقال أحمد لا أصل له. وقال الشيخ موضوع مكذوب عن النبي ﷺ وقال ما يفعل من الكحل والاغتسال والحنا والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وغير ذلك لم يرو في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه. ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين. لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم. وقال وقوم يستحبون الاكتحال والاغتسال والتوسعة على العيال واتخاذ أطعمة غير معتادة. وهو بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين ﵁. وكل بدعة ضلالة. بل المستحب يوم عاشوراء الصيام عند جمهور أهل العلم. (وعنه أن النبي ﷺ قال ما من أيام العمل) الصالح (فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) وفي لفظ "ما العمل الصالح في أيام أفضل منه في هذه العشر" فدل الحديث أن العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها. ومن العمل في صيامها. وفي رواية القاسم بن أبي أيوب "ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى". وعند أبي عوانة وابن حبان من حديث جابر "ما من أيام أفضل عندالله من عشر ذي الحجة" وعند أحمد من حديث ابن عمر "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيها من

стр. 792

هذه الأيام العشر. فأكثروا فيها من التهليل والتكبير والتحميد" وتقدم ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ أيام العشر وقال ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ إنها المعنية. وسميت بذلك للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. وآخرها يوم النحر. (قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله) فيه فضل الجهاد. وتقرر فضله عندهم. وأنه لا يعدله عمل (قال ولا الجهاد في سبيل الله) أي لا يكون الجهاد في سبيل الله أحب إلى الله من العمل في هذه الأيام العشر. واتفق أهل العلم على فضلها (إلا رجل) اي إلا عمل رجل وفي لفظ إلا من (خرج) أي في سبيل الله (بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء رواه البخاري) وأهل السنن وغيرهم. أي فيكون من لم يرجع بشيء من ذلك أفضل من العامل في أيام العشر أو مساويًا له. وشيء نكرة في سياق النفي فتعم ما ذكر. وعند ابن عوانة "إلا من عقر جواده وأهريق دمه" وفي رواية له "إلا من لم يرجع بنفسه وماله" فدل الحديث على فضيلة أيام العشر على غيرها من السنة. وتخصيصها بهذه المزية اجتماع أمهات العبادة فيها الحج والصدقة والصيام والصلاة ولا يتأتى ذلك في غيرها. والعمل في أيامها لا ينحصر. فمنه قوله "فأكثروا فيها من

стр. 793

التهليل والتكبير والتحميد" فكذا الصيام. وفي حديث ابن عباس "وأن صيام يوم منها يعدل صايم سنة والعمل بسبعمائة ضعف" وللترمذي من حديث أبي هريرة "يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة فيها بقيام ليلة القدر" وفيها ضعف. ولأحمد وأبي داود والنسائي وغيرهم عن حفصة وغيرها كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة. وصومه مندرج في فضيلة العمل فيها. فإن العمل يضاعف في المكان والزمان الفاضل. وما رواه مسلم عن عائشة ما رأيته صائمًا في العشر قط. فقال أهل العلم المراد أنه لم يصمها لعارض وعدم رؤيتها له صائمًا لا يستلزم العدم. على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها. وكذا من فعله أنه لم يكن يدع صيامها. وكان يصوم يوم عرفة. وقال "يكفر سنتين" وروى أبو الشيخ وابن النجار وغيرهما من حديث ابن عباس "صوم يوم التروية كفارة سنة" فترادفت الأخبار من قوله وفعله على استحباب صيام تسع ذي الحجة وهو قول جمهور أهل العلم وأفضلها التاسع ثم الثامن. (ولمسلم عن أبي قتادة مرفوعًا صيام يوم عرفة) تاسع ذي الحجة (يكفر السنة الماضية والآتية) وفي لفظ "يكفر سنتين ماضية ومستقبلة" وفي لفظ "احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" أي قبل وقوع المكفر. أو يلطف به

стр. 794

بسبب صيامه. فلا يأتي بذنب. أو يوفقه فيها لما يكفره. وصومه أوكد أيام العشر إجماعا. وسمي بيوم عرفة للوقوف فيه بعرفة. وقيل هو يوم الحج الأكبر. وجعل على الضعف من عاشوراء. فقيل لأن يوم عرفة محمدي وعاشوراء موسوي وأعمالنا على الضعف. ولو رأى أهل بلد هلال ذي الحجة ولم يثبت عند الحاكم فقال الشيخ لهم أن يصوموا اليوم الذي هو التاسع ظاهرا وأن كان في الباطن العاشر. لحديث "صومكم يوم تصومون" وتقدم. وقال: صوم اليوم الذي يشك فيه هل هو التاسع أو العاشر جائز بلا نزاع. لأن الأصل عدم العاشر كليلة الثلاثين من رمضان. وظهر الحديث يستحب صومه مطلقًا. وفعله ﷺ وخلفائه يدل على أنه لا يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة بعرفة. وهو مذهب مالك والشافعي وجمهور أهل العلم. وكرهه بعضهم. لما روى أبو داود من حديث أبي هريرة "نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة" ولفطره بها ﷺ وهو يخطب الناس. متفق عليه. قال ابن عمر لم يصمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان. وليتقوى على العبادة والدعاء في ذلك اليوم. وللقيام بأعمال الحجز وقال الشيخ: لأنه يوم عيد. ويشهد له ما روى عقبة بن عامر مرفوعا "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق

стр. 795

عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب وذكر لله" صححه الترمذي (ويوم عاشوراء يكفر السنة الماضية) وأجمع أهل العلم على أن صومه سنة واستحبوا يوما قبله أو يوما بعده. أو يومًا قبله ويومًا بعده على ما تقدم. وإن قيل إذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان وعرفة وعاشوراء وغير ذلك؟ قيل كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره. وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتب به حسنات ورفعت به درجات وإن صادق كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر. ويأتي قول الشيخ إن إطلاق التكفير بالعمرة متناول الكبائر فكذا هذا الخبر ونحوه. (وعن عائشة) ﵂ أن رسول الله ﷺ (كان يصوم) في سائر أيام السنة (حتى نقول لا يفطر) أي ينتهي صومه إلى غاية نقول لا يفطر. بل كان ﷺ يسرد الصيام أحيانًا. فيستحب أن لا يخلي المرء شهرًا من صيام. وفيه أن صوم النفل غير مختص بزمان معين. بل كل السنة صالحة له إلا رمضان لوجوبه والعيدين والتشريق للنهي عنها. (ويفطر حتى نقول لا يصوم) أي ينتهي فطره إلى غاية نقول لا يصوم أي يسرد الفطر أحيانا. ولعله ﷺ يسرد الفطر أحيانًا لأشغاله. فيفعل ما يقتضيه الحال من تجرده عن

стр. 796

الأشغال. فيتابع الصوم. وعكس ذلك فيتابع الإفطار (وما رأيته استكمل شهرًا قط إلا رمضان" لئلا يظن وجوبه (وما رأيته في شهر) أي غير رمضان (أكثر منه صيامًا) يعني تطوعًا (في شعبان متفق عليه) لرفع أعمال العباد فيه. ففي النسائي عن أسامة قلت لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال "ذاك: شهر يغفل الناس عنه وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" وعن أنس سئل أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال "شعبان لتعظيم رمضان" رواه الترمذي وقال غريب. وكان أحب الشهور إليه. فهو أفضل لمحافظته عليه أو أكثره. وكونه كالمقدمة لرمضان ويكون المحرم كما تقدم أفضل مما قبل رمضان أو بعده تشبيها لهما بالسنن الرواتب مع قيام الليل فهو أفضل التطوع بعد المكتوبة أي ورواتبها والوتر فشعبان والست ليس من المطلق بل هو أفضل لتبعية رمضان والمطلق أفضله المحرم. وكان يصوم شعبان إلا قليلاً. وقالت ما علمته صام شهرًا كله إلا رمضان. ولا أفطره كله حتى لا يصوم منه حتى مضى لسبيله متفق عليه وفي رواية بل كان يصوم شعبان كله. والمراد بكله غالبه لما تقدم. ولأنه جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله. وله نظائر. ولمسلم

стр. 797

ولا صام شهرًا كاملاً قط منذ قدم المدينة غير رمضان. ويحمل لفظه كله على حذف أداة الاستثناء. يعني قوله إلا قليلاً. ولا يكره إفراد شهر بالصوم غير شهر رجب. قال في المبدع اتفاقًا. وقال المجد لا نعلم فيه خلافًا للأخبار. قال الشيخ وكل حديث يروى في فضل صوم أو صلاة فيه فكذب باتفاق أهل العلم بالحديث. وقال من صامه يعتقد أنه أفضل من غيره من الأشهر إثم وعذر. وحمل عليه قول عمر رواه ابن أبي شيبة وغيره أنه كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان. ويقول كلوا فإنما هو شهر تعظمه الجاهلية. وله من حديث زيد بن أسلم سئل رسول الله ﷺ عن صوم رجب فقال "أين أنتم عن شعبان؟ " ولابن ماجه عن ابن عباس بسند ضعيف أن النبي ﷺ "نهى عن صيام رجب". وقال الشيخ وكراهية إفراد رجب والجمعة سدًا لذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله من تخصيص زمان أو مكان لم يخصه الله به. كما وقع من أهل الكتاب. وقال يكفر من فضل رجب على رمضان. وقال من نذر صومه كل سنة أفطر بعضه وقضاه. (ولهما عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا) إلى رسول الله ﷺ أنه (قال صم يومًا وأفطر يومًا) "فذلك صيام داود وهو أفضل الصيام" أي فالزيادة عليه مفضولة. فقال إني أطيق أفضل من ذلك فقال: "لا أفضل من ذلك" ونهى ﵊ من

стр. 798

يسرد الصوم. وقال "لا صم فوق صوم داود". وتقدم أنه ﷺ أرشده إلى الأرفق به حثا له على ما يطيق الدوام عليه. وقال ابن مسعود لما قيل له إنك تقل الصيام. قال إني أخاف أن تضعف نفسي عن القراءة والقرآن أحب إلي من الصيام. وقال ﷺ "إن لنفسك عليك حقا" الحديث ويشترط أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل من الصيام كالقيام بحقوق الله تعالى وحقق عباده اللازمة. وإلا فتركه أفضل اختاره الشيخ وغيره. فإن من حق النفس اللطف بها حتى توصل صاحبها إلى المنزل. ويحرم صيام الدهر إن أدخل فيه العيدين وأيام التشريق. فإن أفطرها جاز نص عليه أحمد ومالك والشافعي وذكر مالك أنه سمع أهل العلم يقولونه. لقول حمزة بن عمرو يا رسول الله إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر: قال "إن شئت فصم وإن شئت فافطر" متفق عليه. ولأن أبا طلحة وغيره من الصحابة وغيرهم فعلوه. ولأن الصوم أمر مطلوب للشاعر إلا ما استثناه. وأجابوا عن حديث عبد الله بن عمرو أنه خشية عليه، حتى تمنى أنه قبل الرخصة. قالوا ولا يبعد لو أن شخصًا لا يفوته من الأعمال الصالحة شيء بالصيام أصلاً. ولا يصوم يومي العيدين وأيام التشريق. ولا يفوته حق من

стр. 799

الحقوق التي خوطب بها أن يجوز في حقه وظاهر مجموع النصوص أنه يختلف باختلاف الأحوال. ومنه آخرون وأجابوا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر. بل المراد كثرة الصيام. وتقدم أنه ﷺ يسرد الصوم. مع ما ثبت أنه لم يصم شهرًا كاملاً إلا رمضان. وقال "أما أنا فأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني". (وقال) رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو (لا صام من صام الأبد) أي لا صام من صام الدهر دعاء عليه. وإن كان معناه الخبر. أخبر عنه أنه لم يصم. وإذا لم يصم شرعا فكيف يكتب له ثواب فلمسلم من حديث أبي قتادة "لا صام ولا أفطر" وللترمذي "لم يصم ولم يفطر" أي لم يحصل له أجر الصوم لمخالفته. ولم يفطر لأنه أمسك. فثبت كراهته من وجوه. وقد حكم ﷺ بأن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصيام. ولاقتضاء العادة بالمشقة والتقصير في حقوق أخرى حث الشارع عليها فيجب مراعاتها. قال الشيخ والصواب أن الأولى ترك صيام الدهر أو كراهته. وقال ابن القيم وكيف يكون أفضل الصيام مع قوله "لا صام من صام الأبد" وقوله "أفضل الصيام صيام داود" وهذا نص صحيح صريح رافع للإشكال. يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم مع أنه أكثر عملا. وهذا يدل على انه مكروه. لأنه إذا كان الفطرأفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه.

стр. 800

(ولمسلم عن عائشة) ﵂ قالت (أهدي لنا حيس) بفتح فسكون طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن. وقد يجعل عوض الأقط: الدقيق والفتيت (فقال أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل) وفي لفظ قال طلحة فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث فقال تلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها. ورواه النسائي عن عائشة مرفوعا إلى النبي ﷺ . وفي لفظ له قال. "يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه". قال الموفق وغيره لو نوى الصدقة بمال مقدر وشرع في الصدقة فأخرج بعضه لم يلزمه الصدقة بباقيه إجماعًا. وكذا القراءة ولاأذكار بلا نزاع وعن أم هانئ قالت دخل علي النبي ﷺ وأنا صائمة فأتى بإناء من لبن فشرب ثم ناولني فشربت فقلت إني كنت صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك فقال "إن كان من قضاء رمضان فاقضي يومًا مكانه" ون كان من غيره فإن شئت فاقضي وإنشئت فلا تقضي رواه أحمد وغيره. (وقال) النبي ﷺ (لأم هانئ) بنت أبي طالب بن عبد المطلب ابنة عم النبي ﷺ . وعاشت بعد علي ﵄. وذلك أنه دخل عليها فدعا بشراب ثم ناولها فشربت قالت إني كنت صائمة فقال (الصائم المتطوع أمير نفسه) أو أمين نفسه (إن شاء صام) ومضى في صيامه (وإن شاء أفطر رواه

стр. 801

الترمذي) وقال فيه مقال. ورواه أبو داود وابن ماجه وصححه أحمد. قال الترمذي والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يجب أن يقضيه وهو قول سفيان وأحمد وإسحاق والشافعي. ودلت هذه الأحاديث على جواز الفطر للمتطوع. وعدم وجوب القضاء، وهو مذهب جمهور أهل العلم. لجواز فطره. ولأن القضاء يتبع المقضي عنه. فإذا لم يكن واجبا لم يكن القضاء واجبا. وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز له الفطر. وإن أفطر لزمه القضاء. واستدلوا بما رواه الدارقطني والبيهقي من حديث عائشة. وأقضي يوما مكانه وعمومات أخر. وقال أحمد خبر عائشة لا يثبت. ولا يقضي من أفطر لعذر لا صنع له فيه إجماعًا. وأما الفرض فيجب القطع لرد معصوم عن هلكة. وإنقاذ غريق ونحوهما. ويحرم خروجه منه بلا عذر. قال المجد وغيره لا نعلم فيه خلافا. وكذا من دخل في واجب موسع كقضاء رمضان ومكتوبة أول وقتها وغير ذلك كنذر مطلق وكفارة يجوز تأخيرها بلا عذر اتفاقا. فيستحب إتمام النفل لغير عذر خروجا من خلاف من أوجبه. ولعموم (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) وإن قضاه فحسن. فإن الخروج من الخلاف مستحب بلا خلاف، ولأن به تكمل العبادة وذلك مطلوب شرعا.

стр. 802

فصل فيما نهي عن صومه أي في بيان ما يكره صومه ويحرم صومه. وما يتعلق بذلك. (عن أبي هريرة أن سول الله ﷺ قال لا تقدموا رمضان). أي لا تستقبلوا رمضان. وفي السنن "ولا تستقبلوا الشهر استقبالا" (بصوم يوم أو يومين) أي نقلا مطلقا لم تجر به عادة. لأن الحكم علق بالرؤية. فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. (إلا أن يكون رجل يصوم صوما) أي معتادا كالاثنين والخميس. أو كان عليه قضاء أو نذر أو كفارة (فليصمه) قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان. واقتصر ﷺ على يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد الاحتياط لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه كما نهى أن توصل صلاة بصلاة. فأما إن وافق عادة فلا يكره اتفاقا. لأنه اعتاده وألفه وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء أو كان موصولا بصيام أيام قبله لم يكره لما يأتي. أو كان قضاء أو نذرا أو كفارة فإنه يجب صومه. ومنع بعض الشافعية من صوم النصف الأخير من شعبان مستندين إلى ما رواه العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" وقال أحمد وابن معين منكر.

стр. 803

وذهب الجمهور إلى استحبابه لما تقدمه من الحث على صيام شعبان وقال الشيخ لا يكره صوم العشر الأخير من شعبان عند أكثر أهل العلم. (وعنه أن رسول الله ﷺ قال لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام) لكونه عيدنا أهل الإسلام. فيكره إفراده اتفاقا. إلا ما روي عن مالك. وعن علي من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة. فإنه يوم طعام وشراب وذكر لله. فيستحب فطره ليكون أعون على هذه الوظائف وأدائها. بنشاط وانشراح لها وتلذذ من غير ملل ولا سآمة ولأنه يوم عيد الأسبوع. (إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم) أن يكون يصوم يوما ويفطر يوما أو وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء أو نذرا أو قضاء ونحوه لم يكره. قال الوزير اتفقوا على كراهته إلا أن يوافق عادة والحديثان (متفق عليهما) من غير وجه. (ولهما) أن رسول الله ﷺ قال "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة أي وحده" (إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده) وفي لفظ إلا "وقبله يوم أو بعده يوم" ولأحمد "يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم "إلا أن تصوموا قبله أو بعده" وله عن ابن عباس "لا تصوموا يوم الجمعة وحده" وله عن جنادة الأزدي دخلت على رسول الله ﷺ في يوم الجمعة في

стр. 804

سبعة من الأزد وهو يتغذى فقال "هلموا إلى الإذاء" فقلنا إنا صيام. فقال "اصمتم أمس" قلنا لا. قال "أفتصومون غدا" قلنا لا. قال" فافطروا" فأكلنا معه. وللبخاري عن جويرية نحوه. فيتعين القول بكراهة صومه وحده إلا ويوم قبله أو بعده. وإلا وجب فطره ومالك معذور. قال الداودي لم يبلغه هذا الحديث. ولو بلغه لم يخالفه. ففي الصحيحين سئل جابر أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال نعم. وللبخاري أن يفرد بصوم. وحكى ابن المنذر وغيره عن علي وغيره المنع من صومه وحده. وقال ابن حزم لا نعلم لهم مخالفًا في الصحابة. وقال الشيخ وكراهة إفراد رجب وكذا الجمعة بصوم سدا لذريعة اتخاذ شرع لم يأذن به الله من تخصيص زمان أو مكان لم يخصه الله كما وقع من أهل الكتاب ويكره إفراد قيام ليلتها باتفاق أهل العلم. ولمسلم وغيره "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" وفيه دليل على كراهة الصلاة التي تسمى الرغائب. وفي قوله "إلا أن يصوم يوما قبله أو بعده" ونحوه أن صيام يوم السبت ويوم الجمعة أو السبت والأحد لا يكره وهو إجماع. وروي أن رسول الله ﷺ قال "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" وقال مالك منكر. وأبو داود منسوخ. وقال

стр. 805

الشيخ شاذ أو منسوخ. واختار هو وغيره من المحققين أنه لا يكره صومه منفردا. وأنه قول أكثر العلماء. لقول أم سلمة أكثر ما كان رسول الله ﷺ يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول "إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم" صححه ابن خزيمة وغيره. وللترمذي عن عائشة كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين. ومن الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. ويكره صوم النيروز والمهرجان وكل عيد للكفار. أو يوم يفردونه بالتعظيم لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمها. قال عبد الله بن عمر من صنع ببلاد الأعاجم نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم. قال الشيخ وغيره ما لم يوافق عادة أو يصمه عن نذر ونحوه. قال وكذلك يوم الخميس الذي يكون في آخر صومهم يوم عيد المائدة. ويوم الأحد الذي يسمونه يوم عيد الفصح وعيد النور والعيد الكبير ونحو ذلك. ليس للمسلم أن يشابههم في أصله ولا في وصفه. وقال لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم. لا من طعام ولا من لباس ولا اغتسال. ولا إيقاد نيران. ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك. ولا يحل فعله وليمة. ولا الإهداء. ولا الصنع بما يستعان به على ذلك. ولا تمكين الصبيان. ونحوهم من اللعب التي في الأعياد. ولا إظهار زينة. وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم

стр. 806

بشيء من شعائرهم. بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام. لا يخصه المسلمون. بشيء من خصائصهم. وتخصيصه بما تقدم لا نزاع بين العلماء في كفر من يفعل هذه الأمور. لما فيها من تعظيم شعائر الكفر. وقد اشترط عمر الصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في ديار المسلمين. فكيف إذا أظهرها المسلمون. قال عمر لا تتعلموا رطانة الأعاجم. ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم. فإن السخطة تنزل عليهم. وإذا كان كذلك فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هو من شعائر دينهم. قال غير واحد من السلف في قوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال أعياد الكفار، وفي المسند والسنن "من تشبه بقوم فهو منهم" "ليس منا من تشبه بغيرنا" وإن كان في العادة. فكيف بما هو أبلغ من ذلك؟. (عن عمار) بن ياسر ﵁ أنه قال (من صام اليوم الذي يشك فيه) هل هو من رمضان أو من شعبان كأن يحول بينهم وبينه غيم أو قتر أو يتحدث الناس فيه برؤية ولم تثبت رؤيته، أو شهد واحد فردت شهادته. أو فاسقًا فأكثر فردت (فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) كنيته ﷺ . لأنه هو يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك. ونهى في حياته أن يتكنى بها غيره (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وقال

стр. 807

العمل عليه عند أكثر أهل العلم. ورواه البخاري تعليقا جزما لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه. فحكمه الرفع. قال ابن عبد البر هو مسند عندهم اتفاقا. ورجح الحافظ أنه موقوف لفظًا مرفوع حكما. وقال ابن عبد البر نهى ﷺ عن صوم يوم الشك اطراحًا لأعمال الشك. وهذا أصل عظيم من أصول الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين في انتقالها. وقال الشيخ هو يوم شك أو يقين من شعبان. ينهى عن صومه بلا توقف. لأن الأصل والظاهر عدم الهلال. فصومه تقدم لرمضان بيوم. وقد نهى النبي ﷺ عن صومه. وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره. فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ولا يستحب. بل يستحب تركه احتياطا. وعن أحمد تحريمه وفاقا لمالك وأبي حنيفة والشافعي. واختاره الشيخ وجمهور المحقيقين من أصحاب أحمد وغيرهم. وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة. منها النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. وللخمسة عن ابن عباس "فإن حال بينكم وبينه سحاب فاكملوا العدة ثلاثين. ولا تستقبلوا الشهر استقبالا" ومنها الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عن صيامه كقوله "فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين" وهي مستفيضة من غير وجه. والأمر بالشيء نهي عن ضده. ولما فيه

стр. 808

من الزيادة في الفرض. ويستثنى القضاء والنذر والعادة على ما تقدم. فائدة: كره الوصال بعض أهل العلم لما في الصحيحين أنه ﷺ نهى عن الوصال فقالوا إنك تواصل فقال "إني لست مثلكم إني أطعم وأسقي" ولا يحرم لأنه نهى عنه رفقًا بهم. وقيل يحرم حكاه ابن عبد البر عن الجمهور. ولا يبطل الصوم حكاه الموفق إجماعا. ولا يكره إلى السحر لما في الصحيح "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" وتركه أولى محافظة على الإتيان بالسنة في تعجيل الفطر. وتقوية البدن على العبادة. (وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (نهى) رسول الله ﷺ (عن صيام يومين) من أيام السنة. وللبخاري "لا صوم في يومين" ولمسلم "لا يصح الصوم في يومين (يوم الفطر) وهو يوم عيد الفطر (ويوم النحر) وهويوم عيد الأضحى (متفق عليه) ولهما عن أبي عبيد قال شهدت العيد مع عمر ﵁ فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال: إن هذين يومين نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم. واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم. فأشار إلى العلة في وجوب فطرهما بالفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، ليتميز وقت العبادة عن

стр. 809

غيره. لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب. كما فعل بالنصارى. وأكده الشارع باستحباب تعجيل الفطر. وتأخير السحور. واستحباب تعجيل الفطر يوم العيد قبل الصلاة. والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه. ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى. فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك. لأنه يستلزم النحر. ولما في صومهما من الإعراض عن ضيافة الله تعالى لعباده. قال النووي وغيره أجمع أهل العلم على تحريم صومهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك. ولو نذر صومهما متعمدًا، ولا ينعقد عند الجمهور. ولا يلزمه قضاؤهما. لقوله "لا نذر في معصية". (وللبخاري عن ابن عمر لم يرخص) يعني النبي ﷺ (في أيام التشريق أن يصمن) وهي ثلاثة بعد يوم النحر. سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها. وهو تقديدها ونشرها في الشمس. وهي الأيام المعدودات ولمسلم من حديث نبيشة" أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله" ولأحمد نحوه من حديث أبي هريرة وسعد "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام منى أيام أكل وشرب ولا صوم فيها". وللخمسة من حديث عقبة وللبزار من حديث ابن عمر "أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد"

стр. 810

ولأحمد عن أنس "نهى عن صوم خمسة أيام في السنة يوم الفطر ويوم النحرو ثلاثة أيام التشريق. وحكي أن النهي عن صومها متوتر. وقال الوزير وغيره أجمعوا على كراهة صيام أيام التشريق. ومن قصده نفلا فقد عصى الله. ولم يصح له إلا أبا حنيفة فقال ينعقد مع الكراهة. ولعل من رخص في صيامها أنه لم يبلغه النهي. قال المجد أو تأوله على أفرادها. كيوم الشك. (إلا لمن لم يجد الهدي) فيصوم الثلاثة فيها إذا لم يصمها قبل رخصة لمن كان متمتعا أو قارنا أو محصرا. لإطلاق الحديث وعموم الآية. وهو مذهب أحمد ومالك والشافعي في القديم. وعن أحمد لا يجوز وحكي اتفاقا لخبر "هي أيام أكل وشرب" والحديث يدل على الجواز، فإن حمل المطلق على المقيد واجب. وكذا بناء العام على الخاص. وللبخاري عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى. وهذه الصيغة لها حكم الرفع. وأخرجه الدارقطني والطحاوي بلفظ "رخص رسول الله ﷺ لللمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق" وإن كان فيه مقال. فأصله متفق على صحته. والقول به أقوى. فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي إذا لم يصمها قبل ويأتي.
следующие страницы →