Полный текст (2 171 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
بشيء من شعائرهم. بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام. لا يخصه المسلمون. بشيء من خصائصهم.
وتخصيصه بما تقدم لا نزاع بين العلماء في كفر من يفعل هذه الأمور. لما فيها من تعظيم شعائر الكفر. وقد اشترط عمر الصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في ديار المسلمين. فكيف إذا أظهرها المسلمون. قال عمر لا تتعلموا رطانة الأعاجم. ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم. فإن السخطة تنزل عليهم.
وإذا كان كذلك فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هو من شعائر دينهم. قال غير واحد من السلف في قوله تعالى (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال أعياد الكفار، وفي المسند والسنن "من تشبه بقوم فهو منهم" "ليس منا من تشبه بغيرنا" وإن كان في العادة. فكيف بما هو أبلغ من ذلك؟.
(عن عمار) بن ياسر ﵁ أنه قال (من صام اليوم الذي يشك فيه) هل هو من رمضان أو من شعبان كأن يحول بينهم وبينه غيم أو قتر أو يتحدث الناس فيه برؤية ولم تثبت رؤيته، أو شهد واحد فردت شهادته. أو فاسقًا فأكثر فردت (فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) كنيته ﷺ . لأنه هو يقسم
بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك. ونهى في
حياته أن يتكنى بها غيره (رواه الخمسة وصححه الترمذي) وقال
стр. 807
العمل عليه عند أكثر أهل العلم. ورواه البخاري تعليقا جزما لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه. فحكمه الرفع. قال ابن عبد البر هو مسند عندهم اتفاقا. ورجح الحافظ أنه موقوف لفظًا مرفوع حكما.
وقال ابن عبد البر نهى ﷺ عن صوم يوم الشك اطراحًا لأعمال الشك. وهذا أصل عظيم من أصول الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين في انتقالها. وقال الشيخ هو يوم شك أو يقين من شعبان. ينهى عن صومه بلا توقف. لأن الأصل والظاهر عدم الهلال. فصومه تقدم لرمضان بيوم. وقد نهى النبي ﷺ عن صومه. وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره. فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ولا يستحب. بل يستحب تركه احتياطا.
وعن أحمد تحريمه وفاقا لمالك وأبي حنيفة والشافعي. واختاره الشيخ وجمهور المحقيقين من أصحاب أحمد وغيرهم. وهو ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة. منها النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين. وللخمسة عن ابن عباس "فإن حال بينكم وبينه سحاب فاكملوا العدة ثلاثين. ولا تستقبلوا الشهر استقبالا" ومنها الأحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عن صيامه كقوله "فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين" وهي مستفيضة من غير وجه. والأمر بالشيء نهي عن ضده. ولما فيه
стр. 808
من الزيادة في الفرض. ويستثنى القضاء والنذر والعادة على ما تقدم.
فائدة: كره الوصال بعض أهل العلم لما في الصحيحين أنه ﷺ نهى عن الوصال فقالوا إنك تواصل فقال "إني لست مثلكم إني أطعم وأسقي" ولا يحرم لأنه نهى عنه رفقًا بهم. وقيل يحرم حكاه ابن عبد البر عن الجمهور. ولا يبطل الصوم حكاه الموفق إجماعا. ولا يكره إلى السحر لما في الصحيح "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" وتركه أولى محافظة على الإتيان بالسنة في تعجيل الفطر. وتقوية البدن على العبادة.
(وعن أبي سعيد) الخدري ﵁ (نهى) رسول الله ﷺ (عن صيام يومين) من أيام السنة. وللبخاري "لا صوم في يومين" ولمسلم "لا يصح الصوم في يومين (يوم الفطر) وهو يوم عيد الفطر (ويوم النحر) وهويوم عيد الأضحى (متفق عليه) ولهما عن أبي عبيد قال شهدت العيد مع عمر ﵁ فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال: إن هذين يومين نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم. واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم.
فأشار إلى العلة في وجوب فطرهما بالفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، ليتميز وقت العبادة عن
стр. 809
غيره. لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب. كما فعل بالنصارى. وأكده الشارع باستحباب تعجيل الفطر. وتأخير السحور. واستحباب تعجيل الفطر يوم العيد قبل الصلاة. والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه. ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى. فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك. لأنه يستلزم النحر. ولما في صومهما من الإعراض عن ضيافة الله تعالى لعباده.
قال النووي وغيره أجمع أهل العلم على تحريم صومهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك. ولو نذر صومهما متعمدًا، ولا ينعقد عند الجمهور. ولا يلزمه قضاؤهما. لقوله "لا نذر في معصية".
(وللبخاري عن ابن عمر لم يرخص) يعني النبي ﷺ (في أيام التشريق أن يصمن) وهي ثلاثة بعد يوم النحر. سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحي فيها. وهو تقديدها ونشرها في الشمس. وهي الأيام المعدودات ولمسلم من حديث نبيشة" أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله" ولأحمد نحوه من حديث أبي هريرة وسعد "أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام منى أيام أكل وشرب ولا صوم فيها".
وللخمسة من حديث عقبة وللبزار من حديث ابن عمر "أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد"
стр. 810
ولأحمد عن أنس "نهى عن صوم خمسة أيام في السنة يوم الفطر ويوم النحرو ثلاثة أيام التشريق. وحكي أن النهي عن صومها متوتر. وقال الوزير وغيره أجمعوا على كراهة صيام أيام التشريق. ومن قصده نفلا فقد عصى الله. ولم يصح له إلا أبا حنيفة فقال ينعقد مع الكراهة. ولعل من رخص في صيامها أنه لم يبلغه النهي. قال المجد أو تأوله على أفرادها. كيوم الشك.
(إلا لمن لم يجد الهدي) فيصوم الثلاثة فيها إذا لم يصمها قبل رخصة لمن كان متمتعا أو قارنا أو محصرا. لإطلاق الحديث وعموم الآية. وهو مذهب أحمد ومالك والشافعي في القديم. وعن أحمد لا يجوز وحكي اتفاقا لخبر "هي أيام أكل وشرب" والحديث يدل على الجواز، فإن حمل المطلق على المقيد واجب. وكذا بناء العام على الخاص. وللبخاري عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى.
وهذه الصيغة لها حكم الرفع. وأخرجه الدارقطني والطحاوي بلفظ "رخص رسول الله ﷺ لللمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق" وإن كان فيه مقال. فأصله متفق على صحته. والقول به أقوى. فيصح صوم أيام التشريق لمن عدم الهدي إذا لم يصمها قبل ويأتي.
стр. 811
فصل في ليلة القدر
أي في بيان فضل ليلة القدر والحث على قيامها. وتحريمها في أوتار العشر الأخير. وما يتعلق بذلك. قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي العمل الصالح في ليلة القدر ﴿خَيْرٌ مِنْ﴾ العمل في ﴿أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلة القدر وروي أنه ﷺ أري أعمال الناس قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته أن يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر. وقيل ذكر له رجل من بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب هو والمسلمون من ذلك وتمنى ذلك لأمته. فقال "يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها عملا" فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر.
وسميت ليلة القدر لأن فيها تقدير الأمور والأحكام والأرزاق والآجال وما يكون في تلك السنة إلى مثلها من السنة المقبلة. قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ والمراد التقدير الخاص لا العام. فإن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض. وقيل لعظم قدرها وشرفها عند الله. كقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.
وقال في هذه السورة تنويها بشرفها ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني القرآن العظيم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ونزل به جبرائيل من الله على رسول الله ﷺ مفصلا بحسب الوقائع ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: أي
стр. 812
شيء يبلغ درايتك قدرها ومبلغ فضلها وعظم قدر الطاعات فيها. وهذا على سبيل التعظيم لها والتشويق إلى خيرها. وهي أفضل الليالي على الإطلاق. وأفضل الأيام يوم الجمعة. ويوم النحر أفضل أيام العام. وقيل يوم عرفة.
ثم قال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تعظيما لكثرة بركتها ﴿وَالرُّوحُ﴾ جبرائيل ﵇ والملائكة ﵈ يتنزلون من تنزل البركة والرحمة والمغفرة. كما يتنزلون عند تلاوة القرآن. ويحضرون حلق الذكر. ويضعون أجنحتهم لطالب العلم. (فيها) أي تنزل في ليلة القدر (من كل أمر) أي بكل أمر من الخير والبركة (سلام) على أولياء الله وأهل طاعته يصلون ويسلمون على كل عبد صالح قائم أو قاعد يذكر الله (هي) يعني ليلة القدر سلامة وخير ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي يدوم ذلك السلام والخير إلى مطلع الفجر. ولأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما حضر رمضان قال "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" ونقل جمع من أهل المذاهب أنها خاصة بهذه الأمة.
(وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال من قام ليلة القدر) بالتهجد فيها والصلاة والذكر والدعاء والفكر. وهذه صيغة تغريب وندب دون إيجاب. وأجمعت الأمة على استحبابه
стр. 813
ويحصل بمطلق ما يصدق عليه القيام. وقيل أكثر الليل. وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل. (إيمانا) تصديقا بأنه حق مقتصد فضيلته (واحتسابا) لثوابها عند الله لا يريد إلا الله وحده لا يريد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.
(غفر له ما تقدم من ذنبه، متفق عليه. زاد أحمد وماتأخر) أي من ذنبه. وله عن عبادة "من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وللنسائي من حديث قتيبة "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" قال الحافظ وإسناده على شرط الصحيح. أي يقوم يصلي ويقرأ ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة. لعله يوافقها.
فقد كان ﷺ يتهجد في ليالي رمضان. ويقرأ قراءة مرلتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ. فجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر. وهذا أفضل الأعمال في ليالي العشر وغيرها. وقيامها يكفر الذنوب لمن وافقت له شعر بها أو لم يشعر. وهي باقية لم ترفع للأخبار المتواترة بطلبها.
(ولهما عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال تحروا) أي أطلبوا (ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) قال ابن عباس دعا عمر أصحاب رسول الله ﷺ فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر. وتقدم الحث على قيام العشر الأواخر من رمضان. وأنه ﷺ كان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها.
стр. 814
ويعتكفها هو ونساؤه. وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال "اعتكفت الأول التمس هذه الليلة ثم الأوسط ثم أتيت فقيل لي إنها العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" فاعتكف الناس معه. وقالت عائشة "كان إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" حتى قال بعض السلف ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إنه طلب ليلة القدر. والمعنى أن الله لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام. أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح فيفوتهم طلب ليلة القدر.
فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل خصوصا في الليالي المرجوة فيها. فمن ههنا كان يصيب من أهله في العشرين من رمضان ثم يعتزل نساءه ليتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر فيعتكفها قطعا لأشغاله وتفريغا لباله وتخليا لمناجات ربه وذكره ودعائه.
(وللبخاري عنها) أن رسول الله ﷺ قال تحروا ليلة القدر (في الوتر منها) أي من العشر الأواخر من رمضان. ولمسلم عن ابن عمر وأحمد عن علي وغيره. وهي آكد عند جمهور العلماء. قال الشيخ فعلى هذا إن كان الشهر تامًا فكل ليلة من العشر وتر إما باعتبار الماضي كإحدى وعشرين. وإما باعتبار الباقي كالثانية. وإن كان ناقصًا فالأوتار باعتبار الباقي موافقة لها باعتبار الماضي.
стр. 815
وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأخير كله. كما قال ﷺ "تحروها في العشر الأواخر" وللبخاري عن ابن عباس مرفوعا "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان. ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى" وفي رواية "سبع يمضين أو في سبع يبقين".
ولمسلم من حديث أبي سعيد "أبينت لي فنيستها فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان. التمسوها في التاسعة والخامسة والسابعة" قيل لأبي سعيد ما التاسعة والخامسة والسابعة قال إذا مضت إحدى وعشرون فالتي تليها اثنتان وعشرون. فهي التاسعة. فإذ مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة. فإذا مضت خمس وعشرون. فالتي تليها الخامسة. وللترمذي وصححه من حديث أبي بكرة "التمسوها في تسع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة" فدلت هذه الأحاديث على أن أرجى وجودها في تلك الليالي.
(ولهما من حديث ابن عمر) أن رسول الله ﷺ قال (من كان متحريها) أي من كان ملتمسا لليلة القدر طالبا جزيل الثواب فيها (فليتحرها في السبع الأواخر) وذلك أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر. فقال "أرى رؤياكم قد تواطأت" ولمسلم قال "التمسوها
في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أوعجز فلا يغلب
على السبع البواقي" ولأحمد من حديث أبي ذر "التمسوها
стр. 816
في السبع الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها".
(ولأحمد) من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال (تحروها ليلة سبع وعشرين) وفي رواية "من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين" ولمسلم عن أبي بن كعب قال والله إني لأعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله بقيامها. وهي ليلة سبع وعشرين. وفي لفظ كان يحلف على ذلك. ويقول بالآية والعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ . وله عن ابن عباس مرفوعا: عليك بالسابعة وإسناده على شرط الصحيح. وله عن معاوية ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. وصححوا وقفه.
ويؤيده أنه ﷺ قام بهم في السابعة إلى آخر الليل حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. وجمع أهله ليلتئذ وجمع الناس. واستدل أبي عليها بطلوع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها. ورأى بعض السلف الملائكة في الهواء طائفين بالبيت الحرام. ورجل بالسواد يرى النخل واضعا سعفه بالأرض. وذكر غير ذلك.
قال الشيخ وقد يكشف الله لبعض الناس في المنام أو اليقظة فيرى أنوارها. أويرى من يقول له هذه ليلة القدر. وقد يفتح الله على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر.
وإن وقع ليلة جمعة في وتر منها فهي أرجى من غيرها. ولم يرد نص صريح عن النبي ﷺ أنها في ليلة معينة. والحكمة في ذلك والله أعلم ليجتهد المؤمن في طلبها في هذه الليالي
стр. 817
الشريفة. كل ليلة يجد في العبادة طمعًا في إدراكها. يقول في كل ليلة هذه الليلة ليلة القدر. واجتهاده ﷺ في هذه الليالي العشر واعتكافه فيها لأجل هذه الليلة يدل على ذلك. وفيه أوقال أرجحها أنها في وتر العشر الأواخر. وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.
(وعن عائشة قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟) استفهام استرشاد أي: ما أقول فيها من الدعاء الجامع (قال قولي اللهم إنك عفو) العفو عفو الله عن خلقه. والصفح عن الذنوب. وترك مجازاة المسيء. والمحو من عفت الريح الأثر إذا درسته. فكان العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه (تحب العفو) التجاوز عن الذنوب (فاعف عني) تجاوز عني فلا تؤاخذني بجرمي واستر على ذنبي وأكفني عذابك واصرف عني عقابك رواه أحمد والنسائي وابن ماجه و (صححه الترمذي) والحاكم وغيرهما.
وللنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا "سلوا الله العفو العافية والمعافاة الدائمة فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة" فإن الشر الماضي يزول بالعفو والحاضر بالعافية. والمستقبل بالمعافاة لتضمنها دوام العافية ويكثر من الدعاء والاستغفار فيها لأن الدعاء فيها مستجاب ويذكر حاجته في دعائه الذي يدعو به تلك الليلة.
стр. 818
باب الاعتكاف
العكوف لغة لزوم الشيء والاحتباس والمكث والمقام. واعتكف لزوم المكان. ومنه ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وقال ﴿أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. وشرعا لزوم المسجد لعبادة الله تعالى على وجه مخصوص. ويسمى جوارا لا خلوة. وهو سنة وقربة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو من الشرائع القديمة. وفيه من القرب المكث في بيت الله. وحبس النفس على عبادة الله. وقطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخال. وإخلاء القلب من الشواغل عن ذكر الله.
والتحلي بأنواع العبادات المحضة من الفكر والذكر وقراءة القرآن والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار إلى غير ذلك من أنواع القرب. وفي الحديث "المعتكف يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها وأعقب الصوم اقتداء بالكتاب العزيز. فإنه تعالى نبه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره بعده إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام. كما هو ثابت من فعل رسول الله ﷺ وأصحابه وأتباعهم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ أي لا تجامعوهن ولا تقربوهن ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ أي معتكفون ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي ما دمتم عاكفين في المساجد. ولا تقربوهن في غيرها. والمراد
стр. 819
بالمباشرة هنا الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك. واتفق أهل العلم على ان الوطء في الاعتكاف محرم لهذه الآية والأخبار. وقال ابن كثير وغيره هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفا في مسجد. ولو ذهب إلى منزله لحاجة فلا يحل له أن يلبث فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك. وليس له أن يقبل امرأته ولا أن يضمها إليه ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه اهـ.
وأجمع أهل العلم على فساد الاعتكاف بالجماع فيه. سواء أنزل أو لمنزل منذورا كان أو مسنونا. وإن باشر دون الفرج لم يفسد عند أكثر أهل العلم. ولا تحرم المباشرة دون الفرج بلا شهوة اتفاقا. ولأن عائشة كانت ترجله. وحكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز إلا في مسجد يجمع فيه. وحكي عن بعض المالكية وبعض الشافعية في كل مسجد. وقد وصف تعالى المعتكف بكونه في المسجد وأمر بتطهيره له والنبي ﷺ كان يعتكف في مسجده.
قال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يعني الأحكام التي ذكرها في الصيام والاعتكاف أي ما منع الله منها. وما أباحه ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
ينتهون فينجون من العذاب. وفي هذه الآية. وقوله
﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
دلالة واضحة على أن الاعتكاف من أفضل ما
стр. 820
يتقرب به العبد إلى الله .
(وعن عائشة كان رسول الله ﷺ يعتكف) أي يلزم المسجد ويقيم فيه بنية الاعتكاف (العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) ولهما عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان. ولمسلم قال نافع وقدأراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ . ولأحمد والترمذي وصححه عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان.
(ثم اعتكف أزواجه) ﷺ (من بعده) أي من بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه (متفق عليه) فثبت من فعله من غير وجه مما يدل على مشروعية الاعتكاف. واتفق عليه أهل العلم. وقال أحمد لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أنه مسنون. ودل على استحباب المداومة عليه في العشر الأواخر تخصيصه بالمداومة عليه فيها. لطلب ليلة القدر. وأنه لم ينسخ بل استمر عمل السلف به. ودل على أن النساء كالرجال في الاعتكاف.
ولا خلاف في عدم وجوبه. لأنه لم يأمر به أصحابه. وفي الصحيحين وغيرهما "من أحب أن يعتكف فليعتكف" إلا إذا نذره ويتأكد في العشر الأواخر. ويسن كل وقت حكاه غير واحد إجماعا. فلا يختص بزمان إلا ما نهي عن صيامه
стр. 821
للاختلاف في جوازه بغير صوم. وليس له ذكر مخصوص. ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف.
(وعن عمر) ﵁ (أنه قال للنبي ﷺ إني نذرت في الجاهلية) وهي ما كان قبل الإسلام (أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال أوف بنذرك متفق عليه) ففيه جواز الاعتكاف بغير صوم. لأن الليل ليس بوقت صوم. وقد أمره أن يفيء بنذره على الصفة التي أوجبها وفي رواية للبخارية فاعتكف ليلة. وللدارقطني من حديث ابن عباس "ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه" وهذا مذهب الشافعي وأحمد والجمهور.
واشترطه أبو حنيفة ومالك. وقال المجد والشيخ وغيرهما ليس في اشتراط الصوم في الاعتكاف نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. ولا يثبت بدون ذلك. وما روي عن عائشة لا اعتكاف إلا بصوم فموقوف. ومن رفعه فقد وهم. ثم لو صح فالمراد به الاستحباب. فإن الصوم فيه أفضل. اهـ. ـ. وللبخاري أن سؤال عمر كان بالجعرانة مرجعه من حنين.
فهو رد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصايم بالليل. وكونه عبادة تصح في الليل فلم يشترط له الصيام كالصلاة.
وإن نذر يوما لم تدخل ليلته إجماعا. إلا ما روي عن
стр. 822
مالك. وقال الخليل اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس. وكما لم يدخل في مسمى الليلة. وفيه أن الاعتكاف يلزم بالنذر. وفي الصحيح "من نذر أن يطيع الله فليطعه" فهو عبادة يجب الوفاء به إجماعا. حكاه الوزير وغيره. ولدارقطني وغيره. نذر أن يعتكف في الشرك. فدل على أن النذر من الكافر لا يسقط في الإسلام.
ومن نذر الصوم والاعتكاف لزماه حكاه الوزير وغيره إجماعًا. وإن علقهما أو أحدهما بشرط نحو لله علي أن أعتكف شهر رمضان إن كنت مقيمًا صحيحًا فصادفه مريضًا أو مسافرًا فله شرطه لظاهر الآية والخبر. ومتى قطعه فعليه قضاؤه حيث كان واجبا بالنذر. وإن كان تطوعًا لم يلزمه شيء من التطوعات بالشروع فيها كما تقدم سوى الحج والعمرة.
ولا يجوز لزوجة ولا لقن اعتكاف بلا إذن اتفاقا ولهما تحليلهما من تطوع وإن أذنا لهما شرعا. لأنه ﷺ أذن لعائشة وحفصة وزينب في الاعتكاف. ثم منعهما بعد أن دخلا فيه متفق عليه. ولخبر لا تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه ولما فيه من تفويت حقهما. وإن أذنا في منذور فلا.
(ولهما من حديث ابن عمر) يعني أن رسول الله ﷺ قال (صلاة في مسجدي هذا) يعني مسجد المدينة (خير من ألف صلاة فيما سواه) من سائر المساجد (إلا المسجد الحرام) أي
стр. 823
فصلاة فيه أفضل (زاد أحمد) من حديث جابر (وصلاة في المسجد الحرام) وهو مسجد مكة (أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه) قال ابن عبد البر هو أحسن حديث روي في ذلك. ولأحمد من حديث الزبير مثله. وللبيهقي وغيره نحوه بسند حسن. وفيه "صلاة في مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة".
ودلت هذه الأحاديث على فضيلة هذه المساجد وميزتها على غيرها. فمن عينها بنذر تعينت لفضل العبادة فيها على غيرها. لكونها مساجد الأنبياء. ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم والثاني أسس على التقوى. والثالث كان قبلة الأمم السالفة. وتقدم حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" لفضلها وشرفها على غيرها.
فلا يستقيم أن يقصد بالزيارة غيرها قال الشيخ والجويني وغيرهما يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر الحديث وأن من نذر إتيان غيرها لصلاة أو غيرها لم يلزمه غيرها. لأنه لا فضل لبعضها على بعض. ومن نذر الاعتكاف أو الصلاة في الأفضل لم يجزئه فيما دونه فمن نذره في المسجد الحرام لم يجزئه فيما سواه من سائر المساجد. ومن نذره في مسجد النبي ﷺ أجزأه فيه وفي المسجد الحرام. ومن نذره في الأقصى أجزأه فيه وفيهما.
стр. 824
ولأبي داود وغيره عن جابر أن رجلا سأل النبي ﷺ يوم الفتح: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال "صل ههنا" فسأله فقال "صل ههنا" فسأله فقال "شأنك إذا" ومن نذره في غير المساجد الثلاثة أجزأه في كل مسجد يجمع فيه. قال الحافظ وغيره وإن نذر إتيان غيرها لصلاة أو غيرها لم يلزمه غيرها بلا خلاف. وحكاه النووي وغيره.
واختار شيخ الإسلام في موضع: يتعين ما امتاز بمزية شرعية كقدم وكثرة جمع. والمراد بدون شد رحل. والقياس لزومه لكن ترك للخبر. ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعا فلم يتعين بالنذر سوى الثلاثة لمزيتها. وقيل ومسجد قباء. لمن كان بالمدينة. لإتيانه ﵊ إليه. ويدخل في حكم المسجد ظهره عند الجمهور لعموم قوله تعالى (فِي الْمَسَاجِدِ) ورحبته المحوطة منه اتفاقا. ومنارته التي هي وبابها فيه منه وما زيد فيه منه لعموم الخبر. وقاله طائفة من السلف. واختاره الشيخ.
وقال حكم الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام. فيثبت له جميع أحكامه من المضاعفة وغيرها. وروي عن أبي هريرة مرفوعا "لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي" وقال عمر لما زيد فيه لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ لى الله عليه وسلم. قال ابن رجب وقد قيل إنه لا يعلم عن السلف خلاف في المضاعفة. وإنما خالف بعض المتأخرين ولأحمد في قصة الحديبية أنه كان يصلي في الحرم.
стр. 825
قال ابن القيم وفيه كالدلالة على أن مضاعفة الصلاة بمكة تتعلق بجميع الحرم لا يخص بها المسجد وأن قوله "صلاة في المسجد الحرام" كقوله (أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) وكان الإسراء من بيت أم هانئ اهـ. ـز والمسجد الجامع أفضل لرجل تخلل اعتكافه جمعة. لئلا يحتاج إلى الخروج إليها فيترك الاعتكاف مع إمكان التحرز منه. ولا يلزم عند جمهور العلماء منهم أبو حنيفة وأحمد. وهو ظاهر مذهب الشافعي. وحكاه النووي عن مالك. لأن الخروج إليها لا بد منه كالخروج لحاجة. والخروج إليها معتاد. فكأنه مستثنى، وأجمعوا على وجوبه.
ولا يصح إن وجبت الجماعة بالاعتكاف فيما تقام فيه الجمعة وحدها لوجوب الجماعة كما تقدم. ويحرم تركها. وقال الوزير اجمعوا على أن كل مسجد تقام فيه الجماعات فإنه يصح فيه الاعتكاف. ومن لا تلزمه ففي كل مسجد كالمعذور والمرأة. سوى مسجد بيتها. حكاه الوزير وغيره إجماعا. إلا أن أبا حنيفة جوزه والسنة الصحيحة أولى بالاتباع. ولانتفاء حكم المسجد عنه في سائر الأحكام.
ولو أجزأ لفعله أزواج النبي ﷺ . واعتكف بعض نسائه معه في المسجد وهي مستحاضة ترى الدم. وربما وضعت تحتها الطشت من الدم. رواه البخاري، وسئل ابن عباس عن امرأة
стр. 826
جعلت عليها أن تعتكف في مسجد نفسها ببيتها فقال بدعة. وأبغض الأعمال إلى الله البدع. ويسن استتار معتكفه بخباء في مكان لا يصلي فيه الرجال. ويباح لرجل منه لاعتكافه ﷺ في قبة.
(وعن عائشة) ﵂ (كان) رسول الله ﷺ (إذا اراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه) متفق عليه. فدل على أن أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الفجر. والحديث ظاهر في ذلك وكانت عادته ﷺ أنه لا يخرج من منزله إلا عند الإقامة. وهذا قول أحمد وإسحاق. وحمله بعض أهل العلم على الجواز. وأولوا الحديث فقالوا إنه دخل من أول الليل. ولكن إنما يخلو بنفسه في المكان الذي أعده للاعتكاف بعد صلاة الصبح. ولا يخفى بعده.
أما إن نذره كالعشر الأخير أو عشر ذي الحجة. وكشهر بعينه دخل معتكفه قبل الزمن المنذور اعتكافه. لأن أوله الغروب فيدخل عند أول جزء من الليل. وهو قبيل الغروب من اليوم الذي قبل نذر اعتكافه. وخبر عائشة في التطوع والتطوع يشرع فيه متى شاء. واستحب أهل العلم لمن اعتكف العشر الأخير منه أن يبيت ليلة العيد في معتكفه ويخرج منه إلى المصلى. ليصل طاعة بطاعة قال أحمد هكذا حديث عمرة عن عائشة. وقاله مال. وذكر أنه بلغه عن النبي ﷺ وأنه بلغه عن أهل الفضل الذين مضوا. وعن إبراهيم كانوا يستحبون ذلك.
стр. 827
ولما ورد من الترغيب في قيام ليلة العيد. وقال ابن الماجشون إنه السنة المجمع عليها.
وأما المنذور فلا يخرج إلا بعد آخر يوم منه اتفاقا. ليستوفي جميعه. وإن نذر اعتكاف العشر الأخير فنقص الشهر أجزأه اتفاقا. بخلاف ما لو نذر عشرة أيام من آخر الشهر فنقص يوما قضى يوما اتفاقا. وإن فاتته العشر قضاه خارج رمضان. لفعله ﵊ في العشر الأول من شوال.
والأولى من قابل لا سيما لطلب ليلة القدر. وإن نذر زمنا معينا تابعه ولوأطلق اتفاقا. إلا في رواية عن الشافعي. لاقتضاء ذلك. سواء كان اعتكافا أو صوما. وإن نوى عددا فله تفريقه.
(ولهما عنها) أنها قالت (إنه ليدخل على رأسه) صلوات الله وسلامه عليه (وهو) معتكف (في المسجد فأرجله) أي تمشط شعره وتنظفه وتحسنه. وفي رواية أنها كانت ترجله وهي حائض. وهو معتكف في المسجد. وهي في حجرتها يناولها رأسه. أي فتمشطه وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يقدح في صحة اعتكافه. وهو اتفاق.
وإن خرج جميعه مختارا عمدا له منه بد بطل أتفاقا. وإن قل. وأنه يجوز للمعتكف التنظف والتطيب والحلق والغسل والتزين إلحاقا له بالترجيل. والجمهور أنه لا يكره فيه إلا ما
стр. 828
يكره في المسجد. وفيه أن الحائض طاهرة. وأن تناول المرأة رأس زوجها وترجيله ولمس جلده بغير لذة مباح وإنما يمنع مباشرتها بلذة قالت (وكان لا يدخل البيت) إذا كان معتكفا (إلا لحاجة) وفي لفظ إلا لحاجة الإنسان. وفسرها الزهري بالبول والغائط.
وأجمع أهل العلم على استثنائهما. وإلا لم يصح لأحد اعتكاف. لأنه لا يسلم من ذلك. وكقيء بغتة. وطهارة واجبة. وغسل منتجس يحتاجه. لأنه في معنى البول والغائط. وجمعة وشهادة لزمتاه إجماعا. ومرض يتعذر القيام معه اتفاقا. وقال الوزير وغيره أجمعوا على أنه يجوز للمعتكف الخروج إلى ما لا بد له منه كحاجة الإنسان والغسل من الجنابة والنفير والخوف الفتنة ولقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ولأجل الحيض والنفاس.
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد والجمهور له إتيانه بمأكل ومشرب لعدم من يأتيه بهما من غير أن يأكل ويشرب في بيته.
ويجوز عند الشافعي لما فيه من ترك المروءة. ويستحي أن يأكل وحده. وكما لا يبطل الاعتكاف فلا ينقص مدته. لأنه كالمستثنى عادة. لكونه إما واجبا وإلا يسيرا مباحا لحاجة. وقام مع صفية إلى بيتها.
(ولأبي داود عنها) ﵂ (قالت السنة) أي الطريقة المتبعة (على المعتكف أن لا يعود مريضا) وله عنها "كان يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل
стр. 829
عنه". وفي الصحيحين عنها إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما اسأل عنه إلا وأنا مارة (ولا يشهد جنازة) فدل على أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لعيادة مريض ولا لتشييع الجنازة ولا لما يماثلهما من القرب ما لم يتعين عليه ذلك مع عدم من يقوم به.
فلا يزور قريبا ولا يتحمل شهادة ولا يؤديها. ولا يغسل ميتا ونحو ذلك. فلا يخرج لكل قربة لا تتعين عليه اتفاقا. لأن له منه بدا كغيره. وإن تعين فله الخروج له لتعينه كالجمعة وشهادة لزمتاه لوجوبهما بأصل الشرع. وإن اشترط في ابتداء الاعتكاف الخروج إلى عيادة مريض وشهود جنازة وكل قربة لم تتعين عليه وما له منه بد كعشاء في بيته فله شرطه. وقال في المبدع وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. وقاله الشافعي وأحمد وغيرهما. وقال الوزير وهو الصحيح عندي.
قال إبراهيم كانوا يستحبون للمعتكف هذه الخصال. لا الخروج للتجارة والتكسب بالصنعة في المسجد. ولا الخروج لما شاء فلا يجوز اشتراطه لأنه ينافي الاعتكاف صورة ومعنى. وإن خرج لما لا بد منه فباع واشترى أو سأل عن مريض أو غيره ولم يعرج أو يقف لذلك جاز اتفاقا. وإن قال متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت فله شرطه. وإذا زال العذر فعليه الرجوع. إلى اعتكاف واجب.
стр. 830
(ولا يمس امرأة ولا يباشرها) المارد بالمباشرة هنا الجماع قرينة ذكر المس قبلها. وتقدم نقل الإجماع على ذلك. ويؤديه ما رواه الطبراني وغيره عن قتادة في سبب نزول الآية ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته فجامعها إن شاء فنزلت الآية. وفسرتها السنة. وأجمع أهل العلم على بطلان الاعتكاف بالجماع. والمنع من المس بشهوة. وجوازه بدونها.
وفي هذه الأخبار ونحوها أنه يستحب للمعتكف اجتناب ما لا يعنيه من جدال ومراء. وفي الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينيه" وإذا حسن إسلام المرء اقتضى ترك ما لا يعنيه كله من المحرمات والشبهات والمكروهات. وفضول المابحات في سائر الأوقات. وفي الاعتكاف أولى. فالمكروه في غيره أشد كراهة فيه حتى كره بعض أهل العلم تعليم القرآن لئلا تنصرف همته عن تدبر القرآن إلى حفظه على القراء.
فيكون قد صرف فهمه عن تدبر أسراره لنفسه إلى حفظ ظاهر نطقه لغيره. وإلا فليس من عمل اللسان للمعتكف ما يعدل قراءة القرآن واستماعه. وهذا كله إشارة إلى أن الاعتكاف حبس النفس وجمع الهمة على نفوذ البصيرة في تدبر القرآن. ومعاني التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. وذكر الله فكلما جمع الفكر يناسب هذه العبادة. وكلما بسط من الفكر ونشر من الهمة ينافيها.
стр. 831
كتابُ المناسِك
جمع منسك المتعبدات كلها. وقد غلب إطلاقها على أفعال الحج لكثرة أنواعها. وفي المطالع مواضع متعبدات الحج. (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) المواضع التي تقصد في الحج. والأفعال التي تفعل هناك. كالطواف والسعي والوقوف والرمي. والحج أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام. ودعائمه الخمس. وفرض من فروضه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو من العلم المستفيض الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف.
وقال ابن إسحاق لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم إلا حج هذا البيت. وقال غيره ما من نبي إلا حج. ولأحمد وغيره بسند حسن عن ابن عباس مرفوعا "إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظموا هذه الحرمة" يعني الكعبة "حق تعظيمها فإذا ضيعوا ذلك هلكوا" فهو خاصة هذا الدين الحنيف. وسر التوحيد (حُنَفَاءَ لِلَّهِ) أي حجاجًا (قِيَامًا لِلنَّاسِ) عمود العالم لو ترك خرت السماء على الأض. وبه كمل بناء الدين وتم بناؤه على أركانه الخمسة. وهو فرض كفاية كل عام على من لم يجب عليه ولو
стр. 832
عينا. وإنما أخروا الحج عن الصلاة والزكاة والصوم لأن الصلاة عماد الدين وتكرر كل يوم خمس مرات. فالحاجة إليها أشد ثم ثنوا بالزكاة لكونها قرينة الصلاة في مواضع كثيرة في الكتاب والسنة. ولشمولها المكلف وغيره. ثم الصوم لتكرره كل سنة. والحج في العمر مرة لكن البخاري قدم الحج على الصوم للتغليظ في تركه. ولعدم سقوطه بالبدل.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بالكسر الحالة والهيئة. وبالفتح المرة. اي ولله فرض واجب على الناس حج البيت. والمراد منهم المسلم المكلف الحر اتفاقا. فلا يجب على الكافر والمجنون ولا يصح منهما. ولا يجب على الصبي والمملوك ويصح تطوعا. ولا يسقط به الفرض. وعن ابن عباس مرفوعا "أيما صبي حج ثم بلغ فعليه أن يحج حجة أخرى" رواه البيهقي. ونحوه لأبي داود مرسلا. قال الشيخ والمرسل إذا عمل به الصحابي حجة اتفاقا.
قال وهذا مجمع عليه. لأنه من أهل العبادات فيصح ولا يجزئه أنه فعله قبل أن يخاطب به اهـ. ومن سواهم يجب عليه على الفور مع الاستطاعة. وحرف (على) للإيجاب لا سيما إذا ذكر المستحق. واتبع بقوله (ومن كفر) والحج لغة القصد. وشرعا قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. وقال الشيخ غلب في الاستعمال الشرعي والعرفي على حج بيت الله
стр. 833
وإتيانه. فلا يفهم عند الإطلاق إلا هذا النوع الخاص من القصد. لأنه هو المشروع الموجود كثيرا لقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقال الجوهري تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك. ويقال الحج حشر الخلائق من الأقطار للوقوف بين يدي الخالق.
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ من بدل من الناس. فتقديره ولله على المستطيع من المكلفين حج البيت. ويأتي ما رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما عن أنس قيل يا رسول الله ما السبيل قال "الزاد والراحلة" ولابن ماجه عن ابن عباس ونحوه. وعن جماعة من الصحابة. وللترمذي عن ابن عمر جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال ما يوجب الحج؟ قال" الزاد والراحلة" وقال العمل عليه عند أهل العلم.
وقال الشيخ بعد سرد الآثار فيه هذ هـ الأحاديث مسندة من طرق ومرسلة وموقوفة. تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة. ولأن الخطاب إنما هو للمستطيع لانتفاء تكليف ما لا يطاق شرعا وعقلاً. وليس شرطًا للصحة. بل متىوصل وفعل أجزأه. بلا نزاع. وإنما هو شرط للوجوب. قال الوزير وغيره أجمعوا على أن الحج يجب على كل مسلم عاقل حر بالغ صحيح مستطيع في العمر مرة واحدة. وأن المرأة في ذلك كالرجل. وأن الشرائط في حقها كالرجل. واشترط الجمهور وجود المحرم.
стр. 834
وإذا فقد من هذه الشروط شيء لم يجب.
(ومن كفر) سمي تاركه كافرًا. فقد دل على كفره. وإذا دل على كفره فقد دل على آكدية ركنيته. بل أكده بعشرة أوجه من التأكيدات كلها تقتضي بفرضيته. وأكده بأعظم الوعيد والتهديد بالكفر. ثم بإخباره باستغنائه عنه فقال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وحجهم وعملهم وعن جميع خلقه. فله الغنى الكامل التام من كل وجه عن كل أحد بكل اعتبار.
وأنه تعالى إنما شرع حج البيت ليشهدوا منافع لهم. لا لحاجة به إلى الحجاج. كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه. وافتتح هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت. وعظم شأنه بما يدعو النفوس إلى قصده. وحجه. فقال ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وكل ذلك مما يدل على الاعتناء به والتنويه بذكره. والتعظيم لشأنه والرفعة من قدره.
ولو لم يكن إلا إضافته إلى نفسه الكريمة بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ لكفى بها شرفا وفضلا. وهي التي أقبلت بقلوب العالمين إليه حبا وشوقًا إلى رؤيته كيف وقد أوجبه وجمهور أهل العلم على الفور بشرطه لأن الأمر يقتضي المأمور به على الفور. قال السدي من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفر به. وعن علي مرفوعا "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله
стр. 835
ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" وذلك أن الله يقول ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال الترمذي غريب وفيه مقال.
وصح عن عمر اهـ. قال من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا. وهم أن يبعث إلى الأمصار بضرب الجزية عل كل من كان عنده جدة فلم يحج ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. ولأحمد "تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" وله أيضا "من أراد الحج فليتعجل" وليست الإرادة هنا على التخيير لانعقاد الإجماع على خلافه. بل كقوله "من أراد الصلاة فليتوضأ" وروي "حجوا قبل أن لا تحجوا" أي اغتنموا فرصة الإمكان والفوز بالحصول على هذا الشعار قبل فواته بحادث موت أو غيره.
ولأنه أحد مباني الإسلام فلم يجز تأخيره إلى غير وقت معين كبقية المباني وأما تأخيره ﷺ هو وأصحابه بناء على أنه فرض سنة تسع. كما صححه القرطبي وغيره. فيحتمل أنه كان في آخرها. أو لعدم استطاعته. أو حاجة خوف في حقه منعه. وأكثر أصحابه. أو لأن الله كره له الحج مع المشركين عراة. أو لاستدارة الزمان. أو غير ذلك. ومن جملة الأقوال أنه فرض سنة عشر. قاله إمام الحرمين وغيره. فلا تأخير عند أكثر أهل العلم. وجزم به غير واحد من أهل التحقيق.
قال ابن القيم لما نزل عليه فرض الحج بادر. فإن فرضه
стр. 836
تأخر إلى سنة تسع أوعشر عام تبوك. وأردف الصديق بعلي ينادي بذلك. وهو قول جمهور المفسرين. والتقدم إليه أفضل إجماعا. ولو حج في آخر عمره ليس عليه إثم بالإجماع. ولو مات ولم يحج مع القدرة أثم إجماعا. وله تأخيره لمصلحة الجهاد. كتأخير الزكاة الواجبة لانتظار قوم أصلح من غيرهم. أو تضرر أهل الزكاة. وتأخير الفائتة للانتقال عن مكان الشيطان، ويقدم النكاح من خاف العنت عند الجمهور. وحكاه المجد إجماعًا. ولحاجة إليه. وإلا قدم الحج إجماعًا.
(وعن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج) وهذا تقرير وتفسير لقوله (ولله على الناس حج البيت) (فحجوا) أمر إيجاب بلانزاع (فقال رجل) هو الأقربع بن حابس (أكل عام) يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا زجرا له عن السؤال الذي كان السكوت له أولى (فقال) رسول الله ﷺ (لو قلت نعم) أي يجب عليكم كل عام (لوجبت) أي عليكم كل عام فريضة الحج أو هذه العبادة كل عام. وفي رواية ولو وجبت ما قمتم بها (ولما استطعتم) أي كل عام ذروني ما تركتكم (رواه مسلم) ورواه غيره من طرق.
ولأحمد وغيره عن ابن عباس قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال "أيها الناس كتب عليكم الحج" فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال "لو قلتها لوجبت. ولو
стр. 837
وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحج مرة فما زاد فهو تطوع" ولابن ماجه عن أنس بسند جيد نحوه وفيه "ولو وجبت لم تقوموا بها. ولو لم تقوموا بها عذبتم" ولأحمد وغيره "الحج مرة وما زاد فهو تطوع".
فدلت هذه الأحاديث على فرضية الحج وهو إجماع. وأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة إجماعا. حكاه النووي والحافظ والوزير وغيرهم. وقال الخطابي لا خلفًا بين العلماء في أن الحج لا يتكرر وجوبه اهـ. إلا أن ينذره أو العمرة فيجب الوفاء بالنذر بشرطه. وفيها رأفته ﷺ بأمته وشفقته عليهم.
(وعن عائشة قلت يا رسول الله على النساء جهاد) إخبار يراد به الاستفهام (قال نعم عليهن جهاد لا قتال فيه) إيضاح للمراد وكأنها قالت ما هو فقال (الحج والعمرة) أطلق عليهما لفظ الجهاد وشبههما به فهما منه. ويأتي "الحج جهاد" وتقدم قوله "اركبيها فإن الحج من سبيل الله" وفيهما من الفضل وجزيل الأجر ما فيهما مما هو معلوم. ولجامع المشقة.
وفيه أن الحج والعمرة تقوم مقام الجهاد في حق النساء. رواه أحمد وابن ماجه و (صححه الحافظ) وللبخاري عنها أنها قالت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال "لا لكن أفضل الجهاد حج مبرور" واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على وجوبهما في العمر مرة واحدة.
стр. 838
(وللخمسة عن أبي رزين) لقيط بن عامر العامري العقيلي وافد بني المنتفق. روى عنه جماعة (أنه أتى النبي ﷺ فقال إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة) ولا الظعن (فقال حج عن أبيك) الذي كبر (واعتمر صححه الترمذي) وقال أحمد لا أعلم في إيجاب العمرة حديثا أجود من هذا. ولا أصح منه. وهو المشهور عنه. وعن الشافعي. وجماعة من أهل الحديث مستدلين بهذا الحديث. وبحديث عمر في رواية الدارقطني وفيه "وتحج البيت وتعتمر" واستأنسوا بقوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
وقال بعضهم على الآفاقي. قال أحمد ليس على أهل مكة عمرة. قال تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهلهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي وأحمد واختيار الشيخ وغيره أن العمرة سنة. لحديث جابر مرفوعًا سئل عن العمرة أواجبة هي قال لا "وأن تعتمر خير لك" صححه الترمذي قال وهو قول بعض أهل العلم. قالوا ليست العمرة بواجبة. وللدارقطني بسند ضعيف قال "الحج جهاد والعمرة تطوع" ونحوه عن طلحة وابن عباس.
ولأن الأصل عدم وجوبها. والبراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف. ولا دليل يصلح لذلك مع اعتضاد الأصل بالأحاديث القاضية بعدم الوجوب ويؤيده اقتصاره تعالى علىلحج في قوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ واقتصار
стр. 839
الرسول ﷺ في قوله: "بني الإسلام على خمس" على الحج. وقوله للذي قال لا أزيد عليهن ولا أنقص "لئن صدق ليدخلن الجنة" وحديث "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" وغيرها.
وما استأنسوا به من قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه أتى النبي ﷺ رجل وهو بالجعرانة فقال كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فنزلت ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والسائل قد أحرم. وإنما سأل كيف يصنع. وقد انعقد الإجماع على وجوب إتمام الحج والعمرة. ولو أفسدهما.
قال ابن القيم وليس في الآية فرضها. وإنما فيها إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما. وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، وأجمع أهل العلم على مشروعيتها كالحج. وأن فعلها في العمر مرة واحدة كالحج. وورد في فضلها أحاديث كثيرة. وفيه جواز الحج عن العاجز.
(وعن ابن عباس) ﵄ (أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا) وذلك أن النبي ﷺ لقي راكبا بالروحاء. محلة قرب المدينة فقال من القوم؟ قالوا المسلمون. فقالوا من أنت؟ فقال "رسول الله" (فقالت ألهذا حج؟ قال نعم) أي يكتب له حج فضلاً من الله ونعمة. وكذا أعمال البر كلها تكتب له. ولا تكتب عليه (ولك أجر) يكتبه الله لمن يأمره ويرشده إليه
стр. 840
(رواه مسلم) وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه. وللبخاري عن السائب ابن يزيد قال "حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع" ولأحمد عن جابر "حججنا مع رسول الله ﷺ معنا النساء والصبيان. فنلبي عن الصبيان ورمينا عنهم" وبعث ابن عباس في الثقل ولم يبلغ.
فيصح من الصبي نفلاً اتفاقًا. إلا أن أبا حنيفة قال لا يتعلق به وجوب الكفارات ولا يجب عليه الحج بالاتفاق لأنه غير مكلف. ولا يجزئ عن حجة الإسلام. قال الترمذي والوزير وغيرهما أجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك فعليه الحج إذا وجد وأدرك. وصح عن ابن عباس "أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى" ولأنه فعله قبل وجوبه فلم يجزئه إذا صار من أهله.
ويعقد الإحرام ولي الصبي. والأم تقوم مقامه لقوله "ولك أجر" فلم يستفصل. ولقول جابر أحرمنا عن الصبيان، ويحرم المميز بإذن وليه. ويفعل ما يعجزه. لقول جابر لبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. اي نيابة عنهم رواه أحمد. وطاف أبو بكر بابن الزبير في خرقة رواه الأثرم. وإذا كان له أجر فمن لازمه أن يوقف به المواقف كلها. ويطاف به إن لم يطق المشي. وكذا السعي ونحوه.
وقال الشيخ إن لم يمكنه الطواف ماشيًا فطاف به راكبا أو
стр. 841
محمولا أجزأ اتفاقا. وكانت عائشة تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم. وقال عطاء وغيره يفعل به كما يفعل بالكبير. ويشهد المناسك كلها. إلا أنه لا يصلي عنه. ويجتنب في حجه ما يجتنبه الكبير من المحظورات. ويقع لازما كالمكلف. وإن فسد أو دخله نقص وجب جبرانه كالكبير. والوجوب متعلق بالولي.
والرقيق كالصغير يصح منه نفلا إجماعا. وإن عتق فعليه الحج إن استطاع. قال الترمذي وغيره أجمع أهل العلم أن المملوك إذا حج في رقه ثم عتق فعليه الحج إذا وجد. ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه.
(وعنه) أي ابن عباس (أن امرأة من خثعم) علم علي القبيلة المشهورة باسم جدها. واسمه أفتل بن أنمار وكان ذلك في حجةالوداع بمنى بعد الرمي عند المنحر والفضل بن عباس رديف النبي ﷺ (قالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج) أي لما نزلت (أدركت أبي شيخًا كبيرًا) أي حال كونه شيخا كبيرًا (لا يستطيع أن يستوي على الراحلة).
وفي لفظ لا يثبت على الراحلة يعني لضعفه من الكبر. وإن شددته خشيت عليه. وفي معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية. ولأحمد والترمذي وصححه من حديث علي جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت إن أبي كبير وقد أفند أي هرم وأدركته فريضة الحج ولا يستطيع أداءها. والمعنى
стр. 842
أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة فيجزء عنه أن أؤديها عنه وهل لها أجر.
ولأحمد والنسائي من حديث عبد الله بن الزبير قال جاء رجل من خثعم. وفيه "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزئ ذلك عنه" قال نعم. ففي بعض الروايات أنه رجل. والأكثر أنه امرأة وذكر الحافظ طرقه. ثم قال الذي يظهر الذي يظهر من مجموعها أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت. وكان معلوما عندهم فريضة الحج (قال فحجي عنه متفق عليه) وفي لفظ أفأحج أنا نيابة عنه قال؟ "نعم" وذلك في حجة الوداع. ولفظه للرجل "فأحجج عنه" والمراد أنه وجب عليه الحج وهو بهذه الصفة.
فدل على أنه يجزئ عنه إذا كان مأيوسًا منه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه وكذا ثقل لا يثبت عل الراحلة. وما في معناها إلا بمشقة غير محتملة. ويسمى العاجز عن السعي لزمانة ونحوها المعضوب. من العضب وهو القطع. كأنه قطع من كمال الحركة والتصرف. ومن وجد الاستطاعة وهو معذور أو طرأ عليه العذر وجب عليه باتفاق أهل العلم وعند الجمهور يلزم أن يقيم من يحج عنه ويعتمر عنه فورا عند الشافعي وأحمد وغيرهما.
ويجزئ من حيث وجب. ويقع الحج عن المحجوج عنه. قال الترمذي قد صح عن النبي ﷺ في هذا الباب غير حديث
стр. 843
والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ . وبه يقول الشافعي وأحمد. وقوله "فدين الله أحق بالقضاء" قال الشيخ فجعل الشارع عمل الغير عنه يقوم مقام فعله فيما عجز عنه. مثل من وجب عليه الحج وهو معضوب أو مات ولم يحج. أو نذر صوما أو غيره ومت قبل فعله فعله عنه وليه. دين الله أحق بالقضاء. أي أحق أن يستوفي من وارث الغريم. لأنه أرحم من العباد. فهذا تشهد له الأصول اهـ.
ولا يصح عن مريض أو مجنون يرجى برؤهما. واتفق القائلون بإجزاءا لحج عن فريضة الغير أنه لا يجزئ إلا عن موت أو عدم قدرة من عجز ونحوه. وإن عوفي بعد فراغ النائب من النسك فكما لو لم يبرأ لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة وقال الشيخ المعضوب إذا أحج عن نفسه ثم برأ لا يلزمه إعادة الحج من غير خلاف أعلمه. واتفقوا على أنه إن عوفي قبل إحرام النائب عنه لم يجزئه للقدرة على المبدل قبل الشروع. في البدل. كالمتيمم يجد الماء. وكما لو استناب من يرجى زوال علته.
والجمهور على أنه لا يجزئ لو عوفي بعد الإحرام. وقبل فراغ النسك. لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسا منه. قال في المبدع وهو الأظهر عند الشيخ تقي الدين. ويصح عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما أن يستنيب قادر وغيره وفي نفل حج أو بعضه للتوسعة في النفل. وكالصدقة. ولأنها لا تلزم القادر ولا غير القادر بنفسه. فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب.
стр. 844
(وعن أنس) ﵁ قال (قيل يا رسول الله ما السبيل) أي الذي ذكر الله في الآية (قال الزاد والراحلة رواه الدارقطني) والبيهقي وغيرهما وصححه الحاكم ورجح الحافظ إرساله. وأخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن عمر وغيره وحسنه. وقال الحافظ في إسناده ضعف. وله طرق لا تخلو من مقال إلا أنها جاءت من طرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها.
وتقدم قول الشيخ أنه جاء من طرق تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة. وهو قدر زائد على القدرة المعتبرة في جميع العبادات. وهو مطلق المكنة. والمراد هنا كفاية فاضلة عن كفايته وكفاية من يعول حتى يعود. لقوله "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول" وبعد قضاء الواجبات من الديون والكفارات والنذور والحوائج الأصلية. والكفاية المعتبرة وجود زاد وراحلة بكراء أو شراء لذهابه وعودته.
ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه. فإن وجده في المنازل لم يلزمه حمله إن وجده يباع بثمن مثله. والزاد ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة. وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط. ولو قدر على المشي. والمعتبر في حق كل أحد ما يليق بحاله عرفا وعادة. لاختلاف أحوال الناس. فإذا كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط اكتفى بذلك.
стр. 845
وإلا اعتبر وجود محمل وما أشبهه مما لا يخشى سقوطه عنه. ولا مشقة فيه.
وإن لم يكن ممن يقدر على خدمة نفسه اعتبر من يخدمه. وإن أمكنه من غير ضرر يلحقه أو غيره. مثل من يكتسب بصناعة كالخراز أو مقارنة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج ويكره لمن حرفته المسألة. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأكثر أهل العلم. وقال مالك ليستا من شرط وجوبه. فإذا قدر راجلاً وله صنعة أومن عادته السؤال فهو مستطيع. وما عليه الجمهور هو مقتضى القواعد الشرعية. ونقل ابن الجوزي الإجماع على أن اكتساب الزاد والراحلة لا يجب. فتقرر أن تحصيل سبب الوجوب لا يجب ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره.
قال الشيخ وكل عبادة اعتبر فيها المال فالمعتبر ملكه. ولا القدرة على ملكه. كتحصيله بصنعة أو قبول هبة. أو مسألة أو أخذ من صدقة أو بيت مال اهـ. ـ. فإن قبل المال المبذول وقدر به وجب عليه الحج إجماعا. ويعتبر أمن الطريق. لأن عدم ذلك ضرر. وهو منتف شرعا. ولا يتأتى الحج بدونه. وإن استوى السلامة والهلاك فاختار الشيخ وغيره الكف وإن قتل فقال الشيخ أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا وإن غلب الهلاك لم يلزمه إجماعا في البحر. وإن كان غالبه السلامة وجب اتفاقا.
следующие страницы →