← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

محمولا أجزأ اتفاقا. وكانت عائشة تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم. وقال عطاء وغيره يفعل به كما يفعل بالكبير. ويشهد المناسك كلها. إلا أنه لا يصلي عنه. ويجتنب في حجه ما يجتنبه الكبير من المحظورات. ويقع لازما كالمكلف. وإن فسد أو دخله نقص وجب جبرانه كالكبير. والوجوب متعلق بالولي. والرقيق كالصغير يصح منه نفلا إجماعا. وإن عتق فعليه الحج إن استطاع. قال الترمذي وغيره أجمع أهل العلم أن المملوك إذا حج في رقه ثم عتق فعليه الحج إذا وجد. ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه. (وعنه) أي ابن عباس (أن امرأة من خثعم) علم علي القبيلة المشهورة باسم جدها. واسمه أفتل بن أنمار وكان ذلك في حجةالوداع بمنى بعد الرمي عند المنحر والفضل بن عباس رديف النبي ﷺ (قالت يا رسول الله إن فريضة الله في الحج) أي لما نزلت (أدركت أبي شيخًا كبيرًا) أي حال كونه شيخا كبيرًا (لا يستطيع أن يستوي على الراحلة). وفي لفظ لا يثبت على الراحلة يعني لضعفه من الكبر. وإن شددته خشيت عليه. وفي معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية. ولأحمد والترمذي وصححه من حديث علي جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت إن أبي كبير وقد أفند أي هرم وأدركته فريضة الحج ولا يستطيع أداءها. والمعنى

стр. 842

أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة فيجزء عنه أن أؤديها عنه وهل لها أجر. ولأحمد والنسائي من حديث عبد الله بن الزبير قال جاء رجل من خثعم. وفيه "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان يجزئ ذلك عنه" قال نعم. ففي بعض الروايات أنه رجل. والأكثر أنه امرأة وذكر الحافظ طرقه. ثم قال الذي يظهر الذي يظهر من مجموعها أن السائل رجل وكانت ابنته معه فسألت. وكان معلوما عندهم فريضة الحج (قال فحجي عنه متفق عليه) وفي لفظ أفأحج أنا نيابة عنه قال؟ "نعم" وذلك في حجة الوداع. ولفظه للرجل "فأحجج عنه" والمراد أنه وجب عليه الحج وهو بهذه الصفة. فدل على أنه يجزئ عنه إذا كان مأيوسًا منه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه وكذا ثقل لا يثبت عل الراحلة. وما في معناها إلا بمشقة غير محتملة. ويسمى العاجز عن السعي لزمانة ونحوها المعضوب. من العضب وهو القطع. كأنه قطع من كمال الحركة والتصرف. ومن وجد الاستطاعة وهو معذور أو طرأ عليه العذر وجب عليه باتفاق أهل العلم وعند الجمهور يلزم أن يقيم من يحج عنه ويعتمر عنه فورا عند الشافعي وأحمد وغيرهما. ويجزئ من حيث وجب. ويقع الحج عن المحجوج عنه. قال الترمذي قد صح عن النبي ﷺ في هذا الباب غير حديث

стр. 843

والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ . وبه يقول الشافعي وأحمد. وقوله "فدين الله أحق بالقضاء" قال الشيخ فجعل الشارع عمل الغير عنه يقوم مقام فعله فيما عجز عنه. مثل من وجب عليه الحج وهو معضوب أو مات ولم يحج. أو نذر صوما أو غيره ومت قبل فعله فعله عنه وليه. دين الله أحق بالقضاء. أي أحق أن يستوفي من وارث الغريم. لأنه أرحم من العباد. فهذا تشهد له الأصول اهـ. ولا يصح عن مريض أو مجنون يرجى برؤهما. واتفق القائلون بإجزاءا لحج عن فريضة الغير أنه لا يجزئ إلا عن موت أو عدم قدرة من عجز ونحوه. وإن عوفي بعد فراغ النائب من النسك فكما لو لم يبرأ لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة وقال الشيخ المعضوب إذا أحج عن نفسه ثم برأ لا يلزمه إعادة الحج من غير خلاف أعلمه. واتفقوا على أنه إن عوفي قبل إحرام النائب عنه لم يجزئه للقدرة على المبدل قبل الشروع. في البدل. كالمتيمم يجد الماء. وكما لو استناب من يرجى زوال علته. والجمهور على أنه لا يجزئ لو عوفي بعد الإحرام. وقبل فراغ النسك. لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسا منه. قال في المبدع وهو الأظهر عند الشيخ تقي الدين. ويصح عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما أن يستنيب قادر وغيره وفي نفل حج أو بعضه للتوسعة في النفل. وكالصدقة. ولأنها لا تلزم القادر ولا غير القادر بنفسه. فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب.

стр. 844

(وعن أنس) ﵁ قال (قيل يا رسول الله ما السبيل) أي الذي ذكر الله في الآية (قال الزاد والراحلة رواه الدارقطني) والبيهقي وغيرهما وصححه الحاكم ورجح الحافظ إرساله. وأخرجه الترمذي وغيره من حديث ابن عمر وغيره وحسنه. وقال الحافظ في إسناده ضعف. وله طرق لا تخلو من مقال إلا أنها جاءت من طرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها. وتقدم قول الشيخ أنه جاء من طرق تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة. وهو قدر زائد على القدرة المعتبرة في جميع العبادات. وهو مطلق المكنة. والمراد هنا كفاية فاضلة عن كفايته وكفاية من يعول حتى يعود. لقوله "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول" وبعد قضاء الواجبات من الديون والكفارات والنذور والحوائج الأصلية. والكفاية المعتبرة وجود زاد وراحلة بكراء أو شراء لذهابه وعودته. ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه. فإن وجده في المنازل لم يلزمه حمله إن وجده يباع بثمن مثله. والزاد ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة. وتعتبر الراحلة مع بعد المسافة فقط. ولو قدر على المشي. والمعتبر في حق كل أحد ما يليق بحاله عرفا وعادة. لاختلاف أحوال الناس. فإذا كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط اكتفى بذلك.

стр. 845

وإلا اعتبر وجود محمل وما أشبهه مما لا يخشى سقوطه عنه. ولا مشقة فيه. وإن لم يكن ممن يقدر على خدمة نفسه اعتبر من يخدمه. وإن أمكنه من غير ضرر يلحقه أو غيره. مثل من يكتسب بصناعة كالخراز أو مقارنة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج ويكره لمن حرفته المسألة. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأكثر أهل العلم. وقال مالك ليستا من شرط وجوبه. فإذا قدر راجلاً وله صنعة أومن عادته السؤال فهو مستطيع. وما عليه الجمهور هو مقتضى القواعد الشرعية. ونقل ابن الجوزي الإجماع على أن اكتساب الزاد والراحلة لا يجب. فتقرر أن تحصيل سبب الوجوب لا يجب ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره. قال الشيخ وكل عبادة اعتبر فيها المال فالمعتبر ملكه. ولا القدرة على ملكه. كتحصيله بصنعة أو قبول هبة. أو مسألة أو أخذ من صدقة أو بيت مال اهـ. ـ. فإن قبل المال المبذول وقدر به وجب عليه الحج إجماعا. ويعتبر أمن الطريق. لأن عدم ذلك ضرر. وهو منتف شرعا. ولا يتأتى الحج بدونه. وإن استوى السلامة والهلاك فاختار الشيخ وغيره الكف وإن قتل فقال الشيخ أعان على نفسه فلا يكون شهيدًا وإن غلب الهلاك لم يلزمه إجماعا في البحر. وإن كان غالبه السلامة وجب اتفاقا.

стр. 846

(وعن ابن عباس) ﵁ (أنه سمع رسول الله ﷺ يخطب يقول لا تسافر المرأة) في كل ما يسمى سفرا (إلا مع ذي محرم متفق عليه) ولمسلم من حديث أبي سعيد "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها" أي فيحل لها السفر معه. والمحرم هو زوجها أو من تحرم عليه بنسب أو سبب مباح. وفيه فقال رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وليس معها محرم وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال "فانطلق فحج مع امرأتك" وللدارقطني وصححه أبو عوانة من حديث عمرو بن دينار "لا تحج امرأة إلا ومعها ذو محرم" وفي لفظ "مسيرة يوم" وفي لفظ "يومين" وفي لفظ "ثلاث" ولعله لتعدد القضايا. وقال النووي ليس المراد من التحديد ظاهره. بل كلما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه إلا بمحرم. وإنما التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمعهوده. وقال الشيخ وغيره كلما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم. ولا يجب عليها مع عدمه. فيعتبر لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها زيادة على ما تقدم من الشروط. وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي. وذهب مالك وغيره إلى عدم اشتراطه. قال ابن المنذر

стр. 847

تركوا القول بظاهر الحديث. واشترط كل واحد ما لا حجة معه عليه وقال أحمد المحرم من السبيل فمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنسائها. فالمحرم في حق المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التي أطلقها القرآن مع النص الصريح باشتراط المحرم في سفر الحج بخصوصه. وإباحة الخروج لها في سفر الحج مع عدم هذا الشرط خلاف السنة. ونفقة محرمها عليها. فيشترط في وجوبه عليها ملك زاد وراحلة لها ولمحرمها. ولا يلزمه مع بذلها ذلك سفره معها. وإن أيست استنابت. وإن حجت بدونه أثمت بارتكاب النهي وأجزأ اتفاقا وأجمعوا على عدم جواز السفر لها بلا محرم سدا لذريعة ما يحاذر منه الفتنة وغلبات الطباع. واستثني مواضع الضرورة كالخروج من بلد الشرك. وانقطاعها في برية ونحو ذلك. لحديث عائشة في قصة الإفك. وعند الشيخ تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم. وإماء المرأة يسافرون معها ولا يفتقرون إلى محرم. لأنهن لا محرم لهن في العادة الغالبة. (وعنه أن امرأة من جهينة) قبيلة مشهورة من قضاعة (قالت يا رسول الله إن أمي) توفيت وقد (نذرت أن تحج) وكان معلوما عندهم في الجاهلية وجوب الوفاء بالنذر (فلم تحج) يعني ما نذرته (حتى ماتت) وظاهره أنها أدركت الإسلام قالت الجهينية (أفأحج عنها)؟ فأقضي ما نذرته (قال نعم حجي عنها) أي تلك الحجة التي نذرتها أمك (أرأيت لو

стр. 848

كان على أمك دين) يعني لآدمي (أكنت قاضيته). فيه دليل على أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله. كما أن عليه قضاء ديونه. وقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس ماله. فكذا ما شبه به في القضاء. ويلحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من نذر أو كفارة أو زكاة أو غير ذلك (أقضوا الله) أي حقه اللازم عليكم من نذر وغيره (فالله أحق بالوفاء) وأداء الواجبات (رواه البخاري) وله نحوه وفيه جاء رجل فقال إن أختي نذرت أن تحج. وللدارقطني عن ابن عباس: أتى النبي ﷺ رجل فقال إن أبي مات وعليه حجة الإسلام افأحج عنه؟ قال "أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه أقضيته عنه" قال نعم. قال "فاحجج عن أبيك" وظاهره لا فرق بين الواجب بأصل الشرع أو بإيجابه على نفسه. ولأنه حق استقر عليه فلن يسقط بموته. سواء فرط بالتأخير أو لا. وفيها دليل على جواز حج الولد وغيره عن الميت حجة الإسلام بعد موته. وإن لم يقع منه وصيته. ولا نذر. ويسقط بحج أجنبي عنه. لا عن حي بلا إذنه. كدفع زكاة مال غيره بلا إذنه. لا إن جعل ثوابه له. ويحج النائب من حيث وجب الحج على الميت. لأن القضاء

стр. 849

يكون بصفة الأداء وإن ضاق ماله حج به عنه من حيث بلغ. لقوله ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وإن مات من وجب عليه في الطريق حج عنه من حيث مات مسافة وقولا وفعلا. قال الشيخ وغيره ويقع الحج عن المحجوج عنه كأنه فعله بنفسه. سواء كان من جهة المنوب عنه مال أو لم يكن. ويكون الفاعل بمنزلة الوكيل والنائب. لأنه ينوي الإجرام عنه ويلبي عنه. ويكفي نية النسك. ولا تعتبر تسمية المنوب عنه لفظا. وإن جهل اسمه أو نسيه لبى عمن أسلم عنه المال. ليحج به عنه. وإن أحرم عن اثنين وقع عن نفسه اتفاقا. لأنه لا يقع عنهما. وإن نسي عينه بالإحرام بتفريطه أعاد الحج. وإن فرط الوصي غرم. والنائب أمين فيما يعطاه ليحج منه. ويرد ما فضل إلا أن يؤذن له فيه. وكرهت الإجارة عليه. لأنها بدعة. والأجير إنما يبيع عمله لمن استأجره. والحج من شرطه أن يكون قربة لفاعله. فلا يجوز الاستئجار عليه. لأن الله أوجب على العبد أن يعمل مناسكه لله كلها. وتعبده بذلك. فلو أنه عملها بعوض من الناس لم يجزئه إجماعا. فإذا عجز عن ذلك بنفسه جعل الله عمل غيره قائما مقام عمل نفسه. لما ثبت بالنص. وسادا مسده رحمة منه تعالى ولطفا فلا بد أن يكون مثله ليحصل به مقصوده.

стр. 850

وإذا كان هذا العامل إنما يعمل للدنيا ولأجل العوض الذي أخذه لم يكن حجه عبادة لله وحده. فلا يكون من جنس ما كان على الأول. وإنما تقع النيابة المحضة ممن غرضه نفع أخيه المسلم. لرحم بينهما أو صداقة. كما هو في الأخبار أو غير ذلك. وله قصد في أن يحج بيت الله الحرام ويزور تلك المشاعر العظام. فيكون حجه لله. فيقام مقام حج المستنيب. واستحب بعضهم أن يحج عن أبويه إن كانا ميتين أو عاجزين. ويقدم أمه لأنها أحق بالبر. ويقدم واجب أيبه لإبراء ذمته. وعن زيد بن أرقم مرفوعا "إذا حج الرجل عن والديه يقبل عنه وعنهما واستبشرت أرواحهما في السماء وكتب عند الله برا" رواه الدارقطني. وله عن جابر نحوه. وتقدم ذكر ما في فعل القرب وإهدائها لقريب ونحوه. وأن فعلها عن نفسه ودعاءه لهم أفضل. وأنه الذي استمر عليه عمل السلف. (ولأبي داود عنه أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة) أي نيابة عنه في الحج والعمرة (قال من شبرمة) المنوب عنه (قال أخ لي) أي من النسب أو قريب لي شك من الراوي (قال) يعني النبي ﷺ للرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة (حججت عن نفسك) وروي يا ابن نبيشة (قال لا) أيلم أحج عن نفسي (قال حج عن نفسك) يعني أولا (ثم حج عن شبرمة) قال الحافظ رواته ثقات. وله شاهد مرسل.

стр. 851

ورواه ابن ماجه وفيه "فاجعل هذه عن نفسك. ثم احجج عن شبرمة" والدارقطني وفيه قال "هذه عنك" اي: استدمه "وحج عن شبرمة" وصححه ابن حبان والبيهقي. وقال ليس في هذا الباب أصح منه. ورجح أحمد والحافظ وقفه. فيقوى المرفوع. لأنه من غير لجاله. وهو عبدة بن سليمان. قال الحافظ ثقة وتابعه غيره. ومال في التلخيص إلى صحته. وقال الشيخ حكم أحمد في رواية صالح أنه مرفوع. فيكون قد اطلع على ثقة من رفعه. وقال قد رفعه جامعة على أنه وإن كان موقوفا فليس لابن عباس فيه مخالف فدل على أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه. فإن أحرم عن غيره فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه لأنه ﷺ أمره أن يجعله عن نفسه بعد أن لبى عن شبرمة. فدل على أنها لم تنعقد النية عن غيره. وإلا لوجب عليه المضي فيه. وذلك لأن إحرامه عن الغير باطل لأجل النهي والنهي يقتضي الفساد. وبطلان صفة الإحرام لا توجب بطلان أصله. وهذا قول أكثر الأمة: إنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه مطلقا. مستطيعًا كان أو لا. لأن ترك الاستفصال والتفريق في حكاية الأحوال دال على العموم. ولأن الحج واجب في أول سنة من سني الإمكان. فإذا أمكنه فعله عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره.

стр. 852

(وعن أبي هريرة) ﵁ (مرفوعا) أي إلى النبي ﷺ أنه قال (العمرة إلى العمرة) اي العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة (كفارة لما بينهما) يعني من الصغائر إن كانت. ولأحمد من حديث عامر "كفارة لما بينهما من الذنوب والخطايا" قال الشيخ فيه إشارة إلى أن كبار الطاعات تكفر ما بينها. لأنه لم يقل النبي ﷺ كفارة لصغار ذنوبه بل إطلاقه يتناول الصغائر والكبائر. وقال من عرف أن الأعمال الظاهرة يعظم قدرها في القلوب من الإيمان وإن كان متفاضلا بلا ريب. وأنه لا يعلم مقاديره إلا الله عرف أن ما قال رسول الله ﷺ حق. ولم يضرب بعضه ببعض. وقد يفعل النوع الواحد بكمال إخلاص وعبودية فيغفر له الكبائر. ورد ذلك في صاحب السجلات مع البطاقة. والبغي التي سقت الكلب فغفر لها اهـ. وفيه دلالة على استحباب الإكثار من الاعتمار. وقال الوزير وغيره أجمعوا أن فعلها في جميع السنة جائز. فقد ندب ﷺ عليها. وفعلها أشهر الحج ويكفي كونه أعمر عائشة من التنعيم سوى عمرتها التي كانت أهلت بها. فهو أصل في جوازها في شهر بل أقل. ولا وجه للمنع منها في جميع الأوقات ما لم يكن متلبسا بالحج. كما قاله الشيخ وغيره. فلا تكره يوم النحر ولا يوم عرفة. ما لم يكن متلبسًا بالحج. وحكي اتفاقا.

стр. 853

وفي المبدع تكره الموالاة بينها باتفاق السلف. وهذا الحديث يدل على التفريق بينها وبين الحج في التكرار. وينبه على ذلك إذ لو كانت لا تفعل في السنة إلا مرة لسوى الشارع بينهما. واستحب بعضهم وقوعها في رمضان. لما صح أنه ﷺ أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان. وأخبرها أن عمرتها في رمضان تعدل حجة. ولكن كانت عمره ﷺ كلها في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين. فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج. وقال ابن سيرين ما أحد من أهل العلم يشك أن عمرة في أشهرالحج أفضل من عمرة في غير أشهر الحج. قال ابن القيم وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل من سائر السنة. بلا شك سوى رمضان لخبر أم معقل. ولكن لم يكن الله ليختار لنبيه ﷺ إلا أولى الأوقات وأحقها بها. فكانت في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره. وهذه الأشهر قد خصها الله بهذه العبادة. وجعلها وقتًا لها. العمرة حج أصغر. فأولى الأزمنة بها أشهر الحج. وقد يقال إنه يشتغل في رمضان من العبادات ما هو أهم منها فأخرها إلى أشهر الحج. مع ما فيه من الرحمة لأمته. فإنه لو فعله لبادرت إليه. ولم يخرج من مكة ليعتمر كما يفعله أهل مكة. وقال العمرة التي شرعها رسول الله ﷺ وفعلها نوعان. لا ثالث لهما عمرة التمتع. وهي التي أذن فيها عند الميقات وندب

стр. 854

إليها في أثناء الطريق. وأوجبها على من لم يسق الهدي عند الصفا والمروة. والثانية العمرة المفردة التي ينشئ لها سفرًا كعمرته ﷺ . ولم يشرع عمرة مفردة غيرها. وفي كليهما المعتمر داخل إلى مكة. وأما عمرة الخارج منها إلى أدنى الحل فلم تشرع ولم يقل لأهل مكة اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من الاعتمار فإن عمرة في رمضان تعدل حجة. ولا فهم هذا أحد من أصحابه ولا السابقين الأولين. وأما عمرة عائشة فزيادة محضة. وإلا فعمرة قرانها قد أجزأت عنها بنص رسول الله ﷺ . وكره هو والشيخ وغيرهما الخروج من مكة لعمرة تطوعًا. وقالوا إنه بدعة لم يفعله ﷺ ولا أصحابه على عهده إلا عائشة تطييبا لنفسها. وكانت طلبت منه أن يعمرها. وقد أخبرها أن طوافها وسعيها قد أجزأها عن حجها وعمرتها. فأبت عليه إلا أن تعتمر عمرة مفردة. وكانت لا تسأله شيئًا إلا فعله. فلم يخرج لها في عهده غيرها لا في رمضان ولا في غيره اتفاقا. ولم يأمر عائشة بل أذن لها بعد المراجعة ليطيب قلبها. وقالا طوافه وعدم خروجه لها أفضل اتفاقًا. (والحج المبرور) أي المقبول الذي لم يخالطه شيء من الإثم قد وفت أحكامه فوقع على الوجه الأكمل. والبر الطاعة وقيل المبرور المتقبل (ليس له جزاء إلا الجنة) أي إلا دخول الجنة

стр. 855

وقال الشيخ أي ز ادت قيمته فلم يقاومه شيء من الدنيا. وإلا فمطلق الدخول يكفي فيه الإيمان (متفق عليه) وفي الصحيح "أفضل الجهاد حج مبرور" "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" أي مشابها لنفسه في أنه يخرج بلا ذنب كما خرج بالولادة. وللترمذي وصححه "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة" "وليس للحج ثواب إلا الجنة" وجاء "وإن الحج يهدم ما كان قبله" "وإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله" بسبعمائة ضعف. وجاء في فضله والحث عليه أحاديث وآثار كثيرة مستفيضة. تتمة وإذا لم يكن فرضًا ولم يعزم فليستشر من يثق به ويستخير الله تعالى فيصلي ركعتين ويدعو في آخرها بما تقدم. قال الشيخ وقبل السلام أفضل. وإذا استقر عزمه فليبادر فعل كل خير ويبدأ بالتوبة من جميع المعاصي والمكروهات. ويخرج من المظالم بردها لأربابها. وكذا الودائع والعواري والديون. ويستحل من له عليه ظلامه ومن بينه وبينه معاملة أو مصاحبة ويستمهل من لا يستطيع الخروج من عهدته. ويكتب وصيته. ويوكل من يقضي ما لم يتمكن من قضائه. ويترك لمن تلزمه نفقته نفقتهم إلى حيث رجوعه.

стр. 856

ويرضى والديه ومن يتوجه عليه بره وطاعته. ويحرص أن تكون نفقته حلالا. ويستكثر من الزاد والنفقة. ويكون طيب النفس بما ينفقه ليكون أقرب إلى قبوله. قال الشيخ ومن جرد مع الحاج من الجند المقطعين وجمع له ما يعينه على كلفة الطريق أبيح له أخذه. ولا ينقص أجره. وله أجر الحاج بلا خلاف. ويجتهد في رفيق صالح. وإن تيسر عالم فليستمسك بغرزه. يكون سببا في بلوغه رشده ويجب تصحيح النية. ويصلي في منزله ركعتين. ثم يقول اللهم هذا ديني وأهلي ومالي ووليد وديعة عندك. الله أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد. اللهم أصبحنا في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى. ويودع أهله وجيرانه وسائر أحبابه. ويودعونه. ويقول كل منهم استودعك الله الذي لا يضيع ودائعه. أو استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. زودك الله التقوى. وغفر ذنبك ويسر لك الخير حيثما كنت. للأخبار. ويدعو له من يودعه. ويطلب منه الدعاء. فيقول لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك. ويقول: آمنت بالله وتوكلت على الله. اللهم إني أعوذ بك أن أضل إلخ. بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا أراد ركوب دابته قال بسم الله. الحمد لله الذي سخر

стр. 857

لنا هذا إلخ. ولا يستصحب كلبًا ولا يعلق على دابته جرسًا ولا قلادة من وتر ونحوها. للخبر. ويراعي مصلحة الدابة. وإذا عرس اجتنب الطريق. فإنها طريق للدواب ومأوى لهوام الليل. ويسن مساعدة الرفيق. وإذا كان معه فضل ظهر أو زاد عاد به على من لا ظهر له ولا زاد. ويستعمل الرفق وحسن الخلق. ويجتنب المخاصمة والمزاحمة. ويصون لسانه من الشتم والغيبة. وجميع الألفاظ القبيحة. وهذه الأمور مجمع عليها. ويستحب أن يكبر إذا صعد الثنايا ونحوها. ويسبح إذا هبط. وإذا أشرف على قرية قال اللهم إني أسألك خيرها إلخ. ويستحب أن يدعو في جميع سفره. فإن دعاءه مستجاب. وإذا جنه الليل قال يا أرض ربي وربك الله الحديث. وإذا نزل منزلا قال أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق. وإذا فرغ عجل إلى أهله، ويقول في رجوعه آئبون تائبون الحديث. ويخبرهم لئلا يقدم بغتة ويكره أن يطرقهم ليلا بغير عذر. ويبدأ بالمسجد فيصلي ركعتين. ويستحب أن يقال للقادم من الحج قبل الله حجك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك.

стр. 858

باب المواقيت جمع ميقات كمواعيد وميعاد لغة الحد. والتوقيت التحديد. وبيان مقدار المدة. وأصله أن يجعل للشيء وقت يختص به ثم اتسع فيه فأطلق على المكان. واصطلاحا موضع العبادة وزمنها. واعلم أن البيت الحرام لما كان معظمًا مشرفًا جعل له حصن وهو مكة. وحمى وهو الحرم. وللحرم حرم وهو المواقيت. حتى لا يجوز لمن دونه أن يتجاوزه إلا بالإحرام تعظيمًا لبيت الله الحرام. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أي وقت الحج أشهر معلومات. حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. فخصصه الله تعالى من بين سائر شهور السنة وفي الصحيح عن ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وروي مرفوعا "لا ينبغي أن يحرم بالحج إلا بأشهره" قال ابن كثير وغيره لا بأس به. قال الموفق وغيره يكره أن يحرم بالحج قبل أشهر الحج بغير خلاف علمناه. ولا ينعقد عند الشافعي. وعند الجمهور: مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم ينعقد مع الكراهة، ولا نزاع في افضليته في أشهره لموافقته الأحاديث الصحيحة وفعله ﷺ . وكالمكاني. (قال ابن عمر) وجمع من الصحابة منهم عمر وعلي وابن مسعود وابن الزبير وابن عباس وغيرهم (أشهر الحج) أي التي شرع الله الإحرام بالحج فيها ثلاثة. وحكي إجماعا (شوال)

стр. 859

مأخوذ من شالة الإبل بأذنابها للطراق (ذو القعدة) لقعودهم عن القتال فيها والترحال (وعشر من ذي الحجة) لإقامتهم الحج فيه. وقاله جماعة من التابعين وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وابن جرير وغيرهم. قال وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب. وقال مالك وذو الحجة جميعه. وقال الوزير ليست له فائدة تخصه حكمية ومن عشر ذي الحجة يوم النحر. وهو يوم الحج الأكبر وإنما فات الحج بفجر يوم النحر بخروج وقت الوقوف لا لخروج وقت الحج. فهذا وقت الحج الزماني. (وعن ابن عباس مرفوعًا "عمرة في رمضان تعدل حجة" متفق عليه) أي في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط فرض الحج للإجماع على أن الاعتمار لا يجزء عن حج الفرض. وفيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت. وتقدم أن الله اختار لنبيه ﷺ العمرة أشهر الحج. وهذا الحديث دليل على أن رمضان وقت لفعل العمرة وهو اتفاق. وكذا جميع السنة وقت لفعل العمرة وتقدم أنها في أشهر الحج أفضل لاختيار الله ذلك لنبيه ﷺ . (وعنه أن رسول الله ﷺ وقت) أي جعل ميقاتا للإحرام. والمراد بالتوقيت هنا بالتحديد. أو تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشروط المعتبرة (لأهل المدينة ذا الحليفة) ولهما من حديث ابن عمر قال "يهل أهل المدينة من

стр. 860

ذي الحليفة" وفي لفظ "أمر أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة" والحليفة تصغير الحلفة بفتحتين واحدة الحلفات. نبات معروف. قال الشيخ وتسمى وادي العقيق ومسجدها يسمى مسجد الشجرة. وفيها بئر تسميها العامة بئر علي. لظنهم أن عليا ﵁ قاتل فيها الجن. وهو كذب. وهي أبعد المواقيت من مكة. بينها وبين مكة عشر مراحل أو أقل أو أكثر بحسب اختلاف الطرق. فإن منها إلى مكة عدة طرق. وبينها وبين المدينة ستة أميال وتعرف اليوم بآبار علي. وهي قرية خربة. وفيها اليوم عشش قليلة. (ولأهل الشام) زاد النسائي من حديث عائشة ومصر وزاد الشافعي والمغرب (الجحفة) بضم الجيم. قال الشيخ وغيره كانت قرية قديمة كبيرة معمورة جامعة. وكانت تسمى مهيعة. فجحف السيل بأهلها فسميت الجحفة بقرب رابغ علىيسار الذاهب إلى مكة. وهي اليوم خراب. ولهذا صار الناس يحرمون قبلها من المكان الذي يسمى رابغا. ومن أحرم منه فقد أحرم قبل محاذات الجحفة، وليس الإحرام منه مفضولا لضرورة انبهام الجحفة على أكثر الحاج ولعدم مائها. قال الشيخ وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب كأهل الشام ومصر وسائر المغرب. لكن إذا اجتازو بالمدينة النبوية كما يفعلونه في هذه الأوقات احرموا من ميقات أهل المدينة فإن هذا هو المستحب لهم بالاتفاق. وكان بالجحفة غدير غم

стр. 861

وبينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وست أو سبع من المدينة. (ولأهل نجد) والطائف ٠قرن المنازل) والمراد نجد اليمن ونجد الحجاز وهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة وقرن بسكون الراء. قال الجوهري: ميقات أهل نجد. قال المهلبي: قرية. وفيه آثار ومساكن اليوم مشهورة بالسيل. وفي المعجم الوباءة موضع في وادي نخلة اليمانية عنده يكون مجتمع حاج البحرين واليمن وعمان. بينه وبين مكة مرحلتان. (ولأهل اليمن يلملم) ويقال ألملم وهو الأصل والياء تسهيل لها. وهو جبل من جبال تهامة. وقيل واد هناك يحرم منه أهل اليمن وفيه مسجد معاذ. وبينه وبين مكة مرحلتان. واليمن ما كان عن يمين الكعبة. كما أن الشام بالعكس. فإذا أتى من سواكن إلى جدة فإن رابغا ويلملم يكونان أمامه فيصل جدة قبل محاذاتهما فيحرم منها. لأنها على مرحلتين من مكة. (هن لهن) أي المواقيت المذكورة للبلدان المذكورة. والمراد أهلها أي للجماعات المذكورة فإن مقتضاه لهم. لكن عدل عن ذلك للتشاكل. وفي رواية (هن لهم) أي لأهلها الذي تقدم ذكرهم على حذف المضاف كما في رواية هن لأهلهن (ولمن أتى عليهن) أي على المواقيت (من غير أهلهن) أي أهل البلاد المذكورة. فإذا أراد الشامي الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها. ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي. فإن

стр. 862

أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور. وادعى النووي الإجماع على ذلك. تعقب بأن بعض المالكية يجيزه والخبر يرد ذلك. فإن قوله ولمن أتى عليهن من غير أهلهن يشمل الشامي وغيره إذا مر بذي الحليفة وغيرها. ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم. فكان من مر بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته. (ممن أراد الحج العمرة) فيجب أن لا يجاوزها إلا محرما باتفاق الأئمة حكاه الوزير وغيره. وقال الخطابي معنى التحديد في هذه المواقيت أن لا تتعدى ولا تجاوز إلا باستصحاب الإحرام. وإن لم يرد أحد النسكين أو كلاهما كمن قصد مكة لتجارة أوزيارة. فقال شيخ الإسلام ينبغي له أن يرحم. وفي الوجوب نزاع اهـ. لأنه ﷺ وقت المواقيت. وللشافعي قول يجب صححه جماعة لإطباق الناس عليه. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم تجاوزوها إلى الحرم بغير إحرام إلا لقتال مباح إجماعا. أو خوف لدخوله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر. ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه الإحرام يومئذ. وعن ابن عباس مرفوعًا وفيه ضعف "لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام" وصح من قوله ﵁ واختاره الأكثر. لأنه من أهل فرض الحج. ولعدم تكرر حاجته، ولأن الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة. فإن الله جعل البيت معظمًا وجعل المسجد الحرام فناء له وجعل مكة فناء للمسجد الحرام. وجعل

стр. 863

المواقيت فناء للحرم. والشرع ورد بكيفية تعظيمه. وهو الإحرام علي هيئة مخصوصة فلا يجوز تركه. وظاهر مذهب الشافعي جوازه. وهو رواية عن أحمد. واستظهره في الفروع. وحكاه أحمد وغيره عن ابن عمر وهي ظاهر النص. والاصل عدم الوجوب. ومن قال بجوازه ممن لم يقصد النسك كره تركه إلا أن يتكرر دخوله ولو تجاوزه بلا إحرام لم يلزمه قضاء الإحرام جزم به جماعة. ولأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة عند من أوجبها إنما تجب مرة واحدة. فلو وجب على كل من دخل مكة أن يحج ويعتمر لوجب أكثر من مرة. ومن دخل مكة لا ينوي نسكا ثم بدا له أحرم من حيث أراد ولا يلزمه أن يعود إلى ميقاته عند جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد. وأما من أراد نسكا وجاوزه لزمه أن يرجع ليحرم منه تداركا لتقصيره. لأنه واجب أمكنه فعله فلزمه كسائر الواجبات ما لم يخف فوت حجز أو على نفسه. فيحرم من موضعه. وعليه دم سواء كان لعذر أو لا اتفاقا لحديث ابن عباس مرفوعا "من ترك نسكا فعليه دم". وإن كان غير مكلف فلا دم عليه لأنه ليس من أهل فرض الحج. وكرقيق وكافر أسلم. قال الشيخ إنما يجب الإحرام على الداخل إذا كان من أهل وجوب الحج، وأما العبد والصبي والمجنون فيجوز لهم الدخول بغير إحرام. لأنه إذا لم تجب

стр. 864

عليهم حجة الإسلام وعمرته فلأن لا يجب عليهم الإحرام بطريق الأولى. (ومن كان دون ذلك) أي المذكور من المواقيت المحدودة (فمن حيث أنشأ) أي أنشأ الإحرام إذ السفر من مكانه إلى مكة. وفي لفظ "فمهله من أهله" أي يحرم من محل أهله كأهل عسفان وخليص اتفاقا. ولو من غير أهلها ممن جاوزها ثم بدا له النسك. فإن كان له منزلان جاز أن يحرم من أقربهما إلى مكة. والأولى من البعيد (حتى أهل مكة) أي يهلون بحج أو عمرة أو بهما (من مكة) وفي لفظ "حتى أهل مكة يهلون منها" (متفق عليه) أي يهلون من مكة وأنها ميقاتهم. سواء كانوا من أهلها أو من المجاورين أو الواردين إليها إجماعا فليس قوله "وأهل مكة" قيد إذ من كان بها من غير أهلها فحكمه كذلك. فلا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه. بل منها كالآفاقي الذي بينها وبين الميقات. ولمسلم عن جابر: "أمرنا النبي ﷺ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، فأهللنا من الأبطح" وظاهره لا ترجيح لموضع على موضع والأهلال أصله رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام. ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا. وزعم المحب الطبري أنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة. وجوابه هذا الحديث المتفق على صحته. أنه ﷺ -

стр. 865

جعلها ميقاتا ويأتي ما وضحه الشيخ وابن القيم. وقال طاووس لا أدري الذين يعتمرون من التنعيم يؤجرون أو يعذبون. قيل له فلم يعذبون؟ قال: لأنه يدع البيت والطواف ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء اربعة أميال قد طاف مائتي طواف. وكلما طاف كان أعظم أجرا من أن يمشي في غير ممشى. (ولمسلم من حديث جابر) نحو حديث ابن عباس وابن عمر، ولفظه: أن ابن الزبير سمع جابرا سئل عن المهل؟ فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبي ﷺ قال: "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة" والطريق الآخر الجحفة. "مهل أهل العراق ذات عرق" بكسر العين وكانت قرية قديمة. ومن علاماتها المقابر القديمة؛ بينها وبين مكة مرحلتان وسمي بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير المشرف على العقيق. وعن عائشة أن النبي ﷺ "وقت لأهل العراق ذات عرق" رواه أبو داود والنسائي ولأبي داود من حديث الحارث ابن عمرو السهمي أتيت النبي ﷺ وهو بمنى أو عرفات وقد أطاف به الناس قال "ووقت ذات عرق لأهل العراق" وفي البخاري أن الذي وقت ذات عرق عمر ﵁. وتبعه الصحابة. وذلك أن عمر والله أعلم لم يبلغه الحديث عن النبي ﷺ فاجتهد بما وافق النص وليس ببدع وقوع اجتهاده على وفق الشرع. وهذا الحديث له طرق وشواهد يجب العلم بمثلها مع

стр. 866

تعددها مجيئها مسندة ومرسلة من وجوه شتى. تثبت أن لهذا التوقيت أصلا. وقال ابن عبد البر ميقات بالإجماع. قال ﵁ "ومهل أهل نجد من قرن ومهل أهل اليمن من يلملم. ورواه أحمد وابن ماجه ورفعاه من غير شك. وقال شيخ الإسلام هذه المواقيت كلها ثبتت بالنص والإجماع. ومن لم يمر بميقات أحرم إذا علم أنه حاذى أقربها منه. بحيث أنه إذا حاذى أحدهما يبقى بينه وبينه يوم وإذا حاذى الآخر يبقى بينه وبينه يومان. وهو عند محاذات أحدهما غير محاذ للآخر. فيحرم إذا حاذى الأقرب إليه. ولو كان الآخر ابعد من مكة. لقول عمر: فانظروا حذوها من طريقكم. رواه البخاري. وينبغي أن يحتاط مع جهل المحاذات. فيحرم من حذو الأبعد. وكذا من أول كل ميقات. ويتعين الاحتياط. وإن لم يحاذ ميقاتا احرم عن مكة بمرحلتين. ومن كان طريقه على ميقات كره أن يحرم قبل الميقات الذي وقته الشارع. وفعله فإنه ﷺ أخر إحرامه من المدينة إلى الحليفة وبينهما ستة أميال في حجة الوداع. وكذا في عمرة الحديبية. وبلغ عمر إحرام عمران بن حصين من مصر فلامه وغضب. وقال يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ احرم من مصر ولام عثمان عبد الله على إحرامه من خراسان ولأبي يعلى عن أبي أيوب مرفوعا "يستمتع أحدكم بحله ما استطاع فإنه لا

стр. 867

يدري ما يعرض له في إحرامه وقال مالك فيمن يحرم قبل الميقات يظن أنه أهدى من رسول الله ﷺ فلا ريب أنما فعله أفضل. وينعقد قبلها مع الكراهة إجماعا. باب الإحرام أي باب بيان أحكام الإحرام والأنساك والتلبية وما يتعلق بذلك والإحرام لغة الدخول في التحريم لأنه يحرم على نفسه بنيته ما كان مباحًا له قبل الإحرام من النكاح والطيب والتقليم والحلق وأشياء من اللباس ونحو ذلك. وشرعا نية الدخول في النسك مع التلبية أو سوق الهدي لا نية أن يحج ويعتمر فإن ذلك لا يسمى إحراما. وكذا التجرد وسائر المحظورات. لكونه محرما بدونها. وقال الشيخ لا يكون الرجل محرما بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده. بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرما. هذا هو الصحيح من القولين. قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي أوجب على نفسه الحج بالإحرام والتليبة. قال ابن عباس لا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم في أرض. وفيها دلالة على لزوم الإحرام بالحج. والمضي فيه. قال ابن جرير أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام. وقال غير واحد الفرض الإحرام والتلبية.

стр. 868

وقال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ أي فمن كان منكم متمعا ﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وهو يشمل من أحرم بهما معا أو أحرم بالعمرة أول. فلما فرغ منها أحرم بالحج. وهذا هو التمتع الخاص. وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتمتع العام يشمل القسمين. وقال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج. ومنه القران. وفسخ الحج إلى العمرة اهـ. وأول الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ اي أكملوا افعالهما بعد الشروع فيهما. وأجمعوا على أن الشروع فيهما ملزم. سواء قيل بوجوب العمرة أو باستجابها. وأجمعوا على جواز أدائهما على ثلاثة أوجه. التمتع والقران والأفراد. والتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم بعد الفراغ من أعمال العمرة يحرم بالحج من مكة ويحج في عامة. والقران أن يحرم بهما معا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل طوافها. والافراد أن يفرد الحج. واختلفوا في الأفضل: فقال جمهور أهل العلم التمتع أفضل. لأن الله نص عليه وأمر النبي ﷺ أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة. إلا من ساق الهدي وثبت على إحرامه. لسوق الهدي. وتأسف بقوله "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت معكم" ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل. ولا يتأسف إلا على الأفضل. وقال عمر نزلت آية

стр. 869

التمتع في كتاب الله وأمرنا بها رسول الله ﷺ . ثم لم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها حتى مات. وأحاديث التمتع متواترة رواها أكابر الصحابة. وهو قول عمر وابن عباس وجمع. ولاتيانه بأفعالهما كاملة على وجه اليسر والسهولة. قال الترمذي وأهل الحديث يختارون التمتع بالعمرة في الحج وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. ثم القرآن لفعله ﷺ . واختار الشيخ وابن القيم أنه الأفضل لمن ساق الهدي. قال ومحال أن يكون حج أفضل من حج خير القرون وأفضل العالمين مع نبيهم. وقد أمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فمن المحال أن يكون غيره أفضل منه إلا حج من قرن وساق الهدي كما اختاره الله لنبيه ﷺ فأي حج أفضل من هذين. وقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى إيجاب القران على من ساق الهدي. والتمتع علىمن لم يسقه. منهم ابن عباس لفعله وأمره ﷺ . ثم الإفراد لأن فيه إكمال افعال ابن سكين وهو أفضلها عند مالك والشافعي وهو قول عمر وعثمان وجمع. وإن أفرد الحج بسفرة ثم قدم في أشهر الحج فإنه يتمه كما فعل النبي ﷺ . وقال شيخ الإسلام التحقيق أنه يتنوع باختلاف حال الحاج فإن كان يسافر سفرة للعمرة وللحج سفرة أخرى أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويعتمر ويقيم بها، فهذا. الافراد له أفضل باتفاق الأئمة.

стр. 870

وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس وهو أن يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة. ويقدم مكة في أشهر الحج. فهذا إن ساق الهدي فالقرآن أفضل له. وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل له. فإنه قد ثبت بالنقول المستفيضة التي لم يختلف في صحتها أهل العلم بالحديث أن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع هو وأصحابه أمرهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي. فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر. وكان النبي ﷺ قد ساق الهدي هو وطائفة من أصحابه. وقرن هو بين العمرة والحج ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ﷺ إلا عائشة وحدها. لأنها كانت قد حاضت فلم يمكنها الطواف فأمرها أن تهل بالحج وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة. ثم إنها طلبت من النبي ﷺ أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن فاعتمرت من التنعيم. ولم يكن على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر. لا في رمضان ولا في غيره. والذين حجوا معه ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة إلا عائشة. ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين. والذين استحبوا الأفراد من الصحابة إنما استحبوا أن يحج ويعتمر عقب ذلك عمرة مكية. بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط إلا أن يكون شيئًا نادرًا.

стр. 871

(وعن زيد بن ثابت) ﵁ (أن رسول الله ﷺ تجرد لإحرامه) أي من ثياب المخيط كالقميص والسراويل قبل نية الإحرام قال الشيخ والتجرد من اللباس واجب في الإحرام. وليس بشرط فيه. فلو أحرم وعليه ثياب صح ذلك بسنة رسول الله ﷺ وباتفاق أئمة أهل العلم. وعليه أن ينزع اللباس المحظور (واغتسل حسنه الترمذي) وأخرجه البيهقي والدارقطني والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس اغتسل ثم لبس ثيابه. وفيه ضعف. وصح عنابن عمر أنه قال من السنة أن يغتسل إذا أراد الإحرام. وإذا أراد دخول مكة. وكان ابن عمر يتوضأ أحيانًا ويغتسل أحيانًا. والغسل أفضل لاختياره ﷺ ولأنه أعم وأبلغ في التنظيف. والمراد منه تحصيل النظافة وإزالة الرائحة وهو أبلغ اغتسالات الحج قال الشيخ ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال غسل عن الإحرام. والغسل عند دخول مكة. والغسل عند دخول عرفة. وما سوى ذلك كالغسل لرمي الجمار والطواف بالبيت والمبيت بمزدلفة فلا أصل له. لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا استحبه جمهور الأئمة لا مالك ولا أبو حنيفة ولا أحمد. وإن كان قد ذكره طائفة من متأخري أصحابه. بل هو بدعة إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب. مثل أن يكون عليه رائحة يؤذي الناس بها.

стр. 872

فيغتسل لإزالتها. وقال فتركه الاغتسال للمبيت والرمي والطواف يعني بدون سبب هو السنة. والقول بخلاف ذلك خلاف السنة. (وعن جابر أنه ﷺ أمر أسماء) أي بنت عميس (وهي نفساء أن تغتسل) فدل على سنية الاغتسال مطلقا لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرها أولى (وتحرم رواه مسلم) وغيره ففيه صحة إحرام النفساء ومثله الحائض. وأولى منهما الجنب. وهو إجماع. ولفظه "أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع فقال "اغتسلي واستثفري بثوب واحرمي" وفي لفظ لأبي بكر "مرها لتغتسل ثم لتهل" أي تحرم وتلبي. وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج. وهي حائض متفق عليه. والحكمة في اغتسالهما التنظيف وقطع الرائحة الكريمة لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم وتخفيف النجاسة. ولأبي داود والترمذي عن ابن عباس مرفوعا "النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير أن لا تطوف بالبيت" وسنية الغسل لمن أراد الدخول في النسك من ذكر وأنثى. وإن كانت حائضًا ونفساء. وفعل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت لا نزاع فيه. واستحب بعضهم التنظف بأخذ شعر وظفر وقطع رائحة

стр. 873

كريهة لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه وقال الشيخ إن احتاج إليه فعل وليس من خصائص الإحرام. ولم يكن له ذكر فيما نقله الصحابة لكنه مشروع بحسب الحاجة إليه. (وعن عائشة) ﵂ (قالت كنت أطيب) أي تعطر (رسول الله ﷺ لإحرامه) أي عند إرادته فعل الإحرام لأجل دخوله فيه. وللنسائي حيث أراد أن يحرم. ولهما عنها عند إحرامه بأطيب ما أجد وفي لفظ "إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد" (قبل أن يحرم) أي يدخل في الإحرام. والمراد بدنه لا ثيابه فيكره اتفاقا لما يأتي من النهي أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران. وإن طيب ثوبه قبل الإحرام ولبسه استدامه ما لم ينزعه. فإن نزعه فليس له لبسه قبل غسل الطيب منه. ويدل على تخصيص البدن بالطيب قولها كنت أرى وبيص الطيب في رأس رسول الله ﷺ ولحيته. فدل على استحباب الطيب عند الإحرام واستدامته. ولو بقي لونه ورائحته عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وإن عرق فسال فلا فدية. لحديث عائشة كنا نخرج مع رسول الله ﷺ فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلا ينهاها رواه أبو داود. قال ابن القيم ومذهب الجمهور جواز استدامة الطيب للسنة الصحيحة. أنه كان يرى وبيص الطيب في مفارقه بعد

стр. 874

إحرامه. وفي رواية بعد أيام. ولأنه غير متطيب بعد الإحرام وفيهما أنها طيبته بذريرة فيكون من مسك وبخور وماء ورد ونحوها. ويستحب للنساء كالرجال عند الإحرام سواء كان مما تبقى عينه أو لا عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم. لما تقدم. وقال الشيخ إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن. ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك فإن النبي ﷺ فعله ولم يأمر به الناس. واستحب بعضهم للمرأة خضابها بالحناء. لقول ابن عمر من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء. قالت ﵂ (ولحله) أي تطيب رسول الله ﷺ لخروجه من إحرامه بالرمي والحلق "قبل أن يطوف بالبيت) يعني طواف الإفاضة (متفق عليه) وهذا قول جمهورأهل العلم ويأتي. (وعن ابن عمر مرفوعا ليحرم أحدكم) أيينوي النسك (في إزار ورداء) الإزار هو هذا المعروف الذي يشد على الحقوين فما تحتهما. وهو المئزر. والرداء ما يرتدي به على المنكبين وبين الكتفين من برد أو ثوب ونحوه يجعل نصفه على كتفيه. والحكمة أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل. وليتذكر أنه محرم في كل وقت. بل تعظيما لبيت الله الحرام وإجلالا كما نراه في الشاهد. ويستحب أن يكونا أبيضين نظيفين سواء كانا جديدين أو

стр. 875

لبيسين وكونهما أبيضين للحث على لباس البياض ونظيفين لأنا أحببنا له التنظيف في بدنه فكذلك في ثيابه. وقال الشيخ يجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة من القطن والكتان والصوف ويستحب في ثوبين نظيفين فإن كانا أبيضين فهما أفضل للخبر. وقال السنة أن يحرم في إزار ورداء سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين باتفاق الأئمة. ولو أحرم في غيرها جاز إذا كان مما يجوز لبسه. ويجوز أن يحرم في الأبيض وغير الأبيض من الألوان الجائزة. وإن كان ملونا (ونعلين رواه أحمد) وغيره. قال ابن المنذر ثبت ذلك عن النبي ﷺ . ويأتي معناه. والمراد بالنعلين التاسومةوهي الحذاء وتعرف بنجد والحجاز بالنعال ذات السيور. (وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ) عام حجة الوداع بعدأن اغتسل وتطيب وتجرد من مخيط ولبس إزاره ورداءه (صلى الظهر) ركعتين (بذي الحليفة) ونحوه عن أنس. قال الترمذي والذي يستحبه أهل العلم أن يحرم دبر الصلاة. قال الشيخ إذا كان وقتها وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه. وقال ابن القيم ولم ينقل عنه ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. وإن لم يتفق له بعد فريضة. وأراد أن يصلي فلا يركعهما وقت نهي. للنهي عنه. وليس من ذوات الأسباب.

стр. 876

(ثم دعا بناقته أي التي أراد أن يجعلها هديا (فأشعرها) أي شق الجانب الأمين من سنامها كما وضحه بقوله (في صفحة سنامها الأيمن) إظهارا لشعائر الإسلام. وإقامة لهذه السنة التي هي من أحب الاشياء إلى الله. وإظهارا للناس أن هذه قرابين لله تساق إلى بيته تذبح له ويتقرب بها إليه عند بيته وليعلم المار بها أنها هدي فيجتنبه إذا لم يكن محتاجا ولم يكن مضطرا إلى أكله (وسلت الدم) أي عن الناقة لسيلانه حال الإشعار (وقلدها نعلين) قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وقال وكيع لا تنظروا إلى قول أهل العراق في هذا فإن الإشعار سنة. وقولهم بدعة. وقال أحمد لا ينبغي أن يسوقه حتى يشعره ويجلله بثون أبيض ويقلده نعلا أو علاقة قربة سنة رسول الله ﷺ وأصحابه. قالت عائشة "فتلت قلائد بدن النبي ﷺ بيدي ثم قلدها وأشعرها وأهداها" وتقليد الغنم مذهب العلماء إلا مالكا. ولعله لم يبلغه الحديث فعن عائشة كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ كلها غنما صححه الترمذي. وقال العمل عليه عند بعض أهل العلم واتفقوا على أنها لا تشعر لضعفها عن الجرح ولاستتاره بالصوف. وأما البقر فيستحب عند الشافعي ومن وافقه الجمع بين الإشعار والتقليد كالإبل والأولى إن كان لها أسنمة أشعرت كالإبل وإلا فلا لأنه تعذيب لها وما عطب منه. سن أن ينحره

стр. 877

كما سيأتي. ثم يغمس نعله في دمه ويخلي بينه وبين الناس ولا يأكل منه قطعا للطمع لئلا ينحرها سائقها ويتعلل بالعطب. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم. وسنية إشعار الهدي من الميقات إن كان ساقه مسافرا به. وإن أرسله مع غيره في بلده (ثم ركب راحلته) أي بعد صلاة الظهر وعقده النسك بالإشعار والتلبية (رواه مسلم) وأهل السنن وغيرهم. (وللخمسة عنه) أي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ بعد ما صلى الظهر (أهل دبر الصلاة) أي رفع صوته بالتلبية بعدها واصل الإهلال رفع الصوت. لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام. وقال سعيد بن جبير قلت لابن عباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله؛ فقال ابن عباس إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة فمن هناك اختلفوا. لما صلى في مسجد ذي الحليفة أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتين فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه. ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل فأدرك ذلك منه أقوام فحفظوا عنه. وكذا لما أهل على البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاه. فأزال الإشكال ﵁ وأرضاه. قال شيخ الإسلام يلبي من حديث يحرم سواء ركب دابته أو لم يركبها، وإن أحرم بعد ذلك جاز والأصح أن السنة ابتداء

стр. 878

التلبية عقب الإحرام اهـ. ويجزئ من التلبية دبر الصلاة مرة والأحسن ثلاثا. (وعنه) أي عن ابن عباس ﵄ (أنه ﷺ قال لضباعة) بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي ﷺ (وكانت وجعة) فخافت ان يصدها المرض عن البيت فقالت يا رسول الله إني اريد الحج وأجدني وجعة فقال (أهلي واشترطي) أي قول يلبيك اللهم لبيك و (إن محلي حيث حبستني متفق عليه) وفي السنن قال "قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني" وصححه الترمذي وغيره. ولأحمد "فإن حبست" أي مرضت "فقد حللت من ذلك بشرطك على ربك". فيستحب أن يشترط إن كان خائفا خاصة. قال شيخ الإسلام وغيره وهو ظاهر نص الحديث. وإن لم يكن خائفا فلا يشترط جمعا بين الأدلة. قال شيخ الإسلام ولم يأمرها ﷺ أن تقول قبل التلبية شيئا لا اشتراطا ولا غيره. ولا أمر بذلك كل من حج. وإنما أمرها أن تشترط على ربها لما كانت شاكية فخاف أن يصدها المرض عن البيت. وإن اشترط على ربه خوفا من العارض فقال إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني كان حسنا اهـ. ونقل أبو داود إن اشترط فلا بأس. زاد النسائي في رواية

стр. 879

إسنادها جيد "فإن لك على ربك ما استثنيت" فمتى حبس بمرض أو عدو أضل عن الطريق حل ولا شيء عليه. إلا أن يكون معه هدي فيلزمه نحره. ويستفيد باشتراطه شيئين أحدهما إذا عاقه عائق فله التحلل والثاني متى حل فلا دم عليه ولا صوم ولا تعلق في الخبر لمن ذهب إلى التلفظ بالنية. قال الشيخ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب التلفظ بشيء من ذلك. فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك. ولا كان يتكلم بشيء من ألفاظ النية. لا هو لا أصحابه وذكر قصة ضباعة. (ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن عائشة) ﵂ (أنه ﷺ قال من أراد منكم) معشر الحجاج (أن يهل) يعني يلبي (بحج وعمرة) أو يقصد بسفرته الإحرام بحج أو عمرة أي قارنا بينهما (فليفعل) أي فليهل يعني يلبي بالإحرام بهما (ومن أراد أن يهل بحج) وحده مفردا له (فليفعل ومن أراد أن يهل بعمرة) مفردة (فليفعل) فاذن ﷺ بالحج قرانا أوتمتعا أو إفرادا. وتقدم الإجماع على جواز فعل أيهما شاء. وحكى النووي وغيره الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة. وتقدم ذكر الأفضل منها (وأهل) يعني رسول الله ﷺ (بالحج) وأدخل العمرة على الحج أو لبى بهما معا رواه عنه جماعة من الصحابة. والأكثر أنه حج قارنا. فقد جاء في بضعة

стр. 880

وعشرين حديثا صحيحة أنه حج قارنا. ومن ذكر أنه متمتع فالمراد متعة القرآن. وهو لغة القرآن من قرنت بين الشيئين فصار قارنا كما تقدم. وبقي عليه لسوقه الهدي (وأهل به ناس معه) أي مع النبي ﷺ بالحج مفردين. (وأهل ناس بالعمرة والحج) معا متمتعين بالعمرة إلى الحلج او قارنين (وأهل ناس بالعمرة) فقط قالت وكنت ممن أهل بالعمرة. وقالت أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحج. وفي الصحيح أنه أمرها بذلك. وقال ابن عمر هكذا صنع رسول الله ﷺ ولا يجب أن يعين ما يحرم به من حج أو تمتع بعمرة إلى الحج أو قران بين الحج والعمرة ويتلفظ به. ولكن ينبغي أن يقول لبيك حجا أو لبيك عمرة. أو لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج. أو لبيك حجا وعمرة. أو أوجبت حجا وعمرة. ومهما قال أجزأ اتفاقا. ولا يجب شيء من هذه العبارات ونحوها. بالاتفاق. قال شيخ الإسلام تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك. كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة الصواب المقطوع به أنه لا يستحب التلفظ بشيء من ذلك فإن النبي ﷺ لم يشرع شيئًا من ذلك ولا كان يتكلم بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه. وكان يقول في تلبيته لبيك عمرة وحجا وكان يقول للواحد من أصحابه "بم أهللت" وقال: "مهل أهل كذا من كذا" والإهلال هو التلبية. وقال بل متى لبى
следующие страницы →