← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(ثم دعا بناقته أي التي أراد أن يجعلها هديا (فأشعرها) أي شق الجانب الأمين من سنامها كما وضحه بقوله (في صفحة سنامها الأيمن) إظهارا لشعائر الإسلام. وإقامة لهذه السنة التي هي من أحب الاشياء إلى الله. وإظهارا للناس أن هذه قرابين لله تساق إلى بيته تذبح له ويتقرب بها إليه عند بيته وليعلم المار بها أنها هدي فيجتنبه إذا لم يكن محتاجا ولم يكن مضطرا إلى أكله (وسلت الدم) أي عن الناقة لسيلانه حال الإشعار (وقلدها نعلين) قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وقال وكيع لا تنظروا إلى قول أهل العراق في هذا فإن الإشعار سنة. وقولهم بدعة. وقال أحمد لا ينبغي أن يسوقه حتى يشعره ويجلله بثون أبيض ويقلده نعلا أو علاقة قربة سنة رسول الله ﷺ وأصحابه. قالت عائشة "فتلت قلائد بدن النبي ﷺ بيدي ثم قلدها وأشعرها وأهداها" وتقليد الغنم مذهب العلماء إلا مالكا. ولعله لم يبلغه الحديث فعن عائشة كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ كلها غنما صححه الترمذي. وقال العمل عليه عند بعض أهل العلم واتفقوا على أنها لا تشعر لضعفها عن الجرح ولاستتاره بالصوف. وأما البقر فيستحب عند الشافعي ومن وافقه الجمع بين الإشعار والتقليد كالإبل والأولى إن كان لها أسنمة أشعرت كالإبل وإلا فلا لأنه تعذيب لها وما عطب منه. سن أن ينحره

стр. 877

كما سيأتي. ثم يغمس نعله في دمه ويخلي بينه وبين الناس ولا يأكل منه قطعا للطمع لئلا ينحرها سائقها ويتعلل بالعطب. قال الترمذي والعمل عليه عند أهل العلم. وسنية إشعار الهدي من الميقات إن كان ساقه مسافرا به. وإن أرسله مع غيره في بلده (ثم ركب راحلته) أي بعد صلاة الظهر وعقده النسك بالإشعار والتلبية (رواه مسلم) وأهل السنن وغيرهم. (وللخمسة عنه) أي عن ابن عباس ﵄ أنه ﷺ بعد ما صلى الظهر (أهل دبر الصلاة) أي رفع صوته بالتلبية بعدها واصل الإهلال رفع الصوت. لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام. وقال سعيد بن جبير قلت لابن عباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله؛ فقال ابن عباس إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت منه حجة واحدة فمن هناك اختلفوا. لما صلى في مسجد ذي الحليفة أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتين فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه. ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل فأدرك ذلك منه أقوام فحفظوا عنه. وكذا لما أهل على البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاه. فأزال الإشكال ﵁ وأرضاه. قال شيخ الإسلام يلبي من حديث يحرم سواء ركب دابته أو لم يركبها، وإن أحرم بعد ذلك جاز والأصح أن السنة ابتداء

стр. 878

التلبية عقب الإحرام اهـ. ويجزئ من التلبية دبر الصلاة مرة والأحسن ثلاثا. (وعنه) أي عن ابن عباس ﵄ (أنه ﷺ قال لضباعة) بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي ﷺ (وكانت وجعة) فخافت ان يصدها المرض عن البيت فقالت يا رسول الله إني اريد الحج وأجدني وجعة فقال (أهلي واشترطي) أي قول يلبيك اللهم لبيك و (إن محلي حيث حبستني متفق عليه) وفي السنن قال "قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني" وصححه الترمذي وغيره. ولأحمد "فإن حبست" أي مرضت "فقد حللت من ذلك بشرطك على ربك". فيستحب أن يشترط إن كان خائفا خاصة. قال شيخ الإسلام وغيره وهو ظاهر نص الحديث. وإن لم يكن خائفا فلا يشترط جمعا بين الأدلة. قال شيخ الإسلام ولم يأمرها ﷺ أن تقول قبل التلبية شيئا لا اشتراطا ولا غيره. ولا أمر بذلك كل من حج. وإنما أمرها أن تشترط على ربها لما كانت شاكية فخاف أن يصدها المرض عن البيت. وإن اشترط على ربه خوفا من العارض فقال إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني كان حسنا اهـ. ونقل أبو داود إن اشترط فلا بأس. زاد النسائي في رواية

стр. 879

إسنادها جيد "فإن لك على ربك ما استثنيت" فمتى حبس بمرض أو عدو أضل عن الطريق حل ولا شيء عليه. إلا أن يكون معه هدي فيلزمه نحره. ويستفيد باشتراطه شيئين أحدهما إذا عاقه عائق فله التحلل والثاني متى حل فلا دم عليه ولا صوم ولا تعلق في الخبر لمن ذهب إلى التلفظ بالنية. قال الشيخ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب التلفظ بشيء من ذلك. فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئًا من ذلك. ولا كان يتكلم بشيء من ألفاظ النية. لا هو لا أصحابه وذكر قصة ضباعة. (ولهما) أي البخاري ومسلم وغيرهما (عن عائشة) ﵂ (أنه ﷺ قال من أراد منكم) معشر الحجاج (أن يهل) يعني يلبي (بحج وعمرة) أو يقصد بسفرته الإحرام بحج أو عمرة أي قارنا بينهما (فليفعل) أي فليهل يعني يلبي بالإحرام بهما (ومن أراد أن يهل بحج) وحده مفردا له (فليفعل ومن أراد أن يهل بعمرة) مفردة (فليفعل) فاذن ﷺ بالحج قرانا أوتمتعا أو إفرادا. وتقدم الإجماع على جواز فعل أيهما شاء. وحكى النووي وغيره الإجماع على جواز الأنواع الثلاثة. وتقدم ذكر الأفضل منها (وأهل) يعني رسول الله ﷺ (بالحج) وأدخل العمرة على الحج أو لبى بهما معا رواه عنه جماعة من الصحابة. والأكثر أنه حج قارنا. فقد جاء في بضعة

стр. 880

وعشرين حديثا صحيحة أنه حج قارنا. ومن ذكر أنه متمتع فالمراد متعة القرآن. وهو لغة القرآن من قرنت بين الشيئين فصار قارنا كما تقدم. وبقي عليه لسوقه الهدي (وأهل به ناس معه) أي مع النبي ﷺ بالحج مفردين. (وأهل ناس بالعمرة والحج) معا متمتعين بالعمرة إلى الحلج او قارنين (وأهل ناس بالعمرة) فقط قالت وكنت ممن أهل بالعمرة. وقالت أهللنا بالعمرة ثم أدخلنا عليها الحج. وفي الصحيح أنه أمرها بذلك. وقال ابن عمر هكذا صنع رسول الله ﷺ ولا يجب أن يعين ما يحرم به من حج أو تمتع بعمرة إلى الحج أو قران بين الحج والعمرة ويتلفظ به. ولكن ينبغي أن يقول لبيك حجا أو لبيك عمرة. أو لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج. أو لبيك حجا وعمرة. أو أوجبت حجا وعمرة. ومهما قال أجزأ اتفاقا. ولا يجب شيء من هذه العبارات ونحوها. بالاتفاق. قال شيخ الإسلام تنازع العلماء هل يستحب أن يتكلم بذلك. كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة الصواب المقطوع به أنه لا يستحب التلفظ بشيء من ذلك فإن النبي ﷺ لم يشرع شيئًا من ذلك ولا كان يتكلم بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه. وكان يقول في تلبيته لبيك عمرة وحجا وكان يقول للواحد من أصحابه "بم أهللت" وقال: "مهل أهل كذا من كذا" والإهلال هو التلبية. وقال بل متى لبى

стр. 881

قاصدا للإحرام انعقد إحرامه باتفاق المسلمين. ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء. وقال ايضا ولم يكن النبي ﷺ يأمر أحدا بعبارة بعينها. وإنما يقال أهل بالحج أهل بالعمرة. أو يقال لبى بالحج لبى بالعمرة وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ الآية. قال ولو أحرم إحراما مطلقا جاز. فلو أحرم بالقصد للحج من حيث الجملة ولا يعرف هذا التفصيل جاز. ولو أهل ولبى كما يفعل الناس قاصدا للنسك ولم يسم شيئا بلفظه ولا بقصده بقلبه لا تمنعا ولا إفرادا ولا قرانا صح حجه ايضا وفعل واحدا من الثلاثة اهـ. وإن أحرم بما أحرم به فلان انعقد بمثله اتفاقا علم به قبل الإحرام أو بعده لحديث علي لما سأله رسول الله ﷺ "بم أحرمت قال بما أحرمت به يا رسول الله "وفي خبر أنس أهللت بإهلال كإهلال النبي ﷺ وعن أبي موسى أنه أحرم كذلك. ولم يكن ساق الهدي "فأمره أن يحل" ولأنه قصد الإحرام بصفة خاصة. حتى لو بطل بقي اصل الإحرام. وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بواحدة اتفاقا إلا ما روي عن أبي حنيفة. (وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أهل) أي لبى (فقال لبيك اللهم لبيك) أي إجابة بعد إجابة لازمة أو أنا مقيم على

стр. 882

طاعتك وإجابة دعوتك وأمرك لنا بالحج. قال الشيخ إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم. والملبي هو المستسلم المناقد لغيره. كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته والمعنى إنا مجبوبك لدعوتك مستسلمون لحكمك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لا نزال على ذلك. وهذا قول جمهور المفسرين من الصحابة وغيرهم أنه إجابة دعوة إبراهيم حيث نادى بالحج: أيها الناس أجيبوا ربكم فأجابوه: لبيك اللهم لبيك. وفي لفظ إن ربكم اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه. قال الحافظ وهذا مما ليس للاجتهاد فيه مسرح. قال ابن القيم ولهذا كان للتلبية موقع عند الله. وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى الله وأحظى عنده. فهو لا يملك نفسه أن يقول لبيك حتى ينقطع نفسه (لبيك لا شريك لك لبيك) كرر تلك التليبة لأنه أراد إقامة بعد إقامة. ولم يرد حقيقة التثنية. وإنما هو التكثير حنانيك. (إن الحمد) كسر همزة إن أولى عند جماهير العلماء. وحكى الفتح. قال ثعلب من كسر فقد عم يعني حمد الله على كل حال. ومن فتح فقد خص اي لبيك لأن الحمد (والنعمة) كلاهما (لك) مستقرة الإحسان والمنة مطلقا. فالكسر أجود لأنه يقتضي أن الإجابة مطلقة. وأن الحمد والنعمة لله على كل حال. والفتح يدل على التعليل كأنه يقول أجبتك لهذا السبب والأول أعم وهو أكثر فائدة (والملك) كذلك (لك) بالنصب

стр. 883

على المشهور (لا شريك لك) في ملكك (متفق عليه) وقال الترمذي وغيره ثبت عن ابن عمر وغيره. والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق اهـ. والتلبية سنة مؤكدة. وأوجبها مالك وأبو حنيفة في ابتداء الإحرام. وقال بعضهم لا تستحب الزيادة على هذه التلبية لأنه ﷺ لزم تلبيته فكررها ولم يزد عليها. قال الشيخ وكان ﷺ يداوم على تلبيته وإن زاد لبيك ذا المعارج أو لبيك وسعديك ونحو ذلك جاز. كما كان الصحابة يزيدون والنبي ﷺ يسمعهم ولم ينههم. وكذا جزم ابن القيم وغيره. يقرهم ولا ينكر عليهم. وأنه لزم تلبيته ولا تكره الزيادة عند الجمهور لما في الصحيحين عن ابن عمر: كان يلبي تلبية رسول الله ﷺ ويزيد لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل وزاد عمر لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك لبيك. وروي عن أنس أنه كان يزيد لبيك حقا حقا تعبدا ورقا. وروي عن بعض السلف لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة. وعن ابن عمر اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. وقال الشافعي وغيره وإن زاد شيئا من تعظيم الله فلا بأس. وللنسائي وصححه ابن حبان مرفوعا "لبيك إله الحق لبيك" ولأن المقصود الثناء على الله وإظهار العبودية فلا مانع من الزيادة. واستحبها أبو حنيفة وغيره.

стр. 884

(وللخمسة عن السائب) بن خلاد بن سويد أبي سهل الأنصاري صحابي عمل على اليمن ومات سنة إحدى وسبعين (مرفوعا) يعني إلى النبي ﷺ أنه قال (أتاني جبرئيل اي بالوحي من الله (فأمرني) يعني أمر رسول الله ﷺ ، (أن آمر أصحابي) وهو أمر ندب عند الجمهور وفي لفظ "ومن معي" وهو زيادة وإيضاح وبيان فإن الذين معه أصحابه ﵃. (أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) يعني التلبية بالحج. وفي لفظ والتلبية (صححه الترمذي) وفي لفظ بالإهلال أو التلبية يعني قول لبيك اللهم لبيك الخ. ولأحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم عن زيد بن خالد مرفوعا "أتاني جبريل فقال إن الله يامرك اصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج". ولابن ماجه ان رسول الله ﷺ سئل أي الأعمال أفضل قال "العج والثج وفي رواية عن السائب مرفوعا "أتاني جبريل فقال كن عجاجا ثجاجا" ولابن أبي شيبة أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح حلوقهم. وقال أنس كانوا يصرخون بها صراخا. رواه البخاري. وهذا مذهب جمهور أهل العلم. وحكي اتفاقا. قال الشيخ وغيره التلبية شعار الحج فأفضل الحج العج والثج. فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج إراقة دماء الهدي.

стр. 885

ولهذا استحب رفع الصوت بها للرجل بحيث لا يجهد نفسه ويسن الإكثار منها. وللترمذي من حديث سهل "ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا ومن ههنا" ويتأكد الإكثار منها إذا علا نشزا أو هبط واديا أوصلى مكتوبة اتفاقا. أو التفت الرفاق أو سمع ملبيا ونحو ذلك. وذكر الشيخ وغيره استحباب الإكثار من التلبية عند اختلاف الأحوال كما تقدم. ولا يرفع صوته في مساجد الحل وأمصاره. قال ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت وقال أحمد وغيره إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز. ولا يرفع صوته في طواف القدوم والسعي بعده. لئلا يخلط على الطائفين. ولا يظهرها في الحرم اتفاقا. وتخفيها المرأة إجماعا بقدر ما تسمع رفيقتها. وتسمع نفسها اتفاقا. ولا يلبي عنه غيرها. هي تلبي عن نفسها. قال الشيخ ويستحب أن يلبي عن أخرس ومريض وصغير ومجنون ومغمى عليه تكميلا لنسكه. كالأفعال. وتشرع بالعربية لقادر عليها. لأنه ذكر مشروع فلم يشرع بغيرها مع القدرة كسائر الأذكار. ويستحب بعده الدعاء بما أحب لأنه مظنة الإجابة. ويسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار. لما رواه الدارقطني وغيره كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من تلبيته "سأل الله الجنة واستعاذ برحمته من النار".

стр. 886

ويستحب عقب الدعاء أيضا الصلاة على النبي ﷺ . لأنه موضع يشرع فيه ذكر الله فشرعت فيه الصلاة على النبي ﷺ . كالصلاة والأذان. ولا يرفع بذلك صوته. قال الشيخ وإن دعا عقب التلبية وصلى على رسول الله ﷺ وسأل الله ورضوانه والجنة واستعاذ به من النار فحسن. باب محظورات الإحرام المحظورات جمع محظور. صفة لموصوف محذوف. أي باب بيان الخصلات المحظورات. أو الفعلات المحظورات. يعني المحرمات أو الممنوع فعلها حال الإحرام شرعا وهي تسعة. وبيان كفاراتها. وهدي التمتع. وما يتعلق بذلك. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أي تزيلوا شعره بحلق أو نتف أو قلع ونحو ذلك. وعبر بالحق لأنه الغالب وعدي أيضا إلى سائر شعر البدن اتفاقا لأنه في معناه ولحصول الترفه به. بل أولى. لأن الحاجة لا تدعو إليه. وشعر الرأس والبدن واحد عند أحمد وغيره. وعنه لكل منهما حكم يخصه اتفاقا. لأنهما كجنسين. ويحرم فعله لغير عذر من مرض أو قمل أو قروح أو صداع أو شدة حر. لكثرته مما يتضرر بإبقائه إجماعا. إذ حلق الشعر يؤذن بالرفاهية. وهي تنافي الإحرام لكون المحرم أشعث أغبر. ونص أهل العلم على أن تقليم الأظفار محظور في الإحرام.

стр. 887

أشبه إزالة الشعر. وحكاه ابن المنذر إجماعا. وقال الموفق وغيره أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره. لكونه مؤذنا بالرفاهية. وهي منافية لحال المحرم. وذكر بعضهم في ظفر وشعرة أو ظفرين أو شعرتين قبضة من طعام. وقال مالك وجماعة لا تجب الفدية إلا فيما يماط به الأذى. ويحصل به الترف. وإزالة الشعث. وأنكر ابن القيم وغيره أنه يستفاد من الآية وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعًا. لأنه لا يدخل في مسمى الحلق لغة ولا عرفا. واستيعاب الرأس بالحلق ليس بمعتبر في وجوب الفدية إجماعًا. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي مكانه الذي يجب أن يذبح فيه ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا أومن فعل أحدهما إن كان مفردا. أو متمتعا. وفي الصحيحين عن حفصه قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر"وهذا حكم القارن. ومن كان معتمرا فمحله حيث يبلغ هديه الحرم. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ يحتاج إلى حلق شعر ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ أي فلا تحلقوا رؤوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لاذى في الرأس من هوام أو صداع ويأتي حديث كعب وأنه قال نزلت في خاصة وهي لكم عامة ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ اي فحلق فعليه فدية إجماعا وهي ما يجب فداء

стр. 888

بسبب نسك أو إحرام وهي في الاصل افتكاك الأسير. وإطلاقها في محظورات الإحرام إشعار بأن من أتى محظورا فكأنه صار في هلكة يحتاج إلى إنقاذه منها بالفدية التي يعيطها. فاستعير هذا الاسم في محظورات الإحرام إنقاذا لمن تلبس بشيء منها من تلك الهلكة بالفدية التي يعطيها. لعظم شأن الإحرام وتأكد حرمته. وسببه تعظيم أمر الإحرام بأن محظوراته من المهلكات. ووضح الفدية بقوله ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ أي ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ أي ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ واحدتها نسيكهة أي ذبيحة أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة. أيتها شاء ذبح فهذه الفدية على التخيير والتقدير. ويتخير بين أن يذبح أو يصوم أو يتصدق وجمهور العلماء على أن الفدية تنقسم إلى ضربين أحدهما على التخيير. وهو نوعان. فدية الحلق. والحقوا بها فدية التقليم. وتغطية الرأس والطيب لأن تحريمها فيه للترفة. فأشبهت الحلق فيخير بين صيام ثلاثة أيام. أو إطعام ستة مساكين. أو ذبح شاة اتفاقا. والنوع الثاني جزاء الصيد إن كان له مثل أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعاما فيطعم كل مسكين مدا من بر. أو نصف صاع من غيره. أو يصوم عن كل مد أو نصف يوما. وهو اتفاق. كفدية الحلق. ولا يجب التتابع في الصوم. ولا الصوم عن بعض

стр. 889

والإطعام عن بعض اتفاقا. والضرب الثاني على الترتيب وهو ثلاثة أنواع: دم متعة وقران وطء في فرج. ومن الفدية ما لم يرد فيه ترتيب ولا تخيير كفدية الفوات. وعده بعضهم ضربا ثالثا. وإن فعل محظورا من أجناس بأن حلق وقلم أظفاره ولبس المخيط فدى لكل مرة فديته الواجبة فيه اتفاقا. وإن كرر المحظور من جنس ولم يفد فدى مرة سواء فعله متتابعا أو متفرقا. لأن الله أوجب في حلق الراس فدية واحدة. ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات. قال الشيخ وإذا لبس ثم لس مرارا ولم يكن أدى الفدية أجزأته فدية واحدة في أظهر قولي العلماء. بخلاف صيد ففيه بعدده ولو دفعة واحدة باتفاق أهل العلم. ويسقط بنسيان أو جهل أو إكراه فدية لبس وطيب. وتغطية رأس ونحوه. لخبر "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" دون وطء عند الجمهور. وصيد إجماعًا. وذكر شيخ الإسلام عدم مؤاخذة الجاهل والناسي. ثم قال وأما الكفارة والفدية فتلك وجبت لأنها بدل المتلف من جنس ما يجب ضمان المتلف بمثله. كما لو أتلفه صبي ضمنه. وجزاء الصيد وجب على الناسي والمخطئ فهو من هذا الباب بمنزلة دية المقتول خطأ. والكفارة الواجبة بقتله خطأ بنص القرآن. وإجماع المسلمين.

стр. 890

وأما سائر المحظورات فليست من هذا الباب. وتقليم الأظفار وقص الشارب والترفه المنافي للتفث كالطيب واللباس. ولو فدى لكانت فدية من جنس فدية المحظورات. ليست بمنزلة الصيد المضمون بالبدل فأظهر الأقوال في الناسي والمخطء إذا فعل محظورا أن لا يضمن من ذك إلا الصيد. وقال ابن القيم الراجح من الأقوال أن الفدية لا تجب في ذلك مع النسيان. بخلاف الصيد فإنه من باب ضمان المتلفات. قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي من خوفكم. وبرأتم من مرضكم ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ أي فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج. وهو يشمل من أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج. فإنه يسمى استمتاعا لإحلاله من العمرة حتى يحرم بالحج. توسعة من الله عليه. لما في استمراره محرما من المشقة. ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ أي فليذبح ما قدر عليه ﴿مِنْ الْهَدْيِ﴾ ولا خلاف في وجوبه على التمتع. وأقله شاة. وشرطه أن يقدم العمرة على الحج. وأن يحرم بها في أشهره من الميقات. وأن يحج بعد الفراغ منها في سنتها. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهدي أو لم يجد ثمنه ولو وجد من يقرضه ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي قبل التروية ويوم التروية ويوم

стр. 891

عرفة. وإن صام قبلها بعد ما يحرم بالحج جاز. ويجوز أيام التشريق. فإن وقت الوجوب يوم النحر لأنه وقت الهدي. وإذا لم يجد جاز تقديمه بعد إحرام التمتع بالعمرة. قال الشيخ في أشهر قولي العلماء. وهو الأرجح. فإنه في تلك الحال في الحج. وقيل بعد التحلل من العمرة. فإنه حينئذ شرع في الحج. ولكن دخلت العمرة في الحج كما دخل الوضوء في الغسل. وأما إحرامه بالحج بعد ذلك. فكما يبدأ الجنب بالوضوء. ثم يغتسل بعده. وإن أوجب الصوم وشرع فيه ثم وجد هديا لم يلزمه. وأجزأه الصوم عند جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد. والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة ووجوبه وقت وجوب الهدي. لأنه بدل منه. وإن أخره عن أيام التشريق لغير عذر صامه بعد. ولا دم عليه عند جمهور العلماء مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله وبلده. وقال ﵊ "فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" فلو صامها قبل رجوعه لم يجز عند بعض أهل العلم. وأجازه بعضهم بعد الفراغ من أعمال الحج. وأنه المراد من الرجوع المذكور. ولا يجب التتابع اتفاقا. لإطلاق الأمر. ولا يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة إذا أخر الثلاثة إليه. ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ذكرها تعالى على وجه التأكيد. أو

стр. 892

الأمر بإتمامها ﴿ذَلِكَ﴾ الحكم ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهلهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي أهل الحرم فلا متعة لهم. وقيل من دون مسافة القصر. لأنه لا يعد مسافرا. ومن لا متعة له لا دم عليه. وقال تعالى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ جمع إحرام. أي لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بالحج أو العمرة وقيل المراد وعند الحرم. فهما مرادان بالآية. فلا يجوز قتل الصيد للمحرم ولا في الحرم إجماعا. نزلت في أبي اليسر شد على حمار وحشي فقتله وهو محرم ثم صار هذا الحكم عاما. فلا يجوز قتل الصيد ولا التعرض له. ولا أذاه ما دام المرء محرما. ولا في الحرم. والمراد كل حيوان متوحش مأكول اللحم عند الجمهور. للخبر الآتي. ثم ذكر تعالى جزاءه ويأتي. إلى قوله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ما يصاد منه طربا ما لم يكن في الحرم إجماعا. وطير الماء بري لأنه يبيض ويفرخ في البر. فيحرم على المحرم صيده. وفيه الجزاء في قول عامة أهل العلم. وقال الموفق لا نعلم فيه خلافا. إلا ما روي عن عطاء. (وطعامه) ما يتزودون منه مليحا يابسا. والبحر جميع المياه العذبة والمالحة. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ تتزودون منه. ولا نزاع في هذا كله. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ كرر تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة. كل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم. فهذان اثنان. والثالث

стр. 893

قوله في أول السورة ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إجماعا. لأنها ليست بصيد. إلا ما كان منها وحشيا. فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام. والاعتبار في أهلي ووحشي بأصله اتفاقا. وقال قبل هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الصغير والضعيف في حال إحرامكم (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) ابتلاهم الله بالصيد يغشى رحالهم ولو شاؤوا تناولوه بأيديهم ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ ليعلم طاعة من يطيع في سره وجهره ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي الإعذار والإنذار فصاده ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال ها هنا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تستحلوا الصيد في حال الإحرام ولا في الحرم. ثم حذرهم بقوله ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازيكم الله على معصيتكم. ففيها تحريم اصطياده حال الإحرام. وفي الحرم. وذلك بإجماع المسلمين. وعليه الجزاء إجماعا. ويحرم أذاه ولو لم يقتله أو يجرحه. قال الشيخ ولا يصطاد صيدًا بريًا ولا يعين عليه. ولا يذبحه. ولا يصطاد بالحرم صيدا وإن كان من الماء كالسمك على الصحيح. بل ولا ينفر صيده مثل أن يقيمه لقعد مكانه. وقال تعالى ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي من أوجب الحج فعليه أن يجتنب الرفث فيه. وهو الجماع ودواعيه من المباشرة والتقبيل والغمز. وأن يعرض لها بالفحش من الكلام، وقال الأزهري وغيره الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وقال

стр. 894

الشيخ الرفث اسم للجماع قولا وعملا. وحكاه ابن المنذر إجماع العلماء. وأنه لا يفسد النسك إلا به أنزل أو لم ينزل. وقال الشيخ وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنس الرفث. فلهذا ميز بينه وين الفسوق. وقال أيضا فإن جامع قبل التحلل الأول فسد حجه. وأما سائر محظورات الإحرام كاللبس والطيب فإنه وإن كان يأثم بها فلا تفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين. وقال ويحرم على المحرم الوطء ومقدماته. ولا يطأ شيئا سواء كان امرأة أو غير امرأة. ولا يتمتع بقبلة ولا مس بيد ولا نظر بشهوة اهـ. والحكمة أن يبعد عن ملاذ الدنيا وشهواتها. ويجمعهم لمقاصد الآخرة. قال الوزير وغيره وإن باشر دون الفرج فأنزل لم يفسد حجه وعليه شاةاتفاقا. وتحرم المباشرة اتفاقا. لأنهاوسيلة إلى الوطء المحرم. فكانت حراما. ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ أي في الحج وهو المعاصي. لم يفسق أي لم يأت بسيئة ولا معصية. وهو في حال الإحرام أشد وأقبح. لأنه حالة التضرع وهجر المباحات وإقبال على الطاعات (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) وهو الممارات فيما لا يعني والخصام مع الرفقة والمنازعة والسباب. قال الشيخ الجدال هو المراء في أمر الحج فإن الله قد وضحه وبينه وقطع المراء فيه. كما كانوا في الجاهلية يتمارون في أحكامه. ولم ينه المحرم عن الجدال مطلقا. بل قد يكون واجبا او مستحبا. وقد يكون محرما في الحج وغيره اهـ.

стр. 895

قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. حث على فعل الخير عقب النهي عن الشر. وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن. ومكان الفسوق البر والتقوى. ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة. ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فإنه لا بد للإنسان من سفر في الدنيا. ولا بد فيه من زاد وسفر من الدنيا إلى الآخرة وزاد. وهو تقوى الله والعمل بطاعته. وهذا الزاد أفضل. لأنه يوصل إلى النعيم المقيم. وقال ﷺ "من حج فلم يرفث ولم يفسق" أي في أيام الحج "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" فيرجع ولا ذنب له ويبقى حجه فضالا له لأن الحسنات يذهبن السيئات. فيسن قلة الكلام في الحج إلا فيما ينفع. ويستحب اشتغال المحرم بالتلبية وذكر الله وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل ونحو ذلك. وله اتجاره وعمل صنعة مالم يشغلاه عن واجب أو مستحب. وإلا كره. قال ابن عباس في قوله ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج رواه البخاري. (وعن كعب) بن عجرة بن أمية بن عدي البلوى صحابي جليل. كان حليف الأنصار. ونزل الكوفة. ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين (أن رسول الله ﷺ قال لعله آذاك هوام رأسك) وفي لفظ "تؤذيك هوام رأسك" جمع هامة وهي ما يدب

стр. 896

من الأحناش. والمراد هنا ما يلازم الجسد غالبا إذا طال عهده بالتنظيف. فسر بالقمل. وفي لفظ حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى" (قال نعم) وفي لفظ "كأن هوام رأسك تؤذيك" فقلت أجل. (فقال) رسول الله ﷺ (احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة) وفي لفظ احلقه واذبح شاة أو صم ثلاثة أيام أو تصدق ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. وفي رواية "نصف صاع من طعام" متفق عليه" وقد روي بألفاظ متعددة. وظاهر الآية المتقدمة وسائر روايات الحديث أنه مخير في الثلاث جميعا. قال البخاري خير النبي ﷺ كعبا في الفدية وهو إجماع وأكثر الروايات رواية التمر. وجاء أنه نسك شاة بعد ما حلق رأسه ففي الصحيحين أتجد شاة قلت بلى فنزلت ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قالا يعني رسول الله ﷺ "هو صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين ونسك شاة" وفي رواية نزلت في هذه الآية. ولا نزاع في أن النسك المأمور به شاة سواء كان حلقه لقمل أو صداع أو شدة حر. وقد جاء بروايات متفقة في المعنى. ومقصودها أن من احتاج إلى حلق الرأس لضرورة من قمل أو مرض أو نحوها فله حلقه في الإحرام. وعليه الفدية. لا إن خرج بعينه شعر أو انكسر ظفره فأزالهما أو زالا مع

стр. 897

غيرهما. كأن قطع جلدا عليه شعر أو أنملة بظفرها فلا فدية في ذلك اتفاقا. أما إزالتهما فقط فلأذاهما كالصيد الصائل عليه. وأما زوالهما مع غيرهما فلكونهما بالتبعية. ووقت ذبح الفداء حيث وجد سببه فإن النبي ﷺ أمر كعبا بنحر هديه في موضعه وهو بالحديبية. وعلي ﵁ نحر جزورا عن الحسين بالسقيا لما اشتكى رأسه فحلقه رواه مالك وغيره. ولأنه موضع تحلل فكان موضع ذبحه. ويجرئ بالحرم. وأما الصوم فيجزئ بكل مكان باتفاق أهل العلم. لقول ابن عباس وغيره الصوم حيث شاء لعدم تعدي نفعه ولا معنى لتخصيصه بمكان بخلاف الهدي. (ولهما عن ابن بحينة) عبد الله بن بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب وأبوه مالك بن القشب الأزدي (أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم) وذلك في حجة الوداع بلحي جمل. ماء بين مكة والمدينة. وهو إلى المدينة أقرب بينها وبين السقيا. في وسط رأسه. ولهما نحوه عن ابن عباس. وللبخاري من وجع كان به بماء يقال له لحي جمل. ويقال له اليوم بئر جمل بالجيم. بئر بناحية الجرف في آخر العقيق شمالي المدينة وتوضأ منه النبي ﷺ ، وجاء أن ناقته بركت عندها بين أظهر بني النجار. فدل الحديث على جواز الحجامة للمحرم. وهو إجماع في الرأس وغيره للحاجة. قال شيخ الإسلام وله أن يحك بدنه. ويحتجم في رأسه وغير رأسه. وإن احتاج أن يحلق لذلك شعر جاز. فإنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ احتجم في وسط

стр. 898

رأسه وهو محرم. ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، وله أن يقتصد إذا احتاج إلى ذلك وقال وإن احتاج إلى قطعه بحجامة أو غسل لم يضر. اهـ. وله الاغتسال في حمام وغيره. روي عن عمر وعلي وابن عمر وجابر وغيرهم. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي: لأنه ﵊ غسل رأسه وهو محرم. ثم عرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر. متفق عليه. وقال ابن القيم يجوز للمحرم أن يمشط رأسه. ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منع المحرم من ذلك. ولا تحريمه وليس في ذلك ما يحرم على المحرم تسريح شعره. فإن أمن من تقطيع الشعر لم يمنع من تسريح راسه وإلا ففيه نزاع. والدليل يفصل بين المتنازعين. فإنه لم يدل الكتاب ولا السنة ولا الإجماع على منعه فهو جائز. وقال الشيخ إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره. وإن تيقن أنه قطع بالغسل. وله أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق. وكذلك لغير الجنابة. (وعن ابن عمر) ﵄ (قال سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم) وهذا من بديع الكلام لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به. وأما الملبوس الجائز فغير منحصر وللبخاري ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا. ولأحمد ما يترك المحرم (قال لا يلبس القميص) نوع من الثياب وهو كل ما

стр. 899

أحاط بالبدن مما كان عن تفصيل وتقطيع. (ولا العمامة) وهي ما أحاط بالرأس فيلحق بها غيرها مما يغطي الرأس (ولا البرنس) وهو كل ثوب رأسه منه ملتزما به من جبة أو دراعة أو غيرها. وقلنسوة طويلة يلبسها النساك في صدر الإسلام. وذكرهما معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر كالبرانس إجماعا. بل يحرم. ويأتي قوله في المحرم "ولا تخمروا رأسه". وكان ابن عمر يقول إحرام الرجل في رأسه. وأجمع أهل العلم على أن من غطى رأسه بملاصق فدى. حكاه الوزير وغيره. وقال ابن القيم وغيره كل متصل ملامس يراد لستر الرأس كالعمامة والقبع والطاقية والخوذة وغيرها ممنوع بالاتفاق. وقال بل يتعدى النهي إلى الجلباب والدولقة والمبطنات والفراجي والأقبية والقرقشنيات. وإلى القبع والطاقية والكوفية والكلوتة والطيلسان والقلنسوة اهـ. وإن احتاج إلى شيء من ذلك لشجة أو صداع أو غيرهما فعل وفدى. ويجوز تلبيد راسه بعسل وصمغ ونحوها لئلا يدخله غبار أو دبيب أو يصيبه شعث ولا شيء عليه. لما في الصحيحين عن ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ يهل ملبدا قال (ولا السراويل) وهي لباس يستر النصف الأسفل من البدن فارسي معرب جمعه سراويلات. قال ابن القيم نبه بالقميص على ما فصل للبدن كله.

стр. 900

وبالسراويل المفصل عن الأسافل كالتبان ونحوه وبالعمامة على كل ساتر للرأس معتاد. وبالبرنس على المحيط بالرأس والبدن جميعا. وبالخفين على ما في معناهما. قال الشيخ وغيره نهى ﷺ أن يلبس القميص والبرنس والسراويل. وأمر من أحرم في جبة أن ينزعها عنه. فما كان من هذا الجنس فهو ذريعة في معنى ما نهى عنه النبي ﷺ فما كان في معنى القميص بكم ولا بغيركم. وسواء أدخل يديه أو لم يدخلهما وسواء كان سليما أو مخروقا. وكذلك لا يلبس الجبة ولا القباء الذي يدخل يديه فيه وكذلك لا يلبس الدرع الذي يسمى عرق جبن. يعني الفنيلة. وأمثال ذلك باتفاق الأئمة. وأما إذا طرح القباء على كتفيه من غير إدخال يديه ففيه نزاع. وهذا معنى قول الفقهاء لا يلبس المخيط. والمخيط ما كان من اللباس على قدر العضو ولا يلبس ما كان في معنى السراويل كالتبان ونحوه. ولا فرق بين قليل اللبس وكثيره. لظاهر الآية والخبر ويلزمه خلعه ولا يشقه ولا فدية لأن يعلى بن أمية أحرم في جبة فأمره ﷺ بخلعها متفق عليه ولأبي داود فخلعها من رأسه. ولم يأمره بشق ولا فدية. وإن استدام لبسه فوق المعتاد في خلعه ذاكرا لإحرامه عالما بالتحريم فدى. واتفقوا على جواز ستره لبدنه بغير ذلك. وأجمعوا على اختصاص النيه بالرجل. وأنه

стр. 901

يجوز للمرأة جمع ما ذكر حكاه ابن المنذر وغيره. (ولا يلبس ثوبا) يعني إزارا أو رداء ونحوهما (مسه ورس) نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به الثياب والجز وغيرها (ولا زعفران) ونهى أن يتزعفر الرجل خارج الإحرام ففيه أشد. وأجمعوا على تحريم لباسهما حال الإحرام. وحكاه ابن رشد والنووي إجماع الأمة لكونهما طيب. والحقوا بيهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب. والشارع نبه بها على اجتناب الطيب وما يشبههما في ملاءمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم. وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب. وهذا الحكم شامل للنساء كما سيأتي. وسواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه. وقال غير واحد نبه بهما على ما هو أطيب رائحة منهما كالمسك والعنبر ونحوهما. وإذا حرم في الثوب ففي البدن أولى. وفي معناه تحريمه في المأكول. لأن الناس يقصدون تطييب طعامهم. كما يقصدون تطييب لباسهم. وهذا باتفاق أهل العلم حكاه العراقي. وخولف في المأكول. فهو عند طائفة من المالكية والحنفية لا يحرم. والجمهور على التحريم. لأن الطعم مستلزم الرائحة، والرائحة هي المقصود منه. فالطيب محظور بهذا الخبر وقوله ﷺ ليعلى بن أمية "انزع قميصك واغسل هذه الصفرة عنك" وقوله "ولا تحنطوه ولا تمسوه طيبا". وتجب به الفدية. سواء طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب

стр. 902

أو شم طيبا ونحوه. وقال الشيخ: سواء كان تطيب به بعد إحرامه في بدنه أو ثوبه أو تعمد شمه. وقال ابن القيم وتحريم شمه بالقياس. ولفظ النهي لا يتناوله بصريحه. ولا إجماع معلوم فيه يجب المصير إليه. ولكن تحريمه من باب تحريم الوسائل فيمنع منه للترفه واللذة. فأم من غير قصد أو قصد الاستعلام عند شرائه لم يمنع منه. ولم يجب عليه سد أنفه. والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب أنه يدعو إلى الجماع. ولأنه مناف للحج فإن الحاج أشعث أغبر معرض عن زينة الدنيا وملاذها. قاصد جمع همه للآخرة والاتصاف بصفة الخاشع المتذكر القدوم على ربه. فيكون أقرب إلى مراقبته وتقدم كراهة لبس المعصفر والورس في غير الإحرام ففيه أولى. وإذا تطيب ناسيا أو عامدا لزمه إزالته مهما أمكن. (وعن ابن عباس) ﵄ (سمعته) يعني رسول الله ﷺ (يخطب بعرفات) عام حجة الوداع يقول (من لم يجد إزارا فليلبس سراوي) إلى أن يجد إزارا ولا فدية عليه. قال الشيخ إن لميجد إزارا فإنه يلبس السراويل ولا يفتقه هذا أصح قولي العلماء. لأن النبي ﷺ رخص في عرفات فيلبيس السراويل لمن لم يجد إزارا. كما رواه ابن عباس. وكذا يجوز أن يلبس كلما كان من جنس الإزار والرداء فله أن يلتحف بالقباء والجبة والقميص ونحو ذلك. ويتغطى به

стр. 903

باتفاق الأئمة عرضا ويلبسه مقلوبا. يجعل أسفله أعلاه. ويتغطى باللحاف وغيره. لكن لا يغطي رأسه إلا لحاجه اهـ. ـ. وإن اتزر بقميص فلا بأس ولا يجوز لبسه ولو عدم الإزار اتفاقا لأنه يمكن أن يأتزر به. وكره بعض أهل العلم عقد رداء ونحوه. لأنه يترفه بذلك. لا الهميان فقال ابن عبد البر أجازه فقهاء الأمصار. وكذا السيف والسلاح. ولا يجعل للرداء أزارا ولا عروة. ولا يخله بشوك ونحوه. وقال الشيخ والرداء لا يحتاج إلى عقده فلا يعقده. فإن احتاج إلى عقده ففيه نزاع والأشبه جوازه حينئذ وهو المنع من عقده منع كراهة أو تحريم فيه نزاع. وليس على تحريم ذلك دليل وله شد وسطه بمنديل وحبل ونحوهما نص عليه أحمد وغيره. قال (ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين متفق عليهما) يعني حديثي ابن عمر وابن عباس ﵃. ورواهما أهل السنن وغيرهم من غير وجه وقيل ظاهره أنه ناسخ ما جاء من حديث ابن عمر في القطع وثبت عن ابن عباس أنه قال لم يقل ليقطعهما. ولو كان القطع واجبا لبينه ﷺ في ذلك الجمع العظيم. وقال غير واحد ويحرم قطعهما ونص عليه أحمد وغيره. وقال هو إفساد واحتج الموفق وغيره بالنهي عن إضاعة المال. وهذا هو المختار عملا بإطلاق حديثي ابن عباس وجابر

стр. 904

عند مسلم. فإنه لم يأمر فيهما بقطع. قال الشيخ فإن لم يجد نعلين لبس خفين ولبس عليه أن يقطعهما دون الكعبين. فإن النبي ﷺ أمر بالقطع أولا ثم رخص في ذلك في عرفات في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين. وإنما رخص في المقطوع أولا لأنه يصير بالقطع كالنعلين وهذا أحسن من ادعاء النسخ. قال ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس ما دون الكعبين مثل الخف المكعب والجمجم والمداس ونحو ذلك. سواء كان واجد النعلين أو فاقدا لهما. وإذا لم يجد نعلين ولا ما يقوم مقامهما مثل الجمجم والمداس ونحو ذلك فله أن يلبس الخف ولا يقطعه. هذا أصح قولي العلماء اهـ. ولا فدية سواء احتاج إلى لبسهما أو لا. بأن أمكنه المشي حافيا. أو لا يحتاج إلى شيء. لأن الرخصة في ذلك لمظنة المشقة فلا تعتبر حقيقتها. قال ابن القيم لأنه بدل يقوم مقام المدبل فلا فدية في بدله. بخلاف حلق الرأس فهو ترفه للحاجة. (وللبخاري عن ابن عمر مرفوعا لا تنتقب المحرمة) أي لا تلبس النقاب غطاء للوجه فيه نقبان على النعلين تنظر المرأة منهما. وهو الخمار الذي تشده على الأنف أو تحت المحاجر. وإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصوصة. وإن نزل إلى طرف الأنف فهواللفاف. وإن قرب إلى الفم فه اللثام.

стр. 905

(ولا تلبس القفازين) شيء يعمل لليدين يدخلان فيه يسترهما من الحر قاله الشيخ وغيره. وقال "نهى النبي ﷺ أن تنتقب المرأة المحرمة أو تلبس القفازين" كما نهى المحرم أن يلبيس القميص ونحوه مع أنه يجوز له أن يستر يديه ورجليه باتفاق الأئمة. والبرقع أقوى من النقاب. فلهذا ينهى عنه باتفاقهم. ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه كالبرقع ونحوه لأنه كالنقاب. قال ابن القيم نهيه أن تنتقب وتلبس القفازين دليل على أن وجهها كبدن الرجل لا كرأسه. فيحرم عليها فيه ما ضع وفصل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع. لا على ستره بالمقنعة الجلباب ونحوهما. وهذا أصح القولين. وقال ابن المنذر كراهية البرقع ثابتة عن سعيد وابن عمر وابن عباس وعائشة ولا نعلم أحدا خالف فيه. وتحريم القفازين هو مذهب مالك وأحمد. قال ابن القيم. وخالف فيه أبو حنيفة. وسنة رسول الله ﷺ أولى بالاتباع اهـ. وكالنقاب وكالرجل اتفاقا. ويفدي الرجل والمرأة بلبسهما. (زاد أحمد) وأبو داود وغيرهما (وما مس الورس والزعفران من الثياب) أي ويحرم عليهما لبس ما مس الورس والزعفران من الثياب كما تقدم. قال "ولتلبس بعد ذلك" أي القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب "ما أحبت من ألوان الثياب: معصفرا أو وخزًا أو حليا أو سراويل أو

стр. 906

قميصا" من غير فرق بين المخيط وغيره. والمصبوغ وغيره. ونحوه لأبي داود. وله من حديث عائشة أنه رخص للنساء في الخفين. (وله) يعني أحمد ﵀ (عن عائشة) ﵂ قالت (كان الركبان) جمع راكب أصحاب الإبل ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة (يمرون بنا) أي مارين علينا معشر النساء ونحن محرمات مكشوفات الوجوه (فإذا حاذوا بنا) من المحاذات بمعنى المقابلة أي قابلونا. ولأبي داود جاوزوا بنا بالزاي ونحن محرمات مكشوفات الوجوه. (سدلت) أي أرسلت (إحدانا) أي الكاشفة وجهها المحاذية لهم (جلبا بها) أي محلفتها ويقال لها الملاءة التي تشتمل بها المرأة إذا خرجت لحاجة أو أرسلت طرف ثوبها (من رأسها على وجهها) بحيث لا يمس الجلباب أو الثوب بشرة الوجه أو مسا خفيفا. فإذا جاوزونا فعدلوا عنا أو تقدموا علينا كشفناه. أي أزلنا الجلباب وتركنا الحجاب. ورواه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وصححه الحاكم من طريق أسماء بنت أبي بكر. قال المنذري واختار جماعة العمل بظاهر هذا الحديث. وفيه دلالة على أن المرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها لحاجتها إليه. ولم يحرم سترها له مطلقا كالعورة. قال ابن القيم وإنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه. وليس عن رسول

стр. 907

الله ﷺ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام. وقال شيخ الإسلام ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالاتفاق. وإن كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضًا. ولا تكلف المرأة أن تجافي سترتها عن الوجه لا بعود ولا بيدها ولا غير ذلك. فإن النبي ﷺ سوى بين وجهها ويديها وكلاهما كبدن الرجل لا كرأسه اهـ. ولا ريب أنه يجب عليها ستر رأسها جميعه. قال الشيخ فإنها عورة فلذلك جاز لها أن تلبس الثياب تستتر بها وتستظل بالمحمل اهـ. وكذا غير المحمل كالهودج والمحفة لحاجتها إلى الستر وحكاه ابن المنذر وغيره إجماعًا. (وعن أم الحصين) بنت إسحاق الأحمسية ﵂. وكانت حجت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع (أنها رأت أسامة) بن زيد (رافعا ثوبه) أي ثوبا في يده (على رأس النبي ﷺ يظله من الشمس) بالثوب مرتفعًا على رأسه بحيث لم يصل إلى رأسه (حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم) وفي رواية حججنا مع النبي ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامه أحدهما: يقود به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس النبي ﷺ يظله من الشمس". ففيه جواز تظليل المحرم على رأسه بثوب وغيره من محمل وغيره. وهو مذهب جمهور أهل العلم مالك

стр. 908

والشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد. وعن أحمد المنع لقول ابن عمر لرجل على بعيره قد استظل بينه وبين الشمس فقال اضح لمن أحرمت له. أي ابرز للشمس. وفعله ﷺ يدل على الجواز بل يبعد أن يفعل المفضول صلوات الله وسلامه عليه. قال الشيخ وأما الاستظلال بالمحمل كالمحارة التي لها رأس في حال السير فهذا فيه نزاع والأفضل للمحرم أن يضحى لمن أحرم له. كما كان ﷺ واصحابه يحرمون. وذكر أثرابن عمر. وأما الخيمة والسقف ونحوهما فجائز إجماعا. فقد ضربت له القبة ﷺ فنزل بها. واستمر على الناس عليه. وقال الشيخ وابن القيم باتفاق أهل العلم. وكذا لو حمل على رأسه شيئا لا لقصد التغطية. (وتقدم) أي في الجنائز (خبر الذي أوقصته راحلته فقال) ﷺ (لا تحنطوه) من الحنوط وهو الطيب الذي يوضع للميت ذكرا كان أو أنثى (ولا تخمروا رأسه) أي لا تغطوه فإذا نهي عن تغطيته وهو محرم بعد موته ففي الحياة أولى. وتقدم ذكر الإجماع على تحريمه. وأما الوجه فله تغطيته وهو مذهب الجمهور (ولمسلم ولا تمسوه بطيب) أي لا تضعوا طيبا على جسمه ولا في كفنه كما يفعل بغير المحرم. فدل على أنه لا يجوز أن يمس طيبا وهذا مذهب الشافعي

стр. 909

وأحمد وجمهور أهل العلم. ومن أجازه فالحديث حجة عليه. وفيه "فإنه يبعث يوم القيامة مليبا" أي يقول لبيك اللهم لبيك كما يقول الحاج. وفي لفظ "محرما" أي على هيئته التي مات عليها. معه علامة الحج وهي دلالة الفضيلة كما يجيء الشهيد تشخب أوداجه دما. (وعن أبي قتادة) ﵁ (في قصة صيده الحمار الوحشي) الوحشي من دواب البر ما لا يستأنس غالبا والجمع الوحوش. وذلك أنه كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم. بل بعثه النبي ﷺ ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل. وفي لفظ بعثه إلى سيف البحر. فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه. فسألهم رمحه فأبوا. فأخذه ثم شد على الحمار فقلته. فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ . وأبى بعضهم. فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك. (قال فقال النبي ﷺ لأصحابه وكانوا محرمين) عام الحديبية وهو حلال (هل منكم أحد أمره) أي بصيد الحمار الوحشي (أو أشار إليه بشيء) فعلق الحكم بالإشارة أو الأمر لأنه وسيلة إلى الحرام كان حراما كسائر الوسائل اتفاقا (فقالوا لا) وفي لفظ لابن عوانة أنهم قالوا: إنا محرمون. ففيه أنهم قد كانوا علموا أنه يحرم على المحرم الإعانة على قتل الصيد كما يحرم

стр. 910

عليه اصطياده (قال فكلوه متفق عليه). وفي لفظ فسألناه فقال "هل معكم من شيء" قلنا نعم فناولته العضد فأكلها وهو محرم. وجاء الحديث من طرق بألفاظ. قال ابن عبد البر لا يختلف علماء الحديث في ثبوته وصحته. فدل على جواز أكل المحرم لصيد البر إن صاده غير محرم. ولم يكن منه إعانة بشيء على قتله وهو مذهب جمهور أهل العلم. قال القاضي غيره لا خلاف أن الإعانة توجب الجزاء. فكذا الإشارة والدلالة خلافا لمالك والشافعي لأن المحرم قد التزم بالإحرام أن لا يتعرض للصيد بما يزيل أمنه. والأمر بصيده والدلالة عليه والإشارة إليه يزيل الأمن عنه فيحرم التعرض ويحرم الأكل. وما ذبحه المحرم فميته اتفاقا. ولما مر النبي ﷺ بالأثاية إذا ظبى حاقف في ظل فيه سهم "فأمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه قال لشيخ ولا يصطاد المحرم صيدا بريا ولا يتملكه بشراء ولا اتهاب ولا غير ذلك. ولا يعين على صيد إلخ، وتقدم. (ولهما عن الصعب بن جثامة) بن قيس بن ربيعة الليثي حليف قريش. وكان ينزل ودان. يقال إنه مات في خلافة أبي بكر ﵄ (أنه أهدى للنبي ﷺ حمارا وحشيا) وفي لفظ حمار وحش يقطر دما. وفي أخرى لحم حمار وحش. قال

стр. 911

القرطبي يحتمل أنه أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا فقدمه له. وهو بالأبواء جبل من أعالي الفرع. أو بودان موضع بقرب الجحفة. (فرده عليه) لكونه صاده لأجله فلا يحل له أكله (و) لما رأى ما في وجهه يعني من الكراهة لرد هديته (قال إنا لم نرده عليك) بفتح الدال يعني لعلة من العلل (إلا أنا حرم) تطييبا لقلبه. وللطبراني "إنا لم نرده عليك كراهية ولكنا حرم" وفي رواية سعيد عن ابن عباس "لولا أنا محرمون لقبلناه منك" ولمسلم عن زيد بن أرقم وقال له ابن عباس يستذكره كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول الله ﷺ وهو حرام فقال أهدي له عضو من لحم صيد فرده وقال "إنا لا نأكله إنا حرم" قال سليمان بن حرب صيد من أجله ﷺ لقوله فرده يقطر دما. كان صيد في ذلك الوقت. ولولا ذلك جاز أكله. كما هو مذهب الجمهور بخلاف ما قصد به لحديث أبي قتادة وغيره. (وفي السنن من حديث جابر) بن عبد الله ﵁ يعني عن النبي ﷺ أنه قال (الصيد للمحرم حلال) له أكله (ما لم تصيدوه) أي وأنتم محرمون (أو يصد لكم) أي لأجلكم. ورواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم. وقال الشافعي هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس. والعمل عليه. فإنه صريح في التفرقة بين ما يصيده المحرم. أو يصيده غيره له. وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد

стр. 912

له بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم. وهو مقيد لبقية الأحاديث المطلقة ومخصص لعموم الآية وعن عمير بن مسلمة الضمري عن رجل من بهز خرج مع رسول الله ﷺ يريد مكة حتى إذا كانوا في بعض وادي الروحاء وجد الناس حمار وحش عقيرا فذكروه للنبي ﷺ فقال أقروه حتى يأتي صاحبه فأتى البهزي وكان صاحبه فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر أبا بكر فقسم في الرفاق وهم محرمون رواه أحمد والشافعي ومالك وغيرهم وصححه ابن خزيمة وغيره وأفتى ابن عمر وأبو هريرة وكعب بأكل ما لم يصد لأجل المحرم وأقرهم عمر على ذلك. وقال عثمان لأصحابه كلوا فقالوا ألا تأكل قال إني لست كهيئتكم إنما صيد لأجلي. وفي هذه الأحاديث والآثار دلالة واضحة على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصد لأجله. وهو قول جمهور العلماء حملوا الرد على ما صاده الحلال لأجل المحرم والقبول على ما يصيده الحلال لنفسه ويهديه للمحرم وبه تتفق الأدلة وقال ابن عبد البر وعليه تصح الأحاديث وإذا حملت عليه لم تختلف وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل وقال ابن القيم واثار الصحابه في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل ولا تعارض بين أحاديث رسول الله ﷺ بحال.

стр. 913

(وعن عائشة) ﵂ (مرفوعا) أنه ﷺ قال (خمس من الدواب) جمع دابة والدواب اسم لما دب على وجه الأرض من الحيوان (كلهن فواسق) هذه التسمية صحيحة جارية على وفق اللغة فإن أصل الفسق الخروج ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها فوصفت بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله وحل أكله أو خروجها بالإيذاء والإفساد. (يقتلن في الحرم) وفي الحل أيضا وفي لفظ ما فيه أذى وفي لفظ ابن عمر ليس على المحرم في قتلهن جناح أي إثم أو حرج (الغراب) وفي لفظ الأبقع وهو الذي في ظهره وبطنه بياض قال ابن المنذر أباح كل من يحفظ عنه قتله الآعطاء ولم يتابع عليه قال الحافظ اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع أفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه ملحقا بالأبقع. (والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال مهموزا (والعقرب) واحدة العقارب تلدغ وتؤلم (والفأرة) وهي الفويسقة وليس في الحيوان أفسد منها قال الحافظ وغيره لم يختلف في جواز قتلها (والكلب العقور) هو العاقر أي الجارح وهو كل سبع وجارح يعقر ويفترس (متفق عليه) ولأبي داود من حديث أبي سعيد السبع العادي حسنه الترمذي وقال العمل عليه عند أهل

стр. 914

العلم يقتل السبع العادي فدل الحديث على جواز قتله وهو قول الجمهور. وللبخاري والحية ولمسلم من حديث ابن عمر نحوه وعن ابن مسعود أمر بقتل حية بمنى قال نافع لا يختلف فيها ولا بن خزيمة وابن المنذر من حديث أبي هريرة الذئب والنمر قال مالك وغيره الكلب العقور كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور وهو قول الجمهور لأن الكلب العقور والأسد والنمر والفهد وما في معناها مما فيه أذى للناس أشد ضررا وكذا البازي والصقر والشاهين والعقاب والحشرات المؤذية كلها والزنبور والبق والبعوض والبراغيث وما في معناها. فإنه ﷺ نبه بذكر هذه الخمس المؤذية على جواز قتل المضر ما سوى بني ادم فيدافعه مهما أمكن واتفقوا على قتل ما في معنى هذه من الفواسق لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب بل اشتمل الخبر على السباع الضارية والهوام القتلة والطير الذي هو من الهوام المستخبثة اللحم ومحرم الأكل يجمع الكل فاعتبروه ورتبوا عليه الحكم. وجاء جواز قتل الوزغ والزنبور ولو في جوف الكعبة وقال ابن كثير وغيره يكره قتل النمر ونحوه إلا من أذية وعليه الجمهور ويكره قتل ما لا يضر كنمل وهدهد إلا من أذى. وما

стр. 915

لا يؤذي بطبعه كالرخم والبوم والديدان ولا جزاء في ذلك ولا يحرم قتل الصيد الصائل دفعا عن نفسه وماله سواء خشي التلف والضرر بجرحه أو لا لأنه التحق بالؤذيات فصار كالكلب العقور فيسن قتل كل مؤذ غير ادمي قال الشيخ وغيره للمحرم وغيره أن يقتل كل ما يؤذي بعادته الناس. وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم حتى لو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله فإن النبي ﷺ قال من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد وكذلك ما يتعرض له من الدواب فينهى عن قتله وإن كان في نفسه محرما كالأسد فإذا قتله فلا جزاء عليه في أظهر قولي العلماء وقال إذا لم يندفع ضرر نمل إلا بقتله جاز اهـ. ولا يقتل القمل وصيبانه لأنه يترفه بإزالته وحكاه الوزير اتفاقا. وقال الشيخ إذا قرصته البراغيث والقمل فله القاؤها عنه وله قتلها ولا شيء عليه وإلقؤها أهون من قتلها وقال إن قرصه ذلك فله قتله مجانا وإلا فلا يقتله وأما التفلي بدون التأذي فهو من الترفه فلا يفعله ولو فعله فلا شيء عليه (وعن عثمان) بن عفان ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا ينكح المحرم) بفتح أوله أي لا يعقد المحرم لنفسه بحج أو عمرة أوبهما (ولا ينكح) بضم أوله أي لايتولى العقد لغيره بولاية ولا وكالة بالجزم فيهما على النهي وهو الرواية الصحيحة وهو مذهب جمهور أهل العلم مالك
следующие страницы →