← Фикх общий

Фикх общий · id 96231

الإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (2 171 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

القرطبي يحتمل أنه أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا فقدمه له. وهو بالأبواء جبل من أعالي الفرع. أو بودان موضع بقرب الجحفة. (فرده عليه) لكونه صاده لأجله فلا يحل له أكله (و) لما رأى ما في وجهه يعني من الكراهة لرد هديته (قال إنا لم نرده عليك) بفتح الدال يعني لعلة من العلل (إلا أنا حرم) تطييبا لقلبه. وللطبراني "إنا لم نرده عليك كراهية ولكنا حرم" وفي رواية سعيد عن ابن عباس "لولا أنا محرمون لقبلناه منك" ولمسلم عن زيد بن أرقم وقال له ابن عباس يستذكره كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول الله ﷺ وهو حرام فقال أهدي له عضو من لحم صيد فرده وقال "إنا لا نأكله إنا حرم" قال سليمان بن حرب صيد من أجله ﷺ لقوله فرده يقطر دما. كان صيد في ذلك الوقت. ولولا ذلك جاز أكله. كما هو مذهب الجمهور بخلاف ما قصد به لحديث أبي قتادة وغيره. (وفي السنن من حديث جابر) بن عبد الله ﵁ يعني عن النبي ﷺ أنه قال (الصيد للمحرم حلال) له أكله (ما لم تصيدوه) أي وأنتم محرمون (أو يصد لكم) أي لأجلكم. ورواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم. وقال الشافعي هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. وأقيس. والعمل عليه. فإنه صريح في التفرقة بين ما يصيده المحرم. أو يصيده غيره له. وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد

стр. 912

له بل يصيده الحلال لنفسه ويطعمه المحرم. وهو مقيد لبقية الأحاديث المطلقة ومخصص لعموم الآية وعن عمير بن مسلمة الضمري عن رجل من بهز خرج مع رسول الله ﷺ يريد مكة حتى إذا كانوا في بعض وادي الروحاء وجد الناس حمار وحش عقيرا فذكروه للنبي ﷺ فقال أقروه حتى يأتي صاحبه فأتى البهزي وكان صاحبه فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر أبا بكر فقسم في الرفاق وهم محرمون رواه أحمد والشافعي ومالك وغيرهم وصححه ابن خزيمة وغيره وأفتى ابن عمر وأبو هريرة وكعب بأكل ما لم يصد لأجل المحرم وأقرهم عمر على ذلك. وقال عثمان لأصحابه كلوا فقالوا ألا تأكل قال إني لست كهيئتكم إنما صيد لأجلي. وفي هذه الأحاديث والآثار دلالة واضحة على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصد لأجله. وهو قول جمهور العلماء حملوا الرد على ما صاده الحلال لأجل المحرم والقبول على ما يصيده الحلال لنفسه ويهديه للمحرم وبه تتفق الأدلة وقال ابن عبد البر وعليه تصح الأحاديث وإذا حملت عليه لم تختلف وعلى هذا يجب أن تحمل السنن ولا يعارض بعضها ببعض ما وجد إلى استعمالها سبيل وقال ابن القيم واثار الصحابه في هذا الباب إنما تدل على هذا التفصيل ولا تعارض بين أحاديث رسول الله ﷺ بحال.

стр. 913

(وعن عائشة) ﵂ (مرفوعا) أنه ﷺ قال (خمس من الدواب) جمع دابة والدواب اسم لما دب على وجه الأرض من الحيوان (كلهن فواسق) هذه التسمية صحيحة جارية على وفق اللغة فإن أصل الفسق الخروج ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها فوصفت بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله وحل أكله أو خروجها بالإيذاء والإفساد. (يقتلن في الحرم) وفي الحل أيضا وفي لفظ ما فيه أذى وفي لفظ ابن عمر ليس على المحرم في قتلهن جناح أي إثم أو حرج (الغراب) وفي لفظ الأبقع وهو الذي في ظهره وبطنه بياض قال ابن المنذر أباح كل من يحفظ عنه قتله الآعطاء ولم يتابع عليه قال الحافظ اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له غراب الزرع أفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه ملحقا بالأبقع. (والحدأة) بكسر الحاء وفتح الدال مهموزا (والعقرب) واحدة العقارب تلدغ وتؤلم (والفأرة) وهي الفويسقة وليس في الحيوان أفسد منها قال الحافظ وغيره لم يختلف في جواز قتلها (والكلب العقور) هو العاقر أي الجارح وهو كل سبع وجارح يعقر ويفترس (متفق عليه) ولأبي داود من حديث أبي سعيد السبع العادي حسنه الترمذي وقال العمل عليه عند أهل

стр. 914

العلم يقتل السبع العادي فدل الحديث على جواز قتله وهو قول الجمهور. وللبخاري والحية ولمسلم من حديث ابن عمر نحوه وعن ابن مسعود أمر بقتل حية بمنى قال نافع لا يختلف فيها ولا بن خزيمة وابن المنذر من حديث أبي هريرة الذئب والنمر قال مالك وغيره الكلب العقور كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو عقور وهو قول الجمهور لأن الكلب العقور والأسد والنمر والفهد وما في معناها مما فيه أذى للناس أشد ضررا وكذا البازي والصقر والشاهين والعقاب والحشرات المؤذية كلها والزنبور والبق والبعوض والبراغيث وما في معناها. فإنه ﷺ نبه بذكر هذه الخمس المؤذية على جواز قتل المضر ما سوى بني ادم فيدافعه مهما أمكن واتفقوا على قتل ما في معنى هذه من الفواسق لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب بل اشتمل الخبر على السباع الضارية والهوام القتلة والطير الذي هو من الهوام المستخبثة اللحم ومحرم الأكل يجمع الكل فاعتبروه ورتبوا عليه الحكم. وجاء جواز قتل الوزغ والزنبور ولو في جوف الكعبة وقال ابن كثير وغيره يكره قتل النمر ونحوه إلا من أذية وعليه الجمهور ويكره قتل ما لا يضر كنمل وهدهد إلا من أذى. وما

стр. 915

لا يؤذي بطبعه كالرخم والبوم والديدان ولا جزاء في ذلك ولا يحرم قتل الصيد الصائل دفعا عن نفسه وماله سواء خشي التلف والضرر بجرحه أو لا لأنه التحق بالؤذيات فصار كالكلب العقور فيسن قتل كل مؤذ غير ادمي قال الشيخ وغيره للمحرم وغيره أن يقتل كل ما يؤذي بعادته الناس. وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم حتى لو صال عليه أحد ولم يندفع إلا بالقتال قاتله فإن النبي ﷺ قال من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون حرمته فهو شهيد وكذلك ما يتعرض له من الدواب فينهى عن قتله وإن كان في نفسه محرما كالأسد فإذا قتله فلا جزاء عليه في أظهر قولي العلماء وقال إذا لم يندفع ضرر نمل إلا بقتله جاز اهـ. ولا يقتل القمل وصيبانه لأنه يترفه بإزالته وحكاه الوزير اتفاقا. وقال الشيخ إذا قرصته البراغيث والقمل فله القاؤها عنه وله قتلها ولا شيء عليه وإلقؤها أهون من قتلها وقال إن قرصه ذلك فله قتله مجانا وإلا فلا يقتله وأما التفلي بدون التأذي فهو من الترفه فلا يفعله ولو فعله فلا شيء عليه (وعن عثمان) بن عفان ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال لا ينكح المحرم) بفتح أوله أي لا يعقد المحرم لنفسه بحج أو عمرة أوبهما (ولا ينكح) بضم أوله أي لايتولى العقد لغيره بولاية ولا وكالة بالجزم فيهما على النهي وهو الرواية الصحيحة وهو مذهب جمهور أهل العلم مالك

стр. 916

والشافعي وأحمد وغيرهم مع أن النفي بمعنى النهي بل أبلغ وفرق عمر بين رجل وامرأة تزوج وهو محرم رواه مالك وغيره. وحكى الوزير الإجماع على أن المحرم لا يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره ولأن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه فمنع صحة عقده حسما لمواد النكاح عن المحرم ولأنه من دواعيه فمنعه الإحرام منه كالطيب لكن لا فدية علنه لأنه عقد فسد لأجل الإحرام فلم يجب به فدية كشراء صيد فسد عقده لأجل الإحرام وما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم فقال سعيد بن المسيب وهم ابن عباس وروى مسلم وغيره عنها أنه تزوجها حلالا وبنى بها حلالا ولأحمد والترمذي عن أبي رافع وكان هو السفير بينهما أن رسول الله ﷺ تزوجها حلالا وبنى بها حلالا. ورواية صاحب القصة والسفير فيها أولى لأنه أخبر وأعرف بها ولا مطعن فيها بل ذكر بعضهم أن روايتهم متواترة ويوافقها الخبر الصحيح الصريح بالتحريم وعليه عمل الخلفاء وجمهور الصحابة والتابعين قال ولا يخطب بضم الطاء من الخطبة بكسر الخاء أي لايطلب امرأة لنكاح رواه مسلم وعن ابن عمر كان يقول لاينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب على نفسه ولا على غيره رواه الشافعي وغيره فيحرم عند الجمهور مالك والشافعي وأحد وغيرهم. (وسئل عمر) بن الخطاب ﵁ (وغيره) من

стр. 917

الصحابة ﵃ منهم علي وأبو هريرة وابن عباس (عن رجل أصاب أهله) أي جامع أهله (وهو محرم) بالحج ومثله العمرة (فقالوا ينفذان) بضم الفاء وبالذال المعجمة أي يمضيان (لوجههما) فيكملان أعمال حجهما كما لو لم يفسداه (ويقضيان حجهما) أي الرجل والمرأة (من قابل) عاجلا قضاء عن هذا الفاسد لوجوب إتمام فاسد الحج وكذا العمرة. وحكاه الوزير وغيره اتفاقا سواء كان الحج تطوعا أو واجبا لقضاء الصحابة ولقوله وأتموا الحج والعمرة لله (والهدي) في القضاء جبرا لفعلهما ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة (روها مالك) في موطأه والبيهقي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأما أثر ابن عباس فرواه البيهقي وابن عمر عند أحمد وعمرو بن العاص عند الدارقطني والحاكم والبيهقي وهو عند أبي داود مرسلا مرفوعا. وحكى ابن المنذر والوزير وغيرهما إجماع العلماء على أن الوطء قبل التحلل الأول يفسد النسك وتقدم قول الشيخ أنه ليس في المحظورات شيء يفسد الحج إلا الجماع وقالوا اتفقوا على أنه إذا أفسد الحج لم يتحلل منه بالإفساد ومعنى ذلك أنه متى أتى فيه بمحظور فعليه فيه ما على المحرم في الحج الصحيح ويمضي في فاسده ويلزمه ذلك ثم يقضي فيما بعد لكن إن حل من أفسد حجه لاحصارثم زال وفي الوقت سعة قضى في ذلك العام قاله جماعة.

стр. 918

ولا يتصور القضاء في العام الذي أفسده فيه في غير هذه المسألة قيل للقاضي لو جاز طوافه في النصف الأخير لصح أداء حجتين في عام واحد ولا يجوزا إجماعا وبعد التحلل الأول لايفسد نسكه اتفاقا وعليه شاة وعند الجمهور لا فرق بين العامد والساهي في بطلان الحج بالوطء قبل التحلل الأول واختاره جماعة ولما حكى شيخ الإسلام الخلاف في المجامع في رمضان ناسيا أوجاهلا ورجح أن لا قضاء عليه ولا كفارة لما قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة. قال وطرد هذا أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيا ولا مخطئا لا الجماع ولا غيره وهو أظهر قولي الشافعي اهـ. وينبغي تفرقهما في قضاء من حيث يحرمان خوف المحظور ويحصل بأن لا يركب معها على بعير ولا يجلس معها في خباء ونحوه بل يكون قريبا منها يراعي أحوالهالأنه محرمها.

стр. 919

باب جزاء الصيد أي باب حكم جزاء الصيد وجزاؤه ما يستحق بدل مثله إن وجد مثله وإلا فقيمته على من أتلفه بمباشرة أو سبب قال الزهري تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدا بالكتاب وعلى المخطىء بالسنة وجزاء بالمد والهمز مصدر جزيته جزاء بما صنع ثم أوقع موقع المفعول تقول الكبش جزاء الضبع وجزى الشيء عنك وأجزأإذا قام مقامك قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ يعني لقتله ذاكرا عالما بالحرمة قال ابن عباس والجمهور يحكم عليه بالجزاء وإن تعمد القتل مع ذكر الإحرام وهو قول عامة الفقهاء وكذا إن قتله خطأ بأن قصد غيره بالرمي ونحوه فأصابه فهو كالعمد في وجوب الجزاء عند جمهور العلماء والفقهاء ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي فعليه جزاء من النعم مثل ما قتل والشبه واحد وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين على أن المعتبر الخلقة لأن ظاهر الآية وقضاء الصحابة يدل عليه وما لا مثل له فالقيمة بلا نزاع ويجب رعاية حقيقة المماثلة بأقصى الإمكان وإن لم تكن وجب الاكتفاء بالقيمة للضرورة وقال البغي وغيره يجب عليه مثل الصيد من النعم وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي

стр. 920

يحكم بالجزاء في المثل والقيمة فيما لا يمكن فيه المثل عدلان من أهل ملتكم ودينكم وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ يعني أن الكفارة هدي يساق إلى الكعبة والمراد كل الحرم لأ ن الذبح لايقع في الكعبة ولا عندها ملاقيا لها إنما يقع في الحرم وهو المراد بالبلوغ فيذبح الهدي بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم قال ابن كثير وغيره وهذا أمر متفق عليه ولقوله ثم محلها إلى البيت العتيق ويدخل فيه دم متعة وقران ومنذور وما وجب لترك واجب أو فعل محظور في الحرم وكذا الإطعام قال ابن عباس الهدي والإطعام بمكة بخلاف فدية الأذى واللبس ونحوهما وكل محظور فعله خارج الحرم فحيث وجد سببه ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ قال الشيخ لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مد بر وإن أطعمه خبزا جاز ويكون رطلين بالعراقي قريبا من نصف رطل بالدمشقي وينبغي أن يكون مأدوما وإن أطعمه مما يأكل جاز وهو أفضل من أن يعطيه قمحا وشعيرا وكذلك في سائر الكفارات إذا أعطاه ما يقتات به مع أدمه فهو أفضل من أن يعطيه حبا مجردا إذالم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم ويخبزوا بأيديهم والواجب في ذلك كله ما ذكره الله بقوله ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ رجحوا أيضا أنه

стр. 921

يرجع إلى العرف فيه فيطعم كل مما يطعم أهليهم وذكر قصة كعب لما كانوا يقتاتون التمر أمره أن يطعم منه ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي أو ما ساواه دراهم والدراهم يشتري بها طعاما فيتصدق به أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوما. ويجزىء الصوم بكل مكان فكفارة جزاء الصيد على التخيير اتفاقا كفدية الحلق للاية والخيار فيه إلى قاتل الصيد لأن الله أوجب عليه أحد الثلاثةعلى التخيير فوجب أن يكون هو المخير بين أيها شاء وأو حقيقة في التخيير كأنه فدية الأذى بخلاف هدي التمتع ﴿لِيَذُوقَ﴾ أي ليتجرع مرارة ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي جزاء معصيته وهو الغرامة وكثرة استعماله في العذاب ومباشرته غير منتظر ولا يختص بحاسة الفم والوبال الشيء الثقيل فدل على وجوب الجزاء وعلى تأثيم العامد ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي قبل التحريم ونزول الآية ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي إلى قتل الصيد ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ في الدنيا والاخرة وعليه مع ذلك الجزاء في الدنيا وإن كرر القتل تكرر عليه الجزاء أيضا (والله عزيز ذو انتقام) ممن عصاه. (وعن جابر) بن عبد الله ﵁ (قال جعل رسول الله ﷺ في الضبع) بفتح الضاد وضم الباء وتسكن سبع معروف يشبه الذئب إلا أنه إذا مشى فيه عرج والذكر ضبعان بالكسر والأنثى ضبعة جعل فيه (كبشا) وهو فحل الضأن في أي سن كان وقيل إذا أثنى أو أربع (رواه الخمسة)

стр. 922

وغيرهم بسند صحيح وقضى به عمر وابنه. (زاد الدارقطني) ومالك وغيرهما عن جابر (و) قضى (في الظبي شاة) وقضى به عمر وابن العباس وروي عن علي وقاله عطاء وغيرهم وقال ابن المنذر لايعرف عن غيرهم خلافهم والظبي حيوان معروف اسم للذكر ويقال له تيس وذلك اسمه إذا أثنى ولا يزال ثنيا حتى يموت والأنثى ظبية (وفي الغزال) وهو من الظبا الشادن وقيل الأنثى حتى يتحرك ويمشي إلى طلوع قرنه وقيل قبل الإثناء (عنز) وهي أنثى المعز وقضى به عمر وغيره وفيه شبه الغزال لأنه أجرد الشعر منقطع الذنب وكذا العنز من الظباء والأوعال وإذا كان الغزال صغيرا فالعنز الواجبة فيه صغيرة مثله. (وفي الأرنب) حيوان معروف شهرته تغني عن وصفه (عناق) وهي الأنثى الجذعة من ولد المعز أصغر من الجفرة وكذا هو مروي عن عمر وغيره وفي الضب جدي قضى به عمر وغيره وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وكذا والوبر قياسا عليه وقال مالك قيمة الوبر واليربوع كالضب (وفي اليربوع) حيوان معروف فوق الجرذ الذكر والأنثى فيه سواء والعامة تبدل ياءه جيما (جفرة) لها أربعة أشهر غالبا قال ابن الزبير فطمت ورعت وقضى به أيضا عمر وابنه وابن مسعود وغيرهم وهذا الخبر جاء عن عمر وغيره

стр. 923

موقوفا. وهو أصح وقال ﷺ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها. وفي الآية الكريمة (يحكم به ذوا عدل منكم) وما حكموا فيه ﵃ لا يتكرر الحكم فيه بل يبقى على ذلك الحكم فهم أعدل الأمة وأعلمها بمراد الله ورسوله وأقرب إلى الصواب وأعرف بمواقع الخطاب فحكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي مع أنه روي مرفوعا (وعن ابن عباس) ﵄ (في النعامة) بفتح النون من الطير تذكر وتؤنث والنعام اسم جنس (بدنة) من الإبل ذكرا كان أو أنثى لأنها تشبهها في كثير من صفاتها فكانت مثلا لها وروي عن عمر وعثمان وعلي وزيد ومعاوية وغيرهم وهو مذهب أحمد والشافعي ومالك وصاحبي أبي حنيفة وأكثر العلماء (وحمار الوحش) بالإضافة ويقال حمار وحش والحمار الوحشي معروف (والوعل) وهي الأروى ويقال أنه تيس الجبل كما في القاموس وغيره (بقرة) وهي ما تم لها سنتان (رواه ابن جرير) وغيره عن جماعة من الصحابة والتابعين فروي عن ابن مسعود وعروة ومجاهد وغيرهم وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم وكذا في بقرة الوحش بقرة روي عن ابن مسعود وعطاء وعروة وقتادة وهو مذهب أحمد والشافعي وعن ابن عباس أيضا في الأيل بقرة.

стр. 924

وهو الذكر من الأوعال ويقال له الثيتل وقال الجوهري الثيتل الوعل المسن والوعل من أولاد البقر ما بلغ أن يقبض على قرنه ولم يبلغ أن يكون ثورا. (وفي الحمامة شاة رواه الشافعي وغيره) عن ابن عباس ﵄ وحكم به عمر وعثمان وابن عمر وجابر رواه الشافعي وغيره أيضا وقال غير واحد هو إجماع الصحابة وليس ذلك على وجه القيمة والحمام هو كلما عب الماء يعني شرب الماء مرة واحدة من غير مص كما تعب الدواب وإنما يضع منقاره في الماء فيكرع كما تكرع الشاة ولا يأخد قطرة قطرة كالدجاج والعصافير وهو أيضا كلما صوت أي غرد ورجع صوته كأنه يسجع فأوجبوا فيه شاة لشبهه بها في كرع الماء ويدخل في الحمام الفواخت والوراشين والقطاء والقمري والدبسي لأن العرب تسميها حماما وقال الكسائي كل مطوق حمام فيدخل فيه الحجل لأنه مطوق إلا أنه لا يعب الماء وهذا ونحوه مما قضت فيه الصحابة وما لم تقض فيه يرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين يحكمان فيه بأشبه الأشياء به من حيث الخلقة كقضاء الصحابة ولأنه لايتمكن من الحكم بالمثل إلا بها وما لا مثل له كباقي الطيور فيضمن بالقيمة اتفاقا ولأنه القياس وقال ابن عباس ما أصيب من الطير دون الحمام ففيه

стр. 925

الدية أي يضمن بقيمته في موضعه الذي أتلف فيه فما دون الحمام من العصافير ونحوها من الطيور تجب فيه قيمته عند الجمهوروعمر وابن عباس وغيرهما أوجبوا الجزاء في الجرادة فالعصفور أولى وذكر الموفق وغيره أن الجراد يضمن بقيمته وأنه قول أكثر الفقهاء لأنه طير في البر وقال العبدري هو قول أهل العلم كافة إلا الأصطخري ودلت الأحاديث أنه مأكول يفرخ في البر فوجب جزاؤه وما روي أنه من صيد البحر فقال أبو داود وهم ويضمن المحرم بيض صيد أتلفه أو نقله إلى موضع ففسد بقيمته لخبر الأنصاري في بيض نعامة قال ﵊ عليه بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين حديث حسن وعن عائشة نحوه وللشافعي عن ابن مسعود وأبي موسى نحوه موقوفا وقال ابن عباس في بيض النعام قيمته ولخبر أبي هريرة عند ابن ماجه في بيض النعام ثمنه وحكى الوزير وغيره اتفاقهم على أن بيض النعام مضمون وكذا لبن صيد مضمون انفاقا والأولى بقيمته وكل صيد يحرم قتله تجب القيمة في إتلاف بيضه سواء الدواب أو الطيور عند الشافعي وأحمد والجمهور.

стр. 926

باب صيد الحرم أي حكم صيد حرم مكة وحكم نباته وحرم المدينة وما يتعلق بذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ خطاب منه جل وعلا لأهل مكة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ أي صيرنا ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ من الخوف فلا يرعب ولا يقاتل أهله يمتن تعالى على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس امنا سواء العاكف فيه والباد ومن دخله كان امنا فهم في أمن عظيم والأعراب حوله وسائر العرب ينهب بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا ويذكرهم هذه النعمة الخاصة بهم ويوبخهم بقوله أفبالبطل الذي هم عليه يؤمنون أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد (وعن ابن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة) سنة ثمان (إن هذا البلد) والمراد البقعة لأنه لم يكن بلدا يوم خلقها الله (حرمه الله) أي حكم بتحريمه وقضاه (يوم خلق السموات والأرض) وإبراهيم ﵇ أظهر تحريمها بأمر الله لاباجتهاده لقوله ولم يحرمها الناس (فهو حرام بحرمة الله) أي بتحريمه لا يقاتل أهله ويحرم صيده وقطع شجره ولا يحدث فيه حدث (إلى يوم القيامة) فتحريمها مستمر إلى قيام الساعة.

стр. 927

ولهما من حديث أبي هريرة قال لما فتح الله على رسوله ﷺ قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال " إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار" أي إراقة الدم دون الصيد والشجر " وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها " الخ فمكة وما حولها كانب حرما قبل الخليل ﵇ في قوله أكثر أهل العلم لهذين الخبرين وغيرهما. وما جاء أن الخليل حرم مكة فالمراد أظهر تحريمها وبينه. وحد حرمها من طريق المدينة ثلاثة أميال عند بيوت السقيا إضاءة بني غفار ويقال بيوت نفار دون التنعيم تعرف بمساجد عائشة. ومن اليمن عند إضاءة لبن من جهة الجنوب. ومن العراق كذلك على ثنية رجل جبل بالمقطع قطعت منه حجارة الكعبة زمن ابن الزبير. ومن الطائف وبطن نمرة كذلك في شعب عبد الله بن خالد بن أسيد علامة له من جهة عرفة. ومن جدة عشرة عند منقطع الأعشاش دون الشميسي. وهو الحديبية وليست داخلة فيه. ومن بطن عرنة أحد عشر ميلا. وعلى تلك أنصاب الحرم من جهاتها الأربع وغيرها لم تزل معلومة. وأول من نصبها الخليل ﵇ ثم قصى وقيل ثم النبي ﷺ ثم عثمان ثم معاوية ثم عبد الملك. ثم الراضي الذي بالتنعيم. ثم المظفر الذي بجهة عرفة. ثم صاحب اليمن ثم

стр. 928

العثماني وغيرهم. وفيه أنها فتحت عنوة وعليه الجمهور. ولا يعرف فيه خلاف إلا رواية عن الشافعي وأحمد. ومن خصائص الحرم أن يعاقب المريد للمعصية فيه إذا كان عازما عليها. وإن لم يوقعها. لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وأن يستحل من الحرم ما حرمة الله عليه (لا يعضد) أي لا يقطع (شوكه) وهو كالصريح في تحريم قطع الورق. قال ابن القيم وهو المذهب والأصح لظاهر النص والقياس. فإن منزلته من الشجر منزلة ريش الطائر منه اهـ. ـ. وفي لفظ لا يعضد شجرها أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفأس. فدل على تحريم قطع الشوك وهو قول جمهور أهل العلم وأفاد تحريم قطع ما لا يؤذي بالأولى واتفق أهل العلم على تحريم قطع أشجارها التي لم ينبتها الآدميون في العادة كشجر الحرم البري إجماعا وفي البخاري لا يعضد بها شجرة وأما ما يزرعه الآدميون من أنواع الحبوب وغيرها والبقول والرياحين ويغرسونه من غير شجر الحرم فإنه يباح أخذه والانتفاع به كنخل وجوز إجماعا وعمل المسلمين عليه (ولا يختلى) أي لا يؤخذ ويقطع (خلاه) أي النبات الدقيق الرطب من الكلأ والعشب الرطب منه قال أحمد وغيره لا يحش الحرم ويعم الأراك والورق وفي رواية ولا يحش

стр. 929

حشيشها وتخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز اختلاء اليابس كأخذ المنكسر ولم يبن كظفر منكسر (ولا ينفر صيده) أي لا يزعجه أحد ولا يهيجه ولا ينحيه عن موضعه من غير ضرورة فإن فعل عصى تلف أو لا وإن تلف ضمنه ويستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بطريق الأولى وتقدم الإجماع على تحريمه ووجوب الفدية فيه مطلقا (ولا تلتقط لقطته) أي ساقطته (إلا لمعرف) ولفظ أبي هريرة ولا تحل ساقطتها إلا المنشد أي معرف ليردها على صاحبها ففيه أنها لا تحل لقطتها ألا لمن يعرف بها أبدا وهو خاص بها ولا يتملكها وذكر ابن القيم عن الشيخ وغيره أن الفرق بين لقطة مكة وغيرها أن الناس يتفرقون من مكة فلا يمكن تعريف اللقطة في العام فلا يحل لأحد يلتقط لقطتها إلا مبادر إلى تعريفها قبل تفرق الناس بخلاف غيرها من البلاد وروي والمدينة فيجوز بنية التملك بعد التعريف سنة ويأتي في باب اللقطة إن شاء الله تعالى (قال العباس) بن عبد المنطلب بن هاشم عم النبي ﷺ يا رسول الله (إلا الإ ذخر) فإنه لقينهم وبيوتهم كأنه يقول هذا ما تدعو الحاجة إليه وقد عهد من الشريعة عدم الحرج فقرر ﷺ كلامه وقبل شفاعته فيه والإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الرائحة له أصل مند فن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن كان يسقف به أهل مكة بيوتهم من بين الخشب

стр. 930

ويسددون به الخلل بين اللبنات في القبور (فقال) يعني رسول الله ﷺ (إلا الإ ذخر متفق عليه) وفيه دليل على المنع من احتشاش غيره لا رعيه عند الجمهور لأ ن الهدايا وغيرها كانت تدخل الحرم فتكثر فيه ولم ينقل سد أفواهها وللحاجة إليه أشبه قطع الإذخر بخلاف الاحتشاش لها منه فيحرم وتضمن شجرة صغيرة عرفا بشاة عند الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة بالقيمة وما فوقها ببقرة قال ابن عباس في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة فالمتوسطة بقدرها أمر عمر بقطع شجرة في المطاف وفدى ويفعل به كجزاء الصيد ويضمن حشيش وورق بقيمته عند الجمهور الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم لأن الأصل وجوب القيمة ترك فيما تقدم لقضاء الصحابة فبقى ما عداه على مقتضى الأصل (ولهما عن علي) ﵁ (مرفوعا) إلى النبي ﷺ أنه قال (المدينة) هي علم بالغلبة لمدينته ﷺ التي هاجر إليها فلا يتبادر عند إطلاق اللفظ إلا إليها ولها اسماء كثيرة منها طيبة ويثرب فهي (حرام) وفي لفظ حرم ويكون الحرم والحرام كزمن وزمان أي المدينة حرم محرمة (ما بين عير) بفتح فسكون جبل كبير مشهور بها مستطيل مرتفع في قبلتها قال الشيخ عند الميقات يشبه العير وهو الحمار إلى ثور).

стр. 931

وتمامه من أحدث فيها حدثا أواوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وثور جبل صغير لونه إلى الحمرة فيه تدوير ليس بالمستطيل خلف أحد من جهة الشمال قاله شيخ الإسلام وغيره وذكر المراغي وابن مزروع البصري أنه معروف عند أهل المدينة والعرب من بني هتيم وغيرهم قال الطبري فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وبحثهم عنه فأحد حرم لأن ثورا حده من جهة الشمال كما أن عيرا حده من جهة الجنوب وهذا الحديث مفسر لما في الصحيحين عن أبي هريرة حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى ولا بتيها حرتان منكتنفتان لها ولأحمد من حديث جابر حرام ما بين حرتيها وحماها كلها ولمسلم عن أبي سعيد أنه ﷺ قال إني حرمت المدينة حرام ما بين مأزميها ولهما عن أنس ما بين جبليها فما بين عير إلى ثور حد لحرمها من جهة الجنوب والشمال وما بين حرتيها حد لحرمها من جهة المشرق والمغرب وقال شيخ الإسلام لها حرم عند الجمهور كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ولا غيره إلا هذين الحرمين. يعني حرمي مكة والمدينة. ولا يسمى غيرهام حرما. كما يسمي الجهال: فيقول حرم القدس. وحرم الخليل.

стр. 932

فإن هذين وغيرهما ليسا يحرم باتفاق المسلمين. ولم بتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في وج. وهو واد بالطائف وهو عند بعضهم حرم. وعند الجمهور ليس بحرم. قال الوزير وغيره اتفقوا على أنه غير محرم الأصطياد ولا القطع إلا الشافعي. فقال يمنع من صيدها وقتله ولم يثبت فيه شئ. (ولهما عن أبي هريرة) يعنى مرفوعات إلى النبي ﷺ أنه قال (إن إبراهيم) يعني الخليل ﵇ (حرم مكة) وفي رواية "إن الله حرم مكة" ولا منافاة فالمراد أن الله حكم بحرمتها وإبراهيم أظهر هذا الحكم على العباد (ودعا لها) أي دعا لأهلها حيث قال (رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات) وغيرها من الأيات (وإني) يعنى نفسه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه (حرمت المدينة) أي جعلتها حراما يحرم صيدها وقطع شجرها. وقد أستفاض عنه من غير وجه. (كما حرم إبراهيم مكة) ولهما من حديث عباد بن تيمم نحوه (ودعا) يعني النبي ﷺ للمدينة (بمثلي ما دعا إبراهيم) أي ضعف ما دعا إبراهيم وفي لفظ "بمثل ما دعا إبراهيم. ومثله معه". وفي لفظ "وبارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مديتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبد ونبيك وإنه دعا لمكة وإني أدعو للمدينة بمثل ما دعا لمكة". ولهما من حديث عبد الله بن زيد "أن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما

стр. 933

حرم إبراهيم مكة. وإني دعوت في صاعها ومدها" البركة هنا. معنى النماء والزيادة. أو في نفس الكيل بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها. ولمسلم من حديث جابر يعني أن النبي ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها" وتواردت بهذا الأخبار (لا يقطع عضاهما) وهو كل شجر عظيم له شوك وللبخاري من حديث أنس " لا يقطع شجرها" ولمسلم عنه "لا يختلي خلاها فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ولأحمد من حديث أبي هريرة سمعته " يحرم شجرها أن يخبط أو يعضد" أي يقطع ولا يصاد صيدها ولمسلم عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعا "إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها". وتحريم قتل صيدها من طرق كتحريم قطع شجرها. وهو مذهب جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كرم مكة. ألا يعلف الرجل بعيره ونحوه. ولا جزاء فيما حرم من صيدها وشجرها وحشيشها. قال أحمد وغيره: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدا من أصحابه حكموا فيه بجزاء. وهو مذهب مالك والشافعي ,ابي حنيفة وجماهير العلماء. قال الشيخ: وإذا دخل عليه صيد لم يكن عليه إرساله. لخبر أنس "يا أبا عمير ما فعل النغير" قيل عصفور كان يلعب به متفق عليه. وقيل يسلب من العادي ونتصدق به. لفعل سعد

стр. 934

بمن وجده يقطع شجرا فسلبه. وقال "نفلنيه رسول الله ﷺ " رواه مسلم. قال القاضي عياض ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا السافعي في قوله القديم. وروى عن أحمد. (ولأحمد) من حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ "لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا فرخص لنا فـ (ـرخص) لهم صلوات الله وسلامه عليه (في آلة الحرث ونحوه) كآلة الرحل. ولفظه فقال " القائمتان والوسادة والعارضة والمسند وأما غير ذلك فلا يخبط منه شئ". قال شيخ الإسلام: ولا يقلع شجره إلا لحاجة كآلة الركوب والحرث. ويؤخذ من حشيشه ما يحتاج إليه للعلف. فإن النبي ﷺ رخص لأهل المدينة في هذا لحاجتهم إلى ذلك. إذ ليس حولهم ما يستغنون به عنه. ولأحمد من حديث على "لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاذ بها. ولا يصلح لرجل أن يجمل فيها السلاح لقتال. ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره" وله من حديث جابر "لا يقطع شجرة إلا أن يعلف منها". وتستحب المجاورة بمكة عند الجماهير مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وهي أفضل من المدينة. وأحب البلاد إلى الله لما في الحديث عنه ﷺ "وإنك لأحب البقاع إلى" صححه الترمذي. والعمل فيها أفضل للنصوص. وقيل: المدينة أفضل

стр. 935

من مكة لأنها مهاجر المسلمين ولترغيب النبي ﷺ في المجاورة فيها. ولعل الخلاف في المجاورة فقط. وأما الأفضلية فالنصوص فاصلة في ذلك. وقال الشيخ: المجاورة بمكان بكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان. واختار أن الحسنة والسيئة تضاعف بالمكان الفاضل الحسنة بالكمية. والسيئة بالكيفية.

стр. 936

باب دخول مكة أي باب بيان حكم دخول مكة المشرفة وما يتعلق به. من الطواف والسعي وغير ذلك. ومكة علم على جميع البلدة وهي البلدة المعروفة المعظمة المحجوجة غير مصروفة. سميت مكة لأنها كانت تمك من ظلم فيها أي تهلكه. وقيل مائها وقيل لأنها تمك المخ من العظم مأخوذ من قولهم مك الفصيل ضرع أمه وتسمى بكة من البك وهو الازدحام ودق الأعناق لأنها تدق أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها. وهي البلد الأمين الذي أقسم الله به في كتابه. وأم القرى ولها أسماء أخر. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي ليحضروا منافع الدينا والآخرة. وأما منافع الآخرة فالعفو والعافية ورضوان الله وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات. وهذه الآية كقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو جواب الأمر في قوله لخليله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ يعنى الكعبة المعظمة. ويدخل فيه الحرم كله. فإن الله وصفه بكونه آمنا. هذا صفة جميع الحرم ﴿مَثَابَةً﴾ مرجعا ﴿للنَّاسِ﴾ من كل

стр. 937

جانب يحجونه لا يقضون منه وطرا. يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه قال الشاعر: جعل البيت مثابا لهم ... ليس منه الدهر يقضون الوطر قال ابن كثير وغيره بذكر تعالي شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا من كونه مثابة للناس. أي جعله محلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه. ولا يقضي منه وطرا. ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ ﴿وَأَمْنًا﴾ يأمنون فيه حتى لو فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ المقام هو الحجر الذي في المسجد يصلى إليه الأئمة. كان الخليل يقوم عليه لبناء الكعبة وكان كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية التي تليها وهكذا. حتى تم جدار الكعبة. وفيه أثره وهو نحو ذراع وأقل طولا وعرضا كان عن يمين باب البيت. ثم حوله عمر إلى موضعه الآن. وأقره المسلمون. فيستحب أن يصلي ركعتي الطواف خلفه. لفعله ﷺ متفق عليه. وما وحوله يطلق عليه اسم المقام عرفا ثم ما قرب من البيت ويجوز بدون سترة. قال الشيخ ولو صلى المصلى في المسجد والناس يطوفون أمامه لم يكره. سواء مر أمامه رجل أو امرأة هذا من خصائص

стр. 938

مكة ويجزئ فعلها في غير إجماعا. فإن عمر ركعهما بذي طوى رواه البخاري. ويطلق المقام على الحرم وعلى المشاعر. (وعن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ لما جاء مكة) شرفها الله (دخل من أعلاها) من الثنية التي ينزل منها إلى المعلي ثنية كداء. بفتح الكاف والدال ممدود وكل عقبة في جبل أو طريق فيه يسمى ثنية. وفي رواية دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة. وهو طريق بين جبلين يقال له "الحجون" المشرف على مقبرة أهل مكة. وكانت صعبة المرتقى. فسهلها معاوية. ثم من بعده والدخول معها سنة باتفاق أهل العلم. سواء كان حاجا أو معتمرا للإتيان من وجهة البلد والكعبة. ويستقبلها استقبالا من غير انحراف. وهذا إذا كان أيسر عليه. ولهما عن ابن عمر "أن النبي ﷺ إذا دخل مكة دخل من الثنية العلياء التي بالبطحاء". ولهما عنه يبيت بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ويدخل مكة واتفقوا على استحباب الغسل لدخول مكة. قال الشيخ: وكان رسول الله ﷺ يغتسل لدخول مكة كما كان يبيت بذي طوى. وهو عند الأبار التي يقال لها آبار الزاهر. فمن تيسر له المبيت بها والأعتسال ودخول مكة نهارا وإلا فليس عليه شئ من ذلك. وقال الترمذي الصحيح ما روى نافع عن

стр. 939

ابن عمر أنه ﷺ اغتسل لدخول مكة. ولا بأس بدخولها ليلا فإنه ﷺ دخلها في عمرة الجعرانة ليلا. (وخرج من أسفلها متفق عليه) ولهما عن ابن عمر "وإذا خرج خرج من الثنية السفلى" من كدي بضم الكاف والتنوين. المعروف الآن بباب الشبيكة بقرب شعب الشافعيين وشعب ابن الزبير. عند قيعقعان. وكان ابن عمر إذا نفر منها مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح. ويذكر "أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك" ففيه استحباب الخروج من السفلى حاجا كان أو معتمرا. (ولمسلم عن جابر: أناخ راحلته) يعنى رسول الله ﷺ (عند باب بني شيبة) وهو المعلم عليه بالكمر يدخل معه بين المقام وزمزم وهو باب السلام (ثم دخل المسجد) وهو مرصوف بالرخام عليه صف من الأعمدة المصنوعة من نحاس محيطة به تعلق فيها المصابيح كان أهبط مما يليه بنحو درجة. وما سواه مزيد. وتقدم أن الزيادة لها حكم المزيد. فيسن الدخول من باب بني شيبة باتفاق أهل العلم. وإن لم يكن على طريقه لهذا الخبر وغيره أنه ﷺ دخل منه. والدوران إليه لا يشق. ومن ثم لم يكن خلاف في سنيته. بخلاف التعريج على ثنية كداء. ولأنه جهة باب الكعبة والبيوت تؤتي من أبوابها ومن ثم كانت جهة باب الكعبة أشرف جهاتها الأربع. وفيه الحجر الأسود. وصح أنه يمين الله في الأرض. نسبة باب

стр. 940

البيت إليه كنسبة وجه الإنسان إليه. وأماثل الناس يقصدون من جهة وجوهم. أطبقوا على استحباب الدخول من باب بني شيبة لكل قادم. إذ من قصد ملكا أم بابه. قيل وقيل يمينه. قال شيخ الإسلام إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة. والمسجد من جميع الجوانب. لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة. اقتداء بالنبي ﷺ . فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا من ثنية كداء المشرفة على المقبرة. ودخل المسجد من الباب الأعظم الذي يقال له باب بني شيبة. ثم ذهب إلى الحجر الأسود. فإن هذا أقرب الطرق إلى الحجر الأسود لمن دخل من باب المعلاة. (وروى سعيد) بن منصور في سننه (والشافعي) في مسنده عن بن جريج مرسلا. وعن عمر موقوفا. وذكره ابن القيم وغيره. وسمعه سعيد بن المسيب من عمر. ورواه البيهقي عنه وغيرهم (أنه ﷺ كان إذا رأى البيت) وكان يرى قبل علو البناء من ردم عمر (رفع يديه) وفي مراسيل مكحول "كان النبي ﷺ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر" وذكر ابن جرير وغيره أن النبي ﷺ "إذا رأى البيت رفع يديه وكبر" وليس المراد على هيئة رفعها في الصلاة. قال الشيخ فمن رأي البيت قبل دخوله المسجد فعل ذلك. وقد استحب ذلك من استحبه من رؤية البيت. والآن لا يرى إلا بعد دخول المسجد في حال سيره إلى البيت. فيستحب إذا وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. قال في المبدع

стр. 941

وغيره وهو قول الأكثر (وقال اللهم أنت السلام) فالسلام اسم من أسماء لله تعالى. فهو السالم من كل عيب ونقص (ومنك السلام) اي لمن أكرمته بالسلام أي التحية. ورفع الدرجة. أو السلامة من الآفات (وحينا ربنا بالسلام) أي الأمن مما جنيناه والعفو عما اقترفناه أو بالسلامة من الآفات. (اللهم زد هذا البيت) يعنى الكعبة المشرفة (تعظيما) أي تبجيلا (وتشريفا) أي رفعة وعلوا (وتكريما) أي تفضيلا (ومهابة) أي تقديرا وإجلالا (وبرا) بكسر الباء والبر اسم جامعة للخير (وزد من عظمه وشرفه) بزيارته والطواف به. كما وضحه بقوله (ممن حجه واعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما ومهابة وبرا) وحكمة تقديم التعظيم على التكريم في البيت. وعكسه في قاصديه أن المقصود بالذات في البيت إظهار عظمته في النفوس. حتى تخضع لشرفه. وتقوم بحقوقه. ثم كرامته بإكرام زائريه بإعطائهم ما طلبوه. وانجازهم ما أملوه. وفي زائريه وجود كرامته عند الله بإسباغ رضاه عليهم. وعفوه عما جنوه واقترفوه. ثم عظمته بين أبناء جنسه بظهور تقواه وهدايته. ويرشد إليه ختم دعاء البيت بالمهابة الناشئة عن تلك العظمة إذا هي التوقير والإجلال. ودعاء الزائر بالبر الناشئ عن ذلك التكريم. وإن زاد الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا كما هو أهله. وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. والحمد لله الذي بلغني بيته. ورآني لذلك أهلا. والحمد لله على

стр. 942

كل حال. اللهم إنك دعوت إلىحج بيتك الحرام. وقد جئتك لذلك. اللهم تقبل منى واعف عني. واصلح لي شأني لا إله إلا أنت فحسن. ذكره إبراهيم الحربي والأثرم وغيرهما. والمراد إن أمكنه هذا الدعاء. إذا دخل من باب المسجد بعد قول بسم الله أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. اللهم صل على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. واستحب بعض أهل العلم رفع الصوت بالدعاء لأنه ذكر مشروع. فاستحب رفع الصوت به كالتلتبية. ويمكنه هذا الدعاء إذا دخل باب المسجد. أما إذا وصل إلىلبيت فقال الشيخ وغيره لا يشتغل بدعاء. (وعن يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة التميمي الحنظلي ﵁ (أن النبي ﷺ طاف) يعنى بالبيت من قولهم طاف أي: ألم (مضطبعا) ببرد أخضر رواه الخمسة إلا النسائي و (صححه الترمذي) ولفظ أحمد لما قدم مكة طاف بالبيت وهو مضطبع. والاضطباع افتعال من الضبع وهو العضو. سمي اضطباعا لإبداء الضبعين. ويسمى تأبطا. لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط. ويبدي ضبعه الأيمن. ويقال هو أن يأخذ الرداء أو البرد ويجعله تحت إبطه الأيمن. ويلقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهة صدره وظهره. سواء كان معتمرا أو قارنا أو مفردا على هيئة أرباب الشجاعة إظهارا للجلادة في ميدان تلك العبادة. واقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 943

ولأبي داود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وأصحابه، "اعتمروا من الجعرانة. فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم. ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى" ليستعينوا بذلك على الرمل. وليرى المشركون قوتهم. ثم صار سنة باتفاق الأئمة. سواء كان معتمرا أو قارنا أو مفردا. ويضطبع في الأشواط السبعة عند الجمهور. فإذا قضى طوافه سوى ثيابه. ولا يضطبع في ركعتى الطواف عند الجمهور. وذلك ما لم يكن حامل معذور بردائه وهو من سنن الطواف قال الشيخ وغيره وإن تركه فلا شئ عليه. (ولمسلم من حديث جابر) الطويل وهو حديث جليل مشتمل على جمل ونفائس ومهمات وقواعد. قال: (حتى إذا أتينا البيت استلم الركن) يعني الحجر الأسود. ويسمى الركن الأسود. وهو ركن الكعبة في الباب من جانب الشرق. وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلث. استلمه أي مسحه بيده اليمنى. وفي الحديث "أنه نزل من الجنة أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" صححه الترمذي. واستلامه سنة باتفاق المسلمين. وفي الحديث "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق" وللترمذي عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء لهما ما بين المشرق

стр. 944

والمغرب" وأهل اليمن يسمونه المحيا. لأن الناس يحيونه بالسلام. ويأتي إليه مستقبلاً له. محاذيًا له بجميع بدنه. بأن يقف مقابله. حتى يكون مبصرًا لظلعي البيت الذي عن أيمن الحجر وأيسره. احترازًا من أن يقف في ظلع الباب. وأذا حاذاه بجميع بدنه أجزأ بلا نزاع. قال الشيخ: فيبتدئ من الحجر الأسود يستقبله استقبالا. وذكرأنه هو السنة. قال وليس عليه أن يذهب إلى ما بين الركنين. ولا يمشي عرضا. ثم ينتقل إلى الطواف. بل ولا يستحب ذلك. وفي الخلاف لا يجوز أن يبتدئه غير مستقبل له. ومن قال يستقبل البيت بحيث يصير الحجر عن يمينه فهو خلاف السنة. وما عليه الأئمة. فلا يكون داخلا في الخروج من الخلاف. فإنه ﷺ لم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني. وابتداء الطواف مما بين الركنين مخالف للإجماع. وفي حديث جابر: ثم مشى على يمينه. فيجب أن يجعل البيت عن يساره. ويأخذ على يمينه. قال الشيخ لكون الحركة الدورية تعتمد فيها اليمنى على اليسرى. فلما كان الإكرام في ذلك للخارج جعل اليمنى اهـ. وأول شئ يبتدئ به المعتمر طواف العمرة. لأن الذي أمرهم النبي ﷺ بفسخ نسكهم إليها أمرهم أن يطوفوا لها. وأما القارن والمفرد فيطوف للقدوم. وهو الورود. لفعل الصحابة الذين كانوا كذلك .. واتفق الأئمة على أنه سنة من سنن الحج. وشدد فيه مالك. ويبدأ القادم أول شئ بالطواف.

стр. 945

لأنه ﷺ بدأ به أول شئ. كما في الصحيحين أنه ﷺ حين قدم مكة توضأ ثم طاف. ولأن مقصوده بسفره زيارة البيت. وهو في المسجد الحرام. فلا يشتغل بغيره. والطواف تحية المسجد الحرام. فالمستحب البداءة به. إلا أن يخاف فوت مكتوبة ونحو ذلك. وقال عطاء: لم يلو على شئ ولم يعرج. ولا بلغنا أنه دخل ولا لهى بشئ. حتى دخل المسجد فبدأ بالبيت فطاف به (فرمل ثلاثا) أي في ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر. وهو في الصحيحين وغيرهما من غير وجه عن أبي عمر وغيره. ولا يثب وثبا لأن ذلك ليس برمل. فإنه إذا فعله لم يكن آتيا بالرمل المشروع. قال الشيخ وابن القيم وغيرهما: الرمل مثل الهرولة وهو مسارعة المشي مع تقارب الخطأ. (ومشى أربعا) أي أربعة أشواط بقية سبعة من غير رمل. ولهما عن ابن عباس أنه ﷺ " أمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعة" ولهما أيضا عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة. ويقول: "رأيت رسول الله ﷺ يفعله" والحكمة في ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: "قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمر أصحابه أن يرملوا الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم".

стр. 946

وكان هذا أصل الرمل. وسببه إغاظة المشركين. وكان في عمرة القضية. ثم صار سنة. ففعله ﷺ في حجة الوداع مع زوال سببه كالسعي والرمي. قال ابن عباس رمل في عمره كلها وفي حجة الوداع. وأبو بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم. وقد يكون فعله باعثا علىتذكر سببه. فيذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله. واتفقوا على سنيته. وقال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. ويختص الرمل بالرجال. لا يسن لحامل معذور. ولا لامرأة إجماعا. ومحرم من مكة أوقربها لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع. وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد. ولا رمل في غير طواف القدوم. قال ابن عباس: لم يرمل النبي ﷺ في السبع الذي أفاض فيه. وهو مذهب جمهور أهل العلم. ولا يقضي إذا فات في الثلاثة الأول من طواف القدوم. لأنه هيئة فات محلها. والأربعة هيئتها السكينة فلا تغير. والرمل أولى من الدنو من البيت. لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة من من فضيلة تتعلق بمكانها. قال الشيخ: فإن لم يمكن الرمل للزحمة كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل أفضل من قربه من البيت بدون الرمل. وأما إذا أمكن القرب من البيت مع إكمال السنة فهو أولى. وإن حصل التزاحم في الأثناء فعل ما قدر عليه اهـ. ولا يصح إلا بإكمال السبعة الأشواط ويبني على اليقين إجماعًا. وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعة بفصل طويل عرفا

стр. 947

ابتدأه. وإن كان يسيرًا بنى. فلو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى في قول أكثر أهل العلم وبنى. روى عن ابن عمر وغيره. ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم. وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف فيه إلا الحسن. وقول الجمهور أصح. لأنه فعل مشروع فلم يقطعه كاليسير. ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم وما وراءها من السقائف المتصلة بحيطان المسجد ويجوز راكبا لعذر. وهو قول الجمهور. ومحمولا إجماعا. بل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (ثم أتى مقام إبراهيم) وهو بين زمزم والمنبر أمام باب الكعبة. عليه قبة عالية من خشب قائم على أربعة أعمدة دقيقة من حجارة بينها شبابيك من حديد. صنعت في القرن التاسع والمقام في وسطها محيط به قبة أيضا من حديد. وكان قبل عليه قبة من خشب. (فصلى) ركعتي الطواف نفلا. وثبت نحوه عن ابن عمر وغيره. وقال شيخ الإسلام بسنة رسول الله ﷺ واتفاق السلف والأئمة. وحكى وجوبهما عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. واتفقوا على مشروعيتهما. ولما جاء النبي ﷺ تلا قوله (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) بيانا منه لتفسير القرآن. ومراد الله منه بفعله ﷺ وإعلاما للأمة بشرفهما. وإحياء لذكر إبراهيم ﵇. فالأفضل كونهما خلفه. وهو مذهب جمهور

стр. 948

المفسرين والفقهاء المعتبرين. وفيه وجعل المقام بينه وبين البيت. ثم كونهما فيما حوله مما يطلق عليه اسم المقام عرفا. ثم ما قرب من البيت خصوصا الملتزم. والباب. ثم الحجر. ثم كلما قرب من البيت. وقال غير واحد أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء. وصلاهما عمر وغيره خارج الحرم كما تقدم. وقال بعض أهل العلم له جمع أسابيع بركعتين ولا تعتبر الموالاة بين الطواف وركعتيه. ولا نزاع في أنه يأتي الملتزم إن شاء متضرعا كما سيأتي. ويشرب من زمزم ويتضلع منه. (وللبخاري عنه) أي عن جابر ﵁ (رأيت رسول الله ﷺ يستلمه) يعنى الحجر الأسود (ويقبله إعظاما له). ولهما عن ابن عمر نحوه. وعن عمر أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وذلك أن الناس حديثو عهد بجاهلية. فبين أنه لا يقصد إلا تعظيم الله . وأن الحجر لا ينفع ولا يضر بذاته. قال الترمذي والشيخ وغيرهما: العمل عليه عند أهل العلم يستحبون تقبيل الحجر إن أمكنه بلا صوت. ولا يؤذي أحد بالمزاحمة عليه. وللنسائي من حديث حنظلة بن أبي سفيان رأيت طاووسا

стр. 949

يمر بالركن. فإن وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم. وإن رآه خاليا قبله ثلاثا. ثم قال: رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك. ثم قال ابن عباس: رأيت عمر فعل مثل ذلك. ثم قال عمر رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك. ولابن ماجه عن عمر أن النبي ﷺ استقبل الحرج ووضع شفتيه عليه يبكي طويلا. ثم التفت فإذا بعمر بن الخطاب يبكي. فقال " يا عمر ههنا تسكب العبرات" وسجد عليه هووابنه وابن عباس. وقال عمر: رأيت رسول الله ﷺ يفعل هكذا. صححه الحاكم. وفيه ويضع جبهته عليه. ويلاحظ جلالة البقعة. يتلطف بمن يزاحمه ويرحمه. لأن الرحمة ما نزعت إلا من قبل شقي والمزاحمة الشديدة ضررها كبير. وربما أخرجت عن حكم التيامن المجمع عليه ولا يجوز للنساء مزاحمة الرجال عليه. ولا يستحب لهن تقبيله. ولا استلامه إلامع خلو المطاف ليلا كان أو نهارا. (وعنه) أي عن جابر أيضا ﵁ أنه ﷺ (استلمه) يعني الحجر الأسود (بيده) أي مسحه بها (وقبل يده) ولهما عن ابن عمر أنه استلمه بيده وقبل يده. وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. ولمسلم عن أبي الطفيل رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت يستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن.

стр. 950

(ولأبي داود من حديث ابن عمر) ﵄ (كان) يعني رسول الله ﷺ (لا يدع أن يستلم الركن اليماني) في طوافه. وللطبراني بسند جيد أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: "بسم الله والله أكبر" كما يقول عند الحجر الأسود (و) كان ﷺ لا يدع أن يستلم (الحجر يعني الأسود (في طوافه) قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. وروي عنه مرفوعا "إن مسح الركن اليماني والحجر الأسود يحط الخطايا" وقال سمعته يقول "إن مسحهما كفارة للخطايا" ولمسلم عنه ما تركت استلام هذين الركنين منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما. ولأنهما بنيا على قواعد إبراهيم بخلاف الشاميين فلا يستلمهما ولا يقبلهما ولا يشير إليهما. لأنه ﷺ لم يفعل شيئا من ذلك. بل هو بدعة باتفاق الأئمة. قال شيخ الإسلام: ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين. فإن النبي ﷺ إنما استلمهما خاصة. لأنهما بنيا على قواعد إبراهيم. والآخران هما في داخل البيت. وقال شيخ الإسلام فالركن الأول يستلم ويقبل. اليماني يستلم ولا يقبل. وقال ابن القيم في قوله كان إذا استلم الركن اليماني قبله: المراد به الأسود ولأنه يسمى يمانيا. بدليل حديث عمر في تقبيل الحجر الأسود خاصة. قال الشيخ: وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد
следующие страницы →