Полный текст (2 171 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وكان هذا أصل الرمل. وسببه إغاظة المشركين. وكان في عمرة القضية. ثم صار سنة. ففعله ﷺ في حجة الوداع مع زوال سببه كالسعي والرمي. قال ابن عباس رمل في عمره كلها وفي حجة الوداع. وأبو بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم. وقد يكون فعله باعثا علىتذكر سببه. فيذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله. واتفقوا على سنيته. وقال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم. ويختص الرمل بالرجال. لا يسن لحامل معذور. ولا لامرأة إجماعا. ومحرم من مكة أوقربها لعدم وجود المعنى الذي لأجله شرع. وهو إظهار الجلد والقوة لأهل البلد.
ولا رمل في غير طواف القدوم. قال ابن عباس: لم يرمل النبي ﷺ في السبع الذي أفاض فيه. وهو مذهب جمهور أهل العلم. ولا يقضي إذا فات في الثلاثة الأول من طواف القدوم. لأنه هيئة فات محلها. والأربعة هيئتها السكينة فلا تغير. والرمل أولى من الدنو من البيت. لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذات العبادة من من فضيلة تتعلق بمكانها. قال الشيخ: فإن لم يمكن الرمل للزحمة كان خروجه إلى حاشية المطاف والرمل أفضل من قربه من البيت بدون الرمل. وأما إذا أمكن القرب من البيت مع إكمال السنة فهو أولى. وإن حصل التزاحم في الأثناء فعل ما قدر عليه اهـ.
ولا يصح إلا بإكمال السبعة الأشواط ويبني على اليقين إجماعًا. وإن أحدث في بعض طوافه أو قطعة بفصل طويل عرفا
стр. 947
ابتدأه. وإن كان يسيرًا بنى. فلو أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة صلى في قول أكثر أهل العلم وبنى. روى عن ابن عمر وغيره. ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم. وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف فيه إلا الحسن. وقول الجمهور أصح. لأنه فعل مشروع فلم يقطعه كاليسير.
ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم وما وراءها من السقائف المتصلة بحيطان المسجد ويجوز راكبا لعذر. وهو قول الجمهور. ومحمولا إجماعا. بل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (ثم أتى مقام إبراهيم) وهو بين زمزم والمنبر أمام باب الكعبة. عليه قبة عالية من خشب قائم على أربعة أعمدة دقيقة من حجارة بينها شبابيك من حديد. صنعت في القرن التاسع والمقام في وسطها محيط به قبة أيضا من حديد. وكان قبل عليه قبة من خشب.
(فصلى) ركعتي الطواف نفلا. وثبت نحوه عن ابن عمر وغيره. وقال شيخ الإسلام بسنة رسول الله ﷺ واتفاق السلف والأئمة. وحكى وجوبهما عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. واتفقوا على مشروعيتهما. ولما جاء النبي ﷺ تلا قوله (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) بيانا منه لتفسير القرآن. ومراد الله منه بفعله ﷺ وإعلاما للأمة بشرفهما. وإحياء لذكر إبراهيم ﵇. فالأفضل كونهما خلفه. وهو مذهب جمهور
стр. 948
المفسرين والفقهاء المعتبرين. وفيه وجعل المقام بينه وبين البيت.
ثم كونهما فيما حوله مما يطلق عليه اسم المقام عرفا. ثم ما قرب من البيت خصوصا الملتزم. والباب. ثم الحجر. ثم كلما قرب من البيت. وقال غير واحد أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء. وصلاهما عمر وغيره خارج الحرم كما تقدم. وقال بعض أهل العلم له جمع أسابيع بركعتين ولا تعتبر الموالاة بين الطواف وركعتيه. ولا نزاع في أنه يأتي الملتزم إن شاء متضرعا كما سيأتي. ويشرب من زمزم ويتضلع منه.
(وللبخاري عنه) أي عن جابر ﵁ (رأيت رسول الله ﷺ يستلمه) يعنى الحجر الأسود (ويقبله إعظاما له). ولهما عن ابن عمر نحوه. وعن عمر أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع. ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. وذلك أن الناس حديثو عهد بجاهلية. فبين أنه لا يقصد إلا تعظيم الله . وأن الحجر لا ينفع ولا يضر بذاته. قال الترمذي والشيخ وغيرهما: العمل عليه عند أهل العلم يستحبون تقبيل الحجر إن أمكنه بلا صوت. ولا يؤذي أحد بالمزاحمة عليه.
وللنسائي من حديث حنظلة بن أبي سفيان رأيت طاووسا
стр. 949
يمر بالركن. فإن وجد عليه زحاما مر ولم يزاحم. وإن رآه خاليا قبله ثلاثا. ثم قال: رأيت ابن عباس فعل مثل ذلك. ثم قال ابن عباس: رأيت عمر فعل مثل ذلك. ثم قال عمر رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك. ولابن ماجه عن عمر أن النبي ﷺ استقبل الحرج ووضع شفتيه عليه يبكي طويلا. ثم التفت فإذا بعمر بن الخطاب يبكي. فقال " يا عمر ههنا تسكب العبرات" وسجد عليه هووابنه وابن عباس. وقال عمر: رأيت رسول الله ﷺ يفعل هكذا. صححه الحاكم. وفيه ويضع جبهته عليه. ويلاحظ جلالة البقعة.
يتلطف بمن يزاحمه ويرحمه. لأن الرحمة ما نزعت إلا من قبل شقي والمزاحمة الشديدة ضررها كبير. وربما أخرجت عن حكم التيامن المجمع عليه ولا يجوز للنساء مزاحمة الرجال عليه. ولا يستحب لهن تقبيله. ولا استلامه إلامع خلو المطاف ليلا كان أو نهارا.
(وعنه) أي عن جابر أيضا ﵁ أنه ﷺ (استلمه) يعني الحجر الأسود (بيده) أي مسحه بها (وقبل يده) ولهما عن ابن عمر أنه استلمه بيده وقبل يده. وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله. ولمسلم عن أبي الطفيل رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت يستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن.
стр. 950
(ولأبي داود من حديث ابن عمر) ﵄ (كان) يعني رسول الله ﷺ (لا يدع أن يستلم الركن اليماني) في طوافه. وللطبراني بسند جيد أنه كان إذا استلم الركن اليماني قال: "بسم الله والله أكبر" كما يقول عند الحجر الأسود (و) كان ﷺ لا يدع أن يستلم (الحجر يعني الأسود (في طوافه) قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. وروي عنه مرفوعا "إن مسح الركن اليماني والحجر الأسود يحط الخطايا" وقال سمعته يقول "إن مسحهما كفارة للخطايا" ولمسلم عنه ما تركت استلام هذين الركنين منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما.
ولأنهما بنيا على قواعد إبراهيم بخلاف الشاميين فلا يستلمهما ولا يقبلهما ولا يشير إليهما. لأنه ﷺ لم يفعل شيئا من ذلك. بل هو بدعة باتفاق الأئمة. قال شيخ الإسلام: ولا يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين دون الشاميين. فإن النبي ﷺ إنما استلمهما خاصة. لأنهما بنيا على قواعد إبراهيم. والآخران هما في داخل البيت.
وقال شيخ الإسلام فالركن الأول يستلم ويقبل. اليماني يستلم ولا يقبل. وقال ابن القيم في قوله كان إذا استلم الركن اليماني قبله: المراد به الأسود ولأنه يسمى يمانيا. بدليل حديث عمر في تقبيل الحجر الأسود خاصة. قال الشيخ: وأما سائر جوانب البيت ومقام إبراهيم وسائر ما في الأرض من المساجد
стр. 951
وحيطانها ومقابر الأنبياء والصالحين. كحجرة نبينا ﷺ . ومغارة إبراهيم. ومقام نبينا ﷺ الذي كان يصلي فيه. وصخرة بيت المقدس. فلا تستلم ولا تقبل باتفاق الأئمة. وذكر نحو ذلك ابن الملقن وغيره. وزادوا أن التقبيل والاستلام تعظيم. والتعظيم خاص بالله تعالى. ولا يجوز إلا فيما أذن فيه.
(وللبخاري عن ابن عباس طاف) يعني رسول الله ﷺ (على بعير) يقال للجمل وقد يكون للأنثى (كلما أتى على الركن) يعني الحجر الأسود (أشار إليه) أي إلى الركن (بشيء في يده) ولم يقبله. فدل الحديث على أنه إذا لم يمكنه التقبيل والاستلام أو شق عليه أشار إليه بيده. أو بشيء في يده ولا يقبله. لأنه لا يقبل إلا الحجر أو ما مس الحجر وجزم به الشيخ وغيره فصح عن رسول الله ﷺ استلام الحجر وتقبيله. وهو أعلاها. واستلامه بيده وتقبيلها. واستلامه بالمحجن وتقبيله. والإشارة إليه بدون تقبيل.
ودل الحديث على اختصاص الحجر بالإشارة دون اليماني. فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يشير إليه ولو فعله لنقل كما نقلت الإشارة إلى الحجر الأسود. وترك ما ترك ﷺ هو السنة. كما أن السنة فعل ما فعل صلوات الله وسلامه عليه (وكبر) أي كلما أتى الحجر الأسود قال الله أكبر. (وله عنه) أي
وللبخاري عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ (إذا استلم الركن) يعني الحجر الأسود (قال بسم الله والله أكبر)
стр. 952
أي بسم الله أطوف. والله أكبر من كل شيء. وجزم به شيخ الإسلام وغيره. وقال استقباله بوجهه هو السنة. ولأحمد من حديث عمر "إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" ولا يرفع يديه كما يكبر للصلاة كما يفعله من لا علم عنده. بل هو من البدع جزم به ابن القيم وغيره.
(وروي عن ابن السائب) عبد الله بن السائب بن يزيد ابن تمامة بن الأسود الكندي حليف بني عبد شمس. من طريق ناجية بسند ضعيف. ونحوه للشافعي عن ابن أبي نجيح عن بعض أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: "بسم الله والله أكبر" (وقال اللهم إيمانا بك) أي أفعل ذلك إيمانا بك (وتصديقا بكتابك) حيث قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (ووفاء بعهدك) في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ﴾ فأجابه كل من كتب أن يحج (واتباعا لسنة نبيك محمد ﷺ ) في طوافه بالبيت. وأمره به. وروى العقيلي نحوه من حديث ابن عمر والطبراني البيهقي نحوه أيضا. وهو قول أكثر الفقهاء. وقال الشيخ وغيره إن شاء قال ذلك.
(ولأبي داود) عن عبد الله بن السائب (سمعته) يعني رسول الله ﷺ (يقول بين الركنين) اليمانيين (رَبَّنَا آتِنَا) أي أعطنا (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) أي العلم والعمل والعفو والعافية
стр. 953
والرزق الحسن أو حياة طيبة (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) أي المغفرة والجنة والدرجات العالية. أو مرافقة الأنبياء. أو الرضى. أو الرؤية (وَقِنَا) أي احفظنا واكفنا (عَذَابَ النَّارِ) أي شدائد جهنم وحرها وزمهريرها وسمومها. ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعا "إن الله وكل بالركن اليماني سبعين ألف ملك. فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا آمين قال شيخ الإسلام: وكان ﷺ يختم طوافه بذلك. كما كان يختم سائر دعائه بذلك اهـ.
ولم يصح عنه ﷺ في الطواف غيره. وينبغي أن يقول في بقية طوافه: اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا. رب اغفر وارحم واهدني السبيل الأقوم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم. وإن قال قبل ذلك اللهم إن هذا البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك. وهذا مقام العائذ بك من النار. اللهم اعذني من النار ومن الشيطان الرجيم. ومن أهوال يوم القيامة واكفني مؤونة الدنيا والآخرة. أو قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونحوه كما رواه ابن ماجه. أو قرأ من القرآن فحسن.
قال شيخ الإسلام: ويستحب له في الطواف أن يذكر الله ويدعوه بما شرع. وليس فيه ذكر محدود قد استحبه ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه. بل يدعو فيه سائر الأدعية الشرعية. وما
стр. 954
يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذك فلا اصل له. وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة. وقال ابن القيم لم يدع عند الباب بدعاء ولا تحت الميزاب. ولا عند ظهر الكعبة. ولا أركانها. ولا وقت للطواف ذكرا معينا. لا بفعله ولا بتعليمه.
والذكر هو المتوارث عن السلف والمجمع عليه. فكان أولى من جنس القراءة فيه. ومأثور الدعاء أفضل. لأن القراءة لم تحفظ عن النبي ﷺ فيه. وحفظ غيرها. فدل على أنه ليس محلها بطريق الأصالة. والقراءة أفضل من دعاء غير مأثور. فإن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. قال الشيخ: وإن قرأ سرا فلا بأس به.
ويستحب للطائف ترك الكلام. وكل عمل ينافي الخشوع كالإلتفات والتخصر. ويصون نظره عن كل ما يشغله. ويتأكد عما لا يحل. وينزه طوافه عما لا يرتضيه الشرع. قال الترمذي: أكثر أهل العلم يستحبون ألا يتكلم في الطواف إلا لحاجة. أو يذكر الله أو من العلم.
(وعن عائشة مرفوعا إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة) يعني السعي بينهما (لإقامة ذكر الله) أي إنما جعل ذلك لإقامة شعار النسك المشروع. رواه أحمد وأبو داود وغيرهما و (صححه الترمذي) وغيره فدل الحديث وغيره على
стр. 955
مشروعية الذكر عند تلك المشاعر العظام. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وخصصت هذه الأفعال بالذكر مع أنه المقصود من جميع العبادات. لأنها لا تظهر فيها العبادة. فشرع فيها ليكون شعارا لها.
(وعن جابر) في حديثه الطويل (ثم صلى) يعني رسول الله ﷺ (رعتين) أي ركعتي الطواف خلف المقام كما تقدم. وهذا لا نزاع في ندبيته (فقرأ) يعني في الركعة الأولى (فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون) أي سورة قل يا أيها الكافرون (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وهي سورة الإخلاص. يعني في الركعة الثانية بعد الفاتحة. لما اشتملتا عليه من نوعي التوحيد. واستحباب قراءتهما في ركعتي الطواف إجماع. وإن قرأ غيرهما جاز. وعن أحمد تجزئ مكتوبة عنهما. وعنه لا تجزئ وفاقا. كما لا تجزئ عن منذورة. وحكي وجوبهما ويصح السعي قبلهما إجماعا. وفي أسباب الهداية يأتي الملتزم قبل الركعتين.
وينبغي الإكثار من الطواف كل وقت. لأنه يشبه الصلاة والصلاة خير موضوع. وطواف التطوع للغرباء أفضل من صلاة التطوع اتفاقا. لأنهم لا يمكنهم الطواف. فكان الاشتغال به أولى. وقال ابن عمر: من طاف بهذا البيت أسبوعا كان كعتق رقبة. وقال لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى إلا حط الله بها
стр. 956
عنه خطيئة. وكتب له بها حسنة. وهو حديث حسن.
(ثم عاد إلى الركن فاستلمه) يعني الحجر الأسود فيسن في كل طواف بعده سعي أن يعود إلى الحجر فيستلمه. لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام فكذا السعي (ثم خرج من الباب إلى الصفا) أي خرج من باب بني مخزوم. وهو الذي يسمى باب الصفا. لأنه أقرب الأبواب إليه. فكان اتفاقا. ويخرج إليه من أي باب شاء. لحصول المقصود (فلما دنا من الصفا) بالقصر وهو الحجارة الصلبة. والمراد به هنا المكان المعروف عند المسجد في طرف المسعى الجنوبي. أسفل جبل أبي قبيس.
قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الشعائر أعمال الحج. وكل ما جعل علما لطاعة الله. قاله ﷺ بيان لمراد الله. وتقريرا: (ابدأ بما بدأ الله به) أي بالصفا حيث بدأ الله بها بالذكر. وعن ابن عباس أنه ﷺ قرأ الآية. وقال "نبدأ بالصفا اتبعوا القرآن فما بدأ به القرآن فابدءوا به" ورواية مسلم بصيغة الخبر. ورواه غير واحد بالنون. قال الحافظ وهم أحفظ. وهو عند النسائي بلفظ الأمر. أي ابدءوا في السعي بما بدأ الله به. وصححه النووي وغيره.
وذهب الجمهور إلى أن البداءة بالصفا والختم بالمروة شرط للخبر وصححه الترمذي وقال العمل عليه عند أهل العلم أنه
стр. 957
يبدأ بالصفا قبل المروة. فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزئه وبدأ بالصفا (فرقى الصفا) أي علا على الصفا المعروف هناك. فيستحب صعوده. قال الشيخ: وكان النبي ﷺ يرقىعلىلصفا والمروة. وهما في جانبي جبلي مكة. واليوم قد بني فوقهما دكتان. فمن وصل إلى اسفل النباء أجزأه السعي وإن لم يصعد فوق البناء اهـ.
ولعل المراد باعتبار ذلك الزمن. وأما الآن فالبيت يرى من باب الصفا قبل رقيه. لما حدث من ارتفاع الأرض. حتى اندفن أكثر الدرج. ومن وقف على أول درجة من درجاته أمكنه أن يرى البيت. وقد ذكر الأزرقي وغيره أنه اثنا عشر درجة. وقال ابن بطوطة وللصفا أربع عشرة درجة علياهن كأنها مصطب. ومن تأمل علوالوداي اليوم تيقن كثرة المدفون من الصفا.
قال جابر: فرقى الصفا (حتى رأى البيت فاستقبله) فيستحب أن يستقبله وليس بواجب لأنه لو ترك صعوده فلا شيء عليه إجماعا. فلا يجب الاستقبال. ولا نزاع في استحباب صعودهما واستقبال القبلة (فوحد الله كبره) فيستحب حينئذ توحيد الله وتكبيره. وفي لفظ كبر ثلاثا. واستحب بعضهم أن يقول الحمد لله على ما هدانا. ثم بين توحيد الله وتكبيره بقوله (وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له) في ربوبيته ولا في آلهيته. ولا في أسمائه وصفاته (له الملك) المطلق (وله الحمد) الكامل (وهو على كل شيء قدير) ولابن عمر من
стр. 958
رواية إسماعيل عن أيوب عن نافع: لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
(لا إله إلا الله وحده) إعادة كلمة التوحيد لشرفها. ولما من الله به تعالى على نبيه حيث (أنجز وعده) أي وفي بما وعد به محمدا ﷺ من الفتح والنصر (ونصر عبده) محمدا ﷺ على عدوه وأيده بالمعجزات (وهزم الأحزاب) يوم الخندق (وحده) هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا سبب من جهتهم.
والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾.
(ثم دعا بين ذلك) وفي لفظ أنه "قاله ثلاث مرات" وفي لفظ "دعا بما شاء". وفي لفظ "يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو" قال أحمد وغيره يدعو بدعاء ابن عمر. وهو اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك. اللهم جنبني حدودك. اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وأولياءك وعبادك الصالحين. اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى. واغفر لي في الآخرة والأولى. واجعلني من أئمة المتقين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لي خطيئتي يوم الدين.
اللهم إنك قلت (ادعوني أستحب لكم). وإنك لا تخلف
стр. 959
الميعاد. اللهم إذ هديتنا للإسلام فلا تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى توفاني وأنا على الإسلام. اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسوء الفتن. ويدعو بما أحب. ولمسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ "لما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه. وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء".
ولأنه موضع ترجى فيه الإجابة.
(ثم نزل إلى المروة) وفي لفظ نزل من الصفا أي منتهيًا إلى المروة ماشيًا على قدميه الشريفتين صلوات الله وسلامه عليه (حتى انصبت) أي انحدرت (قدماه في بطن الوادي) وهو ما بين العلمين (سعى) أي أسرع في سيره بين العلمين في السبعة الأشواط. وعن ابن عباس إنما سعى بين الصفا والمروة ليرى المشركين جلده وقوته. صححه الترمذي. وقال وهو الذي يستحبه أهل العلم. وإن مشى وسعى رأوه جائزًا.
وقال الشيخ: وإن لم يسع في بطن الوادي بل مشى على هينته جميع ما بين الصفا والمروة أجزأ باتفاق العلماء ولا شيء عليه اهـ. وسبب مشروعيته السعي أن إبراهيم لما ترك هاجر وإسماعيل هناك عطش. فصعدت الصفا تنظر هل بالموضع ماء فلم تر شيئا فنزلت تسعى في بطن الوادي حتى خرجت منه إلى جهة المروة. لأنها توارت بالوادي عن ولدها. فسعت شفقة عليه. فجعل ذلك نسكا. إظهارا لشرفها. وتفخيما لأمرها.
стр. 960
وقال المطرزي وغيره: الميلان علامتان بموضع الهرولة في ممر بطن الوادي.
وقال ابن القيم وغيره بطن الوادي هو ما بينهما لم يتغير. واستمر عمل المسلمين عليه. خلفا عن سلف اهـ. والسعي بينهما وإن لم يكن اليوم هو نفس بطن الوادي هو السنة باعتبار ما كان سابقا. فإن ما بينهما كان منخفضًا. وطرفاه من جهة الصفا والمروة مرتفعان. والسعي الشديد مشروط بأن لا يؤذي. وخرج الراكب وحامل المعذور والمرأة إجماعا. لأن المطلوب منها التستر. وجوز الجمهور السعي راكبا لعذر. وقيل لغيره.
(حتى إذا صعدتا) يعني قدميه الشريفتين أخذتا في الصعود من بطن الوادي إلى المكان العالي (مشى إلى المروة) قال أحمد وكان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم. ويستحب الإكثار من الذكر والدعاء في سعيه. لما تقدم من قوله ﷺ : "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله (ففعل على المروة كما فعل على الصفا) من التوحيد والتكبير والدعاء واستقبال القبلة إجماعا. والمروة هي الحجارة البيضاء البراقة. أو الرخوة سمي بها المكان الذي في طرف المسعى الشمالي.
واتفقوا على أن العقد الكبير المشرف الذي بوجهها هو
стр. 961
حدها. علامة على أولها. قال المحب الطبري وغيره: في وجهها عقد كبير مشرف قد تواتر كونه حدا بنقل الخلف عن السلف. وكذا في مسالك الأبصار. وذكره الأزرقي وغيره. أن على المروة خمس عشرة درجةكحلت بالنورة في خلافة المأمون. وذلك قبل أن يعلوا الوادي. فأدنى المروة تحت العقد المشرف عليها وفيه أول الدرج. ويحصل استقبال القبلة بأن يميل إلى يمينه أدنى ميل.
وفيه " حتى إذا كان آخر طوافه على المروة" واتفق رواة نسكه ﷺ أنه طاف بينهما سبعة أشواط ذهاب سعية ورجوعه سعية يفتتح بالصفا ويختم بالمروة. وهذا باتفاق أهل العلم. وغلطوا الطحاوي وغيره ممن قال الذهاب والرجوع سعية. وقال ابن القيم لم ينقله أحد. ولا قاله أحد ممن اشتهرت أقوالهم. فلا خلاف أنه بدأ بالصفا وختم بالمروة. وحكى الوزير وغيره اتفاق الأئمة على الاحتساب بالذهاب سعية وبالرجوع سعية. ويجب استيعاب ما بينهما في كل مرة.
ويشترط كون السعي بعد طواف نسك. ولومسنونا. لأنه الوارد عنه ﷺ . وحكي فيه الإجماع. فلا يجوز بعد طواف نفل. ويشترط فيه النيةإجماعا. كسائر العبادات. واختار الأكثر اشتراط الموالاة. ولا يضر فصل يسير. كأن أقيمت مكتوبة. أو حرت جنازة. فيصلي ويبني. وتسن الموالاة بينه وبين الطواف. كذا الطهارة والستارة ولا يجبان. فلو فصل بين
стр. 962
الطواف والسعي بطواف أو غيره أجزأ. وإذا لم تشترط الطهارة مع آكديتها فغيرها أولى.
(ثم قال لهم) أي لأصحابه غير من ساق الهدي (أحلوا من إحرامكم) أي اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا بالطواف والسعي. وفي لفظ "فنادى وهو على المروة والناس تحته فقال. لوأني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة" (وقصروا) أي من شعر الرأس من مجموعه لا من جميعه فلم يأمرهم بالحلق ليبقى لهم شعر يحلقونه في الحج فإن الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة لأنه أكمل (رواه مسلم)
قال الشيخ: ويستحب له أن يقصر من شعره ليدع الحلاق للحج. وكذلك أمرهم النبي ﷺ . وإذا حلوا حل لهم ما حرم عليهم بالإحرام. ويذبح هدي العمرة عندها ولا يتحلل المعتمر إلا بالطواف والسعي والتقصير أوالحلق للخبر. وقال ابن رشد: اتفقوا علىن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة. وإن لم يكن حلق ولا قصر لثبوت الآثار في ذلك إلا خلاف شاذ اهـ. وأركان العمرة ثلاثة إحرام وطواف وسعي قال الوزير أجمعوا أنها أركان لها وفي الفصول السعي فيها ركن بخلاف الحج.
(ولهما) يعني البخاري ومسلم وغيرهما من غير وجه (أنه
стр. 963
أمرهم) ﷺ (لما طافوا) طواف العمرة (وسعوا) وقصروا (أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة) أي يجعلوا الحجة عمرة ويصيروا حلالا بعد فراغهم من أفعال العمرة. وقد أبيح لهم ما حرم عليهم بسبب الإحرام حتى يستأنفوا الإحرام للحج (إلا من ساق) معه (الهدي) فيبقى على إحرامه حتى يكمل حجه وينحر هديه.
وللبخاري عن عائشة "من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر) وفي لفظ فقالوا كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج فقال "افعلوا ما أمرتكم به" ففعلوا. وفي لفظ نزل عليه القضاء بين الصفا والمروة. ولما توقوفا قال "انظروا ما آمركم به فافعلوه" قال الشيخ وغيره وهذا مذهب أهل الحديث. وإمامهم أحمد بن حنبل وأهل الظاهر. لبضعة عشر حديثا صحاحا عن رسول الله ﷺ .منها "من تطوف بالبيت وسعى ولم يكن معه هدي حل" ومنها لما راجعوه قال "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردوا عليه فغضب وأقسم طائفة من أصحابه ﵃ أنه ما نسخ ولا صح حرف واحد يعارضه. وأنهم لم يخصوا به.
بل أجرى الله على لسان سراقة (فقال راقة: ألعامنا هذا) أي جواز فسخ الحج إلى العمرة وفي لفظ أرأيت متعتنا هذه أي أخبرنا عن فسخنا الحج إلى عمرتنا هذه التي تمتعنا فيها. بالجماع والطيب واللبس ألعامنا هذا مخصوصة به لا تجوز في غيره (أم للأبد)؟ فقال "بل للأبد" أي لآخر الدهر وجميع
стр. 964
الأعصار. فلا يكون وقت العمرة في عامنا هذا فقط. وفي لفظ بل "لأبد الأبد" وفيه "فشبك بين أصابعه" وفي رواية ألعامنا هذا أم للأبد"؟ فشبك بين أصابعه واحدة في الأخرى و (قال دخلت العمرة في الحج) إلى يوم القيامة مرتين" أي دخلت نية العمرة في نية الحج بحيث من نوى الحج صح الفراغ عنه بالعمرة.
فدل على جواز فسخ الحج إلى العمرة لاقتضاء سياق السؤال (لا) أي ليس خاصا بنا (بل لأبد الأبد) أضيف للمبالغة. أو تأكيد الدوام إلى قيام الساعة. وهذا صريح في أن العمرة التي فسخوا حجهم إليها لم تكن مختصة بهم. وأنها من مشروعة للأمة إلى يوم القيامة. وقوله "دخلت العمرة في الحج" تصريح أيضا بأن هذا الحكم ثابت أدبا لا ينسخ إلى يوم القيامة. قال ابن القيم وهذا الفسخ قد رواه عن النبي ﷺ بضعة عشر صاحبا. ورواه عنهم أكثر. فصار نقل كافة عن كافة يوجب العلم.
وتواتر عن حبر الأمة عبدالله بن عباس ما طاف بالبيت حاج ولا غيرحاج إلا حل. أمر رسول الله ﷺ . فإنه ﷺ لما تم سعيه أمر كل من لا هدي معه أن يحل الحل كله. من وطءوطيب ولبس وأن يبقوا إلى يوم التروية. وقال رجل لابن عباس ما هذه الفتيا! فقال سنة رسولا لله ﷺ وإن زعمتم. قال ابن القيم وصدق ابن عباس كل من طاف بالبيت وسعى ممن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتع فقد حل. إما وجوبا وإما
стр. 965
حكما. هذه هي السنة التي لا راد لها ولا مدفع.
وقال أحمد لمسلمة عندي أحد عشر حديثا صحيحا عن رسول الله ﷺ أتركها لقولك؟ وأيضا إذا كان النبي ﷺ قصد مخالفة المشركين تعين مشروعيته إما وجوبا وإما استحبابا. وقال ابن القيم لما ذكر غضبه ﷺ لما لم يفعلوا. ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج رأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة. تفاديا من غضبه ﷺ . واتباعا لأمره. فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده. ولا صح حرف واحد يعارضه. ولا خصص به أصحابه دون من بعدهم بل أجرى الله على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختص بهم. فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد فما تقدم على هذه الأحاديث: وهذه الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه.
(وعن ابن عباس مرفوعا كان) يعني رسول الله ﷺ (يمسك) أي يمتنع ويكف (عن التلبية في العمرة) مفردا لها أو متمتعا بها إلى الحج (إذا استلم الحجر) الأسود للطواف رواه أبو داود وغيره و (صححه الترمذي) وقال العمل عليه عند أكثر أهل العلم. قالوا لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر.
وقال بعضهم إذا انتهى إلى البيوت. والعمل على حديث
النبي ﷺ . والتلبية إجابة إلى العبادة وشعار الإقامة عليها.
والأخذ في التحلل مناف. وهو يحصل بالطواف والسعي.
فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فيقطعها
стр. 966
كما يقطع الحاج التلبية إذا شرع في رمي جمرة العقبة. لحصول التحلل به.
وقال النووي الصحيح أنه لا يلبي في الطواف لا في السعي. لأن لها أذكارا مخصوصة. ومن أجازها كره الجهر بها لئلا يخلط على الطائفين.
(وله عنه) مرفوعا وموقوفا. قال النووي وغيره رفعه ضعيف. والصحيح أنه موقوف. وقال الشيخ لم يثبت عن النبي ﷺ ولكن هو ثابت عن ابن عباس. وقد روي مرفوعًا (الطواف بالبيت صلاة) قال ولا ريب أنه يشبه الصلاة من بعض الوجوه. ليس المراد أنه نوع من الصلاة التي يشترط لها الطهارة. وهذا كقوله "إن العبد في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه" "وما دام ينتظر الصلاة" و"إذا أتى المسجد فلا يشبك بين أصابعه. فإنه في صلاة" ونحو ذلك "إلا أنكم تتكلمون فيه"وقال "الطواف بالبيت كالصلاةإلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير".
ولهذا يؤمر الطائف أن يكون متطهرا الطهارة الصغرى والكبرى. مستور العورة. مجتنبا النجاسة التي يجتنبها المصلي إجماعا. وفي وجوب الطهارة في الطواف نزاع بين العلماء. فإنه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه أمر بالطهارة للطواف ولا نهي
стр. 967
المحدث أن يطوف ولكنه طاف طاهرا. لكن ثبت عنه أنه نهى الحائض عن الطواف.
(وعن عائشة) ﵂ (أنه) يعني النبي ﷺ (قال لها) وكانت طمثت بسرف فدخل عليها هي تبكي فقال لها (افعلي) يعني من مناسك الحج (ما يفعل الحاج) ولمسلم فاقضي ما يقضي الحاج. وهو إجماع (غير أن لا تطوفي بالبيت) أي حال كونك طامثا (حتى تطهري) بتشديد الهاء. وأصله تتطهري. والمراد بالطهارة الغسل من الحيض (متفق عليه) ولمالك نحوه عن ابن عمر.
والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع حيضها وتغتسل. وفي أثر ابن عمر ولا بين الصفا والمروة لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله. وهو مذهب جمهور أهل العلم. وتحريم الطواف على الحائض مجمع عليه. سواء كان فرضا أو نفلا. وعن أحمد يجزئ وتجبره بدم. وهو قول أبي حنيفة.
وقال شيخ الإسلام ما يعجز عنه من واجبات الطواف مثل من كان به نجاسة لا يمكنه إزالتها. كالمستحاضة ومن به سلس بول. فإنه يطوف ولا شيء عليه باتفاق الأئمة وكذا لو لم يمكنه الطواف إلا عريانا وكذا المرأة الحائض إذا لم يمكنها طواف الفرض إلا حائضا بحيث لا يمكن التأخر بمكة في أحد
стр. 968
قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف.
ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا. فتطوف بالبيت والحالة هذه. وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه. وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة بل يوافقها. إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه. ولا واجب في الشريعة مع العجز. ولا حرام مع ضرورة. وتتلجم كما أبيح للمستحاضة دخول المسجد للطواف إذا تلجمت اتفاقا. لأجل الحاجة. وحاجة هذه أولى.
فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة. هذا إذا قيل إنها ممنوعة من المسجد. وأما أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة فغايته أن تكون الطهارة شرطا من شروط الطواف. فإذا عجزت عنه سقط كما لو انقطع دمها وتعذر عليها الإغتسال والتيمم فإنها تطوف على حسب حالها. كما تصلي بغير طهور. لقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذه قد اتقت الله ما استطاعت. فليس عليها غيره بالنص وقواعد الشريعة.
والأشبه لا يجب عليها دم. لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز. وأحمد يقول لا دم عليها. كما صرح به فيمن طاف جنبا وهو ناس وقال ابن القيم: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج. ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط
стр. 969
والواجبات. ومن المعلوم أن الشريعة لاتأتي بسوى هذا. وقال وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة بل يوافقها. إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه. وذكر نحوا من كلام الشيخ. وأنه لا يدل على اشتراط الطهارة للطواف نص ولا إجماع. وإذ لم يمكنها إلا على غير طهارة فليس عليها غيره بالنص وقواعد الشريعة اهـ.
وإن حاضت المتمتعة قبل طواف العمرة فخشيت فوات الحج أو خشية غيرها أحرموا بالحج لتعينه. ولقوله ﷺ "أهلي بالحج"وليس كونها خشيت فوات الحج شرطا لجواز إدخال الحج على العمرة بل لوجوبه. لأن الحج واجب فورا. ولا سبيل إليه إلا ذلك. فتعين. وكالصورة الثانية من القران إدخال الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها. وإن لم يخف فوت الحج ويصير بذلك قارنا عند الجمهور. إلا أبا حنيفة: قال ترفض العمرة. ولم يقله غيره.
وقوله ﷺ "ارفضي عمرتك" أي دعي أفعال العمرة. ولقوله ﷺ لها "طوافك وسعيك يكفيك لحجك وعمرتك" وإنما أعمرها من التنعيم تطييبا لنفسها. وحديثها أصل في سقوط طواف القدوم عن الحائض. وكانت متمتعة فصارت من أجل الحيض قارنة. قال ابن القيم: وهو أصح الأقوال. والأحاديث لا تدل على غيره. ويجب دم القران. وتسقط عنه العمرة لاندراجها في الحج للأخبار.
стр. 970
«باب صفة الحج»
أي كيفية وبيان ما شرع فيه من أقوال وأفعال.
(عن جابر) بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل الذي وصف فيه حج رسول الله ﷺ (قال أمرنا رسول الله ﷺ لما حللنا) أي من العمرة كما تقدم (أن نحرم) أي بالحج (فأهللنا من الأبطح رواه مسلم) فيسن لمتمتع حل من عمرته أن يحرم من منزله. وهو مذهب جمهور أهل العلم. وحكي أنه لا نزاع فيه. وقيل من المسجد. والسنة من منزله كما فعل خير الخلق وأصحابه.
قال ابن القيم أحرموا من منزلهم. ومكةخلف ظهورهم ولم يدخلوا إلى المسجد ليحرموا منه اهـ. وقيل من تحت الميزاب ذكره بعض الأصحاب. ولم يكن السلف يفعلونه. ولو كان أولى لسبقونا إليه. واعتقاد سنة أو فضيلة ما ليس بسنة ولا جاء بفضله شرع فالسنة تركه. قال شيخ الإسلام السنة أن يحرم من الموضع الذي هو نازل فيه. وكذا المكي يحرم من أهله.
(وله عنه) أي ولمسلم وغيره عن جابر (قال فلما كان يوم التروية) وهو ثامن ذي الحجة. سمي بذلك لأنهم كانوا يتروون فيه الماء لما بعده. إذ لم يكن هناك ماء. أو لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه. وقيل غير ذلك (توجهوا إلى منى) قبل
стр. 971
الزوال. فلمسلم عنه توجه قبل الصلاة الظهر يوم التروية إلى منى. سميت منى لأنه يمنى فيه الدم أي يراق. وقيل غير ذلك (فأهلوا بالحج) ولهما عنه حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج. وتقدم قوله: "وأهل مكة فمنها" وسواء في ذلك سكانها أوالواردون إليها.
وأجمعوا على سنية الإهلال منها ويجزئ من بقية الحرم. وصوبه شيخ الإسلام. وقال لأن الأبطح خارج البلد. يعني قبل ويستحب أن يفعل عند هذا الإحرام ما يفعل عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظيف والتجرد من المخيط وغير ذلك. وقال بعضهم ينبغي لمتمتع عدم الهدي. وأراد الصوم. أن يحرم يوم السابع ليصوم الثلاثة الأيام قبل النحر محرما (وركب رسول الله ﷺ ناقته القصواء).
(فصلى بها) يعني منى (الظهر) واتفقت الرواة أنه صلى الظهر بمنى (والعصر والمغرب والعشاء والفجر) فالسنة الركوب إليها. وصلاة الخمس الفرائض فيها. ومبيت تلك الليلة فيها. وهي ليلة التاسع من ذي الحجة. وإن تركه فلا شيء عليه إجماعا. وقال غير واحد هو سنة ليس بركن ولا واجب إجماعا. وكل من أدركه الليل بها فقد بات نام أو لم ينم (ثم مكث) أي بمنى (حتى طلعت الشمس) واتفق أهل العلم على سنيته.
وقال الشيخ السنة أن يبيت الحاج بمنى فيصلون بها الظهر
стр. 972
والعصر والمغرب والعشاء والفجر ولا يخرجون منها حتى تطلع الشمس كما فعل النبي ﷺ وأما الإيقاد بها فبدعة مكروهة باتفاق العلماء ثم بعد طلوع الشمس سار من منى إلى عرفات لقوله (فأجاز) أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها وفي الخبر أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية
فتجاوزه إلى حيث أمره الله أن يفيض كما أفاض الناس أي سائر الشعوب غير قريش وكانت قريش لا تخرج من الحرم وسموا الحمس فخالفهم النبي ﷺ وتوجه إلى عرفات وفي الصحيحين عن أنس وكان يلبي منا الملبي فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه قال الشيخ وغيره ويسيرون من منى إلىعرفات على طريق ضب من يمين الطريق وافتراقه من مزدلفة ينعطف على اليمين قرب المشعر الحرام
(حتى أتى عرفة) أي قرب منها لا أنه دخلها وعرفة أسم المشعر المعروف موضع الوقوف في الحج سميت عرفة لتعارف الناس بها أو لاعترافهم أو لأن جبرئيل قال للخليل عرفت وقيل غير ذلك وتسمى المشعر الحرام والأقصى وهي عمدة أفعال
الحج والوقوف بها ركن من أركانه لا يتم الحج إلا به
وحدها من الجبل ومشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له
إلى ما يلي حوائط بني عامر وهو المسجد المشهور المعمور دون
стр. 973
الزيادة فيه من شرقيه قيل إنها منها فيه أحجار كبار علم بين ما يصح الوقوف فيه وما لا يصح ومن حدودها الميلان الشاميان المقابلان لميلي الحرم بينهما وادي عرنة
(فوجد القبة) خيمة صغيرة (قد ضربت له) وتقدم أنه أمر بها فبنيت له (بنمرة) قال الشيخ هي قرية كانت خارجة عن عرفات من جهة اليمين اهـ. وموضعها أكمة عليها أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف فهي شرقي عرنة إلى الشمال خراب اليوم (فنزل بها) قال ابن الهمام ونزول النبي ﷺ بنمرة لا نزاع فيه ولأبي داود وغيره عن ابن عمر أنه ﷺ نزل بنمرة وهو منزل الإمام الذي ينزله بعرفة
(حتى إذا) كان عند صلاة الظهر و (زالت الشمس) أي من كبد السماء إلى جهة الغرب (أمر بالقصواء) أي أمر بإحضار القصواء وهي ناقته التي كان يركبها كما مر ذكرها في مواضع من الأخبار حتى عام الحديبية في قوله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق (فرحلت له) أي شد عليها الرحل وهو مركب البعير أكبر من السرج والرحال العالم به المجيد له
(فأتى بطن الوادي) المعروف بوادي عرنة وبه المسجد المعروف بمسجد عرنة قال الشيخ وغيره يسير إليها من بطن الوادي وهو موضع النبي ﷺ الذي صلى فيه وهو في حدود
стр. 974
عرفة ببطن عرنة وهناك مسجد يقال له مسجد إبراهيم وليس بالخليل إنما هو إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الذي كانت له الدعوة العباسية مات هناك في الحبس قال وإنما بني في أول دولة بني العباس اهـ. ثم زيد فيه من عرفة والزيادة في نفس المسجد معلمة بصخرات كبار فرشت هناك فصدر المسجد من عرنة واخره قيل من يوم عرفة كما تقدم وبين المسجد والحرم نحو ألف ذراع
(فخطب الناس) قال عبد الحق وغيره خطبته قبل الصلاة مشهورة وعمل به الأئمة والمسلمون اهـ. فيسن أن يخطب بها الإمام أو نائبه باتفاق الجماهير إلا ما روي عن مالك وقال الشيخ وغيره يسير إليها كما فعل النبي ﷺ وخطب الناس قال وهي خطبة نسك لا خطبة جمعة اهـ. يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة فيذكر العالم ويعلم الجاهل ويستحب تخفيفها قال سالم للحجاج إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة رواه البخاري
قال جابر (ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر) بعد ما فرغ من الخطبة ولم يجهر بالقراءة (ولم يصل بينهما شيئا) قال الموفق وغيره والصحيح أن الإمام يجمع وكل من صلى معه وقال الشيخ فيصلي الإمام ويصلي معه جميع الحاج أهل مكة وغيرهم قصرا وجمعا كما جاءت بذلك الأخبار عن النبي ﷺ وهو مذهب أهل التحقيق ومن قال لا
стр. 975
يجوز القصر إلا لمن كان منهم على مسافة القصر فهو مخالف للسنة.
وقال ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرا ويقصر أهل مكة وغير أهل مكة وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر ﵄ ولم يأمر النبي ﷺ ولا خلفائه أحدا من أهل مكة أن يتموا الصلاة ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى أتموا الصلاة فإنا قوم سفر ومن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ وغلط غلطا بينا ووهم وهما قبيحا وقال قولا باطلا باتفاق أهل الحديث ولكن المنقول عن النبي ﷺ أنه قال ذلك في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة
أما في حجه فإنه لم ينزل بمكة ولكن كان نازلا خارج مكة وهناك كان يصلي بأصحابه ثم لما خرج إلى منى وعرفه خرج معه أهل مكة وغيرهم ولما رجع من عرفة رجعوا معه ولما صلى بمنى صلوا معه ولم يقل لهم أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ولم يحدد النبي ﷺ السفر لا بمسافة معلومة ولا بأيام معلومة
(ثم ركب) أي بعد ما فرغ من الخطبة والصلاة (حتى أتى الموقف) أي أرض عرفات فيسن بعد الصلاة بعرنة أن يذهب إلى عرفات إجماعا وينبغي الدنو من موقفه ﷺ إن
стр. 976
سهل فإن لم يمكنه فبحسب الإمكان (فجعل بطن ناقته القصواء التي كان يركبها في أسفاره وتسمى العضباء ولم تكن مقطوعة الأذن (إلى الصخرات) الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة
(وجعل حبل المشاة) بالحاء المهملة وسكون الباء الموحدة أي طريق المشاة الذي يسلكونه في الرمل ومجتمعهم والرمل المستطيل دون الجبل فيه إلى الآن وقد أجريت معه العين جعله ﷺ وجبل الرحمة (بين يديه) فموضع موقفه ﷺ على الفجوة المستعلية التي عند الصخرات المفروشات السود الكبار عند جبل الرحمة بحيث يكون يمينك قليلا إذا استقبلت القبلة وبه مسجد جداره فوق ذراع ويقال للجبل إلا ل على وزن هلال وجبل الدعاء وهو المعروف وسط عرفات
ولا يسن صعوده إجماعا قال الشيخ وغيره وقال ليس من السنة ولا يستحب وكذا القبة التي فوقه التي يقال لها قبة ادم لا يستحب دخولها ولا الصلاة فيها والطواف بها من الكبائر اهـ. ولا يكاد يذهب إلى نمرة ولا إلى مصلى النبي ﷺ إلا القليل بل يدخلون إلى عرفات من طريق المأزمين وغيره قال وهذا
الذي يفعله الناس كله مجزئ معه الحج لكن فيه نقص
عن السنة (واستقبل القبلة) ولأبي نعيم عن ابن عمر مرفوعا
خير المجالس ما استقبل به القبلة وتقدم أن استقبال القبلة مستحب في كل طاعة إلا بدليل فسواء كان جبل الرحمة
стр. 977
بين يديه حال استقباله أو خلفه فإنه لم يرد في الشرع استقباله دون القبلة.
(فلم يزل واقفا) أي قائما بركن الوقوف راكبا على راحلته القصواء قال الشيخ وغيره ويجوز الوقوف ماشيا وراكبا وأما الأفضل فيختلف باختلاف أحوال الناس فإن كان ممن إذا ركب راه الناس لحاجتهم إليه أو كان يشق عليه الوقوف وقف راكبا فإن النبي ﷺ وقف راكبا وهكذا الحج فإن من الناس من يكون حجه راكبا أفضل ومنهم من يكون حجه ماشيا أفضل وقال ابن القيم التحقيق ان الركوب أفضل إذا تضمن مصلحة من تعليم المناسك والاقتداء به وكان أعون على الدعاء ولم يكن فيه ضررعلى الدابة
(حتى غربت الشمس) وفيه وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وهو بيان لقوله غربت الشمس فإنه قد يطلق على مغيب معظم القرص فأزال الاحتمال والجمهور على استمراره بها إلى الغروب وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأحمد وأوجبوا دما على من لم يستمر بها إلى أن تغرب الشمس وشدد مالك فقال إن لم يرجع فاته الحج لكن قال ابن عبد البر لانعلم أحدا من العلماء قال بقوله
(وله عنه مرفوعا وقفت ههنا) أي عند الصخرات المفروشة المبني بها مسجد وجبل الرحمة عن يمينك (وعرفه كلها موقف) أي جميع أجزائها ومواضعها ووجوه جبالها موقف
стр. 978
للحاج يصح الوقوف فيها إجماعا ويكون من وقف بها قد أتى بسنة الخليل وإن بعد موقفه عن موقف الرسول ﷺ وفي السنن أن يزيد بن شيبان كان في مكان من الموقف بعيد من موقف النبي ﷺ فأرسل إليه النبي ﷺ يقول كونوا على مشاعركم هذه أي مواضع نسككم ومواقفكم القديمة
وتقدم حدها من أربع الجهات إحداها جادة المأزمين والثانية حافات الحبل الذي وراء أرضها والثالثة إلى البساتين التي تلي قريتها على يسار مستقبل القبلة والرابع وادي عرنة قال الوزير وغيره اتفقوا على أن عرفات وما قارب الجبل كله موقف لهذا الخبر وأرسل للناس أن يكونوا على مشاعرهم ويقفوا بها فإنها من إرث أبيهم أبراهيم إلا ما كان من الحمس
(زاد ابن ماجه) عنه قال ﷺ (وارفعوا عن بطن عرنة) لأحمد والبزار والطبراني من حديث حبير بن مطعم وارفعوا عن بطن عرنة وهو الوادي الذي يسيل فيه الماء إذا كان المطر وهي ثلاثة جبال وموضعها معروف ما بين العلمين الكبيرين من جهة عرفة والعلمين الكبيرين من جهة الحرم وليست عرنة ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم وقال الوزير وابن المنذر وغيرهما بطن عرنة لايجزئ الوقوف فيه باتفاق الأئمة
(وعن ابن يعمر) هو عبد الرحمن يكنى أبا الأسود
стр. 979
الديلي صحابي سكن الكوفة ومات بخراسان (أنه ﷺ أمر مناديه) أي بأن ينادي في الناس (الحج عرفة) أي الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة أو إدراك الحج وقوف عرفة أو ملاك الحج ومعظم أركانه وقوف عرفة لأن الحج يفوت بفواته قاله ثلاثا تأكيدا وذلك أن ناسا من أهل نجد أتوه وهو واقف بعرفة فسألوه فأمر مناديا ينادي في الناس بذلك وفي لفظ وأردف رجلا ينادي بهن (من جاء ليلة جمع) أي ليلة المبيت بمزدلفة سميت جمعا (قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج
وفي لفظ فقد تم حجه أي لم يفته وأمن من الفساد (رواه الخمسة) قال الترمذي قال سفيان العمل على حد يث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن من لم يقف بعرفات قبل الفجر فقد فاته الحج ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما وقال وكيع هذاالحديث أم المناسك ولأن الوقوف ركن للعبادة فلم يتم بدونه كسائر أركان العبادات
(وفي لفظ) للخمسة من حديث عروة بن مضرس (فمن وقف بعرفة) أي حصل بها عالما بها أو جاهلا (ساعة من ليل أو نهار) وذلك أنه قال للنبي ﷺ وهو بمزدلفة حيث خرج إلى الصلاة جئت من جبلي طئ أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عيه فهل لي من حج فقال
стр. 980
رسول الله ﷺ من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار
(فقد تم حجه) أي معظم حجه وهو الوقوف لأنه الذي يخاف عليه الفوات فدل الحديث على أن من وقف بعرفة ساعة من ليلة العيد أو نهار عرفة فقد تم حجه وأنه لا يختص الوقوف بما بعد الزوال بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد لأن لفظ الليل والنهار مطلقان والجمهور أن المراد بالنهار ما بعد الزوال لأنه ﷺ وأصحابه لم يقفوا إلا بعده ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله فكأنهم جعلوا هذاالفعل مقيدا لذلك المطلق وفيه وقضى تفثه أي أتى بما عليه من المناسك (وصححه الترمذي) وظاهر الحديث أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة ولو في لحظة لطيفة في هذا الوقت وهو قول الجمهور
(وله عن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده (مرفوعا) إلى النبي ﷺ أنه قال (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) قال المزي بجر دعاء ليكون قول لا إله إلا الله خبرا (وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي) ولفظ الموطأ أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي وعند العقيلي أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وله شواهد كلها ضعيفة.
стр. 981
وورد في فضلها أحاديث كثيرة. وروى عن علي وفيه اللهم أشرح لي صدري ويسرلي أمري وإن شاء قال اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا مما نقول الخ اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسواس الصدر الخ ذكره الترمذي وغيره اللهم إنك ترى مكاني وتسمع كلامي وغيره من الأدعية المشروعة قال الشيخ وغيره لم يعين النبي ﷺ لعرفة دعاء ولا ذكرا بل يدعو الرجل بما شاء من الأدعية الشرعية ويكبر ويهلل ويذكر الله حتى تغرب الشمس انتهى ويكثر الاستغفار والتضرع والخشوع وإظهار الضعف والا فتقار والتذلل وتفريغ الباطن والظاهر من كل مذموم.
فإنه موقف تسكب فيه العبرات وتقال فيه العثرات وهو أعظم مجامع الدنيا ويجتهد أن يقطر من عينه قطرات فإنها دليل الإجابة وعلامة السعادة كما أن خلافه علامة الشقاوة فإن لم يقدر على البكاء فليتباك وليكن على طهارة في هذا المشعر العظيم يوم الحج الأكبر فإنه إذافرغ قلبه وطهره طهر جوارحه واجتمعت الهمم وتساعدت القلوب وقوي الرجاء وعظم الجمع كان جديرا بالقبول فإن تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة.
وإذا صادف يوم الجعة يوم عرفة اجتمع فضيلتان وفي اخر الجمعة ساعة الإجابة على الراجح فيكون له مزية على سائر الأيام قال الشيخ وغيره ويجتهد في الذكر والدعاء هذه
стр. 982
العشية فإنه ما رؤي إبليس في يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحض من عشية عرفة لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر.
وروى أبو ذر الهروي عن أنس مرفوعا إن الله يباهي بهم الملائكة فيقول انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون الحر وفي لفظ مناجين من كل فج عميق فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلا التبعات التي بينهم وقال رسول الله ﷺ فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة ولأبي داود عن ابن عباس رأيت رسول الله ﷺ بعرفات يدعو ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين وينبغي أن يأتي بكثير من الأذكار تارة وتارة يكبر وتارة يسبح وتارة يقرأالقران وتارة يصلي على النبي ﷺ وتارة يدعو وتارة يستعيذ وليدع لنفسه ووالديه وأقاربه وأحبابه وسائر من أحسن إليه.
ويكرر الاستعفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب والتضرع والخشوع والتذلل وإظهار الضعف والافتقار ويلح في الدعاء وينبغي أن يكرر كل دعاء ثلاثا ويفتتح بالتحميد والتمجيد والصلاة على رسول الله ﷺ ويختم بمثل ذلك ويصون نظره ويحفظ لسانه ويترك كل عمل ينافي الخشوع ولأحمد هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له.
стр. 983
فصل في الدفع إلى المزدلفة
أي في أحكام الدفع من عرفة إلى المزدلفة بعد أن تغيب الشمس ثم منها إلى منى بعد الأسفار قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين فإنهم كانوا يدفعون قبل أن تغيب الشمس فقال ﷺ وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس مخالفا هدينا هديهم وقال في المزدلفة كذلك
قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ أي صدرتم ودفعتم ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ فالإ فاضة دفع بكثرة من أفاض الماء أي صبه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالدعاء والتلبية والتهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية من الشعيرة وهي العلامة لأن الصلاة والمبيت والدعاء عنده من معالم الحج وهو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى المحسر وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر الحرام وسئل ﷺ عن المشعر فسكت حتى هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة فقال هذا المشعر الحرام وكلها موقف إجماعًا
لكن الموقف عند قزح أفضل وهو جبل الميقدة وهو المكان الذي يقف فيه الناس اليوم وقد بني عليه بناء وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء بالمشعر الحرام وتمام الآية واذكروه أي بالتوحيد والتعظيم كما هداكم أي كما أنعم به عليكم من الهداية والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه
стр. 984
الخليل ولهذا قال وإن كنتم من قبله لمن الضالين أي وما كنتم من قبله إلا من الضالين.
(قال جابر) ﵁ في حديثه الطويل (ودفع رسول الله ﷺ أي مضى وابتدأ السير والمراد انصرف من عرفة بعدما غربت الشمس متوجها إلى المزدلفة ولأبي داود عن علي دفع حين غابت الشمس وينبغي أن يكون على طريق المأزمين قال الشيخ وإذا غربت الشمس يخرجون إن شاءوا بين العلمين وإن شاءوا من جانبيهما والعلمان هما حدود عرفة فلا يجاوزونهما حتى تغرب الشمس وأما الميلان بعدهما فحد الحرم.
قال (وقد شنق) بتخفيف النون ضم وضيق (للقصواء الزمام) يعني الخطام وبالغ (حتى إن رأسها ليصيب مورك) بفتح الميم وكسر الراء مقدم (رحله) بالحاء المهملة وهو الموضع الذي يثني الراكب رجليه عليه قدام وسط الرحل إذا مل من الركوب وله عن الفضل عليكم السكينة وهو كاف ناقته (ويقول بيده اليمنى) أي يشير بها قائلا (أيها الناس السكينة السكينة) أي الزموا السكينة الزموا السكينة الطمأنينة والرفق ولأبي داود فإن البر ليس بإيجاف الإبل أي الإسراع في السير إبقاء عليهم لئلا يحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
(كلما أتى حبلا) تلا من تلال الرمل وهو ما طال منه
стр. 985
وضخم (أرخى لها) أي ناقته (قليلا حتى تصعد) بفتح المثناة وضمها يقال صعد وأصعد وفي لفظ حتى إذا أتى فجوة أسرع وحرك ناقته ولهما عن أسامة كان يسير العنق فإذاوجد فجوة نص وكان لا يقطع التلبية في مسيره (حتى إذا أتى المزدلفة) من الزلف وهو التقرب لأن الحاج إذا أفاضوا من عرفة ازدلفوا إلى منى أي تقربوا منها (فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) لم يبدأبشيء قبلهما (ولم يسبح) أي يصل (بينهما شيئا) أي نافلة.
قال ابن المنذر لا اختلاف بين العلماء أن السنة الجمع بينهما لفعله ﷺ رواه جابر وابن عمر وأسامة والسنة أن لا يتطوع بينهما بلا نزاع وللبخاري ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل أنسان راحلته في منزله خشية ما يحصل فيها من التشويش بقيامها ثم أقيمت العشاء فصلاها قال شيخ الإسلام وغيره فإذا وصلوا المزدلفة صلوا المغرب قبل تبريك الجمال إن أمكن ثم إذ بركوها صلوا العشاء وإن أخروا العشاء لم يضر ذلك اهـ. وإن صلوا المغرب بالطريق تركوا السنة وأجزأتهم لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق ومن فاتته الصلاة مع الإمام جمع ولو وحده لفعل ابن عمر ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفردا.
(ثم اضطجع) أي للنوم (حتى طلع الفجر) فيجب أن يبيت بها لأن النبي ﷺ بات بها وقال (خذوا عني مناسككم)
следующие страницы →