← Фикх общий

Фикх общий · id 96232

الإيضاح في مناسك الحج والعمرة

النووي

Полный текст (519 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 248

الفصل الثالث في السعي (١) وما يتعلق به إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَي الطَّوافِ فَالسُنةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمه (٢) ثُم يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصفَا إِلَى الْمَسْعَى ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْحَاوِي أنَّهُ إذا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ

стр. 249

استُحِب أنْ يأتِيَ المُلْتَزِمَ ويَدْعُو فِيهِ ويَدْخُلَ الحِجْرَ فَيَدْعُو فيه تَحْتَ الميزَابِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصحيح (١) وهو قول جماهير أصْحَابِنَا وَغَيْرهم أنْ لاَ يَشْتَغِلَ عَقِبَ الصلاَةِ إِلا بِالاسْتِلاَمِ ثُمَّ الخُروجِ إِلَى السَّعْيِ. وَذَكَرَ ابنُ جَرِير الطبَرَيُ أَنهُ يَطُوفُ ثَم يُصَلي ركْعَتَيْهِ ثُمَّ يَأتِي الملْتَزَمَ ثُمَّ يَعُودُ إلى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمهُ ثُم يخْرُجُ إلى السَّعْي. وذكَرَ الغَزَالي رحمه الله تعالى: أنْ يَأتي المُلْتَزَمَ إذا فَرَغَ مِنَ الطَّوافِ قَبْلَ ركْعَتَيْهِ ثمَّ يُصَلِّيهمَا والمُخْتَارُ ما سَبقَ (٢) ثُمَّ إِذَا أرَادَ الْخُرُوجَ إلى المَسْعَى فَالسُّنَّةُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَيأتِيَ سَفْحَ جَبل الصَّفَا (٣)

стр. 250

فَيَصْعَدُ قَدْرَ قَامَة حَتَّى يَرَى الْبَيْتُ (١) وَهُوَ يَتَرَاءَى لَهُ مِنْ باب الْمَسجِدِ بَاب الصَّفَا لا مَنْ فَوْق جدَارِ الْمَسْجِدِ بِخِلاَفِ المَرْوَة فَإِذا صَعَدَ اسْتَقْبَلَ الْكَعبةَ وَهَلَّلَ وَكَبرَ فَيقُولُ (٢): اللهُ أكبرُ الله أكْبَرُ الله أكْبرُ وَلِلهِ الْحَمْد، الله أكبَرُ عَلى مَا هَدَانَا والْحَمْدُ لِله عَلَى مَا أوْلاَنَا لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ (٣) بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَاب (٤) وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلا اللهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.

стр. 251

ثُم يَدْعُو (١) بِمَا أحَبَّ مِنْ أمر الدينِ والدُّنْيَا وحَسُنَ (٢) أنْ تقُولَ (٣): اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ وقوْلُكَ الحقُّ ادْعُوني أستَجِبْ لَكُمْ وإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ وَإِنِّي أسْألُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي للإْسْلاَمِ أنْ لاَ تَنْزِعَهُ مِنَي وأنْ تتوَفَّانِي مُسْلِماً (٤) ثُمَّ يَضُمُّ إِلَيْهِ مَا شَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ (٥) وَلاَ يُلَبِّي (٦) على الأَصَح ثمَّ يُعَيد جميعَ ما سَبقَ مِنَ الذّكْرِ والدُّعَاءِ ثَانِياً ثُمَّ يُعِيدُ الذِّكْرَ ثَالِثاً. وهل يعيد الدعاء؟ فيه خلاف، الأصح أنه يستحب إعادته. فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحيحِ مُسْلِم مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا مُتَوجّهَا إِلَى الْمَرْوَةِ (٧) فَيَمْشِي حَتَّى يبقى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الأَخْضَرِ

стр. 252

الْمُعَلَّقِ (١) بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ قَدْرَ سِتةِ أذْرُع ثُم يَسْعَى سَعْياً شَدِيداً (٢) حَتَى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللذين أحَدُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ والآخَرُ مُتصِلٌ بِدارِ (٣) العباسِ ﵁ ثُمَّ يَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْي وَيَمْشِي عَلَى عَادَتِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَرْوَةَ فَيَصْعَدَ (٤) حَتى يَظْهَرَ لَهُ الْبَيْتُ إنْ ظَهَرَ (٥) فَيَأْتي بالذِّكْرِ والدُّعَاءِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا فَهَذِهِ مَرَّةٌ مِنْ سَبْعَةٍ ثُمَ يَعُودُ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى الصَّفَا فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيهِ في مَجِيئِهِ وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سعيه فَإِذَا وَصَلَ الصَّفَا صَعده وفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلاً وَهَذِهِ مَرَّةٌ ثَانِيةٌ مِنْ سَعْيهِ ثُم يَعُودُ إلى المروَة فيفعلُ كَمَا فَعَل أَولا ثمَّ يَعُودُ إِلَى الصَّفَا وَهَكَذَا حَتَّى يَكْمُلَ سَبع مَرَّاتٍ يبْدأ بالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَروةِ.

стр. 253

فَرْعٌ في وَاجِبَاتِ السَّعْي وَشُرُوطِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ: وأمَّا وَاجبَاتُهُ فَأَرْبَعَةٌ: أحَدُهَا: أنْ يقْطَعَ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ (١). فَلَوْ بقِيَ مِنْهَا بَعْضُ خُطْوَةٍ لَمْ يَصِح سَعْيُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاكِباً اشْتُرِطَ أنْ يُسَيرَ دَابتَهُ حَتَّى تَضَعَ حَافِرَهَا عَلَى الْجَبَلِ أوْ إلَيْهِ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنَ الْمَسَافَةِ شَيْءٌ وَيَجِبُ عَلَى الْمَاشِي أنْ يُلْصِقَ فِي الابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ رِجْلَهُ فِي الْجَبَلِ بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ فَيَلْزَمُهُ أنْ يُلْصِقَ الْعَقِبِ بِأصْلِ مَا يَذْهَبُ مِنْهُ وَيُلْصِقَ رَءُوسَ أصَابعِ رِجْلَيْهِ بِمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ فَيُلْصِقُ بِالابْتِدَاءِ بِالصَّفَا عَقِبهُ وَبِالْمَرْوَةِ أصَابعَ رِجْلَيْهِ وإذَا عَادَ عَكَسَ ذَلِكَ هَذَا إِذَا لَمْ يَصْعَدْ فَإنْ صَعَدَ فَهُوَ الأكْمَلُ وَقَدْ زَادَ خَيْراً، وَلَيْسَ الصعُودُ شَرْطاً بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مؤكَّدةَ وَلَكِنْ بَعْضُ الدرَجِ مُسْتْحَدَثٌ (٢) فَلَيْحذَر أنْ يُخَلّفَهَا وَرَاءَه فَلاَ يَتِمُّ سَعيهُ وَلْيَصْعَدْ إِلَى أنْ يَسْتَيْقِنَ. وقَالَ بَعْضُ أصحَابِنَا (٣): يَجبُ الرُّقي عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِقَدْرِ قَامَةٍ وَهذا ضَعِيفٌ والصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنهُ لاَ يَجِبُ لَكِن الاحْتِيَاطُ أنْ يَصْعَدَ لِلْخُرُوجِ

стр. 254

مِنَ الْخِلاَفِ وليَتيقنَ فاحْفَظْ مَا ذكرناهُ في تَحْقِيقِ وَاجِبِ الْمَسَافَةِ فَإنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَرْجِعُ بِغَيْرِ حَجّ وَلاَ عُمْرَةٍ لإخْلاَلِهِ بِوَاجِبِهِ وبالله التَّوفيقُ. الواجبُ الثاني: الترتيبُ: فَيَجِبُ أنْ يَبْدَأ بالصَّفَا (١) فَإنْ بَدَأَ بالْمَرْوَةِ لم يُحْسَبْ مُرورُهُ مِنْهَا إِلَى الصَّفَا فَإِذَا عَادَ مِنَ الصَّفَا كَانَ هَذَا أوَّل سَعْيِهِ وُيشْتَرَطُ أيْضاً فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيةِ أنْ يَكُونَ ابتداؤها مِنَ الْمَرْوَةِ كما سَبقَ فَلَوْ أَنهُ لمَا عَادَ مِنَ الْمَرْوَةِ عَدَلَ عَنْ مَوْضَع السَّعْي وجَعَلَ طَرِيقَهُ فِي الْمَسْجِدِ أوْ غَيْرِهِ وَابْتَدَأ الْمَرةَ الثَّانيةَ مِنَ الصَّفَا أيضاً لم يَصِح ولم تُحْسَبْ تِلْكَ الْمَرَّةُ عَلَى الْمَذْهبِ الصَّحِيحِ. الواجبُ الثالثُ: إكْمَالُ عَدَدِ سَبع مَراتِ: يُحْسَبُ الذِّهَابُ مِنَ الصَّفَا مَرة والْعَوْدُ مِنَ الْمَرْوَة مرَّة ثَانيةً، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أصْحَابِنَا وَغَيْرِهِم وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ في الأَزْمَانِ المُتَقَدمَةِ والْمُتَأخرَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أصْحَابِنَا إِلَى أَنهُ يُحْسَبُ الذهابُ والْعَوْدُ مرَّة وَاحِدَة قَالَهُ مِنْ أصْحَابِنَا أبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ ابنُ بِنْتِ الشَّافِعِي وَأبُو حَفص بنِ الْوَكِيلِ وأبو بكْير الصيرَفي وهذا قَوْلٌ فَاسِدٌ (٢) لا اعْتِدَادَ بِهِ وَلاَ نَظَرَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتهُ للتَّنْبِيهِ

стр. 255

عَلَى ضعْفِهِ لئلاَّ يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ وقَفَ عَلَيْهِ (١) وَاللهُ تَعَالى أعْلَمُ. قَالَ أصْحَابُنَا: وَلَوْ سَعَى أوْ طَافَ وَشَك (٢) فِي العَدَدِ أخَذَ بِالأَقَل وَلَوْ اعْتَقَدَ أنَهُ أَتمَّهَا (٣) فَأخْبَرَهُ ثقَة بِتقَاءِ شَيْء لَمْ يَلْزَمُهُ الإِتْيَانُ بِهِ لَكِنْ يُسْتَحَب (٤). الواجبُ الرابع: أنْ يكُونَ السعْيُ بَعْدَ طَوَاف (٥) صحِيح (٦): سَوَاءٌ كانَ بَعْدَ طَوَافِ القُدُومِ أوْ طَوَافِ الزيَارَةِ وَلاَ يُتَصَوّرُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافِ الوَدَاع (٧) لأَنَّ طَوَافَ الوَدَاعِ هُوَ الْمَأَتِيُّ بِهِ بَعْدَ فَرَاغ المَنَاسِكِ وَإِذَا بقِيَ السَّعْي لَمْ يَكُنْ الْمَأتَي بِهِ طَوَافَ وَدَاع وَإِذَا سَعَى بَعْدَ طوَافِ الْقُدُومِ أجزَأهُ وَوَقَعَ رُكناً.

стр. 256

وَتكْرَهُ إِعَادَتُهُ (١) بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ لأنَّ السَّعْيَ لَيْسَ مِنَ العِبَادَاتِ المُسْتَقِلةِ التي يُشْرَعُ تكْرِيرُهَا والإكْثَارُ مِنْهَا فَهُوَ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَيقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى الرُّكْنِ بِخَلاَفِ الطَّوَافِ فإنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي غَيْرِ الحَج والْعُمْرَةِ وَثَبَتَ في الصَّحيحِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَطُفْ النَّبي ﷺ ولا أَصْحَابُهُ ﵃ بين الصَّفا والْمَرْوَةِ إِلا طَوافاً وَاحِداً طَوَافَهُ الأَولَ يَعْنِي السَّعْيَ. وَيُسْتَحَبُّ الْمُوَالاَةُ بَيْنَ مَرَّاتِ السَّعْيِ وَبَيْنَ الطَّوَاف والسَّعْي فَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ لم يضر بشرط ألا يتخلل بينهما ركن (٢). فلو طاف للقدوم ثم وقف بعرفة لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ بَعْدَ الوُقُوفِ مُضَافاً إلى طَوَافِ الْقُدُومِ بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ وَإِذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ رُكْنٌ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ تَأخِيرِ السَّعْي عَنِ الطَّوَافِ وَتأخيرِ بَعْضِ مَرَّاتِ السَّعْي عَنْ بَعْضٍ وَكَذَا بَعْض مَرَّاتِ الطَّوَافِ عَنْ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ رَجَعَ إلى وَطَنِهِ وَمَضَى عَلَيْهِ سنُونُ كثيرةٌ جَازَ أن يَبْنِيَ عَلَى ما مَضَى مِنْ سَعْيِهِ وَطَوَافِهِ لَكِنِ الأَفْضَلُ الاسْتِئْنَافُ.

стр. 257

وأما سُنَنُ السَّعْي فَجَمِيعُ مَا سَبق فِي كَيْفِيةِ السَّعْي سِوَى الوَاجِبَاتِ الأَرْبَعَةِ وَهِيَ سُنَنٌ كثيرة: أحَدهما: الذّكْرُ والدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ويُسْتَحَب أنْ يقُولَ بَيْنَ الصَّفا والْمَروَةِ فِي سعيهِ ومَشْيِهِ: رَبّ اغْفِرُ وارحم وتجاوَزْ عَمَّا تعلمْ إنّكَ أنتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ (١)، اللَّهم آتِنَا فِي الدُّنْيا حسنة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ. ولو قَرَأ القرآن كانَ أفضلَ (٢). الثانية: يُسْتَحَبُّ أنْ يَسْعَى عَلَى طَهَارَةٍ سَاتراً عورَتَهُ فَلَوْ سَعَى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أوْ مُحْدِثاً أو جُنُباً أوْ حَائِضاً أوْ عَلَيْهِ نجاسَةٌ صَحَّ سَعْيُهُ (٣). الثالثة: يُسْتَحَب أنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي مَوْضِعِ السَّعْي الَّذِي سَبَقَ بيانُهُ سَعْياً شَدِيداً (٤) فَوْقَ الرَّمَلِ وَهُوَ مُسْتَحَب فِي كُل مَرَّة مِنَ السَّبع وَلَوْ مَشَى فِي جَمِيعِ الْمَسَافَةِ أوْ سَعَى فِيهَا صَحَّ وَفَاتَتْهُ الفضيلَةُ. وأمَّا الْمَرأةُ (٥) فَالأَصَح أَنهَا لاَ تَسْعَى أصْلاً بل تمشي على هِينَتها بِكُلّ حَالٍ وَقِيل إنْ كَانَ بِاللَّيْلِ فِي حَالِ خلُوّ الْمَسْعَى فَهِيَ كَالرَّجُلِ تَسْعَى فِي مَوْضِعِ السَّعْي.

стр. 258

الرابعةُ: الأَفْضلُ أنْ يَتَحَرَّى زَمَنَ الخلوةِ لسَعْيه وَطَوَافِهِ (١) وَإِذا كَثُرَتْ الرحْمَةُ فَيَنْبَغِي أنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ إيذاءِ النَّاسِ وَتَرْكُ هَيْئَةِ السَّعْي أَهْوَنُ مِنْ إيذاءِ الْمُسْلِمِ أوْ مِنْ تَعَرُّضِ نَفْسِهِ إلَى الأَذَى وإذَا عَجَزَ عَنِ السَّعْي الشَّدِيدِ فِي مَوْضِعِهِ للزحْمَةِ تَشَبَّه فِي حَرَكَتِهِ بالسَّاعِي كَمَا قُلْنَا في الرَّمَلِ. الخامسةُ: الأَفْضَلُ أنْ لاَ يَرْكَبَ فِي سَعْيِهِ إلا لِعُذر (٢) كَمَا سَبَقَ فِي الطَّوافِ. السادسةُ: الْمُوَالاَةُ بَيْنَ مَرَّاتِ السَّعِي (٣) مُسْتَحَبة فلو فَرَّقَ بِلا عُذْرِ تَفْرِيقاً كَثِيراً لَمْ يَضُرَّ عَلَى الصَّحِيحِ (٤) كَمَا سَبَقَ لَكِنّ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ وَلَوْ أُقِيْمَتْ الجمَاعَةُ وَهُوَ يَسْعَى أوْ عَرَضَ لَهُ مَانع قَطَعَ السَّعْيَ فإذا فَرَغَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى (٥).

стр. 259

السابعةُ: قَالَ الشَّيخُ أبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: رَأيْتُ النَّاسَ إذَا فَرَغُوا مِنَ السَّعْي صَلوا رَكْعَتَيْن عَلَى المَرْوَة وَذَلِكَ حَسَنٌ وزيَادَةُ طَاعَة لكن لم يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال الشَّيخُ أبُو عَمْرو بنُ الصَّلاحِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: يَنبغي أنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ لأَنَّهُ ابْتداعُ شعَارٍ (١) وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمهُ الله تَعَالَى ليس في السَّعْي صَلاَةٌ.

стр. 260

الفصل الرابع في الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَبْلَهُ وَبَعْدهُ إذَا فَرَغَ مِنَ السعي بَيْنَ الصَّفَا والمروةِ فإن كَانَ مُعْتَمِراً مُتَمتعاً أوْ غَيْرَ مُتَمتع حَلَقَ رَأْسَه (١) أوْ قَصَّرَ وَصَارَ حَلاَلاً، وَسَيَأتي بَيَانُ حَال الْمُعتَمِر مبسُوطاً في بَابِ العمرةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. ثم المُعْتَمِر إن كانَ مُتمَتعاً أقامَ بِمكةَ حَلاَلاً يَفعلُ مَا أرَادَ مِنَ الْجِمَاعِ وَغيره مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَاماً بِالإِحْرَامِ، فَإِذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَمِرَ تَطَوُّعاً (٢) كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيُسْتَحَب الإِكثَارُ مِنَ الاعْتِمَارِ كَمَا سَيأْتي في بَابِ المُقَامِ بِمَكَّةَ إن شَاءَ الله تَعَالَى، فإِذَا كَانَ عِندَ خُروجِهِ إِلَى عَرَفَات يَوْمَ التَّرْوِيةِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثامِنُ مِن ذِي

стр. 261

الحِجَّةِ أحرَمَ مِنَ مَكَّةَ بِالْحجِّ (١) وَكَذَا مَنْ أراد الْحَج مِنْ أَهْلِ مَكّةَ (٢) الْكَائنينَ فِيهَا ذَلِكَ الوَقْت سَوَاءٌ المقيمُونَ والغُربَاءُ وَقَدْ سَبَقَ بيان إِحْرَامِهِ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَرَغَ مِنَ السَّعْي حَاجَّاً مُفْرداً أوْ قَارِناً فَإنْ وَقَعَ سَعْيُهُ بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ فَقَدْ فَرَغَ مِنْ أرْكَانِ الْحجِّ كُلِّهَا وَبقِيَ عَلَيْهِ المبيتُ بمنى وَرَمْيُ أيَّامِ التَّشرِيقِ وإنْ وَقَعَ بَعْدَ طَوَافِ القُدُوم فَلْيَمْكُثْ بِمَكَّةَ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنَ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجةِ فَإذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ وهُوَ الْيَوْمُ السَّابعُ خَطَبَ فيه الإِمامُ بَعْدَ صَلاَةِ الطهْرِ خُطْبةً (٣) فَرْدةً عِنْدَ الْكَعْبةِ وَهِيَ أولُ خُطَبِ الْحَجّ الأَرْبَعِ. وَاعْلَمْ أَنهُ يُسْتَحَبُّ للإمَامِ الَّذِي هُوَ الخَلِيفَةُ إذَا لم يَحْضُرْ بِنَفْسِهِ الْحَج أنْ يَنْصِبَ أمِيراً عَلَى الْحَجِيجِ وَيُطيعُونَهُ فيما ينوبُهُمْ وَسَيَأتِي إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى فِي آخرِ الْكِتَابِ بَيَانُ صِفَاتِ هَذَا الأمير وَأحْكَامِهِ وَيَنْبَغِي للإمَامِ أوْ مَنْصُوبِهِ أنْ يَخْطُبَ خُطَبَ الْحَج وَهُنَّ أرْبَعُ (٤) خُطَب: إِحْدَاهُنَّ يومَ السَّابع بِمَكَّةَ وَقَدْ

стр. 262

ذَكَرْنَاهَا والثانِيةُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالثالِثَةُ يَومَ النَّحْرِ بمنى (١) وَالرَّابِعَةُ يَوْمَ النَّفْرِ الأَوَّلِ بمنى (٢) أيْضاً يُخْبِرُهُمْ فِي كُلّ خُطْبةٍ بما بَيْنَ أيْدِيهِم مِنَ الْمَنَاسِكِ وَأحْكَامِهَا إِلى الْخُطْبَةِ الأُخْرَى وكُلُّهُنَّ أَفْرَادٌ بَعْدَ صَلاَةِ الظهْرِ إِلا التِي بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُمَا خُطْبَتَانِ وَقَبْلَ صَلاَةِ الظُّهْرِ كَمَا سَيَأتِي (٣) إِنْ شاء اللهُ تَعَالى. ويَأْمُرُ الإِمامُ الناسَ في الخُطْبةِ التي في اليوم السابعِ بِمَكَّةَ أَنْ يَسْتَعِدُّوا للْغُدُو أو الرَّوَاحِ مِنَ الْغَدِ إِلَى مِنى. وَيَأْمُرُ المُتَمَتعين (٤) أنْ يَطُوفُوا (٥) قبلَ الخروجِ إِلَى مِنى وَإنْ كانَ يومُ السابعِ يوم جُمعَةٍ خطب الإِمام للجمعة وصَلاَّهَا

стр. 263

ثُم خَطَبَ هذِهِ الخُطْبَةَ لأَنَّ السُنَّةَ فيهَا التأَخيرُ (١) عَنِ الصلاةِ ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي اليَوْمِ الثامِنِ إِلَى مِنى وَيَكونُ خروجُهُم بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ بِمَكَّة (٢) بِحَيثُ يُصَلونَ الظُّهْر (٣) بِمِنى وَهذا هُوَ الْمَذْهبُ الصَّحِيحُ المشهُورُ مِنْ نُصِوصِ الشَّافِعِي وَالأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ الله تَعَالَى، وَفِيْ قَوْل يُصَلونَ الظهْرَ بِمَكةَ ثمَّ يَخْرُجُونَ (٤). فَإِنْ كَانَ اليومُ الثَّامِنُ يومَ الجمعةِ خَرَجُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لأَنَّ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمَعَةِ (٥) إِلَى حَيْثُ لاَ يُصَلِّي الْجُمعَةَ حَرَامٌ أو مكْرُوه (٦) وَهُمْ لاَ يُصَلُونَ

стр. 264

الْجُمُعَةَ بِمِنى وَلاَ بِعَرَفَاتٍ لأنَّ شَرْطَهَا دارُ الإِقَامَةِ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: فَإِنْ بُنِيَ بِهَا قَرْيةٌ (١) واسْتَوَطَنَهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ أقَامُوا الْجُمُعَة هُمْ وَالنَّاسُ مَعَهُمْ (٢).

стр. 265

(فرع): اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى يوم التروية فإنهم يتروون مَعَهُمُ الْمَاءَ مِنْ مَكَّة (١) وَالْيَومُ التَّاسِعُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْعَاشِرُ يَوْمُ النَّحْرِ والْحَادِي عَشَرَ الْقَرُّ بفَتْح القَافِ وتَشْدِيد الرَّاءِ لأَنَّهُمْ يقرُّونَ فِيهِ بِمِنى والثاني عَشَرَ يَوْمَ النَّفْرِ الأَوَّلُ (٢) والثالثَ عَشَرَ يَوْمُ النَّفرِ الثانِي (٣).

стр. 266

ثُمَّ إِذا خَرَجُوا يَوْمَ الترْوِيةِ إِلى مِنَى فالسُّنَّةُ أنْ يُصَلُّوا بِهَا الظهْرَ والْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ وَيَبِيتُوا بِهَا وَيُصَلونَ بِهَا الصُّبْحَ (١) وَكُل ذَلِكَ مَسْنُون لَيْسَ بِنُسُك وَاجِب (٢) فَلَوْ لَمْ يَبِيتُوا بِهَا أصْلاً وَلَمْ يَدْخُلُوهَا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ (٣) لَكِنْ فَاتَتْهُمْ السُنَّة (٤) فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى ثَبِير وَهُوَ جَبَل (٥) مَعْرُوف

стр. 267

هُنَاكَ سَارُوا مِنْ مِنى مُتَوَجهِينَ إِلَى عَرَفَاتٍ واسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أنْ يقُولَ في مَسِيرِهِ: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ وَلَوجهِكَ الْكَرِيمِ أردْتُ فاجْعَلْ ذنْبِي مَغْفُوراً وَحَجي مَبْرُوراً، ارحَمْنِي وَلاَ تخيبني إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيُكْثِرُ مِنَ التَّلْبِيَةِ. قَالَ أقْضَى القُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ (١): يُسْتَحَب أَنْ يَسِيرُوا عَلَى طَرِيقِ

стр. 268

ضَب (١) وَيَعُودُوا عَلَى طَرِيقِ المأْزمَيْنِ (٢) اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَليَكُنْ عَائِداً فِي طَريق غَيْر التي صَدَرَ مِنْهَا كَالْعِيدِ. وذكر الأزرَقي نَحْوَ هَذَا، قَالَ الأَزْرَقِي: وَطَرِيقُ ضَب مُخْتَصَر مِن المُزْدَلِفَةِ إِلَى عَرَفَةَ وَهو فِي أصْلِ المأزمَيْن عَنْ يَمِينَكَ وَأنْتَ ذَاهِب إِلَى عَرَفَاتِ (٣) وَاللهُ تَعَالَى أعْلَمُ. فَإِذَا وَصَلُوا نَمِرة (٤) ضُرِبَتْ فِيهَا قُبةُ الإِمامِ وَمَنْ كَانَ لَهُ قُبَّة ضَرَبَهَا اقتداءَ بِرَسُولِ الله ﷺ ولاَ يَدْخُلُ عَرَفَاتِ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوالِ وَبَعْدَ صَلاَةِ الظهْرِ وَالْعَصْرِ مَجمُوعَتَيْنِ كما سَنَذْكُرُه إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.

стр. 269

وَأَمَّا مَا يفْعَلُهُ النَّاسُ فِي هذه الأَزْمَانِ مِنْ دُخُولهِمْ أرْضَ عَرَفَات في الْيَوْمِ الثامِنِ فَخَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُنَّةِ وتَفُوتُهُمْ بِسَبَبِهِ سُنَنٌ كَثِيرَة مِنْهَا الصَّلاةُ بِمِنى والْمَبيتُ بِهَا والتَّوجهُ مِنْهَا إِلَى نَمِرَةَ والنُّزُولُ بِهَا والْخُطْبةُ والصَّلاةُ قَبْلَ دُخُولِ عَرَفَات وغيرُ ذَلِكَ فالسُّنَّةُ أنْ يَمْكُثُوا بِنَمِرَةَ حتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ويغْتَسِلُوا (١) بِهَا للوقوفِ فإذَا زالت الشَّمْسُ ذهَبَ الإِمامُ والنَّاسُ إلى المسجِدِ المسمى مسجد إبْراهِيمَ (٢) ﵊ وَيَخْطُبُ الإِمَامُ قبلَ صلاةِ الظُّهْرِ خُطْبَتَيْن (٣) يبين لَهُمْ في الأولَى الوقوفَ وشرطَهُ ومتى الدَّفْعُ من عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفة وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ ويُحَرّضُهُمْ عَلَى إكْثَارِ الدُّعَاءِ والتهليلِ بالْموقِفِ ويُخَفّفُ هذه الْخُطْبةَ لَكِنْ لاَ يَبْلُغُ تَخْفِيفُهَا تَخْفِيفَ الثَّانِيةِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا جَلَسَ قَدْرَ

стр. 270

قَرَاءَةِ سُورَةِ الإِخْلاَصِ ثُمّ يقوم إلى الخُطْبَةِ الثانية ويأخُذُ المؤَذنُ في الأذانِ (١) وَيُخَففُ الْخُطْبةَ بحيثُ يفرُغُ منها مع فراغ المؤذنِ مِنَ الأذانِ وقيل معَ فراغِهِ من الإِقَامَةِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلَي بالنَّاسِ الظهْرَ ثُم الْعَصْر جَامعاً بينهما وقد تَقَدَّم بيانُ الجمعِ وأحْكَامُهُ في أوّلِ الكتابِ، ويكُونُ جمعُهُ بأذَانٍ (٢) وإقامتيْن ويُسِرُّ بِالقِرَاءَة (٣)، ثُمَ قيل إِنَّهُ يَسْتَوِي في هذَا الْجَمْعِ المقيمُ والمُسَافِرُ وأنَّهُ يَجْمَعُ بسببِ النُّسُكِ (٤) والأَصَحُّ أَنهُ بِسَبَبِ

стр. 271

السَّفَرِ (١) فَيَخْتَص بالمسَافِر سَفَراً طويلاً وهو مرحَلَتانِ (٢) وَلاَ يقْصرُ إِلاَّ مَنْ كانَ مُسَافراً سفراً طَويلاً بِلاَ خِلاَفِ (٣).

стр. 272

وإذا كان الإِمَامُ مُسَافِراً (١) قَصَرَ وإذا سَلَّمَ قَالَ: يا أهل مَكَّةَ وَمَنْ سَفَرهُ قَصيرٌ أتمُّوا فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَيُصَلي السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ كَمَا يُصَليها غيرُه مِمَّنْ يَجْمَعُ بين الصَّلاَتَين كما سَبَقَ بيانُهُ في أوَّلِ الكِتَابِ فَيُصلي أولاً سُنَّة الظهرِ التي قَبْلَهَا ثُم يُصَلي الظهْرَ ثُم العَصْرَ ثُمّ سُنَّةَ الظهْرِ التي بعدها ثم سنة العَصرِ ولا يَتَنَفلونَ بعدَ الصَّلاَتَيْنِ بِغَيْرِ السُّنَّةِ الرَّاتبةِ بل يبادُرونَ إلى تَعْجيلِ الوُقُوفِ، نصَ عليه الشَّافعي رَحِمهُ الله تعالى وهُوَ ظاهرٌ، ولو انفردَ بَعْضُهم بالجمع بعرَفَةَ أو المزدلفَةِ أو صلَّى إحْدى الصَّلاَتَيْنِ مع الإِمامِ والأُخْرَى وَحْدَهُ أو صَلى كُل واحِدَة في وَقْتِهَا جاز (٢) لكن السُّنَّة ما سَبَقَ. ولو وافَقَ يَومُ عَرَفَةَ يومَ جمعة لم يصل الجمعة لأنّ مِنْ شروطِ الجمعةِ أنْ تكُونَ في دار الإِقامةِ وأنْ يصليهَا جَماعةٌ يسْتوطنُون ذلكَ الموضِعَ (٣) فَإذا فَرغُوا مِنَ الصَّلاَةِ سَارُوا إلَى المَوْقِف وعرفَاتٌ كُلُّها موقفٌ فَفِي أي موضع وقف منهَا أجْزأهُ لكن أفضلُها موقفُ رسول الله ﷺ وهُوَ عِنْدَ الصَّخراتِ الكِبَارِ الْمفترشَةِ في أسْفَلِ جبلِ الرحمةِ وهُوَ الجبلُ الَّذي بوسطِ عرفاتٍ ويقال له

стр. 273

إِلآل (١) وزنُ هِلاَل وذكرهُ الجوهريُّ في صِحَاحِهِ بفتح الهمزةِ والمعروف كَسْرُهَا. وأمَّا حدُّ عرفاتٍ فقالَ الشَّافعيُّ رحمهُ الله تعالَى: هُوَ ما جاوزَ واديَ عُرَنَةَ بضَمّ العينِ وفَتْحِ الرَّاءِ وبعدهَا نُونٌ إلى الجِبَالِ مِمّا يلي بساتِين بني عامرٍ (٢). وَنَقَل الأَزْرقيُّ عن ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدُّ عَرَفَاتٍ مِنَ

стр. 274

الجبلِ (١) الْمُشْرِفِ على بَطْنِ عُرَنَةَ (٢) إلى جبالِ عَرَفَة إِلى وَصيقٍ (٣) إلى مُلْتَقَى وصيق وَوَادِي عَرَفَةَ قَالَ بعضُ أصْحَابِنَا لَعَرَفَات أرْبَعَةُ حُدُود: أحدها: يَنْتَهِي إلى جَادَّةِ طَرِيقِ الْمَشرِقِ. والثاني: إلَى حَافَاتِ الْجَبَلِ الذي وَرَاءَ أرْضِ عَرَفَاتٍ. والثالث: إلى الْبَسَاتينِ التي تَلِي قَرْيةَ عرفاتٍ وهذه الْقَرْيةُ عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِل الكعبَةِ إذَا وَقَفَ بِأرْضِ عرفاتِ. والرابع: يَنْتَهِي إلى وادي عُرَنَةَ. قَالَ إمامُ الْحَرَمَيْنِ: ويطيف بمُنفَرجَاتِ عَرَفاتٍ جِبَالٌ وجوهها المقبلة من عرفات. واعلمْ أنهُ ليسَ مِنْ عرفَاتٍ وادي عُرَنَةَ (٤) ولا نمرةُ ولا المسجدُ الذي

стр. 275

يُصلِّي فيه الإِمامُ المُسمَّى مسجد إبراهيمَ ﵇ ويقالُ لَهُْ أيضاً مَسجدُ عُرَنَةَ (١) بلْ هذه المواضعُ خارجُ عَرَفات على طَرَفِهَا الغربِي مما يلِي مُزدلفةَ ومنى ومكَّةَ وهَنَا الَّذِي ذَكَرناهُ مِنْ كَونِ المسجدِ لَيْسَ مِنْ عَرَفَاتٍ هُوَ نَصُّ الشافِعِي رحمه الله تَعَالى. وقال الشَّيخُ أبُو محمَّدٍ الجوينيُّ: مُقَدَّمُ هذَا المسجدِ في طَرَفِ وادِي عُرَنة لاَ في عرفاتِ قَالَ: وآخره في عَرَفَاتٍ، قالَ: فمنْ وَقَفَ في مُقدَّمِ الْمَسْجِدِ لم يصحَّ وقُوفُهُ وَمَنْ وقفَ في آخره صحَّ وقُوفُهُ قالَ: وَيَتَمَيَّزُ ذلك بصَخراتٍ كِبَارٍ فُرِشَتْ في ذلِكَ الموضع هذَا قولُ الشيْخِ أبي محمدٍ الجويني وتَابعَهُ عليه جمَاعةٌ (و) بِهِ جَزَمَ الإِمامُ أبُو القَاسِم الرافعي مَعَ شدَّة تَحقيقِهِ واطِّلاَعِهِ فلعَلَّه زِيدَ فِيهِ بعد الشَافِعِيّ رحمةُ الله تَعَالَى (٢) مِنْ أرْضِ عَرَفَاتٍ هذَا القَدرُ المذْكُورُ فِي آخرِهِ وَبَيْنَ هذَا المسْجِدِ وَالْجَبَلِ الذي بِوَسَطِ عَرَفَات المُسَمَّى بجَبَلِ الرَّحْمَةِ قَدْرُ مِيلٍ وجميعُ تِلْكَ الأَرضِ يصحُّ الوُقُوفُ فِيهَا وَكَذَا غَيْرُهَا مما هُوَ دَاخِلٌ فِي الحَدِّ المذْكُور والله تَعَالَى أعْلَمُ.

стр. 276

واعلَمْ أنَّ عَرَفَاتٍ لَيْسَتْ مِنَ الحرَمِ ومُنْتَهَى الْحَرَمِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ عِنْدَ الْعَلَمَيْنِ (١) المْنصُوبينِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْمأْزَمَيْنِ (٢) وَهُمَا ظاهران وَسَيَأتي في بابِ المقَامِ بمكةَ وفَضْلِهَا وبيانِ حُدُودِ الحرمِ إِنْ شاء الله تَعَالَى. (فَرْع): وَاجِبُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ شَيْئَانِ: أحَدُهُمَا: كَوْنُهُ في وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ العِيدِ (٣) فمن حَصَلَ بِعَرَفَةَ (٤) فِي لَحْظَة لَطِيفَةٍ مِنْ هذَا الوَقْتِ صَحَّ وُقُوفُهُ وَأدرَكَ الحَج ومن فاته ذلك فقد فاته الحج.

стр. 277

والثانِي: كَوْنُهُ أهْلاً لِلْعِبَادَةِ (١) وسَوَاءٌ فِيهِ الصَّبي وَالنَّائِمُ وَغَيْرُهُمَا، وأمَّا المُغْمَى عَلَيْهِ (٢) وَالسَّكْرَانُ (٣) فَلاَ يَصِحُّ وُقُوفُهُمَا لأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ العِبَادَةِ (٤) فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ العِبَادَةِ وَحَصَلَ فِي جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ أجْزَاءِ عَرَفَاتٍ في لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ الْمَذْكُورِ صَحَّ وُقُوفُهُ حَضَرَهَا عَمْداً أوْ وَقَفَ مَعَ الْغَفْلَةِ أوْ مَعَ الْبَيع والشِّرَاءِ أوْ التحدُّثِ واللَّهْوِ أوْ في حالَةِ النومِ أو اجْتَازَ بِعَرفاتٍ في

стр. 278

وَقْتِ الوقوفِ وهُوَ لاَ يَعْلَمُ أنَّها عَرَفَاتٌ ولم يَلْبثْ أصْلاً بَلِ اجْتَازَ مُسْرِعاً في طَرَفٍ من أرْضِهَا الْمحدُودَةِ أوْ كانَ نائماً عَلَى بَعيرِهِ فَانْتَهَى بِهِ البَعِيرُ إلى عَرَفَاتٍ فَمَرّ بِهَا البَعيرُ ولَمْ يَسْتيقظْ راكِبُهُ حتَى فَارَقَهَا أو اجْتازَهَا في طَلَبِ غَرِيم هاربٍ بينَ يَدَيْهِ أو بَهيمَةٍ شَارِدَة أو غَير ذَلِكَ ممَّا هُوَ في معنَاهُ صَحَّ وقوفهُ فِي جميعِ ذَلِكَ (١) ولَكِنْ يَفُوتُهُ كمالُ الْفَضيلَةِ. أَمَّا سُنَنُ الوُقُوفِ وآدَابُهُ فَكَثيرٌة: إحداها: أن يغتسل بنمرة للوقوف (٢). الثانية: أن لا يَدْخلَ عَرَفَاتٍ إِلا بَعْدَ الزوَالِ والصَّلاَتَيْنِ. الثالثة: أنْ يَخْطُبَ الإِمامُ خُطْبَتين ويَجْمَعَ الصَّلاَتَيْنِ كما سبقَ. الرابعة: تَعْجِيلُ الوُقُوفِ عَقِبَ الصَّلاَتَيْنِ. الخامسة: أنْ يَحْرِصَ على الوُقُوفِ بمَوْقفِ رسولِ الله ﷺ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ كما سبقَ بيانُهُ. وأمَّا ما اشْتَهَرَ عِنْدَ الْعَوَامِّ مِنَ الاعتنَاء بالوقوفِ على جَبَلِ الرَّحْمَةِ الذي بِوَسَطِ عرفاتٍ كما سبقَ بَيَانُهُ وترْجيحُهُمْ لَهُ عَلَى غيرِهِ من أرض عَرَفَاتٍ حتى ربما تَوَهَّمَ كثيرٌ مِنْ جَهَلَتِهِم أنَّهُ لا يصحُّ الوقوفُ إلاَّ بِهِ فخطأ مُخَالِف للسُّنَّةِ، ولم يَذْكُرْ أحدٌ مِمَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صُعُودِ هَذَا الْجَبَلِ فضيلةً

стр. 279

إِلاَّ أبُو جَعْفَر محمدُ بن جريرِ الطبريُّ فإنه قال: يستحب الوقوفُ عليه وكذا قال أقضى القضاةِ أبو الحسن الماورديُّ البصري صاحبُ الحاوِي من أصْحَابِنَا: يُسْتَحبُّ أنْ يقْصدَ هذا الْجَبَلَ الذي يقالُ له جَبَلُ الدُّعاء. قال: وهو موقفُ الأنْبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيْهِمْ أجمعينَ. وهذا الَّذِي قالاهُ لا أصْلَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فيه حديثٌ صحيحٌ ولا ضعيفٌ والصوابُ الاعتِنَاءُ بمَوْقِفِ رسول اللهِ ﷺ وهو الذي خَصَّه الْعُلَمَاءُ بالذِّكْر والتَّفْضيلِ وحَديثُهُ في صحيح مُسْلم وغيرِهِ. وقد قال إمامُ الْحَرَمينِ في وَسَطِ عَرفَاتِ جَبَلٌ يُسَمَى جَبَلَ الرَّحْمَةِ لا نُسُكَ في صَعُودِهِ وإِن كَانَ يَعْتَادُهُ النَّاسُ. فإذَا عَرَفْتَ ما ذَكَرَنَاهُ فمن كانَ راكباً فَلْيُخَالِطْ بدابته الصَّخَراتِ المذكورَةَ ولْيداخلها كما فعل رَسُولُ اللهِ ﷺ (١) ومَنْ كانَ راجلاً قامَ على الصَّخَرَاتِ أو عِنْدهَا على حَسَبِ الإِمْكَانِ بحيثُ لا يُؤذِي أحداً وإذا لم يُمْكِنْهُ ذلكَ الْمَوْقِف فَيقْرُبُ ممَّا يقْرُبُ مِنْهُ وَيَتَجَنَّبُ كلَّ موضعٍ يُؤْذِي فيه أو يَتأذى. السادسة: إذَا كانَ يَشُق عَلَيْهِ الوُقُوفُ مَاشياً أو كان يَضْعُفُ بهِ عَنْ الدُّعَاءِ أو كانَ مِمَّنْ يقتَدَى بِهِ وَيُسْتَفْتَى فَالسُّنَّةُ أنْ يقِفَ رَاكِباً وَهُوَ أفْضَلُ مِنَ الْمَاشِي فإنْ كَانَ لا يَضْعُفُ بالوُقُوفِ ماشياً ولا يَشُق عَلَيْهِ وَلاَ هُوَ ممنْ يُسْتَفْتَى فَفِي الأَفْضَلِ أقْوالِ للشَّافعِيّ رَحِمه الله تعالى: أصَحُّهَا رَاكِباً أَفْضَلُ (٢) اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ولأَنَّهُ أعونُ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ الْمُهِم في هذا الموضعِ.

стр. 280

والثاني: مَاشِياً أفْضَلُ. والثالث: هُمَا سَوَاء (١) هَذَا حُكم الرَّجُلِ. وأمَّا الْمَرْأةُ فالأَفْضَلُ أن تكونَ قاعِدَة (٢) لأَنَّهُ أستر لَهَا ومِمَّنْ صَرَّحَ لمسأَلةِ المَاوَرْدِيُّ قَالَ: وَيُسْتَحَب لَهَا أن تكُونَ فِي حَاشِية الْمَوْقِفِ (٣) لاَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ والزحْمَةِ. السابعة: الأَفضلُ أن يكونَ مُسْتَقْبلاً لِلْقِبْلَةِ (٤) مُتَطهِراً سَاتِراً عَوْرَتَهُ فَلَوْ وَقَفَ مُحْدثاً أو جُنُباً أو حَائِضاً أوْ عَلَيْهِ نَجَاسَة أوْ مكشُوفَ الْعَوْرَةِ صَحَّ وقُوفُهُ وفَاتَتْهُ الفَضيلةُ. الثامنة: أن يكُونَ مُفْطِراً فَلاَ يصُومُ سَوَاء كانَ يَضْعُفُ بِهِ أمْ لا لأنَّ الفِطْرَ أعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ وقد ثَبَتَ في الصَّحيحِ أن رسول اللهِ ﷺ وقَفَ مُفْطراً واللهُ تعالى أعلمُ. التاسعة: أن يكُونَ حاضِر القلبِ فارغاً من الأمُورِ الشَّاغِلَةِ عَنْ الدُّعَاءِ وينبغي أن يقدمَ قَضَاءَ أشْغَالِهِ قَبْلَ الزوَالِ ويتفَرع بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَنْ جَمِيعِ العلائِقِ وينبغي أنْ لاَ يقِفَ فِي طُرُقِ القَوَافِلِ وَغَيْرِهِمْ لِئلاَّ يَنْزَعِجَ بِهِمْ. العاشر: أنْ يُكثِر من الدُّعَاءِ والتَّهليلِ وقراءةِ القُرآنِ فهذه وظيفةُ هذَا

стр. 281

المَوْضِعِ المُبَارَكِ ولا يقصِّرُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُعْظَمُ الْحَجّ ومُخُّهُ (١) ومَطْلُوبُهُ. وفي الحديث الصَّحيحِ: الحج عَرَفَةُ (٢) فالْمَحْرُومُ مَنْ قَصَر فِي الاهتمامِ بِذَلِكَ واستفراغِ الْوُسْعِ فيهِ ويكثر من هذَا الذِكْر والدُّعاءِ قَائماً وقاعداً وَيَرْفَعُ يَديهِ فِي الدُّعاءِ ولا يُجَاوزُ بهما رأسَهُ (٣) ولا يتكَلَّفُ السَّجْعَ في الدعاءِ ولا بَأسَ بالدعاءِ المَسْجُوعِ إذا كانَ مَحْفُوظاً أو قالَهُ بلا تَكلفٍ ولا فِكْرٍ فيهِ بل

стр. 282

يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غير تكلُّف لِتَْرتيبِهِ وإعْرَابِهِ (١) وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا يشْغلُ قلبه، وَيُسْتَحَب أنْ يَخْفِضَ صَوتَه بالدُّعَاءِ وَيكْرَهُ الإِفْرَاط في رَفْعِ الصَّوْتِ. وَينبغي أنْ يُكْثرَ مِنَ التَّضَرُّع فِيهِ والخُشُوعِ وإظْهَارِ الضَّعْفِ والافْتِقَارِ والذِّلةِ ويُلحُّ في الدُّعَاءِ ولا يَسْتَبْطِىءُ الإِجَابةَ بَلْ يكونُ قويَّ الرَّجاء للإجَابةِ ويُكَرِّرُ كلَّ دُعاء ثَلاَثاً ويَفْتَتحُ دُعاءَهُ بِالتَّحْمِيدِ والتمجيدِ للهِ تَعَالى والتَّسْبِيحِ والصَّلاَةِ والسَّلامِ على رسولِ الله ﷺ وَيَخْتِمُهُ بمثلِ ذلكَ وَلْيَكُنْ مُتَطَهراً مُتبَاعِداً عَنِ الْحَرام والشُّبْهَةِ فِي طَعَامِهِ وشَرَابِهِ ولِبَاسِهِ وَمَركُوبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِما مَعَهُ فَإنَّ هذه مِنْ آدَابِ جَميعِ الدَّعَوَاتِ، ولْيَختِمْ دُعاءَه بآمين وَلْيُكْثر من التَّسبِيحِ والتحْميد والتكْبيرِ والتهليلِ، وأفْضَلُ ذَلِكَ ما رَوَاهُ الترْمِذِي وغَيْرهُ عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الدعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا والنَّبِيونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ وَلَهُ الْحَمْدُ (٢) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ". وَفِي كِتَابِ التِّرمذِي عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: أكْثَرُ ما دَعَا بِهِ النَّبي ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ في الْمَوْقِفِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالذِي تقُولُ وَخَيراً ممّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاَتِي وَنُسُكِي (٣) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وإلَيْكَ مَآبي وَلَكَ رَبي تُرَاثِي (٤)، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَة الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الأَمْرِ، اللَهُمَ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَر مَا تجيءُ به الريحُ" (٥).

стр. 283

وَيُسْتَحَب أنْ يُكْثِرَ مِن التلْبِيَةِ رَافِعاً بهَا صَوْتَهُ وَمِنْ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَيَنْبَغِي أنْ يَأْتي بِهَذِهِ الأَنْوَاعِ كُلهَا فَتَارَةً يَدْعُو وَتَارَةً يُهَلّلُ وتَارَةً يُكبر وتَارَة يُلَبي وتَارَة يُصَلِّي عَلَى النبيِّ ﷺ وتارة يَسْتَغْفِرُ ويَدعو منفرِداً وَمَعَ جَمَاعَة وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَوَالِدَيْهِ وَأقارِبِهِ وَشُيُوخِهِ وأصْحَابِهِ وأحْبَابِهِ وَأصدقَائِهِ وَسَائِرِ مَنْ أحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَلْيَحْذَرْ كلَّ الحذَرِ مِنَ التقصير فِي ذَلِكَ فَإنَّ هذَا الْيَوْمَ لاَ يُمكنُ تَدَارُكُهُ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ وَيُسْتَحَب الإِكْثَارُ مِنَ الاسْتِغْفَارِ والتَّلفظِ بالتّوبَةِ مِنْ جَميعِ الْمخَالَفَاتِ مَعَ الاعتقَادِ بالقلبِ وَأنْ يُكْثِرَ مِنَ البكَاءِ مع الَذكْرِ والدُّعَاءِ فهُناكَ تُسْكَب العبرَاتُ (١) وتُستقَالُ العثَراتُ وتُرْتَجى الطلَبَاتُ وَإنّهُ لمجْمعٌ عَظِيم (٢) وَمَوْقِفٌ جَسِيم يَجْتمع فيهِ خِيَارُ عِبَادِ الله الْمُخْلِصِينَ وَخَواصّهُ المقَربينَ وَهُوَ أعْظَم مجَامعِ الدُّنْيَا وَقِيَل: إذا وافَقَ يومُ عَرَفَة يَوْمَ جُمُعة غُفِرَ لِكُل أهْل الْمَوقِفِ (٣) وَثَبَت فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "ما مِنْ يَوْم أكْثَرُ من أن يُعتِقَ الله تَعَالَى فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يوم عَرَفَةَ وإنَّهُ يُبَاهِي بهم الملائِكَةَ يقُولُ مَا أرَادَ هَؤلاءِ".

стр. 284

وروينا عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أحَد العَشَرَةِ ﵃ قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ما رُئيَ الشَّيْطَانُ أصْغَر (١) ولا أحْقَرَ ولا أدْحَرَ ولا أغْيظَ منهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وما ذَاكَ إلا أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ فِيهِ فَيَتَجَاوزُ عن الذُّنُوبِ العِظَامِ" (٢). وعن الْفَضيل بن عَيَّاض ﵁ أَنهُ نَظَرَ إلى بُكاء النَّاسِ بعرفة فقالَ: أرأيْتُمْ لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ صَارُوا إلى رجل واحد فَسَألُوهُ دَانِقاً (٣) أكانَ يَرُدُّهم؟ قِيلَ: لاَ، قالَ: والله للْمَغْفِرَةُ عند اللهِ أهْونُ مِنْ إجَابةِ رَجُل بِدَانِق.

стр. 285

وعَنْ سالِم (١) بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ بَنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنهُ رأى سَائِلاً يَسْألُ النَّاس يَومَ عرَفَة فَقال: يَا عَاجِزُ أفِي هذا اليومِ تَسْألُ غيرَ اللهِ تَعَالَى؟! (فرع): وَمِنَ الأَدْعِية المُخْتَارَةِ: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخرة حَسَنَةً وقِنَا عَذَابِ النَّارِ، اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلماً كثيراً (٢) وإنَّهُ لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ فاغْفِر لِي مغفرةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحمني إنَّكَ أنتَ الغفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ اغفر لِي مغفرةً مِنْ عِندكَ تُصْلحُ بها شأنِي في الدَّاريْنِ، وارحمْني رحمةً منكَ أسعد بِهَا في الدَّارِيْنِ، وتُبْ عليَّ توبة نصوحاً لا أنكثُهَا أبَداً، وألزمْنِي سبيلَ الاسْتقامةِ لا أزيعُ عَنْهَا أبَداً، اللَّهُمَّ انْقُلْنِي من ذُلِّ المعصية إلى عِزّ الطَّاعة وأغْنني بحلالِكَ عَنْ حرامِكَ وبطاعتِكَ عن معصيتَك وبفضْلِكَ عمَّن سواكَ، وَنَوّر قَلْبِي وَقَبْرِي وأعِذْنِي مِنَ الشَّر كُلهِ واجْمعْ لي الخيرَ كُلَّهُ أستودِعُكَ دِيني وأمانتِي وقلبِي وبدَني وَخَواتِيمَ عَمَلِي وجميعَ ما أَنعمتَ به عليَّ وعلَى جميعِ أحبائي والمسلمينَ أجمعينَ. وهذا البابُ واسعٌ جِداً لَكِنْ نبهتُ عَلى أصُولهِ ومقاصِدهِ والله تَعَالَى أعلمُ.
следующие страницы →