Полный текст (519 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الوقوف وكون المشتمل على الأفضل أفضل ممنوع، وتقدير ما ذكر في الخبر لا دليل عليه ثم رأيته في الجواهر مع كونه نقل ما ذكره الشيخ هنا عنه قال بعد ذلك بأوراق: الوقوف أعظم أركان الحج وهو ظاهر فيما ذكرته وإن أمكن تأويله بما يوافق الشيخ، رأيت الزركشي قال بعد كلام الشيخ: وفيه نظر، بل أفضلها الوقوف، لخبر: الحج عرفة، ولهذا لا يفوت الحج إلا بفواته، ولم يرد غفران الذنوب في شيء ما ورد فيه، فالصواب القطع بأنه أفضل الأركان انتهى.
وقول شيخنا زكريا: الأوجه ما قاله ابن عبد السلام لتصريح الأصحاب بأن الطواف قربه في نفسه بخلاف الوقوف فيه نظر فإنه وإن كان كذلك لكنه اختص بخصوصيات لم يشركه فيها غيره قيل: ويمكن الجمع بين الكلامين انتهى. وكان وجهه أن الوقوف أعظم من حيث توقف حصول الحج عليه وفواته بفواته بخلاف الطواف والطواف أفضل من حيث أنه يشترط فيه من شروط الصلاة ما لا يشترط في الوقوف وهذا وإن كان له وجه لكن المقام يأباه. اهـ حاشية.
مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بالطواف مأخوذة من المجموع للإمام النووي ومن كتاب رحمة الأمة
١ - أجمعوا على أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز، وأما صلاة الطواف فمذهب الشافعية جوازها في جميع الأوقات بلا كراهة، وهو مذهب الحنابلة لقوله ﷺ : "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاءَ من ليل أو نهار" رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم. وحجة مخالفيهم عموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي.
٢ - يستحب عند المسلمين استلام الحجر الأسود، ويستحب عند الشافعية مع ذلك تقبيله والسجود عليه بوضع الجبهة كما سبق بيانه فإنْ عجز عن تقبيله استلمه بيده ثم قبلها وبه قال الإِمام أحمد، وقال الإِمام مالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل. قال في كتاب الرحمة: وقال الإمام أبو حنيفة: لا يستلمه. اهـ. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وبالأول أقول: لأن أصحابه ﷺ فعلوه وتبعهم جملة الناس. ورويناه أيضاً عن النبي ﷺ : "وأما السجود على الحجر الأسود" فقال به الشافعي وأحمد. قال ابن المنذر: وبه أقول قال: وقد روينا فيه عنه ﷺ وقال مالك: هو بدعة. =стр. 247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ٣ - أما الركن اليماني فعند الشافعية يستحب استلامه ولا يقبل بل تقبل اليد بعد استلامه، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه. وقال مالك وأحمد: يستلمه ولا يقبل اليد بعده بل يضعها على فيه، وعن مالك رواية أنه يقبل يده بعده. قال العبدري: وروى عن أحمد أنه يقبله.
٤ - أما الركنان الشاميان وهما اللذان يليان الحِجْر فلا يقبلان ولا يستلمان عند الشافعية وبه قال جمهور العلماء وهو مذهب الأئمة الثلاثة رحم الله الجميع.
٥ - الاضطباع والرمل مستحب عند الثلاثة وأنكره الإمام مالك كما تقدم.
٦ - اشتراط الطهارة عن الحدثين والنجس وستر العورة عند الثلاثة شرط خلافاً لأبي حنيفة كما تقدم.
٧ - استحباب قراءة القرآن في الطواف هو قول جمهور العلماء، منهم الشافعية وأحمد في الرواية الثانية عنه.
٨ - الترتيب بأنْ يجعل البيت عن يساره ويطوف على يمينه تلقاء وجهه، فإنْ عكسه لم يصح، وبه قالت الشافعية ومالك وأحمد وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: يعيده إنْ كان بمكة، فإنْ رجع إلى وطنه ولم يعده لزمه دم وأجزأه طوافه.
٩ - الطواف في الحجر لا يصح وبه قال جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: إنْ كان بمكة أعاد، وإنْ رجع إلى وطنه بلا إعادة أراق دماً، وأجزأه طوافه.
١٠ - إذا حضرت جنازة والطائف في أثناء الطواف فعند الشافعية إتمام الطواف أولى، وبه قال مالك وابن المنذر وعطاء وعمرو بن دينار، وقال أبو حنيفة: يخرج لها.
١١ - لو حمل محرم محرماً وطاف به ونوى كل واحد منهما الطواف عن نفسه فعند الشافعية ثلاثة أقوال: (أصحها) يقع الطواف للحامل (الثاني) للمحمول (الثالث) لهما وممن قال لهما أبو حنيفة وابن المنذر، وقال مالك للحامل وعن أحمد روايتان رواية للحامل ورواية لهما.
١٢ - مذهب الثلاثة يكفي للقارن لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد كما تقدم. وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان وسعيان وحكى هذا عن علي وابن مسعود، قال ابن المنذر: لا يصح هذا عن علي ﵁.
١٣ - إذا كان على الشخص طواف فرض فنوى بطوافه غيره انصرف إلى الفرض نَص =стр. 248
الفصل الثالث
في السعي (١) وما يتعلق به
إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَي الطَّوافِ فَالسُنةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمه (٢) ثُم يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصفَا إِلَى الْمَسْعَى ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْحَاوِي أنَّهُ إذا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الحواشي
(١) قال بركنية السعي الإمامان مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله ﷺ : "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" أخرجه الشافعي في مسنده وأحمد مختصراً ورواه غيرهما فلا يتم النسك إلا به، وبه قال الإِمام أحمد ﵀ في رواية، وقال الإِمام أبو حنيفة ﵀: هو واجب وهي الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد فيجبر بدم.(٢) قال في الحاشية أي ويقبله ويسجد عليه ثلاثاً فيهن أخذاً من قولهم يختم بما بدأ به ومن إلحاق الشافعي ﵁ لذلك بحالة الابتداء وبالتقبيل صرح القاضي أبو الطيب وصاحب الذخائر واعتمده الزركشي كالأذرعي لما أخرجه الحاكم وصححه أنه ﷺ =стр. 249
استُحِب أنْ يأتِيَ المُلْتَزِمَ ويَدْعُو فِيهِ ويَدْخُلَ الحِجْرَ فَيَدْعُو فيه تَحْتَ الميزَابِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الصحيح (١) وهو قول جماهير أصْحَابِنَا وَغَيْرهم أنْ لاَ يَشْتَغِلَ عَقِبَ الصلاَةِ إِلا بِالاسْتِلاَمِ ثُمَّ الخُروجِ إِلَى السَّعْيِ.
وَذَكَرَ ابنُ جَرِير الطبَرَيُ أَنهُ يَطُوفُ ثَم يُصَلي ركْعَتَيْهِ ثُمَّ يَأتِي الملْتَزَمَ ثُمَّ يَعُودُ إلى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمهُ ثُم يخْرُجُ إلى السَّعْي. وذكَرَ الغَزَالي رحمه الله تعالى: أنْ يَأتي المُلْتَزَمَ إذا فَرَغَ مِنَ الطَّوافِ قَبْلَ ركْعَتَيْهِ ثمَّ يُصَلِّيهمَا والمُخْتَارُ ما سَبقَ (٢) ثُمَّ إِذَا أرَادَ الْخُرُوجَ إلى المَسْعَى فَالسُّنَّةُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَيأتِيَ سَفْحَ جَبل الصَّفَا (٣) الحواشي
(١) أي حديث جابر الذي رواه مسلم وفيه: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا".(٢) هو المعتمد لحديث جابر ﵁ المتقدم.(٣) الصفا: طرف سفح جبل أبي قبيس عليه أقيمت قبة عظيمة في عمارة الحكومة السعودية المسجد الحرام بعد توسعته عام ١٣٧٢ هـ وشملت هذه العمارة والتوسعة المسجد الحرام والمسعى والصفا والمروة فاتصل المسجد الحرام بالمسعى وجعل على المسعى طابق كما جعل المسجد الحرام من ثلاثة طوابق فأصبح الناس يطوفون ويصلون =стр. 250
فَيَصْعَدُ قَدْرَ قَامَة حَتَّى يَرَى الْبَيْتُ (١) وَهُوَ يَتَرَاءَى لَهُ مِنْ باب الْمَسجِدِ بَاب الصَّفَا لا مَنْ فَوْق جدَارِ الْمَسْجِدِ بِخِلاَفِ المَرْوَة فَإِذا صَعَدَ اسْتَقْبَلَ الْكَعبةَ وَهَلَّلَ وَكَبرَ فَيقُولُ (٢) : اللهُ أكبرُ الله أكْبَرُ الله أكْبرُ وَلِلهِ الْحَمْد، الله أكبَرُ عَلى مَا هَدَانَا والْحَمْدُ لِله عَلَى مَا أوْلاَنَا لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ (٣) بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَاب (٤) وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلا اللهُ وَلاَ نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. الحواشي
(١) أي لحديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم: (أن النبي ﷺ لمَّا فرغ مِنْ طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت). الحديث.(٢) هو ما نَص عليه الشافعي ﵀ أخذاً من أحاديث وآثار متفرقة، منها حديث مسلم: فوحَّد الله وكبر، وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، وَنَصَرَ عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هؤلاء ثلاث مرات) زاد أبو عوانة وابن المنذر والنسائي ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وإسنادهما صحيح، وكون التكبير ثلاثاً رواه ابن المنذر بإسناد صحيح أيضاً.(٣) زاد الرافعي بعد ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: "وهو حيٌّ لا يموت" واعترض هو "وبيده الخير" بأنهما لم يردا. اهـ حاشية.(٤) الأحزاب: هم كفار قريش وغطفان واليهود ومَنْ تبعهم الذين تَحَزبوا واجتمعوا لقتاله ﷺ وأصحابه الكرام فسميت الغزوة باسمهم فهزمهم الله تعالى بحوله وقوته وردهم خائبين.стр. 251
ثُم يَدْعُو (١) بِمَا أحَبَّ مِنْ أمر الدينِ والدُّنْيَا وحَسُنَ (٢) أنْ تقُولَ (٣) : اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ وقوْلُكَ الحقُّ ادْعُوني أستَجِبْ لَكُمْ وإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ المِيعَادَ وَإِنِّي أسْألُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي للإْسْلاَمِ أنْ لاَ تَنْزِعَهُ مِنَي وأنْ تتوَفَّانِي مُسْلِماً (٤) ثُمَّ يَضُمُّ إِلَيْهِ مَا شَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ (٥) وَلاَ يُلَبِّي (٦) على الأَصَح ثمَّ يُعَيد جميعَ ما سَبقَ مِنَ الذّكْرِ والدُّعَاءِ ثَانِياً ثُمَّ يُعِيدُ الذِّكْرَ ثَالِثاً.
وهل يعيد الدعاء؟ فيه خلاف، الأصح أنه يستحب إعادته. فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحيحِ مُسْلِم مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا مُتَوجّهَا إِلَى الْمَرْوَةِ (٧) فَيَمْشِي حَتَّى يبقى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الأَخْضَرِ الحواشي
(١) أي له، ولمن شاء والظاهر كما قال العلامة عبد الرؤوف تأخير الدعاء عن الذكر أيضاً ولا ينافيه ذكره له قبله. اهـ تقريرات.(٢) أي عند الأصحاب رحمهم الله تعالى.(٣) أي بعد الذكر في المرات الثلاث.(٤) رواه مالك في الموطأ عن ابن عمر ﵄. وزاد ابن المنذر وغيره عنه أدعية أخرى.(٥) مما استحبه الأصحاب: (اللهم اعصمنا -أي احفظنا- بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك وجنبنا حدودك -أي محارمك- اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك، وأنبياءك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم حببنا إليك وإلى ملائكتك وإلى أنبيائك ورسلك وإلى عبادك الصالحين، اللهم يَسر لنا اليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين).(٦) هو المعتمد ومقابله قول مرجوح عن الشافعي ﵀ أنه يلبي.(٧) المروة: واقعة على سفح جبل لَعْلَع الذي عليه محلة القرارة، وجبل لعلع هو أنف جبل قيقعان، وقد تقدم الكلام على هذا في التعليق على دخول مكة من الثنية العليا وهي كداء -بفتح الكاف والدال- المعروفة بالحجون، ويقال المروة: الصفا وما بينهما هو المسعى، ويقع في وادي إبراهيم على نبينا محمد وعليه أفضل الصلاة والسلام، وعرضه ما بين الميلين الأخضرين، وكان سابقاً يجري بينهما والآن جعل لمجرى السيل خندق =стр. 252
الْمُعَلَّقِ (١) بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ قَدْرَ سِتةِ أذْرُع ثُم يَسْعَى سَعْياً شَدِيداً (٢) حَتَى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ اللذين أحَدُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ والآخَرُ مُتصِلٌ بِدارِ (٣) العباسِ ﵁ ثُمَّ يَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْي وَيَمْشِي عَلَى عَادَتِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَرْوَةَ فَيَصْعَدَ (٤) حَتى يَظْهَرَ لَهُ الْبَيْتُ إنْ ظَهَرَ (٥) فَيَأْتي بالذِّكْرِ والدُّعَاءِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا فَهَذِهِ مَرَّةٌ مِنْ سَبْعَةٍ ثُمَ يَعُودُ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى الصَّفَا فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيهِ في مَجِيئِهِ وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سعيه فَإِذَا وَصَلَ الصَّفَا صَعده وفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلاً وَهَذِهِ مَرَّةٌ ثَانِيةٌ مِنْ سَعْيهِ ثُم يَعُودُ إلى المروَة فيفعلُ كَمَا فَعَل أَولا ثمَّ يَعُودُ إِلَى الصَّفَا وَهَكَذَا حَتَّى يَكْمُلَ سَبع مَرَّاتٍ يبْدأ بالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَروةِ. الحواشي
(١) هذا على ما كان سابقاً قبل التوسعة وعمارة المسجد الحرام العمارة السعودية.(٢) أي لفعله ﷺ ذلك روى أحمد ﵀ في مسنده عن حبيبة بنت أبي يجراه بكسر الياء المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء وهي إحدى نساء بني عبد الدار. قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه، الحديث.
وهو كما في الفتح له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة إذا انضمت إلى الأولى قويت ولا ينافي ذلك ما صَح عنه ﷺ من أنه ﷺ سعى راكباً لما في مسلم من أنه ﷺ سعى أولاً ماشياً فكثرت عليه الزحمة فركب.(٣) قد أزيلت هذه الدار وأدخلت في توسعة الشارع واستبدلت بدار أخرى في محلة أجياد يسكنها الفقراء.(٤) قال الشيخ عبد الله بن جاسر ﵀ في كتاب مفيد الأنام: أما بعد العمارة الجديدة فالظاهر أنه لا يكون مستوعباً للسعي إلا إذا رقى على المحل المتسع وهو آخر درجة والله أعلم.(٥) هذا شرط ليظهر لا ليصعد لأن الصعود لا بد منه سواء ظهر البيت له أم لم يظهر كذا في الحاشية.стр. 253
فَرْعٌ في وَاجِبَاتِ السَّعْي وَشُرُوطِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ:
وأمَّا وَاجبَاتُهُ فَأَرْبَعَةٌ:
أحَدُهَا:
أنْ يقْطَعَ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ (١) . فَلَوْ بقِيَ مِنْهَا بَعْضُ خُطْوَةٍ لَمْ يَصِح سَعْيُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاكِباً اشْتُرِطَ أنْ يُسَيرَ دَابتَهُ حَتَّى تَضَعَ حَافِرَهَا عَلَى الْجَبَلِ أوْ إلَيْهِ حَتَّى لاَ يَبْقَى مِنَ الْمَسَافَةِ شَيْءٌ وَيَجِبُ عَلَى الْمَاشِي أنْ يُلْصِقَ فِي الابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ رِجْلَهُ فِي الْجَبَلِ بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ فَيَلْزَمُهُ أنْ يُلْصِقَ الْعَقِبِ بِأصْلِ مَا يَذْهَبُ مِنْهُ وَيُلْصِقَ رَءُوسَ أصَابعِ رِجْلَيْهِ بِمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ فَيُلْصِقُ بِالابْتِدَاءِ بِالصَّفَا عَقِبهُ وَبِالْمَرْوَةِ أصَابعَ رِجْلَيْهِ وإذَا عَادَ عَكَسَ ذَلِكَ هَذَا إِذَا لَمْ يَصْعَدْ فَإنْ صَعَدَ فَهُوَ الأكْمَلُ وَقَدْ زَادَ خَيْراً، وَلَيْسَ الصعُودُ شَرْطاً بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مؤكَّدةَ وَلَكِنْ بَعْضُ الدرَجِ مُسْتْحَدَثٌ (٢) فَلَيْحذَر أنْ يُخَلّفَهَا وَرَاءَه فَلاَ يَتِمُّ سَعيهُ وَلْيَصْعَدْ إِلَى أنْ يَسْتَيْقِنَ.
وقَالَ بَعْضُ أصحَابِنَا (٣) : يَجبُ الرُّقي عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِقَدْرِ قَامَةٍ وَهذا ضَعِيفٌ والصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنهُ لاَ يَجِبُ لَكِن الاحْتِيَاطُ أنْ يَصْعَدَ لِلْخُرُوجِ الحواشي
(١) أي لفعله ﷺ ذلك مع قوله: "خذوا عني مناسككم".(٢) هذا باعتبار ما كان أما الآن بعد توسعة المسجد الحرام وعمارته وعمارة المسعى العمارة التي بدأت في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله تعالى فلا وجود للدرج وأصبح الصعود ميسراً للماشي ولراكب عربات السعي فلله الحمد والمنة، فعليه ينبغي تيقن قطع المسافة بالابتداء من أول الصفا وبالانتهاء إلى آخر المروة كما تقدم.(٣) هو أبو حفص عمر بن الوكيل رحمه الله تعالى.стр. 254
مِنَ الْخِلاَفِ وليَتيقنَ فاحْفَظْ مَا ذكرناهُ في تَحْقِيقِ وَاجِبِ الْمَسَافَةِ فَإنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَرْجِعُ بِغَيْرِ حَجّ وَلاَ عُمْرَةٍ لإخْلاَلِهِ بِوَاجِبِهِ وبالله التَّوفيقُ.
الواجبُ الثاني: الترتيبُ:
فَيَجِبُ أنْ يَبْدَأ بالصَّفَا (١) فَإنْ بَدَأَ بالْمَرْوَةِ لم يُحْسَبْ مُرورُهُ مِنْهَا إِلَى الصَّفَا فَإِذَا عَادَ مِنَ الصَّفَا كَانَ هَذَا أوَّل سَعْيِهِ وُيشْتَرَطُ أيْضاً فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيةِ أنْ يَكُونَ ابتداؤها مِنَ الْمَرْوَةِ كما سَبقَ فَلَوْ أَنهُ لمَا عَادَ مِنَ الْمَرْوَةِ عَدَلَ عَنْ مَوْضَع السَّعْي وجَعَلَ طَرِيقَهُ فِي الْمَسْجِدِ أوْ غَيْرِهِ وَابْتَدَأ الْمَرةَ الثَّانيةَ مِنَ الصَّفَا أيضاً لم يَصِح ولم تُحْسَبْ تِلْكَ الْمَرَّةُ عَلَى الْمَذْهبِ الصَّحِيحِ.
الواجبُ الثالثُ: إكْمَالُ عَدَدِ سَبع مَراتِ:
يُحْسَبُ الذِّهَابُ مِنَ الصَّفَا مَرة والْعَوْدُ مِنَ الْمَرْوَة مرَّة ثَانيةً، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أصْحَابِنَا وَغَيْرِهِم وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ في الأَزْمَانِ المُتَقَدمَةِ والْمُتَأخرَةِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أصْحَابِنَا إِلَى أَنهُ يُحْسَبُ الذهابُ والْعَوْدُ مرَّة وَاحِدَة قَالَهُ مِنْ أصْحَابِنَا أبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ ابنُ بِنْتِ الشَّافِعِي وَأبُو حَفص بنِ الْوَكِيلِ وأبو بكْير الصيرَفي وهذا قَوْلٌ فَاسِدٌ (٢) لا اعْتِدَادَ بِهِ وَلاَ نَظَرَ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتهُ للتَّنْبِيهِ الحواشي
(١) أي لقوله ﷺ لَمَّا قال له أصحابه رضوان الله عليهم أنبدأ بالصفا أم بالمروة؟: "ابدءوا بما بدأ الله به".(٢) أي لأنه على خلاف فِعْلِهِ ﷺ وفِعْل أصحابه ومَنْ بعدهم رضوان الله تعالى عليهم.стр. 255
عَلَى ضعْفِهِ لئلاَّ يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ وقَفَ عَلَيْهِ (١) وَاللهُ تَعَالى أعْلَمُ. قَالَ أصْحَابُنَا: وَلَوْ سَعَى أوْ طَافَ وَشَك (٢) فِي العَدَدِ أخَذَ بِالأَقَل وَلَوْ اعْتَقَدَ أنَهُ أَتمَّهَا (٣) فَأخْبَرَهُ ثقَة بِتقَاءِ شَيْء لَمْ يَلْزَمُهُ الإِتْيَانُ بِهِ لَكِنْ يُسْتَحَب (٤) .
الواجبُ الرابع: أنْ يكُونَ السعْيُ بَعْدَ طَوَاف (٥) صحِيح (٦) :
سَوَاءٌ كانَ بَعْدَ طَوَافِ القُدُومِ أوْ طَوَافِ الزيَارَةِ وَلاَ يُتَصَوّرُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافِ الوَدَاع (٧) لأَنَّ طَوَافَ الوَدَاعِ هُوَ الْمَأَتِيُّ بِهِ بَعْدَ فَرَاغ المَنَاسِكِ وَإِذَا بقِيَ السَّعْي لَمْ يَكُنْ الْمَأتَي بِهِ طَوَافَ وَدَاع وَإِذَا سَعَى بَعْدَ طوَافِ الْقُدُومِ أجزَأهُ وَوَقَعَ رُكناً. الحواشي
(١) يؤخذ منه كما في الحاشية أنه لا يسن الخروج من خلافه وهو كذلك لأن الخلاف لا يُرَاعى إلا إنْ قوي دليله أو مدركه.(٢) أي في أثناء فعلهما لا بعد التمام فلا تأثير للشك كالصلاة والوضوء، وكذا الشك في شرط من شروطهما، فإن كان في أثنائهما ضَرَّ أو بعد فراغهما لم يَضُر.(٣) أي الطوفات السبع.(٤) أي إنْ أورثه الخبر تردداً كما في التحفة. (فإنْ قيل): استحب هنا العمل بخبر الثقة الواحد إنْ أوردت تردداً ومنع في الصلاة.
أجيب: منع في الصلاة لئلا يقع في الزيادة بالنسبة لظنه وهي مبطلة لها، بخلاف الطواف والسعي والله أعلم.(٥) عند الشافعية والمالكية والحنابلة لا بد من وقوع السعي بعد طواف ركن صحيح أو قدوم وعند الحنفية يجزىء السعي بعد كل طواف صحيح ولو نفلاً وهو قول الأذرعي ومن تبعه، وعند الطبري لو أحرم المكي بالحج ثم تنفل بالطواف جاز له السعي بعده. اهـ. والأفضل وقوع السعي بعد طواف القدوم لأنه الذي صَح من فِعْله ﷺ .(٦) يفهم منه كما في الحاشية أنه لو سعى ثم تيقن ترك بعض الطواف لم يصح سعيه فيأتي ببقيته، ويعيد السعي وهو كذلك كما في المجموع.(٧) أي الواجب شرعاً بعد فراغ النسك.стр. 256
وَتكْرَهُ إِعَادَتُهُ (١) بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ لأنَّ السَّعْيَ لَيْسَ مِنَ العِبَادَاتِ المُسْتَقِلةِ التي يُشْرَعُ تكْرِيرُهَا والإكْثَارُ مِنْهَا فَهُوَ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَيقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى الرُّكْنِ بِخَلاَفِ الطَّوَافِ فإنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي غَيْرِ الحَج والْعُمْرَةِ وَثَبَتَ في الصَّحيحِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَطُفْ النَّبي ﷺ ولا أَصْحَابُهُ ﵃ بين الصَّفا والْمَرْوَةِ إِلا طَوافاً وَاحِداً طَوَافَهُ الأَولَ يَعْنِي السَّعْيَ.
وَيُسْتَحَبُّ الْمُوَالاَةُ بَيْنَ مَرَّاتِ السَّعْيِ وَبَيْنَ الطَّوَاف والسَّعْي فَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ لم يضر بشرط ألا يتخلل بينهما ركن (٢) . فلو طاف للقدوم ثم وقف بعرفة لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ بَعْدَ الوُقُوفِ مُضَافاً إلى طَوَافِ الْقُدُومِ بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ وَإِذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ رُكْنٌ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ تَأخِيرِ السَّعْي عَنِ الطَّوَافِ وَتأخيرِ بَعْضِ مَرَّاتِ السَّعْي عَنْ بَعْضٍ وَكَذَا بَعْض مَرَّاتِ الطَّوَافِ عَنْ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ رَجَعَ إلى وَطَنِهِ وَمَضَى عَلَيْهِ سنُونُ كثيرةٌ جَازَ أن يَبْنِيَ عَلَى ما مَضَى مِنْ سَعْيِهِ وَطَوَافِهِ لَكِنِ الأَفْضَلُ الاسْتِئْنَافُ. الحواشي
(١) قال في الحاشية: هو المعتمد وشمل إطلاقه القارن فلا يسن له تكراره خروجاً من خلاف الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى القائل على القارن طوافان وسعيان لأنه خلاف ما صح من السنة في القارن أي وشرط ندب الخروج من الخلاف أن لا يعارض سنة صحيحة وهي هنا قول جابر رضي الله تعالى عنه لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً. اهـ مختصراً.
(تنبيه): قد تجب إعادة السعي كما لو بلغ الصبي أو أعتق العبد بعرفة وكان سعى بعد طواف القدوم كما سيأتي آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.(٢) مراده رحمه الله تعالى بالركن الوقوف بعرفة كما في منهاجه وأن يسعى بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بينهما الوقوف بعرفة، فلو طاف ثم حلق أو عاد إلى منى ورمى صح سعيه بعد ذلك والله أعلم.стр. 257
وأما سُنَنُ السَّعْي فَجَمِيعُ مَا سَبق فِي كَيْفِيةِ السَّعْي سِوَى الوَاجِبَاتِ الأَرْبَعَةِ وَهِيَ سُنَنٌ كثيرة:
أحَدهما: الذّكْرُ والدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ويُسْتَحَب أنْ يقُولَ بَيْنَ الصَّفا والْمَروَةِ فِي سعيهِ ومَشْيِهِ: رَبّ اغْفِرُ وارحم وتجاوَزْ عَمَّا تعلمْ إنّكَ أنتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ (١) ، اللَّهم آتِنَا فِي الدُّنْيا حسنة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ. ولو قَرَأ القرآن كانَ أفضلَ (٢) .
الثانية: يُسْتَحَبُّ أنْ يَسْعَى عَلَى طَهَارَةٍ سَاتراً عورَتَهُ فَلَوْ سَعَى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أوْ مُحْدِثاً أو جُنُباً أوْ حَائِضاً أوْ عَلَيْهِ نجاسَةٌ صَحَّ سَعْيُهُ (٣) .
الثالثة: يُسْتَحَب أنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي مَوْضِعِ السَّعْي الَّذِي سَبَقَ بيانُهُ سَعْياً شَدِيداً (٤) فَوْقَ الرَّمَلِ وَهُوَ مُسْتَحَب فِي كُل مَرَّة مِنَ السَّبع وَلَوْ مَشَى فِي جَمِيعِ الْمَسَافَةِ أوْ سَعَى فِيهَا صَحَّ وَفَاتَتْهُ الفضيلَةُ. وأمَّا الْمَرأةُ (٥) فَالأَصَح أَنهَا لاَ تَسْعَى أصْلاً بل تمشي على هِينَتها بِكُلّ حَالٍ وَقِيل إنْ كَانَ بِاللَّيْلِ فِي حَالِ خلُوّ الْمَسْعَى فَهِيَ كَالرَّجُلِ تَسْعَى فِي مَوْضِعِ السَّعْي. الحواشي
(١) رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵄ وأخرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما رحمهم الله تعالى بلفظ أن النبي ﷺ كان إذا سعى بين الميلين قال: "اللهم اغفر وارحم فأنت الأعز الأكرم".(٢) أي من غير الذكر الوارد نظير ما مر في الطواف.(٣) هو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى لقوله ﵊ لعائشة ﵂ وقد حاضت: "اصنعي ما يصنع الحاج غير أنْ لا تطوفي بالبيت" رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.(٤) يقصد به السنة لا اللعب والسبق وإلا لم يحصل له ثواب، ومَر أنّ صرفه مبطل كالطواف ولا يسن العدو لزحمة أو مشقة نظير رفع الصوت بالتلبية.(٥) أي والخنثى.стр. 258
الرابعةُ: الأَفْضلُ أنْ يَتَحَرَّى زَمَنَ الخلوةِ لسَعْيه وَطَوَافِهِ (١) وَإِذا كَثُرَتْ الرحْمَةُ فَيَنْبَغِي أنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ إيذاءِ النَّاسِ وَتَرْكُ هَيْئَةِ السَّعْي أَهْوَنُ مِنْ إيذاءِ الْمُسْلِمِ أوْ مِنْ تَعَرُّضِ نَفْسِهِ إلَى الأَذَى وإذَا عَجَزَ عَنِ السَّعْي الشَّدِيدِ فِي مَوْضِعِهِ للزحْمَةِ تَشَبَّه فِي حَرَكَتِهِ بالسَّاعِي كَمَا قُلْنَا في الرَّمَلِ.
الخامسةُ: الأَفْضَلُ أنْ لاَ يَرْكَبَ فِي سَعْيِهِ إلا لِعُذر (٢) كَمَا سَبَقَ فِي الطَّوافِ.
السادسةُ: الْمُوَالاَةُ بَيْنَ مَرَّاتِ السَّعِي (٣) مُسْتَحَبة فلو فَرَّقَ بِلا عُذْرِ تَفْرِيقاً كَثِيراً لَمْ يَضُرَّ عَلَى الصَّحِيحِ (٤) كَمَا سَبَقَ لَكِنّ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ وَلَوْ أُقِيْمَتْ الجمَاعَةُ وَهُوَ يَسْعَى أوْ عَرَضَ لَهُ مَانع قَطَعَ السَّعْيَ فإذا فَرَغَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى (٥) . الحواشي
(١) قال في الحاشية أي غير القدوم لما مر من تأكد المبادرة إليه قبل حط أحماله وللخلاف في فواته التأخير والذي يظهر أنه لو خشي من المبادرة به حصول تأذ له أو لغيره لشدة الزحمة كان تأخيره أفضل كغيره. اهـ.(٢) فلو سعى راكباً بلا عذر لم يكره ما لم تكن هناك زحمة بل قد يحرم الركوب إن تحقق الإيذاء أو ظنه كما مَرّ في الطواف راكباً.(٣) أي وبين أجزاء كل مرة بل يكره الوقوف فيه لنحو حديث بلا عذر.(٤) هو الأصح من مذهب أحمد كما في المغني لابن قدامة رحم الله الجميع آمين. لأن ابن عمر ﵄ سعى بين الصفا والمروة فتوضأ وجاء فبنى على ما مضى ذكره في القرى لقاصد أم القرى، وذكر فيه أيضاً أن سودة بنت عبد الله بن عمر امرأة عروة بن الزبير ﵄ سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها في ثلاثة أيام، وكانت ضخمة أخرجه سعيد بن منصور، ولمن منع ذلك أن يقول هذا التفريق للذعر، ولا دليل على إطلاق الجواز. اهـ.(٥) ذكر في المجموع: لو أقيمت الصلاة المكتوبة وهو في أثناء السعي قطعه وصلاها ثم بنى عليه هذا مذهبنا، ومذهب أبي حنيفة. وقال مالك: لا يقطعه للصلاة إلا =стр. 259
السابعةُ: قَالَ الشَّيخُ أبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: رَأيْتُ النَّاسَ إذَا فَرَغُوا مِنَ السَّعْي صَلوا رَكْعَتَيْن عَلَى المَرْوَة وَذَلِكَ حَسَنٌ وزيَادَةُ طَاعَة لكن لم يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قال الشَّيخُ أبُو عَمْرو بنُ الصَّلاحِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: يَنبغي أنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ لأَنَّهُ ابْتداعُ شعَارٍ (١) وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمهُ الله تَعَالَى ليس في السَّعْي صَلاَةٌ. الحواشي
(١) قال في المجموع: وهذا الذي قاله أبو عمرو أظهر والله أعلم. اهـ. قال في الحاشية: وقول بعض الحنفية إنهما سنة لما رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ : (لما فرغ من سعيه جاء حتى إذا حاذى الركن فصلى ركعتين في حاشية المطاف وليس بينه وبين المطاف أحَد) مردود منشؤهُ أنه تصحف عليه سُبْعه بسعيه. لأن المحب الطبري رواه عمن ذكر من ابن حبان وغيره بلفظ حين فرغ من سُبْعِه بالموحدة أي طوافه وعلى تسليمه فلا دليل على أنّ الركعتين من سنن السعي لجواز كونهما راتبة أو تحية للمسجد فهي واقعة عين احتملت فلا دليل فيها. اهـ.
مذاهب العلماء في مسائل من السعي مأخوذة من المجموع للنووي والمغني لابن قدامة رحمهم الله تعالى
(الأولى): السعي عند الشافعية ركن في الحج والعمرة لا يتم واحد منهما إلا به ولا يجبر بدم ولو بقي منه خطوة لم يتم النسك وبه قال مالك وإسحق وأبو ثور وداود وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: السعي واجب من ترَك منه أربعة أشواط لزمه دم، وإنْ ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وعن أحمد رواية أخرى أنه واجب يجبر بدم وهي الصحيحة عنه.
(الثانية): لو سعى شخص قبل الطواف لم يصح سعيه عند الشافعية. وبه قال جمهور العلماء وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، وحكى ابن المنذر عن عطاء وداود =стр. 260
الفصل الرابع
في الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَبْلَهُ وَبَعْدهُ
إذَا فَرَغَ مِنَ السعي بَيْنَ الصَّفَا والمروةِ فإن كَانَ مُعْتَمِراً مُتَمتعاً أوْ غَيْرَ مُتَمتع حَلَقَ رَأْسَه (١) أوْ قَصَّرَ وَصَارَ حَلاَلاً، وَسَيَأتي بَيَانُ حَال الْمُعتَمِر مبسُوطاً في بَابِ العمرةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
ثم المُعْتَمِر إن كانَ مُتمَتعاً أقامَ بِمكةَ حَلاَلاً يَفعلُ مَا أرَادَ مِنَ الْجِمَاعِ وَغيره مَا كَانَ عَلَيْهِ حَرَاماً بِالإِحْرَامِ، فَإِذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَمِرَ تَطَوُّعاً (٢) كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيُسْتَحَب الإِكثَارُ مِنَ الاعْتِمَارِ كَمَا سَيأْتي في بَابِ المُقَامِ بِمَكَّةَ إن شَاءَ الله تَعَالَى، فإِذَا كَانَ عِندَ خُروجِهِ إِلَى عَرَفَات يَوْمَ التَّرْوِيةِ وَهُوَ الْيَوْمُ الثامِنُ مِن ذِي الحواشي
(١) أي إن كان رأس المتمتع يسود قبل مجيء وقت حلقه في الحج. وأما عمرة غير المتمتع فَيُسَن له حَلْق رأسه مطلقاً.(٢) ليس بقيد بل ولو واجباً كنذر وقضاء لعمرة أفسدها.стр. 261
الحِجَّةِ أحرَمَ مِنَ مَكَّةَ بِالْحجِّ (١) وَكَذَا مَنْ أراد الْحَج مِنْ أَهْلِ مَكّةَ (٢) الْكَائنينَ فِيهَا ذَلِكَ الوَقْت سَوَاءٌ المقيمُونَ والغُربَاءُ وَقَدْ سَبَقَ بيان إِحْرَامِهِ.
وَإِنْ كَانَ الَّذِي فَرَغَ مِنَ السَّعْي حَاجَّاً مُفْرداً أوْ قَارِناً فَإنْ وَقَعَ سَعْيُهُ بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ فَقَدْ فَرَغَ مِنْ أرْكَانِ الْحجِّ كُلِّهَا وَبقِيَ عَلَيْهِ المبيتُ بمنى وَرَمْيُ أيَّامِ التَّشرِيقِ وإنْ وَقَعَ بَعْدَ طَوَافِ القُدُوم فَلْيَمْكُثْ بِمَكَّةَ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنَ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ ذِي الْحِجةِ فَإذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَبْلَهُ وهُوَ الْيَوْمُ السَّابعُ خَطَبَ فيه الإِمامُ بَعْدَ صَلاَةِ الطهْرِ خُطْبةً (٣) فَرْدةً عِنْدَ الْكَعْبةِ وَهِيَ أولُ خُطَبِ الْحَجّ الأَرْبَعِ.
وَاعْلَمْ أَنهُ يُسْتَحَبُّ للإمَامِ الَّذِي هُوَ الخَلِيفَةُ إذَا لم يَحْضُرْ بِنَفْسِهِ الْحَج أنْ يَنْصِبَ أمِيراً عَلَى الْحَجِيجِ وَيُطيعُونَهُ فيما ينوبُهُمْ وَسَيَأتِي إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى فِي آخرِ الْكِتَابِ بَيَانُ صِفَاتِ هَذَا الأمير وَأحْكَامِهِ وَيَنْبَغِي للإمَامِ أوْ مَنْصُوبِهِ أنْ يَخْطُبَ خُطَبَ الْحَج وَهُنَّ أرْبَعُ (٤) خُطَب: إِحْدَاهُنَّ يومَ السَّابع بِمَكَّةَ وَقَدْ الحواشي
(١) محله كما تقدم إذا كان المتمتع واجداً للهدي، أمّا مَنْ فقده فتقدم أيضاً أنه يحرم ليلة الخامس ويصومه وتالييه ويفطر الثامن لأنه يوم السفر والتاسع لأنه يوم عرفة يسن فطره للحاج للاتباع.(٢) هو قول الأئمة في الاستحباب إلا الإمام مالكاً فإنه يستحب الإِهلال لهم من أول ذي الحجة لقول عمر بن الخطاب ﵁ لأهل مكة: (ما لكم يقدم الناس عليكم شعثاً؟ إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج) ودليل الأئمة قول جابر ﵁: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج).(٣) الدليل عليها كما في المهذب والمجموع حديث البيهقي الذي رواه عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم قال المصنف في المجموع: وإسناده جيد.(٤) هذا مذهب الإمام الشافعي ﵀ وبه قال داود ﵀، وقال مالك وأبو =стр. 262
ذَكَرْنَاهَا والثانِيةُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالثالِثَةُ يَومَ النَّحْرِ بمنى (١) وَالرَّابِعَةُ يَوْمَ النَّفْرِ الأَوَّلِ بمنى (٢) أيْضاً يُخْبِرُهُمْ فِي كُلّ خُطْبةٍ بما بَيْنَ أيْدِيهِم مِنَ الْمَنَاسِكِ وَأحْكَامِهَا إِلى الْخُطْبَةِ الأُخْرَى وكُلُّهُنَّ أَفْرَادٌ بَعْدَ صَلاَةِ الظهْرِ إِلا التِي بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُمَا خُطْبَتَانِ وَقَبْلَ صَلاَةِ الظُّهْرِ كَمَا سَيَأتِي (٣) إِنْ شاء اللهُ تَعَالى.
ويَأْمُرُ الإِمامُ الناسَ في الخُطْبةِ التي في اليوم السابعِ بِمَكَّةَ أَنْ يَسْتَعِدُّوا للْغُدُو أو الرَّوَاحِ مِنَ الْغَدِ إِلَى مِنى. وَيَأْمُرُ المُتَمَتعين (٤) أنْ يَطُوفُوا (٥) قبلَ الخروجِ إِلَى مِنى وَإنْ كانَ يومُ السابعِ يوم جُمعَةٍ خطب الإِمام للجمعة وصَلاَّهَا الحواشي
(١) صَحت فيها أحاديث كثيرة منها كما في المجموع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن النبي ﷺ بينما هو يخطب يوم النحر، قام إليه رجل فقال: كنت أحسب يا رسول الله كذا وكذا قبل كذا وكذا) الحديث رواه البخاري ومسلم.(٢) فيها أحاديث منها كما في المجموع حديث سُرَّاءَ بنت نبهان الصحابية ﵂ -وهي بضم السين المهملة وتشديد الراء- وبالإمالة قالت: (خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرءوس فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس أوسط أيام التشريق؟) رواه أبو داود بإسناد حسن ولم يضعفه.(٣) أي في هذا الباب بعد قوله ﵀: فإذا زالت الشمس ذهب الإمام والناس إلى المسجد المسمى مسجد إبراهيم ﷺ ويخطب الإِمام قبل صلاة الظهر خطبتين، إلى آخره. قال: سأذكر هناك إن شاء الله دليل الخطبتين وكونهما قبل صلاة الظهر.(٤) أي والمقيمين بمكة إذا أحرموا بالحج منها كما في المجموع.(٥) أي بعد إحرامهم ومنع مالك وأحمد هذا الطواف، وأما المفردون والقارنون فلا يطوفون هذا الطواف لبقاء نسكهم فتوجههم لإتمامه، وأما المتمتعون والمقيمون سابقوا الذكر فإن توجههم لابتداء نسك فندب لهم أن يودعوا لمشابهتهم لمن قضى نسكه وأراد التوجه إلى بلده فإن لم يفعلوا لم يجب عليهم دم لأنه لا يجب في ترك مندوب والمشابهة المذكورة لا تقتضي وجوب ذلك لضعفها.стр. 263
ثُم خَطَبَ هذِهِ الخُطْبَةَ لأَنَّ السُنَّةَ فيهَا التأَخيرُ (١) عَنِ الصلاةِ ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي اليَوْمِ الثامِنِ إِلَى مِنى وَيَكونُ خروجُهُم بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ بِمَكَّة (٢) بِحَيثُ يُصَلونَ الظُّهْر (٣) بِمِنى وَهذا هُوَ الْمَذْهبُ الصَّحِيحُ المشهُورُ مِنْ نُصِوصِ الشَّافِعِي وَالأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ الله تَعَالَى، وَفِيْ قَوْل يُصَلونَ الظهْرَ بِمَكةَ ثمَّ يَخْرُجُونَ (٤) .
فَإِنْ كَانَ اليومُ الثَّامِنُ يومَ الجمعةِ خَرَجُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لأَنَّ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمَعَةِ (٥) إِلَى حَيْثُ لاَ يُصَلِّي الْجُمعَةَ حَرَامٌ أو مكْرُوه (٦) وَهُمْ لاَ يُصَلُونَ الحواشي
(١) أي ولأنها لا تشارك خطبة الجمعة إذْ القصد بها التعليم لا الوعظ والتخويف بخلاف خطبة الكسوف فيما لو اجتمع كسوف وجمعة وتعرض الإمام في خطبة الجمعة لخطبة الكسوف فإنه يكتفي بخطبة الجمعة عنها، لأن القصد فيهما الوعظ والتخويف والله أعلم.(٢) والأكمل أن يكون الخروج إلى منى يوم التروية (الثامن من ذي الحجة) ضحى للاتباع ولا ينافيه قول المصنف بعد الصبح. قال في كشاف القناع للعلامة منصور البهوتي الحنبلي ﵀: ثم يخرج إلى منى قبل الزوال. اهـ. وقال المصنف ﵀ في مجموعه: قال أبو حنيفة: وكل هذا قريب إلا أنهم يصلون الظهر بمنى. اهـ. وقال العلامة ابن رشد في بدايته: واتفقوا على أن الإمام يصلي بالناس بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء. اهـ.(٣) أي في أول وقتها.(٤) قال في الحاشية: وما وقع في أصل الروضة في الإحرام من أنهم يخرجون بعد صلاة الظهر ضعيف كما أفاده المصنف بقوله هنا وفي قول إلخ. اهـ.(٥) أي بعد الفجر وقبل الزوال كما في المجموع، وفي كشاف القناع للعلامة البهوتي الحنبلي: ولو صادف يوم جمعة وهو مقيم بمكة ممن تجب عليه وزالت الشمس وهو بمكة فلا يخرج قبل صلاتها -أي الجمعة- لوجوبها بالزوال، وقبل الزوال إنْ شاء خرج إلى منى، وإن شاء أقام بمكة حتى يصليها أي الجمعة. اهـ.(٦) قال في الحاشية: المذهب أنه حرام ومحله كما هو ظاهر وصرح به ابن النقيب في مقيم بمكة إقامة مؤثرة في منع الترخيص، أما غيره فله السفر بعد الفجر وقول المتولي =стр. 264
الْجُمُعَةَ بِمِنى وَلاَ بِعَرَفَاتٍ لأنَّ شَرْطَهَا دارُ الإِقَامَةِ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: فَإِنْ بُنِيَ بِهَا قَرْيةٌ (١) واسْتَوَطَنَهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ أقَامُوا الْجُمُعَة هُمْ وَالنَّاسُ مَعَهُمْ (٢) . الحواشي
(١) أقول: قد أصبحت منى بلدة وسكانها يزيدون أضعاف أضعاف العدد المشروط في الجمعة بكثير، والآن تقام بمسجد الخيف جمعة، بل وجميع الصلوات، وللمسجد المذكور إمام رسمي ومؤذن كذلك من جهة حكومتنا السنية وفقها الله وجميع حكومات المسلمين لمرضاته آمين.(٢) قال في الحاشية: والذي يظهر أنه لو أقيمت جمعة في منى أيام التشريق أو العيد لزم نحو المكي الحضور ويؤيده قولهم: إن المسافر إذا لم يحل له القصر تلزمه الجمعة وينبغي تقييده بما إذا لم يرد النفر إلى مكة للطواف وإن كان وقته موسعاً. اهـ.
حكم البناء بمنى
قال العلامة ابن حجر المكي ﵀ في حاشيته على الإِيضاح: قال الزركشي: إن منى لا يجوز إحياؤها، وإنْ جاز البناء فيها للارتفاق فتصير مساكنهم مشتركة. اهـ.
وقوله: "وإنْ جاز" سبقه إليه الإِسنوي حيث قال: البناء بعرفة ومزدلفة ومنى ممتنع، وعللوه بالتضييق فإنْ بنيت لانتفاع الواقفين بها عامة فيحتمل الجواز لعدم الاختصاص ويكون ذلك مستثنى ويؤيده اتفاقهم على مسجد الخيف ويحتمل المنع للتضييق بموضع الجدار. اهـ.
والبلقيني حيث قال: ويخرج من كلام حكاه الحاكم والبيهقي عن الشافعي ﵁ ما يدل على جواز البناء بمنى حيث قال: بنيت بمنى مضرباً يكون لأصحابنا إذا حجوا ينزلون فيه. اهـ. قال أبو زرعة: والظاهر أن الشافعي لم يحتجز ما بناه عن الناس بل جعله مسبلاً لهم ففيه زيادة إرفاق للحجيج في نزولهم في مكان يأويهم من الحر والبرد والمطر والممتنع إنما هو البناء الذي يقصد به بانيه تملكه ومنع الناس منه. اهـ. ووافقه على ذلك العلائي حيث حمل بناء الشافعي ﵁ على إنه إنما كان لأجل الارتفاق به من جهة الظل، وصيانة الأمتعة ونحو ذلك لا للتحجر وأخذ الأجرة على النزول =стр. 265
(فرع): اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى يوم التروية فإنهم يتروون مَعَهُمُ الْمَاءَ مِنْ مَكَّة (١) وَالْيَومُ التَّاسِعُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْعَاشِرُ يَوْمُ النَّحْرِ والْحَادِي عَشَرَ الْقَرُّ بفَتْح القَافِ وتَشْدِيد الرَّاءِ لأَنَّهُمْ يقرُّونَ فِيهِ بِمِنى والثاني عَشَرَ يَوْمَ النَّفْرِ الأَوَّلُ (٢) والثالثَ عَشَرَ يَوْمُ النَّفرِ الثانِي (٣) . الحواشي
(١) قال في الحاشية: أي لأنه لم يكن بعرفة ولا منى ماء، وظاهر كلامه كغيره عدم تقييد التروي بماء مخصوص لكن قيده ابن خليل بماء زمزم ثم ما ذكره التعليل هو المشهور وقيل: لأن جبريل أرى إبراهيم عليهما الصلاة والسلام مناسكه فيه وعليه فقياسه أنْ يسمى يوم الأراء لا التروية. وقيل: لأنه تروى فيه من الروية في ذبح ولده وقيل: لأن آدم رأى فيه حواء عندما أهبط إلى الأرض ويسمى أيضاً يوم النقلة لانتقالهم فيه إلى منى، وظاهر كلامه أن يوم السابع لا اسم له، وهو ما صرح به في المجموع لكن ذكر غيره أنه يسمى يوم الزينة لتزيينهم المحامل فيه إلى عرفة. اهـ. أقول: والآن ولله الحمد الماء ميسور بعرفة ومزدَلفة ومنى.(٢) أي ويوم الرءوس كلهم فيه رءوس الهدي.(٣) أي ويوم الخلاء لخلو منى منهم.стр. 266
ثُمَّ إِذا خَرَجُوا يَوْمَ الترْوِيةِ إِلى مِنَى فالسُّنَّةُ أنْ يُصَلُّوا بِهَا الظهْرَ والْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ وَيَبِيتُوا بِهَا وَيُصَلونَ بِهَا الصُّبْحَ (١) وَكُل ذَلِكَ مَسْنُون لَيْسَ بِنُسُك وَاجِب (٢) فَلَوْ لَمْ يَبِيتُوا بِهَا أصْلاً وَلَمْ يَدْخُلُوهَا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ (٣) لَكِنْ فَاتَتْهُمْ السُنَّة (٤) فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى ثَبِير وَهُوَ جَبَل (٥) مَعْرُوف الحواشي
(١) قال الزعفراني: ويقصد مسجد الخيف فيصلى فيه ركعتين ويصلي بها مكتوبات يومه وصبح غده عند الأحجار التي بين يدي المنارة فإنه مصلى رسول الله ﷺ قاله أهل العلم. اهـ. والضمير في قاله يحتمل رجوعه إلى كل ما ذكره ويحتمل عوده للأخير فقط وعلى كل فكلامه يحتج به في أن السنة صلاة المكتوبات في هذا المبيت بمسجد الخيف. اهـ حاشية.(٢) أي لتخلف السيدة عائشة ﵂ ليلة التروية حتى ذهب ثلث الليل، وصلى ابن الزبير ﵄ الظهر يوم التروية بمكة كما في المجموع نقلاً عن ابن المنذر رحمه الله تعالى.(٣) هو مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة رحم الله تعالى الجميع، ومذهبم أن الحاج ينزل من منى حيث شاء كما في المجموع عن ابن المنذر رحمه الله تعالى ورحمنا والأمة رحمة عامة آمين.(٤) قال العلامة ابن حجر المكي في حاشيته: الظاهر أنهم إذا صلوا بها ما ذكر ولم يبيتوا أو باتوا بها ولم يصلوا ذلك بها حصلت لهم سنة الصلاة أو المبيت، وإنْ فاتتهم السنة الأخرى. اهـ.(٥) قال في الحاشية: قال -أي المصنف- في تهذيبه: على يمين الذاهب من منى إلى عرفات بالمزدلفة، وخالفه المحب الطبري فقال: إنه على يسار الذاهب إلى عرفة مشرف على منى من جمرة العقبة إلى تلقاء مسجد الخيف وأمامه قليلاً وكلام الأزرقي يوافقه، قيل: وأهل مكة أدرى بشعابها، ومِنْ ثَمَّ اعتمده جمع متأخرون لكن اعتمد آخرون الأول.
وقول المصنف: أنه بالمزدلفة أي يمتد من منى إليها فيوجد بهما فاندفع الاعتراض عليه بالإجماع على خلافه وبأن بمزدلفة جبلاً يسمى بذلك لكن ليس هو المراد قبل، فيستفاد منه أن بكل منهما جبلاً اسمه ذلك فلا يبعد اتصالهما في الجهة المذكورة. اهـ. =стр. 267
هُنَاكَ سَارُوا مِنْ مِنى مُتَوَجهِينَ إِلَى عَرَفَاتٍ واسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أنْ يقُولَ في مَسِيرِهِ: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ وَلَوجهِكَ الْكَرِيمِ أردْتُ فاجْعَلْ ذنْبِي مَغْفُوراً وَحَجي مَبْرُوراً، ارحَمْنِي وَلاَ تخيبني إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيُكْثِرُ مِنَ التَّلْبِيَةِ. قَالَ أقْضَى القُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ (١) : يُسْتَحَب أَنْ يَسِيرُوا عَلَى طَرِيقِ الحواشي
(١) هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الإمام المعروف بالماوردي ﵀ المتوفى سنة خمس وأربعمائة هجرية عن ست وثمانين سنة، صاحب الحاوي والإِقناع في الفقه وأدب الدين والدنيا والتفسير ودلائل النبوة والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة الملك وغير ذلك، وهو أول من لقب بأقضى القضاة، فاعترض عليه بعض أهل عصره بأن هذا اللفظ شبه أحكم الحاكمين فيدخل فيه الباري تعالى. وكذا قاضي القضاة لأنه تعالى وصف نفسه بالقضاء في غير آية نحو ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ويدخل فيه كل قاض =стр. 268
ضَب (١) وَيَعُودُوا عَلَى طَرِيقِ المأْزمَيْنِ (٢) اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَليَكُنْ عَائِداً فِي طَريق غَيْر التي صَدَرَ مِنْهَا كَالْعِيدِ. وذكر الأزرَقي نَحْوَ هَذَا، قَالَ الأَزْرَقِي: وَطَرِيقُ ضَب مُخْتَصَر مِن المُزْدَلِفَةِ إِلَى عَرَفَةَ وَهو فِي أصْلِ المأزمَيْن عَنْ يَمِينَكَ وَأنْتَ ذَاهِب إِلَى عَرَفَاتِ (٣) وَاللهُ تَعَالَى أعْلَمُ.
فَإِذَا وَصَلُوا نَمِرة (٤) ضُرِبَتْ فِيهَا قُبةُ الإِمامِ وَمَنْ كَانَ لَهُ قُبَّة ضَرَبَهَا اقتداءَ بِرَسُولِ الله ﷺ ولاَ يَدْخُلُ عَرَفَاتِ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوالِ وَبَعْدَ صَلاَةِ الظهْرِ وَالْعَصْرِ مَجمُوعَتَيْنِ كما سَنَذْكُرُه إنْ شَاءَ الله تَعَالَى. الحواشي
(١) ضب: اسم الجبل الذي بأصل مسجد الخيف، وهذه الطريق إذا سلكها الصاعد إلى عرفات يكون مسجد مزدلفة والمأزمان أي الأخشبان وعلما الحرم على يساره. والآن في وقت الحج تسلكها السيارات في صعودها إلى عرفات.(٢) يُعْرَفان الآن بالأخشبين وهما الجبلان الواقعان فيما بين عرفة ومزدلفة، وهذه الطريق إذا سلكها الصاعد إلى عرفات صار مسجد مزدلفة على يمينه. ثم يسير بين المأزمين، ثم يأتي على عَلَمَيْ الحرم وعلى عَلَمَيْ وادي عرنة بالنون.(٣) نقل الأزرقي رحمه الله تعالى عن بعض المكيين كما في الحاشية أنه ﷺ : (سلك هذه الطريق حين غدا من منى إلى عرفة).(٤) نمرة: بفتح النون وكسر الميم. ويجوز إسكانها مع فتح النون وكسرها. قال العلامة ابن القيم ﵀ كما في مفيد الأنام: نمرة قرية غربي عرفات وهي خراب اليوم. وقال الأزرقي ﵀: ونمرة هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من مأزمَيْ عرفة تريد الموقف. اهـ. أقول: يجمع بين القولين بأن القرية سميت =стр. 269
وَأَمَّا مَا يفْعَلُهُ النَّاسُ فِي هذه الأَزْمَانِ مِنْ دُخُولهِمْ أرْضَ عَرَفَات في الْيَوْمِ الثامِنِ فَخَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُنَّةِ وتَفُوتُهُمْ بِسَبَبِهِ سُنَنٌ كَثِيرَة مِنْهَا الصَّلاةُ بِمِنى والْمَبيتُ بِهَا والتَّوجهُ مِنْهَا إِلَى نَمِرَةَ والنُّزُولُ بِهَا والْخُطْبةُ والصَّلاةُ قَبْلَ دُخُولِ عَرَفَات وغيرُ ذَلِكَ فالسُّنَّةُ أنْ يَمْكُثُوا بِنَمِرَةَ حتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ويغْتَسِلُوا (١) بِهَا للوقوفِ فإذَا زالت الشَّمْسُ ذهَبَ الإِمامُ والنَّاسُ إلى المسجِدِ المسمى مسجد إبْراهِيمَ (٢) ﵊ وَيَخْطُبُ الإِمَامُ قبلَ صلاةِ الظُّهْرِ خُطْبَتَيْن (٣) يبين لَهُمْ في الأولَى الوقوفَ وشرطَهُ ومتى الدَّفْعُ من عَرَفَةَ إلى المُزْدَلِفة وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا بَيْنَ أيْدِيهِمْ ويُحَرّضُهُمْ عَلَى إكْثَارِ الدُّعَاءِ والتهليلِ بالْموقِفِ ويُخَفّفُ هذه الْخُطْبةَ لَكِنْ لاَ يَبْلُغُ تَخْفِيفُهَا تَخْفِيفَ الثَّانِيةِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا جَلَسَ قَدْرَ الحواشي
(١) أي ندباً قبل الزوال لما أخرجه مالك عن ابن عمر ﵃: (أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أنْ يُحْرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة) وكذا روى الغسل عن عمر بن الخطاب ﵁ وعن ابن مسعود ﵁ كما في القرى للطبري رحمه الله تعالى.(٢) بنى هذا المسجد في أول دولة بني العباس ﵁ وكانت له مئذنة واحدة والآن جدد، وبنيت له ست مآذن كما هو مشاهد في عام ١٣٩٨ هجرية في عهد الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود وفقهم الله لمرضاته آمين.(٣) أي عند الشافعية خلافاً للأئمة الثلاثة فعندهم خطبة واحدة. قال المصنف ﵀ في المجموع.
(فرع): مذهبنا أن في خطبة عرفات يخطب الأولى قبل الأذان ثم يشرع الإمام في الخطبة الثانية مع شروع المؤذن في الأذان. وقال أبو حنيفة: يؤذن قبل الخطبة كالجمعة.
واحتج أصحابنا بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ خطب يوم عرفة وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم .. إلى آخر خطبته" قال: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم =стр. 270
قَرَاءَةِ سُورَةِ الإِخْلاَصِ ثُمّ يقوم إلى الخُطْبَةِ الثانية ويأخُذُ المؤَذنُ في الأذانِ (١) وَيُخَففُ الْخُطْبةَ بحيثُ يفرُغُ منها مع فراغ المؤذنِ مِنَ الأذانِ وقيل معَ فراغِهِ من الإِقَامَةِ ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلَي بالنَّاسِ الظهْرَ ثُم الْعَصْر جَامعاً بينهما وقد تَقَدَّم بيانُ الجمعِ وأحْكَامُهُ في أوّلِ الكتابِ، ويكُونُ جمعُهُ بأذَانٍ (٢) وإقامتيْن ويُسِرُّ بِالقِرَاءَة (٣) ، ثُمَ قيل إِنَّهُ يَسْتَوِي في هذَا الْجَمْعِ المقيمُ والمُسَافِرُ وأنَّهُ يَجْمَعُ بسببِ النُّسُكِ (٤) والأَصَحُّ أَنهُ بِسَبَبِ الحواشي
(١) فإنْ قيل: الأذان يمنع سماع الخطبة أو أكثرها فيفوت مقصودها.
أجيب كما في مغني المحتاج للعلامة محمد الشربيني الخطيب رحمه الله تعالى: بأن المقصود بالخطبة من التعليم إنما هو في الأولى. وأما في الثانية فهي ذكر ودعاء، وشرعت مع الأذان قصد المبادرة بالصلاة والله أعلم.(٢) عند الإِمام مالك ﵀ بأذانين وإقامتين لكل صلاة أذان وإقامة.(٣) قال في المجموع: نقل ابن المنذر رحمه الله تعالى الإجماع عليه. ونقل أصحابنا عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى الجهر كالجمعة. دليلنا أَنه لم ينقل عنه ﷺ الجهر. اهـ.(٤) هو مذهب المالكية والحنابلة قال في المجموع: به قطع الصيمري والماوردي في الحاوي من الشافعية. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: وهذا الجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء بالمزدلفة بعد الدفع من عرفة متفق عليه بين العلماء =стр. 271
السَّفَرِ (١) فَيَخْتَص بالمسَافِر سَفَراً طويلاً وهو مرحَلَتانِ (٢) وَلاَ يقْصرُ إِلاَّ مَنْ كانَ مُسَافراً سفراً طَويلاً بِلاَ خِلاَفِ (٣) . الحواشي
(١) هو مذهب الشافعي وأبو حنيفة لا يجيز الجمع إلا لمن صلى مع إمام الحج لأنه لا يقول بالجمع إلا جمع مزدلفة فقط فلا يجمع المنفرد عنده ويجمع عند الأئمة الثلاثة.(٢) أي عند الأئمة الثلاثة وثلاثة أيام عند أبي حنيفة.(٣) أي عند الشافعية كما في المجموع، وقول الشافعية هو قول أبي حنيفة وأحمد والجمهور كما في المجموع، فعند هؤلاء الأئمة والجمهور لا يجوز القصر لأهل مكة ولا لمن جاء من أقل من مسافة القصر. وقال مالك والأوزاعي وسفيان بن عُيَيْنة والقاسم بن محمد وسالم يقصرون.
فعند الإمام مالك يجمع ويقصر الحجاج مطلقاً سواء كان سفرهم طويلاً أو قصيراً، وكذا أهل مكة ومَنْ في معناهم لروايته في موطئه بإسناده الصحيح عن عمر ﵁ أن لَما قَدِمَ مكةَ صلى بهم ركعتين ثم انصرف. فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْرٌ، ثم صلى ركعتين بمنى ولم يبلغني أنه قال لهم شيئاً، وعند الإمام أحمد يجوز الجمع لكل مَنْ بعرفة من مكي وغيره، ولا يقصر أهل مكة ومَنْ في معناهم، وعند الإمام الشافعي: لا يجوز الجمع ولا القصر لأهل مكة ومَنْ في معناهم لقوله: الجمع والقصر للسفر الطويل، ولم يثبت عنه ﷺ أنه صلى الظهر والعصر وقصر وجمع بأهل مكة، ومَنْ في معناهم، فوجب عليهم الإتمام قياساً على قوله ﷺ لأهل مكة بمكة في غزوة الفتح:
"أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" وعند أبي حنيفة كالشافعي غير أنه يوجب الجمع في مزدلفة لجميع الحجاج مكيين وغيرهم، ولا يقول بالقصر إلا للمسافر سفراً طويلاً، ويجيز الجمع بعرفة لمن صلّى مع الإمام كما تقدم، فلو صلى الحاج المغرب قبل أن يأتي المزدلفة فعليه الإعادة عند أبي حنيفة، وأجاز أن يصلي الحاج الظهر والعصر كل صلاة في وقتها مع الكراهة ولم يوجب الإِعادة والله أعلم.стр. 272
وإذا كان الإِمَامُ مُسَافِراً (١) قَصَرَ وإذا سَلَّمَ قَالَ: يا أهل مَكَّةَ وَمَنْ سَفَرهُ قَصيرٌ أتمُّوا فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ وَيُصَلي السُّنَنَ الرَّاتِبَةَ كَمَا يُصَليها غيرُه مِمَّنْ يَجْمَعُ بين الصَّلاَتَين كما سَبَقَ بيانُهُ في أوَّلِ الكِتَابِ فَيُصلي أولاً سُنَّة الظهرِ التي قَبْلَهَا ثُم يُصَلي الظهْرَ ثُم العَصْرَ ثُمّ سُنَّةَ الظهْرِ التي بعدها ثم سنة العَصرِ ولا يَتَنَفلونَ بعدَ الصَّلاَتَيْنِ بِغَيْرِ السُّنَّةِ الرَّاتبةِ بل يبادُرونَ إلى تَعْجيلِ الوُقُوفِ، نصَ عليه الشَّافعي رَحِمهُ الله تعالى وهُوَ ظاهرٌ، ولو انفردَ بَعْضُهم بالجمع بعرَفَةَ أو المزدلفَةِ أو صلَّى إحْدى الصَّلاَتَيْنِ مع الإِمامِ والأُخْرَى وَحْدَهُ أو صَلى كُل واحِدَة في وَقْتِهَا جاز (٢) لكن السُّنَّة ما سَبَقَ.
ولو وافَقَ يَومُ عَرَفَةَ يومَ جمعة لم يصل الجمعة لأنّ مِنْ شروطِ الجمعةِ أنْ تكُونَ في دار الإِقامةِ وأنْ يصليهَا جَماعةٌ يسْتوطنُون ذلكَ الموضِعَ (٣) فَإذا فَرغُوا مِنَ الصَّلاَةِ سَارُوا إلَى المَوْقِف وعرفَاتٌ كُلُّها موقفٌ فَفِي أي موضع وقف منهَا أجْزأهُ لكن أفضلُها موقفُ رسول الله ﷺ وهُوَ عِنْدَ الصَّخراتِ الكِبَارِ الْمفترشَةِ في أسْفَلِ جبلِ الرحمةِ وهُوَ الجبلُ الَّذي بوسطِ عرفاتٍ ويقال له الحواشي
(١) أي سفر قصر، وإلا فينبغي له أن يستنيب لئلا يشق على المسافرين بتفويتهم السنة في حقهم من القصر والجمع.(٢) قد تقدم الكلام على هذا واختلاف العلماء فيه قريباً.(٣) هذا مذهب الشافعي ﵀. قال العلامة ابن رشد المالكي ﵀ في بدايته: اختلف العلماء في وجوب الجمعة بعرفة ومنى، فقال مالك ﵀: لا تجب الجمعة بعرفة ولا بمنى أيام الحج لا لأهل مكة ولا لغيرهم إلا أن يكون الإمام من أهل عرفة، وقال الشافعي مثل ذلك إلا أنه اشترط في وجوب الجمعة أن يكون هناك من أهل عرفة أربعون رجلاً على مذهبه في اشتراط هذا العدد في الجمعة. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا كان أمير الحج ممن لا يقصر الصلاة بمنى ولا بعرفة صلى بهم فيها الجمعة إذا صادفها. وقال أحمد ﵀: إذا كان والي مكة يجمع بهم وبه قال أبو ثور. اهـ.стр. 273
إِلآل (١) وزنُ هِلاَل وذكرهُ الجوهريُّ في صِحَاحِهِ بفتح الهمزةِ والمعروف كَسْرُهَا.
وأمَّا حدُّ عرفاتٍ فقالَ الشَّافعيُّ رحمهُ الله تعالَى: هُوَ ما جاوزَ واديَ عُرَنَةَ بضَمّ العينِ وفَتْحِ الرَّاءِ وبعدهَا نُونٌ إلى الجِبَالِ مِمّا يلي بساتِين بني عامرٍ (٢) . وَنَقَل الأَزْرقيُّ عن ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدُّ عَرَفَاتٍ مِنَ الحواشي
(١) بعض العامة يسميه القرين بضم القاف مصغراً.(٢) كانت هذه البساتين عند عرنة بالنون وبقربها مسجد إبراهيم المسمى مسجد عرنة بالنون تارة لأنه بني بها وبالفاء أخرى للمجاورة وكان بها نخل وعين تنسب إلى عبد الله بن عامر بن كريز ابن خال عثمان بن عفان ﵁ الذي افتتح فارس وخراسان.
قال المحب الطبري ﵀، وهي الآن خراب. قال الفاسي ﵀: وحَد عرفة من هذه الجهة الآن بينٌ، وهو علمان بعد العلمين اللذين هما حد الحرم إلى جهة عرفة، وكان ثم ثلاثة أعلام فسقط واحد وبقي أثره مكتوباً عليه: إن الآمر بإنشائها بين منتهى أرض عرفة ووادي عرنة مظفر الدين صاحب إربل سنة خمس وستمائة. اهـ. أقول ذكر الشيخ عبد الله بن جاسر في مفيد الأنام أنه اكتشف بساتين عبد الله بن عامر وإليك قوله رحمه الله تعالى: (وقد اكتشفتها في خامس عشر صفر سنة ألف وثلثمائة وثمان وثمانين هجرية فوجدت الساقي الذي يجري معه ماء العين مستطيلاً، ومشيت معه جنوباً شرقاً حتى أتيت على موضع بركة العين فوجدتها مبنية هي وساقيها بالحجارة والنورة القوية الصلبة وقد عجزت عن فصل النورة وهذا أول اكتشاف لبساتين ابن عامر وعينها، وجدت موضعها على طبق ما حدده الشافعي).
أقول: فأخذ الشيخ بعد ذلك يذكر حدود عرفة إلى أنْ قال: (وبمشاهدة عَلَمَيْ عرفة القديمين يتضح أنّ جميع المسجد يعني مسجد نمرة ليس من عرفة، ويقال: إن صدر هذا المسجد كانت بنايته في المحل الذي خطب فيه رسول الله ﷺ الخطبة البليغة وصلى فيه رسول الله ﷺ يوم عرفة صلاة الظهر والعصر جمع تقديم وذلك في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة النبوية والعلمان القديمان المذكوران يقعان شرقاً شمالاً عن المسجد المذكور =стр. 274
الجبلِ (١) الْمُشْرِفِ على بَطْنِ عُرَنَةَ (٢) إلى جبالِ عَرَفَة إِلى وَصيقٍ (٣) إلى مُلْتَقَى وصيق وَوَادِي عَرَفَةَ قَالَ بعضُ أصْحَابِنَا لَعَرَفَات أرْبَعَةُ حُدُود:
أحدها: يَنْتَهِي إلى جَادَّةِ طَرِيقِ الْمَشرِقِ.
والثاني: إلَى حَافَاتِ الْجَبَلِ الذي وَرَاءَ أرْضِ عَرَفَاتٍ.
والثالث: إلى الْبَسَاتينِ التي تَلِي قَرْيةَ عرفاتٍ وهذه الْقَرْيةُ عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِل الكعبَةِ إذَا وَقَفَ بِأرْضِ عرفاتِ.
والرابع: يَنْتَهِي إلى وادي عُرَنَةَ. قَالَ إمامُ الْحَرَمَيْنِ: ويطيف بمُنفَرجَاتِ عَرَفاتٍ جِبَالٌ وجوهها المقبلة من عرفات.
واعلمْ أنهُ ليسَ مِنْ عرفَاتٍ وادي عُرَنَةَ (٤) ولا نمرةُ ولا المسجدُ الذي الحواشي
(١) أسماه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجاسر ﵀ في مفيد الأنام (بسعد) فقال هي يعني عرفة - من الشرق الجبل المشرف المسمى "سعداً" إلى آخر كلامه.(٢) عرنة: بالنون إلى جبال (عرفة) بالفاء.(٣) وَصِيق بواو مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فتحتية مثناة فقاف.(٤) قال في المجموع: لو وقف ببطن عرنة -بالنون- لم يصح وقوفه عندنا، وبه قال جماهير العلماء وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن مالك أنه يصح ويلزمه دم، وقال =стр. 275
يُصلِّي فيه الإِمامُ المُسمَّى مسجد إبراهيمَ ﵇ ويقالُ لَهُْ أيضاً مَسجدُ عُرَنَةَ (١) بلْ هذه المواضعُ خارجُ عَرَفات على طَرَفِهَا الغربِي مما يلِي مُزدلفةَ ومنى ومكَّةَ وهَنَا الَّذِي ذَكَرناهُ مِنْ كَونِ المسجدِ لَيْسَ مِنْ عَرَفَاتٍ هُوَ نَصُّ الشافِعِي رحمه الله تَعَالى.
وقال الشَّيخُ أبُو محمَّدٍ الجوينيُّ: مُقَدَّمُ هذَا المسجدِ في طَرَفِ وادِي عُرَنة لاَ في عرفاتِ قَالَ: وآخره في عَرَفَاتٍ، قالَ: فمنْ وَقَفَ في مُقدَّمِ الْمَسْجِدِ لم يصحَّ وقُوفُهُ وَمَنْ وقفَ في آخره صحَّ وقُوفُهُ قالَ: وَيَتَمَيَّزُ ذلك بصَخراتٍ كِبَارٍ فُرِشَتْ في ذلِكَ الموضع هذَا قولُ الشيْخِ أبي محمدٍ الجويني وتَابعَهُ عليه جمَاعةٌ (و) بِهِ جَزَمَ الإِمامُ أبُو القَاسِم الرافعي مَعَ شدَّة تَحقيقِهِ واطِّلاَعِهِ فلعَلَّه زِيدَ فِيهِ بعد الشَافِعِيّ رحمةُ الله تَعَالَى (٢) مِنْ أرْضِ عَرَفَاتٍ هذَا القَدرُ المذْكُورُ فِي آخرِهِ وَبَيْنَ هذَا المسْجِدِ وَالْجَبَلِ الذي بِوَسَطِ عَرَفَات المُسَمَّى بجَبَلِ الرَّحْمَةِ قَدْرُ مِيلٍ وجميعُ تِلْكَ الأَرضِ يصحُّ الوُقُوفُ فِيهَا وَكَذَا غَيْرُهَا مما هُوَ دَاخِلٌ فِي الحَدِّ المذْكُور والله تَعَالَى أعْلَمُ. الحواشي
(١) مسجد عرنة -بالنون- تارة لأنه مقام بها وبالفاء أخرى لمجاورته لعرفة كما تقدم.(٢) هذا هو الذي جمع به العلامة ابن الصلاح بين مقالة الشافعي ومقالة الشيخ أبي محمد الجويني ﵏ جميعاً. كما في المجموع أقول الأحوط - وهو الذي ينبغي الوقوف بعرفة بعد آخر المسجد لا سيما بعد اختيار الفاسي ﵀ ذرعه فوجد مطابقاً لذرع الأزرقي المعاصر للشافعي رحمهما الله. وليس هناك إلا تفاوت يسير في الذرع لا اعتبار به كما أفاده في الحاشية لأنه لا يقتضي أنه زيد فيه لتفاوت ما قيس به، أو لغير ذلك والله أعلم.стр. 276
واعلَمْ أنَّ عَرَفَاتٍ لَيْسَتْ مِنَ الحرَمِ ومُنْتَهَى الْحَرَمِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ عِنْدَ الْعَلَمَيْنِ (١) المْنصُوبينِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْمأْزَمَيْنِ (٢) وَهُمَا ظاهران وَسَيَأتي في بابِ المقَامِ بمكةَ وفَضْلِهَا وبيانِ حُدُودِ الحرمِ إِنْ شاء الله تَعَالَى.
(فَرْع): وَاجِبُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ شَيْئَانِ:
أحَدُهُمَا: كَوْنُهُ في وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ العِيدِ (٣) فمن حَصَلَ بِعَرَفَةَ (٤) فِي لَحْظَة لَطِيفَةٍ مِنْ هذَا الوَقْتِ صَحَّ وُقُوفُهُ وَأدرَكَ الحَج ومن فاته ذلك فقد فاته الحج. الحواشي
(١) أقول قد جدد غالب الأعلام وكتب عليها حدود كل من عرفة ومزدلفة ومنى في زماننا عهد حكومتنا السعودية السنية متع الله بها وأرشدها إلى مرضاته آمين.(٢) أي الجبلين اللذين بين مزدلفة وعرفة ويقال لهما الأخشبان والآن قد أزيلا توسعة.(٣) هو مذهب الإمامين مالك وأبي حنيفة والجمهور وبه قال شيخ الإِسلام ابن تيمية. وقال الإمام أحمد: وقت الوقوف ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم النحر. دليل الجمهور أنه ﷺ وقف بعد الزوال وكذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم إلى اليوم. وحملوا حديث عروة بن مضرس الطائي الذي احتج به الإِمام أحمد على ما بعد الزوال قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبليْ طيىء قد أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي منْ حج؟ فقال ﷺ : "مَنْ شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقل قبل ذلك، ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه"، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح وأبو داود والنسائي، وزاد النسائي: (ومَنْ لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك).(٤) أي وهو محرم.
(تنبيه): قال في المجموع: إذا وقف في النهار ودفع قبل غروب الشمس ولم يعد في نهاره إلى عرفات، هل يلزمه الدم؟ فيه قولان الأصح أنه لا يلزمه، وقال أبو حنفية وأحمد: يلزمه. فإن قلنا يلزمه، فعاد في الليل سقط عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة =стр. 277
والثانِي: كَوْنُهُ أهْلاً لِلْعِبَادَةِ (١) وسَوَاءٌ فِيهِ الصَّبي وَالنَّائِمُ وَغَيْرُهُمَا، وأمَّا المُغْمَى عَلَيْهِ (٢) وَالسَّكْرَانُ (٣) فَلاَ يَصِحُّ وُقُوفُهُمَا لأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ العِبَادَةِ (٤) فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ العِبَادَةِ وَحَصَلَ فِي جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ أجْزَاءِ عَرَفَاتٍ في لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ وَقْتِ الْوُقُوفِ الْمَذْكُورِ صَحَّ وُقُوفُهُ حَضَرَهَا عَمْداً أوْ وَقَفَ مَعَ الْغَفْلَةِ أوْ مَعَ الْبَيع والشِّرَاءِ أوْ التحدُّثِ واللَّهْوِ أوْ في حالَةِ النومِ أو اجْتَازَ بِعَرفاتٍ في الحواشي
(١) أي في هذا الباب.(٢) قال في المجموع الأصح عندنا لا يصح وقوف المغمى عليه، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد وقال مالك وأبو حنيفة يصح. اهـ. أقول: المراد بالمغمى المغمى عليه جميع وقت الوقوف كما في الصوم والله أعلم.(٣) أي جميع وقت الوقوف.(٤) ومثلهما المجنون جميع وقت الوقوف. فيبني الولي بقية الأعمال على إحرام المجنون وكذا المغمى عليه والسكران إن أيس من إفاقتهما وإلا يبقيان لإفاقتهما ويقع لهم نفلاً وإنْ تعدوا كما في التحفة. وقال في النهاية يقع للسكران والمجنون نفلاً وإنْ تعديا بخلاف المغمى عليه. اهـ عمدة الأبرار.стр. 278
وَقْتِ الوقوفِ وهُوَ لاَ يَعْلَمُ أنَّها عَرَفَاتٌ ولم يَلْبثْ أصْلاً بَلِ اجْتَازَ مُسْرِعاً في طَرَفٍ من أرْضِهَا الْمحدُودَةِ أوْ كانَ نائماً عَلَى بَعيرِهِ فَانْتَهَى بِهِ البَعِيرُ إلى عَرَفَاتٍ فَمَرّ بِهَا البَعيرُ ولَمْ يَسْتيقظْ راكِبُهُ حتَى فَارَقَهَا أو اجْتازَهَا في طَلَبِ غَرِيم هاربٍ بينَ يَدَيْهِ أو بَهيمَةٍ شَارِدَة أو غَير ذَلِكَ ممَّا هُوَ في معنَاهُ صَحَّ وقوفهُ فِي جميعِ ذَلِكَ (١) ولَكِنْ يَفُوتُهُ كمالُ الْفَضيلَةِ.
أَمَّا سُنَنُ الوُقُوفِ وآدَابُهُ فَكَثيرٌة:
إحداها: أن يغتسل بنمرة للوقوف (٢) .
الثانية: أن لا يَدْخلَ عَرَفَاتٍ إِلا بَعْدَ الزوَالِ والصَّلاَتَيْنِ.
الثالثة: أنْ يَخْطُبَ الإِمامُ خُطْبَتين ويَجْمَعَ الصَّلاَتَيْنِ كما سبقَ.
الرابعة: تَعْجِيلُ الوُقُوفِ عَقِبَ الصَّلاَتَيْنِ.
الخامسة: أنْ يَحْرِصَ على الوُقُوفِ بمَوْقفِ رسولِ الله ﷺ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ كما سبقَ بيانُهُ. وأمَّا ما اشْتَهَرَ عِنْدَ الْعَوَامِّ مِنَ الاعتنَاء بالوقوفِ على جَبَلِ الرَّحْمَةِ الذي بِوَسَطِ عرفاتٍ كما سبقَ بَيَانُهُ وترْجيحُهُمْ لَهُ عَلَى غيرِهِ من أرض عَرَفَاتٍ حتى ربما تَوَهَّمَ كثيرٌ مِنْ جَهَلَتِهِم أنَّهُ لا يصحُّ الوقوفُ إلاَّ بِهِ فخطأ مُخَالِف للسُّنَّةِ، ولم يَذْكُرْ أحدٌ مِمَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صُعُودِ هَذَا الْجَبَلِ فضيلةً الحواشي
(١) هو مذهب الأئمة رحمهم الله تعالى لعموم قوله ﷺ في حديث عروة بن مضرس ﵁: (وقد أتى قبل ذلك ليلاً أو نهاراً). وقال أبو ثور لا يجزئه لأنه لا يكون واقفاً إلا بإرادة.(٢) أي قبل الزوال وقد تقدم دليله عند قول المصنف وأما ما يفعله الناس في هذه الأزمان من دخولهم أرض عرفات في اليوم الثامن فخطأ مخالف للسنة.стр. 279
إِلاَّ أبُو جَعْفَر محمدُ بن جريرِ الطبريُّ فإنه قال: يستحب الوقوفُ عليه وكذا قال أقضى القضاةِ أبو الحسن الماورديُّ البصري صاحبُ الحاوِي من أصْحَابِنَا: يُسْتَحبُّ أنْ يقْصدَ هذا الْجَبَلَ الذي يقالُ له جَبَلُ الدُّعاء. قال: وهو موقفُ الأنْبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيْهِمْ أجمعينَ.
وهذا الَّذِي قالاهُ لا أصْلَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فيه حديثٌ صحيحٌ ولا ضعيفٌ والصوابُ الاعتِنَاءُ بمَوْقِفِ رسول اللهِ ﷺ وهو الذي خَصَّه الْعُلَمَاءُ بالذِّكْر والتَّفْضيلِ وحَديثُهُ في صحيح مُسْلم وغيرِهِ. وقد قال إمامُ الْحَرَمينِ في وَسَطِ عَرفَاتِ جَبَلٌ يُسَمَى جَبَلَ الرَّحْمَةِ لا نُسُكَ في صَعُودِهِ وإِن كَانَ يَعْتَادُهُ النَّاسُ.
فإذَا عَرَفْتَ ما ذَكَرَنَاهُ فمن كانَ راكباً فَلْيُخَالِطْ بدابته الصَّخَراتِ المذكورَةَ ولْيداخلها كما فعل رَسُولُ اللهِ ﷺ (١) ومَنْ كانَ راجلاً قامَ على الصَّخَرَاتِ أو عِنْدهَا على حَسَبِ الإِمْكَانِ بحيثُ لا يُؤذِي أحداً وإذا لم يُمْكِنْهُ ذلكَ الْمَوْقِف فَيقْرُبُ ممَّا يقْرُبُ مِنْهُ وَيَتَجَنَّبُ كلَّ موضعٍ يُؤْذِي فيه أو يَتأذى.
السادسة: إذَا كانَ يَشُق عَلَيْهِ الوُقُوفُ مَاشياً أو كان يَضْعُفُ بهِ عَنْ الدُّعَاءِ أو كانَ مِمَّنْ يقتَدَى بِهِ وَيُسْتَفْتَى فَالسُّنَّةُ أنْ يقِفَ رَاكِباً وَهُوَ أفْضَلُ مِنَ الْمَاشِي فإنْ كَانَ لا يَضْعُفُ بالوُقُوفِ ماشياً ولا يَشُق عَلَيْهِ وَلاَ هُوَ ممنْ يُسْتَفْتَى فَفِي الأَفْضَلِ أقْوالِ للشَّافعِيّ رَحِمه الله تعالى: أصَحُّهَا رَاكِباً أَفْضَلُ (٢) اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ولأَنَّهُ أعونُ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ الْمُهِم في هذا الموضعِ. الحواشي
(١) جاء في حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ : (جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات).(٢) به قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قال ابن الحاج رحمه الله تعالى كما في مفيد الأنام: وهذا مستثنى من النهي عن اتخاذ ظهور الدواب مجلساً يجلس عليها. اهـ.стр. 280
والثاني: مَاشِياً أفْضَلُ.
والثالث: هُمَا سَوَاء (١) هَذَا حُكم الرَّجُلِ.
وأمَّا الْمَرْأةُ فالأَفْضَلُ أن تكونَ قاعِدَة (٢) لأَنَّهُ أستر لَهَا ومِمَّنْ صَرَّحَ لمسأَلةِ المَاوَرْدِيُّ قَالَ: وَيُسْتَحَب لَهَا أن تكُونَ فِي حَاشِية الْمَوْقِفِ (٣) لاَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ والزحْمَةِ.
السابعة: الأَفضلُ أن يكونَ مُسْتَقْبلاً لِلْقِبْلَةِ (٤) مُتَطهِراً سَاتِراً عَوْرَتَهُ فَلَوْ وَقَفَ مُحْدثاً أو جُنُباً أو حَائِضاً أوْ عَلَيْهِ نَجَاسَة أوْ مكشُوفَ الْعَوْرَةِ صَحَّ وقُوفُهُ وفَاتَتْهُ الفَضيلةُ.
الثامنة: أن يكُونَ مُفْطِراً فَلاَ يصُومُ سَوَاء كانَ يَضْعُفُ بِهِ أمْ لا لأنَّ الفِطْرَ أعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ وقد ثَبَتَ في الصَّحيحِ أن رسول اللهِ ﷺ وقَفَ مُفْطراً واللهُ تعالى أعلمُ.
التاسعة: أن يكُونَ حاضِر القلبِ فارغاً من الأمُورِ الشَّاغِلَةِ عَنْ الدُّعَاءِ وينبغي أن يقدمَ قَضَاءَ أشْغَالِهِ قَبْلَ الزوَالِ ويتفَرع بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَنْ جَمِيعِ العلائِقِ وينبغي أنْ لاَ يقِفَ فِي طُرُقِ القَوَافِلِ وَغَيْرِهِمْ لِئلاَّ يَنْزَعِجَ بِهِمْ.
العاشر: أنْ يُكثِر من الدُّعَاءِ والتَّهليلِ وقراءةِ القُرآنِ فهذه وظيفةُ هذَا الحواشي
(١) به قال الإِمامان مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى.(٢) هذا إن لم يكن لها هودج أو سيارة وإلا فالأفضل أن تكون فيه وفيها لأنهما أسترُ لها.(٣) محله عند أمنها من فراق أهلها.(٤) لقول جابر ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ واستقبل القبلة.стр. 281
المَوْضِعِ المُبَارَكِ ولا يقصِّرُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُعْظَمُ الْحَجّ ومُخُّهُ (١) ومَطْلُوبُهُ.
وفي الحديث الصَّحيحِ: الحج عَرَفَةُ (٢) فالْمَحْرُومُ مَنْ قَصَر فِي الاهتمامِ بِذَلِكَ واستفراغِ الْوُسْعِ فيهِ ويكثر من هذَا الذِكْر والدُّعاءِ قَائماً وقاعداً وَيَرْفَعُ يَديهِ فِي الدُّعاءِ ولا يُجَاوزُ بهما رأسَهُ (٣) ولا يتكَلَّفُ السَّجْعَ في الدعاءِ ولا بَأسَ بالدعاءِ المَسْجُوعِ إذا كانَ مَحْفُوظاً أو قالَهُ بلا تَكلفٍ ولا فِكْرٍ فيهِ بل الحواشي
(١) أي لبه وخالصه.(٢) قال في المجموع: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة. وهذا لفظ الترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه فأمر منادياً ينادي: الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. اهـ. وقال الطبري في القرى وأبو داود أي وأخرجه أبو داود وقال: جاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلاً فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج؟
فأمر رجلاً فنادى الحج يوم عرفة، من جاء ليلة جمع فتم حجه أيام منى إلى آخره. اهـ.
أقول: معنى الحديث والله أعلم كما هو ظاهر أن الركن الذي يدرك به الحج ويفوت بفوات زمانه هو الوقوف بعرفة ووقته من زوال يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، وبه قال عامة العلماء مالك وأبو حنيفة والجمهور. وقال أحمد: وقته من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوعه يوم النحر.
وقد تقدم الكلام على وقت الوقوف في الفصل الرابع في الوقوف بعرفات مع أدلة الفريقين ولله الحمد والمنة، وليس معنى (الحج عرفة) هو ما يفهمه بعض أهل زماننا -أصلحنا الله جميعاً- من أنه يقوم بالوقوف بعرفة ويقصر في باقي الأركان والواجبات والسنن ويقول (الحج عرفة) ويحمل الحديث على غير معناه ولا يبحث عن سبب وروده عنه ﷺ ليعرف معناه الصحيح وفقنا الله والمسلمين لمرضاته آمين.(٣) أي للاتباع أخرجه أحمد وغيره. وأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵄: رأيت رسول الله ﷺ ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين ولا ينافيه ما في رواية من أنه رفع يديه إلى السماء وباطنهما إلى الأرض وظاهرهما إلى السماء لاحتمال أن ذلك كان بعض أحواله لما هو معلوم من أن هذه الكيفية إنما تندب عند الدعاء برفع البلاء. اهـ حاشية.стр. 282
يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غير تكلُّف لِتَْرتيبِهِ وإعْرَابِهِ (١) وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا يشْغلُ قلبه، وَيُسْتَحَب أنْ يَخْفِضَ صَوتَه بالدُّعَاءِ وَيكْرَهُ الإِفْرَاط في رَفْعِ الصَّوْتِ.
وَينبغي أنْ يُكْثرَ مِنَ التَّضَرُّع فِيهِ والخُشُوعِ وإظْهَارِ الضَّعْفِ والافْتِقَارِ والذِّلةِ ويُلحُّ في الدُّعَاءِ ولا يَسْتَبْطِىءُ الإِجَابةَ بَلْ يكونُ قويَّ الرَّجاء للإجَابةِ ويُكَرِّرُ كلَّ دُعاء ثَلاَثاً ويَفْتَتحُ دُعاءَهُ بِالتَّحْمِيدِ والتمجيدِ للهِ تَعَالى والتَّسْبِيحِ والصَّلاَةِ والسَّلامِ على رسولِ الله ﷺ وَيَخْتِمُهُ بمثلِ ذلكَ وَلْيَكُنْ مُتَطَهراً مُتبَاعِداً عَنِ الْحَرام والشُّبْهَةِ فِي طَعَامِهِ وشَرَابِهِ ولِبَاسِهِ وَمَركُوبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِما مَعَهُ فَإنَّ هذه مِنْ آدَابِ جَميعِ الدَّعَوَاتِ، ولْيَختِمْ دُعاءَه بآمين وَلْيُكْثر من التَّسبِيحِ والتحْميد والتكْبيرِ والتهليلِ، وأفْضَلُ ذَلِكَ ما رَوَاهُ الترْمِذِي وغَيْرهُ عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الدعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا والنَّبِيونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ وَلَهُ الْحَمْدُ (٢) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ". وَفِي كِتَابِ التِّرمذِي عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: أكْثَرُ ما دَعَا بِهِ النَّبي ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ في الْمَوْقِفِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالذِي تقُولُ وَخَيراً ممّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاَتِي وَنُسُكِي (٣) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وإلَيْكَ مَآبي وَلَكَ رَبي تُرَاثِي (٤) ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَة الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الأَمْرِ، اللَهُمَ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَر مَا تجيءُ به الريحُ" (٥) . الحواشي
(١) ظاهره أن تحري إتيان الدعاء من غير لحن مكروه كالسجع وهو ظاهر. وإلا ففيه تفصيل محصله أن تجنب اللحن مِن القادر شرط في الدعاء وعليه يحمل حديث: "لا يقبل الله دعاءً ملحوناً" وأما غير القادر فلا يقدح اللحن في الدعاء ويعذر فيه.(٢) زاد أحمد بعده في رواية: (بيده الخير).(٣) أي عبادتي.(٤) أي إرثي إذْ لا ملك لأحد.(٥) أي من العذاب.стр. 283
وَيُسْتَحَب أنْ يُكْثِرَ مِن التلْبِيَةِ رَافِعاً بهَا صَوْتَهُ وَمِنْ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَيَنْبَغِي أنْ يَأْتي بِهَذِهِ الأَنْوَاعِ كُلهَا فَتَارَةً يَدْعُو وَتَارَةً يُهَلّلُ وتَارَةً يُكبر وتَارَة يُلَبي وتَارَة يُصَلِّي عَلَى النبيِّ ﷺ وتارة يَسْتَغْفِرُ ويَدعو منفرِداً وَمَعَ جَمَاعَة وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَوَالِدَيْهِ وَأقارِبِهِ وَشُيُوخِهِ وأصْحَابِهِ وأحْبَابِهِ وَأصدقَائِهِ وَسَائِرِ مَنْ أحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلْيَحْذَرْ كلَّ الحذَرِ مِنَ التقصير فِي ذَلِكَ فَإنَّ هذَا الْيَوْمَ لاَ يُمكنُ تَدَارُكُهُ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ وَيُسْتَحَب الإِكْثَارُ مِنَ الاسْتِغْفَارِ والتَّلفظِ بالتّوبَةِ مِنْ جَميعِ الْمخَالَفَاتِ مَعَ الاعتقَادِ بالقلبِ وَأنْ يُكْثِرَ مِنَ البكَاءِ مع الَذكْرِ والدُّعَاءِ فهُناكَ تُسْكَب العبرَاتُ (١) وتُستقَالُ العثَراتُ وتُرْتَجى الطلَبَاتُ وَإنّهُ لمجْمعٌ عَظِيم (٢) وَمَوْقِفٌ جَسِيم يَجْتمع فيهِ خِيَارُ عِبَادِ الله الْمُخْلِصِينَ وَخَواصّهُ المقَربينَ وَهُوَ أعْظَم مجَامعِ الدُّنْيَا وَقِيَل: إذا وافَقَ يومُ عَرَفَة يَوْمَ جُمُعة غُفِرَ لِكُل أهْل الْمَوقِفِ (٣) وَثَبَت فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "ما مِنْ يَوْم أكْثَرُ من أن يُعتِقَ الله تَعَالَى فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يوم عَرَفَةَ وإنَّهُ يُبَاهِي بهم الملائِكَةَ يقُولُ مَا أرَادَ هَؤلاءِ". الحواشي
(١) أي من الأعين لما استحضره مما فرط من الذنوب. وقوله: "وتستقال العثرات" أي تغفر الذنوب.(٢) أي عدداً وقَدْراً. جاء أنه لا ينقص عن ستمائة ألف إنسان فإن نقص كمل بالملائكة.(٣) قال المحشي رحمه الله تعالى: هذا الذي حكاه بـ "قيل" حديث رواه العز بن جماعة ﵀ بلفظ (إذا كان يوم عرفة يوم جمعة غفر الله لكل أهل الموقف) واستشكل بأنّ الله تعالى يغفر لأهل الموقف فما وجه تخصيص يوم الجمعة؟ وأجاب البدر بن جماعة ﵀ بأنه يحتمل أن الله تعالى يغفر للجميع يوم الجمعة بغير واسطة وفي غيره يهب قوماً لقوم. =стр. 284
وروينا عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أحَد العَشَرَةِ ﵃ قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ما رُئيَ الشَّيْطَانُ أصْغَر (١) ولا أحْقَرَ ولا أدْحَرَ ولا أغْيظَ منهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وما ذَاكَ إلا أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ فِيهِ فَيَتَجَاوزُ عن الذُّنُوبِ العِظَامِ" (٢) .
وعن الْفَضيل بن عَيَّاض ﵁ أَنهُ نَظَرَ إلى بُكاء النَّاسِ بعرفة فقالَ: أرأيْتُمْ لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ صَارُوا إلى رجل واحد فَسَألُوهُ دَانِقاً (٣) أكانَ يَرُدُّهم؟ قِيلَ: لاَ، قالَ: والله للْمَغْفِرَةُ عند اللهِ أهْونُ مِنْ إجَابةِ رَجُل بِدَانِق. الحواشي
(١) أصغر من الصغار أي الذل أو من صغر الجثة وأدحر بمهملات من الدحر وهو الدفع بعنف وشدة والطرد إهانة وإبعاداً. ومنه: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا(٣٩) ﴾.(٢) تتمة الحديث: إلا ما رئي يوم بدر. قيل: وما رئي يوم بدر؟ قيل أما إنه رأى جبريل يزع (يقود الملائكة) أي للجهاد ونصر المؤمنين.(٣) أي سدس درهم وأنشد الفضيل رحمه الله تعالى بعد قوله:
وإني لأدعو الله أسأل عفوه ... وأعلم أن الله يعفو ويغفر
لأن أعظم الناس الذنوب فإنها ... وإنْ عظمت في رحمة الله تصغرстр. 285
وعَنْ سالِم (١) بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ بَنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنهُ رأى سَائِلاً يَسْألُ النَّاس يَومَ عرَفَة فَقال: يَا عَاجِزُ أفِي هذا اليومِ تَسْألُ غيرَ اللهِ تَعَالَى؟!
(فرع): وَمِنَ الأَدْعِية المُخْتَارَةِ: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخرة حَسَنَةً وقِنَا عَذَابِ النَّارِ، اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلماً كثيراً (٢) وإنَّهُ لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ فاغْفِر لِي مغفرةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحمني إنَّكَ أنتَ الغفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ اغفر لِي مغفرةً مِنْ عِندكَ تُصْلحُ بها شأنِي في الدَّاريْنِ، وارحمْني رحمةً منكَ أسعد بِهَا في الدَّارِيْنِ، وتُبْ عليَّ توبة نصوحاً لا أنكثُهَا أبَداً، وألزمْنِي سبيلَ الاسْتقامةِ لا أزيعُ عَنْهَا أبَداً، اللَّهُمَّ انْقُلْنِي من ذُلِّ المعصية إلى عِزّ الطَّاعة وأغْنني بحلالِكَ عَنْ حرامِكَ وبطاعتِكَ عن معصيتَك وبفضْلِكَ عمَّن سواكَ، وَنَوّر قَلْبِي وَقَبْرِي وأعِذْنِي مِنَ الشَّر كُلهِ واجْمعْ لي الخيرَ كُلَّهُ أستودِعُكَ دِيني وأمانتِي وقلبِي وبدَني وَخَواتِيمَ عَمَلِي وجميعَ ما أَنعمتَ به عليَّ وعلَى جميعِ أحبائي والمسلمينَ أجمعينَ. وهذا البابُ واسعٌ جِداً لَكِنْ نبهتُ عَلى أصُولهِ ومقاصِدهِ والله تَعَالَى أعلمُ. الحواشي
(١) أحد الفقهاء السبعة الذين تدور عليهم رحى الفُتيا في زمانهم وكان أحب أولاد أبيه إليه، ولذا كان يقول فيه:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجِلْدة بين العين والأنف سالم
والفقهاء السبعة هم المنظومة أسماؤهم في قول بعضهم رحمه الله تعالى:
ألا كل مَنْ لي لا يَقْتَدي بأئمة ... فقسْمته ضيزى عن الحق خارجة
فخذهم عبيد الله عُروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وفي بعض الكتب (عن الحق عارية) والله أعلم، وسيأتي شرح أسمائهم إن شاء الله.(٢) روى بالمثلثة وبالموحدة التحتية كما في الحاشية، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى فينبغي الجمع بينهما في الدعاء ليتيقن ما نطق به ﷺ .следующие страницы →