← Фикх общий

Фикх общий · id 96232

الإيضاح في مناسك الحج والعمرة

النووي

Полный текст (519 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المَوْضِعِ المُبَارَكِ ولا يقصِّرُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُعْظَمُ الْحَجّ ومُخُّهُ (١) ومَطْلُوبُهُ. وفي الحديث الصَّحيحِ: الحج عَرَفَةُ (٢) فالْمَحْرُومُ مَنْ قَصَر فِي الاهتمامِ بِذَلِكَ واستفراغِ الْوُسْعِ فيهِ ويكثر من هذَا الذِكْر والدُّعاءِ قَائماً وقاعداً وَيَرْفَعُ يَديهِ فِي الدُّعاءِ ولا يُجَاوزُ بهما رأسَهُ (٣) ولا يتكَلَّفُ السَّجْعَ في الدعاءِ ولا بَأسَ بالدعاءِ المَسْجُوعِ إذا كانَ مَحْفُوظاً أو قالَهُ بلا تَكلفٍ ولا فِكْرٍ فيهِ بل

стр. 282

يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غير تكلُّف لِتَْرتيبِهِ وإعْرَابِهِ (١) وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا يشْغلُ قلبه، وَيُسْتَحَب أنْ يَخْفِضَ صَوتَه بالدُّعَاءِ وَيكْرَهُ الإِفْرَاط في رَفْعِ الصَّوْتِ. وَينبغي أنْ يُكْثرَ مِنَ التَّضَرُّع فِيهِ والخُشُوعِ وإظْهَارِ الضَّعْفِ والافْتِقَارِ والذِّلةِ ويُلحُّ في الدُّعَاءِ ولا يَسْتَبْطِىءُ الإِجَابةَ بَلْ يكونُ قويَّ الرَّجاء للإجَابةِ ويُكَرِّرُ كلَّ دُعاء ثَلاَثاً ويَفْتَتحُ دُعاءَهُ بِالتَّحْمِيدِ والتمجيدِ للهِ تَعَالى والتَّسْبِيحِ والصَّلاَةِ والسَّلامِ على رسولِ الله ﷺ وَيَخْتِمُهُ بمثلِ ذلكَ وَلْيَكُنْ مُتَطَهراً مُتبَاعِداً عَنِ الْحَرام والشُّبْهَةِ فِي طَعَامِهِ وشَرَابِهِ ولِبَاسِهِ وَمَركُوبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِما مَعَهُ فَإنَّ هذه مِنْ آدَابِ جَميعِ الدَّعَوَاتِ، ولْيَختِمْ دُعاءَه بآمين وَلْيُكْثر من التَّسبِيحِ والتحْميد والتكْبيرِ والتهليلِ، وأفْضَلُ ذَلِكَ ما رَوَاهُ الترْمِذِي وغَيْرهُ عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الدعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا والنَّبِيونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ وَلَهُ الْحَمْدُ (٢) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ". وَفِي كِتَابِ التِّرمذِي عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: أكْثَرُ ما دَعَا بِهِ النَّبي ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ في الْمَوْقِفِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالذِي تقُولُ وَخَيراً ممّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاَتِي وَنُسُكِي (٣) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وإلَيْكَ مَآبي وَلَكَ رَبي تُرَاثِي (٤)، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَة الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الأَمْرِ، اللَهُمَ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَر مَا تجيءُ به الريحُ" (٥).

стр. 283

وَيُسْتَحَب أنْ يُكْثِرَ مِن التلْبِيَةِ رَافِعاً بهَا صَوْتَهُ وَمِنْ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَيَنْبَغِي أنْ يَأْتي بِهَذِهِ الأَنْوَاعِ كُلهَا فَتَارَةً يَدْعُو وَتَارَةً يُهَلّلُ وتَارَةً يُكبر وتَارَة يُلَبي وتَارَة يُصَلِّي عَلَى النبيِّ ﷺ وتارة يَسْتَغْفِرُ ويَدعو منفرِداً وَمَعَ جَمَاعَة وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَوَالِدَيْهِ وَأقارِبِهِ وَشُيُوخِهِ وأصْحَابِهِ وأحْبَابِهِ وَأصدقَائِهِ وَسَائِرِ مَنْ أحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَلْيَحْذَرْ كلَّ الحذَرِ مِنَ التقصير فِي ذَلِكَ فَإنَّ هذَا الْيَوْمَ لاَ يُمكنُ تَدَارُكُهُ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ وَيُسْتَحَب الإِكْثَارُ مِنَ الاسْتِغْفَارِ والتَّلفظِ بالتّوبَةِ مِنْ جَميعِ الْمخَالَفَاتِ مَعَ الاعتقَادِ بالقلبِ وَأنْ يُكْثِرَ مِنَ البكَاءِ مع الَذكْرِ والدُّعَاءِ فهُناكَ تُسْكَب العبرَاتُ (١) وتُستقَالُ العثَراتُ وتُرْتَجى الطلَبَاتُ وَإنّهُ لمجْمعٌ عَظِيم (٢) وَمَوْقِفٌ جَسِيم يَجْتمع فيهِ خِيَارُ عِبَادِ الله الْمُخْلِصِينَ وَخَواصّهُ المقَربينَ وَهُوَ أعْظَم مجَامعِ الدُّنْيَا وَقِيَل: إذا وافَقَ يومُ عَرَفَة يَوْمَ جُمُعة غُفِرَ لِكُل أهْل الْمَوقِفِ (٣) وَثَبَت فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "ما مِنْ يَوْم أكْثَرُ من أن يُعتِقَ الله تَعَالَى فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يوم عَرَفَةَ وإنَّهُ يُبَاهِي بهم الملائِكَةَ يقُولُ مَا أرَادَ هَؤلاءِ".

стр. 284

وروينا عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أحَد العَشَرَةِ ﵃ قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ما رُئيَ الشَّيْطَانُ أصْغَر (١) ولا أحْقَرَ ولا أدْحَرَ ولا أغْيظَ منهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وما ذَاكَ إلا أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ فِيهِ فَيَتَجَاوزُ عن الذُّنُوبِ العِظَامِ" (٢). وعن الْفَضيل بن عَيَّاض ﵁ أَنهُ نَظَرَ إلى بُكاء النَّاسِ بعرفة فقالَ: أرأيْتُمْ لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ صَارُوا إلى رجل واحد فَسَألُوهُ دَانِقاً (٣) أكانَ يَرُدُّهم؟ قِيلَ: لاَ، قالَ: والله للْمَغْفِرَةُ عند اللهِ أهْونُ مِنْ إجَابةِ رَجُل بِدَانِق.

стр. 285

وعَنْ سالِم (١) بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ بَنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنهُ رأى سَائِلاً يَسْألُ النَّاس يَومَ عرَفَة فَقال: يَا عَاجِزُ أفِي هذا اليومِ تَسْألُ غيرَ اللهِ تَعَالَى؟! (فرع): وَمِنَ الأَدْعِية المُخْتَارَةِ: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخرة حَسَنَةً وقِنَا عَذَابِ النَّارِ، اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلماً كثيراً (٢) وإنَّهُ لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ فاغْفِر لِي مغفرةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحمني إنَّكَ أنتَ الغفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ اغفر لِي مغفرةً مِنْ عِندكَ تُصْلحُ بها شأنِي في الدَّاريْنِ، وارحمْني رحمةً منكَ أسعد بِهَا في الدَّارِيْنِ، وتُبْ عليَّ توبة نصوحاً لا أنكثُهَا أبَداً، وألزمْنِي سبيلَ الاسْتقامةِ لا أزيعُ عَنْهَا أبَداً، اللَّهُمَّ انْقُلْنِي من ذُلِّ المعصية إلى عِزّ الطَّاعة وأغْنني بحلالِكَ عَنْ حرامِكَ وبطاعتِكَ عن معصيتَك وبفضْلِكَ عمَّن سواكَ، وَنَوّر قَلْبِي وَقَبْرِي وأعِذْنِي مِنَ الشَّر كُلهِ واجْمعْ لي الخيرَ كُلَّهُ أستودِعُكَ دِيني وأمانتِي وقلبِي وبدَني وَخَواتِيمَ عَمَلِي وجميعَ ما أَنعمتَ به عليَّ وعلَى جميعِ أحبائي والمسلمينَ أجمعينَ. وهذا البابُ واسعٌ جِداً لَكِنْ نبهتُ عَلى أصُولهِ ومقاصِدهِ والله تَعَالَى أعلمُ.

стр. 286

الحادية عشرةَ: الأَفْضلُ للواقفِ أنْ لا يَسْتَظِل (١) بل يبرزُ للشَّمسِ إلا لعذر بأنْ يتضرَّر أوْ أنْ ينقُصَ دُعاؤُهُ واجْتهادُهُ. الثانية عشرة: يَنْبَغِي أنْ يبقَى في المَوْقِفِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمسُ فيجمعُ في وقُوفِهِ بَيْنَ الليلِ والنَّهارِ (٢) فإنْ أفاضَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (٣) فعادَ إلى عَرَفَاتٍ قبلَ طُلوعِ الفَجْرِ فَلاَ شَيءَ عليه (٤) وَإنْ لم يَعُدْ أراقَ دماً (٥) وَهَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ مُستحب؟ فيه قولانِ للشَّافعي رحمهُ الله تعالى: أصَحُّهُمَا أنهُ مُسْتَحَب (٦) والثاني واجِب (٧) وهذا فيمَنْ حَضَرَ نَهاراً (٨) أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْضُر فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ فَاتَتْهُ الفَضيلَةُ.

стр. 287

الثالثة عشرةَ: ليحْذر كل الحذر مِنَ المخاصَمَة والمُشَاتَمَةِ والمنافرةِ والكلاَمِ القَبيحِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِزَ عَنْ الكَلاَمِ المُبَاحِ ما أمْكَنَهُ فإِنَّهُ تَضييعٌ للوقْتِ المهِمّ فيمَا لاَ يُغْنِي مَعَ أنهُ يخاف انْجِرَارُهُ إلى كلامٍ حَرَامٍ مِنْ غيبةِ ونحْوِهَا، ويَنْبَغِي أنْ يحترزَ غَايةَ الاحْتَرَازِ عَنْ احْتِقَارِ من يراهُ رَثَّ الْهَيْئَةِ (١) أو مُقْتَصِرَاً في شَيْءٍ ويحتَرِزَ عَنِ انْتِهَارِ السَّائِلِ ونَحْوِهِ وإِنْ خَاطَبَ ضَعيفاً فَلْيتلَطَّفْ فِي مُخَاطَبتهِ فإنْ رأى مُنكراً مُحَقَّقاً (٢) تَوَجب عَلَيْهِ إنكارُهُ وَيتلطفْ فِي ذَلِكَ وبالله التَّوْفِيقُ. الرابعة عشرةَ: لِيَسْتكثِرْ مِنْ أعْمَالِ الْخَيْرِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وسَائِرِ أيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِي عن ابنِ عَبَّاسِ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ ّ قَالَ: "ما العَمَلُ فِي أيَّامِ (٣) أفضلُ مِنْهُ فِي هذ الأيَّامِ يَعْني أيامَ العَشْرِ" قالُوا: وَلاَ الجِهَادُ (٤)؟ قال: "ولا الجهاد إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بمالِهِ وَنَفْسِهِ فَلَمْ يرجِعْ بشَيْءٍ. وأيَّامُ الْعَشْرِ (٥) هِيَ الأَيَّامُ المعلُومَاتُ (٦) وأَيامُ التشرِيقِ

стр. 288

هِيَ الأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ" (١). (فرعِ): إذا غلطَ الحُجاجُ (٢) فوقفوا في غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ نُظِرَ، إن غلطُوا بالتأخير فوقَفُوا (٣) العَاشِر مِنْ ذِي الحجَّةِ أجْزأهُمْ (٤) وَتَمَ حَجُّهُمْ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَسَوَاءٌ بانَ الغلط بعد الوقوف أو في حال الوقوف (٥)، ولو غلطوا

стр. 289

فوقفوا في الحادي عشر أوْ غَلَطُوا في التقديم فوقَفُوا في الثامن (١) أوْ غلطُوا فِي المكانِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ أرْضِ عَرفاتٍ فلا يصحُ حَجهُمْ بِحَالٍ (٢) وَلَوْ وَقَعَ الْغَلَطُ بالْوُقُوفِ فِي الْعَاشِرِ لطَائِفَةٍ يَسِيرَةِ لاَ للحَجِيجِ العامِ لم يُجْزِهِمْ على الأَصَحّ (٣) وَلَوْ شَهِدَ واحِدٌ أوْ عَدَدٌ برؤيةِ هِلاَلِ ذِي الْحِجةِ فَرُدَّتْ شهادَتُهُمْ لَزِمَ الشُّهُودَ الوُقُوفُ فِي التاسِع عندهم (٤) وإنْ كانَ النّاسُ يقِفُونَ بَعْدَهُ.

стр. 290

(فرع): لَوْ أَنَّ مُحْرماً بالحجِّ سَعَى إِلَى عَرَفَةَ فَقَرُبَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النحْرِ بِحَيْثُ بقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرٌ يَسَعُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ ولم يكُنْ بَعْدُ صَلى الْعِشَاءَ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقهِ أمْرُ الوُقُوفِ وَصَلاَةُ الْعِشَاءِ فَأَيُّهُما اشتغل بِهِ فَاتَهُ الآخَرُ فَكَيْفَ يفْعَلُ؟ فيه ثَلاَثَةُ أوْجُه لأَصْحَابِنَا: أصَحُّها أَنهُ يَذْهَبُ لإدْرَاكِ الْوُقُوفِ (١) فَإِنَّهُ يَتَرَتبُ عَلَى فَوَاتِهِ مَشاقٌ كثيرةٌ مِنْ وُجُوبِ القضاءِ ووجوب الدَّم للقضاءِ ورُبمَا تعذرَ القضاءُ وَفيه تغْرير عَظِيمٌ بالحجِّ فينبغي أنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَيُؤَخرَ الصَلاَةَ فإِنَّهُ يجُوزُ تَأخيرها بِعُذْرِ الجمعِ وهذا أشدُّ حَاجَة مِنْهُ. والثانِي: أنهُ يُصَلّي فِي موضعه فَيُحَافِظ عَلَى الصَّلاَةِ لأَنَّهَا عَلَى الفَوْرِ بِخِلاَفِ الْحجّ فَإِنهُ على التراخِي وَلأنَّ الصَّلاَةَ آكَدُ. والثالثُ: أنهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيُصَلّي صَلاَةَ شِدَّةِ

стр. 291

الْخَوْفِ (١) فَيُحْرِمُ بالصَّلاَةِ وَيَشْرَعُ فيها ويَعدو (٢) ذاهباً إلى الموقف وهذا عذرٌ من أعْذَار صَلاَةِ شدَّه الخوفِ والله تعالى أعلَمُ. (فرع): فِي التَّعْرِيفِ بغيرِ عَرَفَات وهذا هُوَ الاجتماعُ المعرُوفُ فِي البلدان اختلف العلماءُ فيه فجاءَ عن جَمَاعَةٍ اسْتحبَابُهُ وَفِعْلُهُ. فَقَد رُوِي عن الحسنِ البصريِّ أنهُ قَال: أوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَباس ﵄. وَقَالَ الأَثْرَمُ: سَألْتُ أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ رحمهُ اللهُ تَعَالى عَنِ التَّعْرِيف فِي الأمْصَارِ فقالَ: أرْجُو أنْ لا يكونَ به بأسٌ وقد فعلهُ غيرُ واحدٍ الْحَسَنُ وبكرٌ وثابِتٌ ومحمدُ بنُ واسع كانوا يشْهَدُونَ المسجدَ يومَ عرفةَ وَكَرِهَهُ جماعَةٌ منهم نَافع مَوْلَى ابنِ عُمَرَ وإبراهيمُ النَّخعيُّ والحكَمُ وحَمَّادٌ ومالكُ بنُ أنسٍ وغيرُهم. وصنَّفَ الإِمام أبو بكر الطَّرطوشي المالكيُّ الزاهدُ كِتَاباً في البدعِ المنكراتِ وَجَعَلَ منها هذا التعريفَ وبالغَ في إنكارِهِ ونقلَ أقوالَ العلماءِ فيها ولا شك أنّ مَنْ جَعَلَهَا بدْعَةً لا يُلْحِقُهَا بِفاحِشاتِ البدعِ بل يُخففُ أمْرَهَا بالنسبة إلى غيرها.

стр. 292

(فرع): ومن البِدَعِ الْقَبيحَةِ ما اعتاده الْعَوَامُّ فِي هذِهِ الأزْمَانِ مِنْ إيقادِ الشَّمْعِ بِجَبَلِ عَرَفَاتٍ ليلةَ التَّاسع (١) وَهذِهِ ضلاَلَةٌ فاحشَةٌ جَمَعُوا فيها أنْواعاً مِنَ الْقَبَائح: مِنْهَا إضَاعَةُ المالِ في غيرِ وجهِهِ، ومنها إظْهَارُ شِعَارِ المجُوسِ في النَّارِ، وَمِنْهَا اخْتلاطُ النسَاءِ بالرجَالِ والشُّمُوعُ بَيْنَهُمْ وَوُجُوهُهُنَّ بارِزَة، ومنها تقديم دُخُولِ عَرَفَاتٍ على وقْتِهِ المَشْرُوعِ ويَجبُ عَلَى وَلِي الأمرِ وَكُل مَنْ يَتمكنُ مِنْ إزَالَةِ هذه البدع إنكارُهَا وإزالتهَا والله تعالى أعلمُ. الفصل الخامس في الإِفاضَةِ (٢) مِنْ عَرَفاتٍ إِلَى المزدلِفة وَمَا يَتَعلّقُ بِهَا السُّنَّةُ للإمَامِ (٣) إِذا غَرَبَتْ الشمس وتَحققَ غُرُوبُهَا (٤) أنْ يُفِيضَ (٥) مِنْ عَرَفَاتٍ وَيُفيضَ الناسُ مَعَهُ (٦) ويُؤَخرُوا صَلاَةَ المَغْرِبِ بِنيةِ الجمعِ إلى العشاءِ (٧)

стр. 293

وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ الله تعالى والسُّنَّةُ أنْ يَسلُكَ فِي طَرِيقِهِ إلى المُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمأزَمَيْنِ (١) وهو بينَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذيْنِ هُمَا حَدُّ الحرَمِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَالْمَأْزَمُ بالهمزَةِ بعدَ الميمِ المفتوحةِ وكسرِ الزّايِ هُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْن وَحَدُّ المزدلفةِ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ المذكُورَيْنِ وقُرْب مُحَسِّرٍ يميناً وشمالاً مِنْ تِلْكَ الموَاطِن الْقَوَابِلِ والظوَاهِرِ والشّعَابِ والجِبَالِ فَكُلهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَلَيْسَ المأْزِمَانِ وَلاَ وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مُزْدَلَفَةَ وَهُوَ بِضَمّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السّينِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ سُمّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ فيل أصْحَابِ الفيلِ حَسَرَ فِيهِ أي أعْيَا (٢) وَكَل عَنِ الْمَسِيرِ وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مِنى وَالْمُزْدَلِفَةِ (٣). واعلم أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَمنىً فَرْسخاً وَمُزْدَلِفَةُ مُتَوَسطَةٌ بينَ عَرَفَاتٍ ومنىً بَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا فَرْسَخٌ وَهُوَ ثَلاَثَةُ أميَالٍ وإذا سَارَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ سار مُلَبِّياً مُكْثِراً مِنْهَا وَيَسِيرُ على هَينَتِهِ وعَادَةِ مشيْهِ بسكينة وَوَقَارٍ (٤) فَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً (٥) اسْتُحِبَّ أنْ يُسْرِعَ وَيُحركَ دَابَّتَهُ اقتداءً بِرسُولِ الله ﷺ وَلاَ بَأْسَ (٦) أنْ يَتَقَدَّمَ

стр. 294

النَّاسُ الإِمامَ أو يتأخرُوا عنهُ لكنْ مَنْ أراد الصَّلاَةَ مَعَهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَرِيباً مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أصحَابِنَا أطْلَقُوا الْقَوْلَ بتأْخِيرِ الصَّلاَتَيْنِ إلى المُزْدَلِفَةِ (١). وقالَ جَمَاعَة يُؤخّرُهُمَا ما لم يَخْش فَوْتَ وَقْتِ الاختيار للعِشاء وهو ثلث الليل على القول الأصح وعلى قول نِصْفُ اللَّيلِ فإنْ خَافَهُ لَمْ يُؤَخرْ بَلْ يَجْمَعُ بالنَّاسِ في الطَّرِيقِ وإذا وَصَلَ المُزْدَلِفَةَ (٢) فَقَدْ اسْتَحَب الشافِعِي رحمَهُ اللهُ تعَالَى أنْ يُصَلِّي (٣) قَبْلَ حَط رَحْلِهِ ولا يُنيخُ الجمَالَ ويَعْقِلُهَا حتَى يُصَلّي لأنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أسامَةَ بْنِ زَيْدِ ﵄ أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ صلوا المغرب والعشاء مع رسول الله ﷺ ولَمْ يَحُطُّوا رحالَهُمْ حتَّى صَلَّوْا العشاءَ (٤) وَالله تعالى أعلمُ، ثُم إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يكُونَ عَلى

стр. 295

الأَصَحِّ بِأَذانٍ وبإقامتيْنِ لَهُمَا (١) ولَوْ تَرَكَ الْجَمْعَ وَصَلى كُل واحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا أوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أوْ جَمَعَ وَحْدَهُ لاَ مَعَ الإمَامِ أو صَلى إِحْدَاهُمَا مَعَ الإِمَامِ وَالأُخْرَى وَحْدَه جَامِعاً جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَة (٢). (فَرْع): فَإذَا وَصَلُوا مُزْدَلفَةَ بَاتُوا وَهَذَا المبِيتُ نُسُك وَهَلْ هُوَ وَاجِب أمْ سُنَّة؟ (٣) قولانِ للشافعي رحمهُ الله تعالى، فإنْ دفع بعد نِصْفِ اللَّيْلِ بِعُذْرٍ أوْ لغَيْرِهِ أوْ دَفَعَ قبل نصْفِ اللَّيْلِ وَعادَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وإنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ مِنْ أصْلِهِ أوْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدْ أوْ لَمْ يَدْخُلْ مُزْدَلِفَةَ أصْلاً صَحَّ حَجُّهُ وَأرَاقَ دَماً فإنْ قُلْنَ الْمَبيتُ وَاجِحب كَانَ الدَّمُ وَاجِباً وَإنْ قُلْنَا سُنَّة كَانَ الدَّمُ سُنَّةً وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ (٤) مُزْدَلِفَةَ فِي النصفِ الأَولِ أصْلاً وَحَضَرَهَا

стр. 296

سَاعَة (١) فِي النصفِ الثانِي مِنَ الليْلِ حَصَلَ المبيتُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَحَمهُ الله تعالى فِي الأم. وَخَفِيَ هَذَا النَّص عَلَى بَعْضِ أصْحَابنَا فَقَالُوا خِلاَفَهُ (٢) وَلَيْسَ بِمَقْبُول مِنْهُمْ ويَحْصُلُ هذَا المبيتُ بالحُضُورِ في أَي بقعة مِنْ مُزْدَلفة (٣) وَقَدْ سَبق تحْدِيدُهَا، وَيُسْتَحَب أن يَبْقَى بِمُزْدَلِفَةَ حَتى يَطْلُعَ بها الفجْرُ ويُصَلّي وَيقِف عَلَى قُزَحِ كَمَا سَنَذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالَى فَيَكُونُ بمُزْدَلِفَةَ إِلَى قُبَيل طُلُوعِ الشَّمسِ (٤) ويتأكَدُ الاعْتِنَاءُ بِهَذَا المَبِيتِ سَواءٌ قلنا وَاجِبٌ أمْ سُنَّةٌ، فَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِي ﷺ وَقَدْ ذهبَ إمَامَانِ جَلِيلاَنِ من أصْحَابِنَا إلى أن هذَا الْمَبِيت رُكْنٌ لا يصح الحج إلاَّ

стр. 297

بِهِ، قَالَهُ أبو عَبْدِ الرَّحْمن ابنُ بنتِ الشَّافِعِي وأبُو بكر محمَّدُ بن إسحقَ بن خُزَيْمَةَ (١) فَيَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلَى الْمَبِيتِ للْخُروجِ مِنَ الْخِلاَفِ. (فرعٌ): وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَغْتَسِلَ فِي مُزْدَلِفَة بالليْلِ (٢) للْوُقُوفِ بالْمَشْعَرِ الحَرَامِ ولِلْعِيدِ وَلِما فيها مِنَ الاجْتِمَاع، وَقَدْ سَبَقَ أنَّ مَنْ لم يجِدْ ماء تَيَممَ وَهذِهِ اللَّيْلَةُ وَهِيَ ليلةُ العِيدِ عظيمة لَيْلَةٌ جَامِعَة لأَنْوَاع مِنَ الفَضْل مِنْهَا شَرَفُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فإِنَّ الْمُزْدَلِفَةَ مِنَ الْحَرَم كَمَا سَبقَ وَانْضَمَّ إلى هذَا جَلاَلَةُ أهْلِ الْجَمْعِ الحَاضرينَ بِهَا وَهُمْ وَفْدُ الله وخيرُ عبادهِ وَمَنْ لاَ يُشْقَى بِهِمْ جَليسُهُمْ، فَيَنْبَغِي أن يَعْتَنِيَ الحَاضِرُ بها بإحْيائِهَا (٣) بِالْعِبَادة مِنَ

стр. 298

الصَّلاَةِ (١) والتلاوَةِ والذكْرِ والدُّعَاءِ (٢) والتضَرع. وَيَتَأَهَّبُ بَعْدَ نِصْف الليْلِ ويَأْخُذُ مِنَ الْمُزْدَلِفَة (٣) حَصَى الجِمَار لجَمْرَة العقَبة يَوْم النَّحْرِ وَهِيَ سَبْعُ حَصِيَّاتٍ والاحتياطُ أَنْ يزيدَ فَرُبما سَقَطَ مِنْهَا شيء.

стр. 299

وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا يأْخُذُ مِنْها حَصَى جِمَار أيامِ التَّشْرِيقِ أَيْضاً وَهِيَ ثَلاَثٌ وستونَ حَصَاة (١) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الأوْلَى: أنْ يأَخْذَ حَصَى جِمَارِ أيامِ التشْرِيقِ مِنْ غَيْرِ الْمُزْدَلِفَةِ وَكِلاهُمَا قَدْ نُقل عَنِ الشَّافِعِي رحِمَهُ الله تَعَالى لكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى هذَا. الثانِي: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لِلْحصى بِالليْلِ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ (٢) والمُخْتَارُ الأوَّلُ (٣) لِئَلاّ يَشْتَغِلَ بهِ عَنْ وَظَائِفِهِ بَعْدَ الصبْحِ وَيَكُونُ الْحَصَى صِغَاراً وَقَدْرُهُ قَدْرُ حَصَى الخذفِ (٤) لاَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَلاَ أَصْغَرَ وهي دون أنمُلةٍ نحو حَبَّةِ البَاقِلاَّ (٥) وَقِيلَ نَحْوَ النوَاةِ وَيُكْرَهُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ كَسْرُ الْحِجَارَةِ (٦) لَهُ إلا لِعُذْرٍ بَلْ يَلْتَقِطُ صِغَاراً وَقَدْ وَرَدَ نَهْيٌ عَنْ

стр. 300

كَسْرِها ههُنَا وَهُوَ أَيْضاً يفضِي (١) إِلَى الأَذَى وَمِنْ أي مَوضِعِ أَخَذها جازَ لَكِنْ يكرهُ (٢) مِنَ الْمَسْجِدِ وَمِنَ الحُش (٣) وَمِنَ الْمواضعِ النَّجِسَةِ وَمِنَ الْجَمَرَاتِ الَّتي رَمَاها هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابن عَبّاسِ ﵄ قَالَ: ما تُقبل مِنْهَا رُفع وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ تُرِكَ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَسَدَّ مَا بَيْنَ الجبلين. وَزَادَ بَعْضُ أصحابنَا فَكرِهِ أَخْذُها مِنْ جَمِيعِ مِنى (٤) لانْتِشَارِ مَا رُمِيَ فيها وَلَمْ يُتَقَبَّلْ وَلَوْ رَمَى بِكُل مَا كَرِهْنَاهُ لَهُ جَازَ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: وَلاَ أكْرَهُ غَسْلَ حَصَى الجمارِ (٥) بَلْ لَمْ أزَلْ أعْمَلُهُ وَأُحِبه فإذا طَلَعَ الْفَجْر بادرَ الإِمام والناسُ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ وَقْتِهَا قَالَ أصْحَابُنَا: والمُبَالَغَةُ فِي التبْكِيرِ بِهَا فِي هذَا الْيَوْمِ آكَدُ مِنْ بَاقِي الأَيامِ اقتداء بِرَسُولِ الله ﷺ وليتسع الْوَقْتُ

стр. 301

لِوَظَائِفِ المَنَاسِكِ فإنَّهَا كَثِيرَة فِي هذَا الْيَوْمِ فَلَيْسَ فِي أيامِ الْحج أكثرُ عَمَلاً مِنْهُ (١) والله تعالى أعْلَمُ. الفصل السادس في الدفع إلى منى السُّنةُ أنْ يقَدمَ الضَّعفةَ مِنَ النّساءِ (٢) وَغَيْرِهِن قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى منى لَيرْمُوا جَمْرةَ العَقبة قبل زَحْمةِ الناسِ ويكون تقْديمُهم بعدَ نصفِ اللَّيْل (٣) وأمَّا غَيْرهُم فيَمْكُثُونَ حَتَّى يُصلوا الصُّبْحَ بِمُزْدَلِفَة (٤) كَمَا سَبقَ، فإذَا صَلوهَا دَفَعُوا مُتَوجّهِينَ إِلَى منىً فَإذَا وَصَلُوا قُزَحَ بضم القاف وفتح الزاي وهو آخر المُزْدَلفة وهو جبل صغيرٌ وهُوَ الْمَشْعَرُ (٥) الحَرامُ صَعِدَهُ إنْ أمكَنَهُ وَإِلاَّ وَقَفَ عِنْدَهُ أوْ

стр. 302

تَحْتَهُ وَيقِفُ مُسْتَقبِل الكعبة فَيَدْعُو وَيَحْمَدُ الله تَعَالَى ويُكَبِّرُهُ ويهلله ويُوحِّدُهُ ويكثر مِنَ التَّلبيةِ واسْتَحَبوا أنْ يقُولَ: اللَّهُمَّ كَمَا أوقَفْتَنَا فِيهِ وَأرَيْتَنَا إيّاه فَوَفّقْنَا لذكركَ كَمَا هَدَيْتَنَا واغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. ويُكثِرُ من قَوْلهِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (١) وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ وَيَخْتَارُ الدَّعَوَاتِ الجامِعَةِ وَبِالأُمُورِ المُهمة ويكرّر دَعَوَاتِهِ وَقَدْ اسْتَبْدَلَ النَّاسُ بالوُقُوفِ عَلَى جَبَل قُزَح الْوُقُوفَ على بِنَاءٍ مُسْتَحْدَث في وَسَطَ المُزْدَلِفَةِ (٢) ثم قِيَل: لا يحصلُ أصْلُ هذِهِ السنةِ بِذَلِكَ

стр. 303

والأَظهرُ أَنهُ يحصُل أصْلُ السُنة (١) لَكِنْ الأَفْضَلُ ما ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا الإِمَامِ

стр. 304

أبُو القَاسِمِ الرَّافِعِي فَقَالَ: لَوْ وَقَفُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرٍ (١) مِنَ المُزْدَلِفَةِ حَصَلَ أصْلُ هذه السُّنة. وَقَدْ ثَبَتَ في صحيح مُسْلِمٍ عَنْ رَسُول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: جَمْع كُلهَا مَوْقِفٌ، وَهذَا نَص صَرِيح لأن جَمْعاً اسْمٌ للْمُزْدَلِفَةِ كُلها بلاَ خِلاَف وَلَوْ فَاتَتْ هذه السُّنَّةُ (٢) مِنْ أصْلِهَا لَمْ تُجْبَرْ بِدَم فإِذَا أَسْفَرَ الصبْحُ (٣) دَفَعَ مِنَ المشعرِ الحَرَامِ خَارِجَاً مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ (٤) مُتَوَجهاً إِلى مِنى وَعَلَيْهِ السَّكِينة (٥) وَالوَقَارُ شِعَارُهُ التلْبِيةُ وَالذّكْرُ، وإنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ فَإذَا بَلَغَ وَادِي مُحسر وَقَدْ تَقَدّم ضَبْطُهُ وَبيانُهُ أسْرَعَ (٦) أوْ حَرّكَ دابّتَهُ (٧) قَدرَ رَمْتةِ حَجَرٍ حَتّى

стр. 305

يقْطَعَ عَرْضَ الوَادِي (١) ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ سَائِراً إِلى مِنى سَالِكاً الطَّرِيقَ الْوُسْطَى

стр. 306

الَّتِي تَخْرُجُ إلى الْعَقَبَة (١) وليسَ وادي مُحَسرٍ مِنَ المُزدَلفةِ وَلاَ مِنْ مِنى بَلْ هُوَ مَسِيلُ مَا بَيْنَهُمَا فإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنى بَدَأ بجمرة العَقبةِ. الفصلُ السابعُ في الأعمالِ المشروعةِ بِمنى يَوْم النَّحْرِ اعْلَمْ أَن حَدَّ مِنىً مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسرٍ وَجمرةِ العَقَبةِ (٢) وَمنى شِعْبٌ طُولُهُ

стр. 307

نحْو مِيلَيْنِ (١) وَعَرْضُهُ يَسِير (٢) والجبالُ الْمُحِيطةُ بِهِ مَا أَقْبَلَ مِنْهَا عَلَيْه فَهُو مِنْ مِنى، وَمَا أَدْبَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ مِن مِنى وَمَسْجِدُ الخَيْف عَلَى أَقل مِنْ مِيلٍ ممَّا يَلِي مَكَّة وَجَمْرَةُ الْعَقَبة فِي آخِرِ مِنى (٣) مما يَلِي مَكَّةَ وَلَيْسَتِ الْعَقَبةُ الَتي تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْجَمرةُ مِنْ مِنى وهي الجَمْرَةُ الَتي بَايَعَ رَسُولُ الله ﷺ الأَنصَارَ عِنْدها قَبْلَ الهِجرَةِ (٤).

стр. 308

وأَمَّا الأَعْمَالُ المشروعةُ يَوْمَ النَّحْرِ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ ذَبْحُ الهَدْيِ، ثَُم الْحَلْقُ ثُمَّ الذّهابُ إِلى مَكَّةَ لِطَوَافِ الإِفَاضَةِ وَهِيَ عَلى هَذَا التْرتيبِ مُسْتَحَبةٌ، فَلَوْ خَالَفَ فَقَدَّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ويَدْخُلُ وقت الرمْي والحَلْقِ والطوافِ بنصْفِ الليل (١) مِنْ ليْلَةِ الْعِيدِ وَيَبْقَى الرَّمْيُ إلى غُروبِ الشَّمْس (٢) وَقِيلَ يَبْقَى إِلى طُلُوعِ الفَجْرِ من لَيْلَة أول أيامِ

стр. 309

التَّشْرِيقِ. وأمَّا الحَلْقُ والطَّوَاف فَلاَ آخِرَ لِوَقْتِهِمَا بَلْ يَبْقِيان ما دَامَ حَياً وَلَوْ طَالَ سِنِينَ مُتكاثرةً. وَأمَّا وَقْتُ الاخْتِيَارِ لِهَذه الأَعْمَال فَيَبْدَأُ فِيهِ بجَمْرَةِ الْعَقَبةِ عَلَى تَرْتيبِ الأَفْضَلِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا مَسَائِلُ: الأوْلى: يَنْبَغِي إِذَا وَصَلَ مِنى أن لا يُعَرّجَ عَلَى شَيْء قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبة وَتُسَمَّى الْجَمْرَةَ الكُبرَى وهي تَحيةُ منى فلا يبدأ قبلها بشيء وَيَرْمِيَهَا قَبْلَ نُزُولِهِ وَحَط رَحْلِه (١) وَهِيَ عَلَى يَمِينِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ إِذَا وَقَفَ في الجَادَّةِ وَالْمَرْمَى مُرْتَفعٌ قَلِيلاً مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ (٢). الثانيةُ: السُّنة أن يَرْميهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتفاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ (٣). الثالثة: الصَّحيحُ المُختارُ في كَيفيه وقُوفه لِيرمِيها أنْ يقفَ تَحْتَهَا في بَطْنِ الوَادي فَيَجْعَلَ مكَّةَ عن يَسَارِهِ وَمِنى عَنْ يَمِينِهِ ويَسْتَقْبِلَ العَقَبَةَ ثُمَّ يَرْمِي وَقِيلَ يقف مُسْتَقْبلَ الجَمْرَةَ مُسْتَدْبر الْكَعْبَة، وَقِيلَ يَسْتَقْبلُ الْكَعْبَةَ وَتكونُ الْجَمْرَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيح (٤) يَدُلُّ عَلَى الأَوَّلِ تَصْرِيحاً.

стр. 310

الرابعة: السُّنةُ أنْ يَرْفَعَ يده في رميها حَتَّى يُرى بَيَاضُ إبطه وَلاَ تَرْفَعُ الْمَرْأة (١). الخامسةُ: السُّنَّةُ أَنْ يقْطَعَ التّلْبِيَةَ بأَوَّلِ حَصَاة يَرْمِيهَا (٢) وَيُكَبِّر بَدَلَ التَّلْبِيَةِ (٣) لأَنَهُ بالرمْيِ يَشْرَعُ في التّحَللِ من الإِحرام، والتلبية شعار الإِحرام فلا يأتي بها مع شروعه في التحلل وَلَوْ قَدمَ الحَلْقَ أوْ الطوَافُ عَلى الرَّميِ قَطَعَ التَّلْبِية بشُروعِهِ في أَوَّلِهِ لأَنَّهُما مِنْ أسْبَابِ التحَللِ، واسْتَحَبَّ بعضُ أصْحَابِنا فِي التكْبِيرِ المشروعِ مَعَ الرمْيِ أَنْ تقُولَ: الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ الله أكبر كَبِيراً والحَمْدُ لله كَثِيراً وَسُبْحَانَ الله بُكْرَة وَأصِيلاً، لاَ إِلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْد يحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِير، لاَ إِلهَ إِلا الله ولاَ نَعْبُدُ إلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ. لا إلهَ إِلا الله وَحْدَهُ صدَقَ وَعْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ لاَ إِله إلا الله وَالله أكْبَر (٤).

стр. 311

السادسةُ: أنْ يَرْمِيَ رَاكِباً هَكَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . السابعةُ: تَقَدَّمَ أنهُ يُسْتَحَب أنْ يَكُونَ الحَجَرُ مِثْلَ حَصَى الْخَذْف لاَ أكْبَرَ وَلاَ أصْغَر. وَذَكَرَ بَعْض أصْحَابِنَا (١) أنهُ يُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ كَيفِيةُ رَمْيهِ كَرَمْيِ الْخَاذفِ وَيَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى بَطْنِ أصبُعه ويرمِيها بِرأسِ السبّابةِ وَهَذِهِ الْكَيْفِيةُ لَمْ يَذْكُرْهَا جُمْهُورُ أصْحَابِنَا وَلاَ نَرَاهَا مُخْتَارَةً وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ نَهْيُ رَسُولِ الله ﷺ عَنِ الْخَذْفِ. الثامنة: يَجِبُ أنْ يَرْمِي سَبع مَرَّاتٍ بِمَا يُسَمَى حَجَراً بِحَيْثُ يُسمَّى رَمْياً فيرمي سَبع حَصَياتٍ وَاحِدَةً وَاحِدَةً حَتى يَسْتكْملَهُنَّ فَلَوْ وَضَعَ الحَجَرَ فِي الْمرْمَى لَمْ يُعْتَدَ بِهِ لأنَّهُ لا يُسَمَّى رَمْيَاً (٢) وُيشْتَرَطُ قَصْدُ

стр. 312

الْمَرْمَى (١) فَلَوْ رَمَى فِي الهَوَاء فَوَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرطُ بقَاءُ الْحَصَاةِ في الْمَرْمَى فَلا يَضُرُّ تَدَحْرُجُهَا أو خُرُوجُها بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ وُقُوفُ الرَّامِي خَارِجَ الْمَرْمَى فَلَوْ وَقَفَ في طَرَفِ الْمَرْمَى وَرَمَى إِلَى طَرَفِهِ الآخَرِ أجْزَأهُ وَلَوْ انْصَدَمَتْ الْحَصَاةُ الْمَرْمِية بالأَرْضِ خَارِجَ الْجَمْرَةِ أوْ بِمَحْمَلِ فِي الطَّرِيقِ أوْ عُنُقِ بَعِيرِ أوْ ثَوْب إِنْسَانِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى اعْتُدَّ بِهَا لِحُصُولهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةِ، وَلَوْ حَرَّكَ صَاحِبُ الْمَحْمَلِ فَنَفَضَهَا أوْ صَاحِبُ الثَّوْبِ تَحَرَّكَ الْبَعِيرُ فَدَفَعَهَا فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا (٢) وَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَحْمَلِ أوْ عُنُقِ الْبَعِيرِ ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إلى الْمَرْمَى فَفِي الاعْتِدَادِ بِهَا وَجْهَانِ

стр. 313

لأصْحَابِنَا أظْهَرُهُما لاَ يُعْتَدُ بِهَا (١) وَلَوْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى (٢) ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إِلى الْمَرْمَى أوْرَدَتْهَا الريحُ إِلَيْه اعْتُدَّ بِهَا (٣) عَلَى الأَصَحّ ولا يجزِىء الرَّمْيُ عَنِ القَوْسِ وَلاَ الدّفْعُ بالرجْلِ (٤) وَلَوْ شَك فِي وُقُوعِ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَهُوَ نَصُ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالى فِي الْجَدِيد (٥) وَيُشْتَرطُ أنْ يَرْمِيَ الْحَصَيَاتِ فِي سَبعِ مَرّات فَلَوْ رَمَى حَصَاتَيْن أوْ سَبْعاً دَفْعَة وَاحِدَة فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى مَعاً أوْ بَعْضُهُنّ بَعْدَ بَعْض لَمْ تُحْسَبْ إلاّ حَصَاة واحِدَة (٦)، وَلَوْ رَمَى حَصَاة ثُمَ أتْبَعَهَا حَصَاةً أُخْرَى حُسِبت الحصَاتان رَمْيَتَيْن

стр. 314

سَوَاء وَقَعَتَا مَعاً أوْ الثَّانيةُ قَبْلَ الأُولى أو عَكْسهُ، وَلَوْ رَمَى بِحَجرٍ قَدْ رَمَى بهِ غيره أو رمى به هُوَ إلى جَمْرَةٍ أخْرَى أوْ إِلى هَذه الْجَمْرَةِ في يَوْم آخرٍ أجْزَأَهُ بِلاَ خِلاَفٍ (١). وإنْ رَمَى بِهِ هُوَ إِلى تِلْكَ الْجَمْرَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَجْزَأَهُ أيْضاً عَلى الأَصحَ كَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَى فَقِيرٍ مُداً فِي الْكَفَّارَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَفَعَهُ إِلى آخَرِ وَعَلَى هذَا يُمْكِنُ أَنهُ يُحَصلُ جَمِيعَ رَمْيِهِ فِي الأَيَّامِ بِحَصَاةٍ وَاحِدةَ بَلْ رَمْيُ جَمِيعِ النَّاسِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِحَصَاةٍ إِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ. (فرع): شَرْطُ مَا يُرْمَى به كَونُهُ حَجَراً فيجزِىء المرمَرُ والْبِرَامُ والْكَذَّانُ (٢) وَسَائِرُ أنْوَاعِ الْحَجر ويُجْزِىء حَجَرُ النَّوْرَةِ قَبْلَ أنْ يُطْبَخَ وَيَصِيرَ نَوْرَةً وَيُجْزِىءُ حَجَرُ الْحَديدِ (٣) عَلَى الْمَذْهَبِ الصَحِيحِ لأَنَّهُ حَجَر فِي الْحَالِ إِلا أَنَّ فِيهِ حَدِيداً كَامِناً يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلاَجِ وَفِيمَا يُتَّخذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ كالْفيْرُوزَجِ والْيَاقوت وَالْعَقِيقِ والزُّمُردِ والْبَلَّور والزّبَرْجَدِ وَجهانِ لأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا الإِجْزَاء (٤) لأَنَّهُمَا أَحْجَار

стр. 315

وَيُجْزِىءُ مَا لاَ يُسَمَّى حَجَراً كَاللؤلُؤِ والزرْنِيخِ والأثمِدِ والْمَدَرِ والْجِصّ وَالذَّهبِ والْفِضةِ والنُّحَاسِ (١) والْحَدِيدِ وَسَائِرِ الجَوَاهِرِ الْمُنْطَبِعَةِ (٢).

стр. 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 317

(فرع): قَدْ تَقَدَّمَ أَنهُ يُسْتَحَب أَنْ تكُونَ الحصَاةُ كَحَصَاةِ الْخَذْفِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ رَمَى بِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ أَصْغَرَ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ وَيُسْتَحَب أَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ طَاهِراً فَلَوْ رَمَى بِنَجِس كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ. وَقَدْ سَبَقَ أَنهُ يُكْرَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ أَوْ بِمَا رَمَى بِهِ غَيْرُهُ وَلَو رَمَى بِشَيْء مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَه. (فرع): مَنْ عَجَزَ عَنِ الرّمي بِنَفْسِهِ لِمَرَض (١) أَوْ حَبْس (٢) يستنيب (٣) مَنْ

стр. 318

يَرْمِي عنه ويُسْتَحَب أن يناول النائب الحصى إنْ قَدرَ وَيُكَبرُ هُو (١) وإِنَّمَا تَجُوزُ النيابة لِعَاجِزٍ بِعِلَّةٍ لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ (٢) وَلاَ يُمْنع زَوَالُهَا بَعْدَهُ وَلاَ يَصحُّ رَمْيُ النَّائِبِ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ إِلا بَعْدَ رَمْيهِ عَنْ نَفْسِهِ (٣) فَلَوْ خَالَفَ

стр. 319

وقَعَ عَنْ نَفْسِهِ (١) كَأصْلِ الْحَجّ وَلَوْ أُغْمِيَ (٢) عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لِغَيرِهِ في الرَّمْي عَنْهُ لَمْ يَجُزْ الرمْيُ عَنْهُ وَلَوْ أَذِنَ (٣) أجْزَأ الرَّمْيُ عَنْهُ عَلَى الأَصَحِّ وَلَوْ رَمَى النَّائب ثُم زَالَ عُذْرُ المُسْتَنِيبِ والوقْتُ بَاقٍ فالمذهب الصّحيحُ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرَّمي (٤).

стр. 320

الثاني مِنَ الأَعْمَالِ الْمَشْروعَة بمِنى يَوْم النحْرِ ذَبْحُ الْهَدْيِ والاضْحِيَةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَة انْصَرَفَ فَنَزَلَ في مَوْضِعٍ فِي مِنىً وَحيث نَزِلَ مِنْهَا جَازَ وَلَكِنْ الأفْضَلُ أنْ يقْرُبَ مِنَ مَنْزِل رسولِ الله ﷺ وَقَدْ ذكَرَ الأَزْرَقي أْنّ مَنْزِلَ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى يسار مُصَلَّى الإِمَامِ فَإِذا نَزَلَ ذَبَحَ أوْ نَحَرَ الْهَدْيَ (١) إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ.
следующие страницы →