Полный текст (519 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المَوْضِعِ المُبَارَكِ ولا يقصِّرُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُعْظَمُ الْحَجّ ومُخُّهُ (١) ومَطْلُوبُهُ.
وفي الحديث الصَّحيحِ: الحج عَرَفَةُ (٢) فالْمَحْرُومُ مَنْ قَصَر فِي الاهتمامِ بِذَلِكَ واستفراغِ الْوُسْعِ فيهِ ويكثر من هذَا الذِكْر والدُّعاءِ قَائماً وقاعداً وَيَرْفَعُ يَديهِ فِي الدُّعاءِ ولا يُجَاوزُ بهما رأسَهُ (٣) ولا يتكَلَّفُ السَّجْعَ في الدعاءِ ولا بَأسَ بالدعاءِ المَسْجُوعِ إذا كانَ مَحْفُوظاً أو قالَهُ بلا تَكلفٍ ولا فِكْرٍ فيهِ بل الحواشي
(١) أي لبه وخالصه.(٢) قال في المجموع: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة. وهذا لفظ الترمذي عن عبد الرحمن بن يعمر أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ وهو بعرفة فسألوه فأمر منادياً ينادي: الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. اهـ. وقال الطبري في القرى وأبو داود أي وأخرجه أبو داود وقال: جاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلاً فنادى رسول الله ﷺ كيف الحج؟
فأمر رجلاً فنادى الحج يوم عرفة، من جاء ليلة جمع فتم حجه أيام منى إلى آخره. اهـ.
أقول: معنى الحديث والله أعلم كما هو ظاهر أن الركن الذي يدرك به الحج ويفوت بفوات زمانه هو الوقوف بعرفة ووقته من زوال يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، وبه قال عامة العلماء مالك وأبو حنيفة والجمهور. وقال أحمد: وقته من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوعه يوم النحر.
وقد تقدم الكلام على وقت الوقوف في الفصل الرابع في الوقوف بعرفات مع أدلة الفريقين ولله الحمد والمنة، وليس معنى (الحج عرفة) هو ما يفهمه بعض أهل زماننا -أصلحنا الله جميعاً- من أنه يقوم بالوقوف بعرفة ويقصر في باقي الأركان والواجبات والسنن ويقول (الحج عرفة) ويحمل الحديث على غير معناه ولا يبحث عن سبب وروده عنه ﷺ ليعرف معناه الصحيح وفقنا الله والمسلمين لمرضاته آمين.(٣) أي للاتباع أخرجه أحمد وغيره. وأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵄: رأيت رسول الله ﷺ ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين ولا ينافيه ما في رواية من أنه رفع يديه إلى السماء وباطنهما إلى الأرض وظاهرهما إلى السماء لاحتمال أن ذلك كان بعض أحواله لما هو معلوم من أن هذه الكيفية إنما تندب عند الدعاء برفع البلاء. اهـ حاشية.стр. 282
يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غير تكلُّف لِتَْرتيبِهِ وإعْرَابِهِ (١) وغيرِ ذَلِكَ مِمَّا يشْغلُ قلبه، وَيُسْتَحَب أنْ يَخْفِضَ صَوتَه بالدُّعَاءِ وَيكْرَهُ الإِفْرَاط في رَفْعِ الصَّوْتِ.
وَينبغي أنْ يُكْثرَ مِنَ التَّضَرُّع فِيهِ والخُشُوعِ وإظْهَارِ الضَّعْفِ والافْتِقَارِ والذِّلةِ ويُلحُّ في الدُّعَاءِ ولا يَسْتَبْطِىءُ الإِجَابةَ بَلْ يكونُ قويَّ الرَّجاء للإجَابةِ ويُكَرِّرُ كلَّ دُعاء ثَلاَثاً ويَفْتَتحُ دُعاءَهُ بِالتَّحْمِيدِ والتمجيدِ للهِ تَعَالى والتَّسْبِيحِ والصَّلاَةِ والسَّلامِ على رسولِ الله ﷺ وَيَخْتِمُهُ بمثلِ ذلكَ وَلْيَكُنْ مُتَطَهراً مُتبَاعِداً عَنِ الْحَرام والشُّبْهَةِ فِي طَعَامِهِ وشَرَابِهِ ولِبَاسِهِ وَمَركُوبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِما مَعَهُ فَإنَّ هذه مِنْ آدَابِ جَميعِ الدَّعَوَاتِ، ولْيَختِمْ دُعاءَه بآمين وَلْيُكْثر من التَّسبِيحِ والتحْميد والتكْبيرِ والتهليلِ، وأفْضَلُ ذَلِكَ ما رَوَاهُ الترْمِذِي وغَيْرهُ عن رسول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: "أَفْضَلُ الدعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا والنَّبِيونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ وَلَهُ الْحَمْدُ (٢) وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ". وَفِي كِتَابِ التِّرمذِي عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: أكْثَرُ ما دَعَا بِهِ النَّبي ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ في الْمَوْقِفِ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَالذِي تقُولُ وَخَيراً ممّا نَقُولُ، اللَّهُمَّ لَكَ صَلاَتِي وَنُسُكِي (٣) وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي وإلَيْكَ مَآبي وَلَكَ رَبي تُرَاثِي (٤) ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَة الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الأَمْرِ، اللَهُمَ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَر مَا تجيءُ به الريحُ" (٥) . الحواشي
(١) ظاهره أن تحري إتيان الدعاء من غير لحن مكروه كالسجع وهو ظاهر. وإلا ففيه تفصيل محصله أن تجنب اللحن مِن القادر شرط في الدعاء وعليه يحمل حديث: "لا يقبل الله دعاءً ملحوناً" وأما غير القادر فلا يقدح اللحن في الدعاء ويعذر فيه.(٢) زاد أحمد بعده في رواية: (بيده الخير).(٣) أي عبادتي.(٤) أي إرثي إذْ لا ملك لأحد.(٥) أي من العذاب.стр. 283
وَيُسْتَحَب أنْ يُكْثِرَ مِن التلْبِيَةِ رَافِعاً بهَا صَوْتَهُ وَمِنْ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَيَنْبَغِي أنْ يَأْتي بِهَذِهِ الأَنْوَاعِ كُلهَا فَتَارَةً يَدْعُو وَتَارَةً يُهَلّلُ وتَارَةً يُكبر وتَارَة يُلَبي وتَارَة يُصَلِّي عَلَى النبيِّ ﷺ وتارة يَسْتَغْفِرُ ويَدعو منفرِداً وَمَعَ جَمَاعَة وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَوَالِدَيْهِ وَأقارِبِهِ وَشُيُوخِهِ وأصْحَابِهِ وأحْبَابِهِ وَأصدقَائِهِ وَسَائِرِ مَنْ أحْسَنَ إِلَيْهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلْيَحْذَرْ كلَّ الحذَرِ مِنَ التقصير فِي ذَلِكَ فَإنَّ هذَا الْيَوْمَ لاَ يُمكنُ تَدَارُكُهُ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ وَيُسْتَحَب الإِكْثَارُ مِنَ الاسْتِغْفَارِ والتَّلفظِ بالتّوبَةِ مِنْ جَميعِ الْمخَالَفَاتِ مَعَ الاعتقَادِ بالقلبِ وَأنْ يُكْثِرَ مِنَ البكَاءِ مع الَذكْرِ والدُّعَاءِ فهُناكَ تُسْكَب العبرَاتُ (١) وتُستقَالُ العثَراتُ وتُرْتَجى الطلَبَاتُ وَإنّهُ لمجْمعٌ عَظِيم (٢) وَمَوْقِفٌ جَسِيم يَجْتمع فيهِ خِيَارُ عِبَادِ الله الْمُخْلِصِينَ وَخَواصّهُ المقَربينَ وَهُوَ أعْظَم مجَامعِ الدُّنْيَا وَقِيَل: إذا وافَقَ يومُ عَرَفَة يَوْمَ جُمُعة غُفِرَ لِكُل أهْل الْمَوقِفِ (٣) وَثَبَت فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "ما مِنْ يَوْم أكْثَرُ من أن يُعتِقَ الله تَعَالَى فِيهِ عَبْداً مِنَ النَّارِ مِنْ يوم عَرَفَةَ وإنَّهُ يُبَاهِي بهم الملائِكَةَ يقُولُ مَا أرَادَ هَؤلاءِ". الحواشي
(١) أي من الأعين لما استحضره مما فرط من الذنوب. وقوله: "وتستقال العثرات" أي تغفر الذنوب.(٢) أي عدداً وقَدْراً. جاء أنه لا ينقص عن ستمائة ألف إنسان فإن نقص كمل بالملائكة.(٣) قال المحشي رحمه الله تعالى: هذا الذي حكاه بـ "قيل" حديث رواه العز بن جماعة ﵀ بلفظ (إذا كان يوم عرفة يوم جمعة غفر الله لكل أهل الموقف) واستشكل بأنّ الله تعالى يغفر لأهل الموقف فما وجه تخصيص يوم الجمعة؟ وأجاب البدر بن جماعة ﵀ بأنه يحتمل أن الله تعالى يغفر للجميع يوم الجمعة بغير واسطة وفي غيره يهب قوماً لقوم. =стр. 284
وروينا عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله أحَد العَشَرَةِ ﵃ قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ما رُئيَ الشَّيْطَانُ أصْغَر (١) ولا أحْقَرَ ولا أدْحَرَ ولا أغْيظَ منهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وما ذَاكَ إلا أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ فِيهِ فَيَتَجَاوزُ عن الذُّنُوبِ العِظَامِ" (٢) .
وعن الْفَضيل بن عَيَّاض ﵁ أَنهُ نَظَرَ إلى بُكاء النَّاسِ بعرفة فقالَ: أرأيْتُمْ لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ صَارُوا إلى رجل واحد فَسَألُوهُ دَانِقاً (٣) أكانَ يَرُدُّهم؟ قِيلَ: لاَ، قالَ: والله للْمَغْفِرَةُ عند اللهِ أهْونُ مِنْ إجَابةِ رَجُل بِدَانِق. الحواشي
(١) أصغر من الصغار أي الذل أو من صغر الجثة وأدحر بمهملات من الدحر وهو الدفع بعنف وشدة والطرد إهانة وإبعاداً. ومنه: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا(٣٩) ﴾.(٢) تتمة الحديث: إلا ما رئي يوم بدر. قيل: وما رئي يوم بدر؟ قيل أما إنه رأى جبريل يزع (يقود الملائكة) أي للجهاد ونصر المؤمنين.(٣) أي سدس درهم وأنشد الفضيل رحمه الله تعالى بعد قوله:
وإني لأدعو الله أسأل عفوه ... وأعلم أن الله يعفو ويغفر
لأن أعظم الناس الذنوب فإنها ... وإنْ عظمت في رحمة الله تصغرстр. 285
وعَنْ سالِم (١) بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ بَنِ الْخَطَّابِ ﵃ أَنهُ رأى سَائِلاً يَسْألُ النَّاس يَومَ عرَفَة فَقال: يَا عَاجِزُ أفِي هذا اليومِ تَسْألُ غيرَ اللهِ تَعَالَى؟!
(فرع): وَمِنَ الأَدْعِية المُخْتَارَةِ: اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخرة حَسَنَةً وقِنَا عَذَابِ النَّارِ، اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلماً كثيراً (٢) وإنَّهُ لا يغفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ فاغْفِر لِي مغفرةً مِنْ عِنْدِكَ وَارحمني إنَّكَ أنتَ الغفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ اغفر لِي مغفرةً مِنْ عِندكَ تُصْلحُ بها شأنِي في الدَّاريْنِ، وارحمْني رحمةً منكَ أسعد بِهَا في الدَّارِيْنِ، وتُبْ عليَّ توبة نصوحاً لا أنكثُهَا أبَداً، وألزمْنِي سبيلَ الاسْتقامةِ لا أزيعُ عَنْهَا أبَداً، اللَّهُمَّ انْقُلْنِي من ذُلِّ المعصية إلى عِزّ الطَّاعة وأغْنني بحلالِكَ عَنْ حرامِكَ وبطاعتِكَ عن معصيتَك وبفضْلِكَ عمَّن سواكَ، وَنَوّر قَلْبِي وَقَبْرِي وأعِذْنِي مِنَ الشَّر كُلهِ واجْمعْ لي الخيرَ كُلَّهُ أستودِعُكَ دِيني وأمانتِي وقلبِي وبدَني وَخَواتِيمَ عَمَلِي وجميعَ ما أَنعمتَ به عليَّ وعلَى جميعِ أحبائي والمسلمينَ أجمعينَ. وهذا البابُ واسعٌ جِداً لَكِنْ نبهتُ عَلى أصُولهِ ومقاصِدهِ والله تَعَالَى أعلمُ. الحواشي
(١) أحد الفقهاء السبعة الذين تدور عليهم رحى الفُتيا في زمانهم وكان أحب أولاد أبيه إليه، ولذا كان يقول فيه:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجِلْدة بين العين والأنف سالم
والفقهاء السبعة هم المنظومة أسماؤهم في قول بعضهم رحمه الله تعالى:
ألا كل مَنْ لي لا يَقْتَدي بأئمة ... فقسْمته ضيزى عن الحق خارجة
فخذهم عبيد الله عُروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وفي بعض الكتب (عن الحق عارية) والله أعلم، وسيأتي شرح أسمائهم إن شاء الله.(٢) روى بالمثلثة وبالموحدة التحتية كما في الحاشية، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى فينبغي الجمع بينهما في الدعاء ليتيقن ما نطق به ﷺ .стр. 286
الحادية عشرةَ: الأَفْضلُ للواقفِ أنْ لا يَسْتَظِل (١) بل يبرزُ للشَّمسِ إلا لعذر بأنْ يتضرَّر أوْ أنْ ينقُصَ دُعاؤُهُ واجْتهادُهُ.
الثانية عشرة: يَنْبَغِي أنْ يبقَى في المَوْقِفِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمسُ فيجمعُ في وقُوفِهِ بَيْنَ الليلِ والنَّهارِ (٢) فإنْ أفاضَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (٣) فعادَ إلى عَرَفَاتٍ قبلَ طُلوعِ الفَجْرِ فَلاَ شَيءَ عليه (٤) وَإنْ لم يَعُدْ أراقَ دماً (٥) وَهَلْ هُوَ وَاجِب أَوْ مُستحب؟ فيه قولانِ للشَّافعي رحمهُ الله تعالى: أصَحُّهُمَا أنهُ مُسْتَحَب (٦) والثاني واجِب (٧) وهذا فيمَنْ حَضَرَ نَهاراً (٨) أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْضُر فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ فَاتَتْهُ الفَضيلَةُ. الحواشي
(١) قد تقدم الكلام على استظلال المحرم بغير ملاصق للرأس كالسيارة غير المكشوفة في فصل محرمات الإِحرام. فقال أبو حنيفة والشافعي بجوازه وقال مالك وأحمد بعدم جوازه، فإن استظل فعليه الفدية عند مالك وهو الأصح من مذهب أحمد.(٢) الجمع بين الليل والنهار هو الذي صح عنه ﷺ وهل هو مستحب أو واجب؟ فقال مالك بوجوبه كما تقدم، وقال الثلاثة باستحبابه لحديث عروة بن مُضرس (وقد أتى عرفة ليلاً أو نهاراً).(٣) أي بعد الزوال.(٤) كذا في الواضح وشرح المنتهى من كتب الحنابلة وفي المغني للعلامة ابن قدامة الحنبلي أن يعود قبل الغروب ويقع الغروب وهو بعرفة كما في مفيد الأنام.(٥) أي لعدم جَمْعه بين الليل والنهار، وقد تقدم الكلام عليه أول الفصل.(٦) أي لأنه وقف في أحد زماني الوقوف فلا يلزمه دم الزمان الآخر كما لو وقف في الليل دون النهار.(٧) أي لأن الجمع بين الليل والنهار نسك يختص بمكان فجاز أن يجب بتركه دم كالإِحرام من الميقات، وقد قال ﵊: "مَنْ ترك نسكاً فعليه دم" رواه ابن عباس ﵄ كما في المجموع.(٨) أي بعد الزوال عند الأئمة الثلاثة والجمهور وعند الإمام أحمد مطلقاً قبله أو بعده، لأن وقت الوقوف عنده من الفجر كما تقدم.стр. 287
الثالثة عشرةَ: ليحْذر كل الحذر مِنَ المخاصَمَة والمُشَاتَمَةِ والمنافرةِ والكلاَمِ القَبيحِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِزَ عَنْ الكَلاَمِ المُبَاحِ ما أمْكَنَهُ فإِنَّهُ تَضييعٌ للوقْتِ المهِمّ فيمَا لاَ يُغْنِي مَعَ أنهُ يخاف انْجِرَارُهُ إلى كلامٍ حَرَامٍ مِنْ غيبةِ ونحْوِهَا، ويَنْبَغِي أنْ يحترزَ غَايةَ الاحْتَرَازِ عَنْ احْتِقَارِ من يراهُ رَثَّ الْهَيْئَةِ (١) أو مُقْتَصِرَاً في شَيْءٍ ويحتَرِزَ عَنِ انْتِهَارِ السَّائِلِ ونَحْوِهِ وإِنْ خَاطَبَ ضَعيفاً فَلْيتلَطَّفْ فِي مُخَاطَبتهِ فإنْ رأى مُنكراً مُحَقَّقاً (٢) تَوَجب عَلَيْهِ إنكارُهُ وَيتلطفْ فِي ذَلِكَ وبالله التَّوْفِيقُ.
الرابعة عشرةَ: لِيَسْتكثِرْ مِنْ أعْمَالِ الْخَيْرِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وسَائِرِ أيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِي عن ابنِ عَبَّاسِ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ ّ قَالَ: "ما العَمَلُ فِي أيَّامِ (٣) أفضلُ مِنْهُ فِي هذ الأيَّامِ يَعْني أيامَ العَشْرِ" قالُوا: وَلاَ الجِهَادُ (٤) ؟ قال: "ولا الجهاد إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بمالِهِ وَنَفْسِهِ فَلَمْ يرجِعْ بشَيْءٍ. وأيَّامُ الْعَشْرِ (٥) هِيَ الأَيَّامُ المعلُومَاتُ (٦) وأَيامُ التشرِيقِ الحواشي
(١) رث الهيئة أي ضعيفها.(٢) محققاً أي بأنْ كان مجمعاً عليه واعتقد الفاعل تحريمه.(٣) أي غير عشر رمضان الأواخر لما اشتملت عليه هذه من ليلة القدر ويومها ولتميزه ﷺ لها بتميزات واجتهادات في العبادات لا يفعلها في غيرها ولما يشترك سائر الناس في فعله من العبادات الواردة عنه ﷺ وفضل عشر ذي الحجة لأمور يختص غالبها بالحجاج.(٤) أي الخالي عن القتل في سبيل الله تعالى بدليل ما بعده.(٥) أي عشر ذي الحجة.(٦) أي عند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى وعند مالك ﵀ المعلومات ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: يوم عرفة ويوم النحر والأول من أيام التشريق.
قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: وفائدة الاختلاف أنّ عندنا يجوز ذبح =стр. 288
هِيَ الأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ" (١) .
(فرعِ): إذا غلطَ الحُجاجُ (٢) فوقفوا في غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ نُظِرَ، إن غلطُوا بالتأخير فوقَفُوا (٣) العَاشِر مِنْ ذِي الحجَّةِ أجْزأهُمْ (٤) وَتَمَ حَجُّهُمْ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَسَوَاءٌ بانَ الغلط بعد الوقوف أو في حال الوقوف (٥) ، ولو غلطوا الحواشي
(١) قال صاحب البيان كما في المجموع: اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر. اهـ.
أقول: المعدودات هي المذكورة في سورة البقرة في آية ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الآية ٢٠٣.(٢) أي بأنْ غُم عليهم هلال ذي الحجة وكملوا ذا القعدة ثلاثين ثم ثبتت رؤية الهلال ليلة الثلاثين. قال الرافعي ﵀: وليس من الغلط المراد ولهم -أي الأصحاب- ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب فإنه لا يجزيهم ذلك بلا شك فتعبير المصنف رحمه الله تعالى كسائر الأصحاب بالغلط الشامل لذلك فيه تجوّز. اهـ حاشية.(٣) أي كلهم أو فرقة منهم، وهم كثيرون على العادة المطردة.(٤) أجزأهم إجماعاً إن كثروا كما تقدم لقوله ﷺ : "يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه" أخرجه أبو داود في مراسيله، قال البيهقي: وهو مرسل جيد، ولأنّ تأخير العبادة عن وقتها أقرب إلى الاحتساب من تقديمها عليه والله أعلم.(٥) بقي ما إذا كان الغلط قبل وقت الوقوف بأن بان قبل زوال العاشر ولو في ليلته =стр. 289
فوقفوا في الحادي عشر أوْ غَلَطُوا في التقديم فوقَفُوا في الثامن (١) أوْ غلطُوا فِي المكانِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ أرْضِ عَرفاتٍ فلا يصحُ حَجهُمْ بِحَالٍ (٢) وَلَوْ وَقَعَ الْغَلَطُ بالْوُقُوفِ فِي الْعَاشِرِ لطَائِفَةٍ يَسِيرَةِ لاَ للحَجِيجِ العامِ لم يُجْزِهِمْ على الأَصَحّ (٣) وَلَوْ شَهِدَ واحِدٌ أوْ عَدَدٌ برؤيةِ هِلاَلِ ذِي الْحِجةِ فَرُدَّتْ شهادَتُهُمْ لَزِمَ الشُّهُودَ الوُقُوفُ فِي التاسِع عندهم (٤) وإنْ كانَ النّاسُ يقِفُونَ بَعْدَهُ. الحواشي
(١) قال في المجموع: وإنْ وقفوا في الثامن فالأصح عندنا لا يجزئهم، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأصح من مذهب مالك وأحمد أنه لا يجزئهم. اهـ.(٢) وعليهم القضاء.(٣) أي لأنم مفرطون ويجب عليهم ما أوجبه الخليفة عمر بن الخطاب على هبّار بن الأسود ومَنْ معه، رضي الله عن الجميع وقد حج من الشام - كما في رواية.
وإليك ما أوجبه عليهم في حديث مالك رواه في الموطأ بإسناده عن سليمان بن يسار: أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة، كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال له عمر ﵁: اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومَنْ معك، واسعوا بين الصفا والمروة وانحروا هدياً إن كان معكم ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا فإن كان عام قابل فحجوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
وهبار هذا هو هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي أسلم بالجعرانة بعد فتح مكة، صحابي شهير. كذا في الزرقاني رحمه الله تعالى.(٤) قال المصنف ﵀ في مجموعه: فلو اقتصروا على الوقوف مع الناس فى اليوم الذي بعده لم يصح وقوف الشهود بلا خلاف عندنا، وحكى أصحابنا عن محمد بنّ الحسن أنه قال: يلزمهم الوقوف مع الناس أي وإن كانوا يعتقدونه العاشر. قال: ولا يجزئهم التاسع عندهم. دليلنا أنهم يعتقدون هذا اليوم الذي يقف الناس فيه العاشر فلم يجز وقوفهم فيه كما لو قبلت شهادته. اهـ. =стр. 290
(فرع): لَوْ أَنَّ مُحْرماً بالحجِّ سَعَى إِلَى عَرَفَةَ فَقَرُبَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النحْرِ بِحَيْثُ بقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرٌ يَسَعُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ ولم يكُنْ بَعْدُ صَلى الْعِشَاءَ فَقَدْ تَعَارَضَ فِي حَقهِ أمْرُ الوُقُوفِ وَصَلاَةُ الْعِشَاءِ فَأَيُّهُما اشتغل بِهِ فَاتَهُ الآخَرُ فَكَيْفَ يفْعَلُ؟ فيه ثَلاَثَةُ أوْجُه لأَصْحَابِنَا: أصَحُّها أَنهُ يَذْهَبُ لإدْرَاكِ الْوُقُوفِ (١) فَإِنَّهُ يَتَرَتبُ عَلَى فَوَاتِهِ مَشاقٌ كثيرةٌ مِنْ وُجُوبِ القضاءِ ووجوب الدَّم للقضاءِ ورُبمَا تعذرَ القضاءُ وَفيه تغْرير عَظِيمٌ بالحجِّ فينبغي أنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَيُؤَخرَ الصَلاَةَ فإِنَّهُ يجُوزُ تَأخيرها بِعُذْرِ الجمعِ وهذا أشدُّ حَاجَة مِنْهُ. والثانِي: أنهُ يُصَلّي فِي موضعه فَيُحَافِظ عَلَى الصَّلاَةِ لأَنَّهَا عَلَى الفَوْرِ بِخِلاَفِ الْحجّ فَإِنهُ على التراخِي وَلأنَّ الصَّلاَةَ آكَدُ. والثالثُ: أنهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيُصَلّي صَلاَةَ شِدَّةِ الحواشي
(١) أي وجوباً. ولا يصل صلاة شدة الخوف ومحل الخلاف كما يشير إليه قوله بحيث بقي إلخ حيث لم يكن يدرك ركعة مع إدراك الحج، وإلا وجب تقديمه قطعاً. اهـ
حاشية.стр. 291
الْخَوْفِ (١) فَيُحْرِمُ بالصَّلاَةِ وَيَشْرَعُ فيها ويَعدو (٢) ذاهباً إلى الموقف وهذا عذرٌ من أعْذَار صَلاَةِ شدَّه الخوفِ والله تعالى أعلَمُ.
(فرع): فِي التَّعْرِيفِ بغيرِ عَرَفَات وهذا هُوَ الاجتماعُ المعرُوفُ فِي البلدان اختلف العلماءُ فيه فجاءَ عن جَمَاعَةٍ اسْتحبَابُهُ وَفِعْلُهُ. فَقَد رُوِي عن الحسنِ البصريِّ أنهُ قَال: أوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَباس ﵄. وَقَالَ الأَثْرَمُ: سَألْتُ أحْمَدَ بن حَنْبَلٍ رحمهُ اللهُ تَعَالى عَنِ التَّعْرِيف فِي الأمْصَارِ فقالَ: أرْجُو أنْ لا يكونَ به بأسٌ وقد فعلهُ غيرُ واحدٍ الْحَسَنُ وبكرٌ وثابِتٌ ومحمدُ بنُ واسع كانوا يشْهَدُونَ المسجدَ يومَ عرفةَ وَكَرِهَهُ جماعَةٌ منهم نَافع مَوْلَى ابنِ عُمَرَ وإبراهيمُ النَّخعيُّ والحكَمُ وحَمَّادٌ ومالكُ بنُ أنسٍ وغيرُهم.
وصنَّفَ الإِمام أبو بكر الطَّرطوشي المالكيُّ الزاهدُ كِتَاباً في البدعِ المنكراتِ وَجَعَلَ منها هذا التعريفَ وبالغَ في إنكارِهِ ونقلَ أقوالَ العلماءِ فيها ولا شك أنّ مَنْ جَعَلَهَا بدْعَةً لا يُلْحِقُهَا بِفاحِشاتِ البدعِ بل يُخففُ أمْرَهَا بالنسبة إلى غيرها. الحواشي
(١) جاء في مفيد الأنام للشيخ ابن جاسر الحنبلي رحمه الله تعالى: إذا خاف فوت الوقوف بعرفة إن صلى صلاة أمن: صلى صلاة خائف إن رجا إدراك الوقوف لما في فوت الحج من الضرر العظيم. قال في شرح المختصر: وإذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً للقبلة وغيرها ويومئون طاقتهم، وكذا حالة هرب مباح من عدو أو سيل ونحوه. أو خوف فوت عدو يطلبه أو وقت وقوف بعرفة انتهى. فعلى هذا إذا خاف فوت الوقوف بعرفة صلى الفريضة راجلاً أو راكباً في سيارة أو على دابة أو غيرها للقبلة أو غيرهما ويومىء بقدر طاقته والله أعلم. اهـ.(٢) أي راجلاً أو راكباً في سيارة أو على دابة أو غيرهما للقبلة ولغيرها ويومىء بقدر طاقته والله أعلم.стр. 292
(فرع): ومن البِدَعِ الْقَبيحَةِ ما اعتاده الْعَوَامُّ فِي هذِهِ الأزْمَانِ مِنْ إيقادِ الشَّمْعِ بِجَبَلِ عَرَفَاتٍ ليلةَ التَّاسع (١) وَهذِهِ ضلاَلَةٌ فاحشَةٌ جَمَعُوا فيها أنْواعاً مِنَ الْقَبَائح: مِنْهَا إضَاعَةُ المالِ في غيرِ وجهِهِ، ومنها إظْهَارُ شِعَارِ المجُوسِ في النَّارِ، وَمِنْهَا اخْتلاطُ النسَاءِ بالرجَالِ والشُّمُوعُ بَيْنَهُمْ وَوُجُوهُهُنَّ بارِزَة، ومنها تقديم دُخُولِ عَرَفَاتٍ على وقْتِهِ المَشْرُوعِ ويَجبُ عَلَى وَلِي الأمرِ وَكُل مَنْ يَتمكنُ مِنْ إزَالَةِ هذه البدع إنكارُهَا وإزالتهَا والله تعالى أعلمُ.
الفصل الخامس
في الإِفاضَةِ (٢) مِنْ عَرَفاتٍ إِلَى المزدلِفة وَمَا يَتَعلّقُ بِهَا
السُّنَّةُ للإمَامِ (٣) إِذا غَرَبَتْ الشمس وتَحققَ غُرُوبُهَا (٤) أنْ يُفِيضَ (٥) مِنْ عَرَفَاتٍ وَيُفيضَ الناسُ مَعَهُ (٦) ويُؤَخرُوا صَلاَةَ المَغْرِبِ بِنيةِ الجمعِ إلى العشاءِ (٧) الحواشي
(١) لله الحمد والمنة ليس لهذه البدعة القبيحة في زماننا وجود.(٢) أي الدفع والذهاب.(٣) أي أو نائبه.(٤) بأن لم يبقَ منها شيء أصلاً.(٥) أي أن يدفع ويذهب.(٦) أي فيندب للناس أن لا يدفعوا ويذهبوا قبل الإمام أو نائبه بل يكره حيث لا عذر من نحو زحام ولا ينافي ذلك قوله الآتي ولا بأس أن يتقدم الناس الإمام لأن المراد لا يحرم ذلك، فالمنفي فيما يأتي الحرمة لا الكراهة.(٧) أي جمع تأخير بالمزدلفة ندباً لمن سفره سفر قصر عند الشافعية لأنّ الجمع عندهم للسفر، وعند أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك وجوب جمع التأخير لأنه عندهم للنسك كما سيأتي عن المجموع والله أعلم.стр. 293
وَيُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ الله تعالى والسُّنَّةُ أنْ يَسلُكَ فِي طَرِيقِهِ إلى المُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمأزَمَيْنِ (١) وهو بينَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذيْنِ هُمَا حَدُّ الحرَمِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَالْمَأْزَمُ بالهمزَةِ بعدَ الميمِ المفتوحةِ وكسرِ الزّايِ هُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْن وَحَدُّ المزدلفةِ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ المذكُورَيْنِ وقُرْب مُحَسِّرٍ يميناً وشمالاً مِنْ تِلْكَ الموَاطِن الْقَوَابِلِ والظوَاهِرِ والشّعَابِ والجِبَالِ فَكُلهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَلَيْسَ المأْزِمَانِ وَلاَ وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مُزْدَلَفَةَ وَهُوَ بِضَمّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السّينِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ سُمّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ فيل أصْحَابِ الفيلِ حَسَرَ فِيهِ أي أعْيَا (٢) وَكَل عَنِ الْمَسِيرِ وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مِنى وَالْمُزْدَلِفَةِ (٣) .
واعلم أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَمنىً فَرْسخاً وَمُزْدَلِفَةُ مُتَوَسطَةٌ بينَ عَرَفَاتٍ ومنىً بَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا فَرْسَخٌ وَهُوَ ثَلاَثَةُ أميَالٍ وإذا سَارَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ سار مُلَبِّياً مُكْثِراً مِنْهَا وَيَسِيرُ على هَينَتِهِ وعَادَةِ مشيْهِ بسكينة وَوَقَارٍ (٤) فَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً (٥) اسْتُحِبَّ أنْ يُسْرِعَ وَيُحركَ دَابَّتَهُ اقتداءً بِرسُولِ الله ﷺ وَلاَ بَأْسَ (٦) أنْ يَتَقَدَّمَ الحواشي
(١) أي الأخشبين، وقد تقدم الكلام عليهما في الصعود إلى عرفات فراجعه.(٢) نظر فيه الفاسي ﵀ بقول ابن الأثير أن الفيل لم يدخل الحرم، وقيل لأنه يحسر ويتعب سالكيه ويسميه أهل مكة (وادي النار) قيل لأن رجلاً اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته.(٣) أي وليس محسر من منى ولا من مزدلفة قال الأزرقي ﵀: وهو خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعاً. اهـ.(٤) سقطت مرتبة متوسطة ثبتت من فعله ﷺ لأنه لما أفاض كان في الزحام الشديد يسير بسكينَة، ويأمر بها، وعند خفة الزحام كان يسير سيراً سهلاً في سرعة ليس بالشديد، فإذا وجد السعة من الأرض حَرك ناقته حتى استخرج منها أقصى سيرها، وهذا يسمى النص بفتح النون وتشديد الصاد المهملة وما قبله يسمى العَنَق بفتح العين المهملة والنون.(٥) بضم الفاء وفتحها، ويقال فرج بلا ها، ثلاث لغات. اهـ مجموع.(٦) أي ولا يحرم بل يكره تقدم الناس الإمام كما تقدم.стр. 294
النَّاسُ الإِمامَ أو يتأخرُوا عنهُ لكنْ مَنْ أراد الصَّلاَةَ مَعَهُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَرِيباً مِنْهُ ثُمَّ إِنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أصحَابِنَا أطْلَقُوا الْقَوْلَ بتأْخِيرِ الصَّلاَتَيْنِ إلى المُزْدَلِفَةِ (١) .
وقالَ جَمَاعَة يُؤخّرُهُمَا ما لم يَخْش فَوْتَ وَقْتِ الاختيار للعِشاء وهو ثلث الليل على القول الأصح وعلى قول نِصْفُ اللَّيلِ فإنْ خَافَهُ لَمْ يُؤَخرْ بَلْ يَجْمَعُ بالنَّاسِ في الطَّرِيقِ وإذا وَصَلَ المُزْدَلِفَةَ (٢) فَقَدْ اسْتَحَب الشافِعِي رحمَهُ اللهُ تعَالَى أنْ يُصَلِّي (٣) قَبْلَ حَط رَحْلِهِ ولا يُنيخُ الجمَالَ ويَعْقِلُهَا حتَى يُصَلّي لأنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أسامَةَ بْنِ زَيْدِ ﵄ أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ صلوا المغرب والعشاء مع رسول الله ﷺ ولَمْ يَحُطُّوا رحالَهُمْ حتَّى صَلَّوْا العشاءَ (٤) وَالله تعالى أعلمُ، ثُم إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يكُونَ عَلى الحواشي
(١) أي لخبر الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵄: (أنه ﷺ دفع من عرفة حتى إذا كان بالشعب الأيسر نزل فبال ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة، فقال: الصلاة أمامك. فركب. فلما جاء إلى مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً)، ومعنى لم يُسْبغ الوضوء أي لم يكمله، بأن لم يثلثه.(٢) يقول دعاء المزدلفة وهو: (اللهم أني أسالك أن ترزقني جوامع الخير كله، وأن تصرف عني الشر كله، لا يفعل ذلك ولا يجود به إلا أنت).(٣) أي المغرب لما تقدم في حديث أسامة: فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها. وفي أخرى له أيضاً أنهم لم يزيدوا بين الصلاتين على الإناخة فتستثنى هذه من ندب الموالاة بين الصلاتين في جمع التأخير كما في الحاشية.(٤) لما في رواية مسلم: (فأقام المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصتى ثم حلوا).стр. 295
الأَصَحِّ بِأَذانٍ وبإقامتيْنِ لَهُمَا (١) ولَوْ تَرَكَ الْجَمْعَ وَصَلى كُل واحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا أوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أوْ جَمَعَ وَحْدَهُ لاَ مَعَ الإمَامِ أو صَلى إِحْدَاهُمَا مَعَ الإِمَامِ وَالأُخْرَى وَحْدَه جَامِعاً جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَة (٢) .
(فَرْع): فَإذَا وَصَلُوا مُزْدَلفَةَ بَاتُوا وَهَذَا المبِيتُ نُسُك وَهَلْ هُوَ وَاجِب أمْ سُنَّة؟ (٣) قولانِ للشافعي رحمهُ الله تعالى، فإنْ دفع بعد نِصْفِ اللَّيْلِ بِعُذْرٍ أوْ لغَيْرِهِ أوْ دَفَعَ قبل نصْفِ اللَّيْلِ وَعادَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وإنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ مِنْ أصْلِهِ أوْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَعُدْ أوْ لَمْ يَدْخُلْ مُزْدَلِفَةَ أصْلاً صَحَّ حَجُّهُ وَأرَاقَ دَماً فإنْ قُلْنَ الْمَبيتُ وَاجِحب كَانَ الدَّمُ وَاجِباً وَإنْ قُلْنَا سُنَّة كَانَ الدَّمُ سُنَّةً وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ (٤) مُزْدَلِفَةَ فِي النصفِ الأَولِ أصْلاً وَحَضَرَهَا الحواشي
(١) هو المذهب الثابت في حديث مسلم، وقدم على رواية إقامتين فقط، ورواية إقامة واحدة، ورواية أذان وإقامة، لأن راويه أثبتَ ما لم يُثْبته غيره فوجب الأخذ بما حفظه ونسيه غيره. وبهذا المذهب أخذ الإمام أحمد، وبرواية أذان واحد وإقامة واحدة أخذ الإمام أبو حنيفة، وبرواية أذانين وإقامتين أخذ الإمام مالك ﵏ جميعاً ورحمنا معهم آمين.(٢) قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء للمسافر، فلو جمع بينهما في وقت المغرب أو في غير المزدلفة جاز -هذا مذهبنا- وبه قال عطاء، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسعيد بن جبير، ومالك، وأحمد، وإسحق، وأبو يوسف، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة، ومحمد وداود، وبعض أصحاب مالك لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة، ولا قبل وقت العشاء، والخلاف مبني على أن جمعهم بالنسك أم بالسفر. فعندنا بالسفر، وعند أبي حنيفة بالنسك.(٣) المعتمد كما يأتي للمصنف وصححه في الروضة أنه إلا واجب لعذر.(٤) يفهم من هذا أنه لو دفع من مزدلفة قبل النصف لعذر أو لغيره وعاد قبل الفجر لم يلزمه شيء وهو كذلك.стр. 296
سَاعَة (١) فِي النصفِ الثانِي مِنَ الليْلِ حَصَلَ المبيتُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَحَمهُ الله تعالى فِي الأم.
وَخَفِيَ هَذَا النَّص عَلَى بَعْضِ أصْحَابنَا فَقَالُوا خِلاَفَهُ (٢) وَلَيْسَ بِمَقْبُول مِنْهُمْ ويَحْصُلُ هذَا المبيتُ بالحُضُورِ في أَي بقعة مِنْ مُزْدَلفة (٣) وَقَدْ سَبق تحْدِيدُهَا، وَيُسْتَحَب أن يَبْقَى بِمُزْدَلِفَةَ حَتى يَطْلُعَ بها الفجْرُ ويُصَلّي وَيقِف عَلَى قُزَحِ كَمَا سَنَذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالَى فَيَكُونُ بمُزْدَلِفَةَ إِلَى قُبَيل طُلُوعِ الشَّمسِ (٤) ويتأكَدُ الاعْتِنَاءُ بِهَذَا المَبِيتِ سَواءٌ قلنا وَاجِبٌ أمْ سُنَّةٌ، فَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِي ﷺ وَقَدْ ذهبَ إمَامَانِ جَلِيلاَنِ من أصْحَابِنَا إلى أن هذَا الْمَبِيت رُكْنٌ لا يصح الحج إلاَّ الحواشي
(١) المراد بالساعة مطلق الزمن فلا ينافي تعبير غيره باللحظة.(٢) أي منهم مَنْ قال تكفي ساعة بعد النصف إلى طلوع الشمس ومنهم مَنْ قال يجب الحضور حال الفجر، ومنهم مَن قال يجب المعظم وكل ذلك ضعيف أو شاذ.(٣) أي بعد نصف الليل وإنْ لم يحط رحله. قال في الحاشية: وهو كذلك. بل قال السبكي رحمه الله تعالى: يجزىء المرور كما في عرفات، وعليه يدل كلام المصنف وغيره. اهـ. أقول: عند الإمام مالك لا يكفي المرور بل لا بد من النزول، ويدفع متى شاء وإلا فعليه دم.
قال في الحاشية: وإنما وجب في مبيت منى معظم الليل لأن الوارد ثم الأمر بالمبيت وهو لا يحصل إلا بذلك بخلاف هنا، وأيضاً فصنعه ﷺ يدل لذلك فإنهم لا يصلونها عادة إلا بعد نحو ربع الليل، ومع ذلك فقد قدم الضعفة بعد نصفه، فدل على عدم وجوب المعظم، ومن ثم قال في المجموع: اتفق أصحابنا على أنه لو دفع منها بعد النصف أجزأه ولا دم. اهـ. أقول: هو قول للإمام أحمد رحمه الله تعالى.(٤) هذا كمال السنة في المبيت بمزدلفة لحديث جابر ﵁ الطويل، وفيه: (أنه ﷺ لما أتى المزدلفة صلى المغرب والعشاء ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل طلوع الشمس).стр. 297
بِهِ، قَالَهُ أبو عَبْدِ الرَّحْمن ابنُ بنتِ الشَّافِعِي وأبُو بكر محمَّدُ بن إسحقَ بن خُزَيْمَةَ (١) فَيَنْبَغِي أنْ يَحْرِصَ عَلَى الْمَبِيتِ للْخُروجِ مِنَ الْخِلاَفِ.
(فرعٌ): وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَغْتَسِلَ فِي مُزْدَلِفَة بالليْلِ (٢) للْوُقُوفِ بالْمَشْعَرِ الحَرَامِ ولِلْعِيدِ وَلِما فيها مِنَ الاجْتِمَاع، وَقَدْ سَبَقَ أنَّ مَنْ لم يجِدْ ماء تَيَممَ وَهذِهِ اللَّيْلَةُ وَهِيَ ليلةُ العِيدِ عظيمة لَيْلَةٌ جَامِعَة لأَنْوَاع مِنَ الفَضْل مِنْهَا شَرَفُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فإِنَّ الْمُزْدَلِفَةَ مِنَ الْحَرَم كَمَا سَبقَ وَانْضَمَّ إلى هذَا جَلاَلَةُ أهْلِ الْجَمْعِ الحَاضرينَ بِهَا وَهُمْ وَفْدُ الله وخيرُ عبادهِ وَمَنْ لاَ يُشْقَى بِهِمْ جَليسُهُمْ، فَيَنْبَغِي أن يَعْتَنِيَ الحَاضِرُ بها بإحْيائِهَا (٣) بِالْعِبَادة مِنَ الحواشي
(١) قد سبقهما بهذا القول خمسة من أئمة التابعين: علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري ﵏. واحتج لهم بما مَرّ في حديث جابر المار قريباً، وعند الإمام أبي حنيفة إذا لم يكن بالمزدلفة بعد طلوع الفجر لزمه دم إلا لعذر من ضعف أو غيره فإن كان بها أجزأه، وإن لم يكن قبله، وهو ظاهر ما نقله البغوي عن مالك وأحمد، وفي قول لأحمد كالشافعي كما تقدم: يجوز الدفع بعد نصف الليل لعذر أولاً، لقول ابن عباس ﵄ بعثني رسول الله ﷺ في الثقل أو في الضعفة من جمع بليل، وابن عباس لم يكن من الضعفة. وعن أم حبيبة رضط الله عنها أن النبي ﷺ بعث بها من جمع بليل.(٢) أي بعد نصفه إذ به يدخل وقت الغسل كما في المجموع، والأفضل بعد صلاة الصبح.(٣) قال في الحاشية وهو لا يحصل إلا بمعظم الليل وإنما يُسَن له ذلك لأنها ليلة عيد. وقد قال ﷺ : "من أحيا ليلتي العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب" وإنكار العز ابن جماعة كابن الصلاح لسنة إحيائها لمشقته الشديدة على الحاج لكثرة أعماله قبلها وبعدها، ولأنه ﷺ لم يصح عنه فيه شيء لاضطجاعه عقب صلاته جمعاً إلى الفجر، مردود بما مَرّ من الترغيب الشامل لهذه الليلة، ومَنْ قال يُحْمَل على ما عداها يحتاج لسند، وبأنه لا يلزم من اضطجاعه ﷺ عدم الإحياء لحصوله بالذكر والتفكر، ويؤيد ذلك =стр. 298
الصَّلاَةِ (١) والتلاوَةِ والذكْرِ والدُّعَاءِ (٢) والتضَرع.
وَيَتَأَهَّبُ بَعْدَ نِصْف الليْلِ ويَأْخُذُ مِنَ الْمُزْدَلِفَة (٣) حَصَى الجِمَار لجَمْرَة العقَبة يَوْم النَّحْرِ وَهِيَ سَبْعُ حَصِيَّاتٍ والاحتياطُ أَنْ يزيدَ فَرُبما سَقَطَ مِنْهَا شيء. الحواشي
(١) أي الرواتب أما النوافل المطلقة فلا تسن في هذه الليلة.(٢) دعاء المشعر الحرام.
(اللهم إنك قلت وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك وشكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا. اللهم لك الحمد كله والشكر كله ولك الجلال كله ولك الخلق كله ولك الأمر كله. اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ما سلف من ذنوبنا وأن تعصمنا فيما بقي من أعمارنا وأن ترزقنا أعمالاً صالحة ترضاها وترضى بها عنا، فإن الخير كله بيدك وأنت ذو الفضل العظيم، وأنت بنا رؤوف رحيم.
اللهم أبلغ عنا سيدنا محمداً التحية والسلام وأدخلنا دار السلام يا ذا الجلال والإكرام آمين).(٣) أي لخبر بذلك رواه أبو حفص الملاَّ عن أبان بن صالح: أخذ حصى جمرة العقبة من المزدلفة، ويعضده ما صح من قوله ﷺ للفضل بن عباس غداة النحر: "التقط لي حصى" والغداة: لغة ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وهو ﷺ حينئذ كان بمزدلفة فيكون أمره بالالتقاط منها والأمر به من وادي محسر لمن لم يأخذه من المزدلفة، قال في الحاشية: وقول ابن حزم: إنه رمى جمرة العقبة بحصى التقطها له عبد الله بن عباس ﵄ من موقفه الذي رمى فيه مردود، ومن ثَم روى البيهقي ذلك عن عبد الله عن أخيه الفضل وليس فيه التقطها من موقفه الذي رمى فيه على أنه يمكن الجمع بأنه يحتمل أنّ الفضل سقط منه شيء مما التقطه من مزدلفة فأمره ﷺ بالتقاط بدله من موقفه أي محل وقوفه، وهو بطن الوادي لا من المرمى. اهـ.стр. 299
وَقَالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا يأْخُذُ مِنْها حَصَى جِمَار أيامِ التَّشْرِيقِ أَيْضاً وَهِيَ ثَلاَثٌ وستونَ حَصَاة (١) وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
الأوْلَى: أنْ يأَخْذَ حَصَى جِمَارِ أيامِ التشْرِيقِ مِنْ غَيْرِ الْمُزْدَلِفَةِ وَكِلاهُمَا قَدْ نُقل عَنِ الشَّافِعِي رحِمَهُ الله تَعَالى لكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى هذَا.
الثانِي: وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لِلْحصى بِالليْلِ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ يَأْخُذُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ (٢) والمُخْتَارُ الأوَّلُ (٣) لِئَلاّ يَشْتَغِلَ بهِ عَنْ وَظَائِفِهِ بَعْدَ الصبْحِ وَيَكُونُ الْحَصَى صِغَاراً وَقَدْرُهُ قَدْرُ حَصَى الخذفِ (٤) لاَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَلاَ أَصْغَرَ وهي دون أنمُلةٍ نحو حَبَّةِ البَاقِلاَّ (٥) وَقِيلَ نَحْوَ النوَاةِ وَيُكْرَهُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ كَسْرُ الْحِجَارَةِ (٦) لَهُ إلا لِعُذْرٍ بَلْ يَلْتَقِطُ صِغَاراً وَقَدْ وَرَدَ نَهْيٌ عَنْ الحواشي
(١) أي فيكون المجموع سبعين حصاة.(٢) محل الخلاف فيما يريد المبيت بمزدلفة إلى الصبح، وأما من أراد الدفع ليلاً بعد النصف فيأخذ منها ليلاً.(٣) هو استحباب أخذ الحصى بالليل، وعَبر عنه في المجموع بالمذهب، وهو المعتمد كما في الحاشية، قال فيها: لكن صَوّب الإسنوي رحمه الله تعالى الثاني المحكى بقيل [وهو أخذ الحصى بعد صلاة الصبح] لقوله ﷺ للفضل ﵁ غداة النحر: "التقط لي حصى" قال فالتقطت له حصيات مثل حصى الخذف. قال في الحاشية: والحديث ظاهر فيما قاله الإسنوي وتأويله بما يخالف ذلك بعيد جداً.(٤) الخذف: بالخاء والذال المعجمتين: الرمي بنحو حصاة بين السبابتين يخذف بها. قال في "مفيد الأنام": وليس المراد أن رمي الجمار يكون على هيئة الخذف، ولكن المراد أن حصاة الجمار بقَدر حصاة الخذف.(٥) أي الفول.(٦) قال في المجموع: قال الماوردي: واختار قوم كسرها. اهـ.стр. 300
كَسْرِها ههُنَا وَهُوَ أَيْضاً يفضِي (١) إِلَى الأَذَى وَمِنْ أي مَوضِعِ أَخَذها جازَ لَكِنْ يكرهُ (٢) مِنَ الْمَسْجِدِ وَمِنَ الحُش (٣) وَمِنَ الْمواضعِ النَّجِسَةِ وَمِنَ الْجَمَرَاتِ الَّتي رَمَاها هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لأَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابن عَبّاسِ ﵄ قَالَ: ما تُقبل مِنْهَا رُفع وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ تُرِكَ وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَسَدَّ مَا بَيْنَ الجبلين.
وَزَادَ بَعْضُ أصحابنَا فَكرِهِ أَخْذُها مِنْ جَمِيعِ مِنى (٤) لانْتِشَارِ مَا رُمِيَ فيها وَلَمْ يُتَقَبَّلْ وَلَوْ رَمَى بِكُل مَا كَرِهْنَاهُ لَهُ جَازَ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى: وَلاَ أكْرَهُ غَسْلَ حَصَى الجمارِ (٥) بَلْ لَمْ أزَلْ أعْمَلُهُ وَأُحِبه فإذا طَلَعَ الْفَجْر بادرَ الإِمام والناسُ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ في أوَّلِ وَقْتِهَا قَالَ أصْحَابُنَا: والمُبَالَغَةُ فِي التبْكِيرِ بِهَا فِي هذَا الْيَوْمِ آكَدُ مِنْ بَاقِي الأَيامِ اقتداء بِرَسُولِ الله ﷺ وليتسع الْوَقْتُ الحواشي
(١) أي يوصل كسر الحجارة إلى الأذى، وهو وقوع شيء من شظاياها إلى وجه كاسرها.(٢) أي أخذ الحصى من المسجد، أي إذا لم يكن من أجزائه بأنْ فرشه أحدٌ به من غير وقف، وعلم منه الرضا بالأخذ وإلا حرم والله أعلم.(٣) الحُشُّ بحاء مهملة مفتوحة، قال ابن العماد: أو مضمومة أو مكسورة فمعجمة هو المرحاض، وأصله البستان، فأطلق على ذلك لأن العرب كانت تقضي الحاجة في البساتين. اهـ حاشية.(٤) هذا إنْ تحقق الانتشار فيكون كالأخذ من المرمى وإلا فلا كراهة.(٥) لأنه روي عن ابن عمر ﵁ أنه غسله، كما في المغني. قال في المجموع: قال ابن المنذر: لا يعلم في شيء من الأحاديث أن النبي ﷺ غسلها أو أمر بغسلها. قال: ولا معنى لغسلها. قال: وكان عطاء والثوري ومالك وكثير من أهل العلم لا يرون غسلها. قال: ورَوَيْنَا عن طاوس أنه كان يغسلها. اهـ أقول: وعن الإمام أحمد استحباب غسلها وعدمه وهو الصحيح كما في المغني، وعند الحنفية كما أخبرني الشيخ محمد أمين مرداد الحنفي استحباب غسل الحصى والله أعلم.стр. 301
لِوَظَائِفِ المَنَاسِكِ فإنَّهَا كَثِيرَة فِي هذَا الْيَوْمِ فَلَيْسَ فِي أيامِ الْحج أكثرُ عَمَلاً مِنْهُ (١) والله تعالى أعْلَمُ.
الفصل السادس
في الدفع إلى منى
السُّنةُ أنْ يقَدمَ الضَّعفةَ مِنَ النّساءِ (٢) وَغَيْرِهِن قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى منى لَيرْمُوا جَمْرةَ العَقبة قبل زَحْمةِ الناسِ ويكون تقْديمُهم بعدَ نصفِ اللَّيْل (٣) وأمَّا غَيْرهُم فيَمْكُثُونَ حَتَّى يُصلوا الصُّبْحَ بِمُزْدَلِفَة (٤) كَمَا سَبقَ، فإذَا صَلوهَا دَفَعُوا مُتَوجّهِينَ إِلَى منىً فَإذَا وَصَلُوا قُزَحَ بضم القاف وفتح الزاي وهو آخر المُزْدَلفة وهو جبل صغيرٌ وهُوَ الْمَشْعَرُ (٥) الحَرامُ صَعِدَهُ إنْ أمكَنَهُ وَإِلاَّ وَقَفَ عِنْدَهُ أوْ الحواشي
(١) أقول: ولذا سمي يوم النحر يوم الحج الأكبر والله أعلم.(٢) أي بشرط أن يكون معهن محرم.(٣) أي لحديث عائشة ﵂ قالت: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل خطمة الناس وكانت امرأة ثبطة (فأذن لها) رواه الشيخان ولما ورد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : (أذن لضعفة الناس أن يدفعوا من المزدلفة بليل). أخرجه أحمد. وفي الموضوع أحاديث صحيحة سوى ما ذكر والله أعلم.(٤) أي خروجاً من خلاف مَنْ أوجب صلاة الصبح بمزدلفة.(٥) قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: المشْعَر الحرام المذكور في القرآن الكريم الذي يؤمر بالوقوف عليه هو قزح جبل معروف بالمزدلفة. هذا مذهبنا. وقال جمهور المفسرين وأصحاب الحديث والسير: المشعر الحرام جميع المزدلفة.
أقول كما في الحاشية: ويدل للأول وهو مذهب الشافعية والفقهاء ما صح عن علي ﵁ أنه ﷺ لَما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه، وقال: هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف. ويوافقه ما في حديث مسلم عن جابر ﵁ أنه ﷺ لَما صلى الصبح بمزدلفة ركب ناقته القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، ودعا الله وهلله وكبره، ولم يزل واقفاً حتى أسفر جداً وكونه ﷺ لم يخبر أن قزح هو المشعر =стр. 302
تَحْتَهُ وَيقِفُ مُسْتَقبِل الكعبة فَيَدْعُو وَيَحْمَدُ الله تَعَالَى ويُكَبِّرُهُ ويهلله ويُوحِّدُهُ ويكثر مِنَ التَّلبيةِ واسْتَحَبوا أنْ يقُولَ: اللَّهُمَّ كَمَا أوقَفْتَنَا فِيهِ وَأرَيْتَنَا إيّاه فَوَفّقْنَا لذكركَ كَمَا هَدَيْتَنَا واغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩].
ويُكثِرُ من قَوْلهِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (١) وَيَدْعُو بِمَا أحَبَّ وَيَخْتَارُ الدَّعَوَاتِ الجامِعَةِ وَبِالأُمُورِ المُهمة ويكرّر دَعَوَاتِهِ وَقَدْ اسْتَبْدَلَ النَّاسُ بالوُقُوفِ عَلَى جَبَل قُزَح الْوُقُوفَ على بِنَاءٍ مُسْتَحْدَث في وَسَطَ المُزْدَلِفَةِ (٢) ثم قِيَل: لا يحصلُ أصْلُ هذِهِ السنةِ بِذَلِكَ الحواشي
(١) ويتم دعاء المشعر الحرام بقوله (اللهم) لك الحمد كله، والشكر كله ولك الجلال كله، ولك الخلق كله، ولك الأمر كله. (اللهم) إنا نسألك أن تغفر لنا ما سلف من ذنوبنا وأن تعصمنا فيما بقي من أعمارنا، وأن ترزقنا أعمالاً صالحة ترضاها وترضى بها عنا فإن الخير كله بيدك وأنت ذو الفضل العظيم، وأنت بنا رؤوف رحيم. (اللهم) أبلغ عنا سيدنا محمداً التحية والسلام، وأدخلنا دار السلام، يا ذا الجلال والإكرام، آمين.(٢) قال السيد محب الدين الطبري المكي في كتابه (القرى لقاصد أم القرى) قال الجوهري - رحم الله الجميع: قزح اسم جبل بالمزدلفة، قلت: وقد بُني عليه بناء ثم قال: وقد ذكر ابن الصلاح في منسكه أن قزح جبل صغير في آخر المزدلفة ثم قال: بعد ذلك: =стр. 303
والأَظهرُ أَنهُ يحصُل أصْلُ السُنة (١) لَكِنْ الأَفْضَلُ ما ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ جَزَمَ بِهَذَا الإِمَامِ الحواشي
(١) أقرّ المصنف في المجموع حصول أصل السنة بالمرور أي في النصف الثاني من ليلة النحر وإن لم يقف. وقد تقدم عن السبكي كما في الحاشية إجزاء المرور أي في النصف الثاني كما في عرفات.стр. 304
أبُو القَاسِمِ الرَّافِعِي فَقَالَ: لَوْ وَقَفُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرٍ (١) مِنَ المُزْدَلِفَةِ حَصَلَ أصْلُ هذه السُّنة.
وَقَدْ ثَبَتَ في صحيح مُسْلِمٍ عَنْ رَسُول الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: جَمْع كُلهَا مَوْقِفٌ، وَهذَا نَص صَرِيح لأن جَمْعاً اسْمٌ للْمُزْدَلِفَةِ كُلها بلاَ خِلاَف وَلَوْ فَاتَتْ هذه السُّنَّةُ (٢) مِنْ أصْلِهَا لَمْ تُجْبَرْ بِدَم فإِذَا أَسْفَرَ الصبْحُ (٣) دَفَعَ مِنَ المشعرِ الحَرَامِ خَارِجَاً مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ (٤) مُتَوَجهاً إِلى مِنى وَعَلَيْهِ السَّكِينة (٥) وَالوَقَارُ شِعَارُهُ التلْبِيةُ وَالذّكْرُ، وإنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ فَإذَا بَلَغَ وَادِي مُحسر وَقَدْ تَقَدّم ضَبْطُهُ وَبيانُهُ أسْرَعَ (٦) أوْ حَرّكَ دابّتَهُ (٧) قَدرَ رَمْتةِ حَجَرٍ حَتّى الحواشي
(١) أي غير قزح.(٢) أي التي هي الوقوف على قزح من أصلها بأن لم يقف عليه ولا عنده، وسميت المزدلفة جمعاً لاجتماع الناس فيها، أو آدم وحواء أو لجمع الصلاتين بها. أقوال اقتصر على أولها في المجموع. وبالمزدلفة لأنهم يقربون منها إلى منى، والإزدلاف الاقتراب، وقيل لاجتماع الناس بها والاجتماع الإزدلاف، وقيل: لأنهم يجيئون إليها في زلف من الليل أي ساعات منه. اهـ حاشية.(٣) أي جداً بحيث تتفاسر الوجوه لحديث جابر مرفوعاً: (لم يزل واقفاً عند المشعر حتى أسفر جداً).(٤) لقول عمر بن الخطاب ﵁: (كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير كيما نغير وأن النبي ﷺ خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس) رواه البخاري.(٥) لقول ابن عباس ﵄ ثم أردف النبي ﷺ لفضل بن عباس ﵄ وقال: (يا أيها الناس إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل فعليكم السكينة).(٦) أي إن كان ماشياً.(٧) إن كان راكباً وهذا الإسراع للذكر ذهاباً كما تقدم وإياباً لقول جابر ﵁ وعن الصحب أجمعين (حتى أتى محسراً فحرك قليلاً) يعنيه ﷺ . أقول -كما في =стр. 305
يقْطَعَ عَرْضَ الوَادِي (١) ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ سَائِراً إِلى مِنى سَالِكاً الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الحواشي
(١) أي وادي محسر. قال في المجموع: قال الأزرقي رحم الله الجميع-: وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعاً. اهـ. أقول: يظهر من قول الأزرقي السابق في ذرع عرض محسر، ومن رواية الموطأ المقيدة للقدْر الذي ذكره المصنف وهي قوله: (عن ابن عمر ﵄ أنه كان يحرك راحلته قَدْر رمية حجر حتى يقطع عرض الوادي.
ومن رواية الترمذي الدالة على الإطلاق وهي قوله: عن علي ﵁: (ثم =стр. 306
الَّتِي تَخْرُجُ إلى الْعَقَبَة (١) وليسَ وادي مُحَسرٍ مِنَ المُزدَلفةِ وَلاَ مِنْ مِنى بَلْ هُوَ مَسِيلُ مَا بَيْنَهُمَا فإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنى بَدَأ بجمرة العَقبةِ.
الفصلُ السابعُ
في الأعمالِ المشروعةِ بِمنى يَوْم النَّحْرِ
اعْلَمْ أَن حَدَّ مِنىً مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسرٍ وَجمرةِ العَقَبةِ (٢) وَمنى شِعْبٌ طُولُهُ الحواشي
(١) أي ندباً إن أمكن من غير إيذاء أو تأذي لما في حديث جابر أنه ﵊ (ثم سلك الطريق التي تخرج إلى الجمرة الكبرى) رواه مسلم.
دعاء منى
الحمد لله الذي بلغنيها سالماً معافىً، (اللهم) هذه منى أتيتها وأنا عبدك وفي قبضتك، أسألك أن تمن علي بما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك، (اللهم) أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين، (اللهم) صلِّ على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وأمته وسلم آمين.(٢) هذا هو المعتمد وهو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى كما في الحاشية (حَدُّ مِنَى ما بين قرني وادي محسر إلى العقبة والتي عندها) أي بلصقها الجمرة الدنيا إلى مكة هي جمرة العقبة، وليس محسر ولا العقبة من منى. اهـ. أقول: قول المحشي رحمه الله تعالى أي بلصقها إلخ، هذا باعتبار ما كان قبل إزالة العقبة بتمامها في عهد الحكومة السعودية عام ١٣٧٦ ثم جَعَلَتْ موضع جميع الجمار الثلاث تحت جسر تسير فوقه السيارات طلباً لراحة الحجاج عند رميهم الجمار. نسأله تعالى أنْ يوفقها لما فيه خير العباد والبلاد آمين.стр. 307
نحْو مِيلَيْنِ (١) وَعَرْضُهُ يَسِير (٢) والجبالُ الْمُحِيطةُ بِهِ مَا أَقْبَلَ مِنْهَا عَلَيْه فَهُو مِنْ مِنى، وَمَا أَدْبَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ مِن مِنى وَمَسْجِدُ الخَيْف عَلَى أَقل مِنْ مِيلٍ ممَّا يَلِي مَكَّة وَجَمْرَةُ الْعَقَبة فِي آخِرِ مِنى (٣) مما يَلِي مَكَّةَ وَلَيْسَتِ الْعَقَبةُ الَتي تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْجَمرةُ مِنْ مِنى وهي الجَمْرَةُ الَتي بَايَعَ رَسُولُ الله ﷺ الأَنصَارَ عِنْدها قَبْلَ الهِجرَةِ (٤) . الحواشي
(١) قال الأزرقي ﵀ كما في الحاشية قال: ذرع منى ذرع ما بين جمرة العقبة ومحسر سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع. اهـ. فظهر من هذا الذرع أن قول المصنف طوله نحو ميلين مراده بالميل فيه الميل الذي هو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع لا الميل المذكور في صلاة المسافر. قال في التحفة -كما في التقييدات- فليقس من ذراع العقبة ويحد به ثم الظاهر من هذا أنه يعتبر ما سامت أول العقبة المذكورة يميناً إلى الجبل ويساراً إلى الجبل، وحينئذ يخرج من منى كثير يظنه كثر الناس منها. اهـ. أقول: أما الآن فلا وجود للعقبة كما تقدم، فعليه فليقس من الجمرة الكبرى من جهة منى إلى أول محسر والله أعلم.(٢) أي بالنسبة لطوله وإلا فهو عريض.(٣) ظاهر هذا أن الجمرة من منى وهو ما اعتمده المحب الطبري في قراه -رحمه الله تعالى- حيث قال: (والعقبة التي تنسب إليها الجمرة منه) أي من شعب منى، والصحيح ما تقدم لما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنىً عن يمينه ورمى بسبع، وقال: (هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري قال عبد الرحمن بن يزيد وكان مع ابن مسعود كما في الرواية الأخرى (رمى عبد الله من بطن الوادي) وقال بعضهم إن المراد بقول المصنف وجمرة العقبة في آخر منىً أي قرب آخرها وإن المراد الآخر في الظاهر لا الحقيقة فراراً من مناقضته لقوله أول الفصل: اعلم أن منى ... إلخ وسميت منى بمنى لكثرة ما يراق فيها من دماء الأضاحي. وقيل لأن الله مَنَّ فيها على عباده بالمغفرة والله أعلم.(٤) أول بيعة كانت عام ١٢ اثنى عشر للبعثة أي عام ٦٢١ م إحدى وعشرين وستمائة للميلاد. والبيعة الثانية عام ١٣ للبعثة أي عام ٦٢٢ م اثني وعشرين وستمائة للميلاد.стр. 308
وأَمَّا الأَعْمَالُ المشروعةُ يَوْمَ النَّحْرِ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ ذَبْحُ الهَدْيِ، ثَُم الْحَلْقُ ثُمَّ الذّهابُ إِلى مَكَّةَ لِطَوَافِ الإِفَاضَةِ وَهِيَ عَلى هَذَا التْرتيبِ مُسْتَحَبةٌ، فَلَوْ خَالَفَ فَقَدَّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض جَازَ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ويَدْخُلُ وقت الرمْي والحَلْقِ والطوافِ بنصْفِ الليل (١) مِنْ ليْلَةِ الْعِيدِ وَيَبْقَى الرَّمْيُ إلى غُروبِ الشَّمْس (٢) وَقِيلَ يَبْقَى إِلى طُلُوعِ الفَجْرِ من لَيْلَة أول أيامِ الحواشي
(١) أي لمن وقف بعرفة قبله وإلا لم يعتد بما فعله منها وكذا المبيت بمزدلفة.(٢) قال في الحاشية وما صححه هنا كالروضة من بقاء الرمي للغروب مراده به وقت اختياره وإلا فوقت أدائه لا يفوت إلا بآخر أيام التشريق كما يأتي تحقيقهُ أخذاًً من كلامه وله وقت فضيلة سيأتي. اهـ. أقول: تبين من هذا أن لرمي جمرة العقبة أربعة أوقات.
الأول: وقت دخوله بنصف ليلة يوم النحر ويسمى الحج الأكبر لأن معظم أعمال الحج فيه كما تقدم.
الثاني: وقت فضيلة ما بين ارتفاع الشمس وزوالها.
الثالث: وقت اختيار إلى آخر يومه.
الرابع: وقت جوازه إلى آخر أيام التشريق الثلاثة، وبهذا قال أحمد إلا أنه لا يجيز الرمي ليلاً لمن تخلف عن الرمي نهاراً بلْ يرمي من الغد بعد الزوال، والشافعي يجيز الرمي ليلاً ويعده أداء، مستند الشافعي قوله ﷺ للسائل الذي أخر الرمي إلى المساء "ارم ولا حرج" ولما أخرجه مالك عن نافع رحمهما الله تعالى أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر ﵃ نفست بالمزدلفة فتخلفت هي وصفية حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما ابن عمر ﵄: (أن ترميا فرمتا، ولم ير عليهما شيئاً). وبقول أحمد قال أبو حنيفة كما في المغني لابن قدامة، لكن قال الشبلي في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي كما في أضواء البيان للعلامة محمد أمين الشنقيطي ﵀: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها ولا شيء عليه لأن الليل تبع اليوم في مثل هذا كما في الوقوف بعرفة فإنْ أخَّره إلى الغد رماها وعليه دم، وقال مالك يرميها ليلاً قضاءً لأن مذهبه قضاء الرمي الفائت في الليل وغيره وعليه الهدي.стр. 309
التَّشْرِيقِ. وأمَّا الحَلْقُ والطَّوَاف فَلاَ آخِرَ لِوَقْتِهِمَا بَلْ يَبْقِيان ما دَامَ حَياً وَلَوْ طَالَ سِنِينَ مُتكاثرةً. وَأمَّا وَقْتُ الاخْتِيَارِ لِهَذه الأَعْمَال فَيَبْدَأُ فِيهِ بجَمْرَةِ الْعَقَبةِ عَلَى تَرْتيبِ الأَفْضَلِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا مَسَائِلُ:
الأوْلى: يَنْبَغِي إِذَا وَصَلَ مِنى أن لا يُعَرّجَ عَلَى شَيْء قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبة وَتُسَمَّى الْجَمْرَةَ الكُبرَى وهي تَحيةُ منى فلا يبدأ قبلها بشيء وَيَرْمِيَهَا قَبْلَ نُزُولِهِ وَحَط رَحْلِه (١) وَهِيَ عَلَى يَمِينِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ إِذَا وَقَفَ في الجَادَّةِ وَالْمَرْمَى مُرْتَفعٌ قَلِيلاً مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ (٢) .
الثانيةُ: السُّنة أن يَرْميهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتفاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ (٣) .
الثالثة: الصَّحيحُ المُختارُ في كَيفيه وقُوفه لِيرمِيها أنْ يقفَ تَحْتَهَا في بَطْنِ الوَادي فَيَجْعَلَ مكَّةَ عن يَسَارِهِ وَمِنى عَنْ يَمِينِهِ ويَسْتَقْبِلَ العَقَبَةَ ثُمَّ يَرْمِي وَقِيلَ يقف مُسْتَقْبلَ الجَمْرَةَ مُسْتَدْبر الْكَعْبَة، وَقِيلَ يَسْتَقْبلُ الْكَعْبَةَ وَتكونُ الْجَمْرَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيح (٤) يَدُلُّ عَلَى الأَوَّلِ تَصْرِيحاً. الحواشي
(١) أي إلا لعذر كزحمة وخوف على محترم.(٢) هذا باعتبار السابق وأما الآن فقد أزيل الجبل والعقبة كما تقدم.(٣) هذا هو الوقت الثاني من الأربعة المتقدمة.(٤) هو ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة متفق عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى في المجموع: إنما خص سورة البقرة بالذكر لأن معظم المناسك فيها والله تعالى أعلم. اهـ.
وروي عنه أيضاً أنه ﷺ : (استبطن الوادي واستقبل الكعبة وجعل يرميها عن جانبها الأيمن) فجمعاً بين الحديثين حمل الأول كما في الحاشية على رمي يوم النحر والثاني على رمي غيره والله أعلم.стр. 310
الرابعة: السُّنةُ أنْ يَرْفَعَ يده في رميها حَتَّى يُرى بَيَاضُ إبطه وَلاَ تَرْفَعُ الْمَرْأة (١) .
الخامسةُ: السُّنَّةُ أَنْ يقْطَعَ التّلْبِيَةَ بأَوَّلِ حَصَاة يَرْمِيهَا (٢) وَيُكَبِّر بَدَلَ التَّلْبِيَةِ (٣) لأَنَهُ بالرمْيِ يَشْرَعُ في التّحَللِ من الإِحرام، والتلبية شعار الإِحرام فلا يأتي بها مع شروعه في التحلل وَلَوْ قَدمَ الحَلْقَ أوْ الطوَافُ عَلى الرَّميِ قَطَعَ التَّلْبِية بشُروعِهِ في أَوَّلِهِ لأَنَّهُما مِنْ أسْبَابِ التحَللِ، واسْتَحَبَّ بعضُ أصْحَابِنا فِي التكْبِيرِ المشروعِ مَعَ الرمْيِ أَنْ تقُولَ: الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ الله أكبر كَبِيراً والحَمْدُ لله كَثِيراً وَسُبْحَانَ الله بُكْرَة وَأصِيلاً، لاَ إِلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْد يحْيي وَيُمِيتُ وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِير، لاَ إِلهَ إِلا الله ولاَ نَعْبُدُ إلا إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ.
لا إلهَ إِلا الله وَحْدَهُ صدَقَ وَعْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ لاَ إِله إلا الله وَالله أكْبَر (٤) . الحواشي
(١) أي والخنثى، ويُسَن كون الرمي باليد اليمنى إن سهل، وإلا فباليسرى.(٢) قال في الحاشية: الباء بمعنى (مع)، ولا ينافيه خبر أنه ﷺ (لبى حين رمى جمرة العقبة) لأنه وإن كان محفوظاً كما قاله البخاري إلا أن غيره كرواية مسلم (لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة) أصح منه فقدم عليه. اهـ. أقول: قد تقدم في باب آداب الإحرام أن أول وقت التلبية هو وقت انعقاد الإِحرام وآخر وقتها عند الشافعية والحنفية وجمهور العلماء رحم الله تعالى الجميع والمسلمين ورحمنا معهم رمى أول حصاة من جمرة العقبة كما ذكره المصنف في مجموعه. وقال أحمد يلبى حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة، وقال مالك: بقطعها قبل الوقوف بعرفات. اهـ.(٣) أي لما روى مسلم عن جابر ﵄ (أن النبي ﷺ أتى الجمرة يعني يوم النحر فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف وهي من بطن الوادي ثم انصرف).(٤) قال المصنف في مجموعه: وهذا الذي ذكره هذا القائل غريب في كتب =стр. 311
السادسةُ: أنْ يَرْمِيَ رَاكِباً هَكَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ .
السابعةُ: تَقَدَّمَ أنهُ يُسْتَحَب أنْ يَكُونَ الحَجَرُ مِثْلَ حَصَى الْخَذْف لاَ أكْبَرَ وَلاَ أصْغَر. وَذَكَرَ بَعْض أصْحَابِنَا (١) أنهُ يُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ كَيفِيةُ رَمْيهِ كَرَمْيِ الْخَاذفِ وَيَضَعَ الْحَصَاةَ عَلَى بَطْنِ أصبُعه ويرمِيها بِرأسِ السبّابةِ وَهَذِهِ الْكَيْفِيةُ لَمْ يَذْكُرْهَا جُمْهُورُ أصْحَابِنَا وَلاَ نَرَاهَا مُخْتَارَةً وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ نَهْيُ رَسُولِ الله ﷺ عَنِ الْخَذْفِ.
الثامنة: يَجِبُ أنْ يَرْمِي سَبع مَرَّاتٍ بِمَا يُسَمَى حَجَراً بِحَيْثُ يُسمَّى رَمْياً فيرمي سَبع حَصَياتٍ وَاحِدَةً وَاحِدَةً حَتى يَسْتكْملَهُنَّ فَلَوْ وَضَعَ الحَجَرَ فِي الْمرْمَى لَمْ يُعْتَدَ بِهِ لأنَّهُ لا يُسَمَّى رَمْيَاً (٢) وُيشْتَرَطُ قَصْدُ الحواشي
(١) هو الوجه الأول من الوجهين المذكورين في المجموع وهو أنْ تكون كيفية الرمي كرمي الخاذف وهي أنْ يضع الرامي الحصاة على بطن إبهامه ويخذفها برأس سبابته أو يجعل الحصاة بين سبابتيه ويخذف بها. وهذا الوجه أخذ به البغوي والمتولي والرافعي ﵏ ورحمنا آمين. والثاني: وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور كما في المجموع: أن يكون الرمي على غير صفة الخاذف لورود نهيه ﷺ عن الخذف وقال فيه: (إنه لا يقتل الصيد ولا ينكأ العدو، وإنه يفقأ العين ويكسر السن) رواه مسلم من حديث عبد الله بن مغفل ﵁.
قال المصنف في مجموعه: وهذا الحديث يتناول الخذف في رمي الجمار وغيره فلا يجوز تخصيصه إلا بدليل ولم يصح فيما قاله صاحب الوجه الأوى شيء ولأن النبي ﷺ نبه على العلة في كراهة الخذف وهو أنه لا يأمن أن يفقأ العين أو يكسر السن، وهذه العلة موجودة في رمي الجمار والله أعلم.(٢) بل يسمى طرحاً وهو ﷺ لم يفعل إلا الرمي، وقال: "خذوا عني مناسككم" =стр. 312
الْمَرْمَى (١) فَلَوْ رَمَى فِي الهَوَاء فَوَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرطُ بقَاءُ الْحَصَاةِ في الْمَرْمَى فَلا يَضُرُّ تَدَحْرُجُهَا أو خُرُوجُها بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهِ وَلاَ يُشْتَرَطُ وُقُوفُ الرَّامِي خَارِجَ الْمَرْمَى فَلَوْ وَقَفَ في طَرَفِ الْمَرْمَى وَرَمَى إِلَى طَرَفِهِ الآخَرِ أجْزَأهُ وَلَوْ انْصَدَمَتْ الْحَصَاةُ الْمَرْمِية بالأَرْضِ خَارِجَ الْجَمْرَةِ أوْ بِمَحْمَلِ فِي الطَّرِيقِ أوْ عُنُقِ بَعِيرِ أوْ ثَوْب إِنْسَانِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى اعْتُدَّ بِهَا لِحُصُولهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةِ، وَلَوْ حَرَّكَ صَاحِبُ الْمَحْمَلِ فَنَفَضَهَا أوْ صَاحِبُ الثَّوْبِ تَحَرَّكَ الْبَعِيرُ فَدَفَعَهَا فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا (٢) وَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَحْمَلِ أوْ عُنُقِ الْبَعِيرِ ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إلى الْمَرْمَى فَفِي الاعْتِدَادِ بِهَا وَجْهَانِ الحواشي
(١) المرمى هو مجتمع الحصى لا الشاخص. ويشترط أيضاً عدم الصارف وقد نظم بعضهم رحمه الله تعالى شروط الرمي بقوله:
شروط رمي للجمار ستة ... سبع بترتيب وكف وحجر
وقصد مرمى يا فتى وسادس ... تحقق لأنْ يصيبه الحجر
فلو قصد غير المرمى لم يكف وإن وقع فيه كرميه نحو حَيةٍ في الجمرة ورميه العلم المنصوب في الجمرة عند ابن حجر قال نعم لو رمى إليه بقصد الوقوع في المرمى وقد علمه فوقع فيه اتجه الإجزاء لأن قصدَه غير صارف حينئذ. اهـ.
قال عبد الرؤوف: والأوجه أنه لا يكفي، وكون قَصْد العَلَم حينئذ غير صارف ممنوع لأنه تشريك بين ما يجزىء وما لا يجزىء أصلاً. اهـ. وفي الإِيعاب أنه يغتفر للعامي ذلك واعتمد محمد على إجزاء رمي العلم إذا وقع في المرمى. قال لأن العامة لا يقصدون بذلك إلا فِعْل الواجب والمرمى هو المحل المبني فيه العلم ثلاثة أذرع من جميع جوانبه إلا جمرة العقبة فليس لها إلا جهة واحدة. اهـ إعانة الطالبين.(٢) أي بلا خلاف كما في المجموع لأنها لم تحصل في المرمى بمجرد فعله.стр. 313
لأصْحَابِنَا أظْهَرُهُما لاَ يُعْتَدُ بِهَا (١) وَلَوْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى (٢) ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إِلى الْمَرْمَى أوْرَدَتْهَا الريحُ إِلَيْه اعْتُدَّ بِهَا (٣) عَلَى الأَصَحّ ولا يجزِىء الرَّمْيُ عَنِ القَوْسِ وَلاَ الدّفْعُ بالرجْلِ (٤) وَلَوْ شَك فِي وُقُوعِ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَهُوَ نَصُ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالى فِي الْجَدِيد (٥) وَيُشْتَرطُ أنْ يَرْمِيَ الْحَصَيَاتِ فِي سَبعِ مَرّات فَلَوْ رَمَى حَصَاتَيْن أوْ سَبْعاً دَفْعَة وَاحِدَة فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى مَعاً أوْ بَعْضُهُنّ بَعْدَ بَعْض لَمْ تُحْسَبْ إلاّ حَصَاة واحِدَة (٦) ، وَلَوْ رَمَى حَصَاة ثُمَ أتْبَعَهَا حَصَاةً أُخْرَى حُسِبت الحصَاتان رَمْيَتَيْن الحواشي
(١) أي لاحتمال تأثرها به مع أن الأصل شغل الذمة فلا تبرأ إلا بيقين أو ظن قوي.(٢) أي من الأرض.(٣) وجه الاعتداد بها في صورتي الأرض قوله ولو انصدمت الحصاة المرمية بالأرض إلخ. والثانية قوله ولو وقعت في غير المرمى أن الأرض لا اختيار لها ولا حركة وألحق بما ذكر في الأرض من التدحرج الريح لعدم خلو الجو منها، وتعذر الاحتراز منها خلافاً لمن فرّق بينهما فقال: يجزىء في التدحرج دون حمل الريح. قال في الحاشية: نعم لو فرض أن رميه كان عاجزاً عن إيصالها للمرمى فوصلت بحمل الريح وحده اتجه عدم الإجزاء حينئذ لأنه لا دخل لفعله في إيصالها للمرمى البتة ولا فرق فيما ذكر بين أن تقع في محل عام أو لا خلافاً لمن غلط في ذلك كما قال في البحر. اهـ.
(تنبيه): يجب على مَنْ يرمي الجمار من الطابق العلوي أن يتيقن سقوط الجمرة في المرمى. فلو بقيت ولم تسقط بسبب ما يرمى في فتحة المسقط من الأوراق والأحذية لم يجزىء. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه آمين.(٤) لأنه لا يطلق عليه اسم الرمي وكله في غير مقطوع اليدين أما هو فالإجزاء وعدم جواز الاستنابة، ومثله الرمي بالفم والمقلاع كالقوس.(٥) لأنّ الأصل عدم الوقوع في المرمى، والأصل أيضاً بقاء الرمي عليه والله أعلم.(٦) قال في الحاشية: لا فرق فيه بين الرمي بيد واحدة أو بهما، فلو رمى بهما معاً لم تحسب إلا واحدة وإنْ وقعتا مرتباً لأن الرمية واحدة، والعبرة بالرمية لا بالوقوع. اهـ. =стр. 314
سَوَاء وَقَعَتَا مَعاً أوْ الثَّانيةُ قَبْلَ الأُولى أو عَكْسهُ، وَلَوْ رَمَى بِحَجرٍ قَدْ رَمَى بهِ غيره أو رمى به هُوَ إلى جَمْرَةٍ أخْرَى أوْ إِلى هَذه الْجَمْرَةِ في يَوْم آخرٍ أجْزَأَهُ بِلاَ خِلاَفٍ (١) . وإنْ رَمَى بِهِ هُوَ إِلى تِلْكَ الْجَمْرَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَجْزَأَهُ أيْضاً عَلى الأَصحَ كَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَى فَقِيرٍ مُداً فِي الْكَفَّارَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَفَعَهُ إِلى آخَرِ وَعَلَى هذَا يُمْكِنُ أَنهُ يُحَصلُ جَمِيعَ رَمْيِهِ فِي الأَيَّامِ بِحَصَاةٍ وَاحِدةَ بَلْ رَمْيُ جَمِيعِ النَّاسِ يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِحَصَاةٍ إِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ.
(فرع): شَرْطُ مَا يُرْمَى به كَونُهُ حَجَراً فيجزِىء المرمَرُ والْبِرَامُ والْكَذَّانُ (٢) وَسَائِرُ أنْوَاعِ الْحَجر ويُجْزِىء حَجَرُ النَّوْرَةِ قَبْلَ أنْ يُطْبَخَ وَيَصِيرَ نَوْرَةً وَيُجْزِىءُ حَجَرُ الْحَديدِ (٣) عَلَى الْمَذْهَبِ الصَحِيحِ لأَنَّهُ حَجَر فِي الْحَالِ إِلا أَنَّ فِيهِ حَدِيداً كَامِناً يُسْتَخْرَجُ بِالْعِلاَجِ وَفِيمَا يُتَّخذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ كالْفيْرُوزَجِ والْيَاقوت وَالْعَقِيقِ والزُّمُردِ والْبَلَّور والزّبَرْجَدِ وَجهانِ لأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا الإِجْزَاء (٤) لأَنَّهُمَا أَحْجَار الحواشي
(١) قال في الحاشية: ولا يتوهم منه عدم الكراهة لما مَرّ أنها بمعنى آخر وهو أن ما بقي لم يتقبل. اهـ.(٢) بفتح الكاف وتشديد الذال المعجمة: حجارة رخوة.(٣) مثله حجر نحو الذهب والفضة وغيرهما.(٤) أي لا الجواز فيحرم الرمي بما ذكر من الفيروزج إلخ إن ترتب عليه كسر أو إضاعة مال ومع ذلك يصح الرمي به كالمغصوب. قال في الحاشية: ومن ذلك الجزع والمرجان ولا أثر هنا لاتخاذ ذلك فصوصاً، ويفرق بينه وبين انطباع الجواهر بأن انطباعها يخرجها عن الحجرية بخلاف اتخاذ ذلك فصوصاً، وبهذا يعلم أن مرادهم بالمنطبع هنا غيره في مبحث المشمس إذ المراد به ثَمَّ ما من شأنه الانطباع فيشمل البركة التي في حجر نحو الحديد فيكره المشمس فيها لوجود علة الكراهة فيه، وهنا ما انطبع أي طُرق بالفعل لأنه لا يخرج عن الحجرية إلا بذلك. اهـ.стр. 315
وَيُجْزِىءُ مَا لاَ يُسَمَّى حَجَراً كَاللؤلُؤِ والزرْنِيخِ والأثمِدِ والْمَدَرِ والْجِصّ وَالذَّهبِ والْفِضةِ والنُّحَاسِ (١) والْحَدِيدِ وَسَائِرِ الجَوَاهِرِ الْمُنْطَبِعَةِ (٢) . الحواشي
(١) وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة يجوز بكل ما هو من جنس الأرض كالكحل والزرنيخ والمدر، ولا يجوز بما ليس من جنسها وسيأتي هذا إن شاء الله في مذاهب العلماء عن المجموع.(٢) أي المطرقة بالفعل كما تقدم.
مذاهب العلماء رحمهم الله تعالى في رمي جمرة العقبة
قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: قد ذكرنا أنه واجب ليس بركن، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداود. قال العبدري: وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك: هو ركن، دليلنا القياس على رمي أيام التشريق.
(فرع): مذهبنا جواز رمي جمرة العقبة بعد نصف ليلة النحر والأفضل فعله بعد ارتفاع الشمس وبه قال عطاء وأحمد وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، وقال مالك وأبو حنيفة وإسحق لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس، واحتج لهم أصحابنا بحديث ابن عباس السابق أن النبي ﷺ بعث بضعفة أهله فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس. وهو حديث صحيح كما سبق.
واحتج أصحابنا بحديث أم سلمة وغيره من الأحاديث الصحيحة السابقة في مسألة تعجيل دفع الضعفة من مزدلفة إلى منى. (وأما) حديث ابن عباس فمحمول على الأفضل جمعاً بين الأحاديث. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أجمعوا على أن مَنْ رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس أجزاه.
فرع في مذاهبهم في وقت قطع التلبية يوم النحر
قال المصنف في مجموعه: قد ذكرنا أنه يقطعها عند أول شروعه في رمي جمرة العقبة وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم. وقال أحمد وإسحاق وطائفة: يلبي حتى يفرغ من رمي جمرة العقبة، وأشار ابن المنذر إلى اختياره. وقال مالك يقطعها قبل الوقوف بعرفات وحكاه عن علي وابن عمر وعائشة. وقال الحسن البصري: يقطعها عقب صلاة الصبح يوم عرفة، دليلنا على ما ذكره المصنف. =стр. 316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أقول: هو ما رواه الفضل بن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ جعل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) ولان التلبية للإحرام، فإذا رمى فقد شرع في التحلل فلا معنى للتلبية. اهـ.
(فرع): قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يسْتَحب أخْذ الجمار من مزدلفة، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وسعيد بن جبير وإسحق. وقال عطاء ومالك وأحمد يأخذ من حيث شاء، قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافاً بينهم أنه من حيث أخذ أجزأه لكن أحب لقطه وأكره كسره لأنه قد يؤدي إلى احتسابها واحدة والله أعلم.
(فرع): قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب كون الحصى قَدْر حصى الخذف وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف منهم ابن عمر وجابر وابن عباس وابن الزبير وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأبو ثور. قال ابن المنذر ولا معنى لقول مالك: (أكبر من ذلك أعجب إلي) لأن النبي ﷺ سن الرمي بمثل حصى الخذف واتباع السنة أولى.
(فرع): قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة.
(فرع): مذهبنا أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً إنْ كان دخل منى راكباً، ويرمي أيام التشريق ماشياً إلا يوم النفر فراكباً وبه قال مالك، قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة واستحبه أحمد وإسحق وكره جابر الركوب إلى منى من الجمار إلا لضرورة. قال: وأجمعوا على أن النبي ﷺ : (رمى جمرة العقبة يوم النحر راكباً) والله أعلم.
(فرع): ذكرنا أن مذهبنا الصحيح أن الأفضل في موقف الرامي جمرة العقبة أنْ يقف في بطن الوادي، وتكون منى عن يمينه ومكة عن يساره وبهذا قال جمهور العلماء منهم ابن مسعود وجابر والقاسم بن محمد وسالم وعطاء ونافع والثوري ومالك وأحمد. قال ابن المنذر: وروينا أن عمر ﵁ خاف الزحام فرماها من فوقها.
(فرع): قد ذكرنا أن مذهبنا أن لو رمى بما رمى به أو غيره جاز مع الكراهة وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود. قال المزني: يجوز بما رمى به غيره ولا يجوز بما رمى هو به.
قال ابن المنذر: وكره ذلك عطاء والأسود بن يزيد وسعيد بن أبي عروبة والشافعي وأحمد. قال ورخص فيه الشعبي. وقال إسحق يجزئه. قال ابن المنذر: يكره ويجزئه.
قال: إذ لا أعلم أحداً أوجب على من فعل ذلك إعادة. =стр. 317
(فرع): قَدْ تَقَدَّمَ أَنهُ يُسْتَحَب أَنْ تكُونَ الحصَاةُ كَحَصَاةِ الْخَذْفِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ رَمَى بِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ أَصْغَرَ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ وَيُسْتَحَب أَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ طَاهِراً فَلَوْ رَمَى بِنَجِس كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ. وَقَدْ سَبَقَ أَنهُ يُكْرَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ أَوْ بِمَا رَمَى بِهِ غَيْرُهُ وَلَو رَمَى بِشَيْء مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَه.
(فرع): مَنْ عَجَزَ عَنِ الرّمي بِنَفْسِهِ لِمَرَض (١) أَوْ حَبْس (٢) يستنيب (٣) مَنْ الحواشي
(١) كإغماء.(٢) أي في غير دين يقدر على وفائه ولو بحَق كأنْ حبس في قود لصغير حتى يبلغ، فالحبس بحق في غير صورة الدين المذكور لا يمنع الاستنابة. (فإن قيل): أنّ المحصر إذا حبس بحق لا يتحلل، وهنا إذا حبس بحق له أن يستنيب في رمي الجمار.
(أجيب): بأن الرمي أسهل من التحلل فسومح فيه.(٣) أي وجوباً وقت الرمي لا قبله فلا يستنيب في رمي التشريق إلا بعد زوال يوم فيوم إلى آخر الأيام. وقوله: من يرمي عنه، قال في المجموع: (فرع): قال أصحابنا وينبغي أن يستنيب العاجز حلالاً أو مَنْ قد رمى عن نفسه. اهـ. وقال في "مفيد الأنام" =стр. 318
يَرْمِي عنه ويُسْتَحَب أن يناول النائب الحصى إنْ قَدرَ وَيُكَبرُ هُو (١) وإِنَّمَا تَجُوزُ النيابة لِعَاجِزٍ بِعِلَّةٍ لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ (٢) وَلاَ يُمْنع زَوَالُهَا بَعْدَهُ وَلاَ يَصحُّ رَمْيُ النَّائِبِ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ إِلا بَعْدَ رَمْيهِ عَنْ نَفْسِهِ (٣) فَلَوْ خَالَفَ الحواشي
(١) أي المستنيب عند الاستنابة وإعطاء الأحجار للنائب، وهذا التكبير غير التكبير المشروع عند الرمي.(٢) أي وقت أداء الرمي بأن يغلب على ظنه بمعرفة نفسه أو إخبار طبيب بامتداد المانع إلى آخره، فمتى ظن القدرة ولو في اليوم الثالث امتنعت الاستنابة لأنّ أيام التشريق كيوم واحد إذ لا يفوت وقت الأداء إلا بانقضائها كلها.(٣) قال في الحاشية أي رمى جميع اليوم، فلو رمى الجمرة الأولى لم يصح أن يرمي عن المستنيب قبل أن يرمي الجمرتين الباقيتين عن نفسه على الأوجه عندي من احتمالين للإسنوي خلافاً للزركشي حيث رجح مقابله، قال: لأنْ الموالاة بين الجمرات لا تشترط وكماله أن يطوف عن غيره إذا كان قد طاف عن نفسه وبقي عليه أعمال الحج، انتهى.
والفرق أن الطواف ركن مستقل بنفسه لا ارتباط له بما بعده فحيث فَعَلَهُ جاز له فِعْلُه عن غيره، وأما رمي الجمرات الثلاث فواجب واحد له أجزاء كما أن الطواف كذلك فكما ليس له الطواف عن غيره ما بقي عليه من طوافه شيء وإن لم تجب الموالاة فيه، كذلك الثاني له الرمي عن غيره ما بقي عليه من رميه شيء ويدل لما ذكرته قولهم: من عليه رمي اليوم الثاني مثلاً لو رمى في اليوم الثالث لكل جمرة أربع عشرة حصاة لم يقع شيء منها عن يومه لأن رمي أمسه لم يتم ولو كان الأمر كما ذكره لزم الوقوع عن يومه لأنه رمي أمسه بالنسبة لكل جمرة تم قبل الشروع في الجمرة الثانية فدل كلامهم على أن الجمرات كالجمرة الواحدة وهو صريح فيما ذكرته. وبما تقرر يُعْلم أنه لو استناب مَنْ عليه رمي أول أيام التشريق في ثانيها مَنْ رمَى أولها عن نفسه تخير النائب بين أنْ يقدم رمي نفسه عند كل جمرة أو رمي مستنيبه لأنه قد فعل ما استنيب فيه. اهـ مختصراً.
أقول: أما عند السادة الحنفية والمالكية والحنابلة كما في مفيد الأنام قال في لباب =стр. 319
وقَعَ عَنْ نَفْسِهِ (١) كَأصْلِ الْحَجّ وَلَوْ أُغْمِيَ (٢) عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لِغَيرِهِ في الرَّمْي عَنْهُ لَمْ يَجُزْ الرمْيُ عَنْهُ وَلَوْ أَذِنَ (٣) أجْزَأ الرَّمْيُ عَنْهُ عَلَى الأَصَحِّ وَلَوْ رَمَى النَّائب ثُم زَالَ عُذْرُ المُسْتَنِيبِ والوقْتُ بَاقٍ فالمذهب الصّحيحُ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الرَّمي (٤) . الحواشي
(١) أي وإن نوى مستنيبه أو لغا فيما إذا رمى للأولى أربع عشرة مثلاً سبعاً عنه ثم سبعاً عن موكله.(٢) أي العاجز عن الرمي.(٣) أي في حال عجزه عن الرمي وكالإغماء الجنون والموت فلا تبطل بها الاستنابة.(٤) فإنْ قيل المعضوب تجب عليه إعادة الحج إذا برىء وهنا لا إعادة على المستنيب إذا زال عذره والوقت باقٍ. (أجيب): -كما في الحاشية- بأن الحج أصل. =стр. 320
الثاني مِنَ الأَعْمَالِ الْمَشْروعَة بمِنى يَوْم النحْرِ ذَبْحُ الْهَدْيِ والاضْحِيَةِ
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَة انْصَرَفَ فَنَزَلَ في مَوْضِعٍ فِي مِنىً وَحيث نَزِلَ مِنْهَا جَازَ وَلَكِنْ الأفْضَلُ أنْ يقْرُبَ مِنَ مَنْزِل رسولِ الله ﷺ وَقَدْ ذكَرَ الأَزْرَقي أْنّ مَنْزِلَ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى يسار مُصَلَّى الإِمَامِ فَإِذا نَزَلَ ذَبَحَ أوْ نَحَرَ الْهَدْيَ (١) إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. الحواشي
(١) الهدي في الأصل ما يساق إلى الحرم تقرباً إلى الله تعالى من نَعَم وغيرها نذراً أو تطوعاً لكنه عند الإِطلاق اسم للإبل والبقر والغنم، ومحل ذبحه الحرم بمنى فقط وزمنه يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة. هذا حكم هدي الحج وأما الهدي الذي سبق ليذبح بعد الفراغ من سعي العمرة فلا يجب تأخيره إلى يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة بل يذبح بعد الفراغ من سعيها بالحرم لأنه ﷺ ذبح هديه في عمرة القضاء بعد إنقضاء سعيه بالمروة وكانت سنة سبع في ذي القعدة، والأضحية هي ما يذبح من الأنعام الإبل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة فقط في الحرم وغيره تقرباً إلى الله تعالى والأفضل في الهدي والأضحية إبل ثم بقر إنْ أخرج كاملاً بأن ضحى ببدنة كاملة أو بقرة كاملة ثم غنم لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (مِنْ اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قَرب بدنة، ومَنْ راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومَنْ راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشاً أقرن) متفق عليه. ولأن الإبل أكثر ثمناً ولحماً وأنفع للفقراء.
والتفضيل المذكور هو فيما إذا قوبل الجنس بالجنس، وإلا فسبع شياه أفضل من بدنة أو بقرة لأن الدم المراق بذبحها أكثر والقربة تزيد بحسبه، وبهذا قال الإمامان أبو حنيفة وأحمد وقال به الإمام مالك في الهدي، وقال في الأضحية: الأفضل الضأن ثم =следующие страницы →