Полный текст (519 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
إلَى أنْ يُصَلُّوا العصرَ من آخرِ أيام التشريقِ (١) ويكبّرُ الحجاجُ وَغيرُهُمْ خَلْفَ الفرائِضِ (٢) المؤداةِ والمَقْضِيةِ وخلفَ النَّوافِلِ وَخَلْفَ صَلاَةِ الجنازةِ عَلَى الأصح وسواء في اسْتِحْبَابِ التكبير المسافِرُ والحاضِرُ والمُصلِّي في جَمَاعَة الحواشي
(١) هذا صريح في أن ابتداء التكبير لا يدخل بالفجر بل بالفراغ من صلاة الصبح وفي أن انتهَاءه لا يستمر للغروب من آخر أيام التشريق بل للفراغ من صلاة العصر وحينئذ فيختلف وقت الإبتداء والانتهاء باختلاف أحوال المصلين. وهذا هو المذهب كما بينه المحشي في شرح الإرشاد.(٢) من الفرائض: المنذورة.
مذاهب الأئمة في التكبير خلق النوافل في هذه الأيام
قال في المجموع: مذهبنا استحبابه. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد لا يكبر لأنه تابع. فلم يشرع كالأذان. ودليلنا أن الكبير شعار الصلاة والفرض والنفل في الشعار سواء. اهـ مختصراً.
مذاهب الأئمة في تكبير مَنْ صلّى منفرداً
قال في المجموع: مذهبنا يسن التكبير، وهو مذهب مالك وأبي يوسف ومحمد وجمهور العلماء وحكاه العبدري عن العلماء كافة إلا أبا حنيفة. وحكى ابن المنذر وغيره عن أبي حنيفة وأحمد أن المنفرد لا يكبر. اهـ مختصراً.
مذاهب الأئمة في تكبير النساء في هذه الأيام خلف الصلوات
قال في المجموع: مذهبنا استحبابه لهن، وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور، وعن أبي حنيفة لا يكبرن. واستحسنه أحمد. اهـ مختصراً.
مذاهب الأئمة في تكبير المسافر
قال في المجموع. إنه يكبر، وحكاه ابن المنذر عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد وأبي ثور وقال أبو حنيفة لا يكبر. اهـ. =стр. 352
وَمُنْفَردٌ والصحيحُ والمريضُ والتكْبِير أن يقولَ: الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ الله أكْبَرُ وَيُكَرر هَذَا مَا تَيَسرُ له هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَجمهورُ أصحابِهِ قَالُوا: وإنْ زَادَ زِيادةَ عَلَى هَذَا فحسَنٌ أنْ يقُولُ: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحانَ الله بكْرَة وأصِيلاً، لا إلَه إلا الله ولا نَعْبُدُ إلا إيَّاهُ، مُخْلصينَ لَهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ، لاَ إِلهَ إلاّ الله وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وحدَهُ، لا إلَه إلاَّ الله والله أكْبر (١) .
وقالَ جماعة من أصْحابِنَا: لا بأسَ أنْ يقولَ ما اعْتَادَهُ الناسُ الله أكْبَرُ الله أكبرُ الله أكبرُ لا إلَه إلا الله، والله أكبرُ الله أكْبَرُ، ولله الحَمْدُ.
الثاني: يُسْتَحَب أن تكُونَ صَلاَةُ الظهْرِ بمنى بعدَ طَوافِهِ للإفَاضَةِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ الله ﷺ كَمَا سَبَقَ فِي الحديثِ الصَّحيحِ (٢) ولْيَحْضُرْ خُطْبَة الإِمَامِ والله أعلم. الحواشي
(١) يكرر الحاج هذا التكبير ما تيسر ويكثر من قراءة القرآن.(٢) أي الذي رواه مسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ (أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث جابر ﵁ القائل أنه ﷺ صلى الظهر بمكة في الرابع من الأعمال المشروعة يوم النحر طواف الإِفاضة فراجعه إن شئت، وباستحباب صلاة الظهر يوم النحر بمنى قال الإمام أحمد، وقال بعض العلماء ﵏ بل هي أفضل منها بالمسجد الحرام للاتباع والله أعلم.стр. 353
الثالث: يُسَنُّ للإْمَامِ أن يخطبَ هذا اليومَ بعدَ صلاةِ الظهرِ (١) بِمنى خُطْبة مُفْرَدةً يُعلّمُ الناسَ بِهَا المبيتَ والرمْيَ في أيَّامِ التَّشريقِ والنَّفْر وَغَيْرِ ذَلِكَ مما يحتاجُونَ إِلَيْهِ مما بينَ أيْدِيهِمْ وَمَا مضَى لَهُم في يَوْمِهِمْ ليأتي بِهِ مَنْ لَمْ يفعلهُ أو يعيدهُ مَن فَعَلَهُ عَلَى غَيْر وَجْهِه وَهَذ الخطبةُ هيَ الثَّالِثَةُ مِنْ خُطَبِ الحجِّ الأَرْبَعِ وقد سَبقَ بَيانُهُنَّ ويُسْتَحَب لكُل واحد مِمَّنْ هُنَاك حُضُورُ الخطْبَةِ ويغتسلُ لحضُورِهَا وَيَتَطَيَّبُ إِنْ كَانَ قد تَحَلَّلَ التحَللَيْن أو الأَوَّلَ مِنْهُمَا.
الرابع: اختلفَ العُلَمَاءُ في يومِ الحج الأكْبَر فالصَّحيحُ أنَّهُ يومُ النَّحْرِ (٢) لأن مُعْظَمَ أعمالِ المَنَاسِكِ فِيهِ وقيلَ هو يومُ عرفة (٣) والصَّوَابُ الأوَّلُ وإنما قِيلَ له الحجُّ الأكْبَرُ مِنْ أجْلِ قَوْلِ النَّاسِ العمرَةُ الحجُّ الأصْغَرُ. الحواشي
(١) قال المصنف في مجموعه: هكذا قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى واتفقوا عليه وهو مشكل لأن الأحاديث مصرحة بأنها كانت ضحوة يوم النحر لا بعد الظهر. اهـ. قال المحشي منها رواية أبي داود بسند رجاله ثقات: رأيت رسول الله ﷺ يخطب بمنى حتى ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وأجاب عنه المصنف بأن رواية ابن عباس في الصحيح تدل على أن ذلك كان بعد الزوال، إذْ فيها أن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت، والمساء يطلق على ما بعد الزوال، أي فقدمت هذه لأنها أصح وأشهر. والسبكي بأنه ورد في طبقات ابن سعد عن عمرو بن يَثْربِي بتحتية مفتوحة فمثلثة ساكنة فراء مكسورة فموحدة فياء النسب أنه حفظ خطبته ﷺ الغد يوم النحر بعد الظهر وهو على ناقته القصواء، وكان يحكيها بطولها، وكأن بعضهم جمع بين الحديثين حيث قال: خطب رسول الله ﷺ خطبتين يوم النحر في وقتين.
قال ابن جماعة بعد أن أورد أحاديث وهو مقتضى هذه الأحاديث. اهـ.(٢) أي لما في شرح السنة للإمام البغوي ﵀ عن ابن عمر ﵄ وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجها، وقال: أتدرون أي يوم هذا بمثل معناه. وقال: (هذا يوم الحج الأكبر) فطفق النبي ﷺ يقول: "اللهم اشهد" وودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع.(٣) أي لقوله ﷺ "الحج عرفة" وقد تقدم الكلام عليه في الوقوف بعرفة.стр. 354
الفصل الثامن
فيما يفعله بمنى في أيام التشريق ولياليها
أيامُ التشرِيقِ هِي الثلاثَةُ بعدَ يومِ النحْرِ سُميَتْ بِهِ لأنَّ النَّاسَ يُشَرقُونَ فِيهَا لُحُومَ الهَدَايَا والضَّحَايَا أي يَنْشُرُونَهَا في الشَّمْسِ ويقَدِّدُونَهَا (١) وهذه الأَيامُ الثلاثةُ هِيَ الأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ (٢) . وأمَّا الأَيامُ المعلُوماتُ فهي العَشْرُ الأولُ من ذي الحجَّة يَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا وَهُوَ آخرها ثُمَّ يتعلَّقُ بأيَّامِ التشْرِيقِ مَسَائِلُ:
الأولى: يَنْبَغِي أن يَبِيتَ بِمنى (٣) في لَيَالِيهَا وَهَلْ هَذَا الْمَبِيتُ وَاجِبٌ أمْ سُنَّةٌ؟ قَوْلاَنِ للشافعِيِّ رحمه الله تَعَالى أظْهَرُهُمَا أنَّهُ وَاجِبٌ والثاني سُنَّةٌ فإن الحواشي
(١) أي ييبسونها.(٢) قال في المجموع: قال صاحب البيان: اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق وهي ثلاثة بعد يوم النحر، وأما (المعلومات) فمذهبنا أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر، وهو مذهب أحمد وابن عباس. وقال مالك: هي ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده فالحادي عشر والثاني عشر عنده من المعلومات.
وقال أبو حنيفة: المعلومات: ثلاثة أيام يوم عرفة والنحر والحادي عشر. وفائدة الخلاف أن عندنا يجوز ذبح الهدايا والضحايا في أيام التشريق كلها، وعن مالك لا يجوز في اليوم الثالث. هذا كلام صاحب البيان، وقال العبدري: فائدة وصفه بأنه معلوم جواز النحر فيه، وفائدة وصفه بأنه معدود إنقطاع الرمي فيه وبمذهبنا قال أحمد وداود. اهـ مختصراً بزيادة. أقول: كما سابقاً في التعليق على الرابعة عشرة من سنن الوقوف: قول العبدري ﵀ (وبمذهبنا قال أحمد) لعله رواية ضعيفة فلذا لم يذكرها ابن قدامة في مغنيه عن الإمام أحمد وهو جواز النحر في ثالث أيام التشريق كالشافعية لأن المنصوص فيه عدم الجواز كالإِمامين مالك وأبي حنيفة رحم الله الجميع آمين.(٣) قد تقدم الكلام على حَدّ منى في الفصل السابع في الأعمال المشروعة بمنى يوم النحر، فراجعه إن شْئت.стр. 355
تَركَهُ (١) جُبِرَ بِدَمٍ فَإِنْ قُلْنَا المَبِيتُ وَاجِب (٢) فالدَّمُ وَاجِبٌ وَإِنْ قُلْنا سُنَّةٌ (٣) فالدَّم سُنَّة وفي قَدْر الواجبِ من هذا المبيتِ قولان أصَحُّهُمَا مُعْظَمُ الليْلِ (٤) والثانِي المُعْتبَرُ أن يكُونَ حَاضِراً بِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وَلَوْ تَرَكَ المَبِيتَ في اللَّيالِي الثلاَث جَبَرَهُنَّ بِدَمٍ وَاحِدٍ (٥) وإنْ تَرَكَ لَيْلَةً فالأصَحّ أنَّهُ يَجْبُرهَا بِمُدْمِنْ طَعَامٍ (٦) وَقِيلَ بِدِرْهَمٍ وَقِيلَ بثُلُثِ دَمٍ. الحواشي
(١) أي ولو ناسياً. وقياسه أن الجهل هنا كالنسيان كما في الحاشية.(٢) هو مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد لأن النبي ﷺ رخص للعباس في ترك المبيت لأجل السقاية متفق عليه على أنه لا يجوز لغيره تركه، ولأنه ﵊ (بات بمنى ليالي أيام التشريق) وقد قال "خذوا عني مناسككم".(٣) هو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد لأنه روى عن ابن عباس ﵄ (إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت).(٤) وقد مر في الفصل الخامس في الإفاضة من عرفات - عن الحاشية وإنما وجب في مبيت منى معظم الليل لأن الوارد فيه الأمر بالمبيت، وهو لا يحصل إلا بمعظم الليل بخلاف مبيت مزدلفة وأيضاً فعله ﷺ يدل لذلك فإنهم لا يصلونها عادة إلا بعد نحو ربع الليل ومع ذلك فقد قدم الضعفة بعد نصفه فدل على عدم وجوب المعظم، ومن ثم قال في المجموع: اتفق أصحابنا على أنه لو دفع منها بعد النصف أجزاه ولا دم. اهـ. أقول: قد قلت هناك أنه قول أيضاً للإمام أحمد.(٥) هو الصحيح من مذهب أحمد، ومذهب الحنفية لا يلزمه شيء لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يُسَهل عَلى الحاج الرمي، وعدم المبيت عندهم مكروه، ومذهب مالك وأصحابه في الليلة الواحدة أو معظم ليلة دم. رحم الله الجميع ورحمنا والمسلمين والمسلمات آمين.
ومن أراد الوقوف على أدلتهم فعليه بمراجعة الجزء الخامس من أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى آمين.(٦) هذا هو الأصح عند الشافعي من الأقوال وهو رواية عن أحمد والله أعلم.стр. 356
وَإنْ تَرَكَ المبيتَ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ وَحْدَها جَبَرهَا بِدَمٍ (١) وَإنْ تَرَكَهَا مَعَ اللَّيَالِي بِمنى لَزِمَهُ دَمَانِ عَلَى الأصَحّ (٢) وَعَلَى قَوْلٍ دَمٌ وَاحِد هَذَا فِيْمَنْ لاَ عُذرَ لَهُ. وَأمَّا مَنْ تَرَكَ مَبِيتَ مُزدَلِفَة أوْ مِنى لِعُذْرِ فَلاَ شَيْء عَلَيْهِ وَالْعُذْرُ أقْسَامٌ الحواشي
(١) قال في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: والقول بأنه -يعني المبيت بمزدلفة- واجب يجبر بدم هو قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأحمد وأبو حنيفة والشافعي في المشهور عنه. اهـ مختصراً.(٢) يفهم منه أنه لا يحب الدم إلا إنْ ترك مبيت جميع ليالي منى الثلاث وهو كذلك لكن يجب الدم أيضاً بالنفر في اليوم الأول أو الثاني مع ترك مبيت ليلتين لتركه جنس المبيت بمنى فيهما بخلاف من لزمه مبيت الليلة الثالثة بأن كان بمنى وقت الغروب فباتها مع تركه الليلتين قبلها فإنه لم يترك جنس مبيت منى فلا يلزمه إلا مدان فعلم أن لا يجوز النفر الأول إلا إن بات الليلتين الأولتين أو فاته بعذر وهذا أحد شروط النفر الأول التي ستأتي إن شاء الله تعالى في التعليق على المسألة الثالثة عشرة يسقط رمي اليوم الثالث عمن نفر المر الأول إلخ، فإنْ ترك إحدى الليلتين أو فُقِدَ واحد من الشروط امتنع النفر الأول.
مذاهب الأئمة في المبيت بمنى أيام التشريق
قال في أضواء البيان: مذهب أبي حنيفة هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه، ولو بات بغير منى لم يلزمه شيء عند أبي حنيفة وأصحابه لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل عليه الرمي فلم يكن من الواجبات عندهم والأصح عند الشافعية أنه واجب، ولا يلزم الدم عندهم إلا في ترك المبيت في الليالي كلها لأنها عندهم نسك واحد، وإنْ ترك المبيت في ليلة من ليالي الثلاث فالأصح فيها مُد، وفي الليلتين مدان.
ومذهب أحمد أن المبيت بمنى ليالي منى واجب فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه لا شيء عليه، وعنه: يتصدق بشيء فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها قيل مد وقيل درهم وقيل ثلث دم وقيل دم كمذهب مالك وأصحابه أن المبيت ليالي منى واجب ولو بات ليلة واحدة منها أو جُل ليلة وهو خارج عن منى لزمه دم لأثر ابن عباس مَنْ ترك نسكاً فعليه دم، وروى مالك في الموطأ عن نافع =стр. 357
أحدُهَا أهلُ سِقَاية (١) العباسِ يجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ المبيتِ بِمنى ويَسيرونَ إلى مكّة لاشتغَالِهِمْ بالسِّقايةِ سواء تولّى بنُو العباسِ أَوْ غَيْرُهُمْ وَلَوْ حَدَثَتْ سقايةٌ للحُجاجِ فَلِلْقَيِّم بِشَأْنِهَا تَرْكُ المبيتِ كسقَايةِ العباسِ. الحواشي
(١) سِقَايَة العباس ﵁ بكسر السين كانت في الجاهلية حياضاً من أدم يوضع في بعضها الماء العذب، وفي بعضها نبيذ الزبيب وفي بعضها ماء زمزم وتسبل للشاربين، وأخيراً اختصر على ماء زمزم في الأسبلة المتخذة من الأبنية وكانت السقاية في يد قصي بن حكيم الملقب بكلاب، ثم ورثها منه ابنه عبد مناف، ثم ابنه هاشم ثم منه ابنه عبد المطلب ثم منه العباس ﵁، ثم منه ابنه عبد الله، ثم منه ابنه علي ثم واحداً بعد واحد إلى أن آلت الخلافة إلى بني العباس فوضعوا السقاية عند الزبيريين ثم وصلت السقاية إلى بيت الريس من جهة جدهم لأمهم سالم بن ياقوت المؤذن. وبيت الريس بيت علم من مشاهير بيوتات مكة وآخر من وصلت إليه في زماننا منهم الشيخ صالح ريس الذي تزوج ابنه (محمد) بنت شيخنا العلامة السيد علوي عباس المالكي الحسني غفر الله لهم ولي ولكافة المسلمين والمسلمات آمين، وكان يجلس في غرفة بئر زمزم، وكان له الدلو اليماني فيأمر خادمه برفع ماء زمزم بواسطة هذا الدلو من البئر ويصبه في قناة سماوية تذهب به إلى حياض مبنية بجانب غرفة الأغوات التي كانت بجانب غرفة بئر زمزم تسمى الأسبلة ليشرب منها مريدوا الشرب، وفي عهد جلالة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى وسع المسجد الحرام وأزيل جميع ما كان في وسطه من أسبلة وغرف وغير ذلك وأصبح رفع ماء زمزم بواسطة الكهرباء وعهد أمر المسجد الحرام في عهد الملك خالد بن عبد العزيز إلى إدارة شئون الحرمين الشريفين المكي والمدني، فجعلت في جميع نواحي المسجد الحرام حياضاً مختمة لها صنابير يوضع فيها ماء زمزم وعلى سطح الحياض أكواب الشرب، فيأخذ الكوب مريد الشرب ويملؤه من الحوض بواسطة الصنبور أسأله تعالى أن يوفق حكومتنا السنية والقائمين بشئون الرعية لما يحبه ويرضاه.стр. 358
الثاني: رعاءُ الإِبلِ (١) يَجُوزُ لهم تَرْكُ المبيتِ بِعُذْر الرَّعْي فإِذا رَمَى الرِّعاء وَأهلُ السّقَاية يَوْمَ النَّحْرِ جَمرةَ العقبة فَلَهُم الْخُرُوجُ إلَى الرَّعْي وَالسِّقَايةِ وتَركُ المبيتِ في لَيَالِي مِنى (٢) جمِيعِهَا وَلَهُمْ تَرْكُ الرَّمْي في الْيَوْمِ الأوَّلِ مِنْ أيَّامِ التشْرِيقِ وَعَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوا فِي الْيَوْمِ الثاني مِنْ أيَّامِ التَّشريقِ فَيَرْمُوا عَنِ الْيَوْمِ الأوَّل ثم عن الثَّانِي ثمّ يَنفِروا وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ رَمْيُ الثالِث كَمَا يَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِمْ ممن يَنْفِرُ (٣) وَمَتى أقَامَ الرعَاءُ بمنى حتّى غَرَبَتْ الشمس لزمهم المَبِيْتِ بها تلك الليلة وَلَوْ أَقامَ أهْلُ السّقَايةِ حَتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَلَهُمْ الذهَابُ إِلَى السّقَاية بَعْدَ الغروبِ لأَنَّ شُغْلَهُم يَكُونُ لَيْلاً وَنَهَاراً. الحواشي
(١) رعاء بكسر الراء وبالمد جمع (راع) ويجوز (رُعاة) بضم الراء وهاء بعد الألف. وقوله: (إبل) أي إبل الحجاج، وكذا إبل غيرهم، وذكر الإِبل فقط لأنها مورد النص وإلا فراعي كل حيوان محترم كذلك، سواء عادت منفعته على الحجاج أم لا، وسواء كان الراعي مالكاً أو أجيراً أو متبرعاً وشرط الراعي مطلقاً أن يتعسر عليه الإِتيان بها أو يخشى من فراقه لها ضياعاً إما بنحو سرقة أو جوع يضرها أو لا تصبر عنه عادة. أقول انتهى في زماننا دور الإبل وأتى دور السيارات نسأل الله أن يقرب إلينا خيرها ويبعد عنا شرها آمين.(٢) قال في الحاشية أي ومزدلفة لاستوائهما في جواز ترك مبيتهما في سائر الأعذار ولعل اقتصاره على منى بعد ذكرهما أولاً لكونها محل النص، وتلك (يعني ليلة المزدلفة) مقيسة عليها.(٣) قال في الحاشية ظاهره ككلام الروضة وأصلها أنه يمتنع عليهم ترك رمي يومين متواليين، وهو بالنسبة لوقت الاختيار أو مبني على خلاف ما صححاه من بقاء وقت الرمي أداء آخر التشريق -وهو مذهب أحمد- فعليه يجوز لهما كغيرهما ممن لا عذر له تركْ رمي يومين متواليين وكلامهما هنا تبعاً فيه البغوي القائل بأن المتدارك قضاءٌ (هو مذهب مالك) وقول الزركشي الكلام هنا في ترك المبيت مع الرمي، وثمَّ في ترك الرمي المجرد، أي ولا يرخص للمعذور ترك رمي يومين مع ترك المبيت لئلا يترك شعار النسك بخلاف غير المعذور فإنه لما امتنع عليه ترك المبيت جاز له تأخير يومين يُرَدُّ بأن جواز تأخير =стр. 359
الثالثُ: مَنْ لَهُ عُذْرٌ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَنْ لَهُ مَال يَخافُ ضَيَاعَهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْمَبيتِ أوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أو مَالٍ مَعَهُ أوْ لَهُ مَرِيض يَحْتَاجُ إلَى تَعَهُّدِهِ أوْ يَطْلُبُ عَبْداً آبقاً أوْ يَكُونُ بِهِ مَرضٌ يَشُق مَعَهُ الْمَبِيتُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يَجوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتَ وَلَهُمْ أنْ يَنْفِروا بَعْدَ الغروبِ وَلاَ شَيْء عَلَيْهِمْ.
الرابعُ: لَوْ انْتَهَى لَيْلَةَ الْعِيد إِلَى عَرَفَاتٍ فَاشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ عَنْ مَبِيتِ مُزْدَلِفَةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَإنّمَا يُؤْمَرُ بِالْمَبِيتِ الْمُتَفَرِّغُونَ والله أعْلَمُ.
الحواشي
(١) = يومين إنما هو لكون الأيام الثلاثة كاليوم الواحد بالنسبة للوقت (هو مذهب أحمد كما تقدم).
فلا فرق في جواز التأخير بين المعذور وغيره، وأما ترك المبيت فيختص بالمعذور فجوازه له للعذر لا يقتضي خروج وقت أداء الرمي في حقه ولا يلزم من ذلك ترك شعار النسك، لأن الشعار الأعظم هنا وهو المبيت ساقط عنه، وأما الرمي فالتوسعة في وقته للمعذور وغيره يدل على أنه شعاره يحصل بأي وقت فعل فيه، وظاهر كلامهم أنه يجوز للمعذورين وغيرهم التدارك ليلاً ونهاراً (هو مذهب الحنفية وبعض المالكية) والبعض الآخر يقول: الرمي ليلاً قضاء وهو المشهور عندهم وعند الحنابلة لا يرمي ليلاً بل يرمي بعد الزوال من الغد قبل الزوال وبعده، وهو ظاهر وإن أفهمت عبارة البغوي خلافه لأنها مبنية على ما ذهب إليه مما مَرّ عنه (أي من أن التدارك قضاء وهو مذهب مالك كما تقدم). اهـ. بزيادة ما بين الأقواس.
(فرع): قال في المجموع لو ترك المبيت ناسياً كان كتركه عامداً صرح به الدارمي وغيره. اهـ.
وقال فيه أيضاً (فرع) ذكر الروياني وغيره أنه لا يرخص للرعاء في ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر ولا في تأخير طواف الإفاضة عن يوم النحر، فإن أخروه عنه كان مكروهاً كما لو أخره غيرهم لأن الرخصة إنما وردت لهم في غير هذا. اهـ.
أقول: قال في مغني المحتاج شرح المنهاج فقول المجموع: قال الروياني وغيره: لا يرخص للرعاء في ترك رمي يوم النحر: أي في تأخيره محمول على أنه لا يرخص لهم في الخروج عن وقت الاختيار. اهـ.стр. 360
المسئلة الثانية: يَجِبُ أنْ يَرْمِيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيّامِ التَّشْرِيقِ الجَمَرَاتِ الثَّلاَثَ كُل جَمرة بِسَبع حَصَياتِ فَيَأخُذُ إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً فَيَأتِي الجمَرَةَ الأولَى وَهِي تَلِي مَسْجِدَ الخيفِ وَهِيَ أوّلهُن مِنْ جِهَةِ عَرَفَاتٍ وَهِيَ في نَفْسِ الطرِيق الجَادَّةِ فَيَأتيهَا مِنْ أَسْفَلِ مِنى ويَصْعَدُ إلَيْهَا وَيَعْلوهَا حَتَّى يَكُونَ مَا عَنْ يَسَارِهِ أَقل مِمَّا عَنْ يَمِينِهِ (١) وَيَسْتَقْبِلَ القبلَةَ ثُمَّ يَرْميهَا بِسَبعِ حَصَياتٍ واحدةً واحِدَةً ويكَثرُ عَقِبَ كُلّ حَصاةٍ (٢) كَمَا سَبقَ فِي رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَتَقَدمُ عَنْهَا وَينحرفُ قَلِيلاً وَيَجْعَلُهَا في قَفَاهُ وَيقِفُ في مَوْضِعِ لاَ يُصِيبهُ الْمُتَطَايرُ مِنَ الحَصَى الَّذِي يُرْمَى بِهِ وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَحْمَدُ الله تَعَالَى ويُكَبّرُ وَيُهَلّلُ وَيُسَبِّحُ وَيَدْعُو (٣) مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وخُشُوعِ الْجَوارِحِ وَيَمْكُثُ كَذَلِكَ الحواشي
(١) هذا باعتبار ما كان، أما الآن فقد سُويَت الأرض وليس هناك صعود ولا طلوع والحمد لله وقد جعل فوق الجمار الثلاث جسر (كوبري) عظيم يظلل الرامين للجمار من حر الشمس وتسير السيارات فوقه كما تقدم بعد إزالة جميع العقبة وإزالة أطراف الجبال التي حولها وفق الله حكومتنا السنية لما فيه خير الأمة وسعادتها آمين.(٢) أي لما في حديث البخاري الذي رواه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم عن النبي ﷺ : "يكبر إثر كل حصاة".(٣) (الدعاء عند الجمرات).
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى، سبحانك لا إله إلا أنت، (اللهم) لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم إليك رغبت، ومنك رهبت، ومن عذابك أشفقت، فاقبل نسكي، وأصلحه وأتممه واجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً، (اللهم) أعظم أجري وارحم تضرعي، واقبل توبتي، وأقل عثرتي، واستجب دعوتي، وأعطني سؤلي، (اللهم) ربي تقبل مني ولا تجعلني من المحرومين وأدخلني في عبادك الصالحين يا أرحم الراحمين، (اللهم) صلِ على نبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.стр. 361
قَدَرَ سُورَةِ الْبقَرَةِ (١) ثُمّ يَأتِي الجَمرةَ الثانِيةِ وَهِيَ الْوُسْطَى ويَصْنَعُ فِيهَا كَمَا صَنَعَ في الأُولَى وَيقِفُ لِلدُّعَاءِ كَمَا وَقَفَ في الأُوْلَى إِلاَّ أنّهُ لاَ يَتَقَدّم عَن يَسَارِهِ كَمَا فَعَلَ فِي الأُولَى لأَنهُ لا يُمْكنُه ذَلِكَ فِيْهَا بَلْ يَتْركُهَا بِيَمِينٍ وَيقِفُ في بَطْنِ الْمَسِيل مُنْقَطِعَاً عَنْ أنْ يُصِيبَهُ الْحَصَى ثُم يَأتِي الْجَمْرَةَ الثالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ العَقَبة التي رَمَاهَا يَوْمَ النَحْرِ فَيَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلاَ تقِفُ عِنْدَهَا للدُّعَاءِ (٢) .
وَالْوَاجِبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أصْلُ الرَّمْي بِصِفَتِهِ السابِقَةِ في رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ بِمَا يُسَمَّى حَجَراً وَيُسَمَّى رَمْياً.
وَأمّا الدُّعَاءُ وَغَيْرُهُ مِمَّا زَادَ عَلَى أصْل الرَّمْي فَسُنة لاَ شَيْء عَلَيْهِ في تَرْكِهِ لكن فَاتَتْهُ الْفَضِيلَة وَيَرْمِي في الْيَومِ الثانِي مِنْ أيامِ التَّشْرِيقِ كَمَا رَمَى في الْيَوْمِ الأَوّلِ وَيَرْمِي في الثالث كَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَنْفِرْ في الْيَومِ الثانِي.
الثالِثَةُ: يُسْتَحَب أَنْ يَغْتَسِلَ كُلَّ يَوْم للرَّمْي (٣) . الحواشي
(١) قال في المجموع: رواه البيهقي من فعل ابن عمر والله تعالى أعلم.(٢) الترتيب على هذا النحو الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى هو الذي فعله ﷺ وأمر بأخذ المناسك عنه ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى من حديث ابن عمر ﵄ أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم، حتى يسهل فيقول مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلاً ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله، هذا الحديث نص صريح، في الترتيب المذكور وقد قال ﵊ في حديث مسلم عن جابر ﵁: (خذوا عني مناسككم) وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة الترتيب المذكور سنة فإن نكس الرمي أعاد وإن لم يعده أجزأه ولا دم عليه.(٣) قال بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى: الغسل لرمي الجمار وللطواف =стр. 362
الرَّابِعَةُ: لاَ يَصِحُّ الرَّمْيُ (١) في هذِهِ الأَيامِ إِلا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَيَبْقَى وَقْتُه (٢) إلَى غُرُوبِها وَقِيلَ يَبْقَى إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
الخَامِسَةُ: يُسْتَحب إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أنْ يقدمَ الرمْيَ عَلَى صَلاَةِ الظهرِ (٣) ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلّيها نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ في صَحِيحِ الْبُخَارِيّ قَالَ: كُنَّا نتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
السَّادِسَةُ: الْعَدَدُ شَرْطٌ فِي الرَّمْي فَيَرْمِي كُل يَوْم إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً إِلَى كُلِّ جَمْرَة سَبع حَصَيَات كُلّ حَصاة بِرمْيَة كَمَا تَقَدَّمَ (٤) . الحواشي
(١) أي الذي هو أداء ولما يأتي.(٢) أي الاختياري وإلا فوقت أدائه ممتد إلى آخر أيام التشريق على المعتمد كما في الحاشية ودليل الرمي بعد الزوال ما رواه مسلم عن جابر ﵄ قال: (رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس) وبهذا قال الأئمة الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة رحمهم الله تعالى ورخص أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الرمي يوم النفر قيل الزوال قال في أضواء البيان: وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال خلاف التحقيق لأنه مخالف لفعل النبي ﷺ الثابت عنه المعتضد بقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد وأبو يوسف، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ ، فلا ينبغي لأحد يفعله، والعلم عنه الله تعالى. اهـ مختصراً.(٣) أي إن اتسع الوقت بحيث يبقى منه بعد الرمي ما يسع للصلاة جميعها لا قدر ركعة فقط.(٤) أي في رمي جمرة العقبة والشروط التي اشترطت هناك تشترط هنا فلا تغفل.стр. 363
السَّابِعَةُ: التَّرْتيبُ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ شَرْط (١) فَيَبْدَأ بِالْجَمْرَةِ الأُولَى ثُمَّ يَرْمِي الوسْطَى ثُمَّ جَمْرَةَ الْعَقَبةِ وَلاَ يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَوْ تَرَكَ حَصَاة لَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْنَ تَرَكَهَا جَعَلَهَا مِنَ الأوْلَى فَيَلْزَمُهُ أنْ يَرْمِيَ إِلَيْها حَصَاة ثُم يَرْمِيَ الجمرتين الأَخِيرَتَيْن.
الثامنَةُ: المُوَالاَةُ بَيْنَ رَمْي الجَمَرَاتِ وَرَمَيَاتِ الْجَمْرَةِ الواحدةِ سُنَّةٌ على الأصَحّ وَقِيلَ وَاجِبةٌ.
التاسِعَةُ: إذَا تَرَكَ شَيْئاً مِنَ الرَّمْي نَهَاراً فَالأَصَحُّ أَنهُ يَتَدَارَكُهُ فَيَرْمِيهِ لَيْلاً (٢) أوْ فِيما بقِيَ مِنْ أيامِ التَّشْرِيقِ (٣) سَوَاءٌ، تَرَكَهُ عَمْداً أوْ سَهْواً، وإذَا تَدَارَكَهُ فِيهَا فَالأَصَحُّ أَنهُ أداءٌ (٤) لاَ قضاء وَإذَا لَمْ يَتَدَارَكْهُ حتى زَالَتِ الشمْسُ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي الحواشي
(١) كذا عند الإمامين مالك وأحمد والجمهور كما تقدم وقال أبو حنيفة الترتيب المذكور سنة فإن نكس الرمي أعاد وإن لم يعده أجزأه ولا دم عليه.(٢) قد تقدم في الفصل السابع في التعليق على قول المصنف: ويبقى الرمي إلى غروب الشمس، أن الشافعية والمالكية والحنفية كلهم يقولون يرمي ليلاً وبعض المالكية يرون الرمي ليلاً قضاء، والحنابلة: يمنعون الرمي ليلاً ويقولون يرمي من الغد بعد الزوال.(٣) قال في الحاشية: ولو قبل الزوال لأن جملة أيام منى بلياليها كوقت واحد بالنسبة للتأخير لا للتقديم إذ لا يجوز تقديم يوم واحد على زواله قولاً واحداً وبه قطع الجمهور وقول ابن عمر ﵄ "كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" محمول بقرينة سياقه على غير المتدارك. اهـ مختصراً.(٤) وكذا الحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق فترمي من الغد ولا شيء عليه كما هو مذهب أحمد ومشهور مذهب الشافعي وعند أبي حنيفة إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد رماها وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعاً رماها وعليه دم لأنها أكثر من نصف حصى رمي يوم النحر لجمرة العقبة والله أعلم.стр. 364
يَلِيهِ فَالأصَحُّ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْتيبُ فَيرْمِي (١) أوّلاً عَنْ الْيَوْمِ الْفَائِتِ ثُمَّ عَنْ الْحَاضِرِ وَهَكَذَا لَوْ تَرَكَ يَوْمَ الْعِيدِ رَمْى جَمْرَة الْعَقَبَةِ فَالأَصَحُّ أَنهُ يَتَدَارَكُهُ في الليْلِ (٢) وَفِي أيامِ التَشْرِيقِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرْتيبُ فَيُقَدمُهُ عَلَى رَمْي التشْرِيقِ وَيَكُونُ أَدَاءً عَلَى الأَصَح وَإِذا قُلْنَا بِالأَصَحِّ أن الْمُتَدَارَك أدَاء لاَ قَضَاءٌ كَانَ تَعْيِينُ كُلّ يَوْمٍ للمِقْدَارِ المأمُورِ بِهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَفَضيلةٍ كأوْقاتِ الاخْتِيار للصّلاَة (٣) .
واعْلَمْ بِأَنَّهُ يَفُوتُ كُلُّ الرَّمْي بِأَنْوَاعِهِ (٤) بِخُرُوجِ أيَّامِ التشْرِيقِ من غَيْرِ رَمْي وَلاَ يُؤَدَّى شَيْء مِنْهُ بَعْدَها لاَ أَداءً وَلاَ قضاءً، وَمَتَى تَدَارَكَ فَرَمَى في أَيَّامِ التشْرِيقِ فائِتَها أَوْ فَائِتَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ وَلَوْ نَفَرَ مِنْ مِنى يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ يَوْمَ الْقر (٥) أوْ يَوْمَ النَّفْرِ الأَوَّلِ (٦) ولَمْ يَرْمِ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي (٧) فرَمى أجْزَأهُ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ (٨) وَمَتَى فَاتَ الرَّمْيُ وَلَمْ يَتَدَارَكْهُ حَتَّى الحواشي
(١) أي جميع الجمرات الثلاث فلو رمى كل جمرة أربع عشرة حصاة سبعاً عن أمسه وسبعاً عن يومه لغا ما عن يومه لأنه لم يكمل رمي أمسه كما مَرَّ (في رمي النائب في تعليق رمي جمرة العقبة).(٢) مر الجمع بينه وبين قوله إن رمى جمرة العقبة لا يمتد تلك الليلة بأن المراد لا يمتد وقته الاختياري.(٣) قد تقدم الكلام على هذا في تعليق رمي جمرة العقبة مع أقوال الأئمة رحمنا الله وإياهم والمسلمين والمسلمات آمين.(٤) أي رمي يوم النحر ورمي كل يوم من أيام التشريق الثلاثة.(٥) يوم القر هو اليوم الذي يلي يوم النحر وسمي بذلك لأن الحجاج يقرون فيه بمنىً.(٦) هو اليوم الذي يلي يوم القر سمي بذلك لأن بعض الحجاج ينفرون من مِنى فيه بعد الزوال.(٧) أي من أيام التشريق وهو يوم النفر الأول.(٨) أي من جهة الرمي وإن كان عليه فدية من جهة المبيت. أقول: هذا حكم مَنْ =стр. 365
خَرَجَتْ أيَّامُ التَّشْرِيقِ وَجَبَ عَلَيْهِ جَبْرُهُ بِالدَّمِ فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ ثَلاَثَ حَصَيَاتٍ أوْ أكْثَرَ أوْ جَمِيعَ رَمْي أيامِ التَّشْرِيقِ وَيَوْمِ النَّحْرِ لَزِمَهُ دَمٌ وَاحِدٌ عَلَى الأَصَحّ (١) الحواشي
(١) قال في الحاشية: ما ذكره فيه هو المعتمد، وفارق ترك مبيت مزدلفة مع منى =стр. 366
وَإنْ تَرَكَ حَصَاةً وَاحِدَةً مِنَ الْجَمْرَةِ الأَخِيرة (١) فِي الْيَومِ الأَخِيرِ لَزِمَهُ مُد مِنْ طَعَامٍ عَلَى الأظْهَرِ (٢) وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّان.
العَاشِرةُ: قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: الجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الحَصَى (٣) لاَ مَا الحواشي
(١) احترز به عما لو تركها من إحدى الجمرتين الأولتين في أي يوم كان أو من الأخيرة في رمي يوم النحر على المنقول المعتمد لأن حكمه في التدارك حكم ما بعده أو من النفر الأول لمن لم ينفره فإنه يلزمه بتركها في إحدى هذه الصور دم لوجوب الترتيب بين الجمرات كما مَرّ فيبطل ما بعده حتى يأتي به. اهـ حاشية ..(٢) ذهب مالك وأصحابه إلى أن من أخر رمي حصاة واحدة من الجمار سواء من العقبة أو من غيرها إلى ليل ذلك اليوم يلزمه دم، وما فوق الحصاة أحرى بذلك، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الدم يلزم بترك رمي الجمرات كلها، أو رمي يوم واحد من أيام التشريق، وكذلك عندهم رمي جمرة العقبة فرمي جمرة العقبة ورمي يوم من أيام التشريق ورمي الجميع سواء عندهم يلزم في ترك كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه الدم فإذا ترك أربع حصيات من العقبة يوم النحر فعليه دم كما تقدم لأنها كثر من نصف حصى رمي يوم النحر لجمرة العقبة وكذا إذا ترك رمي جمرة أو وأربع حصيات من جمرة أخرى فعليه دم لأنه ترك أكثر من النصف لرمي يوم من أيام التشريق، فإنْ ترك أقل من نصف رمي يوم كأن ترك جمرة واحدة فلا دم عليه ولكن عليه صدقة عندهم فيلزم بكل حصاة نصف صاع من بُر أو تمر أو شعير.
وقد قدمنا أن الدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته التي بعده ولو رماها من الغد في أيام التشريق وخالفه في ذلك صاحباه، وذهب أحمد إلى أن من أخر الرمي كله عن أيام التشريق لزمه دم وعنه في ترك الجمرة الواحدة دم ولا شيء عنده في الحصاة والحصاتين وعنه يتصدق بشيء، وعنه أن في الحصاة الواحدة دماً كقول مالك، وعنه في ثلاث حصيات دم، وفي الواحدة مد وفي الحصاتين مدان كالشافعي وقد تقدم والله أعلم.(٣) حَدَّه الجمال الطبري رحمه الله تعالى كما في الحاشية بأنه ما كان بينه وبين =стр. 367
سَالَ مِنَ الحَصَى فَمَنْ أصَابَ مُجْتَمَعَ الحَصَى بِالرَّمْي أجْزَأَهُ وَمَنْ أَصابَ سَائِلَ الحَصَى الَّذِي لَيْسَ هُوَ بِمُجْتَمَعِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَالْمُرَادُ مُجْتَمَعُ الحَصَى فِي مَوْضِعِهِ المَعْروفِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي زمنِ النَّبي ﷺ فَلَوْ حُوّلَ وَرَمَى النَّاسُ في غَيْرِهِ وَاجْتَمَعَ فِيهِ الحصَى لَمْ يُجْزِهِ.
الحادية عشرة: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْمِيَ في اليَوْمَيْنِ الأَوَّلَيْنِ مِنْ أَيامِ التَّشْرِيقِ مَاشِياً (١) وَفِي الْيَوْمِ الثالِثِ رَاكِباً لأَنَّهُ يَنْفِرُ فِي الثالِثِ عقبَ رَمْيِهِ فَيَستَمِرُّ عَلَى رُكُوبِهِ.
الثانية عشرة: يُسْتَحَب لَهُ الإكْثَارُ مِنَ الصَّلاَةِ في مَسْجِدِ الْخَيْفِ (٢) وَأَنَّ يُصَلِّيَ أَمَامَ الْمَنَارَةِ (٣) عِنْدَ الأَحْجَارِ الَّتِي أمَامَهَا، فَقَدْ رَوَى الأَزْرَقِيُّ أنهُ مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ ، وَيُسْتَحَب أنْ يُحَافِظَ عَلَى صَلاَةِ الجَمَاعَةِ فيهِ مَعَ الإِمَامِ في الفَرَائِضِ (٤) . وَقَد رَوَى الأَزْرَقِي فِي فَضْلِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَالصَّلاَةِ فيهِ آثاراً. الحواشي
(١) لما روى البيهقي وصححه الترمذي عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ (كان يرمي في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشياً ذاهباً وراجعاً).(٢) الخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع من مسيل الماء. ومنه سمي مسجد الخيف بمنى. اهـ مختار الصحاح. وقد جُدد هذا المسجد ووُسعَ فيه زمن حكومتنا السعودية في عهد الملك فيصل وخالد ابني عبد العزيز متع الله بحياة الأحياء ورحم الأموات آمين.(٣) المراد بالمنارة: المنارة المتصلة بالقبة التي بوسط المسجد لا المنارة التي على بابه، ومحراب هذه القبة هو محل الأحجار التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى استحدثت هذه القبة بالمسجد كما في الحاشية سنة أربع وسبعين وثمانمائة هجرية.(٤) لخبر الترمذي وابن حبان رحمهما الله تعالى في غير صحيحه كما في الحاشية =стр. 368
الثالثة عشرة: يَسْقُطُ رَمْيُ الْيَومِ الثَّالِثِ عَمَّنْ نَفَرَ النَّفْرَ الأَوّلَ وَهُوَ الْيَوْمُ الثانِي مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَهَذَا النفْرُ وَإِنْ كَانَ جَائِزاً (١) فَالتّأخِيرُ إِلَى الْيَوْمِ الثالِثِ أَفْضَل (٢) وَمَنْ أَرَادَ النفْرَ الأَوَّلَ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشمْسِ (٣) وَلاَ يَرْمِي في الْيَوْمِ الثانِي عَنِ الثالِثِ وَمَا بقِيَ مَعَهُ مِنْ حَصَى الْيَوْمِ الثالِثِ أوْ غَيْرِهِ إِنْ شَاءَ طَرَحَهُ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ إِلَى مَنْ لَمْ يَرْمِ، وَأَمَّا مَا يفعلُهُ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ فَقَالَ أصْحَابُنَا: لاَ الحواشي
(١) أي لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].(٢) أي إلا لعذر والتأخر في حق الإمام آكد لأنه متبوع فيقيم الناس أو أكثرهم بإقامته فإن تعجل جاز ولا فدية عليه كغيره من الناس والله أعلم.(٣) هذا أحد شروط النفر الأول.
ثانيها: أن يكون نفره بعد زوال اليوم الثاني من أيام التشريق.
ثالثها: أن يكون بعد الرمي جميعه.
رابعها: أنْ يكون قد بات الليلتين أو فاته بعذر كما تقدم.
خامسها: أن ينوي النفر قبل خروجه.
سادسها: أنْ تكون نية النفر مقارنة للنفر.
سابعها: أن لا يعزم على العود للمبيت ومعنى نفره قبل الغروب سيره من منى بالفعل قبله وإن لم ينفصل من منى إلا بعده.
(فرع): اعلم أن جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن مَنْ غربت عليه شمس يوم النفر الأول وهو بمنى لزمه المقام بها حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث، ولا ينفر ليلاً. وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثبت عن عمر ﵁: (مَنْ أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس). وقال الإمام أبو حنيفة: له أنْ ينفر ليلة الثالث عشر من الشهر حتى يطلع الفجر من اليوم الثالث فإنْ طلع الفجر لزمه البقاء حتى يرمي.стр. 369
يُعْرَفُ فيهِ أثَر (١) وَلَوْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَت الشَّمْسُ وَهُوَ بَعْدُ في مِنى لَزمَهُ الْمَبِيتُ بِهَا وَالرَّمْيُ في الْيَوْمِ الثالِثِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ثُم يَنْفِرُ وَلَوْ رَحَلَ فَغَرَبتْ الشَّمْسُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِن مِنَى فَلَهُ الاسْتِمْرَارُ فِي السَّيْرِ وَلاَ يَلْزَمُهُ الْمَبيتُ بِهَا وَلاَ الرَّمْي (٢) وَلَوْ غَرَبَتْ وَهُوَ فِي شُغْل الاْرْتِحَالِ جَازَ النَّفْرُ عَلَى الأَصَح وَلَوْ نَفَر قَبْلَ الْغُروبِ وَعَادَ إِلَى مِنى لحاجَة قَبْلَ الغُرُوبِ أوْ بَعْدَهُ جَازَ النَّفْرُ عَلَى الأَصَحّ. الحواشي
(١) قال في الحاشية بل هو بدعة كما قاله ابن جماعة، وإن قال به بعض المالكية والحنابلة اهـ. قال في مفيد الأنام للشيخ ابن جاسر الحنبلي رحمه الله تعالى: قال في الإقناع وشرحه (ويدفن بقية الحصى وهو حصى اليوم الثالث). قال في الفروع في الأشهر زاد بعضهم في المرمى انتهى. قلت: وله طرحه بالأرض لعدم الدليل على دفنه هذا إنْ كان قد جمعه. اهـ.(٢) قال في المجموع بعده: هذا هو المذهب وبه قطع الجماهير. اهـ.
أقول: وقال الشيخ عبد الله بن جاسر الحنبلي في مفيد الأنام: قلت لكن لو نوى التعجل، وقام بطرح خيامه وحملها مع أثاثه ثم عرض له ما يمنعه من الخروج من منى كمثل توقف سير السيارات، وما أشبه ذلك وغربت الشمس وهو بمنى فالظاهر أنه لا يلزمه المبيت والرمي عن الغد لما فيه من الضرر والحرج لا سيما بعد حمل خيامه وأثاثه على السيارات والله أعلم. ثم رأيت النووي صرح بذلك حيث قال: ولو ارتحل فغربت الشمس قبل انفصاله من منى فله النفر ولو غربت وهو في شغل الارتحال. انتهى.
أقول: فظهر من هذا أن الشيخ ابن جاسر رحمه الله تعالى مؤيد لما جاء في الإيضاح في المسألتين، وخالفهما صاحب أضواء البيان رحمه الله تعالى حيث قال فيه: والأظهر عندي أنه لو ارتحل من منى فغَربت عليه الشمس وهو سائر في منى لم يخرج منها أنه يلزمه المبيت والرمي لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى فلم يتعجل منها في يومين خلافاً للمشهور من مذهب الشافعي القائل بأن له أن يستمر في نفره ولا يلزمه المبيت والرمي. والأظهر عندي أيضاً أنه لو غربت عليه الشمس وهو في شغل الإرتحال أنه يبيت ويرمي خلافاً لمن قال يجوز له الخروج منها بعد الغروب لأنها غربت وهو مشتغل بالرحيل وهما وجهان مشهوران عند الشافعية والعلم عند الله تعالى. اهـ. =стр. 370
الرابعة عشرة: يُسْتَحَبُّ للإمَامِ أَنْ يَخْطُبَ في الْيَوْمِ الثانِي مِنْ أَيامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَهِيَ آخِرِ خُطَبِ الْحَجّ الأَرْبَعِ وَيُعَلِّمُهُمْ جَوَازَ النَّفْرِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ طَوَافِ الْوَداع وَغَيْرِهِ ويُوَدّعُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ الله تَعَالَى وَعَلَى أنْ يَخْتِمُوا حَجهُمْ بالاْسْتِقَامَةِ والثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ الله تَعَالَى وَأَنْ يَكُونُوا بَعْدَ الْحجِّ خَيْراً مِنْهُمْ قَبْلَهُ وَأَنْ لاَ يَنْسَوا ما عَاهَدُوا الله تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ خَيْر وَالله أعْلَمُ.
الخامسة عشرة: في حكْمَةِ الرَّمْي اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادةِ الطَّاعَةُ، والعِبَادَاتُ كُلهَا لَهَا مَعَان قَطْعاً فإِنَّ الشَّرْعَ لاَ يأْمُرُ بِالْعَبَثِ، ثُمَّ مَعْنَى الْعِبَادَاتِ قَدْ يَفْهَمُهُ المُكَلَّفُ وَقَدْ لاَ يَفْهَمُهُ فَالْحِكْمَةُ في الصَلاَةِ التَّواضُعُ وَالخُضُوعُ والخُشُوعُ وإِظْهَارُ الافْتِقَارِ إِلَى الله تَعَالَى والحِكْمَةُ في الصَّوْمِ كَسْرُ النَّفْسِ وَفِي الزكَاةِ مُوَاساةُ المُحْتَاج وَفِي الحَجِّ إِقْبَالُ الْعَبْد أشْعَثَ أغْبَرَ مِنْ مَسَافَة بَعِيدة إِلَى بَيْت فَضَّلَهُ الله تَعَالَى وَشَرَفَهُ كَإِقْبَالِ الْعَبْدِ إِلى مَوْلاَهُ ذَلِيلاً، وَمِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتي لاَ تُفْهَمُ مَعَانِيهَا السَّعْيُ وَالرَّمْيُ فَكُلّفَ الْعَبْدُ بِهَا لِيَتِمَّ انْقِيادُهُ فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ لاَ حَظَّ للنَّفْسِ فِيهِ وَلاَ أُنسَ لِلْعَقْلِ بِهِ فَلاَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ إِلا مُجَرّدُ امتِثَالِ الأَمْر وَكَالِ
الحواشي
(١) = أقول: من باب ذكر الشيء بالشيء لا من باب التطاول على من لست أساوي وسخ أنعلهم: أحفظ قصة لأبي بكر الصديق ﵁ أنه أطال مرة في صلاة الصبح فقيل له كادت الشمس أن تطلع فقال: (لو طلعت لوجدتنا في صلاة) أو كما قال. فهنا في المسألة الأولى اجتهد النافر ورمى الجمار بعد الزوال وحمل خيامه بعد طرحها وأثاثه على سيارته وأخذ في المسير ناوياً النفر وعرض له ما يمنعه من السير، ولا يستطيع أن يتحرك يمنة ولا يسرة ولا القهقرى وجندي المرور يقول له: سِرْ أمامك لا تقف وإلا أوجعتك ضرباً ألا يجوز للنافر أن يقول على نحو قولة الصديق (لو غربت لوجدتنا في نفر) أي غير غافلين، اقتداءً بإمام الصديقين رضوان الله على الصحب وعلينا معهم والمسلمين والمسلمات أجمعين آمين.стр. 371
الاْنْقِيَادِ فَهَذِهِ إِشَارَة مُخْتَصَرَة تُعْرَفُ بها الحِكْمَةُ في جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالله أَعْلَمُ (١) .
السادسة عشرة: إِذَا نَفَرَ مِنْ مِنىً فِي الْيَوْمِ الثانِي أو الثالِثِ (٢) انْصَرَفَ مِنْ جَمْرَةِ العَقَبةِ رَاكِباً كَمَا هُوَ وَهُوَ يُكَبِّرُ وَيُهَللُ وَلاَ يُصَلي الظهْرَ بِمَنى بَلْ يُصَليهَا بِالْمَنْزِلِ الْمُحَصَّبِ (٣) أوْ غَيْرِهِ وَلَوْ صَلاَّهَا بِمنىً جَازَ وَكَانَ تَارِكاً للأَفْضَلِ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِ بَعْدَ نَفْرِهِ مِنْ مِنىً عَلَى الْوَجْهِ المَذْكُورِ إِلا طَوَافُ الْوَدَاع.
السابعة عشرة: صَحَّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أتَى المُحَصَّبَ (٤) حِينَ نَفَرَ مِنْ مِنىً.
وعن ابن عُمر ﵄ أن رَسُولَ الله ﷺ أتى الْمُحَصَّبَ فَصَلَّى بِهِ الظهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَهجَعَ هَجْعَةً (٥) ثُمَّ دَخَلَ مَكّةَ وَطَافَ وَهَذَا التحْصيبُ مُسْتَحَب (٦) اقتداء بِرَسُولِ الله ﷺ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْحج وَمَنَاسِكِهِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا صَحَّ عَنْ ابن عَباس ﵄ أنَّهُ قَالَ: لَيْسَ التحْصِيبُ بسُنةِ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِل نَزَلَ فِيهِ رسول الله ﷺ وَهذا الْمحصبُ بالأَبْطَح الحواشي
(١) قد تقدم الكلام في التعليق أول الكتاب على أسرار الحج وذكرياته، ومنافعه دينية ودنيوية فراجعها تستفد.(٢) أي من أيام التشريق.(٣) سيأتي الكلام على المحصب وعلى موضعه في المسألة السابع عشرة إن شاء الله تعالى.(٤) قال المصنف في شرح مسلم رحمهما الله تعالى: والمحصب بفتح الحاء والصاد المهملتين، والحَصبْة بفتح الحاء وإسكان الصاد، والأبطح والبطحاء، وخيف بني كنانة اسم لشيء واحد. وأصل الخيف كل ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل.(٥) أي نام نومة خفيفة بالليل.(٦) وهو مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة ويحكى عن أبي حنيفة أنه نسك.стр. 372
وَهُوَ ما بينَ الجبلِ الَّذي عندَهُ مقابِرِ مكّة (١) والجَبَل الذي يُقابِله (٢) مُصْعِداً في الشَّق الأيْسَرِ وَأَنْتَ ذَاهِب إِلَى مِنى مُرْتَفعاً عَلَى بَطْنِ الْوَادِي وَالَواديِ المَقْبَرَةُ (٣) مِنْهُ وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْل (٤)
أَعْمَالُ الْحَجِ ثَلاثَةُ أَقْسَام أَرْكان وَوَاجِباتٌ وَسُنَن
أَما الأَرْكانُ: فَخَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ والوُقُوفُ وَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ والسَّعْي والْحَلْقُ إِذَا قُلْنَا بِالأَصَح إِنَّهُ نُسُك.
وَأَمَّا الواجِبَاتُ: فَاثْنَانِ مُتفَقٌ عَلَيْهِمَا وَأَرْبَعَة مُخْتَلَف فِيهَا فَإِنْشَاءُ الإِحْرَامِ الحواشي
(١) العليا التي بجانب الجعفرية والجبل المطل عليها، وعلى محلة الفخرانية، ومحلة أكلب بالمعابدة هو الذي يقصده المصنف رحمه الله تعالى.(٢) أي الذي تحته مسجد الإِجابة بالمعابدة، وقد جُددَ هذا المسجد في عهد الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود، كما جدد أمامه مسجد الأبطح الذي بقرب جبل زرود الواقع أمام السقافية الذي يقال له مسجد الملك عبد العزيز.(٣) أي مقبرة المعلاة فظهر من كلام المصنف أن موضع المحصب أوله الشعب الواقع فيه مسجد الإِجابة، وآخره أول مقبرة المعلاة والله أعلم.
وأما من يقول إن المحصب داخل في حدود منى محتجاً بقول الشافعي رحمه الله تعالى الذي هو أدرى بمكة وشعابها:
يا راكباً قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاطن خيفها والناهض
فهو متوهم إذ جعل الجار والمجرور (من منى) في محل الصفة للمحصب وليس كذلك بل الجار والمجرور متعلق براكباً، ويحتمل أن قوله (قف بالمحصب من منى) أي قف عند الجمرات التي تحصب أي ترمي بالجمار. قال في القاموس: المحصب: موضع رمي الجمار بمنى. اهـ. وهذا أظهر في معنى البيت كذا جاء في مفيد الأنام والله أعلم.(٤) ذكر فيه أعمال الحج مجملة بعد ذكرها مفصلة كما هي عادة المتقدمين ﵏ ورحمنا معهم آمين.стр. 373
مِنَ الْمِيْقَاتِ وَالرَّمْيُ وَاجِبَانِ مُتفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الأَرْبَعَةُ فَأَحَدُها الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَار في الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالثَّاني الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ والثَّالِثُ مَبِيتُ لَيَالِي مِنى لِلرَّمْي وَالرَّابعُ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَالأَصَحُّ وجُوبُ الأَرْبَعَةِ (١) .
وَأَمَّا السُّنَنُ: فَجَمِيعُ مَا سَبَقَ مِما يُؤَمَرُ بِهِ الْحَاجُّ سِوَى الأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالأَذْكَارِ والأَدْعِيةِ وَاسْتِلاَمِ الْحَجَرِ وَالرَّمَلِ والاْضْطِبَاعِ وَسَائِرِ مَا نُدِبَ مِنَ الْهَيْئَاتِ السَّابِقَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيْضَاحُ هَذَا كُله (٢) .
وَأَمَّا أحْكَامُ هَذ الأَقْسَامِ: فَالأَرْكَانُ لا يَتُمُّ الحج وَلا يُجْزِىءُ حَتَّى يَأْتِي بِجَمِيعِهَا وَلاَ يَحِل مِنْ إِحْرَامِهِ مَهْمَا بقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى لَوْ أتى بِالأَرْكَانِ كُلِّها إِلاَّ أَنهُ تَرَكَ طَوْفَةً مِنَ السَّبع أَوْ مَرَّةً مِنَ السَّعْيِ لَمْ يَصِحّ الْحَج وَلَمْ يَحْصُلِ التحَلل الثاني.
وَكَذَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَتَيْنِ لَمْ يَتِم حَجّهُ وَلاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحْلِق أو يقصِّرَ شَعْرَةً ثَالِثَةً وَلاَ يُجْبَرُ شَيْءٌ مِنَ الأَرْكَانِ بِدَمٍ وَلاَ غَيْرِهِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ فِعْلِهَا، وَثَلاَثةٌ مِنْهَا وَهِيَ: الطَّوَافُ والسَّعْيُ وَالْحَلْقُ لاَ آخِرَ لِوَقْتِهَا بَلْ لاَ تَفُوتُ مَا دامع حَيَّاً وَلاَ يَخْتَصُّ الْحَلْقُ بِمنى والحرَم بَلْ يجوزُ فِي الْوَطَنِ وَغَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْتيبَ وَاجِبٌ فِي هذِهِ الأَرْكَانِ وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الإِْحْرَامِ عَلَى جَمِيعِهَا وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الْوُقُوفِ عَلَى طَوَافِ الإِْفَاضَةِ وَالْحَلْقِ وَيُشْتَرطُ كَوْنُ الحواشي
(١) يستثنى منه الجمع في وقوفه بين الليل والنهار فإنه سنة كما مَرّ للمصنف في عَدهِ من سنن الوقوف بعرفة، وقد قدمنا كلام الأئمة عليه هناك. فراجعه إنْ شئت.(٢) أي مفصلاً وذكرنا في التعليق عليه بيان أقوال الأئمة رحمة الله علينا وعليهم وعلى المسلمين والمسلمات آمين.стр. 374
السَّعْي بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيح (١) فَإِنَّهُ يَصِحُّ سَعْيُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَلاَ يَجبُ تَرْتيبٌ بَيْنَ الطَوَافِ وَالْحَلقِ وَهذَا كُلهُ سَبقَ بيانُهُ إِنَّمَا نبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَا مُلَخَّصاً ليُحْفَظَ وَالله أَعْلَمُ.
وَأَما الْوَاجِبَاتُ: فَمَنْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئاً لَزِمَهُ دَمٌ وَيَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْداً أوْ سَهْواً لكِنَّ الْعَامِدَ يأثَمُ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا وَاجِبةٌ.
وَأَمَّا السُّنَنُ: فَمَنْ تَرَكَهَا لاَ شَيْء عَلَيْهِ لاَ إِثْمَ وَلاَ دَم وَلاَ غَيْرَهُ لكِن فَاتَهُ الْكَمَالُ وَالْفَضِيلَةُ وَعَظِيمُ ثَوَابِهَا وَالله اعْلَمُ. الحواشي
(١) يتناول النفل مطلقاً مع أنه مَرّ أن الشافعية والمالكية والحنابلة يشترطون وقوع السعي بعد طواف الركن، أو طواف القدوم فقط، لكن قول المصنف رحمه الله تعالى بعده فإنه يصح سعيه بعد طواف القدوم يرشد للمراد، وأبو حنيفة يجيز السعي بعد طواف صحيح ولو نفلاً فدوماً أو غيره وقد قدمنا ذلك في التعليق.стр. 375
الباب الرَّابع
في الْعُمْرة وَفِيهِ مَسَائِلُ
الأوْلَى: الْعُمْرَةُ فَرْض عَلَى الْمُسْتَطِيعِ كَالْحَج (١) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى وَهُوَ نَصُّهُ في كُتُبِهِ الْجَدِيدةِ وَلاَ الحواشي
(١) بهذا قال أحمد في إحدى الروايتين عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقوله ﷺ : "حج عن أبيك واعتمر".
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا ولا أصح، ولحديث عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد.
قال: "نعم جهادٌ لا قتال فيه الحج والعمرة" صحيح على شرط الشيخين، ولما جاء في بعض روايات حديث في سؤال جبريل (وأن تحج وتعتمر) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني.
قال المجد في المنتقى: إسناده ثابت. رواه أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين، وأما ما ورد بإسناد على شرط مسلم عن جابر ﵁ قلت: (يا رسول الله العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج) قال: "لا إلا أن تعتمر فهو خير لك" فيجاب عنه جمعاً بين الحديثين كما في الحاشية بأن (لا) نفي لمساواة فرضها لفريضة الحج فإن فرضه آكد من فرضها للإجماع وكثر ثواباً، و (خير) استعمل كثيراً في غير أفعل التفضيل (والواجب) يوصف بأن فعله خير بهذا المعنى. اهـ. ولما رواه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت ﵁ (الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت). =стр. 376
تَجِبُ العُمرة إِلا مَرَّةَ وَاحِدةً كَالْحج (١) وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ (٢) مِنْهَا لاَ سِيَّمَا الحواشي
(١) تقدم الكلام عليه قريباً.(٢) إن لم يشغله ذلك عما هو أهم منه سواء كان مكياً أو آفاقياً، وهل يباح تكرار العمرة في السنة أو يكره قال بالكراهة مالك جاء في كشاف القناع للعلامة منصور البهوتي الحنبلي: ويكره الإكثار منها والموالاة بينها نصاً واستدل مالك بأنه ﷺ لم يفعل التكرار: وأباحه الباقون مستدلين بحديث عائشة ﵂: (أنها أَهلت بعمرة فقدمت ولم =стр. 377
فِي رَمَضَانَ (١) ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفارَةٌ لما بَيْنَهُمَا". وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حجةُ". الحواشي
(١) أي لأنها فيه أفضل منها في غيره للحديث الذي سيذكره المصنف عن ابن عباس عنه ﷺ : "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" أخرجه ابن حبان. وفي رواية البخاري (تقضي حجة) أو (حجة معي). فإن قيل إن عُمَرَهُ ﷺ الأربع وقعن في غير رمضان أي في ذي القعدة. أجيب بأن قصده ﵊ رد ما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في الأشهر الحرم بالفعل كالقول والله أعلم.
فالعمرة الأولى وهي التي أحصر عنها ﷺ بالحديبية وقعت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة. والثانية عمرة القضاء أي الأمر الذي قاضى عليه ﷺ قريشاً وقعت سنة سبع في =стр. 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ذي القعدة. والثالثة عمرة الجعرانة وقعت في ذي القعدة سنة ثمان. والرابعة وقعت مع حجته في السنة العاشرة مبدؤها في ذي القعدة ونهايتها في ذي الحجة وبهذا يجمع بين قول أنس ﵁ إنهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته ففي ذي الحجة، وقول عائشة وابن عباس ﵃: إنهن في ذي القعدة. فعائشة وابن عباس ﵃ أخبرا عن ابتدائها وأنس أخبر عن انتهائها. وروى ابن حبان أنّ عمرَة القضاء في رمضان وعمرة الجعرانة في شوال، قال الطبري لم ينقله أحد غيره.
وقال ابن جماعة: إنه غلط والصواب أنهما كانتا في ذي القعدة وجاء في الحاشية: وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه ﷺ اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب وأن عائشة أنكرت عليه ذلك، وقالت: ما اعتمر رسول الله في رجب قط. فسكت ولم يراجعها، قال المحشي أي تأدباً وإلا فالمثبت مقدم على النافي لأن معه زيادة علم. اهـ.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه أضواء البيان: وأما إهلال المكي بالعمرة فجماهير أهل العلم على أنه لا يهل بالعمرة من مكة. بل يخرج إلى الحلّ ويحرم منه وهو قول الأئمة الأربعة وأصحابهم، وحكى غير واحد عليه الإجماع.
قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي: الوقت لأهل مكة الحرم في الحج، والحل في العمرة للإجماع على ذلك. انتهى.
وقال ابن قدامة في المغني في الكلام على ميقات المكي: وإنْ أراد العمرة فمن الحل لا نعلم في هذا خلافاً انتهى منه. وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على ميقات أهل مكة: وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحِل كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة. قال المحب الطبري: لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة. انتهى محل الغرض منه.
وقال ابن القيم: إن أهل مكة لا يخرجون من مكة للعمرة، وظاهر صنيع البخاري أنه يرى إحرامهم من مكة بالعمرة حيث قال: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المذكور، ومحل الشاهد عنده منه المطابق للترجمة هي قوله: (حتى أهل مكة من مكة). فقوله في الترجمة (باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)، وإيراده لذلك حتى أهل مكة يهلون من مكة دليل واضح على أنه يرى أن أهل مكة يهلون من مكة للعمرة والحج معاً كما هو واضح من كلامه إذا علمت ذلك فاعلم أن دليل هذا =стр. 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = القول هو عموم حديث ابن عباس المتفق عليه الذي فيه: (حتى أهل مكة يهلون من مكة).
والحديث عام بلفظه في الحج والعمرة فلا يمكن تخصيص العمرة منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وأما القائلون بأنه لا بد أن يخرج إلى الحل وهم جماهير أهل العلم كما قدمنا فاستدلوا بدليلين:
أحدهما: ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة في عمرتها من مكة إلى التنعيم، وهو أدنى الحل. قالوا: فلو كان الإِهلال من مكة بالعمرة سائغاً لأمرها بالإِهلال من مكة، وأجاب المخالفون عن هذا بأنّ عائشة آفاقية والكلام في أهل مكة لا في الآفاقيين. وأجاب الآخرون عن هذا بأن الحديث الصحيح دلّ على أن مَنْ مَرْ بميقات لغيره كان ميقاتاً له، فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم هو ميقات عائشة في عمرتها لأنها صارت منهم عند ميقاتهم.
الدليل الثاني: هو الإستقراء. وقد تقرر في الأصول أن الإستقراء من الأدلة الشرعية، ونوع الإستقراء المعروف عندهم بالإستقراء التام حجة بلا خلاف، وهو عند أكثرهم دليل قطعي، وأما الإستقراء الذي ليس بتام وهو المعروف عندهم بإلحاق الفرد بالأغلب فهو حجة ظنية عند جمهورهم، والإستقراء التام المذكور هو أن تتبع الأفراد يوجد الحكم في كل صورة منها ما عدا الصورة التي فيها النزاع فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصورة الأخرى التي ليست محل النزاع، وإذا علمت هذا فاعلم أن الإستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك دَل على أن كل نسك من حج أو قران أو عمرة غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم حتى يكون صاحب النسك زائراً قادماً على البيت من خارج كما قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] الآية.
فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات، وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم فيعلم بالإستقراء التام أن صورة النزاع لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، وإلى مسألة الإستقراء المذكور أشار في مراقي الصعود بقوله:
ومنه الإستقراء بالجزئي ... على ثبوت الحكم للكلي
فإنْ يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق
إلخ ...
وقوله: (فإن يعم ... البيت) يعني أن الإستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة =стр. 380
الثانيةُ: لِلْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ عَنِ الْحَجّ مِيقَاتَانِ زَمَانِي وَمَكَانِي: أمَّا الْمَكَانِيُّ فَكَمِيقَاتِ الْحَج عَلَى مَا سَبقَ إِلا في حَقِّ مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أهْلِها أوْ غَريباً فَإِنَّ مِيقَاتَهُ في العُمْرَةِ الْحِلُّ فَيَلْزَمُهُ أنْ يخْرُجَ إِلى طَرَفِ الْحِل وَلَوْ بِخُطْوَةِ (١) .
ثُمَّ مَذْهبُ الشَّافِعِي رَحِمَهُ الله تَعَالَى أَن أَفْضَلَ جِهَاتِ الْحِلّ للإْحْرَامِ بِالعُمْرَةِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ (٢) فَإِنّ النبي ﷺ أَحرم منها. ثُمَّ بَعْدَها التنعِيمُ (٣) الحواشي
(١) قال المحشي رحمه الله تعالى: ليس المراد التحديد بها بل ما يصدق بالخروج من الحرم وهو يحصل بأقل من ذلك، ولو بأن تكون رجله فيه والأخرى في الحل إذا اعتمد عليها فيما يظهر أخذاً من قولهم في الاعتكاف لو أخرج رجله من المسجد واعتمد عليها انقطع بذلك، ويحرم على الجنب ذلك في المسجد، ومن حلف لا يخرج وفعل ذلك حنث فيظهر بهذه المسائل ما ذكرته. اهـ.(٢) الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وهو الأشهر وصوبه المصنف في تهذيبه، ونقله عن الشافعي ﵁ وأئمة اللغة ومحققي المحدثين وبكسر العين وتشديد الراء، وعليه عامة المحدثين لكن عدّه الخطابي في تصحيفهم. وقال صاحب المطالع: كلا اللغتين صواب: هي ضاحية في الحل قريبة من مكة، سميت باسم امرأة سماها في مفيد الأنام بريطة بنت سعد كانت تلقب بالجعرانة.
قال في القاموس: وهي المرادة من قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ بالجعرانة ماء شديد العذوبة معدني. قال الفاكهي يقال أنه ﷺ حفر موضعه بيده الشريفة المباركة فانبجس فشرب منه وسقى الناس أو غرز رمحه فنبع، قال الواقدي كمجاهد وإحرامه ﷺ بها من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى وكانت ليلة الأربعاء لثنتي عشرة بقين من ذي القعدة. اهـ حاشية مختصراً بزيادة. وفي كشاف القناع للعلامة البهوتي الحنبلي رحمه الله تعالى تقديم الإحرام من التنعيم على الإحرام من الجعرانة في الأفضلية. اهـ.(٣) التنعيم: الموضع المعروف بمساجد عائشة ﵂، وإنما قدم الاعتمار =стр. 381
ثُمَّ الْحُدَيبِيَّةُ (١) وَلَوْ أَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ في الْحَرَمِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ (٢) وَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِلِّ مُحْرِمَاً (٣) ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِق وَقَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ بَلْ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ للِشَّافِعِيّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى أَصَحُّهُمَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ وَتُجْزِيه لكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الإِْحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَهُوَ الْحِلُّ (٤) والثَّانِي لاَ تُجْزِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْحِلِّ (٥) وَلاَ يَزَالُ مُحْرِماً حَتَّى يَخْرُجَ إِلَيْهِ وَالله أعلمُ.
وَأَمَّا الْمِيقَاتُ الزَّمَانِي فجمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ (٦) فيجُوزُ الإِْحْرَامُ بِهَا فِي كُلّ وَقْت مِنْ غَيْرِ كَرَاهَة وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ لِغَيْرِ الْحَاجّ وَأَمَّا الحواشي
(١) الحديبية: كدُويْهية وقد تُشَدد الياء الثانية ... اسم للبئر المعروفة ببئر شُمَيْس، ويطلق عليها الآن الشميسي، أو اسم لشجرة حدباء كانت بيعة الرضوان تحتها وقد قطعها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته لما رأى الناس يتعلقون بها سداً لذريعة الشرك. نسأل الله العافية منه آمين.(٢) والأفضل أنْ يؤخر إحرامه إلى الحل والله أعلم.(٣) أي من أي جهة كانت كما تقدم ليجمع بين الحل والحرم كما في الحج فإنه يخرج إلى عرفة وهي من الحل، ويلزمه الخروج قبل التلبس بشيء من أعمال العمرة وإلا لزمه الدم، وإنْ خرج نظير مَا مَرّ فيمن جاوز الميقات بلا إحرام.(٤) وهذا قول أحمد وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر.(٥) أي ليجمع بين الحل والحرم وهو القول الثاني لأحمد.(٦) أي بالاتفاق بين الأئمة رحمهم الله تعالى ورحمنا معهم آمين إلا الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى فإنه كره فعلها يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق كما في بداية المجتهد لابن رشد رحمه الله تعالى.стр. 382
الْحَاجُّ فَلاَ يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِالعُمْرَةِ مَا دَامَ مُحْرِماً بِالْحَجُّ وَكَذَا لاَ يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِهَا بَعْدَ التحللَيْن مَا دَامَ مُقيماً بِمنى للرَّمْي (١) فَإِذَا نَفَر مِنْ مِنى النفْرَ الثانِي أوْ الأَوَّلِ جَازَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِيمَا بقِيَ مِنْ أيّامِ التشْرِيقِ لكِنْ الأَفْضَلُ أنْ لاَ يَعْتَمِرَ حَتى تَنْقَضِيَ أيامُ التشْرِيقِ.
الثَّالثةُ: صِفَةُ الإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَصِفَتِهِ في الْحَج في اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ للإْحْرَامِ (٢) والتطَيبِ والتنْظِيفِ وَمَا يَلبَسهُ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنَ اللباسِ وَالتطَيبِ والصيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّلْبِيةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَبقَ. فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ حِينَ يَبْتَدِىءُ بالسَّيْرِ كَمَا سَبَقَ فِي إِحْرَامِ الْحَجّ، وَإِنْ كَانَ فِي مكَّةَ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيُصَلي رَكْعَتَيْنِ وَلْيَسْتَلِمَ الحَجَرَ (٣) ثُم يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلّ فَيَغْتَسِلُ هُنَاكَ للإْحْرَامِ (٤) الحواشي
(١) أي لأن الوقت مستحق لبقية النسك وهي المبيت والرمي فلا يصرف لنسك آخر. أقول: جاء في مفيد الأنام عن القاضي أبي يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى أنه قال: لو تحلل من الحج يوم النحر ثم أحرم فيه بعمرة فليس بمتمتع. قال صاحب مفيد الأنام رحمه الله تعالى: فعبارته صريحة في صحة عمرته يوم النحر بعد التحلل الأخير من الحج فعلى هذا يكون الممنوع ما إذا أحرم بالعمرة وهو متلبس بالحج، أما إذا حل منه التحلل الأخير صح الاعتمار إذ ليس فيه إدخال للعمرة على الحج، على أني لم أطّلع على أن أحداً من السلف أو ممن يعتد بقوله اعتمر وهو في تلك الحالة التي بقي عليه فيها بعض مناسك الحج من الرمي والمبيت ليالي منى والله أعلم. اهـ.(٢) فإذا اغتسل في الحرم وخرج إلى أدنى الحل من أي جهة كانت وكان ذلك الغسل ينسب للإحرام كفاه في أصل السنة، وإذا اغتسل للإحرام في الحل كفاه عن غسل دخول مكة والله أعلم.(٣) أي الأسود، ويقبله ويسجد عليه نظير ما مَرّ.(٤) ولو اغتسل في الحرم وخرج إلى الحل وكان ذلك الغسل ينسب للإحرام كفاه =стр. 383
ويلبسُ ثَوْبَيْ الإِْحْرَامِ وَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَيُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ إِذَا سَارَ وَيُلَبي، وَكُل هذِهِ الأُمُورِ عَلَى مَا سَبقَ في الحَجِّ.
وَلاَ يَزَالُ يُلَبي حَتَّى يَدخلَ مَكَّة فيَبْدَأُ بِالطَّوَاف وَيقْطَعُ التَّلبِيَةَ حِينَ يَشْرَعُ في الطَّوَافِ فَيَرْمُلُ في الطَّوْفَاتِ الثلاَثِ الأوَلِ. مِنَ السَّبْعِ وَيَمْشِي فِي الأَرْبَعِ كَمَا سَبقَ في طَوَافِ الْقُدُومِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَسْعَى بينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا وَصَفْنَاهُ فِي الْحَجّ فَإِذَا تَمَّ سَعْيُهُ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ فَإِذا فَعَلَ ذَلِكَ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَحَل مِنْهَا حَلاَّ كَامِلاً وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْء وَلَيْسَ لَهَا إِلا تَحَللٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ اسْتُحِب لَهُ أن يَنْحَرَهُ بَعْدَ السَّعْي وَقَبْلَ الْحَلْقِ وَحَيْث نَحَرَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ لكِن الأَفْضَلُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ (١) لأنّهَا مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ كَمَا سَبق لِلْحَاجّ النَّحْرُ بِمِنى لأَنَّهَا مَوْضِعُ تُحَلّلِهِ.
وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ أَرْبَعَةٌ (٢) : الإِْحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ إِذَا قُلْنَا بِالأَصَح إِنّهُ نُسُكٌ. الحواشي
(١) أما الآن فالنحر عند المروة لا يتمكن منه المعتمر خصوصاً بعد تشييدها بهذا البناء الذي لم يسبق له مثيل، وأصبح طول المسعى من أول الصفا حتى آخر المروة وعرضه من الميلين الأخضرين إلى الميلين الأخضرين المقابلين لهما مكملاً للمسجد الحرام في إقامة صفوف المصلين به كما هو مشاهد حتى خارج المسعى تقام فيه صفوف المصلين فعليه ينحر المعتمر حيث تيسر له من مكة أو الحرم وفق الله حكومتنا السعودية لما فيه الخير للبلاد والعباد آمين.(٢) والخامس الترتيب في الكل وهو مفهوم من كلام المصنف ولذلك لم يعده أيضاً من أركان الحج مع أنه منها في معظم الأركان إذ لا ترتيب بين الحلق والطواف.стр. 384
وَوَاجِبَاتُهَا التقَيدُ بِالإِْحْرَامِ مِنَ الْمِيْقَاتِ وَسُنَنُهَا ما زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَالله أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ جَامَعَ قَبْلَ التَّحَللِ فَسَدَتْ عُمْرَتهُ حَتى لَوْ طَافَ وَسَعَى وحَلَقَ شَعْرَتَيْنِ فَجَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ الشَّعْرَةَ الثالِثَةَ فَسَدَتْ عُمْرَتهُ (١) وَحُكْمُ فَسَادِهَا كَالْحَج فَيَجِبُ الْمُضِيُّ في فَاسِدِهِا وَيَلْزَمُه الْقَضَاءُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ. الحواشي
(١) قال المصنف رحمه الله تعالى في المجموع: قال ابن المنذر: ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي. وقال ابن عباس وأبو حنيفة عليه دم، وقال مالك عليه الهَدْي. اهـ مختصراً. وقال الشيخ عبد الله الجاسر الحنبلي رحمه الله تعالى في مفيد الأنام ١/ ١٧٥: ولا يفسد العمرة الوطء بعد الفراغ من السعي وقبل الحلق كالوطء في الحج بعد التحلل الأول. اهـ.стр. 385
الباب الخامس
في المقام بمكة وطواف الوداع وفيه مسائل
إِحْدَاهَا: مَكَّةُ أَفْضَلُ بِقَاع الأَرْضِ (١) عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أحمَدَ في أَصَحّ الروَايَتَيْنِ. وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ الله تَعَالَى وَجَمَاعَة الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ (٢) وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ النَّسائي وَغَيْرُهُ الحواشي
(١) قال الشاعر رحمه الله تعالى في مدح مكة:
أرض بها البيت المحرم قِبْلَةً ... للعالمين لها المساجد تعدل
حَرَمٌ حرامٌ، أرضها وصيودها ... والصيد في كل البلاد محلل
وبها المشاعر والمناسك كلها ... وإلى فضيلتها البرية ترحل
وبها المقام وحوض زمزم مشرعاً ... والحجر والركن الذي لا يرحل
والمسجد العالي المحرّم والصفا ... والمشعران لمن يطوف ويرمل
وبمكة الحسنات ضوعف أجرها ... وبها المسيء عنه الخطايا تغسل
أقول قول الشاعر (والصيد في كل البلاد محلل) أي ما عدا صيد حرم المدينة المنورة ووادي وج بالطائف.(٢) قال في الحاشية: وما استدل به بعض المالكية من حديث الحاكم الذي أخرجه في مستدركه: (اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك) فموضوع إجماعاً، كما قاله ابن عبد البر، وابن دحية، ونقل ابن مهدي ذلك عن مالك، على أنه لا دلالة فيه. وخبر الطبراني: (المدينة خير من مكة) ضعيف بل منكر وَاهٍ كما قاله الذهبي وخبر: (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة) لا يدل على الأفضلية، وكذا خبر: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد) وفي رواية: (وأشد) =стр. 386
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَدي ابْنِ الْحَمْرَاءِ ﵁ أَنهُ قَالَ: سُمعَ النَّبي ﷺ وهُوَ واقفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ (١) يقُولُ لِمَكَّةَ وَالله إِنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ الله وَأحَب أَرْضِ الله إلى الله وَلَوْلاَ أني أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (٢) ، رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ أَيْضاً في كِتَابِهِ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فَيَنْبَغِي لِلْحَاج أَنْ يَغْتَنِمَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ وَيَسْتكْثِرَ مِنَ الاعْتِمَار (٣) وَمِنَ الطَّوَافِ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنهُ أَفْضَلُ مَسَاجِدِ الأَرْضِ الحواشي
(١) أي بالحزورة -بحاء مهملة فزاي معجمة على وزن قَسْوَرَة كما في الحاشية-.
وفي قول بفتح الزاي مع تشديد الواو هي الرابية الصغيرة وهي عند منارة المسجد التي تلي أجياد أي فوق باب أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، وعندها سوق مكة وهو لا يزال يسمى سوق الصغير لعله مأخوذ من قولهم: (هي الرابية الصغيرة) وقد أدخل في المسجد الحرام في التوسعة الأخيرة توسعة الحكومة السعودية وفقها الله لمرضاته آمين.(٢) قال ﷺ : هذا القول حين خرج من مكة في عمرة القضية لأنه ﵊ أراد الإِقامة للبناء بزوجته السيدة ميمونة ﵂ فأبت عليه قريش ذلك.
وفي رواية أنه قال ذلك عام الفتح علي الحجون، ولا تنافي لاحتمال أنه قال ذلك على الحجون مرة أخرى. والقول بأنه ﷺ قاله حين خرج للهجرة مردود كما في الحاشية بقول الراوي: (على راحلته) وهو ﷺ لم يكن على راحلة وإنما خرج مستخفياً كما دلت عليه الأخبار.(٣) قال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: واختلفوا في تكريرها -أي العمرة- في السنة الواحدة مراراً فكان مالك يستحب عمرة في كل سنة ويكره وقوع عمرتين عنده وثلاثاً في السنة الواحدة. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا كراهة في ذلك. اهـ.
وقال الشيخ ابن جاسر الحنبلي رحمه الله تعالى في مفيد الأنام: ولا بأس أن يعتمر =стр. 387
والصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهَا في غَيْرِهِ مِنَ الأَرْضِ جَمِيعِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحينِ عَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاَة في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ ألفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ" (١) . ويُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ فيه بالطَّوَافِ لِكُلّ أحَدٍ سَوَاءٌ، الحاجُّ وَغيرُه ويستحبُّ في اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَفِي أوقاتِ الحواشي
(١) هذا الحديث لا يقطع النزاع كما في الحاشية لأن الإمام مالكاً رحمه الله تعالى يقول معناه الصلاة في مسجده ﷺ تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فإنها تعدل الصلاة فيه بدون الألف، وأصبح منه بل قال ابن عبد البر أنه نص قاطع للنزاع ما رواه أحمد والبزار وابن خزيمة برجال الصحيح: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" زاد ابن خزيمة: "يعني مسجد المدينة". ولفظ البزار "إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة" وفي رواية: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة" قال ابن عبد البر: حديث صحيح. قال بعض المحدثين وصدق فيما قال، فإن رجاله ثقات من عَبْد بن حميد إلى ابن الزبير ﵄. وفي أحكام المساجد للزركشي: روى أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه من حديث حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة" وإسناده على شرط الشيخين لا جرم، صححه ابن عبد البر، وقال إنه الحجة عند التنازع وإنه نص في موضع الخلاف، قاطع عند من ألهم رشده ولم تمل به عصبيته، ثم ذكر أن بعض الناس طعن في حبيب المعلم، وبعضهم أعل الحديث ورَد ذلك بما يطول ذكره، ثم نقل عن الذهبي أنه قال: إسناده صالح، وروى ابن عبد البر هذا الحديث بإسناد آخر ثم قال: ورجال إسناده علماء أجلاء، ولم ينفرد ابن الزبير بذلك بل روى ما يوافقه أنس وجابر وأبو الدرداء، وروى بإسناد =стр. 388
كَرَاهَةِ الصلاَةِ (١) وَلاَ يكرهُ في ساعةِ مِنَ السَّاعات وَكَذَا لاَ تكْرَهُ صَلاَةُ التطَوعِ في وَقْتِ مِنَ الأَوْقَاتِ بِمَكَّةَ (٢) وَلاَ بِغيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الحَرَمِ كُلهِ بِخِلاَفِ غَيْرِ الحواشي
(١) قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: قال العبدري: أجمعوا على أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز، وأما صلاة الطواف فمذهبنا جوازها في جميع الأوقات بلا كراهة، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس والحسن والحسين ابني علي وابن الزبير ﵃، وطاووس وعطاء والقاسم بن محمد وعروة ومجاهد وأحمد وإسحق وأبي ثور ﵏، وكرههما مالك ﵀، وذكره في الموطأ، وذكر بإسناده الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بعد الصبح فنظر الشمس، فلم يرها طلعت، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى.
أقول: استدل المجيزون بدليلين عام وخاص. فالعام هو أن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في عموم النهي. لأن سببها الخاص يخرجها من عموم النهي.
كركعتي الطواف فإنها لسبب خاص هو الطواف، وكتحية المسجد في وقت النهي، ونحو ذلك. والخاص هو ما ورد في خصوص البيت الحرام كحديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن رحمهم الله تعالى. واستدل المكرهون بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي والله أعلم.(٢) أي لما رواه مجاهد عن أبي ذر ﵄ مرفوعاً (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة).стр. 389
مَكَّةَ. وَاخْتَلَفَ العلماءُ في الصَّلاةِ وَالطَّوَافِ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ ابنُ عَبّاسِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ وَعَطَاءٌ وَمُجاهدٌ: الصَّلاةُ لأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا الغُرَبَاءُ فَالطَّوَافُ لَهُمْ أَفْضَلُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الطوافُ أَفْضَلُ (١) .
الثانيةُ: لاَ يَرْمُلُ وَلاَ يَضْطَبعُ في الطَّوافِ خَارِجَ الْحَجّ بِلاَ خِلافٍ كَمَا سَبق بَيَانهُ.
الثالثةُ: لاَ يقَبِّلُ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ (٢) وَلاَ يَسْتَلِمُهُ فَإنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحواشي
(١) أي لأن الله قَدم ذكر الطواف على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(١٢٥) ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(٢٦) ﴾ [الحج: ٢٦].(٢) مقام إبراهيم الخليل على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلينا معهم آمين ... هو الحجر الذي به أثر قدميه وهو موجود بداخل الموضع الزجاجي الواقع أمام الكعبة المشرفة الذي أُسس في عهد الحكومة السعودية سنة ١٣٧٤ هـ بعد هدم الموضع الأول البنائي الذي كان لا يرى فيه المقام إلا الخاص، وأما الآن بعد وضعه في الموضع الزجاجي فأصبح يراه العام والخاص. وقول المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يقبل مقام إبراهيم إلخ) قال في الحاشية ﵀ ولا يعارض ما ورد في فضله من كونه هو والحجر الأسود: (ياقوتتين من يواقيت الجنة ولولا أن طمس نورهما) وفي رواية: (لولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقم إلا شفي) وغير ذلك لأن التقبيل والاستلام عبادتان مطلوبتان في الحجر الأسود بالنص، فلا يثبتان لغيره إلا بنص كذلك لأن العلة في مشروعيتهما فيه لم تتضح حتى يأتي القياس، وعلى تسليم إيضاحهما فلم يوجد في المقام بخلاف الركن اليماني فإنه ورد فيه بعض ما ورد في الحجر فدل أن بينهما جامعاً، فصَح قياسه عليه في بعض الأحكام التي تقدمت، ووضع ابن عمر ﵄ يديه على مقعده ﷺ من المنبر ثم وضعهما على وجهه لا دليل فيه لمشروعية مثله هنا كما هو ظاهر على أنّ ذلك مذهب صحابي، وليس تقبيله أولى من قول الحنفية يستحب تقبيل باب الكعبة عند الوداع، لتوقفه على قولهم بالقياس أو الاستحباب في مثل ذلك. ونحن لا =стр. 390
ابْنِ الزبَيْرِ وَمُجَاهِد كَرَاهَتُهُ وَلاَ يَسْتَلِمُ أيْضاً الرُّكْنَيْنِ الشَّامِييْنِ (١) .
الرابعةُ: يُسْتَحَب لِمَنْ جَلَسَ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أنْ يَكُونَ وَجْهُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَيقْرُبُ مِنْهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً فَإِنّ النَّظَرَ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ فَقَدْ جَاءَتْ آثارٌ كَثِيرة (٢) فِي فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهَا.
الخامسةُ: يُسْتَحَب دُخُولُ البَيْتِ (٣) الحواشي
(١) أي لأنهما ليسا موضوعين على قاعدتي الركنين اللتين وضعهما سيدنا إبراهيم الخليل كما تقدم في التعليق على الفصل الثاني في كيفية الطواف. فراجعه لتظهر لك الحقيقة. والله أعلم.(٢) أي وأحاديث منها كما في الحاشية عنه ﷺ : "النظر إلى البيت عبادة" أخرجه ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وما روي عنه ﷺ كما في رسالة الحسن البصري رحمه الله تعالى (مَنْ نظر إلى البيت إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحُشِرَ يوم القيامة من الآمنين) وخَرج الأزرقي عن ابن المسيب (مَنْ نَظَرَ إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه) وابن الجوزي عن أبي السائب والجندي عن ابن المسيب (مَنْ نظر إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر).(٣) أي الكعبة المشرفة لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم. فلما فتحوا كنت أول من وَلَجَ، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله؟ =следующие страницы →