← Фикх общий

Фикх общий · id 96232

الإيضاح في مناسك الحج والعمرة

النووي

Полный текст (519 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَدي ابْنِ الْحَمْرَاءِ ﵁ أَنهُ قَالَ: سُمعَ النَّبي ﷺ وهُوَ واقفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ (١) يقُولُ لِمَكَّةَ وَالله إِنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ الله وَأحَب أَرْضِ الله إلى الله وَلَوْلاَ أني أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (٢)، رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ أَيْضاً في كِتَابِهِ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَيَنْبَغِي لِلْحَاج أَنْ يَغْتَنِمَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ وَيَسْتكْثِرَ مِنَ الاعْتِمَار (٣) وَمِنَ الطَّوَافِ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنهُ أَفْضَلُ مَسَاجِدِ الأَرْضِ

стр. 387

والصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهَا في غَيْرِهِ مِنَ الأَرْضِ جَمِيعِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحينِ عَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاَة في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ ألفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ" (١). ويُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ فيه بالطَّوَافِ لِكُلّ أحَدٍ سَوَاءٌ، الحاجُّ وَغيرُه ويستحبُّ في اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَفِي أوقاتِ

стр. 388

كَرَاهَةِ الصلاَةِ (١) وَلاَ يكرهُ في ساعةِ مِنَ السَّاعات وَكَذَا لاَ تكْرَهُ صَلاَةُ التطَوعِ في وَقْتِ مِنَ الأَوْقَاتِ بِمَكَّةَ (٢) وَلاَ بِغيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الحَرَمِ كُلهِ بِخِلاَفِ غَيْرِ

стр. 389

مَكَّةَ. وَاخْتَلَفَ العلماءُ في الصَّلاةِ وَالطَّوَافِ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ ابنُ عَبّاسِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ وَعَطَاءٌ وَمُجاهدٌ: الصَّلاةُ لأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الغُرَبَاءُ فَالطَّوَافُ لَهُمْ أَفْضَلُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الطوافُ أَفْضَلُ (١). الثانيةُ: لاَ يَرْمُلُ وَلاَ يَضْطَبعُ في الطَّوافِ خَارِجَ الْحَجّ بِلاَ خِلافٍ كَمَا سَبق بَيَانهُ. الثالثةُ: لاَ يقَبِّلُ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ (٢) وَلاَ يَسْتَلِمُهُ فَإنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ

стр. 390

ابْنِ الزبَيْرِ وَمُجَاهِد كَرَاهَتُهُ وَلاَ يَسْتَلِمُ أيْضاً الرُّكْنَيْنِ الشَّامِييْنِ (١). الرابعةُ: يُسْتَحَب لِمَنْ جَلَسَ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أنْ يَكُونَ وَجْهُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَيقْرُبُ مِنْهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً فَإِنّ النَّظَرَ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ فَقَدْ جَاءَتْ آثارٌ كَثِيرة (٢) فِي فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهَا. الخامسةُ: يُسْتَحَب دُخُولُ البَيْتِ (٣)

стр. 391

حَافِياً (١) وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ (٢) وَالأَفْضَلُ أَنْ يقْصِدَ مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ فإذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيباً مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُع فَيُصَلي، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ

стр. 392

الْبُخَارِي (١). وَيَدْعُو في جَوَانبِهِ (٢) وَهَذَا (٣) بِحَيْثُ لاَ يُؤذِي أَحَداً وَلاَ يَتَأَذَّى هُوَ، فَإِنْ آذى أوْ تأذَّى لَمْ يَدْخُلْ وَهذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَيَتَزَاحَمُونَ زَحْمَةً شَدِيدَةً بِحَيْثُ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَرُبما انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ بَعْضِهِمْ أوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَرُبمَا زَاحَمَ الْمَرَأةَ وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ والْيَدِ وَهَذَا كُلهُ خَطَأٌ يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النَّاس وَيَغْتَرُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي لِعَاقِل أَنْ يَرْتكبَ الأَذَى الْمُحَرَّمَ لِيَحصلَ أَمْراً لَوْ سَلِمَ مِنَ الأَذَى لِكَانَ سُنَّة، وَأَمَّا مَعَ الأَذَى فَلَيْسَ بسُنَّةٍ بَلْ حَرَامٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ. السَّادِسَةُ: إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الدُّعَاءَ والتَّضَرُّعَ إِلى الله بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ. وَلْيُكْثِرْ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُهِمَّةِ وَلاَ يَشْتَغِلُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُلْهِيهِ بَلْ يَلْزَمِ الأَدَبَ، وَلْيَعْلَمْ أَنهُ في أَفْضَلِ الأَرْضِ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عائشةَ ﵂ قَالَتْ: عَجباً للمرء المسلمِ إذا دَخَلَ الكعبةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَل السَّقْف؟! لِيَدَعْ ذَلِكَ إِجْلاَلاً لله تَعَالَى وَإِعْظَاماً، دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ الكعبةَ مَا خَلَفَ بَصرُهُ مَوضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْها (٤).

стр. 393

السابعةُ: لِيحذرْ كُل الحذرِ مِنَ الاغترارِ بِمَا أحدثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الضلالَةِ في الكعبة المكرمة. قَالَ شيخُنَا الإِمَامُ أبُو عمرو بنُ الصَّلاحِ رحمهُ الله تعالَى: ابتدع مِنْ قَريبٍ بَعْضُ الْفَجَرَةِ الْمُحْتَالِينَ في الْكَعبة الْمُكَرَّمَة أمْرَيْنِ بَاطِلَيْن (١) عَظُمَ ضَرَرُهُمَا عَلَى العَامَّةِ، أَحَدُهمَا مَا يَذْكُرونَهُ مِنَ العُرْوَةِ الوُثْقَى عَمَدُوا إِلَى مَوْضِع عَالٍ مِن جِدَارِ الْبَيْتِ الْمُقَابِلِ لبابِ الْبَيْتِ فَسَمُّوهُ الْعُرْوَةَ الوُثْقَى وَأَوْقَعُوا في نُفوسِ الْعَامَّةِ أَن مَنْ نَالَهُ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى فَأَحْوَجُوهُمْ إِلَى أَنْ يُقاسُوا فِي الوُصُولِ إِلَيْهَا شِدة وَعَنَاءً وَيَرْكَبَ بَعْضُهُمْ ظَهْرَ بَعْضٍ، وَرُبمَا صَعَدَتْ الْمَرْأة عَلَى ظَهْرِ الرَّجُل وَلاَمَسَتْ الرّجَالَ وَلاَمَسُوهَا فيَلْحَقُهُمْ بِذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنَ الضرَرِ دِيناً وَدُنْيَا. الثاني: مِسْمَارٌ في وَسَطِ الْبَيْتِ سَمَّوْهُ سُرَةَ الدُّنْيَا وَحَمَلُوا الْعَامَّةَ عَلَى أَنْ يَكْشِفَ أَحَدهمْ سُرَّتَهُ وَيَنْبَطِحَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْمِسْمَارِ لِيَكُونَ وَاضِعاً سُرَّتَهُ عَلَى سُرَّةِ الدُّنْيَا قاتَلَ الله وَاضِعَ ذَلِكَ وَمُخْتَرِعَهُ وَالله الْمُسْتَعَانُ. الثامنةُ: يُسْتَحَبُّ صَلاَةُ النَّافلة فِي الْبَيْتِ (٢)، وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَإِن كَانَ يَرْجُو

стр. 394

جَمَاعَةً كَثِيرَةً فَهِيَ خارِجُ البَيْتِ أَفْضَلُ (١)، وإِنْ كَانَ لاَ يَرْجُوهَا (٢) فَدَاخِلُ البَيْتِ أفضَلُ، وَإِذَا صَلى في الْبَيتِ (٣) اسْتَقْبَلَ بَعْضَ جُدْرَانِهِ، فَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْبَابَ وَهُوَ مَرْدُودٌ كَفَى وَلَوْ اسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مَفْتُوح فَإِنْ كَانَتْ عَتَبةُ الْبَابِ مُرْتَفِعَةَ عَنِ الأَرْضِ بِنَحْوِ ثُلُثَيْ ذرَاعِ صَحَّتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ أقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحّ صَلاَتُهُ، وَلَو صَلوا جَمَاعَةَ في الْكَعْبةِ جَازَ وَلَهُمْ في مَوْقِفِهِمْ خَمْسَةُ أَحْوَال: (أحَدُهَا) أن يكُونَ وَجْهُ الْمَأمُومِ إلى وَجْهَ الإِْمَام و (الثَّاني) أَنْ يَكُونَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِهِ (الثالِثُ) أَنْ يَكُونَ وَجْهُ المأمُومِ إِلَى ظهْرِ الإِْمَامِ (الرَّابعُ) أَنْ يَكُونَ بِجنبه سَواءً (الخامسُ) أنْ يَكُونَ ظهرُ المأمُومِ إِلَى وَجْهِ الإِْمَامِ فَتَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي الأحْوَالِ الأَرْبَعَةِ الأُوَلِ وَلاَ تَصِحُّ في الخَامِسَةِ عَلَى الأَصَح. التاسعةُ: يُسْتَحَبّ الإِكْثَارُ مِنْ دُخُولِ الْحِجْرِ (٤) فَإِنّهُ مِنَ الْبَيْتِ وَدُخُولُهُ سَهْلٌ وَقَدْ سَبقَ أن الدعاءَ فِيهِ تَحْتَ الميزاب مُستجابٌ.

стр. 395

العاشرة: يُستحبُ لَهُ أنْ يَنْوِيَ الاعتكافَ كُلَّمَا دَخَلَ المسجدَ الحرام، فإِنَّ الاعتكافَ مُسْتَحبٌّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَسْجِداً مِنَ الْمَسَاجِدِ فَكَيْفَ الظن بالمسجد الحرامِ، فَتقْصُد بِقلبِهِ حِينَ يصيرُ في المسجدِ أَنهُ مُعْتكِفٌ لله تعالى سَوَاء كانَ صائماً أو لم يكنْ فَإِنَّ الصومَ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الاعتكافِ عِنْدَنَا (١) ثمَّ يَسْتمر لَهُ الاْعتكَافُ مَا دَامَ في المسجِدِ فإِذَا خَرَجَ زَالَ اعتكَافه (٢) فإِذا دَخَلَ مَرَّةً أُخْرَى نوَى الاعتكافَ وَهَكَذَا كُلَّمَا دَخَل، وَهَذَا مِنَ المُهماتِ الَّتي تُسْتَحَبّ المحافظةُ عَلَيْهَا والاعتناءُ بِهَا. الحاديةَ عشرةَ: يُسْتَحَب الشُّرْبُ مِن مَاءِ زَمْزَم (٣) وَالإِكْثَارُ مِنْه.

стр. 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 397

ثبت في صحيحِ مسلم عَنْ أَبي ذرٍّ ﵁ أَنّ النّبي ﷺ قال في ماءِ زمزمَ: "إنّها مُبَارَكَة وَإِنَّهَا طَعَامُ طُعْم وشِفَاءُ سُقْم". وَرَوَيْنا عَنْ جَابِر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَه" (١).

стр. 398

وَقَدْ شَرِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ مَاءَ زَمْزَمَ لِمَطَالِبٍ لَهمْ جَلِيلَةٍ فَنَالُوهَا، فيستحب لِمَنْ أرادَ الشُّرْبَ للْمَغْفِرَةِ أَوْ الشفَاءِ مِنْ مَرَض وَنَحْوِهِ أَنْ يَسْتَقْبِل القِبْلَةَ ثُمَّ يَذْكُرَ اسْمَ الله تَعَالَى ثُمَّ تقُولُ: اللَّهُمّ إنّهُ بَلَغني أَنّ رَسُولَكَ ﷺ قَالَ: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ اللَّهُمَّ وإنّي أشْرَبهُ لِتَغْفِرَ لي، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لي، أَوْ اللَّهُمَّ إِنّي أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِياً بِهِ مِنْ مرضِي اللَّهُمَّ فَاشْفِني" وَنَحْو هذَا. وَيُسْتَحَب أَنْ يَتَنَفسَ ثَلاَثَاً وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ أي يَمْتَلىء فَإِذَا فرَغَ حَمِدَ الله تَعَالَى (١).

стр. 399

الثانيةَ عشرة: يُسْتَحَب لِمَنْ دخلَ مكَّةَ حاجاً أو مُعْتَمِراً أن يختمَ القُرْآنَ فيهَا قَبْلَ رُجُوعِهِ. الثالثةَ عشرة: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في المجاورةِ بمكةَ فقالَ أبو حنيفةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: تكْرَهُ المجاوَرَةُ، وقال أحمدُ بنُ حَنْبَل وآخَرُونَ (١) لا تكْرَهُ بَلْ تُسْتَحَبُّ، وإِنَّمَا كَرِهَهَا مِن كَرِهَهَا لأُمُورِ منها خوفُ المَلَلِ وَقِلَّةُ الحرمةِ للإنسِ وخوفُ ملابسةِ الذنوبِ (٢)، فإِن الذنبَ فيها أقبح منهُ في غيرِها، كما أنّ الحَسَنَةَ فيها

стр. 400

أعظمُ منها في غيرها. وأمّا من استحبَّها فلِما يحصلُ فيها من الطَّاعَاتِ الَّتي لا تَحْصُلُ بغِيرِها مِنَ الطَّوَافِ وَتَضْعِيفِ الصَّلَوَاتِ والْحَسَنَاتِ وغيرِ ذلكَ. والمختارُ أن المُجَاوَرَةَ بِهَا مُسْتَحَبةٌ إِلا أَن يَغْلِبَ على ظَنِّه الوُقُوعُ في الأُمُورِ الْمَحْذُورَةِ وغَيْرِهَا، وقد جَاوَرَ فيها خَلاَئِقُ لا يُحْصَوْن (١) من سَلَفِ الأُمَّةِ وَخَلَفِهَا مِمَّنْ يقتَدى بِهِم، وَيَنْبَغِي للمُجَاوِرِ بِهَا أَن يُذَكِّرَ نَفْسَهُ بِمَا جَاءَ عن عُمَرَ بن الخطَابِ ﵁ أَنهُ قَالَ: لَخطيئَة أُصِيبُهَا بِمَكَّة أَعَز عَلَيّ (٢) مِنْ سَبْعِينَ خطيئَة بِغَيْرِهَا (٣).

стр. 401

الرابعةَ عشرة: يُسْتَحب زيَارَةُ المَوَاضِعِ المَشْهُورة بالفَضْلِ في مكة والحَرَمِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا ثمانيةَ عشرَ مَوْضِعَاً منها البيتُ الذي وُلِدَ فيه رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ اليومَ مسجد (١) في زُقَاق يقالُ لَهُ زُقَاقُ المولدِ. وذكَرَ الأزْرَقِيُّ أَنَّهُ لا خِلاَفَ فيه، ومنها بَيْتُ خَديجةَ ﵂ الذي كَانَ يَسْكُنُهُ رسُولُ الله ﷺ وَخَدِيجَةُ ﵂ وفيهِ وَلَدَتْ أَولادَهَا من رسول الله ﷺ وفيه تُوفِّيَتْ خَدِيجةُ رضوان الله عَلَيْهَا ولم يزَلْ رَسُولُ الله ﷺ مُقيماً بِهِ حتى هاجرَ قالَهُ الأَزْرَقِي، قَالَ ثُمَّ اشْتَراهُ مُعَاوِيةُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ من عَقِيلِ بْنِ أبِي طَالِب فَجَعَلَهُ مَسْجِداً (٢) وَمِنْهَا مَسْجِدٌ في دَارٍ الأَرْقَمِ وهي التي يقالُ لها دارُ الْخَيْزَرَانِ (٣) كان النبي ﷺ مُسْتَتِراً فِيهِ في أْولِ الإِْسْلاَمِ، قال

стр. 402

الأَزْرَقِي: هُوَ عِنْدَ الصَّفَا قَالَ وَفِيهِ أَسْلَمَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ ومنها الغَارُ الذي بِجَبَل حرَاء كان النبيُّ ﷺ يَتَعَبدُ فِيهِ، والغارِ الذي بجَبل ثَورٍ وهو المذكورُ في القرآن قال الله : ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾. الخامسةَ عشرةَ: مَنْ فَرَغَ مِنْ مَناسِكِهِ وأرادَ المُقَامَ بِمَكّةَ فليسَ عَلَيْهِ طوافُ وداع، وإنْ أرادَ الخروجَ طافَ للوداع وَلاَ رَمَلَ فِيهِ ولاَ اضْطِبَاعَ كَمَا سَبقَ، وَهَذَا الطَّوافُ وَاجِب عَلَى أصَحّ الْقَوْلَيْنِ (١) وَيَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَالقولُ الثاني أنه مُستحبُّ يستحب بتركه دَم وَلَوْ أرادَ الحاجّ الرجوعَ إلى بلده مِنْ مِنى لَزِمهُ دخولُ مكّةَ لِطوافِ الوداعِ (٢) وَلاَ يَجِبُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَلَى الحَائِضِ

стр. 403

والنُّفَسَاءِ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِمَا لتَرْكِهِ لأَنّها لَيْسَتْ مُخَاطَبة به (١)، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ

стр. 404

تَقِفَ عَلَى بَابِ المَسْجدِ الْحَرَامِ وَتَدْعُو بما سَنَذكُرُهُ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْودَاعِ فَخَرَجَ بِلاَ ودَاعٍ عَصَى وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلطَّوَافِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَسَافَة الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ فَإِذَا بَلَغَهَا (١) لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَتَى لَمْ يَعُدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ (٢)، وَمَنْ عَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ (٣)، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ (٤)، وَلَوْ طَهُرَتْ النُّفَسَاءُ والْحَائِضُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بِنَاءِ مَكَّةَ لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ لِزَوَالِ عُذْرها، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبِنَاءِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَوْدُ. السادسة عشرة: يَنْبَغِي أنْ يقَعَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بَعْدَ الْفَرَاغ مِنْ جَمِيعِ أشْغَالِهِ وَيَعْقُبُه الخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ مُكْث، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أوْ لِشُغْلٍ غَيْرِ أسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاء مَتَاعٍ أَوْ قَضَاء دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ صَدِيقٍ أوْ عِيَادَةِ مَرِيض وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إعادَةُ الطَّوَافِ، وإنْ اشْتَغَلَ بِأسْبَابِ الخُرُوجِ كَشِراء الزَّادِ بِلاَ مُكْث (٥)

стр. 405

وشَد الرَّحْل (١) وَنَحْوِهِمَا لَمْ يُعِدْ الطَّوَافَ وَكَنَا لَوْ أُقيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلاَّهَا مَعَهُم لَمْ يُعِد الطَّوَافَ (٢). السابعةَ عشرة: اخْتَلَفَ أصْحَابُنَا في أنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاسِكِ الحَجّ (٣) أمْ عِبَادَة مُسْتَقِلَّة؟ فَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الْحَاجّ طَوَافُ الْوَداع إِذا خَرَجَ مِنْ مَكّةَ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَأبُو سَعيد المتولّي وغيرُهُمَا: لَيْسَ هُوَ مِنَ المَنَاسِكِ (٤) بَلْ يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكّة إِلى مَسَافَةِ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ (٥) سَوَاء كَانَ مَكّياً أوْ غَيْرَ مَكّي. قَالَ الإِمَامُ أَبُو القاسِمِ الرَّافِعِيّ: هَذَا الثانِي هُوَ الأَصَحُ تَعظيماً للحرم وتشبيهاً لاقْتِضَاء خرُوجِهِ للْوَدَاعِ بِاقْتِضَاءِ دُخُوليِ للإْحْرَامِ وَلأنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ

стр. 406

مَنْ حَج وَأَرَادَ الإِْقَامَة بِمَكَّةَ لاَ وَدَلَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مِنَ المَنَاسِكِ لَعَمَّ الْجَمِيعَ، قُلْتُ: وَمِمَّا يُسْتَدل بِهِ مِنَ السُّنَّةِ لِكَوْنهِ لَيْسَ مِنَ المَنَاسِكِ مَا ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِم وَغَيْرِهِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: يقيمُ الْمُهاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاَثاً، وَجْهُ الدّلاَلَةِ أنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَسَمَّاهُ قَبْلهُ قَاضياً لِلْمَنَاسِكِ وَحَقيقَتُه أنْ يكُونَ قَضَاهَا كُلَّهَا وَالله أعْلَمُ. الثامنةَ عشرةَ: إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الوَدَاع صَلى رَكْعَتَي الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَتى الْمُلْتَزَمَ (١) فالْتَزَمَهُ كَمَا سبقَ بيانُهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ والعبدُ عبدُكَ وابْنُ أَمَتِكَ حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخرْتَ لي مِنْ خَلقِكَ حَتَّى صَيرْتَنِي في بِلاَدِكَ وَبَلَّغْتَني بِنِعْمَتِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ، فَإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَني فازْدَدْ عَنّي رِضاً وإلا فَمُنَّ الآن (٢) قبلَ أنْ تَنْأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي وَيَبْعُدَ عَنْهُ

стр. 407

مَزَارِي، هَذَا أوَانُ (١) انْصرافي إِنْ أذِنْتَ لي (٢) غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلاَ بيتِكَ، وَلاَ رَاغب عَنْكَ وَلاَ عَنْ بيتِكَ، اللهُمّ فأصْحِبْني العافيةَ فِي بدنيِ والعصمةَ في ديني وَأحْسِنْ مُنْقَلَبي وَارْزُقني طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتني واجْمَعْ لي خَيْري الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

стр. 408

وَيَأتي بآداب الدُّعاء التي سبقَ ذكرُها في دُعاء عرفات وَيَتَعَلَّقُ بأستار الكعبة في تضرُّعِهِ، فإِذَا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ أتى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا مُتَزَوِّداً ثُمّ عَادَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ واسْتَلَمهُ وَقَبلهُ وَمَضَى، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأة (١) حَائِضاً اسْتُحِبَّ لَهَا أنْ تأتِي بِهَذا الدُّعَاءِ عَلَى بَابِ المسجدِ وَتَمْضِي. التاسعةَ عَشْرةَ: إذَا فَارَقَ الْبَيْتَ مُوَدّعاً فَقَدْ قَالَ أبُو عَبْدِ الله الزُّبيرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أصحابِنَا: يخرُجُ وبصرُهُ إلَى الْبَيْتِ لِيَكُونَ آخِر عهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقِيلَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ في انصِرَافِه كالمتحَزِّنِ عَلَى مُفَارَقَتِهِ، والمذهبُ الصَّحِيحُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ جماعةٌ مِنْ أصحابِنا منهم أبو عبدِ الله الحَليمي وأبو الحسنِ الماوَرْدِيُّ وآخرونَ: إنْه يخْرُجُ ويولي ظهرهُ إلى الكعبةِ ولا يَمْشِي قَهْقَرَى (٢) كَمَا يفعله كثير من الناس قَالُوا: بَلْ المشْيُ قَهْقَرى مَكْرُوهُ فإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سُنَّةٌ مَرويّةُ ولا أثَرٌ محكِيّ وَمَا لاَ أصْلَ لَهُ لا يَعْرُجُ عَلَيْهِ.

стр. 409

وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابنِ عَبَّاس وَمُجَاهِد ﵃ كراهيةُ قِيَامِ الرّجلِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ناظِراً إِلَى الْكَعْبَةِ إِذَا أرَادَ الانصرافَ إِلَى وَطَنِهِ بَلْ يَكونُ آخرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ والله أعلمُ. العشرون: لاَ يَجُوزُ أنْ يَأخُذَ شيئاً مِن تُرابِ الْحَرَمِ وأحْجارِهِ مَعَهُ إلى بِلاَدهٍ وَلاَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحِل (١)، وَسَوَاءٌ في ذَلِكَ تُرَاب نَفْسِ مكّةَ وتُرابُ ما حَوَالَيْهَا من جَمِيعِ الْحَرَمِ وأَحْجَارِهِ إِلَى الْحَرَمِ (٢)، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ مَاءِ زَمْزَمَ (٣) وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ مِيَاه الْحَرَمِ وَنَقْلِهِ إِلَى جَمِيعِ البُلْدَانِ لأَنَّ الْمَاءَ يُسْتَخْلَفُ بِخِلاَفِ التُّرَاب وَالْحَجَرِ، وَيَحْرُمُ إِتْلاَفُ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلاَلِ وَالْمُحْرِمِ وَتَمَلكُهُ وأَكْلُهُ (٤) وَحُكْمُهُ فِي حَقّ جَمِيعِ النَّاسِ حكمُ الصَّيْدِ فِي حَق الْمُحْرِمِ

стр. 410

وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحاً، وَلَوْ اصْطَادَ الْحَلاَلُ صَيْداً مِنَ الحِل وَدَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ جَازَ وَلَهُ ذَبْحُهُ وَأكْلُهُ وَبَيْعُهُ لِلْحَلاَلِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ (١). الحاديةُ والعشرون: لاَ يَجُوزُ أخْذُ شَيْء، مِنْ طِيبِ الْكَعْبِة لا للتَّبَرُّكِ وَلاَ لِغَيْرِهِ، وَمَنْ أَخَذ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَيْهَا، فَإِنْ أَرَادَ التبَرُّكَ أتى بِطِيبِ مِنْ عِنْدَهِ فَمَسحهَا بِهِ ثُمَّ أخَذَهُ. الثانية والعشرون: قَالَ الإِمَامُ أبو الْفَضْلُ بنِ عَبدانَ مِنْ أصْحَابِنَا: لاَ يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ سُتْرَةِ الْكَعْبةِ وَلاَ نَقْلُهُ وَلاَ بَيْعُه ولا شراؤُهُ وَلاَ وَضْعُه بينَ أوْرَاقِ المُصْحَفِ، وَمَنْ حَمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً لَزِمَهُ رَدُّهُ خلافَ ما يتوهَّمهُ العامّةُ يَشْتَرونَهُ مِنْ بنِي شَيْبةَ (٢)، هَذَا كَلاَمُ ابْنِ عَبْدَانَ، وَحَكَاهُ الإِمامُ أبو القاسمِ الرافعيُّ عَنْهُ وَلَمْ يَعْتَرضْ عَلَيْهِ فَكَأنّهُ وَافَقَهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَال الإِمامُ أبو عبد الله الحَلِيميُّ: لاَ يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ شَيْء، وَقَالَ أبو العباس بن القاصّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لاَ يَجُوزُ بَيع كُسْوَةِ الْكَعْبة.

стр. 411

قَالَ الشَّيخُ أبو عمروِ بنِ الصلاحِ رَحمهُ الله تَعَالَى: الأَمرُ فِيها إِلى الإِْمَامِ يَصْرِفُهَا في بَعْضِ مَصَارِف بَيْتِ المَالِ بَيْعاً وَعَطَاءً، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أن عُمَر بْنَ الخطَابِ ﵁ كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُل سَنَةٍ فَيُقَسمُها عَلَى الحاج وَهذَا الّذي قَالَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَى الأَزْرَقِي عَنْ ابنِ عَباس وَعائشةَ ﵄ أنهُمَا قَالاَ: لاَ تُبَاعُ كُسْوَتُها وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا في سَبِيلِ الله للفقرَاءِ والْمَساكِينِ وابن السَّبِيلِ، قالَ ابنُ عَباسٍ وَعَائِشَةُ وأم سَلَمَةَ ﵃ وَلاَ بَأسَ (١) أنْ يَلْبَسَ كُسْوَتَهَا مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَغَيْرِهِمَا. الثالثةُ والعشرون: في حَدودِ الحَرَمِ. اعْلَم أنَّ الحَرَمَ الْكَريمَ هُوَ مَا طَافَ بِمَكَّةَ وَأحَاطَ بِهَا مِنْ جَوانبِهَا جَعَلَ الله لَهُ حُكْمَهَا في الحُرْمَةِ تَشْرِيفاً لَهَا. وَاعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ حُدُودِ الْحَرَمِ مِنْ أهَمِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُعتَنى بِبَيَانِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلّقُ بِهِ أحْكَامٌ كَثِيرة كَمَا سَبَقَ وَقَدْ اجَتَهَدْتُ واعْتَنَيْتُ بإتْقَانِهِ عَلَى أكْمَلِ وُجُوهِهِ بِحَمْدِ الله تَعَالَى. فَحَدُّ الحَرِمِ مِنْ طَرَيقِ الْمَدِينة دُونَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ بُيُوتِ بَنِي نِفَار عَلَى ثَلاَثَةِ أمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ اليَمَنِ طَرَفُ أضَاةِ لبن في ثَنيةِ لِبْنٍ عَلَى سَبْعَةِ أمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيّةِ جَبَلِ الْمُقَطَّع عَلَى سَبْعَةِ أمْيَالِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجعِرَّانَةِ في شِعْبِ آلِ عَبْدِ الله بنِ خَالِد عَلَى تِسْعَة أمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرفاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ على سبعةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّة، وَمِنْ طَريقِ جدَّة مُنْقَطعُ الأعْشَاشِ عَلَى عَشَرَةِ أمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، فَهَذَا حَدُّ مَا جَعَلَهُ الله

стр. 412

عَز وجَل حَرَماً لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ التحْرِيمِ وَبَايَنَ (١) بِحُكْمِه سَائِرَ الْبِلاَدِ، هكَذَا ذَكَرَ حدُودَهُ أبُو الْوَليدِ الأَزْرَقِي في كِتَابِ مَكَّةَ، وَأصْحَابُنَا في كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ في الأَحْكَامٍ السُّلْطَانِيةِ وَآخَرُونَ، إِلا أن الأَزْرَقِي قَالَ في حَدِّهِ مِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ أحَدَ عَشرَ مِيلاً والجُمْهُورُ قَالُوا سبعة فَقَطْ بِتَقْدِيم السّين عَلَى البَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاوَرْدِيُّ حَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ وَذَكَرَ الأزْرَقي وَالْجُمْهُورُ كَمَا ذكَرتُهُ. وَفِي هذ الْحُدودِ ألْفَاظ غَرِيبة يَنْبَغِي أنْ تُضْبَطَ، قَوْلُهُمْ بُيُوتُ نِفَارٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ وَفِي قَوْلِهِ أضَاةِ لِبْنٍ الأَضَاةُ بفتح الهمزة وبالضاد المعجمة على وزن الفَتَاةِ وَهِيَ مُسْتَنْقَعُ الماء وَلِبْن بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة كذا ضبطه الحافظُ أبُو بكْرٍ الْحَازِميُّ في كِتَابِهِ المؤَلَّف في أسْمَاءِ الأَمَاكِنِ. وَقَوْلُهُمْ الأعْشَاشُ بفتح الهمزة وَبالشينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ عُش قَوْلُهُمْ في حَدهِ مِنْ جِهَةِ الجِعِرانَةِ تِسْعَة هُوَ بِالتَّاءِ ثُمَّ بالسينِ والْحُدُودُ الثلاَثَةُ الْبَاقِيةُ بِتَقْدِيم السّينِ وَالله أعْلَمُ، فاعْتَمِدْ مَا ضَبَطْتُهُ لَكَ مِنْ حُدُودِ الْحَرَمِ فَمَا أَظُنُّكَ تَجِدُهُ أوْضحَ وَلاَ أتْقَنَ مِنْ هذَا. واعْلَمْ أنَّ الْحَرَمَ عَلَيْهِ عَلاَمَاتٌ مِنْ جَوَانبِهِ كُلّهَا وَمَنْصُوب عَلَيْهِ أَنْصَاب ذَكْرَ الأَزْرَقي وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدهِم أنَّ إبْرَاهِيم ﷺ عَمِلَهَا وَجِبْرِيلُ ﵇ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أَمَرَ النبيُّ ﷺ بِتَجْدِيدِهَا (٢) ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ ثُم مُعَاوِية (٣)

стр. 413

رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَهِيَ الآنَ بينَةٌ وَلله الْحَمْدُ (١). الرابعةُ والعِشْرُونَ: حَكَى المَاوَرْدِيُّ خِلاَفاً لِلعُلماءِ في أَن مَكَّةَ زَادَهَا الله شرفاً مع حرمتها هل صارت حرماً آمناً (٢) بسؤال إبراهيم ﷺ ذلك أم كَانَتْ قَبْلَه كَذَلِكَ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ تَزَلْ حَرَماً وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَتْ مكّة حلالاً قبل دعوة إبراهيم ﷺ كسائر البلاد وإنما صارت حرماً بدعوته كما صارت المدينة حَرَماً بِتَحْرِيمِ رَسُولِ الله ﷺ بَعْدَ أنْ كَانَتْ حَلاَلاً، وَاحْتَجَّ هَؤُلاَء بِحَدِيث عَبْدِ الله بن زَيد ﵁ فِي الصّحِيحَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ إنّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ. وَالصَّحيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ هُوَ الأَوَّلُ لِلحديثِ الصَّحِيح في صَحِيحَيْ البُخَارِيّ وَمُسْلِمِ عَنِ ابنْ عَباسِ ﵄ أن النَّبي ﷺ قَالَ يوم فَتَحَ مَكَّةَ: "فَإِنَّ هذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ الله تعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بحُرْمَةِ الله تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" وَالْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الأَوّلِ أنّ إبْرَاهِيم ﷺ أظْهَرَ تَحْرِيمَها بَعْدَ أنْ كَانَ مَهْجُوراً لا أنَّهُ ابتَدأهُ وَالله تَعَالَى أعْلَمُ.

стр. 414

الخامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: في الأَحْكَامِ الَّتِي يُخَالِفُ الْحَرَم فِيهَا غَيْرَهُ مِنَ الْبِلاَدِ. أحَدهمُا: أنْ لاَ يَدْخُلَ إِلَيْهَا أحَد إِلا بِإِحْرَامٍ، وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِب أَمْ مُسْتَحب فِيهِ خِلاَف قَدَّمْنَاه (١). الثاني: يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى أَهْلِ الحَرَمِ والمُحلّينَ. الثَّالِثُ: يَحْرُمُ شَجَرُهُ وَحَشِيشهُ. الرَّابعُ: أنَّهُ يُمْنَعُ جَمِيعُ مَنْ خَالَفَ دِينَ الإِسْلاَمِ مِنْ دُخُولهِ مُقِيماً كانَ أَوْ مَارَّاً، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَجَوَّزَهُ أَبو حَنِيفَة (٢) ما لَمْ يَسْتَوْطِنُوهُ.

стр. 415

الخامس: لاَ تَحِل لُقطَتُهُ (١) لِلتمَلكِ فَلاَ تَحِلُّ إِلا لِمُنْشِدِ. السادس: تَغْلِيظُ الدِّيةِ بِالْقَتْلِ فيهِ (٢). السابع: تَحْرِيمُ دَفْنِ الْمُشْرِكِ فِيهِ (٣) وَلَوْ دُفِنَ فِيهِ نُبِشَ مَا لَمْ يَتَقَطعْ. الثامن: يَحْرُمُ إِخْرَاجُ أَحْجَارِهِ وَتُرَابِهِ إلَى الْحِلّ وَيُكْرَهُ إِدْخَالُ ذَلِكَ مِنْ الحل إليه. التاسع: يَخْتَصُّ ذَبْحُ دِمَاءِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْهَدَايَا بِهِ. العاشر: لا دَمَ عَلَى المُتَمَتعِ وَالْقَارِنِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ (٤). الحادي عشَر: لا تكرهُ صَلاَةُ النَّافِلَةِ التي لاَ سَبَبَ لَهَا في وَقْتٍ مِنَ

стр. 416

الأوْقَاتِ في الْحَرَمِ سَوَاء فِيهِ مَكةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ (١). الثاني عشرَ: إِذَا نَذَرَ قَصْدَهُ لَزِمَهُ الذهابُ إِلَيْهِ بِحَج أَوْ عُمْرَةٍ (٢) بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَإنَّهُ لاَ يَجِبُ الذهَابُ إِلَيْهِ إذَا نَذَرَهُ إلا مَسْجِدَ رَسُولِ الله ﷺ وَالْمَسْجِدَ الأَقْصَى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ (٣) فِيهِمَا. الثالث عشرَ: يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبةِ (٤) وَاسْتِدْبَارُهَا بالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ في الصحْرَاءِ (٥).

стр. 417

الرَّابِع عشرَ: تَضْعِيفُ الأَجْرِ في الصلَوَاتِ بِمَكَّةَ وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ. الخامسَ عشرَ: يُسْتَحَب لأَهْلِ مكَّةَ أنْ يُصَلوا الْعِيدَ في الْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ (١) لاَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأمَّا غَيْرُهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ فَهَلْ صَلاَتُهَا فِي الْمُصلَّى (٢) أفْضَلُ أمْ في الصَّحْرَاءِ (٣) فِيهِ خِلاَفٌ (٤). السادسَ عشرَ: إِذَا نَذَرَ النَّحْرَ وَحْدَهُ بِمَكَّةَ لَزِمَهُ النَّحْرُ بِهَا وَتَفْرِقَةُ اللَّحْمِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ في بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ في أصَحّ الْوَجْهَيْنِ (٥).

стр. 418

السابع عشرَ: لاَ يَجُوزُ إحْرَامُ الْمُقِيمِ في الْحَرَمِ بالْحَجّ (١) خَارِجَهُ وَالله أعلم. المسْألَةُ السَّادسَةُ والْعِشْرُونَ: مَذْهَبُنَا أَنهُ يَجوزُ بَيع دُورِ مَكَّةَ وَشِرَاؤهَا وَإِجَارَتُهَا كَمَا يَجُوزُ في غَيْرِهَا (٢) وَدَلاَئِلُ الْمَسْأَلةِ في كُتُبِ الْفِقْهِ وَالخِلاَفُ مَشْهُورٌ.

стр. 419

السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَذهْبُنَا أن النَّبي ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ صُلْحاً (١) لاَ عَنْوَة لَكِنْ دَخَلَهَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَأهباً للقِتالِ خَوْفاً مِنْ غَدْرِ أهْلِهَا. الثامنَةُ والْعِشْرُونَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في إقَامَةِ الْحُدودِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ

стр. 420

في الْحَرَمِ. فَقَالَ الشَّافِعِي وآخَرونَ (١): حُكْمُ الْحَرَمِ في هَذَا حُكْمُ غَيْرِهِ، فَتُقَام فِيهِ الْحُدودُ وَيُسْتَوْفَى فِيهِ الْقِصَاصُ سَوَاء كَانَتْ الْجِنَايةُ في الْحَرَمِ أوْ كَانَتْ في الْحِل ثُمَّ الْتَجَأ إِلَى الْحَرَمِ، وَقَالَ أبُو حَنِيفَة وآخَرُونَ: إنْ كَانَتْ الْجِنَايةُ في الْحَرَمِ اسْتُوفِيتَ الْعُقوبةُ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايةُ في الْحِل ثُمَّ التجأ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ (٢) ويُلْجَأ إلَى الخُرُوجِ مِنْهُ فإِذَا خَرَجَ أُقِيمَتْ. التاسِعَةُ والْعِشْرُونَ: في أمُور تتعَلَّقُ بِالْكَعْبةِ وَالْمَسْجِدِ. قَالَ الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ (٣) مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ (٤) وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.

стр. 421

وَثَبَتَ في صَحِيحِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبي ذَرّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عن أوَّل مَسْجِد وُضِعَ في الأَرْضِ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ" قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَاماً". وَاخْتَلَفَ الْمُفَسرُونَ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فَرَوى الأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ: لَقَدْ خَلَقَ الله مَوْضِعَ هذَا الْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ بأَلْفَي سَنةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أيْضاً أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ أَحَدُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتاً فِي كُلّ سَمَاء بَيْتٌ وَفِي كُلّ أرْضٍ بَيْت بَعْضُهُنَّ مُقَابِل بَعْضَ. وَرَوى الأَزْرَقِي أَيْضاً عَنْ عَلِيِّ بنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بن أبِي طَالِب ﵃ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَ مَلاَئِكَةً فَقَالَ: ابْنُوا لِي في الأَرْضِ بَيْتاً تِمْثَالَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَقَدْرَهُ، وَأَمَرَ الله تَعَالَى مَنْ في الأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، قَالَ: وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄: هُوَ أَوَّلُ بَيْت بَنَاهُ آدَمُ في الأَرْضِ (١).

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

وَجَاءَ عَنْ عَلِي بْنِ أبِي طَالِبِ ﵁ أنَّ مَعْنَاهُ أنهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادةِ أوْ الْبَرَكَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادةَ أنهُ كَانَ قَبْلَهُ بيوت كَثِيرَة وَلَكِنَّهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ للْعِبَادةِ. وَقَالَ أقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ: أجْمَعوا عَلَى أنهُ أوَّلُ بَيْت وُضِعَ لِلْعِبَادَة

стр. 424

وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِهِا، قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَوّلُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُوِر أَنهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ مُطْلَقاً والله أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى مُبَارَكاً مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَانْتَصَبَ مُبَارَكاً عَلَى الْحَالِ. قَالَ الزّجاجُ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى اسْتَقَرّ بمَكَّةَ في حَالِ بَرَكَتِهِ وَهُوَ حَالُ مِنْ وضع أي وُضِعَ مُبَارَكاً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ الْمُخْتَارُ أَنهَا الْمَنَاسِكُ وَأمْنُ الخائِفِ وانْمَحَاقُ الجِمَارِ مَعَ كَثْرَةِ الرَّمْي وَالرَّامِينَ عَلَى تكَرُّر الأَعْصَارِ وَالسنِين، وَامْتناعُ الطيْرِ مِنَ الْعُلُو عَلَيْهِ واستشفاء الْمَريضِ بِهِ وَتَعْجِيلِ الْعُقُوبةِ لِمَنِ انْتَهَكَ فِيهِ حَرَمَهُ وَإِهْلاَك أَصْحَابِ الْفِيلِ لَمَّا أَرَادُوا تَخْرِيبَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (١). قَالَ أبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ: جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ طُولَ بِنَاءِ الْكَعْبةِ في السَّمَاء تسعْةَ أذرُعٍ (٢) وَطُولَهَا في الأَرْضِ ثَلاَثِينَ ذِرَاعاً (٣) وَعَرْضَهَا في الأَرْضِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، وَكَانَتْ غَيْرَ مُسَقفَةٍ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيش في الْجَاهِلِيةِ فَزَادَتْ فِي طُولها في السمَاءِ تسْعَةَ أذْرُعِ فَصَارَ طُولُهَا ثَمَانِيةَ عَشَرَ ذِرَاعاً وَنَقَصُوا مِنْ طُولهَا في الأَرْضِ سِتةَ أذْرُعٍ وَشِبْراً تركُوهَا في الْحِجْرِ فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتى كَانَ

стр. 425

زَمَنُ عَبْدِ الله بْنِ الزبَيْرِ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَزَادَ في طُولهَا في السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُع أخْرَى فَصَارَ طُولُها في السَّمَاء سَبْعاً وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، ثمَّ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ فَلَمْ يُغَيّرْ طُولَها فِي السَّماء، فَالْكَعْبةُ الْيَوْمَ طُولَهَا في السَّماءِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً. وَأَمَّا عَرْضُهَا فَبَيْنَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ وَالشَّامِيّ خَمْسَةٌ وَعِشْرونَ ذِرَاعاً وَبَيْنَ الْيَمَانِيّ وَالْغَرْبِيّ كَذَلِكَ بَيْنَ الْيَمَانِي والأَسْوَدِ عِشْرُونَ ذرَاعاً وَبينَ الشامي والغَرْبِى أحَدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً وَالله أعْلَمُ. وَاعْلَمْ أنَّ الْكَعْبةَ زَادها الله تَعَالَى شَرَفاً بُنِيَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِنَاءُ المَلاَئِكَةِ أوْ آدَمَ عَلَى مَا تَقَدمَ مِنَ الْخِلاَفِ. الثانِيَةُ: بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ . الثالِثَةُ: بِنَاءُ قُرَيْش في الْجَاهِلِيةِ، وَقَدْ حَضَرَ رَسُولُ الله ﷺ هَذَا الْبِنَاءُ وَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهم الْحِجَارَةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ. الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ. الْخَامِسَةُ: بِنَاءُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَهَذَا الْبِنَاءُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْيَوْمَ (١)
следующие страницы →