Полный текст (519 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَدي ابْنِ الْحَمْرَاءِ ﵁ أَنهُ قَالَ: سُمعَ النَّبي ﷺ وهُوَ واقفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ (١) يقُولُ لِمَكَّةَ وَالله إِنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ الله وَأحَب أَرْضِ الله إلى الله وَلَوْلاَ أني أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (٢) ، رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ أَيْضاً في كِتَابِهِ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فَيَنْبَغِي لِلْحَاج أَنْ يَغْتَنِمَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ وَيَسْتكْثِرَ مِنَ الاعْتِمَار (٣) وَمِنَ الطَّوَافِ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنهُ أَفْضَلُ مَسَاجِدِ الأَرْضِ الحواشي
(١) أي بالحزورة -بحاء مهملة فزاي معجمة على وزن قَسْوَرَة كما في الحاشية-.
وفي قول بفتح الزاي مع تشديد الواو هي الرابية الصغيرة وهي عند منارة المسجد التي تلي أجياد أي فوق باب أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، وعندها سوق مكة وهو لا يزال يسمى سوق الصغير لعله مأخوذ من قولهم: (هي الرابية الصغيرة) وقد أدخل في المسجد الحرام في التوسعة الأخيرة توسعة الحكومة السعودية وفقها الله لمرضاته آمين.(٢) قال ﷺ : هذا القول حين خرج من مكة في عمرة القضية لأنه ﵊ أراد الإِقامة للبناء بزوجته السيدة ميمونة ﵂ فأبت عليه قريش ذلك.
وفي رواية أنه قال ذلك عام الفتح علي الحجون، ولا تنافي لاحتمال أنه قال ذلك على الحجون مرة أخرى. والقول بأنه ﷺ قاله حين خرج للهجرة مردود كما في الحاشية بقول الراوي: (على راحلته) وهو ﷺ لم يكن على راحلة وإنما خرج مستخفياً كما دلت عليه الأخبار.(٣) قال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: واختلفوا في تكريرها -أي العمرة- في السنة الواحدة مراراً فكان مالك يستحب عمرة في كل سنة ويكره وقوع عمرتين عنده وثلاثاً في السنة الواحدة. وقال الشافعي وأبو حنيفة لا كراهة في ذلك. اهـ.
وقال الشيخ ابن جاسر الحنبلي رحمه الله تعالى في مفيد الأنام: ولا بأس أن يعتمر =стр. 387
والصَّلاَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهَا في غَيْرِهِ مِنَ الأَرْضِ جَمِيعِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحينِ عَنْ أَبِي هُرِيرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلاَة في مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ ألفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ" (١) . ويُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ فيه بالطَّوَافِ لِكُلّ أحَدٍ سَوَاءٌ، الحاجُّ وَغيرُه ويستحبُّ في اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَفِي أوقاتِ الحواشي
(١) هذا الحديث لا يقطع النزاع كما في الحاشية لأن الإمام مالكاً رحمه الله تعالى يقول معناه الصلاة في مسجده ﷺ تعدل ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فإنها تعدل الصلاة فيه بدون الألف، وأصبح منه بل قال ابن عبد البر أنه نص قاطع للنزاع ما رواه أحمد والبزار وابن خزيمة برجال الصحيح: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" زاد ابن خزيمة: "يعني مسجد المدينة". ولفظ البزار "إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة" وفي رواية: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة" قال ابن عبد البر: حديث صحيح. قال بعض المحدثين وصدق فيما قال، فإن رجاله ثقات من عَبْد بن حميد إلى ابن الزبير ﵄. وفي أحكام المساجد للزركشي: روى أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه من حديث حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة ألف صلاة" وإسناده على شرط الشيخين لا جرم، صححه ابن عبد البر، وقال إنه الحجة عند التنازع وإنه نص في موضع الخلاف، قاطع عند من ألهم رشده ولم تمل به عصبيته، ثم ذكر أن بعض الناس طعن في حبيب المعلم، وبعضهم أعل الحديث ورَد ذلك بما يطول ذكره، ثم نقل عن الذهبي أنه قال: إسناده صالح، وروى ابن عبد البر هذا الحديث بإسناد آخر ثم قال: ورجال إسناده علماء أجلاء، ولم ينفرد ابن الزبير بذلك بل روى ما يوافقه أنس وجابر وأبو الدرداء، وروى بإسناد =стр. 388
كَرَاهَةِ الصلاَةِ (١) وَلاَ يكرهُ في ساعةِ مِنَ السَّاعات وَكَذَا لاَ تكْرَهُ صَلاَةُ التطَوعِ في وَقْتِ مِنَ الأَوْقَاتِ بِمَكَّةَ (٢) وَلاَ بِغيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الحَرَمِ كُلهِ بِخِلاَفِ غَيْرِ الحواشي
(١) قال المصنف رحمه الله تعالى في مجموعه: قال العبدري: أجمعوا على أن الطواف في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها جائز، وأما صلاة الطواف فمذهبنا جوازها في جميع الأوقات بلا كراهة، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس والحسن والحسين ابني علي وابن الزبير ﵃، وطاووس وعطاء والقاسم بن محمد وعروة ومجاهد وأحمد وإسحق وأبي ثور ﵏، وكرههما مالك ﵀، وذكره في الموطأ، وذكر بإسناده الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بعد الصبح فنظر الشمس، فلم يرها طلعت، فركب حتى أناخ بذي طوى فصلى.
أقول: استدل المجيزون بدليلين عام وخاص. فالعام هو أن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في عموم النهي. لأن سببها الخاص يخرجها من عموم النهي.
كركعتي الطواف فإنها لسبب خاص هو الطواف، وكتحية المسجد في وقت النهي، ونحو ذلك. والخاص هو ما ورد في خصوص البيت الحرام كحديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن رحمهم الله تعالى. واستدل المكرهون بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي والله أعلم.(٢) أي لما رواه مجاهد عن أبي ذر ﵄ مرفوعاً (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة).стр. 389
مَكَّةَ. وَاخْتَلَفَ العلماءُ في الصَّلاةِ وَالطَّوَافِ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ ابنُ عَبّاسِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ وَعَطَاءٌ وَمُجاهدٌ: الصَّلاةُ لأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ.
وَأَمَّا الغُرَبَاءُ فَالطَّوَافُ لَهُمْ أَفْضَلُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: الطوافُ أَفْضَلُ (١) .
الثانيةُ: لاَ يَرْمُلُ وَلاَ يَضْطَبعُ في الطَّوافِ خَارِجَ الْحَجّ بِلاَ خِلافٍ كَمَا سَبق بَيَانهُ.
الثالثةُ: لاَ يقَبِّلُ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ (٢) وَلاَ يَسْتَلِمُهُ فَإنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحواشي
(١) أي لأن الله قَدم ذكر الطواف على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(١٢٥) ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(٢٦) ﴾ [الحج: ٢٦].(٢) مقام إبراهيم الخليل على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلينا معهم آمين ... هو الحجر الذي به أثر قدميه وهو موجود بداخل الموضع الزجاجي الواقع أمام الكعبة المشرفة الذي أُسس في عهد الحكومة السعودية سنة ١٣٧٤ هـ بعد هدم الموضع الأول البنائي الذي كان لا يرى فيه المقام إلا الخاص، وأما الآن بعد وضعه في الموضع الزجاجي فأصبح يراه العام والخاص. وقول المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يقبل مقام إبراهيم إلخ) قال في الحاشية ﵀ ولا يعارض ما ورد في فضله من كونه هو والحجر الأسود: (ياقوتتين من يواقيت الجنة ولولا أن طمس نورهما) وفي رواية: (لولا ما مسهما من خطايا بني آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسهما من ذي عاهة ولا سقم إلا شفي) وغير ذلك لأن التقبيل والاستلام عبادتان مطلوبتان في الحجر الأسود بالنص، فلا يثبتان لغيره إلا بنص كذلك لأن العلة في مشروعيتهما فيه لم تتضح حتى يأتي القياس، وعلى تسليم إيضاحهما فلم يوجد في المقام بخلاف الركن اليماني فإنه ورد فيه بعض ما ورد في الحجر فدل أن بينهما جامعاً، فصَح قياسه عليه في بعض الأحكام التي تقدمت، ووضع ابن عمر ﵄ يديه على مقعده ﷺ من المنبر ثم وضعهما على وجهه لا دليل فيه لمشروعية مثله هنا كما هو ظاهر على أنّ ذلك مذهب صحابي، وليس تقبيله أولى من قول الحنفية يستحب تقبيل باب الكعبة عند الوداع، لتوقفه على قولهم بالقياس أو الاستحباب في مثل ذلك. ونحن لا =стр. 390
ابْنِ الزبَيْرِ وَمُجَاهِد كَرَاهَتُهُ وَلاَ يَسْتَلِمُ أيْضاً الرُّكْنَيْنِ الشَّامِييْنِ (١) .
الرابعةُ: يُسْتَحَب لِمَنْ جَلَسَ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أنْ يَكُونَ وَجْهُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَيقْرُبُ مِنْهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا إِيْمَاناً وَاحْتِسَاباً فَإِنّ النَّظَرَ إِلَيْهَا عِبَادَةٌ فَقَدْ جَاءَتْ آثارٌ كَثِيرة (٢) فِي فَضْلِ النَّظَرِ إِلَيْهَا.
الخامسةُ: يُسْتَحَب دُخُولُ البَيْتِ (٣) الحواشي
(١) أي لأنهما ليسا موضوعين على قاعدتي الركنين اللتين وضعهما سيدنا إبراهيم الخليل كما تقدم في التعليق على الفصل الثاني في كيفية الطواف. فراجعه لتظهر لك الحقيقة. والله أعلم.(٢) أي وأحاديث منها كما في الحاشية عنه ﷺ : "النظر إلى البيت عبادة" أخرجه ابن الجوزي رحمه الله تعالى، وما روي عنه ﷺ كما في رسالة الحسن البصري رحمه الله تعالى (مَنْ نظر إلى البيت إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحُشِرَ يوم القيامة من الآمنين) وخَرج الأزرقي عن ابن المسيب (مَنْ نَظَرَ إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه) وابن الجوزي عن أبي السائب والجندي عن ابن المسيب (مَنْ نظر إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر).(٣) أي الكعبة المشرفة لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم. فلما فتحوا كنت أول من وَلَجَ، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله؟ =стр. 391
حَافِياً (١) وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ (٢) وَالأَفْضَلُ أَنْ يقْصِدَ مُصَلَّى رَسُولِ الله ﷺ فإذَا دَخَلَ الْبَيْتَ مَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيباً مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُع فَيُصَلي، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الحواشي
(١) ألحق الإمام مالك رحمه الله تعالى به قَبْره ﷺ .(٢) قال في المجموع: وأقل ما ينبغي أن يصلي فيه ركعتان. اهـ. دليل الصلاة في الكعبة قول ابن عمر ﵄ في حديثه السابق (فلقيت بلالاً فسألته هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين).
فإنْ قيل: صَح عن أسامة بن زيد؟ ﵄ أنه ﷺ : (لم يصل في الكعبة) وهو أحد الداخلين معه ﷺ ، أجيب: كما في المجموع: الأخذ برواية بلال في إثبات الصلاة أولى لأنه مثبت فقدم على النافي، ولأنه شاهد بعينه ما لم يشاهده أسامة، وسببه أن بلالاً كان قريباً من النبي ﷺ حين صلى، راقبه في ذلك فرآه يصلي، وكان أسامة متباعداً مشتغلاً بالدعاء، والباب مغلق فلم يرَ الصلاة. فوجب الأخذ برواية بلال لأن معه زيادة علم. اهـ.
قال في المجموع: فيجوز عندنا أن يصلي في الكعبة الفرض والنفل، وبه قال أبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء، وقال محمد بن جرير: لا يجوز الفرض ولا النفل. وبه قال أصبغ بن الفرج المالكي، وحكى عن ابن عباس. وقال مالك وأحمد: يجوز النفل المطلق دون الفرض والوتر. اهـ.стр. 392
الْبُخَارِي (١) . وَيَدْعُو في جَوَانبِهِ (٢) وَهَذَا (٣) بِحَيْثُ لاَ يُؤذِي أَحَداً وَلاَ يَتَأَذَّى هُوَ، فَإِنْ آذى أوْ تأذَّى لَمْ يَدْخُلْ وَهذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَيَتَزَاحَمُونَ زَحْمَةً شَدِيدَةً بِحَيْثُ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَرُبما انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ بَعْضِهِمْ أوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَرُبمَا زَاحَمَ الْمَرَأةَ وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ والْيَدِ وَهَذَا كُلهُ خَطَأٌ يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النَّاس وَيَغْتَرُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي لِعَاقِل أَنْ يَرْتكبَ الأَذَى الْمُحَرَّمَ لِيَحصلَ أَمْراً لَوْ سَلِمَ مِنَ الأَذَى لِكَانَ سُنَّة، وَأَمَّا مَعَ الأَذَى فَلَيْسَ بسُنَّةٍ بَلْ حَرَامٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ.
السَّادِسَةُ: إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ فَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الدُّعَاءَ والتَّضَرُّعَ إِلى الله بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ. وَلْيُكْثِرْ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُهِمَّةِ وَلاَ يَشْتَغِلُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يُلْهِيهِ بَلْ يَلْزَمِ الأَدَبَ، وَلْيَعْلَمْ أَنهُ في أَفْضَلِ الأَرْضِ. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عائشةَ ﵂ قَالَتْ: عَجباً للمرء المسلمِ إذا دَخَلَ الكعبةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَل السَّقْف؟! لِيَدَعْ ذَلِكَ إِجْلاَلاً لله تَعَالَى وَإِعْظَاماً، دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ الكعبةَ مَا خَلَفَ بَصرُهُ مَوضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْها (٤) . الحواشي
(١) قال في الحاشية: ظاهر رواية الشيخين رحمهما الله تعالى أنه ﷺ صلى مستقبلاً الجدار المقابل للباب، وهو الظاهر وإن تشكك فيه بعضهم وكان يصلي في ذلك المحل إلى الجهات الأربع. اهـ.
أقول: قد حدد المحشي مصلاه ﷺ باعتبار ما عليه داخل الكعبة الآن فقال: يجعل (يعني المصلي) ظهره للباب ويجعل بينه وبين الجدار المقابل له نحو ثلاثة أذرع. اهـ.
وهو موافق لقول المصنف: فإذا دخل البيت مشى إلخ ...(٢) أي يأتي نواحي البيت أي الكعبة من داخلها فيكثر من الدعوات مع الخشوع على ما سيذكره المصنف في السادسة.(٣) أي ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من استحباب دخول البيت.(٤) رواه ابن المنذر والحاكم وصححه كما في الحاشية.стр. 393
السابعةُ: لِيحذرْ كُل الحذرِ مِنَ الاغترارِ بِمَا أحدثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الضلالَةِ في الكعبة المكرمة. قَالَ شيخُنَا الإِمَامُ أبُو عمرو بنُ الصَّلاحِ رحمهُ الله تعالَى: ابتدع مِنْ قَريبٍ بَعْضُ الْفَجَرَةِ الْمُحْتَالِينَ في الْكَعبة الْمُكَرَّمَة أمْرَيْنِ بَاطِلَيْن (١) عَظُمَ ضَرَرُهُمَا عَلَى العَامَّةِ، أَحَدُهمَا مَا يَذْكُرونَهُ مِنَ العُرْوَةِ الوُثْقَى عَمَدُوا إِلَى مَوْضِع عَالٍ مِن جِدَارِ الْبَيْتِ الْمُقَابِلِ لبابِ الْبَيْتِ فَسَمُّوهُ الْعُرْوَةَ الوُثْقَى وَأَوْقَعُوا في نُفوسِ الْعَامَّةِ أَن مَنْ نَالَهُ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى فَأَحْوَجُوهُمْ إِلَى أَنْ يُقاسُوا فِي الوُصُولِ إِلَيْهَا شِدة وَعَنَاءً وَيَرْكَبَ بَعْضُهُمْ ظَهْرَ بَعْضٍ، وَرُبمَا صَعَدَتْ الْمَرْأة عَلَى ظَهْرِ الرَّجُل وَلاَمَسَتْ الرّجَالَ وَلاَمَسُوهَا فيَلْحَقُهُمْ بِذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنَ الضرَرِ دِيناً وَدُنْيَا.
الثاني: مِسْمَارٌ في وَسَطِ الْبَيْتِ سَمَّوْهُ سُرَةَ الدُّنْيَا وَحَمَلُوا الْعَامَّةَ عَلَى أَنْ يَكْشِفَ أَحَدهمْ سُرَّتَهُ وَيَنْبَطِحَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ الْمِسْمَارِ لِيَكُونَ وَاضِعاً سُرَّتَهُ عَلَى سُرَّةِ الدُّنْيَا قاتَلَ الله وَاضِعَ ذَلِكَ وَمُخْتَرِعَهُ وَالله الْمُسْتَعَانُ.
الثامنةُ: يُسْتَحَبُّ صَلاَةُ النَّافلة فِي الْبَيْتِ (٢) ، وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَإِن كَانَ يَرْجُو الحواشي
(١) قال المحشي: ما ذكره المصنف من الأمرين الباطلين قد أزيلا من الكعبة ولله الحمد. اهـ.
أقول: زماننا آخر القرن الرابع عشر لم يكن لهما وجود فقد ذهبا حيث لا رجعة نسأله تعالى إماتة الباع وإحياء السنن آمين.(٢) أي الكعبة فنفل الصلاة فيها أفضل من النفل خارجها في المسجد والحرم لا البيوت للحديث المتفق على صحته (أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ودليل استحباب الصلاة في الكعبة ونفلها فيها أفضل منه خارجها في المسجد الحرام قوله ﷺ في الأحاديث السابقة: "وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" أقول والكعبة أفضل جزء في المسجد الحرام.стр. 394
جَمَاعَةً كَثِيرَةً فَهِيَ خارِجُ البَيْتِ أَفْضَلُ (١) ، وإِنْ كَانَ لاَ يَرْجُوهَا (٢) فَدَاخِلُ البَيْتِ أفضَلُ، وَإِذَا صَلى في الْبَيتِ (٣) اسْتَقْبَلَ بَعْضَ جُدْرَانِهِ، فَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْبَابَ وَهُوَ مَرْدُودٌ كَفَى وَلَوْ اسْتَقْبَلَهُ وَهُوَ مَفْتُوح فَإِنْ كَانَتْ عَتَبةُ الْبَابِ مُرْتَفِعَةَ عَنِ الأَرْضِ بِنَحْوِ ثُلُثَيْ ذرَاعِ صَحَّتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ أقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحّ صَلاَتُهُ، وَلَو صَلوا جَمَاعَةَ في الْكَعْبةِ جَازَ وَلَهُمْ في مَوْقِفِهِمْ خَمْسَةُ أَحْوَال: (أحَدُهَا) أن يكُونَ وَجْهُ الْمَأمُومِ إلى وَجْهَ الإِْمَام و (الثَّاني) أَنْ يَكُونَ ظَهْرُهُ إِلَى ظَهْرِهِ (الثالِثُ) أَنْ يَكُونَ وَجْهُ المأمُومِ إِلَى ظهْرِ الإِْمَامِ (الرَّابعُ) أَنْ يَكُونَ بِجنبه سَواءً (الخامسُ) أنْ يَكُونَ ظهرُ المأمُومِ إِلَى وَجْهِ الإِْمَامِ فَتَصِحُّ الصَّلاَةُ فِي الأحْوَالِ الأَرْبَعَةِ الأُوَلِ وَلاَ تَصِحُّ في الخَامِسَةِ عَلَى الأَصَح.
التاسعةُ: يُسْتَحَبّ الإِكْثَارُ مِنْ دُخُولِ الْحِجْرِ (٤) فَإِنّهُ مِنَ الْبَيْتِ وَدُخُولُهُ سَهْلٌ وَقَدْ سَبقَ أن الدعاءَ فِيهِ تَحْتَ الميزاب مُستجابٌ. الحواشي
(١) أي لأن الجماعة فَضِيلَة تتعلق بنفس الصلاة والكعبة فضيلة تتعلق بموضعها والقاعدة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى أن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكان العبادة.(٢) أو أمكن الجماعة الحاضرين الصلاة في الكعبة. (فإن قيل): كيف جزمتم بأن الصلاة في الكعبة أفضل من خارجها مع أنه مختلف بين العلماء في صحتها، والخروج من الخلاف مستحب.
(أجيب): كما في المجموع بأنه يستحب الخروج من خلاف محترم، وهو الخلاف في مسألة اجتهادية، أما إذا كان الخلاف مخالفاً سنة صحيحة كما في هذه المسألة فلا حرمة له ولا يستحب الخروج منه لأن صاحبه لم تبلغه هذه السنة، وإن بلغته وخالفها فهو محجوج بها والله أعلم.(٣) أي الكعبة المشرفة.(٤) الحِجْر: بكسر الحاء: يطلق على الفرس، وعلى العقل وعلى حجر ثمود، وعلى المنع، وعلى الكذب وعلى حِجْر الثوب، وعلى حِجْر إسماعيل على نبينا وعليه =стр. 395
العاشرة: يُستحبُ لَهُ أنْ يَنْوِيَ الاعتكافَ كُلَّمَا دَخَلَ المسجدَ الحرام، فإِنَّ الاعتكافَ مُسْتَحبٌّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَسْجِداً مِنَ الْمَسَاجِدِ فَكَيْفَ الظن بالمسجد الحرامِ، فَتقْصُد بِقلبِهِ حِينَ يصيرُ في المسجدِ أَنهُ مُعْتكِفٌ لله تعالى سَوَاء كانَ صائماً أو لم يكنْ فَإِنَّ الصومَ لَيْسَ بِشَرْطٍ في الاعتكافِ عِنْدَنَا (١) ثمَّ يَسْتمر لَهُ الاْعتكَافُ مَا دَامَ في المسجِدِ فإِذَا خَرَجَ زَالَ اعتكَافه (٢) فإِذا دَخَلَ مَرَّةً أُخْرَى نوَى الاعتكافَ وَهَكَذَا كُلَّمَا دَخَل، وَهَذَا مِنَ المُهماتِ الَّتي تُسْتَحَبّ المحافظةُ عَلَيْهَا والاعتناءُ بِهَا.
الحاديةَ عشرةَ: يُسْتَحَب الشُّرْبُ مِن مَاءِ زَمْزَم (٣) وَالإِكْثَارُ مِنْه. الحواشي
(١) أي لقوله ﷺ : "ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه" رواه البيهقي والحاكم عن ابن عباس ﵄، ولاعتكافه ﷺ في عشر شوال الأول كما في الصحيحين، ومن جملته اليوم الأول وهو لا يصح صومه لأنه يوم عيد الفطر، ولقول عمر ﵁ يا رسول الله إني نذرت اعتكاف ليلة في الجاهلية: فقال: "أوف بنذرك" كما في الصحيحين أيضاً. والليل ليس محلاً للصوم، وحمل الشافعية حديث: "لا اعتكاف إلا بصيام" وحديث: "اعتكف وصم" على الندب.(٢) قال في الحاشية: أي إن لم يكن عازماً على العود في حال خروجه ولم ينوِ مدة معينة، وخرج لنحو قضاء حاجة وإلا لم يحتج لنيته عند الدخول على تفصيل ذكروه في بابه. اهـ مختصراً.(٣) قال المصنف في كتابه تهذيب الأسماء واللغات: زمزم زادها الله شرفاً بزاءين =стр. 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وفتحهما وإسكان الميم بينهما، وهي بئر في المسجد الحرام - زاده الله تعالى شرفاً بينها وبين الكعبة زادها الله تعالى شرفاً ثمان وثلاثون ذراعاً. قيل سميت زمزم لكثرة مائها.
يقال ماء زمزم وزمزوم وزمزام إذا كان كثيراً، وقيل: لضم هاجر ﵍ لمائها حين انفجرت، وزمّها إياها، وقيل لزمزمة جبريل وكلامه، وقيل غير مشتق. ولها أسماء أخر ذكرها الأزرقي وغيره رحمه الله تعالى: هزمة جبريل، والهزمة الغمرة بالعقب في الأرض وبَرَّة، وشباعة، والمضنونة. ويقال لها طعام طعم وشفاء سقمٍ وشراب الأبرار، قال الأزرقي: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعاً كل ذلك بنيان. وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعاً، وذرع تدوير فم زمزم أحد عشر ذراعاً. وسعة فم زمزم ثلاثة أذرع وثلثا ذراع. وأول من عمل الرخام على زمزم وعلى الشباك وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته رحمه الله تعالى. اهـ مختصراً.
سبب ظهور زمزم: روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحدٌ، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟. قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم حتى بلغ: يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال (يتلبط) فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها. فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : "فذلك سَعْي الناس بينهما". =стр. 397
ثبت في صحيحِ مسلم عَنْ أَبي ذرٍّ ﵁ أَنّ النّبي ﷺ قال في ماءِ زمزمَ: "إنّها مُبَارَكَة وَإِنَّهَا طَعَامُ طُعْم وشِفَاءُ سُقْم". وَرَوَيْنا عَنْ جَابِر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَه" (١) . الحواشي
(١) قال في الحاشية: قد كثر كلام المحدثين في هذا الحديث والذي استقر عليه أمر محققيهم أنه حديث حسن أو صحيح، وقول الذهبي إنه باطل، وابن الجوزي (أنه موضوع) مردود، فقد روى ابن الجوزي نفسه عن سفيان أنه سئل عنه فقال: صحيح. وقد شربه جماعة من العلماء لمطالب فنالوها. اهـ. أقول: قد أفرد هذا الحديث بتأليف =стр. 398
وَقَدْ شَرِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ مَاءَ زَمْزَمَ لِمَطَالِبٍ لَهمْ جَلِيلَةٍ فَنَالُوهَا، فيستحب لِمَنْ أرادَ الشُّرْبَ للْمَغْفِرَةِ أَوْ الشفَاءِ مِنْ مَرَض وَنَحْوِهِ أَنْ يَسْتَقْبِل القِبْلَةَ ثُمَّ يَذْكُرَ اسْمَ الله تَعَالَى ثُمَّ تقُولُ: اللَّهُمّ إنّهُ بَلَغني أَنّ رَسُولَكَ ﷺ قَالَ: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ اللَّهُمَّ وإنّي أشْرَبهُ لِتَغْفِرَ لي، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لي، أَوْ اللَّهُمَّ إِنّي أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِياً بِهِ مِنْ مرضِي اللَّهُمَّ فَاشْفِني" وَنَحْو هذَا. وَيُسْتَحَب أَنْ يَتَنَفسَ ثَلاَثَاً وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ أي يَمْتَلىء فَإِذَا فرَغَ حَمِدَ الله تَعَالَى (١) . الحواشي
(١) لما رواه ابن ماجه ﵀ عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: كنت جالساً عند ابن عباس ﵁ فجاءه رجل فقال: من أين جئت؟ قال: من =стр. 399
الثانيةَ عشرة: يُسْتَحَب لِمَنْ دخلَ مكَّةَ حاجاً أو مُعْتَمِراً أن يختمَ القُرْآنَ فيهَا قَبْلَ رُجُوعِهِ.
الثالثةَ عشرة: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في المجاورةِ بمكةَ فقالَ أبو حنيفةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: تكْرَهُ المجاوَرَةُ، وقال أحمدُ بنُ حَنْبَل وآخَرُونَ (١) لا تكْرَهُ بَلْ تُسْتَحَبُّ، وإِنَّمَا كَرِهَهَا مِن كَرِهَهَا لأُمُورِ منها خوفُ المَلَلِ وَقِلَّةُ الحرمةِ للإنسِ وخوفُ ملابسةِ الذنوبِ (٢) ، فإِن الذنبَ فيها أقبح منهُ في غيرِها، كما أنّ الحَسَنَةَ فيها الحواشي
(١) وهم أكثر العلماء منهم الشافعي وصاحبا أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.(٢) أي لقول عمر بن الخطاب ﵁ الآتي. (لخطيئة أُصِيبُها بمكة أعز على من سبعين خطيئة بغيرها) بل قال مجاهد وجماعة من العلماء رحمهم الله تعالى كما سيذكره المصنف في الخامسة والثلاثين (إن السيئة تضاعف بها كما تضاعف الحسنة) وسئل أحمد رحمه الله تعالى هل تكتب السيئة أكثر من واحدة، فقال: (لا، إلا بمكة لتعظيم البلد). وظاهر كلام مجاهد أن السيئة تبلغ في التضعيف مبلغ الحسنة، وهو مائة ألف، ويؤيده قول ابن عباس ﵄: (ما لي وبلد تتضاعف فيه السيئات كما تتضاعف الحسنات) قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر في مفيد الأنام: قال في الإِقناع: وتعظيم السيئات به. قال منصور في شرحه: ظاهر كلامه أن المضاعفة في الكيفية لا الكم، وهو كلام الشيخ تقي الدين. وظاهر كلامه في المنتهى تبعاً للقاضي وغيره أن =стр. 400
أعظمُ منها في غيرها. وأمّا من استحبَّها فلِما يحصلُ فيها من الطَّاعَاتِ الَّتي لا تَحْصُلُ بغِيرِها مِنَ الطَّوَافِ وَتَضْعِيفِ الصَّلَوَاتِ والْحَسَنَاتِ وغيرِ ذلكَ.
والمختارُ أن المُجَاوَرَةَ بِهَا مُسْتَحَبةٌ إِلا أَن يَغْلِبَ على ظَنِّه الوُقُوعُ في الأُمُورِ الْمَحْذُورَةِ وغَيْرِهَا، وقد جَاوَرَ فيها خَلاَئِقُ لا يُحْصَوْن (١) من سَلَفِ الأُمَّةِ وَخَلَفِهَا مِمَّنْ يقتَدى بِهِم، وَيَنْبَغِي للمُجَاوِرِ بِهَا أَن يُذَكِّرَ نَفْسَهُ بِمَا جَاءَ عن عُمَرَ بن الخطَابِ ﵁ أَنهُ قَالَ: لَخطيئَة أُصِيبُهَا بِمَكَّة أَعَز عَلَيّ (٢) مِنْ سَبْعِينَ خطيئَة بِغَيْرِهَا (٣) . الحواشي
(١٦٠) ﴾ ومراد ابن عباس مضاعفة السيئات بالكيف لا بالكم كما قرره شيخ الإسلام والله أعلم.(١) عَد الطبري ﵀ كما في الحاشية من الصحابة رضوان الله عليهم الذين جاوروا بمكة أربعة وخمسين، ومن الذين ماتوا بها ستة عشر، قال: وجاور بها من كبراء التابعين جَمٌ غفير والله أعلم.(٢) أي وأشد وأصعب. وقوله من سبعين ذكرها مريداً بها التكثير لا خصوص هذا العدد لأنه يكنى بها عند العرب عن الكثرة كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾.(٣) وفي مفيد الأنام: (الخطيئة أصيبها بمكة أعز عليّ من سبعين خطيئة بركبه) قال: وركبة هي الصحراء الواسعة المعروفة بطريق نجد. وروى الأزرقي بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: يا أهل مكة لا تحتكروا الطعام بمكة فإن احتكار الطعام بمكة للبيع إلحاد، وبسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ ليس أحد من خلق الله تعالى يَهُمُّ بسيئة فيؤخذ بها، ولا تكتب عليه حتى يعملها غير شيء واحد. قال ففزعنا لذلك، فقلنا: ما هو يا أبا عبد الرحمن. قال عبد الله مَنْ هََم أو حَدثَ نفسه بأن يلحد بالبيت أذاقه الله من عذاب أليم ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(٢٥) ﴾ [الحج: ٢٥]. =стр. 401
الرابعةَ عشرة: يُسْتَحب زيَارَةُ المَوَاضِعِ المَشْهُورة بالفَضْلِ في مكة والحَرَمِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا ثمانيةَ عشرَ مَوْضِعَاً منها البيتُ الذي وُلِدَ فيه رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ اليومَ مسجد (١) في زُقَاق يقالُ لَهُ زُقَاقُ المولدِ.
وذكَرَ الأزْرَقِيُّ أَنَّهُ لا خِلاَفَ فيه، ومنها بَيْتُ خَديجةَ ﵂ الذي كَانَ يَسْكُنُهُ رسُولُ الله ﷺ وَخَدِيجَةُ ﵂ وفيهِ وَلَدَتْ أَولادَهَا من رسول الله ﷺ وفيه تُوفِّيَتْ خَدِيجةُ رضوان الله عَلَيْهَا ولم يزَلْ رَسُولُ الله ﷺ مُقيماً بِهِ حتى هاجرَ قالَهُ الأَزْرَقِي، قَالَ ثُمَّ اشْتَراهُ مُعَاوِيةُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ من عَقِيلِ بْنِ أبِي طَالِب فَجَعَلَهُ مَسْجِداً (٢) وَمِنْهَا مَسْجِدٌ في دَارٍ الأَرْقَمِ وهي التي يقالُ لها دارُ الْخَيْزَرَانِ (٣) كان النبي ﷺ مُسْتَتِراً فِيهِ في أْولِ الإِْسْلاَمِ، قال الحواشي
(١) هذا بحسب زمان المصنف، وأما الآن فهو مكتبة مكة المكرمة وهو على الشارع العام بمحلة سوق الليل فيها كتب قيمة يرتادها طلبة العلم، قام ببنائها بعد هدم المسجد الشيخ عباس يوسف قطان رحمهما الله تعالى، وجمعت فيها مكتبة الشيخ ماجد كردي، ومكتبة العلامة المتفنن شيخنا وشيخ مشايخنا على حسين المالكي، ومكتبة الشيخ محفوظ الترمسي الجاوي ومكاتب غيرهم من العلماء رحم الله الجميع ورحمنا معهم آمين.(٢) أما الآن فهو مدرسة لحفاظ القرآن الكريم بناها وشَيدها بعد هدم المسجد الشيخ عباس يوسف قطان المتوفى بمكة في ١٦/ ٧/ ١٣٧٠ هـ الذي كان في عصر الملك عبد العزيز آل سعود أميناً للعاصمة رحمهما الله تعالى وهي بزقاق الحجر الذي سلَّم على النبي ﷺ وهو الآن يسمى شارع الصوغ أمام باب السلام بمكة المكرمة.(٣) الخيزران هذه هي سرية الرشيد وهي أمّ هارون الرشيد ونسبت الدار إليها =стр. 402
الأَزْرَقِي: هُوَ عِنْدَ الصَّفَا قَالَ وَفِيهِ أَسْلَمَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ ومنها الغَارُ الذي بِجَبَل حرَاء كان النبيُّ ﷺ يَتَعَبدُ فِيهِ، والغارِ الذي بجَبل ثَورٍ وهو المذكورُ في القرآن قال الله : ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.
الخامسةَ عشرةَ: مَنْ فَرَغَ مِنْ مَناسِكِهِ وأرادَ المُقَامَ بِمَكّةَ فليسَ عَلَيْهِ طوافُ وداع، وإنْ أرادَ الخروجَ طافَ للوداع وَلاَ رَمَلَ فِيهِ ولاَ اضْطِبَاعَ كَمَا سَبقَ، وَهَذَا الطَّوافُ وَاجِب عَلَى أصَحّ الْقَوْلَيْنِ (١) وَيَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَالقولُ الثاني أنه مُستحبُّ يستحب بتركه دَم وَلَوْ أرادَ الحاجّ الرجوعَ إلى بلده مِنْ مِنى لَزِمهُ دخولُ مكّةَ لِطوافِ الوداعِ (٢) وَلاَ يَجِبُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَلَى الحَائِضِ الحواشي
(١) قال المصنف ﵀ في مجموعه: الأصح في مذهبنا أن طواف الوداع واجب يجب بتركه دم، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال مالك: هو سُنة لا شيء في تركه. دليل مَنْ أوجبه حديث مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده البيت".(٢) أي بعد نفره، وإن كان قد طاف قبل عوده من مكة إلى منى. ولو أخَّر الإِفاضة لنفره من منى ففعله وأراد السفر عقبه والإكتفاء عن الوداع لم يكف، وهو إحدى الروايتين عن أحمد كما في المغني لأنهما عبادتان واجبتان فلم تُجْزِ إحداهما عن الأخرى، ولا تدرج كالصلاتين الواجبتين. والرواية الثانية: يجزئه عن طواف الوداع لأنه أمِرَ أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فعل. ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأه عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزىء عنهما المكتوبة. اهـ. ولا يجب طواف الوداع إلا على مَنْ فارق مكة غير محرم مريداً السفر إلى مسافة القصر مطلقاً أو دونها إن خرج لمنزل أو محل يقيم به ولو أربعة أيام صحاح مكياً أو آفاقياً حلالاً أو حاجاً أو معتمراً قد فرغت مناسك كل ورميه لعموم حديث "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" ولأنه خارج من مكة فلزمه التوديع كالبعيد. هذا ما عليه الشافعية. وأما عند غيرهم فكما جاء في المغني لابن قدامة الحنبلي ﵀. ومن كان منزله في الحرم فهو كالمكي لا وداع =стр. 403
والنُّفَسَاءِ وَلاَ دَمَ عَلَيْهِمَا لتَرْكِهِ لأَنّها لَيْسَتْ مُخَاطَبة به (١) ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ الحواشي
(١) أي لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض) وألحقوا بالحائض النفساء والمستحاضة المسافرة في نوبة حيضها وإلا وجب إن أمنت التلويث، ومَنْ به سلس بول، ونحوه، ولا يكلف الحشو والعصب، ومن به جرح سائل لا يمكنه معه دخول المسجد، والمكره والخائف من ظالم أو فوت رفقة أو غريم، وهو معسر على ما قاله الطبري فهذه الأعذار تُسقط الدم والإثم، وقد يُسْقِط العذرُ الإِثْمَ لا الدم فيما إذا لزمه وخرج عامداً عالماً عازماً على العود قبل وصوله لما يستقر به وجوب الدم ثم تعذر، العود وترك طواف الوداع بلا عذر ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: لا دم ولا إثم وذلك في ترك المسنون منه وفيمن عليه شيء من أركان النسك، وفيمن خرج من عمران مكة ثم طرأ له السفر.
ثانيها: عليه الإثم ولا دم وذلك فيما إذا تركه عامداً عالماً، وقد لزمه بغير عزم على العود، ثم عاد قبل وصوله لما يستقر عليه الدم. فالعود مسقط للدم لا للإثم.
ثالثها: ما يلزم بتركه الإِثم والدم وذلك في غير ما ذكر من الصور، فعلم أن طواف الوداع لا يسقط بالجهل والنسيان.
(تنبيهان) الأول: يجب طواف الوداع على المتحيرة فلا دم لتركه، إذا لم يتبين أنها تركته في مردّها المحكوم بأنه طهر ولها أنْ تطوف إنْ أمِنَت التلويث لعدم تحقق الحيض.
الثاني: إنْ زال العذر بأنْ طهرت نحو الحائض أو شَفى ذرّ الجرح قبل أن يصل المحرم لمكان يجوز فيه قصر الصلاة من مكة وجب الطواف بخلاف خارج بنيان مكة، ولو في الحرم لكن لو رجعت الحائض بعد طهرها لوجب الطواف.стр. 404
تَقِفَ عَلَى بَابِ المَسْجدِ الْحَرَامِ وَتَدْعُو بما سَنَذكُرُهُ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْودَاعِ فَخَرَجَ بِلاَ ودَاعٍ عَصَى وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِلطَّوَافِ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَسَافَة الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ فَإِذَا بَلَغَهَا (١) لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْعَوْدُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَتَى لَمْ يَعُدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ (٢) ، وَمَنْ عَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ (٣) ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ (٤) ، وَلَوْ طَهُرَتْ النُّفَسَاءُ والْحَائِضُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ بِنَاءِ مَكَّةَ لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ لِزَوَالِ عُذْرها، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبِنَاءِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَوْدُ.
السادسة عشرة: يَنْبَغِي أنْ يقَعَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بَعْدَ الْفَرَاغ مِنْ جَمِيعِ أشْغَالِهِ وَيَعْقُبُه الخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ مُكْث، فَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أوْ لِشُغْلٍ غَيْرِ أسْبَابِ الْخُرُوجِ كَشِرَاء مَتَاعٍ أَوْ قَضَاء دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ صَدِيقٍ أوْ عِيَادَةِ مَرِيض وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إعادَةُ الطَّوَافِ، وإنْ اشْتَغَلَ بِأسْبَابِ الخُرُوجِ كَشِراء الزَّادِ بِلاَ مُكْث (٥) الحواشي
(١) أي مسافة القصر أو بلوغ منزله أو محل إقامته، ولو كانا دون مسافة القصر كما تقدم قريباً.(٢) أي يجب بترك طواف الوداع أو بترك بعضه، ولو خطوة عمداً أو سهواً دم ترتيب وتقدير فإنْ عجز عن الدم صام عشرة أيام يصومها بعد قطع مسافة القصر أو بعد بلوغ المنزل أو محل إقامته.(٣) أي بالعود لا الإثم.(٤) أي ولا الإِثم.
(تنبيه): يلزم الأجير فعل طواف الوداع ويحط عند تركه من الأجرة ما يقابله لأنه وإنْ لم يكن من المناسك فهو من توابعها المقصودة، ومن ثََم لم يندرج في غيره كما تقدم قريباً، وقال العلامة الرملي لا يلزم الأَجير فعله والله أعلم.(٥) أي قبل شرائه أو بعده قال في الحاشية: أما لو احتاج إلى زاد واحتاج في شرائه لمكث أو تعريج عن طريقه فلا يضر وإنْ طال على الأوجه ومن الحاجة فيما يظهر رخص سعره وجودته ونحوهما فالتقييد بما إذا كان يشتري الزاد في طريقه ضعيف أو محمود على ما إذا خرج إليه بلا غرض. اهـ.стр. 405
وشَد الرَّحْل (١) وَنَحْوِهِمَا لَمْ يُعِدْ الطَّوَافَ وَكَنَا لَوْ أُقيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلاَّهَا مَعَهُم لَمْ يُعِد الطَّوَافَ (٢) .
السابعةَ عشرة: اخْتَلَفَ أصْحَابُنَا في أنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاسِكِ الحَجّ (٣) أمْ عِبَادَة مُسْتَقِلَّة؟ فَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الْحَاجّ طَوَافُ الْوَداع إِذا خَرَجَ مِنْ مَكّةَ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَأبُو سَعيد المتولّي وغيرُهُمَا: لَيْسَ هُوَ مِنَ المَنَاسِكِ (٤) بَلْ يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مَكّة إِلى مَسَافَةِ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ (٥) سَوَاء كَانَ مَكّياً أوْ غَيْرَ مَكّي.
قَالَ الإِمَامُ أَبُو القاسِمِ الرَّافِعِيّ: هَذَا الثانِي هُوَ الأَصَحُ تَعظيماً للحرم وتشبيهاً لاقْتِضَاء خرُوجِهِ للْوَدَاعِ بِاقْتِضَاءِ دُخُوليِ للإْحْرَامِ وَلأنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الحواشي
(١) ظاهره كما في الحاشية أنه لا يضر الاشتغال به، وإنْ طال مكثه كما لو كثرت أحماله وطال مكثه لأجل شدها، قال المحشي وهو ظاهر للحاجة فقول الأذرعي لو كان له أثقال كثيرة واحتاج في شدّها لنصف يوم ضَرّ واحتاج لوداع ثانٍ فيه نظر إلا أنْ يُحْمَلَ على ما إذا كان يسهلُ عليه الطواف بعد شدها، ولا ضرورة إلى تقديمه عليه مع فحش زمنه. اهـ.(٢) قال المصنف في مجموعه وافقنا مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة: إذا طاف المودّع بعد أن دخل وقت النفر لم تضره الإقامة بعده ولو بلغت شهراً أو أكثر وطوافه ماضٍ على صحته. دليلنا الحديث السابق فليكن آخر عهده بالبيت. اهـ.(٣) تعبير المصنف ﵀ بالحج يشمل العمرة تجوّزاً إذ هي مثله فيما ذكره.(٤) قال في مفيد الأنام: قال شيخ الإسلام (يعني الإمام ابن تيمية رحم الله الجميع): وطواف الوداع ليس من الحج وإنما هو لكل مَنْ أراد الخروج من مكة. انتهى.(٥) قال في الحاشية: أفهم قوله إلى مسافة تقصر فيها الصلاة أنه لا يجب على مَنْ فارق لدونها لكن صرَح في المجموع بوجوبه على مَنْ فارق مكة ولدونها وهو محمول كما قاله السبكي وغيره على مَنْ أراد الخروج لمنزله أو محل يقيم فيه أي المستوطن. اهـ مختصراً.стр. 406
مَنْ حَج وَأَرَادَ الإِْقَامَة بِمَكَّةَ لاَ وَدَلَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مِنَ المَنَاسِكِ لَعَمَّ الْجَمِيعَ، قُلْتُ: وَمِمَّا يُسْتَدل بِهِ مِنَ السُّنَّةِ لِكَوْنهِ لَيْسَ مِنَ المَنَاسِكِ مَا ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِم وَغَيْرِهِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: يقيمُ الْمُهاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاَثاً، وَجْهُ الدّلاَلَةِ أنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ يَكُونُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَسَمَّاهُ قَبْلهُ قَاضياً لِلْمَنَاسِكِ وَحَقيقَتُه أنْ يكُونَ قَضَاهَا كُلَّهَا وَالله أعْلَمُ.
الثامنةَ عشرةَ: إِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الوَدَاع صَلى رَكْعَتَي الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ ثُمَّ أَتى الْمُلْتَزَمَ (١) فالْتَزَمَهُ كَمَا سبقَ بيانُهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ والعبدُ عبدُكَ وابْنُ أَمَتِكَ حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخرْتَ لي مِنْ خَلقِكَ حَتَّى صَيرْتَنِي في بِلاَدِكَ وَبَلَّغْتَني بِنِعْمَتِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ، فَإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَني فازْدَدْ عَنّي رِضاً وإلا فَمُنَّ الآن (٢) قبلَ أنْ تَنْأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي وَيَبْعُدَ عَنْهُ الحواشي
(١) لما روى أبو داود ﵀ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أي عبد الله بن عمرو بن العاص) ﵃ قال: طفت مع عبد الله فلماء جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطاً وقال هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
قال المصنف في المجموع: الملتزم هو بضم الميم وفتح الزاي سمي بذلك لأنهم يلتزمونه للدعاء، ويقال له المدعى. والمتعوَّذ -بفتح الواو- وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وباب الكعبة، وهو من المواضع التي يستجاب الدعاء هناك. عن ابن عباس ﵄ أنه كان يلتزم ما بين الركن والباب وكان يقول: ما بين الركن والباب يدعى الملتزم، لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه رواه البيهقي موقوفاً على ابن عباس بإسناد ضعيف والله أعلم.
وقد سبق مرات أن العلماء متفقون على التسامح في الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال ونحوها مما ليس من الأحكام والله أعلم. اهـ.(٢) يجوز في (فَمُنَّ) ثلاثة أوجه كما في المجموع (أجودها) ضم الميم وتشديد =стр. 407
مَزَارِي، هَذَا أوَانُ (١) انْصرافي إِنْ أذِنْتَ لي (٢) غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلاَ بيتِكَ، وَلاَ رَاغب عَنْكَ وَلاَ عَنْ بيتِكَ، اللهُمّ فأصْحِبْني العافيةَ فِي بدنيِ والعصمةَ في ديني وَأحْسِنْ مُنْقَلَبي وَارْزُقني طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتني واجْمَعْ لي خَيْري الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الحواشي
(١) أي وقت، وجمع (أوان) آونة كزمان وأزمنة.(٢) أي بقضاء حاجتي. قال في الحاشية ﵀: ويصح أنْ تكون (إنْ) بمعنى (إذ) أي لإذنك لي فيه بعد فراغ نسكي، وقوله: (غير) منصوب على الحال، وقوله: العصمة: أي الحفظ، ثم هذا الدعاء لم يرد مرفوعاً، لكن روى الطبراني عن عبد الرزاق نحوه. اهـ.
وفي المغني للعلامة ابن قدامة عن طاووس قال: رأيت أعرابياً أتى الملتزم فتعلق بأستار الكعبة فقال: (بك أعوذ، وبك ألوذ، اللهم اجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحاً عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين، اللهم بفَرَجِكَ القريب، ومعروفِكَ القديم وعادتك الحسنة) قال: ثم أضلني في الناس فلقيته بعرفات قائماً، وهو يقول: اللهم إنْ كنت لم تقبل حجتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك وانصرف محروماً من وجه رغبتك. وقال آخر: يا خير موفود إليه قد ضعفت قوتي، وذهبتْ مُنتي (أي قوتي) وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها البحار. أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، رَب ارحم من شملته الخطايا، وغمرته الذنوب، وظهرت منه العيوب، ارحم أسير ضر وطريد فقر. أسألك أن تهب لي عظيم جرمي يا مستزاداً من نعمة ومستعاذاً من نقمة، ارحم صوت حزين دعاك، بزفير وشهيق، اللهم إنْ كنتُ بسطت إليك يدي داعياً فطالما كفيتني ساهياً فبنعمتك التي تظاهرت عليّ عند الغفلة لا أيأس منها عند التوبة فلا تقطع رجائي منك لما قدمتُ من اقتراف، وهب لي الصلاح في الولد، والأمن في البلد، والعافية في =стр. 408
وَيَأتي بآداب الدُّعاء التي سبقَ ذكرُها في دُعاء عرفات وَيَتَعَلَّقُ بأستار الكعبة في تضرُّعِهِ، فإِذَا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ أتى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا مُتَزَوِّداً ثُمّ عَادَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ واسْتَلَمهُ وَقَبلهُ وَمَضَى، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأة (١) حَائِضاً اسْتُحِبَّ لَهَا أنْ تأتِي بِهَذا الدُّعَاءِ عَلَى بَابِ المسجدِ وَتَمْضِي.
التاسعةَ عَشْرةَ: إذَا فَارَقَ الْبَيْتَ مُوَدّعاً فَقَدْ قَالَ أبُو عَبْدِ الله الزُّبيرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أصحابِنَا: يخرُجُ وبصرُهُ إلَى الْبَيْتِ لِيَكُونَ آخِر عهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقِيلَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ في انصِرَافِه كالمتحَزِّنِ عَلَى مُفَارَقَتِهِ، والمذهبُ الصَّحِيحُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ جماعةٌ مِنْ أصحابِنا منهم أبو عبدِ الله الحَليمي وأبو الحسنِ الماوَرْدِيُّ وآخرونَ: إنْه يخْرُجُ ويولي ظهرهُ إلى الكعبةِ ولا يَمْشِي قَهْقَرَى (٢) كَمَا يفعله كثير من الناس قَالُوا: بَلْ المشْيُ قَهْقَرى مَكْرُوهُ فإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سُنَّةٌ مَرويّةُ ولا أثَرٌ محكِيّ وَمَا لاَ أصْلَ لَهُ لا يَعْرُجُ عَلَيْهِ. الحواشي
(١) أي إنْ كانت طاهرة فَعَلَتْ ذلك ليلاً في خلوة الطواف وإلا فعليها البعد عن الرجال ومحاولة التستر بحسب الإمكان وإن كانت حائضاً فقد ذكرها بقوله: (استحب لها ... إلخ).(٢) قال الثعالبي في فقه اللغة: القهقرى مشية الراجع إلى خلف. قال الشيخ عبد الله بن جاسر في مفيد الأنام: قال مجاهد ﵀: (إذا كنت تخرج من المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة فقل: اللهم لا تجعله آخر العهد). انتهى. قال أبو عبد الله الإمام أحمد بن حنبل ﵀: كره ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإذا ولى لا يقف ولا يلتفت ولا يمشي القهقرى. اهـ.стр. 409
وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابنِ عَبَّاس وَمُجَاهِد ﵃ كراهيةُ قِيَامِ الرّجلِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ناظِراً إِلَى الْكَعْبَةِ إِذَا أرَادَ الانصرافَ إِلَى وَطَنِهِ بَلْ يَكونُ آخرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ والله أعلمُ.
العشرون: لاَ يَجُوزُ أنْ يَأخُذَ شيئاً مِن تُرابِ الْحَرَمِ وأحْجارِهِ مَعَهُ إلى بِلاَدهٍ وَلاَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحِل (١) ، وَسَوَاءٌ في ذَلِكَ تُرَاب نَفْسِ مكّةَ وتُرابُ ما حَوَالَيْهَا من جَمِيعِ الْحَرَمِ وأَحْجَارِهِ إِلَى الْحَرَمِ (٢) ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ مَاءِ زَمْزَمَ (٣) وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ مِيَاه الْحَرَمِ وَنَقْلِهِ إِلَى جَمِيعِ البُلْدَانِ لأَنَّ الْمَاءَ يُسْتَخْلَفُ بِخِلاَفِ التُّرَاب وَالْحَجَرِ، وَيَحْرُمُ إِتْلاَفُ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلاَلِ وَالْمُحْرِمِ وَتَمَلكُهُ وأَكْلُهُ (٤) وَحُكْمُهُ فِي حَقّ جَمِيعِ النَّاسِ حكمُ الصَّيْدِ فِي حَق الْمُحْرِمِ الحواشي
(١) أي لما روى الشافعي والبيهقي رحمهما الله تعالى عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما كرها أن تخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء ولأن بقعة الحرم تخالف سائر البقاع، ولها شرف على غيرها بدليل اختصاص النسكين بها ووجوب الجزاء في صيدها فلا تفوت هذه الحرمة لترابها، وبهذا علل الشافعي ﵀ هذه المسألة. قال الماوردي وغيره رحمهم الله تعالى: وإذا أخرجه فعليه رده إلى الحرم. قال المحاملي وغيره رحمهم الله تعالى: فإن أخرجه فلا ضمان. اهـ مجموع.(٢) قال المصنف ﵀ في مجموعه: اتفقوا على أن الأولى أنْ لا يدخل تراب الحل وأحجاره الحرم، لئلا يحدث لها حرمة -أي عند الجاهل يخالها أنها من الحرم- ولا يقال أنه مكروه لأنه لم يرد فيه نهي صحيح صريح. اهـ بزيادة.(٣) قال في الحاشية: بل يندب نقله تبركاً للاتباع لأنه ﷺ استهداه من سهيل بن عمرو وكان يَصُبه على المرضى ويسقيهم منه، وحنك به الحسن والحسين ﵄. اهـ.(٤) أي لأنه حينئذ ميتة. نعم الجراد بالحرم يجوز لمن لم يقتله أكله لأنّ غايته أن يصير ميتة، وأكل ميتة الجراد جائزة، وحرم على الفاعل معاملة له بنقيض قصده والله أعلم.стр. 410
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحاً، وَلَوْ اصْطَادَ الْحَلاَلُ صَيْداً مِنَ الحِل وَدَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ جَازَ وَلَهُ ذَبْحُهُ وَأكْلُهُ وَبَيْعُهُ لِلْحَلاَلِ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ (١) .
الحاديةُ والعشرون: لاَ يَجُوزُ أخْذُ شَيْء، مِنْ طِيبِ الْكَعْبِة لا للتَّبَرُّكِ وَلاَ لِغَيْرِهِ، وَمَنْ أَخَذ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَيْهَا، فَإِنْ أَرَادَ التبَرُّكَ أتى بِطِيبِ مِنْ عِنْدَهِ فَمَسحهَا بِهِ ثُمَّ أخَذَهُ.
الثانية والعشرون: قَالَ الإِمَامُ أبو الْفَضْلُ بنِ عَبدانَ مِنْ أصْحَابِنَا: لاَ يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ سُتْرَةِ الْكَعْبةِ وَلاَ نَقْلُهُ وَلاَ بَيْعُه ولا شراؤُهُ وَلاَ وَضْعُه بينَ أوْرَاقِ المُصْحَفِ، وَمَنْ حَمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً لَزِمَهُ رَدُّهُ خلافَ ما يتوهَّمهُ العامّةُ يَشْتَرونَهُ مِنْ بنِي شَيْبةَ (٢) ، هَذَا كَلاَمُ ابْنِ عَبْدَانَ، وَحَكَاهُ الإِمامُ أبو القاسمِ الرافعيُّ عَنْهُ وَلَمْ يَعْتَرضْ عَلَيْهِ فَكَأنّهُ وَافَقَهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَال الإِمامُ أبو عبد الله الحَلِيميُّ: لاَ يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ شَيْء، وَقَالَ أبو العباس بن القاصّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لاَ يَجُوزُ بَيع كُسْوَةِ الْكَعْبة. الحواشي
(١) أي لأنه ملكه باصطياده في الحل والحرم لا يخرج عنه ملكه بخلاف الإحرام.
وبه قال مالك ومجاهد وأبو ثور وابن المنذر وداود. وقال أبو حنيفة وأحمد لا يجوز ذبحه بل يجب إرساله، قالا فإن أدخله مذبوحاً جاز أكله وقاسوه على المحرم.
قال المصنف في مجموعه: واستدل أصحابنا أنس أنه كان له أخ صغير يقال له أبو عمير وكان له نغر يلعب به فمات النغر، فكان النبي ﷺ يقول: "يا أبا عمير ما فعل النُّغَيْر" رواه البخاري ومسلم. وموضع الدلالة أنّ النغير من جملة الصيد، وكان مع أبي عمير في حرم المدينة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ وأيضاً فإن الذي نهى الشرع عنه صيد الحرم، وهذا ليس بصيد حرم وقياساً على من أدخل شجرة من الحل أو حشيشاً والله أعلم. اهـ.(٢) هذا كان سابقاً وفي عام ١٣٨١ هـ رأت حكومتنا السنية حفظ كسوة الكعبة في دائرة الأوقاف بعد كسوتها بالجديد وعينت لآل شيبة مبلغاً من المال يدفع إليهم كل سنة مقابل ذلك، وما زالوا يستلمونه.стр. 411
قَالَ الشَّيخُ أبو عمروِ بنِ الصلاحِ رَحمهُ الله تَعَالَى: الأَمرُ فِيها إِلى الإِْمَامِ يَصْرِفُهَا في بَعْضِ مَصَارِف بَيْتِ المَالِ بَيْعاً وَعَطَاءً، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ أن عُمَر بْنَ الخطَابِ ﵁ كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُل سَنَةٍ فَيُقَسمُها عَلَى الحاج وَهذَا الّذي قَالَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَى الأَزْرَقِي عَنْ ابنِ عَباس وَعائشةَ ﵄ أنهُمَا قَالاَ: لاَ تُبَاعُ كُسْوَتُها وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا في سَبِيلِ الله للفقرَاءِ والْمَساكِينِ وابن السَّبِيلِ، قالَ ابنُ عَباسٍ وَعَائِشَةُ وأم سَلَمَةَ ﵃ وَلاَ بَأسَ (١) أنْ يَلْبَسَ كُسْوَتَهَا مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَغَيْرِهِمَا.
الثالثةُ والعشرون: في حَدودِ الحَرَمِ.
اعْلَم أنَّ الحَرَمَ الْكَريمَ هُوَ مَا طَافَ بِمَكَّةَ وَأحَاطَ بِهَا مِنْ جَوانبِهَا جَعَلَ الله لَهُ حُكْمَهَا في الحُرْمَةِ تَشْرِيفاً لَهَا.
وَاعْلَمْ أنَّ مَعْرِفَةَ حُدُودِ الْحَرَمِ مِنْ أهَمِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُعتَنى بِبَيَانِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلّقُ بِهِ أحْكَامٌ كَثِيرة كَمَا سَبَقَ وَقَدْ اجَتَهَدْتُ واعْتَنَيْتُ بإتْقَانِهِ عَلَى أكْمَلِ وُجُوهِهِ بِحَمْدِ الله تَعَالَى.
فَحَدُّ الحَرِمِ مِنْ طَرَيقِ الْمَدِينة دُونَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ بُيُوتِ بَنِي نِفَار عَلَى ثَلاَثَةِ أمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ اليَمَنِ طَرَفُ أضَاةِ لبن في ثَنيةِ لِبْنٍ عَلَى سَبْعَةِ أمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيّةِ جَبَلِ الْمُقَطَّع عَلَى سَبْعَةِ أمْيَالِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجعِرَّانَةِ في شِعْبِ آلِ عَبْدِ الله بنِ خَالِد عَلَى تِسْعَة أمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرفاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ على سبعةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّة، وَمِنْ طَريقِ جدَّة مُنْقَطعُ الأعْشَاشِ عَلَى عَشَرَةِ أمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، فَهَذَا حَدُّ مَا جَعَلَهُ الله الحواشي
(١) أي لا حرمة في ذلك، وإلا فعليها الآن آيات قرآنية. فلذا يكره لبسها مطلقاً.стр. 412
عَز وجَل حَرَماً لِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ التحْرِيمِ وَبَايَنَ (١) بِحُكْمِه سَائِرَ الْبِلاَدِ، هكَذَا ذَكَرَ حدُودَهُ أبُو الْوَليدِ الأَزْرَقِي في كِتَابِ مَكَّةَ، وَأصْحَابُنَا في كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ في الأَحْكَامٍ السُّلْطَانِيةِ وَآخَرُونَ، إِلا أن الأَزْرَقِي قَالَ في حَدِّهِ مِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ أحَدَ عَشرَ مِيلاً والجُمْهُورُ قَالُوا سبعة فَقَطْ بِتَقْدِيم السّين عَلَى البَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاوَرْدِيُّ حَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ وَذَكَرَ الأزْرَقي وَالْجُمْهُورُ كَمَا ذكَرتُهُ.
وَفِي هذ الْحُدودِ ألْفَاظ غَرِيبة يَنْبَغِي أنْ تُضْبَطَ، قَوْلُهُمْ بُيُوتُ نِفَارٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ وَفِي قَوْلِهِ أضَاةِ لِبْنٍ الأَضَاةُ بفتح الهمزة وبالضاد المعجمة على وزن الفَتَاةِ وَهِيَ مُسْتَنْقَعُ الماء وَلِبْن بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة كذا ضبطه الحافظُ أبُو بكْرٍ الْحَازِميُّ في كِتَابِهِ المؤَلَّف في أسْمَاءِ الأَمَاكِنِ. وَقَوْلُهُمْ الأعْشَاشُ بفتح الهمزة وَبالشينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ عُش قَوْلُهُمْ في حَدهِ مِنْ جِهَةِ الجِعِرانَةِ تِسْعَة هُوَ بِالتَّاءِ ثُمَّ بالسينِ والْحُدُودُ الثلاَثَةُ الْبَاقِيةُ بِتَقْدِيم السّينِ وَالله أعْلَمُ، فاعْتَمِدْ مَا ضَبَطْتُهُ لَكَ مِنْ حُدُودِ الْحَرَمِ فَمَا أَظُنُّكَ تَجِدُهُ أوْضحَ وَلاَ أتْقَنَ مِنْ هذَا.
واعْلَمْ أنَّ الْحَرَمَ عَلَيْهِ عَلاَمَاتٌ مِنْ جَوَانبِهِ كُلّهَا وَمَنْصُوب عَلَيْهِ أَنْصَاب ذَكْرَ الأَزْرَقي وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدهِم أنَّ إبْرَاهِيم ﷺ عَمِلَهَا وَجِبْرِيلُ ﵇ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أَمَرَ النبيُّ ﷺ بِتَجْدِيدِهَا (٢) ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ ثُم مُعَاوِية (٣) الحواشي
(١) أي خالف.(٢) أي عام فتح مكة عام ثمان من هجرته ﷺ .(٣) ثم عبد الملك بن مروان وفي عام ١٥٩ هـ لَما رجع المهدي من الحج أمر بتجديدها وكذلك جَدَّدها المقتدر بالله العباسي، وفي سنة ٣٢٥ هـ أمر الراضي بالله العباسي بعمارة العلمين من جهة التنعيم بالأرض لا بالجبال، وفي سنة ٦١٦ هـ أمر =стр. 413
رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَهِيَ الآنَ بينَةٌ وَلله الْحَمْدُ (١) .
الرابعةُ والعِشْرُونَ: حَكَى المَاوَرْدِيُّ خِلاَفاً لِلعُلماءِ في أَن مَكَّةَ زَادَهَا الله شرفاً مع حرمتها هل صارت حرماً آمناً (٢) بسؤال إبراهيم ﷺ ذلك أم كَانَتْ قَبْلَه كَذَلِكَ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ تَزَلْ حَرَماً وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَتْ مكّة حلالاً قبل دعوة إبراهيم ﷺ كسائر البلاد وإنما صارت حرماً بدعوته كما صارت المدينة حَرَماً بِتَحْرِيمِ رَسُولِ الله ﷺ بَعْدَ أنْ كَانَتْ حَلاَلاً، وَاحْتَجَّ هَؤُلاَء بِحَدِيث عَبْدِ الله بن زَيد ﵁ فِي الصّحِيحَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ إنّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ.
وَالصَّحيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ هُوَ الأَوَّلُ لِلحديثِ الصَّحِيح في صَحِيحَيْ البُخَارِيّ وَمُسْلِمِ عَنِ ابنْ عَباسِ ﵄ أن النَّبي ﷺ قَالَ يوم فَتَحَ مَكَّةَ: "فَإِنَّ هذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ الله تعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بحُرْمَةِ الله تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" وَالْجَوَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الأَوّلِ أنّ إبْرَاهِيم ﷺ أظْهَرَ تَحْرِيمَها بَعْدَ أنْ كَانَ مَهْجُوراً لا أنَّهُ ابتَدأهُ وَالله تَعَالَى أعْلَمُ. الحواشي
(١) نظم بعضهم رحمه الله تعالى حدود الحرم في قوله:
وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رُمْتَ إتقانه
وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدّة عشر ثم تسع جعرانه
ومن يمن سبع بتقديم سينها ... وقد كملت فاشكر لربك إحسانه(٢) أي من الجبابرة والخسف والزلازل ونحوها.стр. 414
الخامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: في الأَحْكَامِ الَّتِي يُخَالِفُ الْحَرَم فِيهَا غَيْرَهُ مِنَ الْبِلاَدِ.
أحَدهمُا: أنْ لاَ يَدْخُلَ إِلَيْهَا أحَد إِلا بِإِحْرَامٍ، وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِب أَمْ مُسْتَحب فِيهِ خِلاَف قَدَّمْنَاه (١) .
الثاني: يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى أَهْلِ الحَرَمِ والمُحلّينَ.
الثَّالِثُ: يَحْرُمُ شَجَرُهُ وَحَشِيشهُ.
الرَّابعُ: أنَّهُ يُمْنَعُ جَمِيعُ مَنْ خَالَفَ دِينَ الإِسْلاَمِ مِنْ دُخُولهِ مُقِيماً كانَ أَوْ مَارَّاً، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَجَوَّزَهُ أَبو حَنِيفَة (٢) ما لَمْ يَسْتَوْطِنُوهُ. الحواشي
(١) أي في المسألة الثامنة من الفصل الأول من الباب الثالث في آداب دخول مكة زادها الله تعظيماً.
أقول: وقد ذكرت هناك أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى، فالصحيح عند الشافعية كما تقدم يكره ترك الإِحرام ويسن له دم خروجاً من خلاف مَنْ أوجبه. وقال الإِمامان مالك وأحمد: يلزمه، وقال الإمام أبو حنيفة إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة جاز دخوله بلا إحرام وإلا فلا واحتجوا بقول ابن عباس ﵄: (لا يدخل أحدكم مكة إلا محرماً) ورخص للحطابين، واستدل الشافعية بحديث الحج كل عام. (قال لا بل حجة). اهـ مجموع كما تقدم.(٢) قال في الحاشية: أي للذمي لا للحربي. اهـ. قال العلامة الصاوي رحمه الله تعالى في حاشيته على الجلالين: قال العلماء: جملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام:
أحدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال وجَوَّز أبو حنيفة دخول المعاهد.
الثاني: الحجاز فلا يجوز للكافر دخوله إلا بإذن ولا يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام لما في الحديث "لا يبقين دينان في جزيرة العرب" وحَدُّها طولاً من أقصى عدن إلى ريف العراق وعرضاً من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. =стр. 415
الخامس: لاَ تَحِل لُقطَتُهُ (١) لِلتمَلكِ فَلاَ تَحِلُّ إِلا لِمُنْشِدِ.
السادس: تَغْلِيظُ الدِّيةِ بِالْقَتْلِ فيهِ (٢) .
السابع: تَحْرِيمُ دَفْنِ الْمُشْرِكِ فِيهِ (٣) وَلَوْ دُفِنَ فِيهِ نُبِشَ مَا لَمْ يَتَقَطعْ.
الثامن: يَحْرُمُ إِخْرَاجُ أَحْجَارِهِ وَتُرَابِهِ إلَى الْحِلّ وَيُكْرَهُ إِدْخَالُ ذَلِكَ مِنْ الحل إليه.
التاسع: يَخْتَصُّ ذَبْحُ دِمَاءِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْهَدَايَا بِهِ.
العاشر: لا دَمَ عَلَى المُتَمَتعِ وَالْقَارِنِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ (٤) .
الحادي عشَر: لا تكرهُ صَلاَةُ النَّافِلَةِ التي لاَ سَبَبَ لَهَا في وَقْتٍ مِنَ الحواشي
(١) أي سواء الحقيرة وغيرها، فمن أخذ لقطة الحرم لزمه الإقامة لتعريفها أو دفعها لحاكم أمين، فإن لم يجده فإلى ثقة مقيم هناك.(٢) أي خطأ، ومعنى تغليظها صيرورتها مثلثة بعد أن كانت مخمسة. ولا فَرْق بين
أن يكون القاتل والمقتول في الحرم أو أحدهما.
(فرع): قال في الحاشية: إن بغى أهل الحرم على أهل العدل جاز قتالهم على الأصح إذا لم يمكن ردّهم عن البغي إلا به، وكذا يقاتل كفار تحصنوا بالحرم. وأجاب المصنف عما ورد من الأحاديث الصحيحة في تحريم القتال بمكة بأن معناه تحريم نصب القتال عليهم بمكة بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما إذا تحصن كفار بغير الحرم فإنه يجوز قتالهم على كل حال بكل شيء. قال وقد نَصّ الشافعي ﵁ على هذا التأويل. اهـ.(٣) أي وتمريضه بل ينقل وإن خيف موته بالنقل كما في الحاشية بخلاف بقية أرض الحجاز لعظم حرمة الحرم.(٤) أي من أهل الحرم بأنْ أستوطنه أو محلاً قريباً منه.стр. 416
الأوْقَاتِ في الْحَرَمِ سَوَاء فِيهِ مَكةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ (١) .
الثاني عشرَ: إِذَا نَذَرَ قَصْدَهُ لَزِمَهُ الذهابُ إِلَيْهِ بِحَج أَوْ عُمْرَةٍ (٢) بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَإنَّهُ لاَ يَجِبُ الذهَابُ إِلَيْهِ إذَا نَذَرَهُ إلا مَسْجِدَ رَسُولِ الله ﷺ وَالْمَسْجِدَ الأَقْصَى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ (٣) فِيهِمَا.
الثالث عشرَ: يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبةِ (٤) وَاسْتِدْبَارُهَا بالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ في الصحْرَاءِ (٥) . الحواشي
(١) قال في الحاشية أي لما صَحّ من قوله ﷺ : "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أيَّة ساعة شاء من ليل أو نهار" وليس هذا خاصاً بصلاة الطواف لأن الدارقطني وابن حبان أخرجاه بدون ذكر (طاف) وليس ذلك من باب المطلق والمقيد لأنّ شرطه أن لا يكون القيد خرج مخرج الغالب وهذا كذلك، إذ الغالب في الصلاة عند البيت أنْ تكون صلاة سنة الطواف، وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنّ الحرم في ذلك كغيره. اهـ.(٢) المعتمد: كما في الحاشية أنه لو نذر إتيان البيت الحرام أو الحرم أو بقعة منه أو بيت الله ونوى البيت الحرام لزمه الإتيان بحج أو عمرة أو بهما. أقول: وبه قال الإمامان: مالك وأحمد رحمهما الله وكذا لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام، وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: لا يلزمه شيء إلا إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام فأما نذر القصد والذهاب إلية فلا. ويلزمه المشي من دويرة أهله.
وإنْ نذر المشي إلى مسجد المدينة أو الأقصى فللشافعي ﵀ قولان أحدهما هو قوله في الأم: لا ينعقد نذره وهو قول أبي حنيفة ﵀، والثاني: ينعقد ويلزمه وهو الراجح، وهو قول مالك وأحمد رحمهما الله.(٣) سيأتيان إن شاء الله في المسألة الرابعة والعشرين من الباب السادس عند قول المصنف (لو نذر الذهاب إلى مسجد رسول الله ﷺ ) إلخ.(٤) أي عينها لا جهتها كما في الحاشية.(٥) المراد بالصحراء هنا غير الأخلية المعدة لقضاء الحاجة أي فيحرم على من يقضي حاجته في غير الأخلية المعدة لها استقبال القبلة واستدبارها ما لم يستتر بسائر قرب =стр. 417
الرَّابِع عشرَ: تَضْعِيفُ الأَجْرِ في الصلَوَاتِ بِمَكَّةَ وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ. الخامسَ عشرَ: يُسْتَحَب لأَهْلِ مكَّةَ أنْ يُصَلوا الْعِيدَ في الْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ (١) لاَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأمَّا غَيْرُهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ فَهَلْ صَلاَتُهَا فِي الْمُصلَّى (٢) أفْضَلُ أمْ في الصَّحْرَاءِ (٣) فِيهِ خِلاَفٌ (٤) .
السادسَ عشرَ: إِذَا نَذَرَ النَّحْرَ وَحْدَهُ بِمَكَّةَ لَزِمَهُ النَّحْرُ بِهَا وَتَفْرِقَةُ اللَّحْمِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ في بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ في أصَحّ الْوَجْهَيْنِ (٥) . الحواشي
(١) أي لأن الأئمة لم يزالوا يصلون صلاة العيد بالمسجد الحرام، ولفضل البقعة مع اتساعها ومشاهدة الكعبة.(٢) أي مصلى المسجد أفضل أي لشرفه ونظافته.(٣) هو ما عليه عمل الناس في جميع الأمصار لأنه ﷺ (كان يخرج إلى المصلى في العيدين) رواه البخاري ومسلم.(٤) أي عند الشافعية كما قدمته والأرجح كما في الحاشية أن الصحراء أفضل أي إن ضاق المسجد ولا مطر ونحوه فالصلاة في الصحراء مع اتساع المسجد خلاف الأوْلى، ومع نحو مطر مكروهة كالصلاة في المسجد عند ضيقه والله أعلم.(٥) أي لأنه لم يلتزم إلا النحر، والنحر والذبح في غير الحرم لا قربة فيهما.стр. 418
السابع عشرَ: لاَ يَجُوزُ إحْرَامُ الْمُقِيمِ في الْحَرَمِ بالْحَجّ (١) خَارِجَهُ وَالله أعلم.
المسْألَةُ السَّادسَةُ والْعِشْرُونَ: مَذْهَبُنَا أَنهُ يَجوزُ بَيع دُورِ مَكَّةَ وَشِرَاؤهَا وَإِجَارَتُهَا كَمَا يَجُوزُ في غَيْرِهَا (٢) وَدَلاَئِلُ الْمَسْأَلةِ في كُتُبِ الْفِقْهِ وَالخِلاَفُ مَشْهُورٌ. الحواشي
(١) أي بخلاف العمرة فلا بد للمقيم من الخروج إلى أدنى الحل، ويحرم منه كما تقدم، وهو قول الأئمة الأربعة وأصحابهم رحم الله الجميع، وحكى غير واحد عليه الإجماع.(٢) قال في المجموع: وبه قال عمر بن الخطاب وجماعات من الصحابة ومَنْ بعدهم، وهو مذهب أبي يوسف (أقول: هو ما عليه العمل قديماً وحديثاً حتى الآن)، وقال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة: لا يجوز شيء من ذلك والخلاف في المسألة مبني على أن مكة فتحت صلحاً أو عنوة، فمذهب الشافعية أنها فتحت صلحاً، فتبقى على ملك أصحابها فتورث وتباع وتكرى وترهن، ومذهب الثلاثة والأوزاعي والثوري أنها فتحت عنوة فلا يجوز شيء من ذلك. اهـ بزيادة ما بين القوسين.
قال في أضواء البيان: وتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر ولا تباع على إحدى الروايتين جمعاً بين الأدلة، والرواية الثانية كالشافعي. اهـ. قال في الحاشية: صرائح السنة مصرحة بأنها فتحت من أسفلها عنوة وكأن الشافعي ﵁ لم يلتفت لذلك لأنّ القتال فيها وقع من شرذمة قليلة انفردت عنه ﷺ فعول على ما وقع منه ﷺ مع أصحابه الذين معه. اهـ.
أقول: وأدلة الإمام الشافعي ﵀ تظهر مما ساقه المصنف ﵀ في مجموعه بقوله: روى البيهقي بإسناده عن إبراهيم بن محمد الكوفي قال: رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس ورأيت إسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل حاضرين فقال أحمد لإسحق: تعالى معي أريك رجلاً لم ترَ عيناك مثله، فقال إسحاق: لم تر عيناي مثله؟ فقال: نعم، فجاء به فوقفه على الشافعي فذكر القصة إلى أنْ قال: ثم تقدم إسحق إلى مجلس الشافعي فسأله عن كراء بيوت مكة. فقال الشافعي: هو عندنا جائز قال رسول الله ﷺ وهل ترك عقيل لنا من دار. فقال إسحاق حدثنا زيد بن هرون عن هشام عن الحسن أنه لم يكن يرى =стр. 419
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَذهْبُنَا أن النَّبي ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ صُلْحاً (١) لاَ عَنْوَة لَكِنْ دَخَلَهَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَأهباً للقِتالِ خَوْفاً مِنْ غَدْرِ أهْلِهَا.
الثامنَةُ والْعِشْرُونَ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في إقَامَةِ الْحُدودِ وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ الحواشي
(١) أي لعدم حصول قتال من النبي ﷺ وأصحابه الذين كانوا معه وتأمينه ﷺ أبا سفيان، ومَنْ أغلق عليه بابه ومَنْ أغمد سلاحه، ومن دخل المسجد الحرام وقد تقدم كما في الحاشية أن صرائح السنة مصرحة بأنّ مكة فتحت من أسفلها عنوة، وكأن الشافعي ﵀ لم يلتفت لذلك لأن القتال وقع شرذمة قليلة انفردت عنه ﷺ فعوّل الشافعي على ما وقع منه ﷺ مع أصحابه الذين معه ﵃ أجمعين.
وأدلة من قال إن مكة فتحت عنوة قولهم لم يَنْقُلْ أحدٌ أنه ﷺ صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحد منهم فصالحه على البلد وإنما جاءه أبو سفيان فأعطاه الأمان لمن دخل داره، أو أغلق بابه أو دخل المسجد أو ألقى سلاحه ولو كانت فُتحت صلحاً لم =стр. 420
في الْحَرَمِ. فَقَالَ الشَّافِعِي وآخَرونَ (١) : حُكْمُ الْحَرَمِ في هَذَا حُكْمُ غَيْرِهِ، فَتُقَام فِيهِ الْحُدودُ وَيُسْتَوْفَى فِيهِ الْقِصَاصُ سَوَاء كَانَتْ الْجِنَايةُ في الْحَرَمِ أوْ كَانَتْ في الْحِل ثُمَّ الْتَجَأ إِلَى الْحَرَمِ، وَقَالَ أبُو حَنِيفَة وآخَرُونَ: إنْ كَانَتْ الْجِنَايةُ في الْحَرَمِ اسْتُوفِيتَ الْعُقوبةُ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايةُ في الْحِل ثُمَّ التجأ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ (٢) ويُلْجَأ إلَى الخُرُوجِ مِنْهُ فإِذَا خَرَجَ أُقِيمَتْ.
التاسِعَةُ والْعِشْرُونَ: في أمُور تتعَلَّقُ بِالْكَعْبةِ وَالْمَسْجِدِ.
قَالَ الله : ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ (٣) مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ (٤) وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. الحواشي
(١) ومنهم المالكية.(٢) أي إن كانت الجناية قتلاً كما في الحاشية -وأما إن كانت على ما دون النفس فإنه يقتص من الجاني وإن دخل الحرم. وفي فتاوى قاضيخان وغيرها عن أبي حنيفة ﵁ أن يد السارق لا تقطع فيه، وعن صاحبيه خلافه- وقوله: (ويلجأ) أي بأنْ لا يعامل ولا يؤاكل ولا يداخل ومذهب الحنابلة قريب من مذهب الحنفية كما في الحاشية.(٣) جاء في القرآن الكريم لفظ (مكة) و (بكة) بالميم والباء فقال جماعة من العلماء هما لغتان بمعنى واحد، وقال آخرون هما بمعنيين فقيل (مكة) بالميم الحرم كله، (وبكة) بالباء المسجد خاصة وقيل غير ذلك وسميت (بكة) لازدحام الناس بها يبك بعضهم بعضاً، أي يدفعه في زحمة الطواف.(٤) قد تقدم أن المقام هو الحجر الذي وقف عليه إبراهيم ﵇ وقت بنائه =стр. 421
وَثَبَتَ في صَحِيحِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبي ذَرّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عن أوَّل مَسْجِد وُضِعَ في الأَرْضِ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ" قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَاماً".
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسرُونَ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فَرَوى الأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ: لَقَدْ خَلَقَ الله مَوْضِعَ هذَا الْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ بأَلْفَي سَنةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أيْضاً أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ أَحَدُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتاً فِي كُلّ سَمَاء بَيْتٌ وَفِي كُلّ أرْضٍ بَيْت بَعْضُهُنَّ مُقَابِل بَعْضَ.
وَرَوى الأَزْرَقِي أَيْضاً عَنْ عَلِيِّ بنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بن أبِي طَالِب ﵃ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَ مَلاَئِكَةً فَقَالَ: ابْنُوا لِي في الأَرْضِ بَيْتاً تِمْثَالَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَقَدْرَهُ، وَأَمَرَ الله تَعَالَى مَنْ في الأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، قَالَ: وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄: هُوَ أَوَّلُ بَيْت بَنَاهُ آدَمُ في الأَرْضِ (١) . الحواشي
(١) قد بنى البيت أي الكعبة المعظمة عشر مرات كما في (القسطلاني على البخاري) وقد نظم بعض العلماء رحمهم الله تعالى البانين على الترتيب كما في (إعانة الطالبين) فقال:
بنى بيت رب العرش عشرٌ فخذهم ... ملائكة الله الكرام وآدم
فشيث فإبراهيم ثم عمالق ... قصي قريش قبل هذين جرهم =стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وعبد الإِله بن الزبير بنى كذا ... بناء لحجاج وهذا متمم
قال الفاسي رحمه الله تعالى في (شفاء الغرام): وأما بناء الحجاج الكعبة فهو أيضاً ثابت مشهور، ذكره الأزرقي وغيره وملخص ذلك أنّ الحجاج بعد محاصرة ابن الزبير وقتله ﵄ كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها وأحدث فيها باباً آخر واستأذنه في رد ذلك فكتب إليه عبد الملك أنْ يسد بابها الغربي ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير من الحجر، ويردها على ما كانت عليه، ففعل الحجاج ذلك، وبناؤه في الكعبة في الجدار الذي من جهة الحجر والباب الغربي المسدود في ظهر الكعبة عند الركن اليماني، وما تحت عتبة الباب الشرقي وهو أربعة أذرع وشبر على ما ذكره الأزرقي، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير، وهذا ملخص ما ذكره الأزرقي في ذلك بالمعنى. اهـ. أقول كما جاء في تاريخ الكعبة المعظمة للشيخ عبد الله بإسلامه ﵀ مع اختصار وزيادة: أنه لما كان يوم الأربعاء (١٩/ ٨/ ١٠٣٩ هـ) حصل بمكة المشرفة مطر عظيم، دخل سيله المسجد الحرام، ودخل الكعبة المشرفة من بابها ووصل إلى نصف جدارها، ودخل دور أهل مكة وأخرج منها الأمتعة، وذهب بها إلى أسفل مكة ومات بسببه داخل المسجد وخارجه خَلْق كثير، وبات السيل ليلة الخميس ٢٠/ ٨/ ١٠٣٩ بداخل الكعبة والمسجد الحرام فسقط بسببه الجدار الشامي وبعض الجدارين الشرقي والغربي من الكعبة، وسقطت درجة السطح، وكان أمير مكة آنذاك الشريف مسعود بن إدريس، أمر بفتح سراديب باب إبراهيم التي هي مجاري مياه المسجد الحرام وقتذاك وخرج الماء إلى أسفل مكة، ثم أمر الشريف المذكور بسدّ الجوانب الساقطة بأخشاب من صبيحة سقوطها (٢٠/ ٨/ ١٠٣٩) لعشرين من شعبان سنة تسع وثلاثين وألف فسدّت بأعواد قوية، وأحاط الكعبة بسترة خشبية، وجعل للسترة باباً لطيفاً من الجهة الشرقية وألبسها ثوباً أخضر ثم بعد ذلك دخلها وصلّى فيها وبقيت الكعبة على هذه الحالة إلى أوائل جمادى من السنة بعده ثم صدر أمر السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بعمارة الكعبة، فعادت عام ١٠٤٠ أربعين وألف هجرية إلى حالتها التي عليها اليوم في زماننا عام ١٤٠١ هـ واحد وأربعمائة وألف هجرية، فبالنظر إلى السَّدّ والسترة الخشبية التي جعلهما شريف مكة آنذاك مسعود بن إدريس تكون أبنية الكعبة اثنتي عشرة مرة. وقد نظم ذلك العلامة أحمد بن علان المكي الذي حضر سقوط جدار الكعبة وعمارة السلطان مراد خان لها فقال رحمه الله تعالى: =стр. 423
وَجَاءَ عَنْ عَلِي بْنِ أبِي طَالِبِ ﵁ أنَّ مَعْنَاهُ أنهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادةِ أوْ الْبَرَكَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادةَ أنهُ كَانَ قَبْلَهُ بيوت كَثِيرَة وَلَكِنَّهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ للْعِبَادةِ.
وَقَالَ أقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ: أجْمَعوا عَلَى أنهُ أوَّلُ بَيْت وُضِعَ لِلْعِبَادَة
الحواشي
(١) = بنى الكعبة الأملاك آدم بعده ... فشيث وإبراهيم ثم العمالقة
وجرهم قصي مع قريش وتلوهم ... هو ابن الزبير فادر هذا وحققه
وحجاج تلو ثُم مسعود بعده ... شريف بلاد الله بالنور أشرقه
ومن بعد ذا حقاً بنى البيت كله ... مراد بن عثمان فشيد رونقه
المراد بعثمان في هذه الأبيات جد سلاطين آل عثمان الترك ...
قال العلامة السيد أبو بكر شطا ﵀ في كتابه (إعانة الطالبين): وقد حدث ترميم في باطن الكعبة المعظمة في شهر ربيع الأخير سنة ١٢٩٩ ألف ومائتين وتسع وتسعين في مدة السلطان عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد، وقد أرَّخ العمارة المذكورة السيد أحمد زيني دحلان في بيت واحد وجعل قبله بيتين للدخول على بيت التاريخ فقال:
لسلطاننا عبد الحميد محاسن ... ومَن ذا الذي بالحصر يقوى يعدد
وقد حاز تعميراً لباطِن قبلة ... وتاريخه بيت فريد يحدد
بناء بدا زهواً لداخل كعبة ... وسلطاننا عبد الحميد المجدد
٥٣، ٧، ١٩، ٦٦٥، ٩٧، ٢٠٧، ١٦٩، ٨٢
٨٤١ + ٤٥٨ = ١٢٩٩ هجرية. اهـ مختصراً.
وفي عام ١٣٧٧ هـ ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين هجرية في يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب بدىء في ترميم الجدارين الشامي والغربي من الكعبة وتبديل سقفها وذلك لوجود تصدع في الجدارين المذكورين ولتآكل أخشاب السقف بمرور الزمن، وتم العمل في ذلك يوم السبت ١١/ ٨/ ١٣٧٧ الحادي عشر من شعبان عام ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين هجرية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في حفل بهيج حضره صاحب السمو الملكي ولي العهد فيصل بن عبد العزيز آل سعود وفق الله هذه العائلة لما يحبه ويرضاه آمين.стр. 424
وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِهِا، قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَوّلُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُوِر أَنهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ مُطْلَقاً والله أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى مُبَارَكاً مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَانْتَصَبَ مُبَارَكاً عَلَى الْحَالِ. قَالَ الزّجاجُ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى اسْتَقَرّ بمَكَّةَ في حَالِ بَرَكَتِهِ وَهُوَ حَالُ مِنْ وضع أي وُضِعَ مُبَارَكاً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ الْمُخْتَارُ أَنهَا الْمَنَاسِكُ وَأمْنُ الخائِفِ وانْمَحَاقُ الجِمَارِ مَعَ كَثْرَةِ الرَّمْي وَالرَّامِينَ عَلَى تكَرُّر الأَعْصَارِ وَالسنِين، وَامْتناعُ الطيْرِ مِنَ الْعُلُو عَلَيْهِ واستشفاء الْمَريضِ بِهِ وَتَعْجِيلِ الْعُقُوبةِ لِمَنِ انْتَهَكَ فِيهِ حَرَمَهُ وَإِهْلاَك أَصْحَابِ الْفِيلِ لَمَّا أَرَادُوا تَخْرِيبَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (١) .
قَالَ أبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ: جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ طُولَ بِنَاءِ الْكَعْبةِ في السَّمَاء تسعْةَ أذرُعٍ (٢) وَطُولَهَا في الأَرْضِ ثَلاَثِينَ ذِرَاعاً (٣) وَعَرْضَهَا في الأَرْضِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، وَكَانَتْ غَيْرَ مُسَقفَةٍ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيش في الْجَاهِلِيةِ فَزَادَتْ فِي طُولها في السمَاءِ تسْعَةَ أذْرُعِ فَصَارَ طُولُهَا ثَمَانِيةَ عَشَرَ ذِرَاعاً وَنَقَصُوا مِنْ طُولهَا في الأَرْضِ سِتةَ أذْرُعٍ وَشِبْراً تركُوهَا في الْحِجْرِ فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتى كَانَ الحواشي
(١) أي كوقع هيبة البيت في القلوب وخشوعها لله عند رؤيته وحنين النفوس إليه وغير ذلك مما ذكر في الحاشية.(٢) قال في الحاشية: ذكر ابن جماعة في ذلك كلاماً مخالفاً لكلام الأزرقي هذا، ثم قال كل ذلك حررته بذراع القماش المستعمل في زماننا بمصر، وحينئذ فيحتمل أن تحرير الأزرقي كان بغير هذا الذراع ... إما بذراع اليد أو غيره.(٣) عَبَّر غير المصنف رحمهم الله تعالى كما في الحاشية أنه جعل عرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعاً من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي يلي الباب وعرض ما بين الشاميين اثنين وعشرين ذراعاً وما بين الغربي واليماني إحدى وثلاثين وما بين اليمانيين عشرين وجعل الحجر إلى جنبه عريشاً من آراك تقتحمه الغنم وكان زرباً أي حظيرة لغنم إسماعيل وعلى نبينا وسلم. اهـ.стр. 425
زَمَنُ عَبْدِ الله بْنِ الزبَيْرِ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَزَادَ في طُولهَا في السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُع أخْرَى فَصَارَ طُولُها في السَّمَاء سَبْعاً وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، ثمَّ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ فَلَمْ يُغَيّرْ طُولَها فِي السَّماء، فَالْكَعْبةُ الْيَوْمَ طُولَهَا في السَّماءِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً.
وَأَمَّا عَرْضُهَا فَبَيْنَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ وَالشَّامِيّ خَمْسَةٌ وَعِشْرونَ ذِرَاعاً وَبَيْنَ الْيَمَانِيّ وَالْغَرْبِيّ كَذَلِكَ بَيْنَ الْيَمَانِي والأَسْوَدِ عِشْرُونَ ذرَاعاً وَبينَ الشامي والغَرْبِى أحَدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً وَالله أعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أنَّ الْكَعْبةَ زَادها الله تَعَالَى شَرَفاً بُنِيَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِنَاءُ المَلاَئِكَةِ أوْ آدَمَ عَلَى مَا تَقَدمَ مِنَ الْخِلاَفِ.
الثانِيَةُ: بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ .
الثالِثَةُ: بِنَاءُ قُرَيْش في الْجَاهِلِيةِ، وَقَدْ حَضَرَ رَسُولُ الله ﷺ هَذَا الْبِنَاءُ وَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهم الْحِجَارَةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ.
الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
الْخَامِسَةُ: بِنَاءُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَهَذَا الْبِنَاءُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْيَوْمَ (١) الحواشي
(١) قال في الحاشية: فيه تَجَوُّز لأن الحجاج لم يهدم من بناء ابن الزبير ﵄ إلا ناحية الحِجْر بكسر الحاء. بأمر عبد الملك بن مروان وأخرج من الكعبة ما كان أدخله ابن الزبير ﵄ من الحجر لما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين ﵄ بما هو مشهور ثم سَدَّ بابها الغربي، وما تحت عتبة الباب الشرقي الموجودة اليوم.
وهو أربعة أذرع وشبر، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير ﵄ كما ذكر الأزرقي وغيره. اهـ.
أقول: وقول المصنف (وهذا البناء هو الموجود اليوم) أي في زمانه حتى زمان =следующие страницы →