Полный текст (519 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَثَبَتَ في صَحِيحِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبي ذَرّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عن أوَّل مَسْجِد وُضِعَ في الأَرْضِ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ" قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَاماً".
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسرُونَ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فَرَوى الأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ: لَقَدْ خَلَقَ الله مَوْضِعَ هذَا الْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ بأَلْفَي سَنةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أيْضاً أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ أَحَدُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتاً فِي كُلّ سَمَاء بَيْتٌ وَفِي كُلّ أرْضٍ بَيْت بَعْضُهُنَّ مُقَابِل بَعْضَ.
وَرَوى الأَزْرَقِي أَيْضاً عَنْ عَلِيِّ بنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بن أبِي طَالِب ﵃ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَ مَلاَئِكَةً فَقَالَ: ابْنُوا لِي في الأَرْضِ بَيْتاً تِمْثَالَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَقَدْرَهُ، وَأَمَرَ الله تَعَالَى مَنْ في الأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، قَالَ: وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄: هُوَ أَوَّلُ بَيْت بَنَاهُ آدَمُ في الأَرْضِ (١) . الحواشي
(١) قد بنى البيت أي الكعبة المعظمة عشر مرات كما في (القسطلاني على البخاري) وقد نظم بعض العلماء رحمهم الله تعالى البانين على الترتيب كما في (إعانة الطالبين) فقال:
بنى بيت رب العرش عشرٌ فخذهم ... ملائكة الله الكرام وآدم
فشيث فإبراهيم ثم عمالق ... قصي قريش قبل هذين جرهم =стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وعبد الإِله بن الزبير بنى كذا ... بناء لحجاج وهذا متمم
قال الفاسي رحمه الله تعالى في (شفاء الغرام): وأما بناء الحجاج الكعبة فهو أيضاً ثابت مشهور، ذكره الأزرقي وغيره وملخص ذلك أنّ الحجاج بعد محاصرة ابن الزبير وقتله ﵄ كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها وأحدث فيها باباً آخر واستأذنه في رد ذلك فكتب إليه عبد الملك أنْ يسد بابها الغربي ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير من الحجر، ويردها على ما كانت عليه، ففعل الحجاج ذلك، وبناؤه في الكعبة في الجدار الذي من جهة الحجر والباب الغربي المسدود في ظهر الكعبة عند الركن اليماني، وما تحت عتبة الباب الشرقي وهو أربعة أذرع وشبر على ما ذكره الأزرقي، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير، وهذا ملخص ما ذكره الأزرقي في ذلك بالمعنى. اهـ. أقول كما جاء في تاريخ الكعبة المعظمة للشيخ عبد الله بإسلامه ﵀ مع اختصار وزيادة: أنه لما كان يوم الأربعاء (١٩/ ٨/ ١٠٣٩ هـ) حصل بمكة المشرفة مطر عظيم، دخل سيله المسجد الحرام، ودخل الكعبة المشرفة من بابها ووصل إلى نصف جدارها، ودخل دور أهل مكة وأخرج منها الأمتعة، وذهب بها إلى أسفل مكة ومات بسببه داخل المسجد وخارجه خَلْق كثير، وبات السيل ليلة الخميس ٢٠/ ٨/ ١٠٣٩ بداخل الكعبة والمسجد الحرام فسقط بسببه الجدار الشامي وبعض الجدارين الشرقي والغربي من الكعبة، وسقطت درجة السطح، وكان أمير مكة آنذاك الشريف مسعود بن إدريس، أمر بفتح سراديب باب إبراهيم التي هي مجاري مياه المسجد الحرام وقتذاك وخرج الماء إلى أسفل مكة، ثم أمر الشريف المذكور بسدّ الجوانب الساقطة بأخشاب من صبيحة سقوطها (٢٠/ ٨/ ١٠٣٩) لعشرين من شعبان سنة تسع وثلاثين وألف فسدّت بأعواد قوية، وأحاط الكعبة بسترة خشبية، وجعل للسترة باباً لطيفاً من الجهة الشرقية وألبسها ثوباً أخضر ثم بعد ذلك دخلها وصلّى فيها وبقيت الكعبة على هذه الحالة إلى أوائل جمادى من السنة بعده ثم صدر أمر السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بعمارة الكعبة، فعادت عام ١٠٤٠ أربعين وألف هجرية إلى حالتها التي عليها اليوم في زماننا عام ١٤٠١ هـ واحد وأربعمائة وألف هجرية، فبالنظر إلى السَّدّ والسترة الخشبية التي جعلهما شريف مكة آنذاك مسعود بن إدريس تكون أبنية الكعبة اثنتي عشرة مرة. وقد نظم ذلك العلامة أحمد بن علان المكي الذي حضر سقوط جدار الكعبة وعمارة السلطان مراد خان لها فقال رحمه الله تعالى: =стр. 423
وَجَاءَ عَنْ عَلِي بْنِ أبِي طَالِبِ ﵁ أنَّ مَعْنَاهُ أنهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادةِ أوْ الْبَرَكَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادةَ أنهُ كَانَ قَبْلَهُ بيوت كَثِيرَة وَلَكِنَّهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ للْعِبَادةِ.
وَقَالَ أقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ: أجْمَعوا عَلَى أنهُ أوَّلُ بَيْت وُضِعَ لِلْعِبَادَة
الحواشي
(١) = بنى الكعبة الأملاك آدم بعده ... فشيث وإبراهيم ثم العمالقة
وجرهم قصي مع قريش وتلوهم ... هو ابن الزبير فادر هذا وحققه
وحجاج تلو ثُم مسعود بعده ... شريف بلاد الله بالنور أشرقه
ومن بعد ذا حقاً بنى البيت كله ... مراد بن عثمان فشيد رونقه
المراد بعثمان في هذه الأبيات جد سلاطين آل عثمان الترك ...
قال العلامة السيد أبو بكر شطا ﵀ في كتابه (إعانة الطالبين): وقد حدث ترميم في باطن الكعبة المعظمة في شهر ربيع الأخير سنة ١٢٩٩ ألف ومائتين وتسع وتسعين في مدة السلطان عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد، وقد أرَّخ العمارة المذكورة السيد أحمد زيني دحلان في بيت واحد وجعل قبله بيتين للدخول على بيت التاريخ فقال:
لسلطاننا عبد الحميد محاسن ... ومَن ذا الذي بالحصر يقوى يعدد
وقد حاز تعميراً لباطِن قبلة ... وتاريخه بيت فريد يحدد
بناء بدا زهواً لداخل كعبة ... وسلطاننا عبد الحميد المجدد
٥٣، ٧، ١٩، ٦٦٥، ٩٧، ٢٠٧، ١٦٩، ٨٢
٨٤١ + ٤٥٨ = ١٢٩٩ هجرية. اهـ مختصراً.
وفي عام ١٣٧٧ هـ ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين هجرية في يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب بدىء في ترميم الجدارين الشامي والغربي من الكعبة وتبديل سقفها وذلك لوجود تصدع في الجدارين المذكورين ولتآكل أخشاب السقف بمرور الزمن، وتم العمل في ذلك يوم السبت ١١/ ٨/ ١٣٧٧ الحادي عشر من شعبان عام ألف وثلاثمائة وسبعة وسبعين هجرية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في حفل بهيج حضره صاحب السمو الملكي ولي العهد فيصل بن عبد العزيز آل سعود وفق الله هذه العائلة لما يحبه ويرضاه آمين.стр. 424
وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِهِا، قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَوّلُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُوِر أَنهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ مُطْلَقاً والله أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى مُبَارَكاً مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَانْتَصَبَ مُبَارَكاً عَلَى الْحَالِ. قَالَ الزّجاجُ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى اسْتَقَرّ بمَكَّةَ في حَالِ بَرَكَتِهِ وَهُوَ حَالُ مِنْ وضع أي وُضِعَ مُبَارَكاً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ الْمُخْتَارُ أَنهَا الْمَنَاسِكُ وَأمْنُ الخائِفِ وانْمَحَاقُ الجِمَارِ مَعَ كَثْرَةِ الرَّمْي وَالرَّامِينَ عَلَى تكَرُّر الأَعْصَارِ وَالسنِين، وَامْتناعُ الطيْرِ مِنَ الْعُلُو عَلَيْهِ واستشفاء الْمَريضِ بِهِ وَتَعْجِيلِ الْعُقُوبةِ لِمَنِ انْتَهَكَ فِيهِ حَرَمَهُ وَإِهْلاَك أَصْحَابِ الْفِيلِ لَمَّا أَرَادُوا تَخْرِيبَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (١) .
قَالَ أبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ: جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ طُولَ بِنَاءِ الْكَعْبةِ في السَّمَاء تسعْةَ أذرُعٍ (٢) وَطُولَهَا في الأَرْضِ ثَلاَثِينَ ذِرَاعاً (٣) وَعَرْضَهَا في الأَرْضِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، وَكَانَتْ غَيْرَ مُسَقفَةٍ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيش في الْجَاهِلِيةِ فَزَادَتْ فِي طُولها في السمَاءِ تسْعَةَ أذْرُعِ فَصَارَ طُولُهَا ثَمَانِيةَ عَشَرَ ذِرَاعاً وَنَقَصُوا مِنْ طُولهَا في الأَرْضِ سِتةَ أذْرُعٍ وَشِبْراً تركُوهَا في الْحِجْرِ فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتى كَانَ الحواشي
(١) أي كوقع هيبة البيت في القلوب وخشوعها لله عند رؤيته وحنين النفوس إليه وغير ذلك مما ذكر في الحاشية.(٢) قال في الحاشية: ذكر ابن جماعة في ذلك كلاماً مخالفاً لكلام الأزرقي هذا، ثم قال كل ذلك حررته بذراع القماش المستعمل في زماننا بمصر، وحينئذ فيحتمل أن تحرير الأزرقي كان بغير هذا الذراع ... إما بذراع اليد أو غيره.(٣) عَبَّر غير المصنف رحمهم الله تعالى كما في الحاشية أنه جعل عرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعاً من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي يلي الباب وعرض ما بين الشاميين اثنين وعشرين ذراعاً وما بين الغربي واليماني إحدى وثلاثين وما بين اليمانيين عشرين وجعل الحجر إلى جنبه عريشاً من آراك تقتحمه الغنم وكان زرباً أي حظيرة لغنم إسماعيل وعلى نبينا وسلم. اهـ.стр. 425
زَمَنُ عَبْدِ الله بْنِ الزبَيْرِ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَزَادَ في طُولهَا في السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُع أخْرَى فَصَارَ طُولُها في السَّمَاء سَبْعاً وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، ثمَّ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ فَلَمْ يُغَيّرْ طُولَها فِي السَّماء، فَالْكَعْبةُ الْيَوْمَ طُولَهَا في السَّماءِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً.
وَأَمَّا عَرْضُهَا فَبَيْنَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ وَالشَّامِيّ خَمْسَةٌ وَعِشْرونَ ذِرَاعاً وَبَيْنَ الْيَمَانِيّ وَالْغَرْبِيّ كَذَلِكَ بَيْنَ الْيَمَانِي والأَسْوَدِ عِشْرُونَ ذرَاعاً وَبينَ الشامي والغَرْبِى أحَدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً وَالله أعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أنَّ الْكَعْبةَ زَادها الله تَعَالَى شَرَفاً بُنِيَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِنَاءُ المَلاَئِكَةِ أوْ آدَمَ عَلَى مَا تَقَدمَ مِنَ الْخِلاَفِ.
الثانِيَةُ: بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ .
الثالِثَةُ: بِنَاءُ قُرَيْش في الْجَاهِلِيةِ، وَقَدْ حَضَرَ رَسُولُ الله ﷺ هَذَا الْبِنَاءُ وَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهم الْحِجَارَةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ.
الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
الْخَامِسَةُ: بِنَاءُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَهَذَا الْبِنَاءُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْيَوْمَ (١) الحواشي
(١) قال في الحاشية: فيه تَجَوُّز لأن الحجاج لم يهدم من بناء ابن الزبير ﵄ إلا ناحية الحِجْر بكسر الحاء. بأمر عبد الملك بن مروان وأخرج من الكعبة ما كان أدخله ابن الزبير ﵄ من الحجر لما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين ﵄ بما هو مشهور ثم سَدَّ بابها الغربي، وما تحت عتبة الباب الشرقي الموجودة اليوم.
وهو أربعة أذرع وشبر، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير ﵄ كما ذكر الأزرقي وغيره. اهـ.
أقول: وقول المصنف (وهذا البناء هو الموجود اليوم) أي في زمانه حتى زمان =стр. 426
وَهَكَذَا كَانَتْ الْكَعْبةُ في زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ قِيْلَ إِنّهُ بُنِيَ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ غَيْرَ الْخَمْسَةِ:
إحْداهما: بَنَتْهُ العَمالِقَةُ بعد إبراهيم ﷺ .
وَالثَّانِيَةُ: بَنَتْهُ جُرْهُم بَعْدَ الْعَمَالِقَةِ، ثُم بَنَتْهُ قُرَيْشٌ وَالله أعلم (١) .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ بَعْدَ إِبْرَاهِيم ﷺ مَعِ الْعَمَالِقَةِ وَجُرْهُم إِلى أنْ انْقَرضُوا وَخَلَفَتهُمْ فِيهَا قُرَيْشٌ بَعْدَ اسْتِيلاَئِهِمْ عَلَى الْحَرَمِ لِكَثَْرتهِمْ بَعْدَ الْقِلَّةِ وَعِزِّهِمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جدد بِنَاءَهَا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ قُصَيّ بْنُ كِلاَب وَسَقَّفَهَا بِخَشَبِ الدُّومِ وَجَرِيدِ النَّخْلِ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ بَعْدَهُ (٢) وَرَسُولُ الله ﷺ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقِيْلَ خَمْس وَثَلاَثِينَ سَنَةً فَقَال أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ: يَا قَوْمِ ارْفَعُوا بَابَ الْكَعْبةِ حَتَّى لاَ يُدْخَلَ إِلَيْهَا إِلاَّ بِسُلَّم فَإِنَهُ لاَ يَدْخُلُهَا حينَئذ إِلا مَنْ أرَدْتُمْ، فَإِنْ جَاءَ أحَدٌ مِمَّنْ تكرَهُونَهُ رميتم به وَسَقَط وَصَارَ نَكَالاً لِمَنْ رَآهُ فَفَعَلَتْ قُرَيْش مَا قَالَ. الحواشي
(١) قد تقدم هذا في التعليق قريباً.(٢) الذي صَح من الأبنية للكعبة المشرفة بلا نزاع بناء إبراهيم ﵇ وقريش وابن الزبير ﵄ والحجاج والشريف مسعود بن إدريس الذي جعل لها سترة خشبية وسَدّ ما تساقط من جدرانها بالأعواد القوية كما تقدم، والسلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان وهو البناء القائمة عليه الكعبة المعظمة الآن وقد حصلت لها ترميمات في عهد حكومتنا السعودية السنية وفقها الله لمرضاته كما تقدم في التعليق.стр. 427
وَكَانَ سَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّ الْكَعْبَةَ اسْتُهْدِمَتْ وَكَانَتْ فَوْقَ الْقَامَةِ وَأَرَادُوا تَعْلِيَتَهَا وَكَانَ سَبَبُ اسْتِهْدَامهَا أنَّ امْرَأة جَاءَت بِمَجْمَرةٍ تُجَمرُ الكعبة (١) فَسَقَطَتْ مِنْهَا شَرَارَة فَتَعَلقَتْ بِكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَاحْتَرَقَتْ.
وَكَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ لاَصِقاً بِالأَرْضِ في عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وَفِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنْ بَنَتْهُ قُرَيْش فَرَفَعَتْ بَابَهُ وَجَعَلتْ لَهَا سَقْفاً وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سَقْفٌ (٢) ، وَزَادَتْ في ارْتِفَاعِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَجَعَلَتْهُ ثَمَانِيَة عَشَرَ ذِرَاعاً وَتنافَسُوا فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ مَوْضِعَه مِنَ الركْن ثُم رَضُوا بِأنْ يَضَعَهُ النَّبِي ﷺ (٣) .
وَثَبَتَ فِي الْحديثِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَباسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ّ: "نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايا بَنِي آدَمَ" (٤) . قَالَ الترْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح وَالله أعْلَمُ. الحواشي
(١) أي تبخرها بعود البخور ونحوه.(٢) قد مرّ في كلام المصنف رحمه الله تعالى أنْ قصياً سقّفها بخشب الدوم فالمراد لم يكن للكعبة سقف حين بنائهم هذا.(٣) سببه أنهم اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود فرضوا بأوّل داخل فكان هو ﷺ .(٤) قال المحشي رحمه الله تعالى: الحكمة في كونها سودته دون غيره من بناء الكعبة ما أشار إليه السهيلي ﵀ من أن العهد الذي فيه هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها من توحيده فكل مولود يولد على الفطرة وقلبه في غاية البياض لأن فيه ذلك العهد ثم سوّد بالذنوب فكذلك الحجر الذي فيه العهد المأخوذ عليه، فلما تناسبا أثرت فيه الخطايا كما أثرت في بنى آدم. اهـ.
أقول قوله: (لعهد) أي الذي أخذه الله على بني آدم وهو قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [سورة الأعراف: آية ١٧٢] ثم بعد ما أخذه عليهم جعله في الحجر الأسود كما ورد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "إن الله لَما أخذ من بني آدم ميثاقهم =стр. 428
الثلاثون: في أُمُورِ تتعَلَقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَالَ أبُو الوَليدِ الأَزْرَقِي، والإِمَامُ أقْضَى القضَاةِ أَبُو الحسَن الماوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ في كِتَابِهِ الأَحْكَامُ السُّلْطَانِيةِ وَغيْرِهُمَا مِنَ الأَئمةِ المعتمدينَ وفي كلامِ بعضهم زِيادة على بعض: أَمَا المَسْجِد الحَرَامِ فَكَانَ فَنَاءَ حَوْلَ الكَعْبهَ وَفَضَاءَ للطَّائِفِينَ (١) وَلَمْ يكُنْ لَهُ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ جِدَار الحواشي
(١) أي على قدر صَحْن المطاف يَحُدُّه من الجهة الشرقية بئر زمزم وباب بني شيبة، وهو عقد عظيم كان على سمت بئر زمزم أزيل في عهد حكومتنا السنية الحكومة السعودية وهو يظهر لك في الصورة القديمة الآتية للمسجد الحرام حينما كانت الدور محيطة به قبل العمارة السعودية وبجانبه المصعد الخشبي الذي يصعد عليه لدخول الكعبة المعظمة، وبحذوه غرفة بئر زمزم السابقة، وعليها غرفة المُبَلغ للصلاة، ويسمى المقام الشافعي، وعلى يمين العقد يظهر لك المنبر المرمري الذي أهداه السلطان سليمان خان للمسجد الحرام عام(٩٦٦) ستة وستين وتسعمائة، وهو لا يزال موجوداً من التاريخ المذكور إلى وقتنا، وما تراه في الصورة من العقد وغرفة زمزم، وما فوقها من المقام الشافعي قد أزيل في زمن حكومتنا السنية لتوسعة المطاف، ونقل المنبر إلى موضع آخر وأنزلت غرفة بئر زمزم إلى أعماق أرض المطاف فصار سطحها من جملة المطاف وجعلت لها أبواب ذات درج من الجهة الشرقية المقابلة للمسعى مما يلي باب علي ﵁ ولم يبقَ إلا الموضع الزجاجي الذي بداخله مقام إبراهيم ﵇، فأصبح المطاف واسعاً جداً كما تراه في الصورة الآتية التي ظهرت فيها العمارة السعودية للمسجد الحرام =стр. 429
يحيطُ بِهِ وَكَانَتْ الدُّورُ مُحْدِقَةً بِهِ، وَبينَ الدُّور أَبْوَابٌ يَدْخُلُ النّاسُ مِنْ كُلّ نَاحية فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَكَثُرَ النّاسُ وَسَّع الْمَسْجِدَ (١) واشْتَرَى دُوراً وَهَدَمَهَا وَزَادهَا فِيهِ وَاتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ جِدَاراً قَصِيراً دُونَ الْقَامَةِ، وَكَانَتْ الْمَصَابِيحُ تُوضَعُ عَلَيْهِ.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الجِدَارَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢) ، فلمَّا استُخْلِفَ عُثْمَانُ ﵁ ابْتَاعَ مَنَازِلَ وَوَسَّعَهُ بِهَا أيضاً وبنى الْمَسْجِدَ وَالأَرْوِقةَ، وَكَانَ عثمانُ ﵁ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الأَرْوِقَةَ (٣) . ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبير زَادَ في المَسْجِدِ زِيَادَةً كَثيرة واشْتَرى دُوراً مِنْ جُمْلَتِهَا بَعْضُ دارِ الأَزْرقِ، اشْتَرَى ذَلِكَ الْبَعْضَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ ألْفَ دينَار ثُمَّ عمَّرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ لَكِنْ رَفَعَ جِدَارَهُ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاج وَعَمَّرَهُ عِمَارَة حَسَنهً، ثُمَّ إِنَّ الوليدِ بنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ وَحَمَلَ إِلَيْهِ أَعْمِدَةَ الْحِجَارَةِ وَالرُّخَامِ وَزَادَ فِيهِ الْمَهْديُّ (٤) بَعْدَهُ مَرَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَعْدَ سَنَةِ ستينَ وَمَائَة، وَالثانِيةُ بَعْدَ سَنَةِ سَبْعٍ الحواشي
(١) وَسع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ المسجد الحرام عام(١٧) سبعة عشر من الهجرة.(٢) وأول مَنْ وَسعه وأول من جعل له أبواباً وأول من أضاء المساجد بالمصابيح.(٣) في سنة ست وعشرين من الهجرة زاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ المسجد الحرام ووسّعه بأرض الدور الملاصقة له التي اشتراها من أهلها وسقفه فكان أوّل مَنْ اتخذ للمسجد الحرام أروقة بعد أن كان عبارة عن متسع فسيح مثل الحصوة.(٤) أي ابن أبي جعفر المنصور والد هارون الرشيد رحمهم الله تعالى.стр. 430
وَسِتينَ وَمَائَةٍ إلَى تِسْعٍ وَسِتينَ وَمَائَةٍ وَفِيهَا تُوفِّيَ الْمَهْديُّ واستقر على ذلك بناؤه إلى وقتنا هذا (١) . الحواشي
(١) أي وقت المصنف رحمه الله تعالى عام وفاته عام ٦٧٦ ستمائة وستة وسبعين هجرية كما تقدم في ترجمته. قال في الحاشية: وقد تجدد بعد المهدي زيادة بالجانب الشمالي زادها المعتضد العباسي بعد الثمانين ومائتين، أدخل فيها ما كان بقي من دار الندوة وأخرى وهي المعروفة بزيادة باب إبراهيم في دولة المقتدر بالله العباسي سنة ست وثلثمائة(٣٠٦) . اهـ.
أقول: وقول المصنف واستقر بناؤه -أي التربيعي- للمسجد الحرام ولم ينظر إلى الزيادتين لأنهما خارجتا التربيع والله أعلم، ثم أزيلت عمارة المهدي رحمه الله تعالى عام(٩٨٠) ثمانين وتسعمائة من الهجرة، بعد دوامها(٨١٠) ثمانمائة وعشر سنين من الهجرة لظهور تشقق في الرواق الشرقي فصدر أمر السلطان سليم بك بن سليمان خان بعمارة المسجد الحرام جميعه بعد هدمه، وإبدال سقف الأروقة الخشبية بقباب هي المشاهدة الآن في البناية القديمة، وأعيدت الأعمدة المرمرية ثانياً في عمارة السلطان سليم خان "وابنه" "مراد" وهي من بقايا عمارة المهدي فلها الآن نحواً من ألف ومائتين وواحد وثلاثين عاماً(١٢٣١) في عمارة الوليد المهدي وعمارة سليم وابنه مراد، وحين ما كمل عمل جانبين من عمارة المسجد الحرام الشرقي، والشامي توفي السلطان سليم رحمه الله تعالى، وتولى مكانه ابنه مراد خان فتمم عمارة المسجد الحرام في عام(٩٨٤) تسعمائة وأربعة وثمانين هجرية على أحسن شكل وأبهى منظر، وفي هذا يقول المؤرخ العلامة قطب الدين في كتابه (الأعلام) رحمه الله تعالى:
جَددَ السلطان مراد بن سليم ... مسجد البيت العتيق المحترم
سر منه المسلمون كلهم ... دار منشور اللواء والعلم
قال روح القدس في تاريخه ... عمر سلطان مراد الحرم
وما زالت عمارة السلطان سليم وابنه السلطان مراد رحمهما الله تعالى قائمة منذ عام(٩٨٤) تسعمائة وأربعة وثمانين بمآذنها وقبابها وجميع لوازمها وبها المنبر الذي أهداه السلطان سليمان خان عام ٩٦٦ هـ تسعمائة وستة وستين هجرية إلى أنْ قامت التوسعة السعودية في أوائل عام (١٣٧٥ هـ) ألف وثلثمائة وخمسة وسبعين هجرية التي احتفظت =стр. 431
وقد قدمنا أنه يجوز الطواف في جميع أروقته وَلَوْ وُسع جَازَ الطوافُ في جمِيعِهِ والله أعْلَمُ.
الحواشي
(١٦٠١٦٨) مائة وستين ألفاً ومائة وثمانية وستين متراً مسطحاً بعد أن كانت(٢٩١٢٧) تسعة وعشرين ألفاً ومائة وسبعة وعشرين متراً مسطحاً، وهي مساحة تتسع لأكثر من ثلاثمائة ألف مصلٍ في وقت واحد ويعتبر مشروع توسعة المسجد الحرام الذي قامت به المملكة العرببة السعودية واستغرق العمل فيه أكثر من اثني عشر عاماً من أضخم المشروعات العمرانية كما تعدّ العمارة غاية في الروعة والجمال، وما صرف عليها من مئات الملايين من الريالات يعتبر منتهى السخاء في عمارة بيوت الله تعالى وفق الله تعالى حكومتنا السعودية لمرضاته آمين.стр. 432
(صور)
стр. 433
وَاعْلَمْ أَن الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يُطلَقُ وَيُرَادُ بهِ هَذَا المسجدُ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ (١) ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْحَرَم وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكةُ، وَقِيلَ هَذَانِ الأَمْرَانِ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أعْلَمُ.
الحَادِيةُ وَالثَّلاَثُونَ: في أُمُورٍ تتعَلَّقُ بِمَكَّةَ. اعْلَمْ أنَّ لَهَا سِتَّةَ عَشَرَ اسْمَاً: مَكَّةُ، وَبَكّةُ وَالْبَلَد، وَأُمُّ الْقُرَى، وَالْبَلَدُ الأَمِينُ، وَأُمُّ رُحْمٍ (٢) ، لأَنَّ النّاسَ يَتَرَاحَمُونَ وَيَتَوَاصَلُونَ فِيهَا، وَصَلاَح بِفَتَحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْحَاءِ كَمَا قَالُوا: حَذَامِ وَقَطَامِ بنوهُمَا عَلَى الْكَسْرِ سُمَّيَتْ بِذَلِكَ لِأَمْنِهَا وَيقالُ لَهَا الْمُقَدّسَةُ، وَالْقَادِسَةُ، مَأْخُوذَانِ مِنَ التَّقْدِيسِ وَهُوَ التَّطْهِيرُ، والنَّاسَّةُ بالنُّونِ والسينِ المهملةِ المُشَدّدة، والنَّسَّاسَةُ بتشديدِ السين الأُولَى قِيلَ لأَنَّهَا تنسُّ مَنْ ألْحَدَ فِيهَا أي تَطْرُدُهُ وَتَنْفِيهِ.
وقَالَ الأَصْمَعِي النسُّ الْيَبْسُ وَقِيلَ لِمَكَّةَ نَاسَّة لقِلَّةِ مَائِهَا وَيقَالُ البَاسَّةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لأَنهَا تَبُسُّ الْمُلْحِدَ أي تُحَطمُه وَتُهْلِكُهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الله تَعَالَى: الحواشي
(١) من الغالب قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ﴾ [الإسراء: ١] على الراجح وقيل هو هنا مكة لأنه أسرى به من بيت أم هانئ أو شِعْب أبي طالب، قال العلامة عبد الرؤوف ﵀: ويمكن الجمع بأنه أُخِذَ أولاً ﷺ من المسجد إلى الشعْب ثم إلى بيت أم هانئ أو عكسه. اهـ.
قوله: (وقد يراد به الحرم) قال الماوردي ﵀ وهو المراد في جميع القرآن الكريم، وهي خمسة عشر موضعاً إلا: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالمراد به الكعبة وقوله: (وقد يراد به مكة) أي المحدودة بدءاً وآخراً بالعمارات. وبقي على المصنف إطلاق رابع للمسجد وهو الكعبة. وقوله: (وقيل هذان الأمران في قول الله إلخ) فجرى المصنف النووي رحمه الله تعالى على الأول وهو أنّ المراد من المسجد الحرام في الآية المذكورة: الحرم، وجرى الرافعي ﵀ على الثاني وهو أن المراد من المسجد في الآية المذكورة مكة. والمعتمد في المسألة عند الشافعية ما ذهب إليه النووي وقد تقدمت أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى.(٢) بضم الراء وإسكان الحاء.стр. 434
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ يقالَ لَهَا الحاطِمَةُ لِحَطْمِهَا الْمُلْحِدَ، وَيقالُ لَهَا الْعُرُشُ (١) ، وَيقالُ لَهَا كُوثَى (٢) . فَهَذِهِ سِتّة عَشَرَ اسْماً وَقَدْ أوْضَحْتُهَا في كِتَابِ تَهْذِيبِ الأَسْمَاءِ وَاللغَاتِ وَأَتيْتُ هُنَا بِمَقَاصِدِهَا.
وَاعْلَمْ أنَّ كَثْرَة الأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْمُسَمَّى كمَا فِي أَسْمَاءِ الله تَعَالَى وَأَسْمَاءِ رَسُولهِ ﷺ ، وَلاَ يُعْرَفُ بَلَدٌ مِنَ الْبِلاَدِ أكْثَرُ أسْمَاءً مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِكَوْنهِمَا أَشْرَفُ الأَرْضِ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ جَمَاعَة مِنَ الْعُلَمَاءِ بكّةَ وَمَكةَ بِمَعْنى وَاحِدٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ هُمَا بِمَعْنَيين واخْتَلَفُوا عَلَى هَنا، فَقِيْلَ مَكَّةُ بالْمِيمِ الْحَرَمُ كُلهُ وَبكَّةُ الْمَسْجِدُ خاصَّةً، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَزَيْدُ بنُ أَسْلَمَ. وَقِيلَ مَكَّةُ اسْمٌ لِلْبَلَدِ وَبَكَّةُ بِالْبَاءِ الْبَيْتُ وَمَوْضِعُ الطَّوَافِ وَقِيلَ بَلِ الْبَيْتُ خَاصَّةً، قَالَهُ النَّخَعِي وَغَيْرُهُ، سُميت بَكّة لازْدِحَامِ النَّاسِ بِهَا يبكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً أيْ يَدْفَعُهُ في زَحْمَةِ الطَّوَافِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: سُمِّيتْ بَكَّةَ لأَنَّهَا تبك أَعْنَاقَ الجَبَابِرَةِ إِذَا ألْحَدُوا فِيهَا أَيْ تَدُقهَا أيْ وَالْبَك الدق وَأَمَّا مَكَّةُ بِالمِيمِ فَقَالَ الأَصْمَعِي وَغَيْرُهُ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلهِمْ تمككْتُ الشَّيْءَ إذَا استَخْرجْتُهُ لأَنهَا تَمُك الْفَاجِرَ عَنْهَا وَتُخْرِجُهُ مِنْهَا، وَقِيلَ لأَنَّها تَمُك الذُّنُوبَ أيْ تُذْصبُهَا وَقِيلَ لِقِلَّةِ مَائِهَا مِنْ قَوْلهِمْ امْتَكَّ الْفَصِيل ضَرْعَ أمِّه إذَا امْتَصَّهُ.
قَالَ الماوَرْدِيُّ: لَمْ تكُنْ مَكَّةُ ذَاتَ مَنَازِلَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ جُرْهُم الحواشي
(١) بضم العين والراء وفتح العين مع سكون الراء.(٢) بضم الكاف وفتح التاء.стр. 435
والْعَمَالِقَةِ يَنْتَجِعُونَ (١) فِي جِبَالِهَا وَأَوْدِيَتِهَا وَلاَ يَخْرُجُونَ مِنْ حَرَمِهَا انْتِسَاباً إلى الْكَعْبَةِ لاسْتِيلاَئِهِمْ عَلَيْهَا وَتَخَصُّصاً بالْحَرَمِ لِحُلولِهِمْ فِيهِ وَيَرَوْنَ أَنهُم سَيَكُونُ لَهُمْ بِذلِكَ شَأْنٌ، وكُلَّمَا كَثُرَ فِيهِمْ الْعَدَدُ وَنَشَأَتْ فِيهِمْ الرياسَةُ قَوِيَ أمَلُهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ سَيَتَقَدَمُونَ عَلَى العربِ. وَكَانَ فُضَلاَؤُهُمْ يَتَخَيَّلُونَ أَنَّ ذلِكَ لِرياسَةٍ في الدينِ وَتَأْسِيساً لِنبوّة ستكُونُ، فَأَوَّلُ مَنْ أُلهِمَ ذلِكَ مِنْهُم كَعْبُ بنُ لُؤَيِّ بن غَالِبٍ وَكَانَتْ قُرَيْش تَجْتَمعُ إِلَيْهِ في كُل جُمعةٍ وَكَانَ يَخْطُبُهُمْ فِيهِ وَيَذْكُرُ لَهُمْ أمْرَ نَبِيّنا محمَّدٍ ﷺ ثُمَّ انْتَقَلَتْ الرياسَةُ إلَى قُصي بنِ كَلاَبٍ فَبَنى بِمَكَّةَ دَارَ النّدْوَةِ لِيَحْكُمَ فِيهَا بَيْنَ قُرَيْش ثُم صَارَتْ لِتَشَاوُرِهِمْ وَعَقْدِ الأَلْوِيةِ لحُرُوبِهِم.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَكَانَتْ أوَّلَ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ فَبَنَوا الدُّورَ وكُلَمَا قَرُبُوا مِنَ الإِسْلاَمِ ازْدَادُوا قُوَّةً وَكَثْرَةَ عَدَدٍ حَتى دَانَتْ لَهُمُ الْعَرَبُ.
الثَّانِيَةُ والثَّلاَثُون: يُكْرَهُ حَمْلُ السِّلاحِ بِمَكَّةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابر ﵁ أنَّ النَبي ﷺ قَالَ: لاَ يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السّلاحُ بِمَكَّةَ.
الثَّالِثَةُ والثلاَثُون: قَالَ أصْحَابُنَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايةِ أنْ تُحَجّ الكَعْبَةُ كُلَّ سَنةٍ فَلاَ تُعَطّلُ (٢) وَلاَ يُشْتَرَطُ لِعَدَدِ الْمُحَصّلِينَ لِهذَا الفْرَضِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ بَلِ الْغَرَضُ أنْ يُوجَدَ حَجهَا في الْجُمْلَةِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ في كُلِّ سَنَة مَرَةً. الحواشي
(١) أي يستمرون منتقلين من موضع إلى موضع آخر في جبالها وأوديتها بدون أن يتجاوزوا حدود الحرم.(٢) لأن الحج هو المقصود الأعظم من بنائها لما فيه من إحيائها وإحياء الأماكن المقدسة كعرفة ومزدلفة ومنى والحج زيارة بقاع مخصوصة بأفعال مخصوصة في أشهر مخصوصة.стр. 436
الرَّابعَةُ والثلاَثُونَ: قَدْ تَقَدمَ أَنهُ يَجُوزُ صَلاَةُ الْفَرضِ وَالنَّفْلِ جَمِيعاً في الْكَعْبَةِ وَأن النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهُ وَكَذَا الْفَرِيضَةُ إذَا لَمْ تكُنْ جَمَاعَة وَإِنْ كَانَتْ جَمَاعَة فَخَارجهُ وَإِذا صَلُّوا جَمَاعَة دَاخِلُهُ فَلَهُمْ في الْمَوْقِفِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ تَقَدَّمَ بيانُها (١) .
أَمَّا إِذَا صَلوا جَمَاعَة خَارِجَ الْبَيْتِ وَوَقَفَ الإِمَامُ عِنْدَ الْمَقَامِ أوْ غَيْرِهِ وَوَقَفَ المأمُومُونَ خَلْفَهُ مُسْتَدِيرينَ فَصَلاَتُهُمْ صَحِيحَة، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ أقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنَ الإِمَامِ نُظِرَ إِنْ كَانَ أقْرَبَ وَهُوَ فِي جِهَةِ الإِمَامِ بأَنْ يقِفَ قُدامَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاَةُ المأمُومِ عَلَى الأَصَح، وَإِنْ كَانَ أقْرَبَ فِي جِهَةِ أخْرَى بِأَنْ اسْتَقْبَلَ الإِمَامُ الْجِدَارَ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَأْمُومُ مِنْ جِهَةِ الْحجرِ أو غَيْرِهَا صَحَتْ صَلاَتهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَحِيحِ (٢) ، وَقَالَ أَبُو إِسْحقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أصْحَابِنَا لاَ تَصِحُّ (٣) .
وَلَوْ وَقَفُوا خَلْفَ الإِمَامِ آخِرَ الْمَسْجِدِ وَامْتَد صَف طَوِيل جَازَتْ صَلاَتُهُم (٤) ، وَإِنْ وَقَفُوا بِقُرْبِ الْبَيْتِ وَامْتَدَّ الصف فَصَلاَة الخَارِجِينَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ بَاطِلَة عَلَى الأَصح. الحواشي
(١) في المسألة الثامنة من هذا الباب.(٢) ولو استقبل الإمام ركناً لم يجز التقدم عليه في كل من جهتيه لاستقباله لهما.(٣) الظاهر أنه انفرد بهذا الخلاف.(٤) حاصله كما في الحاشية أن الصف إن قرب من الكعبة سواء كان آخر المسجد أم لا اشترط تيقن كل مَنْ به من محاذاتها، وإلآ بطلت صلاة مَن لم يتيقن محاذاتها بخلاف ما إذا بعد الصف عنها فتصح صلاة الكل وإن طال الصف من المشرق إلى المغرب لأن صغير الحجم كلما زاد بعده زادت محاذاته كغرض الرماة، هذا ما قاله الشيخان الرافعي والنووي رحمهما الله تعالى. اهـ مختصراً بزيادة.стр. 437
قَالَ أبو الوليد الأزرقي: أَول من أدار الصفوف حول الكعبةِ وراءَ الإِمَامِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله القَسْرِيُّ (١) حِيْنَ كَانَ وَالياً عَلَى مَكَّةَ فِي خِلاَفَةِ عَبْدِ الْمَلكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أنَهُ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ مَوْقِفُهُمْ وَرَاءَ الإِمَامِ فَأَدَارَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أبِي رَبَاحٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَار وَنُظَرَاؤُهما مِنَ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ ذَلِكَ وَلاَ يُنْكرُونَهُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ إذا قَل النَّاسُ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّهُما أَحَب إِلَيْكَ؟ أَنْ يُصَلوا خَلْفَ الْمَقَامِ أمْ يَكُونُوا صَفَّاً وَاحِداً حَوْلَ الكَعْبَةِ؟ فَقَالَ: أَنْ يَكُونُوا صَفاً وَاحِداً حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَالله أَعْلَمُ.
قَالَ أَصحَابُنَا: وَلَوْ صلى مُنْفَرِداً عِنْدَ طَرَفِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الكَعْبَةِ وَبَعْضُ بَدَنِهِ مُحَاذِي الركْنِ وَبَعْضُهُ يَخْرِجُ عَنْهُ لَمْ تَصِحّ صَلاَتُهُ عَلَى الأَصحِّ (٢) ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ حِجْرَ الْكَعْبَةِ وَلم يَسْتَقْبِلْهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا فَالأَصَحُ أَنهُ لا تَصحُّ صَلاَتُهُ (٣) وَلَوْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ (٤) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِص (٥) لَمْ تَصِح الحواشي
(١) وفي قول نقله الزركشي أن أول من أدار الصفوف حول الكعبة عبد الله بن الزبير ﵄ وسبب ذلك إنه عيب عليه أن جميع الناس خلف الإِمام والله أعلم.(٢) أي بخلاف ما لو استقبل الركن فصلاته صحيحة. وإن خرج عنه بعض بدنه من الجانبين لاستقباله للبناء المجاور للركن.(٣) أي وإنْ استقبل ما في الحجر من الكعبة لأن القبلة لا بد فيها من القطع بأنها قبلة قرب المصلى منها أو بعد وما في الحجر من البيت إنما ثبت بدليل ظني وهو لا يكتفي به فيها ثم بعد القطع باستقبال القبلة لا بد من القطع بمحاذاتها لمن عندها وغلبة الظن للبعيد عنها. وقوله: (مع تمكنه منها) خرج العاجز عن استقبالها، فهذا يصلي على حسب حاله ويعيد.(٤) أي أو في عرصتها إذا انهدمت والعياذ بالله. والعرصة هي البقعة الواسعة بين الدور ليس بها بناء.(٥) أي من بنائها أو مسمر فيه أو شجر ثابت فيه أو تراب مجتمع منه بخلاف الحشيش النابت فيه، وكذا العصا المغروزة لأنها معرضة للزوال والله أعلم.стр. 438
صَلاَتهُ عَلَى الصحِيحِ وَإِنْ كَانَ شَاخِص مِنْ نَفْسِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ ثُلُثَا ذِرَاع (١) صَحَّتْ صَلاَتُه وإلاّ فَلاَ، وَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَتَاعاً لَمْ يَكْفِهِ.
الخَامِسَةُ والثلاَثُونَ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الصّلَوَاتِ يَتَضَاعَفُ الأَجْرُ فِيهَا فِي مَكَّةَ وَكَذَا سَائِرُ أنْوَاعِ الطَّاعَاتِ أيْضَاً (٢) ، وَمَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مُجاهدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ (٣) . وَقَالَ الْحَسَنُ البَصْرِي: صَوْمُ يَوْم بِمَكَّةَ بِمَائَةِ ألف وَصَدَقةُ دِرْهَم بِمَائَةِ ألْفٍ وَكُل حَسَنَة بِمَائَة أَلْفٍ فَيُسْتَحَب أَنْ يُكْثِر فِيها مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقِرَاءةِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ الَّتي تُمْكِنُهُ.
السَّادسةُ والثلاَثُونَ: في كُسْوَةِ الْكَعْبَة.
قَالَ الأَزْرَقُي: قَالَ ابْنُ جُريَج: كانَ تبَّع الحميَريُّ (٤) أوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ الحواشي
(١) أي طولاً بذراع الآدمي تقريباً وإن لم يكن له عرض كما تقدم في ساتر قاضي الحاجة عند استقباله القبلة.(٢) قد تقدم الكلام على هذا في التعليق على المسألة الثالثة عشرة من هذا الباب.
فراجعه تجد فيه أقوال بعض الصحب الكرام والأئمة الأعلام رضوان الله عليهم جميعاً وعلينا معهم آمين.(٣) أي تبعاً لابن عباس وابن مسعود ﵃ كما في الحاشية.(٤) اسمه أسعد أبو كرب وهو الذي كسا البيت بعد ما أراد غزوه، وبعدما غزا المدينة، وأراد خرابها، ثم انصرف لَما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد. وقال شعراً أودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر إلى أن هاجر النبي ﷺ فأدوه إليه. ويقال كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد ﵁ وفيه:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مُدَّ عمري إلى عمره ... لكنت وزيراً له وابن عم
وقد روي عنه ﷺ كما في تفسير القرطبي ﵀ (لا تسبوا تُبعاً فإنه كان مؤمناً)، فهذا يدل على أنه كان واحداً بعينه. وقال السهيلي رحمه الله تعالى: تُبَّع اسم لكل مَلِكٍ =стр. 439
كُسْوَةً كَامِلَةً أري فِي الْمَنَامِ أنْ يكْسُوهَا فَكَسَاهَا الأَنْطَاعَ (١) ثُمّ أُرِي في الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوهَا الْوَصَائِل وَهِيَ ثِيَاب حَبَرةٍ (٢) مِنْ عَصْبِ الْيَمَنِ ثُم كَسَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُم رَوَى الأَزْرقِي فِي رِوَايَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ حَاصِلُها أَن النَّبي ﷺ كَسَا الْكَعْبَةَ ثِيَاباً يمانِيةً ثُم كَسَاهَا أبُو بكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيةُ وَابْنُ الزبيرِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وإن عُمَرَ ﵁ كَانَ يَكسُوهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فيكْسُوهَا القَبَاطِيّ (٣) وَكَسَاهَا ابْنُ الزبَيْرِ وَمُعَاوِيةُ الديباجَ (٤) وَكَانَتْ تكْسَى يَوْمَ عَاشُورَاءَ ثُمَّ صَارَ مُعاوِيةُ يكْسُوهَا مَرتَيْنِ ثُم كَانَ المأمُونُ يكْسُوهَا ثَلاَثَ مَرات فَيَكْسُوهَا الديْبَاج الأحمرَ يوْمَ التروِية (٥) وَالقِبَاطِي يَوْمَ هِلاَلِ رَجب والديباجَ الأبْيَضَ يَوْمَ سَبع وَعشرِينَ مِنْ رَمَضَاَن وَهَذَا الأَبْيَضُ ابتدأه المأمُونُ سنةَ ستّ وَمَائتين حين قالُوا له: الديباجُ الأحمر يتخرّقُ قَبْلَ الْكُسْوَةِ الثانِيةِ فَسَأَلَ عَنْ أَحْسَنِ مَا تكونُ فيه الكعبةَ فقيلَ لَهُ: الديْبَاجُ الأبْيَضُ فَفَعَلَهُ.
السابعةُ والثلاثونَ: في تزيينِ الكعبة بالذهبِ وَكَيفَ كَانَ ابتداوهُ. الحواشي
(١) بسط من الجلد.(٢) أي مخططة يعصب غزلها -أي يجمع- ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشياً لبقاء ما عصب أبيض لم يصبه الصبغ، يقال: (برد عصب) بالوصف والإضافة هي ما تُسمى في الحجاز: (المصانف اليمانية) والله أعلم.(٣) القباطي: ثياب بيض رقيقة كان يصنعها القبط بمصر.(٤) الديباج: ما غلظ من الحرير.(٥) هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وسمي بيوم (التروية) لأن الناس كانوا في السابق يتروون فيه الماء من مكة، ويحملونه معهم إلى عرفة، وقيل غير ذلك والله أعلم.стр. 440
نَقَل الأزرقي (١) أن عبدَ الله بن الزبيرِ حِين أَرَادَ هَدْمَ الكَعْبةَ وَبِنَاءَهَا اسْتَشَارَ النّاسَ في ذَلِكَ فَأشارَ جَابِرِ بْنُ عَبْدِ الله وَعبيدُ بنُ عُمَيْر وَآخَرُونَ بِتَرْكِهَا عَلَى حَالِهَا فَعَزَمَ ابْنُ الزبير عَلَى هَدْمِهَا فَخَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ إِلَى مِنى فَأَقَامُوا بِهَا ثَلاَثاً خَوْفاً مِنْ أنْ يَنْزلَ عَلَيْهِم عَذَابٌ لَهَدْمِهَا، فأمَرَ ابنُ الزبير بِهَدْمِهَا فَمَا اجْتَرأ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ فَلَمَا رَأى ذَلِكَ عَلاَهَا بِنَفْسِهِ وَأَخَذَ المِعْوَلَ وَجَعَلَ يَهْدِمُهَا وَيَرْمِي أحْجَارَهَا، فَلَما رَأوْا أَنهُ لاَ يُصِيبُهُ شيء اجْتَرَؤُوا فَصَعَدُوا وَهَدَمُوهَا، فَلَمّا فَرَغَ ابنُ الزّبيرِ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبةِ خَلقَها (٢) مِنْ دَاخِلِهَا وَخَارِجِهَا مِنْ أعْلاَهَا إِلَى أسْفَلِهَا وَكَسَاهَا القَبَاطيَّ. وَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لي عليه طاعةٌ فَلْيَخْرُجْ فليعْتَمِرْ مِن التنْعِيمِ ومَنْ قدرَ أن ينحرَ بدنَة فليفعلْ ومنْ لَمْ يقدِرْ فليذبحْ شاة ومن لم يقدرْ فليتصدّقْ بوسْعِهِ، وخرجَ ابنُ الزّبيرِ ماشياً وخرح النّاسُ معه مشاة حتى اعتمرُوا مِنَ التَّنْعِيم شكراً ولمْ يُرَ يَوماً أكثر عَتيقاً وبَدنة مَنحورَة وشاة مذبوحة وصدقة مِنْ ذَلِكَ اليومِ، وَنحر ابْنُ الزبيرِ مَائة بَدَنَةٍ.
وَأمَّا تذهيبُ الكعبةِ فإن الوليدَ بنَ عبدِ الملكِ بعثَ إلى واليهِ عَلَى مكةَ خالدِ بنِ عبدِ الله القَسْرِي بستّة وَثَلاثينَ ألْفِ دِينار فضربَ منهَا على باب الكعبةِ الحواشي
(١) أقول: فإن قيل: قول المصنف رحمه الله تعالى: نَقَلَ الأزرقي حتى قوله: (ونحر ابن الزبير مائة بدنة) ليس مطابقاً لما ترجم له هذه المسألة.
(أجيب): كما في الحاشة: بأنه قَصَدَ الرد على مَنْ قال من المؤرخين إن ابن الزبير ﵄ هو أول من حَلى الكعبة حين بناها، والأزرقي ﵀ لم يذكر إلا بناءه ولم يذكر أنه أول مَنْ حَتى الكعبة إلخ بل نقل أن أول من ذهَّبَها عبد الملك بن مروان، ونقل قبله أن أول من ذهَّبَ البيت الوليد بن عبد الملك. والمشهور الأول. ويحمل ما قال ثانياً على أن أول من فعل ذلك بعد عبد الملك ابنه وقول الأزرقي مُقدم على غيره لأنه أعلم بذلك والله أعلم.(٢) أي طلاها بالمسك والعنبر.стр. 441
صفائح الذهبِ وعلى ميزابِ الكعبةِ وعلى الأساطينِ التي في بَطْنِهَا وعلى الأَرْكَانِ في جَوْفِهَا فكلُّ ما على الميزاب والأَركانِ من الذهبِ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الوليدِ وَهُوَ أوّلُ من ذهّبَ الْبَيْتَ في الإِسلامِ.
فأمّا ما كانَ على البابِ من الذهبِ من عمل الوليدِ فَسُرقَ فرفعَ ذَلِكَ إلى أميرِ المؤمنينَ مُحَمّدِ بنِ الرشيدِ في خلافتِهِ فأرسلَ إلى سالمِ بنِ الجرَّاحِ عامِلِهِ عَلَى ضَوَاحِي مَكّةَ بِثمانِيَة عَشَرَ ألْفِ دينار لِيَضْرِبَ بِهَا صَفائح الذَّهَبِ عَلَى بابِ الْكَعْبَةِ فَقَلَعَ ما كانَ عَلَى البابِ من الصَّفائحِ وَزَادَ عَلَيْهَا ثمانِيَة عَشَرَ ألْفَ دينارٍ فَضَرَبَ عَليهَا الصفائحِ التي هِيَ عليهِ الْيَوْمَ وَالْمَسامِيرَ وحلَقَتَيْ الْبَابِ والْعَتبَةِ، فالَّذِي عَلَى البابِ مِن الذهبِ ثلاثةٌ وثلاثون ألْفَ مِثقالٍ (١) . وَعملَ الوليدُ بْنُ عبدِ الملكِ الرُّخَامَ الأحْمَرَ والأخْضَرَ والأبيضَ في بَطْنِهَا مُؤزِّراً بِهِ جُدْرَانَهَا وَفَرَشَهَا بالرّخامِ فجميعُ مَا في الْكَعْبَةِ مِنَ الرّخامِ هُوَ مِنْ عَملِ الوليدِ بن عبد الملكِ وهو أوَّلُ مَنْ فَرَشَهَا بِالرُّخَامِ وأزرَ بِهِ جُدْرَانَهَا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ.
الثامنةُ والثلاثونَ: في تطييب الْكَعْبَةِ.
رَوَى الأزْرقِيُّ أن عبد الله بن الزُّبَيْرِ ﵄ كَانَ يُجَمِّرْ (٢) الْكَعْبَةَ الحواشي
(١) أما الباب الذهبي الموجود في عصرنا عام(١٤٠١) هجرية - واحد وأربعمائة وألف فهو من عمل الحكومة السعودية عُمِلَ في عهد الملك خالد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عام ١٣٩٩ تسعة وتسعين وثلثمائة وألف هجرية، وكان قبه باب عملته أيضاً الحكومة السعودية بعد أن خلعت الباب القديم السابق وفق الله الحكومة السعودية لما يحبه ويرضاه آمين.(٢) أي يجعل بخور العود في المجمرة ويبخّر به الكعبة.стр. 442
كُلَّ يَوْم بِرَطْل وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ بِرَطْلَيْنِ مُجْمَراً (١) ، وأنَّ ابْنَ الزبيرِ خَلَّق (٢) جَوْفَ الْكَعْبَةِ كُلَّهُ. وَعَنْ عائْشةَ ﵂ قَالَتْ: طَيّبوا الْبَيْتَ فَإِنَّ ذَلِكَ من تَطْهِيرِهِ تَعْنِي قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ وَأنَّ عَائشةَ قَالَتْ: لأَنْ أُطَيِّبَ الْكَعْبَةَ أَحبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ لَهَا ذهَباَ أَوْ فِضَّةً، وَأنّ مُعَاوِيةَ ﵁ أَجْرَى للْكَعْبَة طِيبَهَا لِكُل صَلاَةِ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ مُعَاوِيةُ أوّلَ مَنْ طَيَّبَ الْكَعْبةَ بِالْخلُوقِ (٣) والمجمّرِ وَأجْرى الزيْتَ لِقَنَادِيل (٤) المسْجِدِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالله أعْلَمُ. الحواشي
(١) بضم الميم وسكون الجيم وفتح الميم الثانية: عود رطب يوضع في المجمر بكسر أوله أي المجمرة.(٢) أي طيب الكعبة (بالخلوق) بفتح الخاء وضم اللام وهو نوع من الطيب.(٣) أي بالطيب. والمجمر: عود الطيب أي طَيب الكعبة بالطيب وبَخَّرها بالعود المُجَمَّر، أي الموضوع في نار المجمرة.(٤) القناديل برام من الزجاج توضع فيها مصابيح زيت الزيتون، ولا زالت منها بقايا المسجد النبوي معلقة.стр. 443
الباب السادس
في زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا رَسُولِ الله ﷺ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَعَظَّمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
اعْلَمْ أنَّ لمَدِينَةِ رَسُولِ الله ﷺ أسماءٌ خمسة (١) : المدينةُ، وطَابَةُ، وَطيبَةُ، والدَّارُ، وَيَثْربُ (٢) . قال الله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية. وَثَبَتَ في صحيحِ مسلم عن جابر بْنِ سَمُرَةَ ﵄ عَنِ النبي ﷺ قال: "إِنّ الله تعالى سَمَّى المدينَة طابةَ قَالَ سُمِّيتْ طابةَ وطِيبَة لخُلُوصِهَا مِنَ الشرْكِ وَطَهَارَتِهَا مِنْهِ، وَقِيلَ: لِطِيبِ سَاكِنِيهَا لأَمْنِهِم وَدعَتهم، وَقِيلَ: لِطِيبِ الْعَيْشِ بِهَا. وَأَمَّا تَسْمِيتُهَا الدَّارَ فَلِلاستِقْرار بها لأمنها".
وأمَّا الْمَدينة قَالَ كَثِيرونَ مِنْ أهْلِ اللغَةِ وَغَيْرِهِم مِنْهُمْ قُطْرُبُ وابْنُ فارسٍ: هِيَ مِنْ دانَ أَيْ أَطَاعَ وَالدينُ الطَّاعَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهُ يُطَاعُ الله تعَالَى فيهَا وَقِيلَ غَيْر ذلِكَ والله أعلمُ، وَفِي البابِ مَسَائِلُ: الحواشي
(١) هذه أَشْهَر أسماء المدينة، وإلا فقد أوصلها بعضهم إلى ألف اسم.(٢) قال في الحاشية: فيه نظر فإنه تسمية جاهلية، وذكْرُهُ في القرآن إنما وقع في الحكاية عن المنافقين، كما حكى عنهم الكفر فلا حجة فيه، ومن ثَمّ غَيرَهُ رسول الله ﷺ على عادته في تغيير الأسماء القبيحة إذ التثريب الملامة والحزن. وفي الحديث "يقولون يثرب وهي المدينة" وهو ظاهر في كراهة أن تسمى باسمها في الجاهلية. وسميت به باسم مكان بها قيل وهذه اللفظة إنما وقعت في مُسَودة المصنف دون مبيضته. اهـ.стр. 444
الأولَى: إذَا انْصَرَفَ الْحُجاجُ وَالمُعْتَمِرُونَ مِنْ مَكةَ فَلْيَتَوَجهُوا إلى مَدينة رسول الله ﷺ لِزَيَارَةِ تربتِهِ ﷺ فَإنهَا مِنْ أهَم الْقُرُبَاتِ وَأَنْجَحِ المَسَاعِي. وَقَدْ رَوَى البزارُ والدارَقطْنِي بِإِسْنادهمَا عن ابنِ عمَر ﵄ قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ زَارَ قبرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي".
الثانيةُ: يستحب للزائِرِ أنْ يَنْوِيَ معَ زيارَتِهِ ﷺ التَقَرُّب إلى الله تعالَى بِالمسافَرة إِلى مَسْجِده ﷺ والصَّلاَة فِيهِ.
الثالثةُ: يُستَحَب إِذَا تَوَجهَ إِلَى زِيارتِهِ ﷺ أنْ يُكْثِرَ من الصلاةِ والتسْليمِ عليهِ في طريقِهِ فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَشْجَارِ الْمَدينة وَحَرَمِهَا وَمَا يُعْرَفُ بِهَا زَادَ مِنَ الصلاَةِ والتسْلِيمِ عَلَيْهِ ﷺ وَيَسْأَل الله تعالَى أَنْ يَنْفَعَه بِزِيارَتِهِ وَأَنْ يَتَقَبلها مِنْهُ.
الرابعةُ: يُسْتَحَب أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ دُخُولهِ وَيَلْبَسَ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ.
الخامسةُ: يستحضرُ في قَلْبِهِ حِينَئِذ شَرَفَ الْمَدِينَة وَأَنهَا أَفْضَلُ الدُّنْيَا بَعْدَ مَكةَ عند بعضِ الْعُلَمَاءِ وعند بعضهم أفضلِها على الإِطلاق (١) ، وَأَنَّ الذِي شُرفَتْ به ﷺ خَيْرُ الْخَلاَئِقِ أَجْمَعِينَ (٢) . وَلْيَكُنْ من أَوَّلِ قُدُومِهِ إِلَى أن يَرْجِعَ مُسْتَشْعِراً لتَعْظِيمِهِ مُمْتَلىء الْقَلْبِ مِنْ هَيْبتِهِ كَأَنهُ يَرَاه.
السادسةُ: إذَا وَصَلَ إلَى بَابِ مَسْجِدِهِ ﷺ فَلْيقُلْ مَا قَدمناهُ في دُخُولِ الحواشي
(١) قد تقدم هذا الخلاف في الباب الخامس، وذَكَرْتُ دليل كُل في التعليق عليه.(٢) ورحم الله القائل:
وأفضل الخلق على الإِطلاق ... نبينا ... فحل عن الشقاق
وقال غيره رحمه الله تعالى مغيراً لبعض الشطر الأخير:
وأفضل الخلق على الاطلاق ... نبينا أعلى المراقي راقيстр. 445
الْمسجدِ الحَرَامِ (١) وَيقدّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى في الدُّخُولِ وَالْيُسْرى في الْخُرُوجِ (٢) ، وَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. وَيَدْخُلُ فَيقْصِدُ الرَّوْضَةَ الْكَرِيمَةَ وهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ فَيُصَلِي تَحِيّة الْمَسْجِدِ (٣) بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ (٤) .
وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدّينِ أَنهُ يَجْعَلُ عَمُودَ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنكبه الأَيمَنِ وَيستَقْبلُ السَّارِيةَ الَّتي إلى جَانبِها الصَّنْدُوقُ وَتكُونُ الدَّائِرَة التي في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُولِ الله ﷺ .
وَقَدْ وُسّع الْمَسْجِدُ بَعْدَه ﷺ وَفِي كِتَابِ الْمَدِينة أنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ الحواشي
(١) وهو أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم بسم الله والحمد لله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وسلم. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.(٢) ويقول الدعاء الذي قال في الدخول إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك.(٣) أي لما رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قدمت من سفر فجئت رسول الله ﷺ وهو بفناء المسجد فقال: (أدخلت المسجد فصليت فيه؟. قلت: لا. فاذهب فادخل المسجد فصلِ فيه ثم ائت فسلّم عليّ).
ورحم الله العلامة ابن القيم إذ يقول في الكافية الشافية:-
وكذا نشد رحالنا للمسجد ... النبوي خير مساجد البلدان
من بعد مكة أو على الإطلاق ... فيه الخلف منذ زمان
فإذا أتينا المسجد النبوي ... صلينا التحية أولاً ثنتان
ثم انثنينا للزيارة نقصد القبر ... الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والإِعلان(٤) هذا وما ذكره المصنف ﵀ عن الإِحياء للغزالي ﵀ باعتبار ما كان في زمانيهما. وكل هذا تغير، فالمسجد النبوي قد احترق مرتين، المرة الأولى عام ٦٥٤ هـ والثانية عام ٨٨٦ هـ وعمر وجُدّد مرات بعد ذلك. وسأذكر إن شاء الله موضع موقفه ﷺ في العمارة الأخيرة للمسجد النبوي عند قول المصنف (أربع عشرة ذراعاً وشبر).стр. 446
وَمَقَامِ النَّبِيّ ﷺ الذي كَانَ يُصَلَي فِيهِ حَتى تُوُفي أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعاً (١) وَشِبْر، وأنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ المِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ثَلاَث وَخَمْسُونَ ذِرَاعاً وَشِبْر وَسَيَأْتِي إنْ شَاء الله تَعالَى بيانُ سِعَةِ الْمَسْجِدِ وَكَيْفَ حَاله في آخِرِ هذَا الْبَابِ والله أعلمُ. الحواشي
(١) أي بذراع اليد المعتدلة كما في الحاشية وجاء في كتاب (عمدة الأخبار في مدينة المختار) وذكر أبو غسان أن ما بين الحجرة الشريفة من المشرق وبين مقام النبي ﷺ ثمان وثلاثون ذراعاً، وأن ما بينه وبين المنبر الشريف أربعة عشر ذراعاً وشبراً. اهـ.
أقول: بهذا الذراع يتحقق موقفه ﷺ لأن ما ذكره المصنف وما جاء في الأخبار قد تغير كما تقدم لتكرر تجديد عمارة المسجد النبوي بعد ذلك. وآخر عمارة في هذا الموضع عمارة السلطان عبد المجيد العثماني رحمه الله تعالى التي بدأت سنة ١٢٦٣ هـ.
وانتهت سنة ١٢٧٧ هـ ثم جاءت بعدها التوسعة العظيمة في الجهة الشمالية من المسجد المتصلة بالباقي من عمارة السلطان عبد المجيد كما وسع من جهة الشرق والغرب، بدأ التنفيذ فيها في ٥ شوال سنة ١٣٧٠ هـ بأمر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك المملكة العربية السعودية ﵀ وانتهت العمارة والتوسعة سنة ١٣٧٥ هـ، وهي العمارة التي نشاهدها الآن للجزء الشمالي من المسجد المتصلة كما تقدم بالباقي من عمارة السلطان عبد المجيد وفق الله حكومتنا السعودية لما فيه الخير للعباد والبلاد آمين.
أقول: ثم رأيت بعد كتابة ما سبق في كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة للأستاذ علي حافظ: أول من أحدث المحراب المجوف عمر بن عبد العزيز في عمارة الوليد بن عبد الملك للمسجد النبوي سنة (٨٨ إلى ٩١) كما نقله السيوطي في أوائله ونقل في نزهة الناظرين: والمحراب الموجود الآن هو من عمارة الأشرف قايتباي ﵀ ومصلى رسول الله ﷺ للكعبة يقع في الطرف الغربي لتجويفة المحراب فاجعل التجويفة في يسارك، وقف بينك وبين المنبر الشريف مقدار(١٤) ذراعاً وشبراً تكن في موقف الرسول ﷺ في الصلاة. وقد كُتِب في جانب المحراب في نفس الموضع (هذا مصلى النبي ﷺ ). اهـ مختصراً.
أقول: هذا الذي ذكره الأستاذ علي حافظ موافق لما ذكره المصنف عن كتاب المدينة وموافق أيضاً لما في عمدة الأخبار عن أبي غسان رحم الله الجميع ورحمنا معهم آمين. قال في الحاشية: إنما سنت التحية بالموقف الشريف اتباعاً له ﷺ فإنه لم يفرده =стр. 447
السَّابِعَةُ: إِذَا صَلى التحِية في الرَّوْضَةِ أَو غَيْرِهَا مِنَ الْمَسْجِدِ شَكَرَ الله تَعَالَى عَلَى هذه النعْمَةِ (١) وَيَسْألُهُ إتْمَامَ مَا قَصَدَهُ وَقَبُولَ زِيارَتِهِ، ثُمَّ يَأتِي الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيَسْتَدْبِرُ الْقِبلَة (٢) وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الْقَبْرِ وَيبعُدُ مِنْ رَأْسِ الْقبْرِ نَحْوَ أرْبَعْةِ أَذْرُعِ.
وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدّين أنْ يَسْتَقْبِلَ جِدَارَ الْقَبْرِ عَلَى نحو أَرْبَعَةِ أَذْرُعِ مِنَ السَّارِيةِ التِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيةِ جِدَارِهِ وَيَجْعلَ القِنْدِيل الذي في الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَلَى رَأْسِهِ وَيقف نَاظِراً إِلَى أَسْفَلِ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ جِدَارِ الْقَبْرِ غَاضَّ الطرْفِ في مَقَامِ الهَيْبَةِ وَالإِجْلاَلِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنَ عَلاَئِقِ الدُّنْيَا مُسْتَحْضِراً في قَلْبِهِ جَلاَلَةَ مَوْقِفِهِ وَمَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ بِحضرته ثُمَّ يُسَلّمُ وَلاَ يَرفعُ صَوْتَهُ بَلْ يقْتَصِدُ (٣) الحواشي
(١) أي بقلبه ولسانه لا بسجدة الشكر كما في الحاشية خلافاً للسادة الحنفية القائلين إِنه يسن بعده الإتيان بتحية المسجد أن يسجد لله شكراً وعليه يلزمهم ومَنْ وافقهم سَن سجدة الشكر عند رؤية الكعبة، ولم ينقل ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه ولا عن أحدٍ من الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.(٢) قال في الحاشية: هو مذهبنا ومذهب الجمهور كما لو كان حياً خلافاً لأبي حنيفة وغيره. اهـ.(٣) قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] وحرمته ﷺ ميتاً كحرمته حياً ورحم الله العلامة ابن القيم إذ يقول في كافيته وشافيته:
وكذا نشدّ رحالنا للمسجد ... النبوي خير مساجد البلدان
فمن بعد مكة أو على الإطلاق ... فيه الخلف منذ زمان =стр. 448
فَيقُولُ: السلاَمُ عليكَ يا رسولَ الله، السلاَم عليك يا نبيَّ الله، السلاَم عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ، السلاَمُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ ويا خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلاَمُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا جَزَى نَبياً وَرَسُولاً عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر وغفل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعِينَ.
الحواشي
(١) = فإذا أتينا المسجد النبوي ... صلينا التحية أولا ثنتان
ثم انثنينا للزيارة نقصد القبر ... الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع ... متذلل في السر والإعلان
فكأنه في القبر حَي ناطق ... فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت ... تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجرت تلك العيون بمائها ... ولطالما غاضت على الأزمان
فأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلا ولم يسجد على الأذقان
كلاً ولم ير طائفاً بالقبر ... أسبوعاً كأن القبر بيتٍ ثان
ثم انثنى بدعائه متوجهاً ... لله نحو البيت ذي الأركان
هذي زيارةُ من غدا متمسكاً ... بشريعة الإسلام والإيمان
من أفضل الأعمال هاتيك ... الزيارة وهي يوم الحشر في الميزان
لا تلبسوا الحق الذي جاءت به ... سنن الرسول بأعظم البطلان
هذه زيارتنا ولم ننكر سوى ... البدع المضلة يا أولي العدوانстр. 449
أشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة وَأدّيْتَ الأمَانَةَ وَنَصْحَتَ الأَمةَ وَجَاهَدْت في الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة وابعثهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ السَّائِلُونَ.
اللَّهُمَّ صلِّ على محمد عَبْدِكَ وَرَسُولكَ النَّبيّ الأُمّي وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذريته كما صَلّيت على إبْرَاهِيِمَ (١) وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ الأمَّي وعَلَى آل مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلى آلِ إبراهيم فِي الْعَالِمينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مجِيدٌ. الحواشي
(١) إنما خص إبراهيم الخليل ﵊ بالذكر من دون الأنبياء لأن الرحمة والبركة لم تجتمعا في القرآن لنبي غيره، قال الله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] فإن قيل: قد استشكل التشبيه في هذه الصيغة بأن محمداً ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇، فتكون الصلاة والبركة المطلوبتان أفضل وأعظم من الصلاة والبركة الحاصلتين لإبراهيم. فكيف شَبه ما يتعلق بالنبي بما يتعلق بإبراهيم مع أن المشبه به يكون أعلى من المشبه.
(أجيب): عن ذلك بأجوبة (منها) أنّ التشبيه من حيث الكمية -أي العدد- دون الكيفية (أي القَدْر). و (منها) أن التشبيه راجع للآل فقط ولا يشكل أن آل النبي ﷺ ليسوا بأنبياء فهم بنو هاشم وبنو المطلب أو أمة الإجابة في مقام الدعاء، فكيف يساوون آل إبراهيم ﵇ فهم إسماعيل وإسحق وأولادهم وكل الأنبياء بعد إبراهيم من نسل إسحق إلا نبينا ﷺ ، فمن ولد إسماعيل ﵇ مع أن غير الأنبياء لا يساوونهم مطلقاً لأنه لا مانع من مساواة آل النبي، وإنْ كانوا غير أنبياء لآل إبراهيم، وإن كانواً أنبياء بطريق التبعية له ﷺ ، ومنها: أنه توسل للفضل بالفضل أي كما تفضلت يا الله على إبراهيم وآله بذلك تفضل به على محمد وآله. وهذا الجواب لا يلزم عليه إشكال أصلاً.
(ومنها) أن المشبه ليس بأعلى من المشبه به بل على العكس لأنه ﷺ هو أحد أفراد آل إبراهيم حيث إنه ولد إسماعيل فهو موجود في المشبه به، فعليه تكون الصلاة والبركة =стр. 450
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ وَأَقلهُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله ﷺ .
وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ السلَفِ ﵃ الاْقْتِصَارُ جداً فَكَانَ ابنُ عُمَر يقولُ: السلاَمُ عليكَ يَا رَسُولَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا أبا، بكْرٍ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أبتَاه (١) .
وَعَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ الله تَعَالَى أنه كانَ يقولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أيها النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، ثُمّ إنْ كانَ قَدْ أَوْصَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلاَم عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَلْيقُلْ (٢) السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا رسولَ الله مِنْ فُلاَن ابْنِ فُلاَن، أَوْ فُلاَنُ ابنُ فُلاَنٍ يُسَلّمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ، ثُمَّ يتأخرُ إلى صَوْبِ يَمِينِهِ قدر ذراعٍ فَيُسَلّم على أبِي بكْر ﵁ لأنَّ رَأْسهُ عِنْدَ مَنكبِ رَسُول الله ﷺ فَيقُولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا أبَا بكْرٍ صَفِيّ رسولِ الله وثانيه في الْغَارِ جَزَاكَ الله عَنْ أمةِ نبيه ﷺ خيراً، ثُمَّ يَتَأخّرُ إلى صَوْبِ يمينه قدر ذِراعٍ للسَّلاَمِ عَلَى عُمَرَ ﵁ فَتقُولُ: السلامُ عَلَيْكَ يا عُمَرُ أعَزَّ الله بِكَ الإِسْلاَمَ جَزَاكَ الله عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْراً. الحواشي
(١) أخذ بعضهم من قول ابن عمر ﵄: يا أبتاه أن من كان من ذرية أبي بكر أو من ذرية عمر قال ذلك وعلله بأنه أولى في استدعاء الرقة والعطف من المسلم عليه، ولعل ذلك في غيره ﷺ أمّا هو فينبغي أن يسلم عليه ﷺ كما يسلم من كان من غير الذرية.(٢) أي ندباً السلام إلخ بخلاف ما لو أوصى آخر بالسلام على غيره وجب عليه إن لم يصرح بعدم القبول أنه لا يسلم عليه ويجب على المُسَلم عليه الرد بلسانه فوراً، كما لو كان المسلم حاضراً. والفرق بينهما أن المقصود من الأول التبرك فلذا ندب، والمقصود من الثاني ترك الضغائن وهذا طريقه فوجب والله أعلم.стр. 451
وَهذه صِفَةُ الْقُبورِ الْكَرِيْمَةِ:
* الصفة الأولى
- قبر النبي ﷺ
- - قبر أبي بكر ﵁
- - - قبر عمر ﵁
* الصفة الثانية
قبر النبي ﷺ
قبر أبي بكر ﵁ قبر عمر ﵁
* الصفة الثالثة
قبر النبي ﷺ
قبر أبي بكر ﵁
قبر عمر ﵁
وَالمَشْهُورُ هُوَ الصفةُ الأُولى (١) ، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَى مَوْقِفِهِ الأوَّلِ قبَالَ وَجْهِ رسولِ الله ﷺ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ في حَقّ نَفْسِهِ وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبّهِ ، وَمِنْ أحْسَن مَا يقُولُ مَا حَكَاهُ أصْحَابُنَا عَنِ الْعُتْبِيّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ قَبْرِ النَّبي ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكَ يا رسول الله سَمِعْت الله يقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) ﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنبي الحواشي
(١) أي لخبر الحاكم ﵀ الذي صححه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃ قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله مقدماً وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله ﷺ وعمر رأسه عند رجلْي النبي ﷺ .стр. 452
مُسْتَشْفِعاً بِكَ إِلَى رَبّيِ ثُمَّ أنْشَأ يقُولُ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ
نَفْسِي فِدَاءٌ لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
أَنْتَ الشفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه ... عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ
وَصَاحِبَاكَ فَلاَ أَنْسَاهُمَا أبَداً ... مِنّي السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ فَغَلَبتَنِي عَيْنَايَ فَرَأيْتُ رسول الله ﷺ في النَّوْمِ فَقَالَ: "يَا عُتْبي إلْحَقْ الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه". اهـ. ثُمَّ يَتَقَدمُ إلى رَأْسِ النَّبِي فَيقِفُ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالأُسْطُوَانَةِ الَّتِي هُنَاكَ وَيَسْتَقبلُ الْقِبْلَةَ ويحْمَدُ الله تعالى ويُمَجدُهُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا أَهَمَّهُ وَمَا أحَبَّهُ وَلِوَالديهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ أقارِبِهِ وأَشْيَاخِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ المُسلمينَ ثُمَّ يَأتِي الرّوضَةَ فَيُكْثِرُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ. فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي (١) رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ (٢) وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي"، وَيقِفُ عِنْدَ الْمِنبر وَيَدْعُو. الحواشي
(١) وفي رواية كما في الحاشية: (ما بين منبري وبيتي) وفي أخرى (ما بين حجرتي ومنبري) ولا اختلاف لأن قبره ﷺ في بيته والبيت هو الحجرة.(٢) قال في الحاشية: قيل ومعنى كونه روضة من رياض الجنة أن العمل فيه يوصل لذلك وفيه نظر، والأولى ما قاله الإِمام مالك وغيره رحمهما الله من بقائه على ظاهره فينقل إلى الجنة، وليس كسائر الأرض يذهب ويفنى، أو هي من الجنة الآن حقيقة وإنْ لم تمنع نحو الجوع، عملاً بأصل الدار الدنيوية. وأنها آيلة للفناء، ومعنى قوله: (ومنبري على حوضي) أن ملازمة الأعمال الصالحة عنده تورد الحوض كذا قيل، وقيل يعيده الله على حاله فينصبه على حوضه وهو الأولى أيضاً لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره الممكن. اهـ.стр. 453
الثامنةُ: لاَ يَجُوزُ أنْ يُطَافَ بِقَبْرِ النَّبِي ﷺ ويُكْرَهُ إلْصَاقُ الْبَطْنِ وَالظهْرِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ قَالَهُ الْحَلِيميُّ وَغَيْرُهُ، وَيُكْرَهُ مَسحهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ بَلْ الأَدَبُ أنْ يَبْعُدَ مِنْهُ كَمَا يَبْعُدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَ في حَيَاتِهِ ﷺ هذَا هُوَ الصَّوَابُ (١) وَهُوَ الّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَأطْبقُوا عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أنْ لاَ يَغْتَرَّ بِكَثِيرِ مِنَ الْعَوَامّ في مُخَالَفَتِهِمْ ذلِكَ فَإِنْ الاقْتِدَاءَ وَالْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْوَالِ الْعُلماءِ وَلاَ يلتفتُ إلى مُحْدَثَاتِ العَوَامِ وجهالاتهم، وَلَقَدْ أحْسَنَ السَّيّدُ الْجَلِيلُ أبُو عَلِيّ الفُضَيْلُ بنُ عِياضِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في قَوْلهِ مَا مَعْنَاهُ: اتَّبْعِ طُرُق الْهُدَى وَلاَ يَضُرُّكَ قِلّةُ السَّالِكِينَ، وإياكَ وَطُرُقَ الضلاَلَةِ وَلاَ تَغْتَرَ بِكِثْرةِ الْهَالِكِينَ، وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أنَّ الْمَسْحَ بِالْيَدِ وَنَحْوهِ أبْلَغُ في الْبَرَكَةِ فَهُوَ مِنْ جَهَالَتِهِ وَغَفْلَتِهِ لأَن الْبَرَكَةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ، وَكَيْفَ يَبْتَغِي الفضلَ في مُخَالَفَةِ الصَّوابِ (٢) .
التاسعةُ: يَنْبَغِي لَهُ مُدَّة إقَامَتِهِ بِالْمَدِينَة أنْ يُصَلّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الاعْتِكَافَ فيه كَمَا قَدَّمْنَاه في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
الْعَاشِرَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّ يَوْمِ إِلَى الْبقِيعِ خُصُوصاً يَوْمَ الْجُمُعَةِ الحواشي
(١) ورحم الله العلامة ابن القيم القائل في كافيته وشافيته:
وأتى المسلم بالسلام بهيبة ... ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه ... كلاً ولم يسجد على الأذقان
كلاّ ولم ير طائفاً بالقبر ... أسبوعاً كان القبر بيت ثان(٢) قال الفُضَيْل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا عليّ ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبَل حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. اهـ. أقول: أسأله تعالى أن يوفقني وإخواني المسلمين والمسلمات إلى السلوك عليها آمين.стр. 454
وَيَكُونُ ذلِكَ بَعْدَ السَّلاَمِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ (١) دار قَوْمِ مُومِنينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بكم (٢) لاَحِقُونَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بقيعِ الْغَرْقَدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وَلَهُمْ. وَيَزُورُ الْقُبُورَ الظَّاهِرَةِ فِيهِ كَقَبْرِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ الله ﷺ وَعُثْمَانَ وَالْعَباسِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِي وَعَلِي بْنِ الْحُسَيْنِ وَمُحَمدِ بْنِ عَلِي وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمدِ وَغَيْرِهِمْ وَيَخْتِم بِقَبْرِ صَفِيةَ ﵂ عَمَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ في الصَحِيح في فَضْلِ قُبُورِ الْبقِيعِ وَزِيَارَتِهَا أَحَادِيثٌ كَثِيْرَة.
الْحَاديَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُد وأفْضَلُهُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَابتداؤه بحمزة عَم رَسُولِ الله ﷺ ، ويُبَكرُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ حَتى يَعُودَ وَيُدْرِكَ جَمَاعَةَ الطهْرِ فِيهِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَة: يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَاباً مُتَأكداً أنْ يأتي مَسْجِدَ قُبَاء وَهُوَ فِي يَوْمِ السَبْتِ أوْلَى، نَاوِياً التَّقَرُّبَ بِزِيارَتِهِ وَالصَّلاَةَ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ في كِتَابِ التّرْمِذِي وَغَيْرِهِ عَنْ أسُيْد بن ظهير ﵁ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "صَلاَةٌ في مَسْجِدِ قُبَاء كَعُمْرَةٍ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأتي مَسْجِدَ قُبَاء رَاكِباً وَمَاشِياً فَيُصَلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَفِي الحواشي
(١) قال في التعليق عن ابن علان رحمه الله تعالى تصح قراءة (دار) بالنصب على النداء أو الاختصاص أو المدح أو بإضمار أعني وبالجر بدلاً من الضمير لإفادته الإِحاطة والشمول. اهـ.(٢) جيء بالمشيئة تبركاً وامتثالاً لعموم ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أو لخصوص المكان أو على وصف الإيمان. اهـ ابن علان. اهـ تعليق.стр. 455
رِوَايةٍ صَحِيحَةٍ كَانَ يَأتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ وَيُسْتَحَب أَنْ يَأْتِي بِئْرَ أرِيسٍ (١) الَّتي رُوَي أَن النبِيَّ ﷺ تفَلَ فيها عِنْدَ مَسْجِدِ قُبَاء فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَتَوَضّأ مِنْهُ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَب أَنْ يَأتِيَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلاَثِينَ مَوْضِعاً يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَلْيقصد ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَكَذَا يَأْتِي الآبارَ الَّتي كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يتَوَضَّأ مِنْهَا وَيَغْتَسِلُ فَيَشْربُ وَيَتَوَضَّأ وَهِيَ سَبْعُ آبَار (٢) . الحواشي
(١) هي إحدى الآبار السبعة المباركة التي تنسب إليه ﷺ . وقد نظمها بعضهم بقوله:
"أرِيسٌ" و"غُرْسٌ "رُومَةٌ" و"بُضَاعَةٌ" ... كذا "بُصةٌ" قُلْ "بَيْرُحَاء" مع "العِهْنِ"
(فأريس) كأمير، (وغرس) بضم الغين وفتحها فراء ساكنة أو مفتوحة، وهي شرقي مسجد قباء، ورد أنه ﷺ اغتسل فيها وشرب منها وأهدى له عسل فصبه فيها، و (رومة) بضم الراء المهملة المضمومة وتقع هذه البئر في عرصة عقيق المدينة الكبرى.
قال لي بعض الإخوان هي البئر التي في مزرعة المدينة بالوسيطة، والله أعلمِ، وماؤها صافٍ عذب، ولذا رغب النبي ﷺ أصحابه في شرائها وحفرها بقوله: "مَنْ حَفرَ بئر رومة فله الجنة"، وروى عنه ﷺ فيها "نعم القليب قليب المزنى"، وفي رواية "نعم الحفير حفير المزنى"، فلما سمع عثمان ﵁ هذا اشتراها وحفرها وتصدق بها على المسلمين.
و (بضاعة) بضم الباء الموحدة ثم ضاد معجمة ممدودة بألف ثم عين مهملة تقع غربي بيرحاء إلى جهة الشمال صَح أنه ﷺ قال لما قيل له نستقي لك من بئر بضاعة وهي بئر فيها لحوم الكلاب والمحايض (خرق الحيض) وعذر الناس فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" و (بُصَّة) بباء موحدة مضمومة فصاد مهملة وقيل مشددة: قريبة من البقيع في حديقة، و (بيرحاء) بباء موحدة مفتوحة أو مكسورة ثم ياء ثم راء مهملة مفتوحة أو مضمومة ممدوداً أو مقصوراً (وحاء) اسم انسان أو مكان وكان ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، وهي تَقع قرب بال المجيد (والعهن) بكسر العين المهملة فسكون الهاء وهو في الأصل الصوف الملون وهي معروفة بالعوالي منقورة في الجبل.(٢) تقدمت أسماؤها منظومة، وتقدم الكلام عليها قريباً.стр. 456
الرَّابِعَةَ عَشْرَة: مِنْ جَهَالَةِ الْعَامَّةِ وَبِدَعهم تَقَرُبُهُمْ بِأَكْلِ التَّمْر الصَّيْحَانِي (١) فِي الرَّوْضَةِ الكريمَةِ وَقَطْعِهِمْ شُعُورَهُمْ وَرَمْيِهَا في القِنْدِيل هَذَا مِنَ المُنْكَراتِ الشَّنِيْعَةِ (٢) .
الخَامِسَةَ عَشْرَة: كَرِهَ مَالِكٍ (٣) رَحِمَهُ الله تعالَى لأَهْلِ المدينَةِ كُلَّمَا دَخَلَ أَحَدُهُم الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ الْوُقُوفَ بِالْقَبْرِ قَالَ: وَإنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ قَالَ: وَلاَ بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إِلَى سَفَر أَنْ يقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيّ ﷺ فَيُصلِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. قَالَ الْبَاجِي: فَرّقَ مَالِكُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينةِ وَالْغُرَبَاءِ لأَنَّ الغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذلِكَ وأهْلَ الْمَدِينَةِ مقيمُونَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وثناً يُعْبَد" (٤) . الحواشي
(١) سبب تسميته بذلك ما أخرجه ابن المؤيد الحموي لكن رُدَّ بأنه موضوع عن جابر ﵁: كنت مع النبي ﷺ يوماً في بعض حيطان المدينة ويد عليّ في يده فمررنا بنخل، فصاح النخل: هذا محمدٌ سيد الأنبياء، وهذا علي سيد الأولياء أبو الأئمة الطاهرين، ثم مررنا بنخل فصاح هذا محمد رسول الله وهذا عليٌّ سيف الله. فالتفت النبي ﷺ لعلي وقال: سَمه الصيحاني. فسمى من حينئذ. اهـ حاشية.(٢) جميع ما ذكر المصنف رحمه الله تعالى من هذه البدع ليس بشيء منها في زماننا والحمد لله نسأله تعالى إماتة الباع وإحياء السنن آمين.(٣) قال السبكي رحمه الله تعالى كما في الحاشية: هو جارٍ على قاعدته رحمه الله تعالى في سد الذرائع أي لأن ذلك يفضي إلى الملل، والمذاهب الثلاثة يقولون باستحباب الإكثار منها لأن الإكثار من الخير خير. اهـ.(٤) قد استجاب الله دعاء نبيه صلوات الله وسلامه عليه فصان قبره الشريف من التقبيل والتمسح به والطواف حوله كما يفعل بقبور غيره، فحفظه وصانه بالجدران المحيطة به ثم بالمقصورة الحديدية وهي الشباك. فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد الآخذ بحجز أمته عن وقوعها في مهاوي الهلكة ومزالق الشرك. ورحم الله العلامة ابن القيم القائل: =стр. 457
السادِسَةَ عَشْرَة: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلاَحِظَ بِقَلْبِهِ فِي مُدَّة مُقَامِهِ بِالْمَدِيْنَةِ جَلاَلتَهَا وَأنهَا الْبَلْدَةُ الَّتي اخْتَارَهَا الله تَعَالَى لِهِجْرَةِ نبيهِ ﷺ واستيطَانِهِ وَمَدْفَنِهِ وَلْيَسْتَحْضِرْ تَرَدُّدهُ ﷺ فيهَا وَمَشْيَهُ في بِقَاعِهَا.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ الْمُجَاورة بِالْمَدِينة بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدّمِ بالْمُجَاوَرَةِ بِمَكّة فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَبَرَ عَلَى لأوَاءِ الْمَدِيْنةِ وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيداً أوْ شَفِيعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
الثَّامِنَة عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ بالمَدِينَةِ مَا أَمْكَنَهُ وأن يتصدق بما أمكنه عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ الله ﷺ فإِنْ ذلِكَ مِنْ جُمْلَةِ بِرهِ.
التاسِعَةَ عَشْرَة: لَيْسَ لَهُ أن يَسْتَصْحِبَ شَيْئاً مِنَ الأكر المعمُولة من تُرَاب حَرَامِ الْمَدِينَةِ وَلاَ الأَباريق وَالْكِيزَانِ وَلاَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ كَما سَبقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ (١) .
الْعِشْرُونَ: يَحْرُمُ صَيْد حَرَمِ المَدِينة وَأشْجَارِهِ عَلَى الْحَلاَلِ وَالْمُحْرِمِ كَمَا سَبَقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَسَيَأتِي بيانُ ضَمَانِهِ فِي الْبَاب السَّابِعِ إنْ شَاءَ الله الحواشي
(١) أي في المسألة العشرين من الباب الخامس في المقام بمكة وطواف الوداع وهو قوله: (لا يجوز أنْ يأخذ شيئاً من تراب الحرم وأحجاره معه إلى بلاده، ولا إلى غيره من الحل .. ) إلخ. أقول: قد ذكرت هناك في التعليق الدليل على عدم الجواز وعلة ذلك فراجعه.стр. 458
تَعَالَى (١) . وَحَدُّ حَرَمِ المَدِينَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "الْمَدِيْنَةُ حَرَم ما بينَ عَيْرَ إلى ثَوْرٍ (٢) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَم وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عير جَبَل بالْمَدِينة.
وَأَمَّا ثَوْرُ فَلاَ يَعْرِفُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهَا جَبَلاً يقَال لَهُ ثَوْر، إِنَّمَا، ثَوْر، بِمَكَّة (٣) قَالُوا: فنرَى أَنَّ أَصلَ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ عير إِلَى أَحُد.
وَقَالَ الحافِظ أَبُو بكر الحازِمِيُّ في كِتَابِهِ المؤتلف في أسماء الأَمَاكِنِ في الحديثِ حَرَم رسول الله ﷺ مَا بينَ عير إِلى أُحُدٍ قَالَ: هَذ الرّوَايةُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ إِلى ثَوْرٍ وليسَ لَهُ مَعْنَى، وَفِي الصّحيحينِ من حديثِ أبي هريرة ﵁ قَالَ: لَوْ رَأيْتُ الظبَاءَ بِالمدينة تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا الحواشي
(١) بيّن المصنف الضمان في الباب السابع بقوله ﵀: فإن أتلفه ففي ضمانه قولان للشافعي ﵀: الجديد لا يضمن وهو الأصح عند أصحابنا. أقول: وهو مذهب الإِمام أبي حنيفة كما في كتاب (رحمة الأمة) والقديم أنه يضمن وهو المختار، وعلى هذا في ضمانه وجهان أحدهما: كضمان حرم مكة وأصحهما أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر.
أقول: وهو مذهب الإِمامين مالك وأحمد كما في كتاب رحمة الأمة والمراد بالسلب ما يسلب القتيل من الكفار ثم هو للسالب على الأصح وقيل لفقراء المدينة وقيل لبيت المال. اهـ بزيادة ما بين القوسين.(٢) قال في الحاشية: هما المرادان بمأزميها في رواية (وإن حرمت ما بين مأزميها). اهـ.(٣) هذا الحصر ممنوع كما في الحاشية فقد قال كثيرٌ من المحققين كالزمخشري وغيره ﵏، ونقله بعضهم عن طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض أن ثوراً اسم جبل صغير خلف أحُد، وبه يعلم أن أحُداً من حرم المدينة. اهـ.стр. 459
بينَ لاَبَتَيْهَا حَرَام"، وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابةِ في الصّحِيحِ، وَاللاّبَتَانِ الْحرّتَانِ (١) .
الحَادِيةُ والْعِشْرُونَ: إِذَا أَرَادَ السَّفَر مِنَ الْمَدِينةِ وَالرُّجُوعَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتُحِب أَنْ يُوَدعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيَأَتِي الْقَبْرَ (٢) وُيعيدُ نَحْوَ السَّلاَمِ وَالدُّعَاءِ المذكُور في ابْتِدَاءِ الزّيَارَةِ وَتقُولُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولكَ وَيَسرْ لِي الْعَوْدَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَة وارْزُقْنِي العفو والْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرة وَرُدنا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلاَ يَمْشِي قهقرَى إِلَى خَلْفِهِ.
الثَّانِيَةُ والعِشْرُونَ: فِي أَشْيَاءَ مُهِمّةٍ تتعَلَّقُ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَيْنَا في صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَبْنيِاً بِاللَّبِنَ وَسَقْفُه الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بكْر ﵁ شَيئاً (٣) وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁ الحواشي
(١) الحرة: بفتح الحاء: هي الأرض ذات الحجارة السود كما في الحاشية وقال فيها: وهذا حَد الحرم في العَرْضِ، وما مَرَّ حَدُّه في الطول، وإنما لم يأخذ أصحابنا بقضية أحاديث وردت مِنْ أن حرمَ الطير والوحش والقتال وغيرها إلا الشجر ما بين الحرتين، وحَرَم الشجر بريد في بريد من سائر جوانب المدينة لأنها لم تثبت، وإنْ أخَذَ بذلك مالك ﵀. اهـ.(٢) أي ثم يأتي القبر خلافاً لمن قال: يقدم وداعه ﷺ على توديع المسجد بركعتين. اهـ حاشية.(٣) لقصر مدة خلافته ﵁ التي قضاها أو معظمها في حروب الردة، وتثبيت الإسلام الذي رجع عنه بعد موته ﷺ معظم سكان الجزيرة فأعاده الله على يديه، وثبت الناس عليه فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء. قال أبو هريرة ﵁: (والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبدَ الله) كررها ثلاثاً.стр. 460
وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ (١) فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ باللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمَدَهُ خَشَباً، ثُم غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادة كثيرة (٢) وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشة وَالْقَصَّة وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَة وَسقفَهُ بِالسَّاجِ هذَا لَفْظُ رِوَاية الْبُخَارِي.
وَقَوْلُهُ القَصَّةِ هِيَ بِفَتْحِ القَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلة وهي الْجصُّ.
وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْد أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَة (٣) قَالَ: بَنَى الحواشي
(١) جاء في (عمدة الأخبار عن مدينة المختار) عن ابن عمر ﵄ قال: كثر الناس في عهد عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين: لو وسعت في المسجد. فزاد فيه عمر وأدْخل فيه دار العباس فجعل طوله مائة وأربعين ذراعاً وعرضه مائة وعشرين، وبدل أساطينه بأخر من جذوع النخل كما كانت في عهد رسول الله ﷺ ، وسقفه بجريد، وجعل سترة المسجد فوقه ذراعين أو ثلاثة وقد بنى أساسه بالحجارة إلى أنْ بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة وبابين عن يسارها وبابين خلفها. فلما فرغ من زيادته قال: لو انتهى بناؤه إلى الجبانة لكان الكل مسجد رسول الله ﷺ . اهـ.(٢) أي في قبلي المسجد وذلك في العام الرابع من خلافته ﵁ حينما كلمه الناس أنْ يزيد في المسجد وشكوا إليه ضيقه فشاور عثمان أهل الرأي فأشاروا عليه بذلك.(٣) المنظومة أسماؤهم رحمهم الله تعالى في قول بعضهم رحمهم الله تعالى:
ألا كل مَنْ لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق عاريه
فخذهم عُبَيْد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
(أحدهم): سعيد بن المسيب القرشي المخزومي المدني إمام التابعين.
(ثانيهم): خارجة بن زيد بن الضحاك الأنصاري النجاري المدني التابعي.
(ثالثهم): عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي.
(رابعهم): القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التابعي القرشي التيمي. =следующие страницы →