← Фикх общий

Фикх общий · id 96232

الإيضاح في مناسك الحج والعمرة

النووي

Полный текст (519 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَثَبَتَ في صَحِيحِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبي ذَرّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عن أوَّل مَسْجِد وُضِعَ في الأَرْضِ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ" قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الأقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَاماً". وَاخْتَلَفَ الْمُفَسرُونَ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فَرَوى الأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُجَاهِد قَالَ: لَقَدْ خَلَقَ الله مَوْضِعَ هذَا الْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ بأَلْفَي سَنةٍ، وَإِنَّ قَوَاعِدَهُ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أيْضاً أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ أَحَدُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتاً فِي كُلّ سَمَاء بَيْتٌ وَفِي كُلّ أرْضٍ بَيْت بَعْضُهُنَّ مُقَابِل بَعْضَ. وَرَوى الأَزْرَقِي أَيْضاً عَنْ عَلِيِّ بنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بن أبِي طَالِب ﵃ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَ مَلاَئِكَةً فَقَالَ: ابْنُوا لِي في الأَرْضِ بَيْتاً تِمْثَالَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَقَدْرَهُ، وَأَمَرَ الله تَعَالَى مَنْ في الأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، قَالَ: وَهَذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄: هُوَ أَوَّلُ بَيْت بَنَاهُ آدَمُ في الأَرْضِ (١).

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 423

وَجَاءَ عَنْ عَلِي بْنِ أبِي طَالِبِ ﵁ أنَّ مَعْنَاهُ أنهُ أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادةِ أوْ الْبَرَكَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادةَ أنهُ كَانَ قَبْلَهُ بيوت كَثِيرَة وَلَكِنَّهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ للْعِبَادةِ. وَقَالَ أقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ: أجْمَعوا عَلَى أنهُ أوَّلُ بَيْت وُضِعَ لِلْعِبَادَة

стр. 424

وَإنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِغَيْرِهِا، قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ هُوَ الأَوّلُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُوِر أَنهُ أوَّلُ بيتِ وُضِعَ مُطْلَقاً والله أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى مُبَارَكاً مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْخَيْرِ، وَانْتَصَبَ مُبَارَكاً عَلَى الْحَالِ. قَالَ الزّجاجُ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى اسْتَقَرّ بمَكَّةَ في حَالِ بَرَكَتِهِ وَهُوَ حَالُ مِنْ وضع أي وُضِعَ مُبَارَكاً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ الْمُخْتَارُ أَنهَا الْمَنَاسِكُ وَأمْنُ الخائِفِ وانْمَحَاقُ الجِمَارِ مَعَ كَثْرَةِ الرَّمْي وَالرَّامِينَ عَلَى تكَرُّر الأَعْصَارِ وَالسنِين، وَامْتناعُ الطيْرِ مِنَ الْعُلُو عَلَيْهِ واستشفاء الْمَريضِ بِهِ وَتَعْجِيلِ الْعُقُوبةِ لِمَنِ انْتَهَكَ فِيهِ حَرَمَهُ وَإِهْلاَك أَصْحَابِ الْفِيلِ لَمَّا أَرَادُوا تَخْرِيبَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (١). قَالَ أبُو الْوَلِيدِ الأَزْرَقِيُّ: جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ طُولَ بِنَاءِ الْكَعْبةِ في السَّمَاء تسعْةَ أذرُعٍ (٢) وَطُولَهَا في الأَرْضِ ثَلاَثِينَ ذِرَاعاً (٣) وَعَرْضَهَا في الأَرْضِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، وَكَانَتْ غَيْرَ مُسَقفَةٍ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيش في الْجَاهِلِيةِ فَزَادَتْ فِي طُولها في السمَاءِ تسْعَةَ أذْرُعِ فَصَارَ طُولُهَا ثَمَانِيةَ عَشَرَ ذِرَاعاً وَنَقَصُوا مِنْ طُولهَا في الأَرْضِ سِتةَ أذْرُعٍ وَشِبْراً تركُوهَا في الْحِجْرِ فَلَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتى كَانَ

стр. 425

زَمَنُ عَبْدِ الله بْنِ الزبَيْرِ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ وَزَادَ في طُولهَا في السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُع أخْرَى فَصَارَ طُولُها في السَّمَاء سَبْعاً وَعِشْرِينَ ذِرَاعاً، ثمَّ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ فَلَمْ يُغَيّرْ طُولَها فِي السَّماء، فَالْكَعْبةُ الْيَوْمَ طُولَهَا في السَّماءِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً. وَأَمَّا عَرْضُهَا فَبَيْنَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ وَالشَّامِيّ خَمْسَةٌ وَعِشْرونَ ذِرَاعاً وَبَيْنَ الْيَمَانِيّ وَالْغَرْبِيّ كَذَلِكَ بَيْنَ الْيَمَانِي والأَسْوَدِ عِشْرُونَ ذرَاعاً وَبينَ الشامي والغَرْبِى أحَدٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعاً وَالله أعْلَمُ. وَاعْلَمْ أنَّ الْكَعْبةَ زَادها الله تَعَالَى شَرَفاً بُنِيَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِنَاءُ المَلاَئِكَةِ أوْ آدَمَ عَلَى مَا تَقَدمَ مِنَ الْخِلاَفِ. الثانِيَةُ: بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ . الثالِثَةُ: بِنَاءُ قُرَيْش في الْجَاهِلِيةِ، وَقَدْ حَضَرَ رَسُولُ الله ﷺ هَذَا الْبِنَاءُ وَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهم الْحِجَارَةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ. الرَّابِعَةُ: بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ. الْخَامِسَةُ: بِنَاءُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَهَذَا الْبِنَاءُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْيَوْمَ (١)

стр. 426

وَهَكَذَا كَانَتْ الْكَعْبةُ في زَمَنِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ قِيْلَ إِنّهُ بُنِيَ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ غَيْرَ الْخَمْسَةِ: إحْداهما: بَنَتْهُ العَمالِقَةُ بعد إبراهيم ﷺ . وَالثَّانِيَةُ: بَنَتْهُ جُرْهُم بَعْدَ الْعَمَالِقَةِ، ثُم بَنَتْهُ قُرَيْشٌ وَالله أعلم (١). قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ بَعْدَ إِبْرَاهِيم ﷺ مَعِ الْعَمَالِقَةِ وَجُرْهُم إِلى أنْ انْقَرضُوا وَخَلَفَتهُمْ فِيهَا قُرَيْشٌ بَعْدَ اسْتِيلاَئِهِمْ عَلَى الْحَرَمِ لِكَثَْرتهِمْ بَعْدَ الْقِلَّةِ وَعِزِّهِمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جدد بِنَاءَهَا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ قُصَيّ بْنُ كِلاَب وَسَقَّفَهَا بِخَشَبِ الدُّومِ وَجَرِيدِ النَّخْلِ ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ بَعْدَهُ (٢) وَرَسُولُ الله ﷺ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقِيْلَ خَمْس وَثَلاَثِينَ سَنَةً فَقَال أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ: يَا قَوْمِ ارْفَعُوا بَابَ الْكَعْبةِ حَتَّى لاَ يُدْخَلَ إِلَيْهَا إِلاَّ بِسُلَّم فَإِنَهُ لاَ يَدْخُلُهَا حينَئذ إِلا مَنْ أرَدْتُمْ، فَإِنْ جَاءَ أحَدٌ مِمَّنْ تكرَهُونَهُ رميتم به وَسَقَط وَصَارَ نَكَالاً لِمَنْ رَآهُ فَفَعَلَتْ قُرَيْش مَا قَالَ.

стр. 427

وَكَانَ سَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّ الْكَعْبَةَ اسْتُهْدِمَتْ وَكَانَتْ فَوْقَ الْقَامَةِ وَأَرَادُوا تَعْلِيَتَهَا وَكَانَ سَبَبُ اسْتِهْدَامهَا أنَّ امْرَأة جَاءَت بِمَجْمَرةٍ تُجَمرُ الكعبة (١) فَسَقَطَتْ مِنْهَا شَرَارَة فَتَعَلقَتْ بِكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَاحْتَرَقَتْ. وَكَانَ بَابُ الْكَعْبَةِ لاَصِقاً بِالأَرْضِ في عَهْدِ إبْرَاهِيمَ وَفِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنْ بَنَتْهُ قُرَيْش فَرَفَعَتْ بَابَهُ وَجَعَلتْ لَهَا سَقْفاً وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سَقْفٌ (٢)، وَزَادَتْ في ارْتِفَاعِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَجَعَلَتْهُ ثَمَانِيَة عَشَرَ ذِرَاعاً وَتنافَسُوا فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ مَوْضِعَه مِنَ الركْن ثُم رَضُوا بِأنْ يَضَعَهُ النَّبِي ﷺ (٣). وَثَبَتَ فِي الْحديثِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَباسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ّ: "نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايا بَنِي آدَمَ" (٤). قَالَ الترْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح وَالله أعْلَمُ.

стр. 428

الثلاثون: في أُمُورِ تتعَلَقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ أبُو الوَليدِ الأَزْرَقِي، والإِمَامُ أقْضَى القضَاةِ أَبُو الحسَن الماوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ في كِتَابِهِ الأَحْكَامُ السُّلْطَانِيةِ وَغيْرِهُمَا مِنَ الأَئمةِ المعتمدينَ وفي كلامِ بعضهم زِيادة على بعض: أَمَا المَسْجِد الحَرَامِ فَكَانَ فَنَاءَ حَوْلَ الكَعْبهَ وَفَضَاءَ للطَّائِفِينَ (١) وَلَمْ يكُنْ لَهُ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ جِدَار

стр. 429

يحيطُ بِهِ وَكَانَتْ الدُّورُ مُحْدِقَةً بِهِ، وَبينَ الدُّور أَبْوَابٌ يَدْخُلُ النّاسُ مِنْ كُلّ نَاحية فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَكَثُرَ النّاسُ وَسَّع الْمَسْجِدَ (١) واشْتَرَى دُوراً وَهَدَمَهَا وَزَادهَا فِيهِ وَاتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ جِدَاراً قَصِيراً دُونَ الْقَامَةِ، وَكَانَتْ الْمَصَابِيحُ تُوضَعُ عَلَيْهِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الجِدَارَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢)، فلمَّا استُخْلِفَ عُثْمَانُ ﵁ ابْتَاعَ مَنَازِلَ وَوَسَّعَهُ بِهَا أيضاً وبنى الْمَسْجِدَ وَالأَرْوِقةَ، وَكَانَ عثمانُ ﵁ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الأَرْوِقَةَ (٣). ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبير زَادَ في المَسْجِدِ زِيَادَةً كَثيرة واشْتَرى دُوراً مِنْ جُمْلَتِهَا بَعْضُ دارِ الأَزْرقِ، اشْتَرَى ذَلِكَ الْبَعْضَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ ألْفَ دينَار ثُمَّ عمَّرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ لَكِنْ رَفَعَ جِدَارَهُ وَسَقَّفَهُ بِالسَّاج وَعَمَّرَهُ عِمَارَة حَسَنهً، ثُمَّ إِنَّ الوليدِ بنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ وَحَمَلَ إِلَيْهِ أَعْمِدَةَ الْحِجَارَةِ وَالرُّخَامِ وَزَادَ فِيهِ الْمَهْديُّ (٤) بَعْدَهُ مَرَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَعْدَ سَنَةِ ستينَ وَمَائَة، وَالثانِيةُ بَعْدَ سَنَةِ سَبْعٍ

стр. 430

وَسِتينَ وَمَائَةٍ إلَى تِسْعٍ وَسِتينَ وَمَائَةٍ وَفِيهَا تُوفِّيَ الْمَهْديُّ واستقر على ذلك بناؤه إلى وقتنا هذا (١).

стр. 431

وقد قدمنا أنه يجوز الطواف في جميع أروقته وَلَوْ وُسع جَازَ الطوافُ في جمِيعِهِ والله أعْلَمُ.

стр. 432

(صور)

стр. 433

وَاعْلَمْ أَن الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يُطلَقُ وَيُرَادُ بهِ هَذَا المسجدُ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ (١)، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْحَرَم وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكةُ، وَقِيلَ هَذَانِ الأَمْرَانِ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أعْلَمُ. الحَادِيةُ وَالثَّلاَثُونَ: في أُمُورٍ تتعَلَّقُ بِمَكَّةَ. اعْلَمْ أنَّ لَهَا سِتَّةَ عَشَرَ اسْمَاً: مَكَّةُ، وَبَكّةُ وَالْبَلَد، وَأُمُّ الْقُرَى، وَالْبَلَدُ الأَمِينُ، وَأُمُّ رُحْمٍ (٢)، لأَنَّ النّاسَ يَتَرَاحَمُونَ وَيَتَوَاصَلُونَ فِيهَا، وَصَلاَح بِفَتَحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْحَاءِ كَمَا قَالُوا: حَذَامِ وَقَطَامِ بنوهُمَا عَلَى الْكَسْرِ سُمَّيَتْ بِذَلِكَ لِأَمْنِهَا وَيقالُ لَهَا الْمُقَدّسَةُ، وَالْقَادِسَةُ، مَأْخُوذَانِ مِنَ التَّقْدِيسِ وَهُوَ التَّطْهِيرُ، والنَّاسَّةُ بالنُّونِ والسينِ المهملةِ المُشَدّدة، والنَّسَّاسَةُ بتشديدِ السين الأُولَى قِيلَ لأَنَّهَا تنسُّ مَنْ ألْحَدَ فِيهَا أي تَطْرُدُهُ وَتَنْفِيهِ. وقَالَ الأَصْمَعِي النسُّ الْيَبْسُ وَقِيلَ لِمَكَّةَ نَاسَّة لقِلَّةِ مَائِهَا وَيقَالُ البَاسَّةُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لأَنهَا تَبُسُّ الْمُلْحِدَ أي تُحَطمُه وَتُهْلِكُهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الله تَعَالَى:

стр. 434

﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ يقالَ لَهَا الحاطِمَةُ لِحَطْمِهَا الْمُلْحِدَ، وَيقالُ لَهَا الْعُرُشُ (١)، وَيقالُ لَهَا كُوثَى (٢). فَهَذِهِ سِتّة عَشَرَ اسْماً وَقَدْ أوْضَحْتُهَا في كِتَابِ تَهْذِيبِ الأَسْمَاءِ وَاللغَاتِ وَأَتيْتُ هُنَا بِمَقَاصِدِهَا. وَاعْلَمْ أنَّ كَثْرَة الأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْمُسَمَّى كمَا فِي أَسْمَاءِ الله تَعَالَى وَأَسْمَاءِ رَسُولهِ ﷺ ، وَلاَ يُعْرَفُ بَلَدٌ مِنَ الْبِلاَدِ أكْثَرُ أسْمَاءً مِنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِكَوْنهِمَا أَشْرَفُ الأَرْضِ وَالله أَعْلَمُ. قَالَ جَمَاعَة مِنَ الْعُلَمَاءِ بكّةَ وَمَكةَ بِمَعْنى وَاحِدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ هُمَا بِمَعْنَيين واخْتَلَفُوا عَلَى هَنا، فَقِيْلَ مَكَّةُ بالْمِيمِ الْحَرَمُ كُلهُ وَبكَّةُ الْمَسْجِدُ خاصَّةً، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَزَيْدُ بنُ أَسْلَمَ. وَقِيلَ مَكَّةُ اسْمٌ لِلْبَلَدِ وَبَكَّةُ بِالْبَاءِ الْبَيْتُ وَمَوْضِعُ الطَّوَافِ وَقِيلَ بَلِ الْبَيْتُ خَاصَّةً، قَالَهُ النَّخَعِي وَغَيْرُهُ، سُميت بَكّة لازْدِحَامِ النَّاسِ بِهَا يبكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً أيْ يَدْفَعُهُ في زَحْمَةِ الطَّوَافِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: سُمِّيتْ بَكَّةَ لأَنَّهَا تبك أَعْنَاقَ الجَبَابِرَةِ إِذَا ألْحَدُوا فِيهَا أَيْ تَدُقهَا أيْ وَالْبَك الدق وَأَمَّا مَكَّةُ بِالمِيمِ فَقَالَ الأَصْمَعِي وَغَيْرُهُ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلهِمْ تمككْتُ الشَّيْءَ إذَا استَخْرجْتُهُ لأَنهَا تَمُك الْفَاجِرَ عَنْهَا وَتُخْرِجُهُ مِنْهَا، وَقِيلَ لأَنَّها تَمُك الذُّنُوبَ أيْ تُذْصبُهَا وَقِيلَ لِقِلَّةِ مَائِهَا مِنْ قَوْلهِمْ امْتَكَّ الْفَصِيل ضَرْعَ أمِّه إذَا امْتَصَّهُ. قَالَ الماوَرْدِيُّ: لَمْ تكُنْ مَكَّةُ ذَاتَ مَنَازِلَ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ جُرْهُم

стр. 435

والْعَمَالِقَةِ يَنْتَجِعُونَ (١) فِي جِبَالِهَا وَأَوْدِيَتِهَا وَلاَ يَخْرُجُونَ مِنْ حَرَمِهَا انْتِسَاباً إلى الْكَعْبَةِ لاسْتِيلاَئِهِمْ عَلَيْهَا وَتَخَصُّصاً بالْحَرَمِ لِحُلولِهِمْ فِيهِ وَيَرَوْنَ أَنهُم سَيَكُونُ لَهُمْ بِذلِكَ شَأْنٌ، وكُلَّمَا كَثُرَ فِيهِمْ الْعَدَدُ وَنَشَأَتْ فِيهِمْ الرياسَةُ قَوِيَ أمَلُهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ سَيَتَقَدَمُونَ عَلَى العربِ. وَكَانَ فُضَلاَؤُهُمْ يَتَخَيَّلُونَ أَنَّ ذلِكَ لِرياسَةٍ في الدينِ وَتَأْسِيساً لِنبوّة ستكُونُ، فَأَوَّلُ مَنْ أُلهِمَ ذلِكَ مِنْهُم كَعْبُ بنُ لُؤَيِّ بن غَالِبٍ وَكَانَتْ قُرَيْش تَجْتَمعُ إِلَيْهِ في كُل جُمعةٍ وَكَانَ يَخْطُبُهُمْ فِيهِ وَيَذْكُرُ لَهُمْ أمْرَ نَبِيّنا محمَّدٍ ﷺ ثُمَّ انْتَقَلَتْ الرياسَةُ إلَى قُصي بنِ كَلاَبٍ فَبَنى بِمَكَّةَ دَارَ النّدْوَةِ لِيَحْكُمَ فِيهَا بَيْنَ قُرَيْش ثُم صَارَتْ لِتَشَاوُرِهِمْ وَعَقْدِ الأَلْوِيةِ لحُرُوبِهِم. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَكَانَتْ أوَّلَ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ فَبَنَوا الدُّورَ وكُلَمَا قَرُبُوا مِنَ الإِسْلاَمِ ازْدَادُوا قُوَّةً وَكَثْرَةَ عَدَدٍ حَتى دَانَتْ لَهُمُ الْعَرَبُ. الثَّانِيَةُ والثَّلاَثُون: يُكْرَهُ حَمْلُ السِّلاحِ بِمَكَّةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابر ﵁ أنَّ النَبي ﷺ قَالَ: لاَ يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السّلاحُ بِمَكَّةَ. الثَّالِثَةُ والثلاَثُون: قَالَ أصْحَابُنَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايةِ أنْ تُحَجّ الكَعْبَةُ كُلَّ سَنةٍ فَلاَ تُعَطّلُ (٢) وَلاَ يُشْتَرَطُ لِعَدَدِ الْمُحَصّلِينَ لِهذَا الفْرَضِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ بَلِ الْغَرَضُ أنْ يُوجَدَ حَجهَا في الْجُمْلَةِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ في كُلِّ سَنَة مَرَةً.

стр. 436

الرَّابعَةُ والثلاَثُونَ: قَدْ تَقَدمَ أَنهُ يَجُوزُ صَلاَةُ الْفَرضِ وَالنَّفْلِ جَمِيعاً في الْكَعْبَةِ وَأن النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أفْضَلُ مِنْهَا خَارِجَهُ وَكَذَا الْفَرِيضَةُ إذَا لَمْ تكُنْ جَمَاعَة وَإِنْ كَانَتْ جَمَاعَة فَخَارجهُ وَإِذا صَلُّوا جَمَاعَة دَاخِلُهُ فَلَهُمْ في الْمَوْقِفِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ تَقَدَّمَ بيانُها (١). أَمَّا إِذَا صَلوا جَمَاعَة خَارِجَ الْبَيْتِ وَوَقَفَ الإِمَامُ عِنْدَ الْمَقَامِ أوْ غَيْرِهِ وَوَقَفَ المأمُومُونَ خَلْفَهُ مُسْتَدِيرينَ فَصَلاَتُهُمْ صَحِيحَة، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ أقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنَ الإِمَامِ نُظِرَ إِنْ كَانَ أقْرَبَ وَهُوَ فِي جِهَةِ الإِمَامِ بأَنْ يقِفَ قُدامَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاَةُ المأمُومِ عَلَى الأَصَح، وَإِنْ كَانَ أقْرَبَ فِي جِهَةِ أخْرَى بِأَنْ اسْتَقْبَلَ الإِمَامُ الْجِدَارَ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَأْمُومُ مِنْ جِهَةِ الْحجرِ أو غَيْرِهَا صَحَتْ صَلاَتهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَحِيحِ (٢)، وَقَالَ أَبُو إِسْحقَ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أصْحَابِنَا لاَ تَصِحُّ (٣). وَلَوْ وَقَفُوا خَلْفَ الإِمَامِ آخِرَ الْمَسْجِدِ وَامْتَد صَف طَوِيل جَازَتْ صَلاَتُهُم (٤)، وَإِنْ وَقَفُوا بِقُرْبِ الْبَيْتِ وَامْتَدَّ الصف فَصَلاَة الخَارِجِينَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ بَاطِلَة عَلَى الأَصح.

стр. 437

قَالَ أبو الوليد الأزرقي: أَول من أدار الصفوف حول الكعبةِ وراءَ الإِمَامِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله القَسْرِيُّ (١) حِيْنَ كَانَ وَالياً عَلَى مَكَّةَ فِي خِلاَفَةِ عَبْدِ الْمَلكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أنَهُ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ مَوْقِفُهُمْ وَرَاءَ الإِمَامِ فَأَدَارَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أبِي رَبَاحٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَار وَنُظَرَاؤُهما مِنَ الْعُلَمَاءِ يَرَوْنَ ذَلِكَ وَلاَ يُنْكرُونَهُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ إذا قَل النَّاسُ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّهُما أَحَب إِلَيْكَ؟ أَنْ يُصَلوا خَلْفَ الْمَقَامِ أمْ يَكُونُوا صَفَّاً وَاحِداً حَوْلَ الكَعْبَةِ؟ فَقَالَ: أَنْ يَكُونُوا صَفاً وَاحِداً حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَالله أَعْلَمُ. قَالَ أَصحَابُنَا: وَلَوْ صلى مُنْفَرِداً عِنْدَ طَرَفِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الكَعْبَةِ وَبَعْضُ بَدَنِهِ مُحَاذِي الركْنِ وَبَعْضُهُ يَخْرِجُ عَنْهُ لَمْ تَصِحّ صَلاَتُهُ عَلَى الأَصحِّ (٢)، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ حِجْرَ الْكَعْبَةِ وَلم يَسْتَقْبِلْهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا فَالأَصَحُ أَنهُ لا تَصحُّ صَلاَتُهُ (٣) وَلَوْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ (٤) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِص (٥) لَمْ تَصِح

стр. 438

صَلاَتهُ عَلَى الصحِيحِ وَإِنْ كَانَ شَاخِص مِنْ نَفْسِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ ثُلُثَا ذِرَاع (١) صَحَّتْ صَلاَتُه وإلاّ فَلاَ، وَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَتَاعاً لَمْ يَكْفِهِ. الخَامِسَةُ والثلاَثُونَ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الصّلَوَاتِ يَتَضَاعَفُ الأَجْرُ فِيهَا فِي مَكَّةَ وَكَذَا سَائِرُ أنْوَاعِ الطَّاعَاتِ أيْضَاً (٢)، وَمَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مُجاهدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ (٣). وَقَالَ الْحَسَنُ البَصْرِي: صَوْمُ يَوْم بِمَكَّةَ بِمَائَةِ ألف وَصَدَقةُ دِرْهَم بِمَائَةِ ألْفٍ وَكُل حَسَنَة بِمَائَة أَلْفٍ فَيُسْتَحَب أَنْ يُكْثِر فِيها مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقِرَاءةِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ الَّتي تُمْكِنُهُ. السَّادسةُ والثلاَثُونَ: في كُسْوَةِ الْكَعْبَة. قَالَ الأَزْرَقُي: قَالَ ابْنُ جُريَج: كانَ تبَّع الحميَريُّ (٤) أوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ

стр. 439

كُسْوَةً كَامِلَةً أري فِي الْمَنَامِ أنْ يكْسُوهَا فَكَسَاهَا الأَنْطَاعَ (١) ثُمّ أُرِي في الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوهَا الْوَصَائِل وَهِيَ ثِيَاب حَبَرةٍ (٢) مِنْ عَصْبِ الْيَمَنِ ثُم كَسَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُم رَوَى الأَزْرقِي فِي رِوَايَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ حَاصِلُها أَن النَّبي ﷺ كَسَا الْكَعْبَةَ ثِيَاباً يمانِيةً ثُم كَسَاهَا أبُو بكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيةُ وَابْنُ الزبيرِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وإن عُمَرَ ﵁ كَانَ يَكسُوهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فيكْسُوهَا القَبَاطِيّ (٣) وَكَسَاهَا ابْنُ الزبَيْرِ وَمُعَاوِيةُ الديباجَ (٤) وَكَانَتْ تكْسَى يَوْمَ عَاشُورَاءَ ثُمَّ صَارَ مُعاوِيةُ يكْسُوهَا مَرتَيْنِ ثُم كَانَ المأمُونُ يكْسُوهَا ثَلاَثَ مَرات فَيَكْسُوهَا الديْبَاج الأحمرَ يوْمَ التروِية (٥) وَالقِبَاطِي يَوْمَ هِلاَلِ رَجب والديباجَ الأبْيَضَ يَوْمَ سَبع وَعشرِينَ مِنْ رَمَضَاَن وَهَذَا الأَبْيَضُ ابتدأه المأمُونُ سنةَ ستّ وَمَائتين حين قالُوا له: الديباجُ الأحمر يتخرّقُ قَبْلَ الْكُسْوَةِ الثانِيةِ فَسَأَلَ عَنْ أَحْسَنِ مَا تكونُ فيه الكعبةَ فقيلَ لَهُ: الديْبَاجُ الأبْيَضُ فَفَعَلَهُ. السابعةُ والثلاثونَ: في تزيينِ الكعبة بالذهبِ وَكَيفَ كَانَ ابتداوهُ.

стр. 440

نَقَل الأزرقي (١) أن عبدَ الله بن الزبيرِ حِين أَرَادَ هَدْمَ الكَعْبةَ وَبِنَاءَهَا اسْتَشَارَ النّاسَ في ذَلِكَ فَأشارَ جَابِرِ بْنُ عَبْدِ الله وَعبيدُ بنُ عُمَيْر وَآخَرُونَ بِتَرْكِهَا عَلَى حَالِهَا فَعَزَمَ ابْنُ الزبير عَلَى هَدْمِهَا فَخَرَجَ أهْلُ مَكَّةَ إِلَى مِنى فَأَقَامُوا بِهَا ثَلاَثاً خَوْفاً مِنْ أنْ يَنْزلَ عَلَيْهِم عَذَابٌ لَهَدْمِهَا، فأمَرَ ابنُ الزبير بِهَدْمِهَا فَمَا اجْتَرأ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ فَلَمَا رَأى ذَلِكَ عَلاَهَا بِنَفْسِهِ وَأَخَذَ المِعْوَلَ وَجَعَلَ يَهْدِمُهَا وَيَرْمِي أحْجَارَهَا، فَلَما رَأوْا أَنهُ لاَ يُصِيبُهُ شيء اجْتَرَؤُوا فَصَعَدُوا وَهَدَمُوهَا، فَلَمّا فَرَغَ ابنُ الزّبيرِ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبةِ خَلقَها (٢) مِنْ دَاخِلِهَا وَخَارِجِهَا مِنْ أعْلاَهَا إِلَى أسْفَلِهَا وَكَسَاهَا القَبَاطيَّ. وَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لي عليه طاعةٌ فَلْيَخْرُجْ فليعْتَمِرْ مِن التنْعِيمِ ومَنْ قدرَ أن ينحرَ بدنَة فليفعلْ ومنْ لَمْ يقدِرْ فليذبحْ شاة ومن لم يقدرْ فليتصدّقْ بوسْعِهِ، وخرجَ ابنُ الزّبيرِ ماشياً وخرح النّاسُ معه مشاة حتى اعتمرُوا مِنَ التَّنْعِيم شكراً ولمْ يُرَ يَوماً أكثر عَتيقاً وبَدنة مَنحورَة وشاة مذبوحة وصدقة مِنْ ذَلِكَ اليومِ، وَنحر ابْنُ الزبيرِ مَائة بَدَنَةٍ. وَأمَّا تذهيبُ الكعبةِ فإن الوليدَ بنَ عبدِ الملكِ بعثَ إلى واليهِ عَلَى مكةَ خالدِ بنِ عبدِ الله القَسْرِي بستّة وَثَلاثينَ ألْفِ دِينار فضربَ منهَا على باب الكعبةِ

стр. 441

صفائح الذهبِ وعلى ميزابِ الكعبةِ وعلى الأساطينِ التي في بَطْنِهَا وعلى الأَرْكَانِ في جَوْفِهَا فكلُّ ما على الميزاب والأَركانِ من الذهبِ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الوليدِ وَهُوَ أوّلُ من ذهّبَ الْبَيْتَ في الإِسلامِ. فأمّا ما كانَ على البابِ من الذهبِ من عمل الوليدِ فَسُرقَ فرفعَ ذَلِكَ إلى أميرِ المؤمنينَ مُحَمّدِ بنِ الرشيدِ في خلافتِهِ فأرسلَ إلى سالمِ بنِ الجرَّاحِ عامِلِهِ عَلَى ضَوَاحِي مَكّةَ بِثمانِيَة عَشَرَ ألْفِ دينار لِيَضْرِبَ بِهَا صَفائح الذَّهَبِ عَلَى بابِ الْكَعْبَةِ فَقَلَعَ ما كانَ عَلَى البابِ من الصَّفائحِ وَزَادَ عَلَيْهَا ثمانِيَة عَشَرَ ألْفَ دينارٍ فَضَرَبَ عَليهَا الصفائحِ التي هِيَ عليهِ الْيَوْمَ وَالْمَسامِيرَ وحلَقَتَيْ الْبَابِ والْعَتبَةِ، فالَّذِي عَلَى البابِ مِن الذهبِ ثلاثةٌ وثلاثون ألْفَ مِثقالٍ (١). وَعملَ الوليدُ بْنُ عبدِ الملكِ الرُّخَامَ الأحْمَرَ والأخْضَرَ والأبيضَ في بَطْنِهَا مُؤزِّراً بِهِ جُدْرَانَهَا وَفَرَشَهَا بالرّخامِ فجميعُ مَا في الْكَعْبَةِ مِنَ الرّخامِ هُوَ مِنْ عَملِ الوليدِ بن عبد الملكِ وهو أوَّلُ مَنْ فَرَشَهَا بِالرُّخَامِ وأزرَ بِهِ جُدْرَانَهَا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ زَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ. الثامنةُ والثلاثونَ: في تطييب الْكَعْبَةِ. رَوَى الأزْرقِيُّ أن عبد الله بن الزُّبَيْرِ ﵄ كَانَ يُجَمِّرْ (٢) الْكَعْبَةَ

стр. 442

كُلَّ يَوْم بِرَطْل وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ بِرَطْلَيْنِ مُجْمَراً (١)، وأنَّ ابْنَ الزبيرِ خَلَّق (٢) جَوْفَ الْكَعْبَةِ كُلَّهُ. وَعَنْ عائْشةَ ﵂ قَالَتْ: طَيّبوا الْبَيْتَ فَإِنَّ ذَلِكَ من تَطْهِيرِهِ تَعْنِي قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ وَأنَّ عَائشةَ قَالَتْ: لأَنْ أُطَيِّبَ الْكَعْبَةَ أَحبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ لَهَا ذهَباَ أَوْ فِضَّةً، وَأنّ مُعَاوِيةَ ﵁ أَجْرَى للْكَعْبَة طِيبَهَا لِكُل صَلاَةِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ مُعَاوِيةُ أوّلَ مَنْ طَيَّبَ الْكَعْبةَ بِالْخلُوقِ (٣) والمجمّرِ وَأجْرى الزيْتَ لِقَنَادِيل (٤) المسْجِدِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالله أعْلَمُ.

стр. 443

الباب السادس في زِيَارَةِ قَبْرِ سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا رَسُولِ الله ﷺ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَعَظَّمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ اعْلَمْ أنَّ لمَدِينَةِ رَسُولِ الله ﷺ أسماءٌ خمسة (١): المدينةُ، وطَابَةُ، وَطيبَةُ، والدَّارُ، وَيَثْربُ (٢). قال الله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ الآية. وَثَبَتَ في صحيحِ مسلم عن جابر بْنِ سَمُرَةَ ﵄ عَنِ النبي ﷺ قال: "إِنّ الله تعالى سَمَّى المدينَة طابةَ قَالَ سُمِّيتْ طابةَ وطِيبَة لخُلُوصِهَا مِنَ الشرْكِ وَطَهَارَتِهَا مِنْهِ، وَقِيلَ: لِطِيبِ سَاكِنِيهَا لأَمْنِهِم وَدعَتهم، وَقِيلَ: لِطِيبِ الْعَيْشِ بِهَا. وَأَمَّا تَسْمِيتُهَا الدَّارَ فَلِلاستِقْرار بها لأمنها". وأمَّا الْمَدينة قَالَ كَثِيرونَ مِنْ أهْلِ اللغَةِ وَغَيْرِهِم مِنْهُمْ قُطْرُبُ وابْنُ فارسٍ: هِيَ مِنْ دانَ أَيْ أَطَاعَ وَالدينُ الطَّاعَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأنَّهُ يُطَاعُ الله تعَالَى فيهَا وَقِيلَ غَيْر ذلِكَ والله أعلمُ، وَفِي البابِ مَسَائِلُ:

стр. 444

الأولَى: إذَا انْصَرَفَ الْحُجاجُ وَالمُعْتَمِرُونَ مِنْ مَكةَ فَلْيَتَوَجهُوا إلى مَدينة رسول الله ﷺ لِزَيَارَةِ تربتِهِ ﷺ فَإنهَا مِنْ أهَم الْقُرُبَاتِ وَأَنْجَحِ المَسَاعِي. وَقَدْ رَوَى البزارُ والدارَقطْنِي بِإِسْنادهمَا عن ابنِ عمَر ﵄ قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ زَارَ قبرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي". الثانيةُ: يستحب للزائِرِ أنْ يَنْوِيَ معَ زيارَتِهِ ﷺ التَقَرُّب إلى الله تعالَى بِالمسافَرة إِلى مَسْجِده ﷺ والصَّلاَة فِيهِ. الثالثةُ: يُستَحَب إِذَا تَوَجهَ إِلَى زِيارتِهِ ﷺ أنْ يُكْثِرَ من الصلاةِ والتسْليمِ عليهِ في طريقِهِ فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَشْجَارِ الْمَدينة وَحَرَمِهَا وَمَا يُعْرَفُ بِهَا زَادَ مِنَ الصلاَةِ والتسْلِيمِ عَلَيْهِ ﷺ وَيَسْأَل الله تعالَى أَنْ يَنْفَعَه بِزِيارَتِهِ وَأَنْ يَتَقَبلها مِنْهُ. الرابعةُ: يُسْتَحَب أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ دُخُولهِ وَيَلْبَسَ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ. الخامسةُ: يستحضرُ في قَلْبِهِ حِينَئِذ شَرَفَ الْمَدِينَة وَأَنهَا أَفْضَلُ الدُّنْيَا بَعْدَ مَكةَ عند بعضِ الْعُلَمَاءِ وعند بعضهم أفضلِها على الإِطلاق (١)، وَأَنَّ الذِي شُرفَتْ به ﷺ خَيْرُ الْخَلاَئِقِ أَجْمَعِينَ (٢). وَلْيَكُنْ من أَوَّلِ قُدُومِهِ إِلَى أن يَرْجِعَ مُسْتَشْعِراً لتَعْظِيمِهِ مُمْتَلىء الْقَلْبِ مِنْ هَيْبتِهِ كَأَنهُ يَرَاه. السادسةُ: إذَا وَصَلَ إلَى بَابِ مَسْجِدِهِ ﷺ فَلْيقُلْ مَا قَدمناهُ في دُخُولِ

стр. 445

الْمسجدِ الحَرَامِ (١) وَيقدّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى في الدُّخُولِ وَالْيُسْرى في الْخُرُوجِ (٢)، وَكَذَا يَفْعَلُ في جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. وَيَدْخُلُ فَيقْصِدُ الرَّوْضَةَ الْكَرِيمَةَ وهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ فَيُصَلِي تَحِيّة الْمَسْجِدِ (٣) بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ (٤). وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدّينِ أَنهُ يَجْعَلُ عَمُودَ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنكبه الأَيمَنِ وَيستَقْبلُ السَّارِيةَ الَّتي إلى جَانبِها الصَّنْدُوقُ وَتكُونُ الدَّائِرَة التي في قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُولِ الله ﷺ . وَقَدْ وُسّع الْمَسْجِدُ بَعْدَه ﷺ وَفِي كِتَابِ الْمَدِينة أنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ

стр. 446

وَمَقَامِ النَّبِيّ ﷺ الذي كَانَ يُصَلَي فِيهِ حَتى تُوُفي أرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعاً (١) وَشِبْر، وأنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ المِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ثَلاَث وَخَمْسُونَ ذِرَاعاً وَشِبْر وَسَيَأْتِي إنْ شَاء الله تَعالَى بيانُ سِعَةِ الْمَسْجِدِ وَكَيْفَ حَاله في آخِرِ هذَا الْبَابِ والله أعلمُ.

стр. 447

السَّابِعَةُ: إِذَا صَلى التحِية في الرَّوْضَةِ أَو غَيْرِهَا مِنَ الْمَسْجِدِ شَكَرَ الله تَعَالَى عَلَى هذه النعْمَةِ (١) وَيَسْألُهُ إتْمَامَ مَا قَصَدَهُ وَقَبُولَ زِيارَتِهِ، ثُمَّ يَأتِي الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيَسْتَدْبِرُ الْقِبلَة (٢) وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الْقَبْرِ وَيبعُدُ مِنْ رَأْسِ الْقبْرِ نَحْوَ أرْبَعْةِ أَذْرُعِ. وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدّين أنْ يَسْتَقْبِلَ جِدَارَ الْقَبْرِ عَلَى نحو أَرْبَعَةِ أَذْرُعِ مِنَ السَّارِيةِ التِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيةِ جِدَارِهِ وَيَجْعلَ القِنْدِيل الذي في الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ عَلَى رَأْسِهِ وَيقف نَاظِراً إِلَى أَسْفَلِ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ جِدَارِ الْقَبْرِ غَاضَّ الطرْفِ في مَقَامِ الهَيْبَةِ وَالإِجْلاَلِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنَ عَلاَئِقِ الدُّنْيَا مُسْتَحْضِراً في قَلْبِهِ جَلاَلَةَ مَوْقِفِهِ وَمَنْزِلَةَ مَنْ هُوَ بِحضرته ثُمَّ يُسَلّمُ وَلاَ يَرفعُ صَوْتَهُ بَلْ يقْتَصِدُ (٣)

стр. 448

فَيقُولُ: السلاَمُ عليكَ يا رسولَ الله، السلاَم عليك يا نبيَّ الله، السلاَم عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله، السلاَمُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ، السلاَمُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ ويا خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلاَمُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا جَزَى نَبياً وَرَسُولاً عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر وغفل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعِينَ.

стр. 449

أشْهَدُ أنْ لاَ إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة وَأدّيْتَ الأمَانَةَ وَنَصْحَتَ الأَمةَ وَجَاهَدْت في الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة وابعثهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ السَّائِلُونَ. اللَّهُمَّ صلِّ على محمد عَبْدِكَ وَرَسُولكَ النَّبيّ الأُمّي وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وأَزْوَاجِهِ وذريته كما صَلّيت على إبْرَاهِيِمَ (١) وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد النَّبِيّ الأمَّي وعَلَى آل مُحَمَّدٍ وَأزْوَاجِهِ وذُرِّيَتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلى آلِ إبراهيم فِي الْعَالِمينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مجِيدٌ.

стр. 450

وَمَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ وَأَقلهُ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله ﷺ . وَجَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ السلَفِ ﵃ الاْقْتِصَارُ جداً فَكَانَ ابنُ عُمَر يقولُ: السلاَمُ عليكَ يَا رَسُولَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا أبا، بكْرٍ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أبتَاه (١). وَعَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ الله تَعَالَى أنه كانَ يقولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أيها النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، ثُمّ إنْ كانَ قَدْ أَوْصَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلاَم عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَلْيقُلْ (٢) السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا رسولَ الله مِنْ فُلاَن ابْنِ فُلاَن، أَوْ فُلاَنُ ابنُ فُلاَنٍ يُسَلّمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَاتِ، ثُمَّ يتأخرُ إلى صَوْبِ يَمِينِهِ قدر ذراعٍ فَيُسَلّم على أبِي بكْر ﵁ لأنَّ رَأْسهُ عِنْدَ مَنكبِ رَسُول الله ﷺ فَيقُولُ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يا أبَا بكْرٍ صَفِيّ رسولِ الله وثانيه في الْغَارِ جَزَاكَ الله عَنْ أمةِ نبيه ﷺ خيراً، ثُمَّ يَتَأخّرُ إلى صَوْبِ يمينه قدر ذِراعٍ للسَّلاَمِ عَلَى عُمَرَ ﵁ فَتقُولُ: السلامُ عَلَيْكَ يا عُمَرُ أعَزَّ الله بِكَ الإِسْلاَمَ جَزَاكَ الله عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْراً.

стр. 451

وَهذه صِفَةُ الْقُبورِ الْكَرِيْمَةِ: * الصفة الأولى - قبر النبي ﷺ - - قبر أبي بكر ﵁ - - - قبر عمر ﵁ * الصفة الثانية قبر النبي ﷺ قبر أبي بكر ﵁ قبر عمر ﵁ * الصفة الثالثة قبر النبي ﷺ قبر أبي بكر ﵁ قبر عمر ﵁ وَالمَشْهُورُ هُوَ الصفةُ الأُولى (١)، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَى مَوْقِفِهِ الأوَّلِ قبَالَ وَجْهِ رسولِ الله ﷺ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ في حَقّ نَفْسِهِ وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبّهِ ، وَمِنْ أحْسَن مَا يقُولُ مَا حَكَاهُ أصْحَابُنَا عَنِ الْعُتْبِيّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ قَبْرِ النَّبي ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيّ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكَ يا رسول الله سَمِعْت الله يقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنبي

стр. 452

مُسْتَشْفِعاً بِكَ إِلَى رَبّيِ ثُمَّ أنْشَأ يقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ نَفْسِي فِدَاءٌ لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ أَنْتَ الشفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه ... عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ وَصَاحِبَاكَ فَلاَ أَنْسَاهُمَا أبَداً ... مِنّي السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ فَغَلَبتَنِي عَيْنَايَ فَرَأيْتُ رسول الله ﷺ في النَّوْمِ فَقَالَ: "يَا عُتْبي إلْحَقْ الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه". اهـ. ثُمَّ يَتَقَدمُ إلى رَأْسِ النَّبِي فَيقِفُ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالأُسْطُوَانَةِ الَّتِي هُنَاكَ وَيَسْتَقبلُ الْقِبْلَةَ ويحْمَدُ الله تعالى ويُمَجدُهُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا أَهَمَّهُ وَمَا أحَبَّهُ وَلِوَالديهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ أقارِبِهِ وأَشْيَاخِهِ وَإِخْوَانِهِ وَسَائِرِ المُسلمينَ ثُمَّ يَأتِي الرّوضَةَ فَيُكْثِرُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلاَةِ. فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي (١) رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ (٢) وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي"، وَيقِفُ عِنْدَ الْمِنبر وَيَدْعُو.

стр. 453

الثامنةُ: لاَ يَجُوزُ أنْ يُطَافَ بِقَبْرِ النَّبِي ﷺ ويُكْرَهُ إلْصَاقُ الْبَطْنِ وَالظهْرِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ قَالَهُ الْحَلِيميُّ وَغَيْرُهُ، وَيُكْرَهُ مَسحهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ بَلْ الأَدَبُ أنْ يَبْعُدَ مِنْهُ كَمَا يَبْعُدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَ في حَيَاتِهِ ﷺ هذَا هُوَ الصَّوَابُ (١) وَهُوَ الّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَأطْبقُوا عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أنْ لاَ يَغْتَرَّ بِكَثِيرِ مِنَ الْعَوَامّ في مُخَالَفَتِهِمْ ذلِكَ فَإِنْ الاقْتِدَاءَ وَالْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْوَالِ الْعُلماءِ وَلاَ يلتفتُ إلى مُحْدَثَاتِ العَوَامِ وجهالاتهم، وَلَقَدْ أحْسَنَ السَّيّدُ الْجَلِيلُ أبُو عَلِيّ الفُضَيْلُ بنُ عِياضِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى في قَوْلهِ مَا مَعْنَاهُ: اتَّبْعِ طُرُق الْهُدَى وَلاَ يَضُرُّكَ قِلّةُ السَّالِكِينَ، وإياكَ وَطُرُقَ الضلاَلَةِ وَلاَ تَغْتَرَ بِكِثْرةِ الْهَالِكِينَ، وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أنَّ الْمَسْحَ بِالْيَدِ وَنَحْوهِ أبْلَغُ في الْبَرَكَةِ فَهُوَ مِنْ جَهَالَتِهِ وَغَفْلَتِهِ لأَن الْبَرَكَةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ، وَكَيْفَ يَبْتَغِي الفضلَ في مُخَالَفَةِ الصَّوابِ (٢). التاسعةُ: يَنْبَغِي لَهُ مُدَّة إقَامَتِهِ بِالْمَدِينَة أنْ يُصَلّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الاعْتِكَافَ فيه كَمَا قَدَّمْنَاه في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. الْعَاشِرَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّ يَوْمِ إِلَى الْبقِيعِ خُصُوصاً يَوْمَ الْجُمُعَةِ

стр. 454

وَيَكُونُ ذلِكَ بَعْدَ السَّلاَمِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ (١) دار قَوْمِ مُومِنينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بكم (٢) لاَحِقُونَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بقيعِ الْغَرْقَدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وَلَهُمْ. وَيَزُورُ الْقُبُورَ الظَّاهِرَةِ فِيهِ كَقَبْرِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ الله ﷺ وَعُثْمَانَ وَالْعَباسِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِي وَعَلِي بْنِ الْحُسَيْنِ وَمُحَمدِ بْنِ عَلِي وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمدِ وَغَيْرِهِمْ وَيَخْتِم بِقَبْرِ صَفِيةَ ﵂ عَمَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ في الصَحِيح في فَضْلِ قُبُورِ الْبقِيعِ وَزِيَارَتِهَا أَحَادِيثٌ كَثِيْرَة. الْحَاديَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُد وأفْضَلُهُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَابتداؤه بحمزة عَم رَسُولِ الله ﷺ ، ويُبَكرُ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ حَتى يَعُودَ وَيُدْرِكَ جَمَاعَةَ الطهْرِ فِيهِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَة: يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَاباً مُتَأكداً أنْ يأتي مَسْجِدَ قُبَاء وَهُوَ فِي يَوْمِ السَبْتِ أوْلَى، نَاوِياً التَّقَرُّبَ بِزِيارَتِهِ وَالصَّلاَةَ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ في كِتَابِ التّرْمِذِي وَغَيْرِهِ عَنْ أسُيْد بن ظهير ﵁ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "صَلاَةٌ في مَسْجِدِ قُبَاء كَعُمْرَةٍ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأتي مَسْجِدَ قُبَاء رَاكِباً وَمَاشِياً فَيُصَلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَفِي

стр. 455

رِوَايةٍ صَحِيحَةٍ كَانَ يَأتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ وَيُسْتَحَب أَنْ يَأْتِي بِئْرَ أرِيسٍ (١) الَّتي رُوَي أَن النبِيَّ ﷺ تفَلَ فيها عِنْدَ مَسْجِدِ قُبَاء فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَتَوَضّأ مِنْهُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَب أَنْ يَأتِيَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ نَحْوُ ثَلاَثِينَ مَوْضِعاً يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَلْيقصد ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَكَذَا يَأْتِي الآبارَ الَّتي كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يتَوَضَّأ مِنْهَا وَيَغْتَسِلُ فَيَشْربُ وَيَتَوَضَّأ وَهِيَ سَبْعُ آبَار (٢).

стр. 456

الرَّابِعَةَ عَشْرَة: مِنْ جَهَالَةِ الْعَامَّةِ وَبِدَعهم تَقَرُبُهُمْ بِأَكْلِ التَّمْر الصَّيْحَانِي (١) فِي الرَّوْضَةِ الكريمَةِ وَقَطْعِهِمْ شُعُورَهُمْ وَرَمْيِهَا في القِنْدِيل هَذَا مِنَ المُنْكَراتِ الشَّنِيْعَةِ (٢). الخَامِسَةَ عَشْرَة: كَرِهَ مَالِكٍ (٣) رَحِمَهُ الله تعالَى لأَهْلِ المدينَةِ كُلَّمَا دَخَلَ أَحَدُهُم الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ الْوُقُوفَ بِالْقَبْرِ قَالَ: وَإنَّمَا ذَلِكَ لِلْغُرَبَاءِ قَالَ: وَلاَ بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ مِنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إِلَى سَفَر أَنْ يقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيّ ﷺ فَيُصلِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. قَالَ الْبَاجِي: فَرّقَ مَالِكُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينةِ وَالْغُرَبَاءِ لأَنَّ الغُرَبَاءَ قَصَدُوا لِذلِكَ وأهْلَ الْمَدِينَةِ مقيمُونَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : "اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وثناً يُعْبَد" (٤).

стр. 457

السادِسَةَ عَشْرَة: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلاَحِظَ بِقَلْبِهِ فِي مُدَّة مُقَامِهِ بِالْمَدِيْنَةِ جَلاَلتَهَا وَأنهَا الْبَلْدَةُ الَّتي اخْتَارَهَا الله تَعَالَى لِهِجْرَةِ نبيهِ ﷺ واستيطَانِهِ وَمَدْفَنِهِ وَلْيَسْتَحْضِرْ تَرَدُّدهُ ﷺ فيهَا وَمَشْيَهُ في بِقَاعِهَا. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ الْمُجَاورة بِالْمَدِينة بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدّمِ بالْمُجَاوَرَةِ بِمَكّة فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَبَرَ عَلَى لأوَاءِ الْمَدِيْنةِ وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيداً أوْ شَفِيعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ". الثَّامِنَة عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ بالمَدِينَةِ مَا أَمْكَنَهُ وأن يتصدق بما أمكنه عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ الله ﷺ فإِنْ ذلِكَ مِنْ جُمْلَةِ بِرهِ. التاسِعَةَ عَشْرَة: لَيْسَ لَهُ أن يَسْتَصْحِبَ شَيْئاً مِنَ الأكر المعمُولة من تُرَاب حَرَامِ الْمَدِينَةِ وَلاَ الأَباريق وَالْكِيزَانِ وَلاَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ كَما سَبقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ (١). الْعِشْرُونَ: يَحْرُمُ صَيْد حَرَمِ المَدِينة وَأشْجَارِهِ عَلَى الْحَلاَلِ وَالْمُحْرِمِ كَمَا سَبَقَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَسَيَأتِي بيانُ ضَمَانِهِ فِي الْبَاب السَّابِعِ إنْ شَاءَ الله

стр. 458

تَعَالَى (١). وَحَدُّ حَرَمِ المَدِينَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبيّ ﷺ قَالَ: "الْمَدِيْنَةُ حَرَم ما بينَ عَيْرَ إلى ثَوْرٍ (٢). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَم وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عير جَبَل بالْمَدِينة. وَأَمَّا ثَوْرُ فَلاَ يَعْرِفُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهَا جَبَلاً يقَال لَهُ ثَوْر، إِنَّمَا، ثَوْر، بِمَكَّة (٣) قَالُوا: فنرَى أَنَّ أَصلَ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ عير إِلَى أَحُد. وَقَالَ الحافِظ أَبُو بكر الحازِمِيُّ في كِتَابِهِ المؤتلف في أسماء الأَمَاكِنِ في الحديثِ حَرَم رسول الله ﷺ مَا بينَ عير إِلى أُحُدٍ قَالَ: هَذ الرّوَايةُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ إِلى ثَوْرٍ وليسَ لَهُ مَعْنَى، وَفِي الصّحيحينِ من حديثِ أبي هريرة ﵁ قَالَ: لَوْ رَأيْتُ الظبَاءَ بِالمدينة تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا

стр. 459

بينَ لاَبَتَيْهَا حَرَام"، وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابةِ في الصّحِيحِ، وَاللاّبَتَانِ الْحرّتَانِ (١). الحَادِيةُ والْعِشْرُونَ: إِذَا أَرَادَ السَّفَر مِنَ الْمَدِينةِ وَالرُّجُوعَ إِلَى وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتُحِب أَنْ يُوَدعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيَأَتِي الْقَبْرَ (٢) وُيعيدُ نَحْوَ السَّلاَمِ وَالدُّعَاءِ المذكُور في ابْتِدَاءِ الزّيَارَةِ وَتقُولُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ الْعَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولكَ وَيَسرْ لِي الْعَوْدَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَة وارْزُقْنِي العفو والْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرة وَرُدنا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلاَ يَمْشِي قهقرَى إِلَى خَلْفِهِ. الثَّانِيَةُ والعِشْرُونَ: فِي أَشْيَاءَ مُهِمّةٍ تتعَلَّقُ بِمَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَيْنَا في صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ مَبْنيِاً بِاللَّبِنَ وَسَقْفُه الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بكْر ﵁ شَيئاً (٣) وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ ﵁

стр. 460

وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ (١) فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ باللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمَدَهُ خَشَباً، ثُم غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيادة كثيرة (٢) وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ المَنْقُوشة وَالْقَصَّة وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَة وَسقفَهُ بِالسَّاجِ هذَا لَفْظُ رِوَاية الْبُخَارِي. وَقَوْلُهُ القَصَّةِ هِيَ بِفَتْحِ القَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلة وهي الْجصُّ. وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْد أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَة (٣) قَالَ: بَنَى
следующие страницы →