حصلت بين عثمان ﵁ وعلي ﵁ والتي كان يفهمها بعض العوام على غير وجهها (١).
وقد برَّر بعضُهم عدمَ قيام علي ﵁ بالقصاص من قتلة عثمان ﵁ أنه ﵁ قُتل بتأويل، واستدلوا بما حكاه الزهري من الإجماع على عدم القصاص في أيام الفتنة قال: «هاجت الفتنة الأولى وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون فأجمعوا أن لا يقاد أحد» (٢)، وقد كان هذا مذهب سيدنا علي ﵁ (٣).
стр. 107
تفاصيل الفتنة بين علي ومعاوية ﵄:
كان أول كتاب يرسله علي ﵁ إلى معاوية ﵁ في بداية عهده مع سبرة الجهني وكان فيه (١): «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان ﵁ وما اجتمع الناس عليه من بيعتي فادخل في السلام كما دخل الناس، وإلا فَأْذَنْ بحرب كما يؤذن أهل الفرقة، والسلام». فلم يكتب معاوية ﵁ بشيء ولم يجبه وردَّ رسولَه، وجعل كلما تنجز جوابه يؤجل الرد ويُعرِّض بعلي ويطلب القصاص حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان ﵁ في صفر، دعا معاوية ﵁ برجل من بني عبس، ثم رجل من بني رواحة يدعى قبيصة، فدفع إليه طوماراً (٢) مختوماً عنوانه: من معاوية إلى علي. وقال: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ثم أوصاه بما يقول وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول لغرته فلما دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أنَّ معاوية ﵁ معترض، ومضى حتى دخل على علي ﵁ فدفع إليه الطومار ففضَّ خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة!! فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمنٌ أنا؟ قال: نعم إن الرسل آمنة لا تقتل. قال: ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك، وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان ﵁، وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق. فقال: مني يطلبون دم عثمان! ألست موتوراً كَتِرَةِ عثمان، اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان ﵁ إلا أن يشاء الله، فإنَّه إذا أراد أمراً
стр. 108
أصابه، اخرج. قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن، فخرج العبسي وصاحت السبئية فقالوا: هذا الكلب، هذا وافد الكلاب اقتلوه. فنادى: يا آل مضر، يا آل قيس، الخيلَ والنبلَ إني أحلف بالله جلَّ اسمه ليردنَّها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحولة والركاب. وتعاووا عليه ومنعته مضر وجعلوا يقولون له: اسكت. فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبداً فلقد أتاهم ما يوعدون. فيقولون له: اسكت. فيقول لقد حلَّ بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم. فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم، وأحب أهل المدينة أن يعلموا ما رأي علي ﵁ في معاوية ﵁ وانتقاضِه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة أيجسر عليه أو ينكل عنه، وقد بلغهم أنَّ الحسن بن علي ﵃ دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك الناس فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي (١) وكان منقطعاً إلى علي فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيَّسر. فقال: لأي شيء؟ فقال: تغزو الشام. فقال زياد: الأناة والرفق أمثل وقال:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
فتمثَّل عليٌ وكأنَّه لا يريده:
متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
فخرج زياد على الناس، والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السيف يا قوم. فعرفوا ما هو فاعل.
ومنعت أخبارُ طلحة والزبير وعائشة ﵃ خروجَ الجيش إلى الشام، وخرج بدلاً من ذلك إلى البصرة، وتوقفت المراسلة بينهما بسبب ذلك، ثم عادت بعد وقعة الجمل (٢) عندما وجَّه عليٌ ﵁ (عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من وقعة الجمل) جريرَ بنَ عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وكتب معه كتاباً يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير وما كان من حربه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته. فشخص إليه جرير فلما قدم عليه ماطله واستنظره ودعا عَمْراً فاستشاره
стр. 109
فيما كتب به إليه فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام ويلزم علياً دم عثمان ويقاتله بهم ففعل ذلك معاوية. وخرج أمير المؤمنين فعسكر بالنخيلة وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة، فتهيأ إلى صفين فاستشار الناس في ذلك فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالمسير فأبى إلا المباشرة فجهز الناس، فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أما إذ بلغك أنه يسير فَسِرْ بنفسك ولا تَغِبْ عنه برأيك ومكيدتك. قال: أما إذاً يا أبا عبد الله فجهز الناس.
ولبيان وجهةِ نظر من كان مع معاوية ﵁ أذكر أنَّه: لما التقى الأشترُ (١) وهو على طليعة جيش علي ﵁، أبا الأعور (٢) وهو على طليعة جيش معاوية، دعاه الأشترُ للمبارزة، فقال أبو الأعور: إنَّ خفة الأشتر وسوءَ رأيه حمله على إجلاء عمال ابن عفان ﵁ من العراق، وانتزائه عليه يُقبِّح محاسنَه، ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى ابن عفان ﵁ في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله فأصبح متبعاً بدمه وأصبح مبتغى بدمه، لا حاجة لنا في مبارزته (٣).
وأيضاً لبيان التزام علي ﵁ بالقواعد الإسلامية في هذه المعارك، بينما كانت قواعد الحرب والمكيدة هي السائدة في معاوية وأصحابه، أذكر أنه: لما تواقف الجيشان قبل الصدام ذهب شباب الناس وغلمتهم من جيش علي يستقون، فمنعهم أهل الشام، فأرسل علي إليهم صعصعةَ بن صوحان فقال له: ائت معاوية وقل له إنَّا سرنا مسيرنا هذا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدَّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها قد حِلْتم بين الناس وبين الماء والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليُخلُّوا بين الناس وبين الماء، ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلْنا. قال معاوية ﵁: سيأتيكم رأيي. ثم إنه أرسل الخيل إلى أبي الأعور ليكفَّ
стр. 110
أصحاب علي ﵁ عن الماء، فأمر علي ﵁ بقتالهم حتى صار الماء في أيدي أصحابه فقالوا: لا والله لا نسقيهموه. فأرسل إليهم علي ﵁ أن خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلوا عنهم، فإنَّ الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم (١).
أهداف سيدنا علي ﵁ من حروبه في خلافته:
لقد ظهرت أهدافه ﵁ من خلال خطبه التي قالها قبيل كل معركة قام بها والتي صرَّح فيها بأنَّ هدفه منها كان لمَّ شمل الأمة وتوحيد صفها، فقد خطب أهل المدينة في بداية خلافته بعد رفض معاوية مبايعته ﵁ فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الشام وسماهم أهل الفرقة وأوضح سبب دعوته إلى قتالهم أنهم يريدون أن يفرقوا جماعة المسلمين (٢).
وكذلك عندما جاءه خبر السيدة عائشة وطلحة والزبير ﵃ من مكة وأنهم ينوون المناداة بالقصاص من قتلة عثمان، خطب بأهل المدينة وأوضح أنه لن يحاربهم ما لم يَخَفْ على جماعة المسلمين (٣).
وهذا كان رأيه قبل صفين والجنود تقابل بعضها البعض، حيث كان يدعو إلى لمِّ الشمل (٤).
стр. 111
وتكرر هذا في أثناء الموادعة التي حصلت بينهما في شهر محرم رجاء الصلح (١).
ثالثاً: الخلاف بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ -:
كان الخلاف بين الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ امتداداً للخلاف السابق بين علي ومعاوية ﵄، وبقي قريباً من ستة أشهر حتى تنازل الحسن ﵁ عن الخلافة لمعاوية ﵁، وتعتبر خلافة سيدنا الحسن بن علي من ضمن الخلافة الراشدة، لأن النبي ﷺ حدد الخلافة الراشدة بثلاثين سنة، وقد انتهت هذه الفترة بتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية ﵃ (٢).
ولد الحسن بن علي ﵁ سنة ثلاث من الهجرة (٣) وقيل في نصف رمضان من السنة الثانية (٤)، وبويع بالخلافة في الكوفة يوم موت أبيه علي ﵁ لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين من الهجرة (٥)، وبايعه الناس في الحجاز واليمن على يد جارية بن قدامة، وفي فارس على يد عاملها زياد بن عبيد، وبايعه من بقي من
стр. 112
فضلاء المهاجرين والأنصار، وتخلف عن بيعته معاوية ﵁ ومن معه. وكان علي ﵁ قد جهز قبل موته أربعين ألفاً لحرب معاوية فتجهز الحسن ﵁ بعد مبايعته للخروج بذلك الجيش، وسار من الكوفة للقاء معاوية (١)، وعندما وصل إلى مسكن (٢) وتجهز وعبأ الجيش , جرت في عسكره مشاحنات وذلك بعد أن سرت شائعات بمقتل قيس بن سعد قائد مقدمة جيشه الذي أرسله طليعة له، حتى أنهم نفروا بسرادقه ونهبوا متاعه وجواريه , وطعنه خارجي من بني أسد بخنجر، حتى دافع عنه أصحابه وقتلوا الخارجي، فكَرِهَ أهلَ العراقِ لذلك، وكتب عندها إلى معاوية يعرض عليه الصلح، واشترط عليه شروطاً وقال: إن أجبت عليها فأنا سامع مطيع , فأجابه معاوية إلى ذلك , وسلَّم الأمر إليه , وتوجع من تلك الضربة أشهراً وعوفي، ورجع إلى المدينة فبقي فيها إلى أن توفي (٣).
وكان عماله على الأمصار عمال أبيه إذ لم يمض له من الزمن ما يسع فيه تغيير العمال مع اشتغاله بحرب معاوية، فكان على مصر سهل بن حنيف، والشام بيد معاوية، وعلى اليمن عبد الله بن عباس، وعلى البصرة عثمان بن حنيف، وعلى الكوفة عمار بن حسان، وعلى إفريقية عبد الله بن أبي سرح (٤).
من بدأ بعرض الصلح:
من سياق الحديث الذي رواه البخاري (٥) يظهر أن معاوية ﵁ هو الذي عرض
стр. 113
الصلح على الحسن ﵁ وبعث إليه عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز للمفاوضة معه، فقبل الحسن ﵁ الصلح واشترط شروطاً تعهد له بها هذان الرجلان، ووافق معاوية عليها فيما بعد.
وكان الحسن بن علي ﵄ ميالاً للصلح بين الناس فبعد رفض معاوية بيعةَ أبيه علي ﵁ حتى يقتص من قتلة عثمان ﵁، دخل الحسن بن علي ﵄ على أبيه ودعاه إلى القعود وترك قتال معاوية ﵁ (١).
وقد كان معاوية ﵁ يعلم أن الحسن ﵁ أكرهُ الناسِ للفتنة فلما توفي علي ﵁ بعث إلى الحسن ﵁ فأصلح ما بينه وبينه سراً وأعطاه معاوية ﵁ عهداً إن حدث به حَدَثٌ والحسن حي ليسمينَّه وليجعلنَّ الأمر إليه فلما توثق منه سلَّم له وبايعه (٢).
ولعل ما ذكره الطبري من أن الحسن ﵁ راسل معاوية ﵁ بالصلح بعد الحادثة التي حصلت في جيشه عند سريان الشائعات بمقتل قيس بن سعد ﵁ قائد مقدمة جيشه، وقيام الغوغاء بمهاجمته ونهب سرادقه، أقول لعل مراسلته لمعاوية ﵁ كانت بعد عرض معاوية ﵁ الصلح عليه أولاً، والله أعلم (٣).
شروط الصلح:
اشترط الحسن ﵁ على معاوية ﵁ عدداً من الشروط وهي:
١) أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبسيرة الخلفاء الصالحين (٤).
стр. 114
٢) أن يكون الأمر للحسن ﵁ من بعده، وليس لمعاوية ﵁ أن يعهد به إلى أحد (١).
٣) أن يترك سب أمير المؤمنين علي ﵁ والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكره إلا بخير (٢).
٤) يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن، وله خراج فسا ودرابجرد (٣)، وأن يقضي معاوية ﵁ ديون الحسن ﵁ (٤).
٥) أن لا يأخذ أحداً من أهل العراق بإحنة، وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم، وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم (٥).
فأجابه معاوية ﵁ وأعطاه ما سأل، وكان ببيت المال سبعة آلاف ألف درهم فاحتملها الحسن ﵁ وتجهز هو وأهل بيته إلى المدينة وكفَّ معاوية ﵁ عن سبِّ علي ﵁ والحسنُ يسمع، وأجرى معاوية ﵁ على الحسن ﵁ كل سنة ألف ألف درهم وعاش الحسن ﵁ بعد ذلك عشر سنين، (٦) وقال السيوطي: كان عطاء الحسن ﵁ من
стр. 115
معاوية ﵁ في كل سنة مائة ألف (١).
وكان هدف الحسن بن علي ﵁ من مصالحة معاوية حقن دماء المسلمين، لعلمه أنه لا تغلب طائفةٌ الأخرى حتى تذهب أكثرها (٢)، وهذا ما قاله لما تم الصلح بشروطه، فقد برز الحسن ﵁ بين الصفين وقال: إني قد اخترت ما عند الله وتركت هذا الأمر لمعاوية، فإن كان لي فقد تركته لله وإن كان له فما ينبغي أن أنازعه ثم قرأ: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ الأنبياء /١١١، وكبر الناس فرحاً واختلطوا من ساعتهم وسُمِّيت سنة الجماعة وتمت الخلافة لمعاوية ﵁ من يومئذ (٣). وكان يقول بعد ذلك: «قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد ﷺ » (٤).
وكان خلع الحسن ﵁ نفسه من الولاية وتسليم الأمر لمعاوية ﵁ في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين (٥) , وقيل في جمادى الأولى (٦) , فكانت خلافته خمسة أشهر ونحو نصف شهر وقيل سبعة أشهر وعشراً، وكان في خلعه نفسه وتسليم الأمر لمعاوية ﵁ ظهور معجزتين للنبي ﷺ إحداهما: أن النبي ﷺ قال في حقه: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (٧) فكان الأمر كذلك , والثانية: أنه حسب يوم تسليمه فكان تمام ثلاثين سنة وأن رسول الله ﷺ قال: «الْخِلافَةُ فِي أُمَّتي ثَلاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» (٨).
стр. 116
توفي مسموماً بعد خلعه في المدينة في شهر ربيع الأول سنة خمسين للهجرة، عن سبع وأربعين سنة، وقيل سنة تسع وأربعين، وقيل سنة إحدى وخمسين (١)، وقيل إن زوجته جعدة بنت الأشعث سمته فمات من حيث إن يزيد بن معاوية وعدها أن يتزوجها إن سمته ففعلت ولم يف لها (٢).
ما يستخلص من مجمل الأحداث في عهد الحسن بن علي ﵄:
إن قراءة الأحداث في عهد الحسن بن علي ﵁ تؤكد بجلاء نفس النتائج التي يمكن استخلاصها من عهد سيدنا علي بن أبي طالب ﵁؛ وهي أن وحدة الخلافة أمر لم يكن يقبل المساومة لديهم، لأنه لو وسعهم أن يقبلوا تعدد الخلافة لما أريقت كل تلك الدماء من أجل أن يكون الأمر لواحد منهم فقط، ولكانوا قبلوا تقاسم الحكم بينهما، سواء في عهد علي أو في عهد الحسن ﵁، ثم إنَّ مدح النبي ﷺ للحسن بن علي ﵁ وأنَّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، دليل شرعي آخر على ذم الفرقة وذم تعدد الخلافة، ولهذا سمي هذا العام بعام الجماعة لعودة الخلافة تحت راية واحدة وعودة الجهاد ليأخذ مجراه الطبيعي ضد الكفار، ولتستأنف الفتوحات بعد أن توقفت فترة طويلة، كما أنَّ مدح النبي ﷺ لهذا الصلح رغم أنه كان لصالح معاوية ورغم أنه أخرج الخلافة من خلافة النبوة إلى الملك، دليل على أن التغيير الذي حصل في أسلوب تولي الخليفة للخلافة، لصالح وحدة الخلافة والابتعاد عن الفتن والاقتتال والخلاف، هو أمر مشروع بل هو أمر مطلوب، من باب دفع أعظم المفسدتين؛ فتولي الخلافة بالسيف مفسدة ولا شك، وخاصة إذا كانت الأمة موحدة وكان هذا ممن لم تتوفر فيه شروط الخلافة، ولكن مفسدة الفرقة والاقتتال بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة أعظم ضرراً وأشد خطراً.
стр. 117
خارطة المد الإسلامي عبر العصور حتى سنة ٧٥١ م
اللون البني الغامق: الخلافة في عصر النبوة (٦٢٢ - ٦٣٢) - اللون البني الفاتح: الخلافة في عصر الخلفاء الراشدين (٦٣٢ - ٦٦١) اللون البيج: الخلافة في عصر الأمويين (٦٦١ - ٧٥١).
стр. 118
الفصل الثاني
الشروط والواجبات ونظرية الضرورة
ويتضمن ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في الخليفة.
- المبحث الثاني: واجبات الخليفة والأحكام المنوطة به.
- المبحث الثالث: نظرية الضرورة.
стр. 119
المبحث الأول: الشروط الواجب توفرها في الخليفة
سأبحث تحت هذا العنوان ما يجب أن يتوفر في الخليفة من شروط، وما هو من صفات الأولويَّة والتفضيل له على غيره، وإن لم يشترطها كثير من المذاهب.
لقد تباينت الآراء والمذاهب الإسلامية في تحديد هذه الشروط، وسبب ذلك - كما قال الغزالي (١) - أنه لم يَرِد النصُ من شرائط الإمامة في شيءٍ إلا في النسب، إذ قال ﷺ : «الأئمة من قريش» (٢)، فأمَّا ما عداه فإنَّما أُخِذَ من الضرورة والحاجة الماسة في مقصود الإمامة إليها، كما شرطنا العقلَ والحرية وسلامةَ الحواس والنجدة والورع، فإنَّ هذه الأمور لو قُدِّر عدمُها لم ينتظم أمرُ الإمامة.
وعلى كلٍ فقد جعل ابنُ خلدون والبغدادي (٣) هذه الشروط ...................................
стр. 120
أربعة (١)، وجعلها الباقلاني خمسة (٢)، وجعلها الماوردي سبعة (٣)، وذكر الآمدي أن المتفق عليه منها ثمانية (٤)، ومنهم من اشترط أكثر من ذلك (٥)، وإن انحصر الخلاف الجوهري والأساس بين السُّنَّة والشِّيعة، وأهم ما اختلف فيه الشِّيعة عن غيرهم قولهم بالنصِّ على الإمام والعصمة، بينما قال غيرهم بالاختيار والبيعة (٦).
وبالمجمل فإنَّ هناك شروطاً اتفق عليها الجميع بلا استثناء (٧)، كما أن هناك شروطاً اختُلِف فيها، ودليل الخلاف ضعيف لا يُعتمد عليه، وشروطاً اختُلِف فيها، والخلاف مبني على الدليل، وسأُبيِّن كلاً منها بحول الله تعالى وعونه.
هذا يعني أن البحث سيكون مقسَّماً إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: الشروط المتفق عليها بإطلاق، والثاني: الشروط المختلف فيها، وأساس الخلاف يستند إلى دليل غير قوي أو لا دليل له إطلاقاً، مما يجعله قريباً من القسم الأول، والثالث: الشروط المختلف فيها بناءً على أدلة لها قوتُها.
- أما المتفق عليه بإطلاق من الشروط فهي شرطان: أن يكون مسلماً عاقلاً.
стр. 121
- وأما المختلف فيها من الشروط والخلاف غير مبني على دليل قوي فهي تسعة شروط؛ الثلاثة الأُولى منها لا عبرة برأي من لم يشترطها وهي: أن يكون ذكراً بالغاً، سليم الحواس والأعضاء إلى درجةٍ ما تُمَكِّنُه من القيام بمهام الخلافة، والستة الأخيرة منها لا عبرة برأي من اشترطها وهي أن يكون: هاشمياً، معصوماً، منصوصاً عليه، من نسل الحسن والحسين، صاحب كرامات، وأن يخرج داعياً إلى نفسه.
- وأما المختلف فيها من الشروط بناءً على الدليل فهي ثمانية شروط: أن يكون قرشياً، مجتهداً، سليم الحواس والأعضاء تماماً، كفؤاً قادراً على القيام بأعباء الخلافة (بأن يكون قوي القلب شجاعاً قادراً على تأمين السبل وإنصاف المظلومين ... الخ)، عدلاً، عالماً، أفضل أهل زمانه، وأجمعت الأمة عليه.
أما الشروط المتفق عليها فهي:
١ - الإسلام: إذ هو الشرط الذي لا يمكن أن يُخْتلف فيه، فلا يعقل أن يكون على رأس السلطة في الأمة الإسلامية من يكونُ كافراً غيرَ مسلم. ولا يجوز للأمة بأي حالٍ أن تقبل بأن يتربع على رأس الهرم السلطوي فيها كافرٌ، لأنَّ الناس على دين ملوكهم (١) وكيف يحافظ الكافرُ على الإسلام الذي هو دين الجماهير طالما كان لا يؤمن به! بل إِنْ تَوَلَّى السُلطةَ والخلافةَ مسلمٌ ثم كفر بعد ذلك انحل وبطل عقد الإمامة له ووجب خلعه، إذ الكفر من الأسباب الموجبة لخلع الحاكم (٢)، ويشمل هذا الحكمُ الكافرَ الأصلي أو من كفر بعد إسلام، أو مَنْ كان مِنْ أهل الكتاب، فلا يُقبَل أن يتولى أمرَ المسلمين مسيحيٌ أو يهوديٌ أو وثنيٌ أو غيرُ ذلك وهذا هو رأي
стр. 122
المتكلمين من أهل السنة (١)، والحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) والظاهرية (٦) والمعتزلة (٧) والزيدية (٨) والإمامية (٩)، بل لا يقبل تولية الكافر حتى على كافر مثله، كما قال الخطيب الشربيني (١٠).
وإنَّه لَمِنَ المؤلم ألا يكون هذا الشرط عند بعضهم واضحاً مُسَلَّماً به، وهذا دليلٌ على مدى ضعف المسلمين وبُعدِهم عن دينهم في هذا العصر، إذ رغم إطباق المسلمين بكل طوائفهم ومذاهبهم على هذا الشرط نجد في بعض بلاد المسلمين من يتولى شؤونَها مِنْ غير المسلمين، وهذا لم يظهر إلا بعد سقوط الخلافة العثمانية، وما كان يتجرأ غيرُ المسلم على مجرد التفكير بأن يتولى شؤونَ المسلمين بنفسه أو من وراء الكواليس.
إنَّ الخلافةَ منصبٌ ديني نشأ وقوي في ظل الدين، وهو بهذا يختلف عن المُلك أو الزعامة التي تدل على قيادة ما، تستند إلى أي شيء إلا إلى الدين، وهذا كلام منطقي فالقيادة التي لا تستند إلى دين ليست منصباً دينياً، أما الخلافة بمعناها الاصطلاحي فسواءً أكانت خلافةً راشدةً قريبةً جداً من الكمال النبوي، أو كانت أقلَ
стр. 123
من ذلك، فهي من صميم الدين، ولكن بشرط أن تظل ترنو ببصرها نحو كتاب الله وسنة رسوله كقدوةٍ ومنهاجِ عمل، حتى ولو فشلت في تطبيق بعض صور هذا الاقتداء، ولا يمكن أن تكون القيادةُ هذا حالُها ما لم تكن مُسلمةً، فلهذا كان الإسلام شرطاً متفقاً عليه، ولهذا كان شرطَ انعقاد أي لا تنعقدُ الخلافة أصلاً عند فقده، وتكون باطلة لاغية لا قيمة لها.
وأما دليل هذا الشرط فقوله : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ النساء/١٤١. وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ْ﴾ النساء/٥٩. وقوله : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النساء/٨٣. وانعقد الإجماع على هذا الشرط. وممارسةُ هذا الشرط وتطبيقُه منذ وفاة النبي ﷺ إلى انْهِيار الخلافة العثمانية ثم بَعْدها في كثيرٍ من البلدان الإسلامية والغالبِ الأعظمِ فيها هُوَ خيرُ دليلٍ على ذلك.
٢ - العقل:
وهو شرط بَدَهيٌ، إذ لا يعقلُ تولي مجنون قيادةَ شيء فضلاً عن قيادة أمة، ومن الناحية الشرعية فالمجنون غير مكلَّف ويكون في ولاية غيره فلا يلي أمر المسلمين، ولهذا كان العقلُ شرطَ انعقاد، اشترطه جميع المتكلمين من أهل السنة (١). لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: ... وعن المجنون حتى يفيق» (٢)،
стр. 124
وهو رأي الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) والإمامية (٦) والزيدية (٧) والمعتزلة (٨).
وإذا جنَّ الخليفة جنوناً مطبقاً بعد مبايعته انحل عقد الإمامة وبطل (٩).
وأما الشروط المختلف فيها ولا قيمة للخلاف فيها لضعف الدليل أو عدمه فهي لذلك قريبة جداً من الشروط المتفق عليها فهي:
١ - الحرية:
اشترط هذا الشرط المتكلمون من أهل السنة (١٠)، والحنفية (١١) والمالكية (١٢)
стр. 125
والشافعية (١) والحنابلة (٢) والزيدية (٣)، وهو رأي الإمامية (٤)، والمعتزلة (٥) والإباضية (٦)، لأنَّ العبدَ مملوكٌ لسيِّده مشغول بخدمته، ولا يملك التصرف بنفسه فلا يملكه بغيره، ولأنَّ العبودية مظنّة احتقار الناس له، وما ورد من قوله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي» (٧) فمحمول على غير الإمامة العظمى، وهذا الشرط فَقَدَ أهميتَه بزوال الرق، وإنْ لعب دوراً هامَّاً في عصر المماليك في وقت ما.
وجَوَّز توليةَ العبد الخوارجُ (٨) والإباضيةُ عند الضرورة (٩)، وجوَّزه النووي عند التغلب (١٠).
٢ - الذكورة:
اشترط هذا الشرط جميع المذاهب والطوائف الإسلامية وجعلوه شرطَ انعقاد، لا تصح الخلافة عند فقده (١١)، وهو رأي
стр. 126
الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) والظاهرية (٥) والإمامية (٦) والزيديَّة (٧) والمعتزلة (٨).
وخالف في هذا الشبيبيةُ من الخوارج ولا حُجَّة لهم، فقد قالوا بجواز إمامة المرأة بعد مقتل قائدهم شبيب بن يزيد الخارجي، وتنصيب أمه غزالة إماماً عليهم ثم جهيزة زوجته!!، رغم أنهم أنكروا على عائشة ﵂ خروجها إلى البصرة (٩).
وهذا الشرطُ مما يتناولُه الناسُ في الندوات والمجالس، محاولين الطعن في الدين من خلاله، لأنه لا يعطي - حسب زعمهم - للمرأة حقها السياسي الكامل، وليس في هذا الشرط نقصٌ من مكانة المرأة، فمنصب الخلافة لا يتناسب مع تكوينها العاطفي وضعفها الجسدي، وربما جعلها محل طمع فيها وفي الخلافة
стр. 127
ذاتها، ولأنَّ منصب الخلافة تُناطُ به أعمالٌ خطيرةٌ وأعباءٌ جسيمةٌ تتنافى مع طبيعة المرأة وتفوق طاقتها، فالإمام يتولى قيادة الجيوش، ويشترك في القتال بنفسه أحياناً، كما أنَّ الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال والمشاورة معهم في الأمور والمرأة ممنوعة من ذلك، واقرأ كيف كان يصف بعض الملوك من غير المسلمين مَنْ حَكَمَ مِن النساء قَبْلَهُ بالضعف، كتلك الرسالة التي بعثها نقفور إلى هارون الرشيد قائلاً فيها: «أما بعد، فإن هذه المرأة وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرخ، وينبغي أن تعلم أني أنا الشاه وأنت الرخ فأدِّ إلي ما كانت المرأة تؤدي إليك» (١).
واستدل الجمهور بقوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولَّوا أمرَهم امرأة» (٢)، ونقل القرطبي الإجماع على ذلك (٣).
٣ - البلوغ:
يكاد يكون هذا الشرط مُجمعاً عليه، فقد اشترطه جمهور المتكلمين من أهل السنة (٤) وجعلوه من شروط الانعقاد، فلا تصح البيعة للخليفة إذا لم يكن بالغاً، وهذا رأي الحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧)
стр. 128
والحنابلة (١)، والإمامية (٢) والزيدية (٣) والظاهرية (٤)، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: ... وعن الصبي حتى يدرك» (٥)، ومن رفع عنه القلم لا يصح أن يتصرَّف في الأمور، ومن لا يلي أمر نفسه لا يلي أمر غيره، وقال ﷺ : «تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان» (٦).
هذا وورد عن الإماميةُ أنهم أجازوا إمامة الصغير واستدلوا على ذلك بحديث رووه في (الكافي) عن الكناسي قال سألت أبا جعفر ﵇ فقلت: جعلت فداك أكان علي ﵇ حجة من الله ورسوله على هذه الأمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: نعم يوم أقامه للناس ونصبه علماً ودعاهم إلى ولايته وأمرهم بطاعته. قلت: وكانت طاعة علي ﵇ واجبة على الناس في حياة رسول الله وبعد وفاته؟ فقال: نعم (٧). وقد تولى الجوادُ - أحد الأئمة الإثني عشر الإمامةَ وهو صغير، ومن قال بإمامة أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بعد وفاة أبيه وكان عمره سبع سنين قال بجواز تولي الصغير الإمامة (٨).
وأجازها الحنفية للضرورة شكلاً فقط وليس حقيقة (٩). وأجازها الصوفي،
стр. 129
وردَّ عليه الزركشي (١).
٤ - أن يكون سليم الحواس والأعضاء إلى درجة ما:
بحيث يتمكن من القيام بمهام الخلافة كسلامة البصر والسمع والنطق واليدين والرجلين، وقد اشترط ذلك جمهور أهل السنة (٢)، والحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦)، والزيدية (٧) والإمامية (٨) والإسماعيلية (٩) والإباضية (١٠).
وذهب أبو علي الجبائي من المعتزلة (١١) وبعض الفقهاء - كابن حزم - إلى أنه لا يشترط ذلك، فلا يضرُّ الإمامَ عندهم أن يكون في خَلْقِه عيبٌ جسديٌ أو مرضٌ مُنفِّرٌ، كالعمى والصمم وقطع اليدين والرجلين والجدع والجذام، إذ لم يمنع ذلك قرآنٌ ولا سنةٌ ولا إجماعٌ (١٢).
٥ - عدم اشتراط أن يكون الإمام هاشمياً:
стр. 130
أي من أولاد هاشم بن عبد مناف، والحديث عن هذا الشرط يُدخِلُنا في واحدٍ من أهم نقاط الخلاف بين السُّنَّة والشِّيعة، كما أن الحديث عنه يعني الحديثَ عن شرعيةِ خلافةِ الخلفاء الثلاثة الأُول أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، إذ لم يكن واحد منهم هاشمياً وإن كانوا جميعاً من قريش، وهذا الشرط رفعه الشِّيعة في وجه من خالفهم في قولهم إنَّ الخلفاء الثلاثة اغتصبوا الخلافة من الإمام علي ﵁!! وسأَعرض رأيَ أهل السُّنَّة أولاً ثم أذكر رأي الشِّيعة ودليلهم:
١ - فقد قال المتكلمون من أهل السُّنَّة (١)، والحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥)، جميعهم قالوا بعدم اشتراط كون الخليفة هاشمياً؛ لأن الثلاثة الأُول من الخلفاء الراشدين لم يكونوا من بني هاشم ولم يطعن أحدٌ من الصحابة في خلافتهم فكان ذلك إجماعاً في عصر الصحابة، ولمخالفته ظواهر الإطلاق من النصوص الدالة على القرشية.
٢ - واشترط الشِّيعة أن يكون الأئمة من بني هاشم خاصة، واختلفوا في أيِّ بني هاشم على مقالات (٦):
فقال الراوندية: في العباس بن عبد المطلب وفي ولده لا تكون في غيرهم (٧).
стр. 131
وقال الإمامية: هي في علي ﵁ وولديه الحسن والحسين ﵄، ثم في ولد الحسين دون الحسن إلى آخر العالم، لا تكون في غيرهم (١).
وقال الإسماعيلية: لا يكون أحد إماماً إلا من أولاد علي من فاطمة وهما: الحسن والحسين ﵄ , ثم في أولاد الحسين لا في أولاد الحسن , ثم في أولاد إسماعيل لا في أولاد أحدٍ غيره (٢).
وقال الزيدية باشتراط أن يكون الإمام عَلَوياً فاطمياً، وأجازوها في أولاد الحسن ﵁ خلافاً للإمامية والإسماعيلية (٣) ووافقهم المعتزلة (٤).
وهناك أقوال أخرى عن فِرَقٍ من الغلاة (٥).
٦ - عدم اشتراط العصمة:
لم يشترط العصمةَ جميعُ أهل السُّنَّة من المتكلمين (٦)
والإسماعيلية (١) وبعض الزيدية (٢) قياساً على النبوة، وهي عندهم لطفٌ يمنع من يختص بها عن فعل المعصية مع قدرته عليها، ويقصدون العصمة عن الذنوب كبيرها وصغيرها، وعن الخطأ والنسيان (٣)، ومعناها: أنَّ أهل البيت - الذين منهم تكون الخلافة - يتمتعون بالتوفيق الإلهي والإلهام، وهو غير الوحي الخاص بالأنبياء، فهم يفسِّرون الشريعة ويجتهدون (٤)، ومن ثَمَّ فقد جعلوا النبوة ممتدة في الإمامة، وجعلوا طبيعة سلطة الإمام دينيَّة إلهية لا مدنيَّة. وقالوا: إنَّها شأن من شؤون السماء، حددت فيها ذوات الأئمة والوصيَّة والميراث، ولا شأن للبشر في شيء من ذلك (٥).
واستدل الإمامية على عصمة الأئمة بدليل عقلي وآخر نقلي:
أما الدليل النقلي فقوله : ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ البقرة/١٢٤. فدلَّت هذه الآية على أمرين: الأول: أنَّ نَصْب الإمام من قِبَلِ الله ، والثاني: عصمة الإمام لأن المذنب ظالمٌ ولو لنفسه (٦).
وأما الدليل العقلي: فهو أنَّ عدم افتراض العصمة يؤدي إلى التسلسل أو الدور، أما التسلسل فإن الخطأ يقع من البشر، ولا يمكن رفع الخطأ الممكن إلا
стр. 134
بالرجوع إلى المجرَّد من الخطأ وهو المعصوم، فلو جاز الخطأ على الإمام لاحتيج إلى إمام آخر، فإن كان معصوماً وإلا لزم التسلسل، وأما الدور فلحاجة الإمام إذا لم يكن معصوماً للرعية لترده إلى الصواب مع حاجة الرعية إلى الاقتداء به (١). كما ربطوا اللُّطف بالعصمة فقالوا لأن الإمام إذا لم يكن معصوماً لم يحصل به المقصود من اللُّطف (٢).
وأول من ابتدع القول بالعصمة هو عبد الله بن سبأ اليهودي (٣) الذي أظهر الإسلام وأراد فساد دين الإسلام، كما أفسد بولص دين النصارى، وقد أراد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قتْلَه لما بلَغَهُ أنَّه يسبُّ أبا بكر وعمر ﵄ حتى هرب منه (٤).
ولا حاجة بالنبوة لأي امتداد لها، فقد كَمُلت الشريعة بنزول قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة/آية ٣. وقد ردَّ أهل السُّنَّة على اشتراط هذا الشرط بردود عديدة (٥).
وكل من قال بالاختيار لم يَقُل بالعصمة لأنَّ الاختيار يكون من أناسٍ غيرِ معيَّنين، ولا يمكن أن يكونوا جميعاً معصومين، لذا ارتبط القول بالعصمة مع القول بالنصِّ على إمامٍ بعينه (٦).
٧ - عدم اشتراط النصِّ على الإمام:
اختلفت المذاهب حول مسألة النصِّ على الإمام إلى اتجاهين رئيسين (٧)؛ اتجاهٌ قال بأنَّ تحديد الإمام يكون بالاختيار أو بالتغلب أو بالنصِّ، وهو رأي جمهور أهل
стр. 135
السُّنَّة ومن معهم (١)، واتجاهٌ قال إن تحديد الإمام لا يكون إلا بالنصِّ ولكن اختلفوا إلى فرقتين: العباسية أو الراوندية (٢)، والإمامية (٣).
وأما البكرية (٤) ومن معهم - كابن حزم (٥) - فيمكن تصنيفهم مع القائلين بالاختيار لأنهم قالوا بالنصِّ على أبي بكر ﵁ فقط وليس لهم قولٌ فيمن بعده.
وبانقراض البكرية والعباسية - أو الراوندية - انحصر الخلاف بين جماهير أهل السُّنَّة وبين الشِّيعة الإماميَّة واستمر إلى اليوم، وهو يعتبر حداً فاصلاً بين الطرفين، فمن قال إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار قال بإمامة كلِّ من اتفقت عليه الأمَّة، وخاصَّة الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول، وقال بإمامة معاوية ﵁ وأولاده، وبعدهم بخلافة مروان بن الحكم وأولاده، ومن قال: إنَّ الإمامة لا تكون إلا بالنصِّ وهي في علي ﵁، وألغوا الشورى من أصلها، فَهُمْ من المشكِّكِين بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، المناهضين لحكم بني أمية الدَّاعين للثورة عليهم (٦).
فمحصِّلة الأقوال في المسألة أربعة:
стр. 136
١) ذهب إلى القول: إن التعيين للإمام لا يثبت بالنصِّ فقط بل بالاختيار والتغلب أيضاً جمهورُ أهل السُّنَّة (١)، والسليمانيَّة (أو الجريرية) (٢)، والصالحية (أو البترية) (٣) من الزيدية (٤)، وسائر الزيدية بعد الأئمة الثلاثة علي وابنيه ﵃ ولكنَّهم يحصرونها في أولاد فاطمة (٥) -
стр. 137
والمعتزلة (١) ومن قال بوجوب الإمامة من الخوارج كالمُحَكِّمة (٢).
٢) وذهب إلى القول بالنصِّ على الإمام - دون الاختيار- وأنَّ المنصوص عليه هو الإمام علي ﵁ الإماميةُ (٣) وقالوا: إن النص مستمر بعده إلى الإمام الثاني
стр. 138
عشر، والإسماعيليَّةُ (١) وقال بعضهم: انقطع النص عند الإمام السابع، بينما استمر لدى بعضهم الآخر، والنظَّام من المعتزلة (٢)، وقالوا: بتواتر النصَّ على خلافة علي ﵁ (٣) وأن هذا فرض من الدين وأنَّ أكثر الصحابة ارتدُّوا!!، وأن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ ضُلالٌ فاسقون وفي النار مخلدون (٤). ولكن تختلف الإسماعيليَّة عن الإماميَّة - الذين تنتقل الإمامة عندهم من الإمام والقائم بالأمر إلى مَن بعده باللفظ والإشهاد - بأنها تنتقل عندهم من الآباء إلى الأبناء فالقول بأنَّ الإمامة عندهم بالوراثة، أولى من القول بالتنصيص (٥).
وقد تخطَّت الإمامية القولَ بالنصِّ على الإمام علي ﵁ إلى الوقيعة في كبار الصحابة تفسيقاً وتكفيراً، رغم شهادة القرآن لهم بالعدالة، والآيات التي شهدت لهم
стр. 139
بالعدالة أكثر من أن تحصى، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ التوبة/١٠٠. (١)
أما الجارودية من الزيدية فقد اختلفت الرواية عنهم فمنهم من قال: إنهم قالوا بالنصِّ الخفيِّ في الأئمة الثلاثة علي وابنيه ﵃ فقط، وأنَّ النبي ﷺ نصَّ على علي ﵁ بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس كفروا بمخالفته وترْكِهم الاقتداءَ بعلي ﵁ بعد النبي ﷺ !! وقد خالفوا بهذا رأي إمامهم زيد بن علي فإنه لم يعتقد هذا الإعتقاد (٢)، ومنهم من قال: إن الجارودية ترددوا بين القول بالنص المتواتر الجلي أو الخفي (٣)، وأما بعد علي ﵁ وابنيه فقالوا: الإمامة شورى في أولاد الحسن والحسين (٤)، أما السليمانية والصالحية فقائلون بالشورى في الجميع كما مرَّ (٥).
٣) وقالت البكرية أتباع بكر بن أخت عبد الواحد (٦): إن النبي ﷺ نصَّ على أبي بكر إشارةً وهذا رأي جماعة من الحنابلة - ومنهم ابن تيمية (٧)، ورواية عن
стр. 140
الإمام أحمد، وأبو عبد الله بن حامد شيخ الفرَّاء، وبعض أصحاب الحديث (١)، وقد صرَّح الحسن البصري (٢) بهذا عندما أرسل عمر بن عبد العزيز إليه ليسأله إن كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر ﵁، فاستوى جالساً وقال: إي والذي لا إله إلا هو استخلفه، وهو كان أعلم بالله تعالى، وأتقى لله تعالى من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره (٣)، وهو رأي المحب الطبري (٤)، والكرَّامية (٥) وبعض الخوارج (٦) والظاهرية (٧) والهيتمي (٨).
٤) وقالت الراونديَّة أو العباسية (٩)، والزيدية - أتباع القاسم بن زيد - (١٠) بالنصِّ على العبَّاس، إما نصاً جلياً كما قال جماعة منهم بأن النبي ﷺ نصّ على العباس بعينه واسمه، وأعلن ذلك وكشفه وصرَّح به، وأنَّ الأمة جحدت هذا النصَّ، وارتدَّت وخالفت أمر النبي ﷺ عناداً!!. وإما نصاً خفياً كما قال جماعة منهم: إنَّ النصَّ على العبَّاس وولده من بعده إلى أن تقوم الساعة، يعني هو نصٌّ خفي.
وقد نشأت هذه الطائفة في صدر الدولة العباسية، وناصرهم الجاحظ في
стр. 141
رسالة سماها (العباسية) ثم انقرضت هذه الطائفة في زمن يسير.
الأدلة في مسألة النص على الخليفة:
استدل النافون للنص بأدلة كثيرة منها:
أ- ما يقوله الأشعري (١) والباقلاني وغيرهما بأن «النصَّ على الإمام لو كان واجباً على الرسول ﷺ لبيَّنه على وجه تعلمه الأمة علماً ظاهراً لا يختلفون فيه، ولو وُجد النص لنقلته الأمة بالتواتر، وما روي في هذا إنَّما هو أخبار آحاد من جهة الروافض وليست لهم معرفة بشروط الأخبار ولا رواتهم ثقات، وبإزائها أخبار أشهر منها في النصِّ على غير من يَدَّعون النصَّ عليه وكلٌّ منها غيرُ موجب للعِلم» (٢).
ب- ما رواه البخاري أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: «يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاثٍ عبدُ العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فَلْنسْأَلْهُ فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال: علي ﵁ إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ » (٣).
ت- ما جرى من أحداث يوم السقيفة يدل بشكل قاطع على أنه لا نصَّ في الخلافة لأحدٍ من الصحابة وإلا لكان حَسَم الخلافَ بينهم.
стр. 142
ث- أتت النبيَّ ﷺ امرأةٌ فكلمتْه في شيء فأمرها أن ترجع إليه قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت. قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (١).
ج- وحديث رؤياه ﷺ البئر والنزع فيها (٢). وهذا الدليل - والذي قبله - ينفي النص على علي ﵁ خاصة.
ح- وقد أمر الله بالشورى، والشورى لا تكون عند وجود النص. قال : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ آل عمران/١٥٩. وقال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى/٣٨. وفي الحديث: «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار» (٣)، وقال أبو هريرة ﵁: «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ » (٤). ولم يتولَّ واحدٌ من الخلفاء الراشدين الحكمَ بغير الشورى. قال عمر ﵁: «من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا الذي بايعه» (٥).
стр. 143
خ- ومن الأدلة على بطلان النص (١): أن الكلام في الإمامة جرى أمام سيدنا علي ﵁ في أوقات مختلفة، فمنها يوم السقيفة عندما عقدوا الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁، ومنها استخلاف أبي بكر لعمر ﵄، ومنها حين جعل عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة، ومنها حين قتل عثمان ﵁ وبويع علي ﵁ بالشورى، وحين حُكِّم الحكمان بين علي ﵁ ومعاوية ﵁، ولم يَدَّع سيدنا علي في وقت من هذه الأوقات أنه منصوص عليه من جهة رسول الله ﷺ ، فلو كان يعرف نصَّاً لأظهره، ولقاتل عليه من خالفه، ولا يقال إن علياً ﵁ لم يقاتل خوف الفتنة، لأنه قاتل في زمن معاوية وقتل في الحرب الخلق الكثير، وقاتل طلحة والزبير وعائشة ﵃ حين علم أن الحق له، ولم يترك ذلك لسبب الفتنة، كما لا يقال إنه لم يقاتل لعجزه عن القتال، لأن الذين نصروه في زمن معاوية كانوا على الإيمان يوم السقيفة ويوم استخلاف عمر ويوم الشورى، فلو علموا أن الحق له لنصروه.
ثم إن هذا النص الذي يدَّعونه لا يخلو إما أن يكونوا عرفوه عقلاً أو خبراً، ولا يمكن أن يكون طريقه العقل لأنه ليس في العقل ما يدل على تنصيص رسول الله ﷺ على إنسان بعينه، وإن قالوا عرفناه خبراً فلا يخلو إما أن يكون خبراً متواتراً أو آحاداً، فإن ادعوه خبراً متواتراً فهو محال لأنه لو كان متواتراً لما خفي إلى يومنا هذا كما لم يَخْفَ تجهيز جيش أسامة وتولية معاذ اليمن، وكما لم يَخْفَ نصب أبي بكر إماماً واستخلافه لعمر ﵄، ولأنا لو جوزنا انكتام مثل هذا الأمر الظاهر لجوزنا أن يكون القرآن قد عورض على عهد رسول الله ﷺ ثم كتم، وكلُّ أصلٍ في الإمامة يوجب بطلان النبوة كان محالاً (٢)، وإن قالوا عرفناه بخبر الآحاد، قلنا يعارضه أخبار آحاد في النص على أبي بكر ﵁، وإذا تعارضت الآحاد سقط الاستدلال بها، وإن قالوا بالنص الخفي قلنا ببطلانه بإجماع الصحابة على خلافه، إذ لو وجد نصٌّ لما خالفوه، كما لم يخالفوا أبا بكر ﵁ يوم السقيفة في روايته حديث: «الأئمة من قريش» (٣).
стр. 144
د- وقال الزيدية في إبطال النص: «ومن أوضح دليل على إبطال ما يدعون من النص على اثني عشر إماماً اختلافهم عند موت كل إمام في القائم بعده» (١).
وقد استدل القائلون بالنص على الإمام علي ﵁ بأدلة منها:
أ- قوله ﷺ حينما دعا أقرباءه الأدنين وعشيرته الأقربين فقال: «هذا أخي ووصيي وخليفتي فاسمعوا له وأطيعوا» وهو يومئذ صبي لم يبلغ الحلم (٢).
ب- وأخذ له البيعة بإمرة المؤمنين يوم غدير خم: «ألا من كنت مولاه فهذا (علي) مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأَدِر الحق معه كيفما دار» (٣).
стр. 145
ت- وقوله ﷺ : «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي» (١).
ج- وقوله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ سورة المائدة/٥٥. وقد نزلت فيه عندما تصدَّق بالخاتم وهو راكع (٢).
ح- واستدلوا أن الإمام يجب أن يكون واجب العصمة، وأن يكون أفضل الخلق كلهم، وأن يكون أعلم الأمة كلهم، وأن يكون مسلماً بينه وبين الله، ولا اطلاع لأحد من الخلق على هذه الصفات، والله تعالى هو العالم بها، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن لا يصح نصب الإمام إلا بالنص (٣).
خ- واستدلوا بحديث طويل مروي عن الرضا فيه: « .. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟ إن الإمامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن تبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم ... » (٤). وغيرها من الأدلة (٥).
وذكر ابن الهمام أدلة كثيرة للشيعة وردَّ عليها ثم قال: «فإذا ثبت عدم النَّص على علي ﵁؛ فإن أثبتنا نصَّه على أبي بكر ثبت حقيِّة إمامته، وإن قلنا لم ينص عليه ثبت حقيِّة إمامته أيضاً». اهـ أي بالاختيار (٦).