← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

رسالة سماها (العباسية) ثم انقرضت هذه الطائفة في زمن يسير. الأدلة في مسألة النص على الخليفة: استدل النافون للنص بأدلة كثيرة منها: أ- ما يقوله الأشعري (١) والباقلاني وغيرهما بأن «النصَّ على الإمام لو كان واجباً على الرسول ﷺ لبيَّنه على وجه تعلمه الأمة علماً ظاهراً لا يختلفون فيه، ولو وُجد النص لنقلته الأمة بالتواتر، وما روي في هذا إنَّما هو أخبار آحاد من جهة الروافض وليست لهم معرفة بشروط الأخبار ولا رواتهم ثقات، وبإزائها أخبار أشهر منها في النصِّ على غير من يَدَّعون النصَّ عليه وكلٌّ منها غيرُ موجب للعِلم» (٢). ب- ما رواه البخاري أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: «يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاثٍ عبدُ العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فَلْنسْأَلْهُ فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال: علي ﵁ إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ » (٣). ت- ما جرى من أحداث يوم السقيفة يدل بشكل قاطع على أنه لا نصَّ في الخلافة لأحدٍ من الصحابة وإلا لكان حَسَم الخلافَ بينهم.

стр. 142

ث- أتت النبيَّ ﷺ امرأةٌ فكلمتْه في شيء فأمرها أن ترجع إليه قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت. قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» (١). ج- وحديث رؤياه ﷺ البئر والنزع فيها (٢). وهذا الدليل - والذي قبله - ينفي النص على علي ﵁ خاصة. ح- وقد أمر الله بالشورى، والشورى لا تكون عند وجود النص. قال : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ آل عمران/١٥٩. وقال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى/٣٨. وفي الحديث: «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار» (٣)، وقال أبو هريرة ﵁: «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ » (٤). ولم يتولَّ واحدٌ من الخلفاء الراشدين الحكمَ بغير الشورى. قال عمر ﵁: «من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا الذي بايعه» (٥).

стр. 143

خ- ومن الأدلة على بطلان النص (١): أن الكلام في الإمامة جرى أمام سيدنا علي ﵁ في أوقات مختلفة، فمنها يوم السقيفة عندما عقدوا الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁، ومنها استخلاف أبي بكر لعمر ﵄، ومنها حين جعل عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة، ومنها حين قتل عثمان ﵁ وبويع علي ﵁ بالشورى، وحين حُكِّم الحكمان بين علي ﵁ ومعاوية ﵁، ولم يَدَّع سيدنا علي في وقت من هذه الأوقات أنه منصوص عليه من جهة رسول الله ﷺ ، فلو كان يعرف نصَّاً لأظهره، ولقاتل عليه من خالفه، ولا يقال إن علياً ﵁ لم يقاتل خوف الفتنة، لأنه قاتل في زمن معاوية وقتل في الحرب الخلق الكثير، وقاتل طلحة والزبير وعائشة ﵃ حين علم أن الحق له، ولم يترك ذلك لسبب الفتنة، كما لا يقال إنه لم يقاتل لعجزه عن القتال، لأن الذين نصروه في زمن معاوية كانوا على الإيمان يوم السقيفة ويوم استخلاف عمر ويوم الشورى، فلو علموا أن الحق له لنصروه. ثم إن هذا النص الذي يدَّعونه لا يخلو إما أن يكونوا عرفوه عقلاً أو خبراً، ولا يمكن أن يكون طريقه العقل لأنه ليس في العقل ما يدل على تنصيص رسول الله ﷺ على إنسان بعينه، وإن قالوا عرفناه خبراً فلا يخلو إما أن يكون خبراً متواتراً أو آحاداً، فإن ادعوه خبراً متواتراً فهو محال لأنه لو كان متواتراً لما خفي إلى يومنا هذا كما لم يَخْفَ تجهيز جيش أسامة وتولية معاذ اليمن، وكما لم يَخْفَ نصب أبي بكر إماماً واستخلافه لعمر ﵄، ولأنا لو جوزنا انكتام مثل هذا الأمر الظاهر لجوزنا أن يكون القرآن قد عورض على عهد رسول الله ﷺ ثم كتم، وكلُّ أصلٍ في الإمامة يوجب بطلان النبوة كان محالاً (٢)، وإن قالوا عرفناه بخبر الآحاد، قلنا يعارضه أخبار آحاد في النص على أبي بكر ﵁، وإذا تعارضت الآحاد سقط الاستدلال بها، وإن قالوا بالنص الخفي قلنا ببطلانه بإجماع الصحابة على خلافه، إذ لو وجد نصٌّ لما خالفوه، كما لم يخالفوا أبا بكر ﵁ يوم السقيفة في روايته حديث: «الأئمة من قريش» (٣).

стр. 144

د- وقال الزيدية في إبطال النص: «ومن أوضح دليل على إبطال ما يدعون من النص على اثني عشر إماماً اختلافهم عند موت كل إمام في القائم بعده» (١). وقد استدل القائلون بالنص على الإمام علي ﵁ بأدلة منها: أ- قوله ﷺ حينما دعا أقرباءه الأدنين وعشيرته الأقربين فقال: «هذا أخي ووصيي وخليفتي فاسمعوا له وأطيعوا» وهو يومئذ صبي لم يبلغ الحلم (٢). ب- وأخذ له البيعة بإمرة المؤمنين يوم غدير خم: «ألا من كنت مولاه فهذا (علي) مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأَدِر الحق معه كيفما دار» (٣).

стр. 145

ت- وقوله ﷺ : «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي» (١). ج- وقوله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ سورة المائدة/٥٥. وقد نزلت فيه عندما تصدَّق بالخاتم وهو راكع (٢). ح- واستدلوا أن الإمام يجب أن يكون واجب العصمة، وأن يكون أفضل الخلق كلهم، وأن يكون أعلم الأمة كلهم، وأن يكون مسلماً بينه وبين الله، ولا اطلاع لأحد من الخلق على هذه الصفات، والله تعالى هو العالم بها، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن لا يصح نصب الإمام إلا بالنص (٣). خ- واستدلوا بحديث طويل مروي عن الرضا فيه: « .. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟ إن الإمامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن تبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم ... » (٤). وغيرها من الأدلة (٥). وذكر ابن الهمام أدلة كثيرة للشيعة وردَّ عليها ثم قال: «فإذا ثبت عدم النَّص على علي ﵁؛ فإن أثبتنا نصَّه على أبي بكر ثبت حقيِّة إمامته، وإن قلنا لم ينص عليه ثبت حقيِّة إمامته أيضاً». اهـ أي بالاختيار (٦).

стр. 146

وقد اختصر ابن حزم الكلام في الأدلة والردِّ عليها بِرَدٍ مُجملٍ فقال: «عمدة الروافض في الاحتجاج أحاديث موضوعة مكذوبة ... ولا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدقونها، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدقها ... إلا أن بعض ما يشغبون به أحاديث صحاح نوافقهم على صحتها، ولكن وقع الاختلاف في معناها» (١). وعلى كلٍ فخلاف الإمامية حول شرط النص أصبح خلافاً تاريخياً بحتاً، بعد قولهم باختفاء الإمام الثاني عشر لتوقف العمل عندهم بالنص على الإمام التالي، وهم اليوم يختارون رؤساءهم بالاختيار لا بالنص. وقد استدل القائلون بالنص على أبي بكر بأدلة كثيرة منها: أ- حديث المرأة السائلة (٢). ب- وحديث: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣). ج- وقد ذكر الطبري وابن الأثير (٤) أنَّ عمر بن الخطاب ﵁، عهد بالصلاة بعده أثناء أيام الشورى الثلاثة إلى صهيب، وعلَّلَ ذلك بأنَّه رجل من الموالي لا ينازعكم أمركم، وهذا فَهْمٌ منه ﵁ أنََّ من يصلي بالناس في هذا الوقت سيُشار إليه بالبنان وكأنه سيخْلِفُ مَنْ قَبْلَهُ كما حصل مع أبي بكر ﵁، وهذا يدل على فهمهم لصلاة أبي بكر ﵁ بالناس في مرض النبي ﷺ أنه إشارة إلى استخلافه (٥).

стр. 147

واستند من قال بأحقية العباس بالخلافة إلى قانون الوراثة، وأن الخلافة طريقها الإرث، والعم أولى بالوراثة من أبناء البنت، فالعباس - برأيهم- أحق بالخلافة من الحسن والحسين وأبنائهما (١). ٨ - عدم اشتراط أن يكون من نسل الحسن والحسين (علوياً): قال الزيدية والمعتزلة باشتراط أن يكون الإمام من نسل الحسن والحسين، وذلك بعد سيدنا علي والحسن والحسين (٢) ولم يشترطه سائر المذاهب (٣)، وقال الإمامية باشتراط أن يكون الإمام من نسل الحسين تحديداً (٤). ٩ - عدم اشتراط أن يكون صاحب كرامات: انفرد الإمامية والغلاة من الشِّيعة باشتراط ظهور المعجز على يد الإمام، أو أن ينص عليه الإمام الذي قبله والذي ظهر على يديه المعجز أيضاً (٥)، وأن يكون عالماً بالغيب وجميع اللغات والحِرَف والصناعات وطبائع الأشياء وعجائب ما في الأرض والسماوات!! (٦). وهو مع أنَّه لا دليل عليه باطلٌ بالإجماعِ على عقد الإمامة لمن عَرِيَ من هذه الصفات في عهد الصحابة والتابعين (٧).

стр. 148

١٠ - عدم اشتراط (الدعوة) أن يخرج داعياً إلى نفسه: اشترط ذلك الزيديَّةُ (١)، وبعضُ المعتزلة (كالجبائي والقاضي عبد الجبار) (٢)، بينما قال أهل السنَّة والجماعة بأن التغلب أحد الطرق - المبنية على الضرورة - إلى الإمامة، وليس شرطاً لحصولها. وقد رُدَّ على من اشترط هذا الشرط بأن بعض الأئمة الإثني عشريَّة المعترف بإمامتهم لدى غالب طوائف الشِّيعة - كزين العابدين - لم يوجد فيهم هذا الشرط (٣) ولكن الزيدية لم يعتبروه إماماً فلا يعتبر هذا دليلاً ضدهم. وأما الشروط المختلف فيها بناء على الدليل فهي: ١ - النسب القرشي: وأصل كلمة (قريش) فيه أقوال كثيرة؛ فقيل: نسبة إلى النَّضر بن كنانة، لأنَّ النضر بن كنانة خرج يوماً على نادي قومه فقال بعضهم: انظروا إلى النَّضر كأنَّه جملٌ قَرِيش، والقَرِيش: الشديد. وقال آخرون: أصلُ كلمة (قريش) هو من كان من ولد قريش بن بدر بن النَّضر وبه سميت قريش قريشاً، لأنَّ عِيَر بني النَّضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عير قريش (٤).

стр. 149

وأما المقصود شرعاً بهذا النسب فهو - كما قال الجمهور (١) -: من كان من بني النضر بن كنانة، واستدلوا بما روي عنه ﷺ أنه قال: «إنَّا ولد النضر بن كنانة لا نقفو أمنَّا ولا ننتفي من أبينا» (٢). وبما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر وهو بمنى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَداً بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي ذَلِكَ الْمُحَصَّبَ وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشاً وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لا يُنَاكِحُوهُمْ وَلا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ النَّبِيَّ ﷺ » (٣). وهذا مذهب الشافعي ومعمر بن المثنى (٤) وأبي عبيد القاسم بن سلام (٥)، وابن حزم (٦)، وابن منظور (٧)، وابن حجر (٨) وابن قيم الجوزية (٩). وقال آخرون: يُقصد بالنسب القرشي من كان مِنْ وَلَدِ فهر بن مالك بن النضر (١٠). ولا فرق عملياً بين القولين؛ لأن النضر لم يُعْقب غير مالك، ومالك لم يُعْقب غير فهر.

стр. 150

قال ابن حجر: «قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشاً وَكِنَانَةَ) فيه إشعار بأن في كنانة من ليس قرشياً، إذ العطف يقتضي المغايرة، فيترجح القول بأن قريشاً من ولد فهر بن مالك (بن النضر بن كنانة (١))، على القول بأنهم ولد كنانة، نعم لم يعقب النضر غير مالك، ولا مالك غير فهر، فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب من غير النضر فلهذا وقعت المغايرة» (٢). وأياً كان المقصود بهذا النسب فلقد حظي هذا الشرط باهتمام جمهور العلماء عبر العصور، فقد أكد الفقهاء منذ البداية على شرط القرشية ورَوَوا أحاديث في ذلك. فمنهم من قال باعتباره شرطاً لانعقاد الخلافة، ومنهم من جعله شرطَ أفضلية، حتى جاء ابن خلدون في النهاية ليُفسِّر مبدأَ القرشية بعصبية العرب، ويُسقطه من الشروط اللازم توفرها في الخليفة لأنَّ عصبيَّة العرب قد انتهت (٣). أما تفصيل آراء المذاهب: أ- فقد اشترطه جمهور أهل السُّنَّة من المتكلمين (٤) والحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) ..............................................................................................................................

стр. 151

والحنبلية (١) والظاهريَّة (٢)، وجميع الشِّيعة (٣) (وجعلوه في بني هاشم تحديداً)، والزيدية (وجعلوه في أولاد فاطمة تحديداً) (٤)، وجمهور المعتزلة (٥) كالجبَّائي وابنه (٦)، والجاحظ (٧) والقاضي عبد الجبار (٨) وقالوا: لا تجوز الخلافة إلا في قريش خاصة، وأنَّها لا تجوز فيمن كان أبوه من غير قريش، إلا إن تعذر ذلك. ب- وفي المقابل لم يشترط هذا الشرطَ الإباضيةُ (٩) والخوارجُ (١٠) وبعض

стр. 152

المعتزلة (١) ومنهم ضرار بن عمرو رأس ........................................................................ الضراريِّة (٢) والأصمُ (٣) والنظَّام (٤) والكعبي (٥)، وبعض المرجئة (٦)، والجويني (٧) والآمديُّ (٨) والتفتازاني - كما قال السنهوري (٩) -، والفضل الرقاشي وغيلان بن

стр. 153

مروان وجهم بن صفوان (١)، وقالوا إنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسُّنَّة قرشياً كان أو عربياً أو ابن عبد. ونقل الجاحظُ عن قوم لم يُسمِّهم قولَهم: «ولا بأس أن يكونوا - أي الخلفاء - عجماً وموالي» (٢)، وزعم ابن خلدون أن هذا رأي القاضي أبي بكر الباقلاني (٣)، والصحيح عكسه، واختار بعضُ المعاصرين القولَ بأنَّ شرطَ القرشية شرطُ أفضليَّة، وأنَّ أحاديث اشتراط القرشيَّة إنَّما هي إخبارٌ وليست طلباً فلا يدل على الجزم (٤). وقال الراوندية: لا تجوز الخلافة إلا في ولد العبَّاس بن عبد المطلب، وهو رأي أبي مسلم الخراساني وأتباعه (٥). أدلة من قال باشتراط القرشية: استدلوا بقوله : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الزخرف/٤٤. فقد قال بعض المفسرين: المقصود به الخلافة، فإنَّه كان ﷺ يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه فيقولون له: ويكون لنا الأمر من بعدك؟ فيقول: «إني قد مُنعت من ذلك وإنه قد أُنزٍل عليَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾». فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء (٦).

стр. 154

واستدلوا بقوله ﷺ : «الأئمة من قريش» (١). وبقول قريش للأنصار في سقيفة بني ساعدة: إن النبي ﷺ أوصانا بأن نحسن إلى محسنكم ونتجاوز عن مسيئكم ولو كانت الإمارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحَجُّوا الأنصارَ (٢). وبالإجماع؛ كما حكاه القاضي عياض (٣) والنووي (٤) والآمدي (٥) والتفتازاني (٦) والغزالي (٧) وابن خلدون (٨) والإيجي (٩) والماوردي (١٠)، وذكر الشهرستاني (١١) أنَّ الفتنة بين الأنصار والمهاجرين بعد وفاة النبي ﷺ إنَّما سَكَنَت بعد رواية أبي بكر لحديث: «الأئمة من قريش» (١٢) حتى قال ابن حزم بتواتر هذا الحديث (١٣)، ثمَّ إنَّ الماضين اشتهر عنهم اختصاص هذا المنصب بقريش، ولم يتشوَّف قطُ أحدٌ من غير قريش إلى الإمامة، على تمادي الأحيان وتطاول الزمان. ولكن قال ابن حجر: ﴿يحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر ﵁ من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: «إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته» فذكر الحديث، وفيه: «فإن أدركني أجلي وقد

стр. 155

مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل» (١) الحديث. ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش، فيحتمل - والقول لابن حجر - أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر ﵁ على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً، أو تغير اجتهاد عمر ﵁ في ذلك، والله أعلم﴾ اهـ كلام ابن حجر. أدلة من قال بعدم اشتراط القرشية: أ- استدل أصحاب هذا الاتجاه بقول رسول الله ﷺ لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة يشير إلى جريدة بيده» (٢). وقوله ﷺ : «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين» (٣). فالرسول ﷺ في هذين الحديثين وأمثالهما يُخبر عما سيكون ولا ينشئ حكماً، فيكون حديث «الأئمة من قريش» (٤) إخباراً أيضاً، أو يؤخذ منهما أن اشتراط أن يكون الخلفاء من قريش مرهون بإقامتهم للدين فإذا لم يفعلوا ذلك فلا يشترط ذلك. واستدلوا أيضاً بقوله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (٥). ولكن رد ابن حزم تفسير الحديث بأنه للإخبار فقال: «ولا يصح هذا التفسير لأن الخبر من النبي ﷺ لا بد أن يتحقق، إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيباً لخبر النبي ﷺ وهذا كفر ممن أجازه» (٦). والواقع الذي حصل عبر التاريخ أنه قد تولى الخلافة غير القرشيين كسلاطين

стр. 156

الدولة العثمانية، فالسبيل الأسلم أن تؤول الأحاديث التي جاءت بصيغة الإخبار على الأحاديث التي وردت بصيغة الأمر. ب- استدلوا بقوله ﷺ : «أطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع» (١)، لأنه لا عبرة بالنسب في مصالح الملك والدين. ورُدَّ بحمل الحديث على غير الإمام جمعاً بين الأدلة، وبأن لشرف الأنساب أثراً في جمع الآراء، ولا أشرف من قريش، إلا في حال الضرورة فيسقط هذا الشرط (٢). وأمَّا لماذا بدا أن ابن خلدون أسقط شرطَ القرشية رغم نقله الإجماع على اشتراطه، فيمكن فهمه أن ابن خلدون فَهِمَ من اشتراط القرشية أنها كانت مظنة العصبية، فلما كانتا مقترنتين في بداية الإسلام لم يُخالِف في شرط القرشية أحدٌ يُعتد به، فلما افترقتا بعد ضعف عصبية قريش لَحِقَ الحكمُ العصبيةَ وتَرَكَ القرشيةَ، فكأن ابن خلدون رأى أن مناط اشتراط القرشية هو العصبية فالحكم يدور مع العصبية لا مع القرشية (٣). أو لأنَّه استند إلى نظريَّة الضَّرورة لإعطاء الشرعية لمن تسلَّط على الخلافة من غير قريش لضرورة تصحيح المعاملات ولردم الهوة بين الواقع والشرع، أو بين الأمَّة وبين من يحكمها، ولا ينبغي فهمُ إسقاط ابن خلدون لشرط القرشية إلا ضمن هذا الإطار، إذ لا يُمْكِنُ له ولا لغيره إسقاط ما تم الإجماع عليه من قِبَلِ الصحابة ومَنْ بَعدهم، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فعندما يمكن تنصيب القرشي ويتمتع بالعصبية القوية يسقط العمل بأحكام الضرورة، وبهذا الاتجاه نفهم قول من اشترط القرشية عندما قال: فإن لم يوجد قرشي مستجمع الشروط فكِناني (٤)، فإن لم يوجد فرجلٌ من ولد إسماعيل، فإن لم يكن، يولَّى رجلٌ من العجم أو جُرهمي (٥)

стр. 157

فإن لم يوجد، فمن ولد إسحاق (١). ويقول التفتازاني في شرح العقائد النسفيَّة ﴿وهو يتكلم عن جواز إطلاق اسم (خليفة) على من جاء بعد الثلاثين سنة التي أخبر عنها الرسول ﷺ بقوله: ... «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (٢)﴾: «وأما بعد الخلفاء العباسية فالأمر مشكل» (٣)، ونجد حل هذا الإشكال في قول القاضي عضد الدين في المواقف مجيباً عن اعتراض مَنْ مَنَعَ من وجوب نصب الإمام عندما استدل المانع بوجوهٍ منها أنَّ للإمامة شروطاً قلَّما توجد في كل عصر فإن أقاموا فاقدَها لم يأتوا بالواجب، وإن لم يقيموه فقد تركوا الواجب. فقال: إن تركهم لنصبه لتعذره وعدمِ شرط الإمامة ليس تركاً للواجب، إذ لا وجوب.» ويقوي الشارح الجرجاني هذا الجواب بسكوته (٤). ومعنى قوله: إذ لا وجوب. أي على الناس لا في الشرع. وقال صدرُ الشريعة في (تعديل العلوم): وسقط من الشرائط ما تسقطه الضرورة ثُمَّ في زماننا سقطت القرشية أيضاً. وقال الآمدي: «إن لم يوجد في العالم مستجمع لجميع شروط الإمامة، بل من فقد في حقه شيء كالعلم أو العدالة ونحوها، فالواجب أن ينظر إلى المفسدة اللازمة من إقامته وعدم إقامته، ويدفع أعلاهما بارتكاب أدناهما، إذ الضرورات تبيح المحظورات» (٥). وأَحسِب أنَّ نظريَّة الضَّرورة هي أقوى أدلة من نفى اشتراط القرشية، بل هي دليل كل من أجاز تولية مَنْ فقد شرطاً من الشروط الواجب توفرها في الخليفة، ونظراً لأهميتها فسأفردها بالحديث في المبحث الثالث، لأنها تعتبر إلى اليوم الأساس الشرعي لأنظمة الحكم التي لا تتوافر فيها كل الشروط الواجب توفرها، بل

стр. 158

هي الأساس الشرعي لتعدد القيادات الإسلامية في الدول المختلفة في العالم الإسلامي وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانيَّة (١). وأما من قال بأن الحكمة من اشتراط القرشية في الخلافة، كون قبيلة قريش من أشرف القبائل العربية وأكبرها نفوذاً عليها، فلما زالت سطوتها وشوكتها بمرور الأيام لم يبق لهذا الشرط معنى، فهذا الكلام واردٌ في بيان الحكمة من هذا الشرط وليس لبيان علَّته، والحكم يدور مع علَّته لا مع الحكمة منه كما هو مقرر في أصول الفقه، فإذا تعذر تحقق هذا الشرط كانت نظريَّة الضَّرورة هي المُسوِّغ الشرعي لعدم اشتراطه، والضرورة تُقّدَّر بقدرها. ٢ - الاجتهاد: أي أن يكون الخليفة مجتهداً في الأصول والفروع، أو هو الاجتهاد في الأحكام الشرعية بالعلم بأدلتها التفصيلية، وقد ذكره بعضهم باسم (العلم). - وقد اشترط هذا الشرط جمهور أهل السنة من المتكلمين (٢)، وبعض الحنفية (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥)

стр. 159

والحنابلة (١)، والزيدية (٢) والمعتزلة (٣)، وقالوا: الاجتهاد شرط صحة فلا يصح تنصيب غير المجتهد إلا عند فقده. والإباضيةُ على خلافٍ بين كونه شرط صحة أو شرط كمال، والأرجح عندهم أنه شرط صحة (٤). - ولم يشترط متأخرو الحنفية الاجتهاد، لأنَّه قد لا يوجد المجتهد فيكون اشتراطه عَبَثَاً أو تكليفاً بما لا يطاق، ومستلزماً للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقد هذا الشرط، فقالوا: الاجتهاد شرط أولوية أو شرط أفضلية (٥)، لا شرط صحة ولو عند وجود المجتهد، أي إنْ وجد المجتهد فهو أولى من غيره، ولكن يصح تولية غيره بوجوده لأسباب أخرى، ونقل هذا الرأيَ الإيجي (٦) والجرجاني (٧) والكمالُ بن الهمام (٨) والماوردي (٩)، وهو رأي متأخري الزيدية (١٠) والإباضية (١١). وقد فرَّق الآمدي بين شرط العلم وبين شرط الاجتهاد، فجعل الأول من الشروط المختلف فيها، وجعل الثاني من الشروط المتفق عليها، فقال: أن يكون مجتهداً في الأحكام الشرعية بحيث يستقل بالفتوى في النوازل وإثبات أحكام الوقائع نصاً واستنباطاً، لأن من أكبر مقاصد الإمامة فصل الخصومات ودفع المخاصمات ولن يتم

стр. 160

ذلك دون هذا الشرط، ولا يمكن أن يقال باكتفائه بمراجعة الغير في ذلك إذ هو خلاف الإجماع (١). اهـ بينما لم يفرِّق الكثيرون وجعلوهما شرطاً واحداً وهو العلم المفضي إلى الاجتهاد، وهذا أفضل، فالاجتهاد الذي اشترطه الآمدي وغيره لا يكون إلا عند تحصيل العلوم التي تُوصِلُ إليه، فَمَن اشترط الاجتهادَ فقد اشترط ضمناً العلمَ الموصل إليه، ومن اشترط العلمَ فلأجل أن يتمكن الإمامُ من الاجتهاد لمعرفة حكم الوقائع المستجدة، ولكن قد لا يبلغ بالعلم رتبةَ الاجتهاد فيكون العلمُ أقل من الاجتهاد. أما اشتراط أن يكون الإمام عالماً بجميع مسائل الدين دون الحاجة إلى النظر والاستدلال فقد اتفق الأكثرون أنه ليس شرطاً خلافاً للإمامية (٢). وساق الآمدي الأدلة على بطلان رأي الإمامية (٣). والذي أميل إليه - اليوم - هو عدم اشتراطه لعدم توفر من يتحقق فيه شرط الاجتهاد المطلق هذه الأيام، وقد قال ابن الصلاح: الاجتهاد المطلق انقطع من نحو ثلاثمائة سنة. وقال ابن خلدون: الاجتهاد بعد الأئمة الأربعة صار صعباً، ووَقَفَ التقليدُ في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، وسدَّ الناس باب الخلاف وطرقه (٤). ٣ - العدالة: ويُعبِّر بعضهم عن هذا الشرط بالورع أو التقوى. وهي عند الحنفية: الإسلام مع عدم معرفة (٥) الفسق. وعند الشافعية: ملكة في النفس تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسَّة (٦). والمقصود هنا الاحتراز عن

стр. 161

الفسق بأن يكون صادق اللهجة ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم بعيداً عن الريب مأموناً في الرضا والغضب مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه. وعند الإباضية: تشمل الحرية والإسلام والبلوغ والعقل وعدم الفسق (١). وعند الزيدية: «تركُ الكبائرِ والإصرارِ على مَا يَحْتَمِلُ الصِّغَرَ، وخصالِ الخِسَّةِ ولا تَضُرُّ الْمُحْتَمَلَةُ مع الاستغفار» (٢). وعند البيجوري: أن يكون مسلماً عاقلاً بالغاً حراً مع عدم الفسق (٣). وليس المقصود بالعدالة أن يكون معصوماً، فالعصمة أمر باطني خفي، والعدالة أمر ظاهر جلي. ويظهر هذا الشرط جلياً أثناء قيام الإمام بواجبه. أ- وقد اشترط العدالةَ جمهورُ أهلِ السنَّة من المتكلمين (٤)، وبعض الحنفية كابن الهمام والجصَّاص (٥)، والمالكية (٦) والشافعية (٧)

стр. 162

والحنابلة (١) والظاهريَّة (٢)، واعتبروه شرطَ صحة، فلا يجوز تقليد الفاسق إلا عند فقد العدل، لأنَّه كما قال الجويني: «لا يوثق بالفاسق في الشهادة على الفلس فكيف يولَّى أمورَ المسلمين» (٣) وبهذا قال الإمامية (٤) والزيديَّة (٥) والمعتزلة (٦) والإباضية (٧). ب- وقال أكثر الحنفية - ولكن خصَّه ابن عابدين بالضرورة - (٨) وبعض الشافعية (٩) وبعض الحنابلة (١٠): العدالة شرط أولوية لا شرط صحة ولو عند وجود العدل. فإذا فَقَدَ الإمام عدالته بعد تنصيبه استحق العزل، كما قال الحنفية (١١) والمالكية (١٢) والتفتازاني (١٣) والماوردي (١٤)، والخوارج (١٥)

стр. 163

والمعتزلة (١) والزيدية (٢) وقيَّده الكمالان بالأمن (٣)، ونقل القاضي عبد الجبار الإجماع على استحقاقه العزل (٤). ولكنه لا ينعزل من تلقاء نفسه، وهذا رأي أكثر العلماء، كالجويني (٥)، والشافعية على وجهين أصحُّهما عند الرافعي (٦) والنووي أنه لا ينعزل بالفسق (٧)، وهو رأي أبي حنيفة ورواية عن محمد (٨)، ورواية عند الحنابلة (٩)، والراجح عند المالكية (١٠)، قال مالك بن أنس: «سلطان جائر مدة خير من فتنة ساعة» (١١). واستدلوا على ذلك بالإجماع على عدم عزل من طرأ عليه الفسق، وهو أسبق

стр. 164

من خلاف المعارضين (١). ٤ - أفضل أهل زمانه: كان كلُ واحد من الخلفاء الراشدين الأربعة أفضلَ الأمة عندما انتُخب، أما بعدَهم فقد جاء بعضُ الخلفاء إلى الحكم عن طريق القوة أو ولاية العهد مما منع من تولي الأفضل، وعلى كلٍ فأصل الخلاف في هذا الشرط هو بين السُّنَّة وعامة الشِّيعة، حيث قال عامة الشِّيعة بوجوب تنصيب أفضل النَّاس وهم يقصدون بهذا الإمام عليَّاً ﵁، بينما قال أهل السُّنَّة بجواز تنصيب المفضول مع وجود الفاضل إن منع عارض من إمامة الأفضل، رغم قولهم إن أبا بكر ﵁ هو أفضل الصحابة (٢). أمَّا تفصيل الأقوال: أ- فقد قال بجواز تولية المفضول مع وجود الفاضل - إن مَنَع من توليته مانع- أكثرُ أهل السُّنَّة من المتكلمين (٣)، وهو رأي المالكية (٤) والأصح عند

стр. 165

الشافعية (١) ................................................................................................................................ وبعض الحنابلة (٢) والظاهرية (٣)، والبتريَّة (أوالصالحية) والسليمانية من الزيدية (٤)، وبعض المعتزلة (٥)، والإباضية (٦)، وطائفة من الخوارج (٧)، والقلانسي (٨) والحسين بن الفضل (٩)، وابن خزيمة (١٠)، وعليه إجماع الصحابة (١١)، إذ ربما كان المفضول يتمتع بمزايا تحتاجها الأمة لا توجد في الأفضل، كما إذا كان المفضول شجاعاً والزمن زمن حروب بينما كان الأفضل أقل شجاعة منه أو لم تكن له معرفة

стр. 166

بالحروب. وأجاز الحنابلةُ على الصحيح من المذهب (١) .......................................................... وبعضُ الشافعية (٢) وبعضُ الزيدية (٣) كلهم أجازوا نصبَ المفضول حتى مع إمكان الأفضل. قال العضد الإيجي: «واعلم أنَّ مسألة الأفضلية لا مطمع فيها إلى الجزم واليقين، وليست مسألة يتعلق بها عمل فيكتفى فيها بالظن، بل هي مسألة علمية يطلب فيها اليقين، والنصوص المذكورة من الطرفين - على أفضليَّة أبي بكر ﵁ أو أفضليَّة عليٍّ ﵁ بعد تعارضها لا تفيد القطع على مالا يخفى على مُنْصِف، لكنَّا وجدنا السلف قالوا بأنَّ الأفضل أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان ثمَّ علي، وحُسْنُ ظنِّنا بهم يقتضي بأنَّهم لو لَم يعرفوا ذلك لما أطبقوا عليه، فوجب علينا اتِّباعهم في ذلك». اهـ (٤). فإذا كان الأمر كذلك في خير القرون فهو فيمن بعدهم أشدُّ وأجلى، فلا سبيلَ قطعياً إلى معرفة الأفضل في كل زمان لأنَّّه يعني معرفة من هو أكثر ثواباً وكرامةً عند الله، والثواب محض فضل من الله وليس على مقدار أو كثرة العمل. ب- وقال قائلون: لا يكون الإمام إلا أفضل النَّاس، وبهذا قال الباقلاني (٥) وأبو الحسن الأشعري (٦)، والحنفية (٧) وقول عند الشافعية (٨)، ورواية عن الإمام أحمد

стр. 167

وهي قول في المذهب (١)، ................................................................................................... وهو رأي الإمامية (٢) والإسماعيلية (٣) وبعض الزيدية (٤) وطوائف من الخوارج (٥) وسعيد بن المسيّب وجهم بن صفوان (٦)، وطوائف من المعتزلة كالجاحظ (٧) وغيلان الدمشقي وعمرو بن عبيد (٨) والبلخي (٩) والقاضي عبد الجبار (١٠) والنظَّام (١١)، وقال

стр. 168

الباقون من المعتزلة: الأفضل أولى بها (١)، وقد كان ابن عمر ﵁ يرتب الخلفاء الراشدين الأربعة في الأفضلية على ترتيبهم في الخلافة (٢). واستدل كل طرف بأدلة (٣). ٥ - الكفاءة: وهو شرط كبير يحتوي على الكثير من الشروط الفرعية، وهي تختلف بحسب الواقع وبحسب الحاجة، فتزداد أهمية بعضها وتنقص أهمية البعض، تبعاً للظروف المختلفة. والمقصود بالكفاءة القدرة على القيام بأمور الإمامة، وتشمل أموراً مثل سلامة الحواس فوق القدر المتفق على اشتراطه، وقوة القلب أو الشجاعة، والصحة، والحكمة بأن يكون مدبِّراً أكثر رأيه الإصابة، والقدرة على تأمين السبل وإنصاف المظلومين، وبهذا قال المتكلمون من أهل السنة (٤)، والحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨) والإمامية (٩)

стр. 169

والإسماعيلية (١) والزيدية (٢). وأضاف بعضُ المعاصرين أن يكون خبيراً بشؤون السياسة الدولية محيطاً بعلم الاقتصاد قادراً على وضع سياسة إنتاج الصناعات الحربية، وعلى قيادة الجيوش الحديثة عالماً في علم المحاسبة، متحدثاً باللغات غير العربية، خطيباً يُشعل حماسة الجماهير، حافظاً للقرآن، محيطاً بعلوم السُّنَّة، مثقفاً ثقافة عالية، قوي الشخصية، بهيَّ الهيئة (٣). وجعلها في الموسوعة الفقهية من الشروط المتفق عليها فقال: الكفاية ولو بغيره (٤)، وسأذكر بعض التفاصيل عن مفردات هذا الشرط: ١) أمَّا سلامة الحواس سلامة كاملة: فقد اشترطه الشافعية (٥) وبعض الزيدية (٦) وقالوا: لا تنعقد الإمامة بذهاب بعض اليدين. ولم يشترطه بعضهم وقالوا: كل مالا يُؤثِّر عدمُه في رأي ولا عمل من أعمال الإمامة فلا يضير فقده، إذ الهدف من الإمامة هو القيام بمهامها فالعيوب التي لا تمنع من ذلك لا ينظر إليها، كالعور وصمم إحدى الأذنين (٧).

стр. 170

٢) الشجاعة: وهي مما اشترطه جمهور أهل السُّنَّة من المتكلمين (١) والمالكية (٢) والحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥)، وهو رأي الزيديَّة (٦)، والشِّيعة (٧)، والإسماعيلية (٨)، والمعتزلة (٩)، والإباضية (١٠)، فلا تنعقد إمامة الجبان، لأنَّه لا يستطيع حماية البيضة وجهاد العدو. ولكنَّ اختلاف أساليب الحرب والقتال التي لم تعد تتطلب أن يكون الخليفة على رأس الجيش، بل يتولى ذلك وزيرُ الدفاع، جعل هذا الشرطَ أقربَ إلى الشروط المختلف فيها، ولندرة اجتماع كل الشروط في واحد، واعتبر السنهوري هذا الشرطَ للتفضيل (١١). ٣) الحكمة اللازمة لسياسة الرعية: وهي من الصفات المكتسبة، وسمَّاها بعضهم أن يكون مدبِّراً، أو ذا رأي، وقد اشترطها المتكلمون من أهل السنة (١٢)

стр. 171

والحنفية (١) والمالكية (٢) ..................................................................................................... والشافعية (٣) والحنابلة (٤)، والشِّيعة (٥) والزيديَّة (٦)، وجعلها السنهوري والدكتور الخالدي من الشروط المختلف فيها، وللتفضيل (٧). ٤) القدرة على تأمين السبل وإنصاف المظلومين: اشترطها الجمهور (٨)، وجعلها الشوكاني من أهمِّ الشروط على الإطلاق فقال: «وعندي أنَّ مِلاكَ أمر الإمامة والسلطنة وأعظمَ شروطهما وأجلَّ أركانهما أن يكون قادراً على تأمين السبل وإنصاف المظلومين متمكناً من الدفع عن المسلمين إذا داهمهم أمر يخافونه»، ثم قال: «ولا يضر نقص شرط أو أكثر من شروطٍ ذكروها إذا كان قائماً بما ذكرناه» (٩). ولابد من التمييز بين القدرة على تأمين السبل وإنصاف المظلومين والتي تعتبر من الشروط وبين ممارسة هذه القدرة والتي تعتبر من الواجبات، وتُعْرف هذه القدرة من تصرفات الخليفة قبل خلافته حتى يغلب على الظنِّ وجودُها. ٦ - أن يكون مطاع الأمر نافذ الحكم في محل ولايته: ومعناه أن تجتمع الأمة عليه، وهذا الشرط أشار إلى عدم اشتراطه الغزالي (١٠)، وبعض المعتزلة (١١)، لأنه لا خلاف أن سيدنا علياً ﵁ كان خليفة رغم عدم دخول أهل الشام ومعاوية ﵁ في طاعته، ثم إن طاعة الخليفة من حقوقه على

стр. 172

الأمة بعد مبايعته، لا من الشروط الواجب توفرها فيه ليكون خليفة شرعياً. واشترط هذا الشرط سعد بن أبي وقاص (١)، ومحمد بن الحنفيَّة (٢) وابن عباس (٣) وابن عمر (٤) ﵃ بقصد اعتزال الفتنة، وتبعهم على هذا الحنابلة (٥)، والشافعية (٦)، وهو قول هشام بن عمرو الفُوَطي (٧) والأصمّ (٨) وغيلان الدمشقي وأتباعه (٩)، بقصد الطعن بإمامة علي ﵁.

стр. 173

المبحث الثاني: واجبات الخليفة أو الأحكام المنوطة به ومن يقوم بتنفيذها عند تعدد الخلفاء أو عند فقد الخليفة واجبات الإمام كثيرة ومسؤوليَّاته عظيمة، فهو مسؤول مسؤولية مباشرة أمام الله تعالى عن كل رعيته، لذا كان عليه أن يتَّخذ كل ما يلزم من إجراءات ليقوم بهذه المسؤوليَّة. قال محمد بن يزداد وزير المأمون مخاطباً له (١): (بسيط) من كان حارسَ دنيا إنَّه قَمِنٌ ... أن لا ينام وكلُّ النَّاس نُوَّامُ وكيف ترْقدُ عينا مَنْ تََضيَّفَه ... هَمَّان مِنْ أَمْرِهِ نقضٌ وإبرامُ وقد أجمل ابن تيمية هذه الواجبات بقوله: «فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً , ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا , وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم .. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان , كان من أفضل أهل زمانه , وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله» (٢). وواجبات الإمام تزداد وتتشعَّب مع تقدم المدنيَّة والحضارة الإنسانيَّة وسأشير إلى أهم واجباته، فقد جعلها الماوردي عشر واجبات (٣)، وهو بهذا يشير إلى أهمِّ واجباته حسب زمانه، والتي إن قام بها خيرَ قيام أضفى الشرعيةَ الكاملة على حكمه وإن تقاعس عن بعضها فَقَدَ جُزءاً من شرعيَّته. قال الفرَّاء: «إذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقَّان: الطَّاعة والنُّصرة». أمَّا تفصيل الواجبات فهو: ١) تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية: وهو أهم واجب على الإطلاق، ومن أَجْلِهِ كانت طاعتُه واجبةً على الخلائق، وهو يشمل كلَّ الواجبات الأخرى وينوب

стр. 174

اليوم عن الإمام في مباشرة هذا الواجب وزارةُ العدل ووزارةُ الأوقاف ووزارةُ التربية ووزارةُ الإعلام، فوزارة الأوقاف ووزارة التربية تقومان بدور تنشئة الأمة على مبادئ الإسلام من خلال المساجد والمدارس، بينما تمثل وزارة العدل صمام الأمان لمعالجة من شذَّ وأبى أن ينفِّذ حكم الله طواعيَّة، وأما وزارة الإعلام فهي الرافد الأساس في بناء أخلاق الأمة، ولا بد من التنسيق بين هذه الوزارات فالإمام يُوجِّه هذه الوزارات وأمثالها للقيام بهذا الواجب. ويدخل تحت هذا الواجب نشر دعوة الإسلام وحماية الدين من الاعتداء والبدع (١). ٢) إقامة العدل بين النَّاس: وهو من أهمِّ واجبات الإمام، وسمَّاه الماوردي والفرَّاء: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وإقامة الحدود لتصان المحارم (٢). وإن كان يشملُ أكثرَ من هذا، فكلُّ ما له صلة بتحقيق العدالة يدخل تحت هذا الواجب. ويجب أن يقوم بهذا الواجب اليوم نيابة عن الإمام وزارات العدل والداخلية والإدارة المالية والمحلية والشؤون الاجتماعية والعمل؛ فوزارة العدل تقوم بتنصيب القضاة وإقامة الحدود واستيفاء القصاص، ووزارة الداخلية مطَالبةٌ بالعدالة في تعاملها مع الناس، ووزارة المالية مطَالبةٌ بالعدالة في جني الأموال وتوزيعها، ووزارة الإدارة المحلية والشؤون الاجتماعية مطَالبةٌ بتأمين فرص العمل للمواطنين بشكل يحقق العدل، وفي الواقع يمكن أن يكون مسؤولاً عن هذا الواجب كلُّ جهة رسميَّة لها تعاملٌ مباشرٌ مع عامة الناس. ٣) الحفاظ على أموال الأمة: ويتضمن هذا الواجب ترفُّعُ الإمام عن أموال الأمة، وقد ذكره الماوردي بعنوان: حماية الأنفس والأموال من التغرير (٣). ويجب أن يقوم بهذا الواجب وزارة المالية، وأجهزة الرقابة والتفتيش وغيرهما.

стр. 175

٤) عمارة البلدان باعتمار مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها (١). ٥) أن يباشر بنفسه الإشراف على الأمور والأحوال: فليس منصب الخليفة منصباً فخريَّاً وشكليَّاً كما حصل في أيام المماليك، أو كما يحصل اليوم في بعض البلدان، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يتابع أحوال المسلمين بنفسه، ولا يتكل على الأعوان فإذا عَلِمَ من أنابَه بأنَّه يتفقدُ الأمورَ انتظمَ حالُه وحالُ الأُمَّة (٢). ٦) تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال: من غير سرف ولا تقتير، وفي وقته بلا تقديم أو تأخير، ويقوم بهذا الواجب اليوم وزارة المالية بعد صدور المراسيم من الإمام (٣). ٧) استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء: أي تعيين الوزراء والموظفين (٤). ٨) إقامة صلوات الجمع والجماعة والشعائر الإسلاميَّة: وسمَّاه الماوردي والفرَّاء: حفظ الدين على أصوله المستقرَّة. وتقوم وزارة الأوقاف اليوم بهذا الواجب نيابة عن الإمام (٥). ٩) جباية الزكاة: والتي يمكن أن يُخصص لها جهاز مستقل أو تابع لوزارة المالية، على أن يكون له مصارفه الخاصَّة بهذه الفريضة (٦). ١٠) تحصين الثغور: بالعدَّة المانعة والقوَّة الدافعة حتى لا تظهر الأعداءُ بغرة ينتهكون فيها مُحرَّماً، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمَاً، وهي مهمَّة وزارة الدفاع اليوم (٧).

стр. 176

١١) المشورة: وتكون في كل ما لا نصَّ فيه، قال : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ آل عمران/١٥٩. وقال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى/٣٨ وقد شاور الرسول ﷺ أصحابه في الحروب كيوم بدر، وشاور أبو بكر الصحابة في أهل الردة وفي جمع القرآن، وشاور عمر الهرمزان في المغازي، وغيرهم كذلك (١).

стр. 177

المبحث الثالث: نظريَّة الضرورة وبعض تطبيقاتها السياسية تعتبر الضرورة - فيما أظن - أقوى دليل على الشرعية الاستثنائية لتعدد الدول الإسلامية في العصر الحاضر، لذا رأيت أن أتناولها بمبحث مستقل لبيان فكرة الضرورة في الشرع ثم بيان بعض من تطبيقاتها وخاصَّة في مجال السياسة، فالحلال بيِّن والحرام بيِّن ولكن قد تطرأ في زمن ما أو مكان ما ظروفٌ تجعل من العسير أداء الواجب أو من المتعذر البعد عن الحرام، فيأتي دور نظرية الضرورة لترفع الحرج والعسر والمشقة قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج/٧٨. وقال : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الأنعام/١١٩. فالله وهو الذي له أن يشرع ما يشاء دون اعتبار لمصالح العباد - لم يشرع إلا ما فيه مصلحة للعباد أو دفع ضر عنهم، وقد تبين هذا من استقراء الأحكام الشرعية (١)، فعندما يؤدي تطبيق حكم ما إلى ضرر محقق أو تفوت به مصلحة مؤكدة أو راجحة، لا يُلزِمنا الشارعُ عندها بالتطبيق الحرفي والجامد للنص، بل يشرع لنا مراعاة تلك المصلحة أو البعد عن ذلك الضرر بضوابط معينة، وهو بهذا يؤكد روح التشريع واتجاهه العام، وليس في هذا خروج على النص بدون دليل لأنَّ العمل بالضرورة عمل بالنصوص، ولأنَّ «إقامة الضرورة معتبرة، وما يطرأ على ذلك من عارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتلبة، كما اغتفرت مفاسد أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وأشباه ذلك في جنب الضرورة لإحياء النفس المضطرة» (٢)، ولأن «الحرج منفي عن الدين جملة وتفصيلاً بالإجماع» (٣) قال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الأعراف/١٥٧.

стр. 178

وللضرورة دور كبير في الوضع الاجتماعي والقانوني للأمة ككل، في الأزمات التي تمر بها، والمراحل الصعبة التي تجتازها، كهذا الذي طبقه الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ في عام المجاعة عندما أوقف القطع عن السارق، لأن المسلمين أصبحوا في وضع اجتماعي ومعيشي غير عادي (١). والضرورة في الفقه الإسلامي تنفرد بوضع تشريعي متميز؛ إذ تعددت مصادرها، وتنوعت خصائصها، وتفرعت آثارها، ففيها يتآخى العقل مع النقل، والمنطق مع الوحي، والقيم الشرعية الخالدة مع المرونة التشريعية المتطورة. وقد وجدت الضرورة مجالاً فسيحاً في ثلاثة من العلوم الإسلامية: أصول الفقه، والفقه، والقواعد الفقهية؛ لتؤدي وظائف مختلفة، ونتائج متنوعة، فهي للحُجيَّة والاستنباط في أصول الفقه، وللتفريع في الفقه أحكاماً وشرائع للعمل والتطبيق في مختلف الأبواب الفقهية، وفي علم القواعد الفقهية يتذكر بها المفتي مالا يحصى من التفريعات ويستأنس بها القاضي في الأحكام. أما مصادرها المتعددة إجمالاً: فقسم منها مصدره ودليله النقل: الكتاب الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة، والضرورة بهذا الاعتبار تعد دليلاً أصولياً مستقلاً، موضوعه الأحكام الشرعية الثابتة المنصوص عليها. وقسم آخر دليله ومصدره: المصالح المرسلة في ضوء المقاصد والأهداف الشرعية، وموضوعه عموم القضايا والمسائل والنوازل من إفراز البيئات المختلفة، والعصور المتعاقبة، والظروف الطارئة، وهو من هذه الزاوية وبهذا المعنى دليل عقلي مصلحي. وتتجلى فائدة الضرورة في الشريعة الإسلامية في أنها تضم المكلف إلى صف الشريعة حين يحس أنه مخالف لأوامر الشريعة، فتطمئنه على أنه ما زال في إطار المشروعية (٢). تعريف الضرورة لغة واصطلاحاً: الضرورة لغة: اسم لمصدر الاضطرار؛ تقول: حملتني الضرورة على كذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا، بناؤه (افتعل) فجعلت التاء طاء؛ لأن التاء لم

стр. 179

يحسن لفظها مع الضاد (١). والاضطرار: الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر، ذكره الحرالي. وفي المصباح: الإلجاء إلى ما ليس منه بد. وفي الفرائد: حمل الإنسان على ما يضر (٢). الضرورة اصطلاحاً: جاء تعريف الضرورة متقارباً في المذاهب الأربعة فهي: بلوغ المكلف حداً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات أو تلف منه عضو (٣). وأغلب التعريفات قصرت الضرورة على الجوع أو العطش الشديد، أو الإكراه، ولكن لا يعني هذا عدم وقوع الضرورة في غيرها - كما سيأتي - ولكنه نظرٌ إلى الأعم (٤). وعرَّفها الدكتور وهبة الزحيلي تعريفاً جامعاً بقوله: الضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعِرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته، دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع (٥). مستند نظرية الضرورة من القرآن: ذكر الله الاضطرار إلى المحرمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم، أربعة منها جاءت بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها والأخير جاء عاماً وهي: ١ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة/١٧٣.

стр. 180

٢ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ المائدة/٣. ٣ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الأنعام/١٤٥. ٤ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النحل/١١٥. ٥ - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الأنعام/١١٩. مستند النظرية من الحديث: لقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في مراعاة الضرورة منها حديثان في حِل أكل الميتة للمضطر: ١ - عن أبي واقد الليثي قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ فقال: «إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفؤوا بها بقلاً، فشأنكم بها» (١) قال أبو داود (٢): الغبوق الشرب من آخر النهار والصبوح الشرب من أول النهار، ثم استعملا في الأكل. وتحتفؤوا بقلاً: أي تقتلعوا فتأكلوا. ومعنى الحديث: إذا لم تجدوا ألبنةً أو طعاماً تأكلونه في الصباح ولم تجدوا شراباً أو طعاماً تأكلونه آخر النهار، ولم تجدوا بعد ذلك بقلة تأكلونها، حلَّت لكم الميتة. ٢ - عن جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالحرَّة (٣) محتاجين قال: «فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها قال: فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم» (٤). وفي لفظ: «أن رجلاً نزل الحرة ومعه أهله وولده،
следующие страницы →