← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١١) المشورة: وتكون في كل ما لا نصَّ فيه، قال : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ آل عمران/١٥٩. وقال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ الشورى/٣٨ وقد شاور الرسول ﷺ أصحابه في الحروب كيوم بدر، وشاور أبو بكر الصحابة في أهل الردة وفي جمع القرآن، وشاور عمر الهرمزان في المغازي، وغيرهم كذلك (١).

стр. 177

المبحث الثالث: نظريَّة الضرورة وبعض تطبيقاتها السياسية تعتبر الضرورة - فيما أظن - أقوى دليل على الشرعية الاستثنائية لتعدد الدول الإسلامية في العصر الحاضر، لذا رأيت أن أتناولها بمبحث مستقل لبيان فكرة الضرورة في الشرع ثم بيان بعض من تطبيقاتها وخاصَّة في مجال السياسة، فالحلال بيِّن والحرام بيِّن ولكن قد تطرأ في زمن ما أو مكان ما ظروفٌ تجعل من العسير أداء الواجب أو من المتعذر البعد عن الحرام، فيأتي دور نظرية الضرورة لترفع الحرج والعسر والمشقة قال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج/٧٨. وقال : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الأنعام/١١٩. فالله وهو الذي له أن يشرع ما يشاء دون اعتبار لمصالح العباد - لم يشرع إلا ما فيه مصلحة للعباد أو دفع ضر عنهم، وقد تبين هذا من استقراء الأحكام الشرعية (١)، فعندما يؤدي تطبيق حكم ما إلى ضرر محقق أو تفوت به مصلحة مؤكدة أو راجحة، لا يُلزِمنا الشارعُ عندها بالتطبيق الحرفي والجامد للنص، بل يشرع لنا مراعاة تلك المصلحة أو البعد عن ذلك الضرر بضوابط معينة، وهو بهذا يؤكد روح التشريع واتجاهه العام، وليس في هذا خروج على النص بدون دليل لأنَّ العمل بالضرورة عمل بالنصوص، ولأنَّ «إقامة الضرورة معتبرة، وما يطرأ على ذلك من عارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتلبة، كما اغتفرت مفاسد أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وأشباه ذلك في جنب الضرورة لإحياء النفس المضطرة» (٢)، ولأن «الحرج منفي عن الدين جملة وتفصيلاً بالإجماع» (٣) قال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الأعراف/١٥٧.

стр. 178

وللضرورة دور كبير في الوضع الاجتماعي والقانوني للأمة ككل، في الأزمات التي تمر بها، والمراحل الصعبة التي تجتازها، كهذا الذي طبقه الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ في عام المجاعة عندما أوقف القطع عن السارق، لأن المسلمين أصبحوا في وضع اجتماعي ومعيشي غير عادي (١). والضرورة في الفقه الإسلامي تنفرد بوضع تشريعي متميز؛ إذ تعددت مصادرها، وتنوعت خصائصها، وتفرعت آثارها، ففيها يتآخى العقل مع النقل، والمنطق مع الوحي، والقيم الشرعية الخالدة مع المرونة التشريعية المتطورة. وقد وجدت الضرورة مجالاً فسيحاً في ثلاثة من العلوم الإسلامية: أصول الفقه، والفقه، والقواعد الفقهية؛ لتؤدي وظائف مختلفة، ونتائج متنوعة، فهي للحُجيَّة والاستنباط في أصول الفقه، وللتفريع في الفقه أحكاماً وشرائع للعمل والتطبيق في مختلف الأبواب الفقهية، وفي علم القواعد الفقهية يتذكر بها المفتي مالا يحصى من التفريعات ويستأنس بها القاضي في الأحكام. أما مصادرها المتعددة إجمالاً: فقسم منها مصدره ودليله النقل: الكتاب الكريم والسُّنَّة النبوية المطهرة، والضرورة بهذا الاعتبار تعد دليلاً أصولياً مستقلاً، موضوعه الأحكام الشرعية الثابتة المنصوص عليها. وقسم آخر دليله ومصدره: المصالح المرسلة في ضوء المقاصد والأهداف الشرعية، وموضوعه عموم القضايا والمسائل والنوازل من إفراز البيئات المختلفة، والعصور المتعاقبة، والظروف الطارئة، وهو من هذه الزاوية وبهذا المعنى دليل عقلي مصلحي. وتتجلى فائدة الضرورة في الشريعة الإسلامية في أنها تضم المكلف إلى صف الشريعة حين يحس أنه مخالف لأوامر الشريعة، فتطمئنه على أنه ما زال في إطار المشروعية (٢). تعريف الضرورة لغة واصطلاحاً: الضرورة لغة: اسم لمصدر الاضطرار؛ تقول: حملتني الضرورة على كذا، وقد اضطر فلان إلى كذا وكذا، بناؤه (افتعل) فجعلت التاء طاء؛ لأن التاء لم

стр. 179

يحسن لفظها مع الضاد (١). والاضطرار: الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر، ذكره الحرالي. وفي المصباح: الإلجاء إلى ما ليس منه بد. وفي الفرائد: حمل الإنسان على ما يضر (٢). الضرورة اصطلاحاً: جاء تعريف الضرورة متقارباً في المذاهب الأربعة فهي: بلوغ المكلف حداً إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات أو تلف منه عضو (٣). وأغلب التعريفات قصرت الضرورة على الجوع أو العطش الشديد، أو الإكراه، ولكن لا يعني هذا عدم وقوع الضرورة في غيرها - كما سيأتي - ولكنه نظرٌ إلى الأعم (٤). وعرَّفها الدكتور وهبة الزحيلي تعريفاً جامعاً بقوله: الضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعِرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته، دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع (٥). مستند نظرية الضرورة من القرآن: ذكر الله الاضطرار إلى المحرمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم، أربعة منها جاءت بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها والأخير جاء عاماً وهي: ١ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة/١٧٣.

стр. 180

٢ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ المائدة/٣. ٣ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الأنعام/١٤٥. ٤ - ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النحل/١١٥. ٥ - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الأنعام/١١٩. مستند النظرية من الحديث: لقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في مراعاة الضرورة منها حديثان في حِل أكل الميتة للمضطر: ١ - عن أبي واقد الليثي قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟ فقال: «إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفؤوا بها بقلاً، فشأنكم بها» (١) قال أبو داود (٢): الغبوق الشرب من آخر النهار والصبوح الشرب من أول النهار، ثم استعملا في الأكل. وتحتفؤوا بقلاً: أي تقتلعوا فتأكلوا. ومعنى الحديث: إذا لم تجدوا ألبنةً أو طعاماً تأكلونه في الصباح ولم تجدوا شراباً أو طعاماً تأكلونه آخر النهار، ولم تجدوا بعد ذلك بقلة تأكلونها، حلَّت لكم الميتة. ٢ - عن جابر بن سمرة أن أهل بيت كانوا بالحرَّة (٣) محتاجين قال: «فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم رسول الله ﷺ في أكلها قال: فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم» (٤). وفي لفظ: «أن رجلاً نزل الحرة ومعه أهله وولده،

стр. 181

فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها. فأبى فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدُر (١) شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ . فأتاه، فسأله فقال: ... «هل عندك غنى يغنيك؟» (٢) قال: لا. قال: فكلوه. قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر. فقال: هلا كنت نحرتها! قال: استحييت منك» (٣). كما ورد في الضرورة أحاديث في إباحة التناول من ثمار البساتين، وأحاديث في الدفاع عن النفس ونحوه (٤). بالإضافة لما ورد عنه ﷺ من أحاديث في مراعاة التيسير بشكل عام منها: أنه ﷺ كما قالت عائشة ﵂: «ما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما» (٥). وقوله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه» (٦). وقوله ﷺ : «إنَّ الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبَه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُلجة» (٧).

стр. 182

نظرية الضرورة في علم الأصول: الضرورة إما دليل أصولي مستقل مصدره النقل، أو جزء من دليل أصولي مصدره العقل، وكثير من المصطلحات الأصولية لها علاقة وطيدة بالضرورة كالاستحسان والمصلحة المرسلة والرخص وسد الذرائع، فالضرورة في المصالح المرسلة مثلاً تمثل القسم الأهم والجزء الأكبر فيها (١)، حتى لقد اشترط الغزالي للعمل بالمصلحة المرسلة أن تكون مصلحة تدعو إليها الضرورة (٢). وذهب الإمام شمس الأئمة السرخسي إلى تسمية كل ما يعتمد من الأحكام على دليل الضرورة استحساناً وهو ما يحكيه عن شيخه قائلاً: «كان شيخنا الإمام يقول: الاستحسان ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس. وقيل: الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة. وقيل: الأخذ بالسماحة، وابتغاء ما فيه الراحة». ويعقب على كل ما سبق قائلاً: «وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو في الدين» (٣) ومعنى استحسان الضرورة أو الحاجة: هو أن توجد ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس والأخذ بمقتضاها أو بمقتضى الحاجة والمصلحة دفعاً للحرج ومراعاة للعدالة (٤). ما سبق من استدلالات من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ومن علاقة الضرورة بالاستحسان تجعل من الضرورة دليلاً أصولياً نقلياً مستقلاً، له تأثير مباشر على الأحكام المنصوص عليها، تختلف نسبته من أمر لآخر بالمقدار الذي يستدعيه الحد من المشقة ورفع العنت، مثله في ذلك مثل غيره من الأدلة الأصولية ذات الوظائف التشريعية، من تخصيص وتقييد وتأسيس أحكام جديدة، أو التغيير حسب الظروف التي يعيشها المكلف. فالعلاقة بين ما تنتجه الضرورة من أحكام وبين ما تنتجه النصوص الدالة على الحكم الأصلي، ليست علاقة تعارض أو تناقض، بل هي

стр. 183

علاقة يحددها علم الأصول كعلاقة العام والخاص، والمطلق والمقيد (١). الضرورة في القواعد الفقهية: نظرية الضرورة في الفقه الإسلامي منبع خصب لكثير من الأحكام وقد استخلصها الفقهاء من الاستقراء والمقارنة بين عدد من النصوص التي طبقتها وانتهوا بذلك إلى عدد من المبادئ العامة مثل: ١ - المشقة تجلب التيسير (٢) وبمعناها يقول الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع (٣). ٢ - الضرر يزال. ويتعلق بهذه القاعدة قواعد: الأولى: الضروريات تبيح المحظورات، الثانية: ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها. الثالثة: الضرر لا يزال بالضرر. الرابعة: إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً. الخامسة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح (٤). ٣ - الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، والحاجة إذا عمَّت كانت كالضرورة (٥).

стр. 184

المحرمات التي تبيحها الضرورة: لا تختص هذه المحرمات بالمطعومات - ولو كانت أربعٌ من الآيات الخمس التي جاءت بإباحة المحرم عند الاضطرار قد خُصَّت بذلك - فالضرورة عامة في إباحة كل المحرَّمات عند الاضطرار من طعام وغيره، ودليل ذلك الآية (١١٩) من الأنعام التي جاءت عامة (١)، ومما يؤيد عمومية هذه الآية لكل المحرمات - لا كما يحيل البعض على المحرمات المذكورة في الآيات الأخرى فقط - أن آية الأنعام مكية ونزلت قبل الآيات الأربع الأخرى فلا يصح الإحالة في بيان المحرمات إلى متأخر في النزول عنها كما قال القرطبي، إلا أن يكون (فَصَّل) بمعنى (يُفصِّل) (٢). وممن قال أن الضرورة تبيح جميع المحرمات: ١ - ابن قدامة حيث يقول: «المستثنى عن قاعدة القياس منقسم إلى ما عقل معناه وإلى ما لا يعقل؛ فالأول يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة، من ذلك إباحة أكل الميتة ثَمَّ الضرورة صيانة للنفس واستبقاء للمهجة، يقاس عليه بقيَّةُ المحرمات إذا اضطر إليها ويقاس عليه المكره لأنه في معناه» (٣). ويقول: «أجمع العلماء على تحريم الميتة حال الاختيار، وعلى إباحة الأكل منها في الاضطرار، وكذلك سائر المحرمات» (٤). ٢ - ابن حزم الظاهري، فقد قال بعد أن سرد أنواعاً من الحرام - غير التي ذكرها الله تعالى في الآية - تحلُّ عند الضرورة: «أما تحليل كل ذلك للضرورة فلقول الله : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الأنعام/١١٩. فأسقط تعالى تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة فعمَّ ولم يخص، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك»، وكان هذا مسلكه في باقي كتابه المحلى (٥).

стр. 185

٣ - الشوكاني حيث يقول: إلا ما اضطررتم إليه أي من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام (١). ٤ - ابن رشد المالكي عند كلامه عن استعمال المحرمات في حال الاضطرار، قال: وأما جنس الشيء المباح فهو كل شيء محرَّم مثل الميتة وغيرها (٢). ٥ - الإمام أبو بكر الرازي المشهور بالجصَّاص حيث يقول: «والضرورة المذكورة في قوله : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الأنعام/١١٩. منتظمةٌ لسائرِ المحرَّمات، وذكره لها في الميتة وما عطف عليها غير مانع من اعتبار عموم الآية الأخرى في سائر المحرمات» (٣). ٦ - وفي شرح مجلة الأحكام جاء التعريف شاملاً لكل المحرمات: الضرورة هي العذر الذي يجوز بسببه إجراء الشيء الممنوع، أو هي الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعاً (٤). ٧ - ويوسِّع الدكتور وهبة الزحيلي مجال الضرورة عند بيان درجة الضرورة المبيحة للمحظور فيقول: هي الضرورة التي تصل فيها درجة الاحتياج إلى أشد المراتب، فيصبح الإنسان في خطر يحدق بنفسه أو ماله ونحوهما (٥). ٨ - وفي رأيي كل من قاس على ما ورد في الآيات من محرمات في جواز تناوله من المطعومات والأشربة - كمن أجاز تناول الخمر للضرورة (٦) - فقد وسَّع

стр. 186

مجال الضرورة لتشمل غير المطعومات والأشربة التي نصَّت عليها الآيات. وهذا كله بهدف إنقاذ النفس، ومعلوم أن الحفاظ على النفس يأتي في المرتبة الثانية بعد الحفاظ على الدين. إذاً فاعتماد الضرورة في المجال السياسي إذا تعلق به حفظ الدين وحفظ الأمة جائز من باب أولى، وخاصة أن الأمور العامة تأخذ الأولوية والأهمية القصوى في دين الله. ما سبق من الاستدلال يفتح الباب واسعاً في إعطاء الشرعية للدول الإسلامية المتعددة في العصر الحالي مراعاةً للضرورة بسبب تعذر توحيدها، ومما يدعم هذا التوجه ما تتعرض له الدول الإسلامية من ضغوط شديدة إذا حاولت بصورة أو أخرى أن تتقارب فيما بينها، حتى يمكن اعتبار بعض هذه الضغوط في درجة الإكراه، والإكراه - كما مر - والعسر أو الحرج، وخاصة إذا كان عاماً، من الأسباب المبيحة لترك الواجب واللجوء إلى أحكام الضرورة؛ لأن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة كما نصت عليه القواعد الفقهية، وهذا متوفر في تحقيق الوحدة الإسلامية هذه الأيام؛ أما العسر والحرج فواضح، وأما الإكراه فمعروف للسياسيين وله صور متعددة، وقد ذكر الكمال بن الهمام من أنواع الإكراه الإكراه الأدبي أو المعنوي؛ وهو الذي يعدم تمام الرضا ولا يعدم الاختيار، كالتهديد بحبس أحد الأصول أو الفروع أو الأخوة أو الأخوات ونحوهم وحكمه كما قرر الكمال بن الهمام من الحنفية: أنه إكراه شرعي استحساناً لا قياساً (١). ولأنَّ الأمَّة - كما هو ملاحظ - قد تجاوزت قدر الضرورة في جواز تعدد القيادات الإسلامية ولم تتقيد بضوابط الضرورة فيها، لا بد أن أذكر أن مراعاة الضرورة لا تكون أبداً إلا لمصلحة مؤقتة وليست دائمة، وإلا لكانت هي الأصل، فبمجرد التمكن من العودة إلى المصلحة الأصلية يجب الرجوع إلى الأصل، لأن المصلحة المتحققة في حالة الضرورة مصلحة استثنائية، وهذا يعني ضرورة السعي للخروج من حالة الضرورة، لأن الهدف من تشريع أحكام الضرورة هو التخفيف

стр. 187

من وطأة المشقة والحرج، فما جاز بناءً عليها يجوز الاستمرار فيه بالقدر الممكن لإزالة تلك الضرورة فقط، ولا يجوز استباحته أو فعله بأكثر مما تزول به الضرورة. وهو ما نصَّ عليه الفقهاء: «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها» ولأن من الخطأ والتعسف في استعمال قواعد الشرع وقوانينه استخدام الضرورة وسيلة للوصول إلى أهداف تتعارض روحاً ومبدأ مع الشريعة الإسلامية، وحينئذ تكون شيئاً آخر غير الضرورة في الشرع الإسلامي، ذات الملامح المحددة والخصائص المعلومة، فإذا انحرفت عن مقاصد الشرع فقدت فعاليتها، وبَطَلَ دورُها وأصبحت عنصراً غريباً فيه (١)، وفي هذا يقول ابن تيمية: «ومع أنه يجوز تولية غير الأهل - المناصبَ من خلافة وغيرها - للضرورة إذا كان أًصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكتمل في الناس ما لابد منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (٢). لأن استمراء البقاء في ظل الضرورة ينتج عنه استثقال الحكم الأصلي بل ربما نتج عنه نسيان الحكم الأًصلي، حيث يظن صاحب هذه الحالة أن الضرورة هي الأصل وقد روي عن مالك ﵀ في منع عمر ﵁ للصيارفة غير المسلمين من البقاء في أسواق المسلمين لممارسة الصرافة: أن عمر رأى ذلك منعاً لذريعة اعتقاد صحة التعامل بالربا، لأن هؤلاء يتعاملون بالربا فإذا تركوا دون إنكار فربما ظن بعض المسلمين أن التعامل بالربا جائز في الشرع، ومن أجل أن لا يُنسى الحكم الأصلي كان من حكمة الشارع أن جعل في كثير من التخفيفات ما يُذكِّر دائماً بالأصل حتى لا تغلب حالة الضرورة على ذهن المكلف (٣). وقبل أن أنهي الكلام على الإكراه وأثره على التصرفات، أُطلِق دعوةً للباحثين والعلماء لبحث أثر الإكراه السياسي أو الاقتصادي أو التهديد بالقوة العسكرية من الدول الغربية على الدول الإسلامية، وهل يبيح الفعلَ المكره عليه أو لا؟ وما الذي يبيحه من الأفعال وما الذي لا يبيحه؟.

стр. 188

ويمكن هنا طرح ثلاث مسائل: الإكراه على تغيير المناهج وعدم تحكيم شرع الله، والإكراه على التزام البعد عن صناعات معينة كالطاقة النووية، والإكراه على البعد عن السعي لتوحيد الدول الإسلامية ولمِّ شملها. وللضرورة السياسية أمثلة منها: ١ - قَبول سيدنا علي ﵁ ما عرضه عليه معاوية ﵁ من الهدنة سنة أربعين للهجرة بعد عجز كلٍ منهما عن هزيمة الآخر، بأن يضعا الحرب بينهما ويكون لعلي ﵁ العراق، ولمعاوية ﵁ الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، فأقام معاوية بالشام بجنوده يجبيها وما حولها وعلي بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده (١). ٢ - جواز مبايعة المفضول مع وجود الفاضل أو الأفضل: أي إنه إذا توافرت شروط الولاية العامة في رجل، ولم تتوافر كلها في آخر فيجوز مبايعة هذا الأخير وتوليته للضرورة منعاً من الفتنة والاضطراب في الداخل، وتحاشياً من التعرض للأذى والعدوان من العدو في الخارج، وذلك إذا حالت ظروف معينة من تولية المستجمع لشرائط الولاية، أو لم تستكمل تلك الشروط في شخص ما. ويمكن القول إن جميع الشروط - باستثناء التي حصل الاتفاق عليها على الإطلاق كما مر- الواجب توفرها في الخليفة يمكن التنازل عنها عند الضرورة (٢). وفي هذا يقول التفتازاني: «وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار، وأما عند العجز والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفار والفجار فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبية، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة، ولم يعبأ بسائر الشرائط، والضرورات تبيح المحظورات» (٣). ويقول القلقشندي: «واعلم أن لصحة عقد البيعة خمسة شروط: الأول: أن

стр. 189

يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة، فلا تنعقد مع فوات واحد منها إلا مع الشوكة والقهر» (١). ويقول الغزالي: «فإن قيل: فإن تسامحتم بخصلة العلم، لزمكم التسامح بخصلة العدالة وغير ذلك من الخصال. قلنا: ليست هذه مسامحة عن الاختيار، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور، ولكن الموت أشد منه، فليت شعري من لا يساعد على هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها، وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأي أحواله أحسن؟ أن يقول: القضاة معزولون، والولايات باطلة، والأنكحة غير منعقدة، وجميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة، وأن الخلق كلهم مقدمون على الحرام، أو أن يقول: الإمامة منعقدة، والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار ... وأهون الشرين خير بالإضافة، ويجب على العاقل اختياره» (٢). كما نقل عن الإمام أحمد إسقاط شرط العدالة والعلم - عند الضرورة - في حال الاستيلاء على الحكم ممن لا يملك صفة العدالة والعلم (٣). وهو رأي المذهب الشافعي (٤) والمالكي (٥) والزيدي (٦). ٣ - نفاذ تصرفات الإمام المستولي على الناس رغم عدم توفر شروط الإمامة فيه، فتولية من لم تتوفر فيه شروط الإمامة حكم مستند إلى الضرورة والمصلحة المرسلة، ونفاذ تصرفاته حكم مستند إلى الضرورة أيضاً، كما قال العز بن عبد

стр. 190

السلام (١) والغزالي ومثَّل به للمصلحة المرسلة فقال: «وكذلك نقول في المستظهر بشوكته المستولي على الناس المطاع فيما بينهم، وقد شغر الزمان عن مستجمع لشرائط الإمامة ينفذ أمره لأن ذلك يجر فساداً عظيماً لو لم نَقُلْ به» (٢). ٤ - الحاجة لتصحيح الخلافة الأموية بالأندلس والخلافة الفاطمية ببلاد المغرب والديار المصرية، مع قيام الخلافة العباسية بالعراق وانسحابها على سائر الأقطار والبلدان، كما قال الإسفراييني والجويني (٣)، ومعلوم أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، وخاصة إذا كانت عامة كما في موضوع الخلافة. من له حق تقدير الضرورة: الضرورة من الأمور الاجتهادية، فمنها ما هو متصل بأمور الجماعة، ومنها ما هو متعلق بخصوصيات الأفراد؛ أما ما كان متصلاً بأمور الجماعة والمجتمع فهو مسؤولية الحاكم الشرعي صاحب السلطة التنفيذية في البلاد. فتوقيف تنفيذ حد السرقة لمدة معينة الذي كان ضرورياً بسبب المجاعة كان من شأن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، أما ما كان متصلاً بخصوصيات الأفراد فتقديره موكول إلى دياناتهم، يحكمون فيها ضمائرهم؛ بحيث تتفق ممارستهم مع أحكام الشريعة، في غير خدعة ولا تضليل، فالله سبحانه مطلع على سرائرهم وحقيقة نواياهم؛ إذ الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، وهي مما يستفتي فيها المرء نفسه، وإن أفتاه المفتون وأفتوه (٤). أحكام الضرورة: ١ - انتفاء الإثم عن المضطر، أي رفع العقوبة عنه في الآخرة وعدم توجيه اللوم له في الدنيا، وخلص الفقهاء في هذا إلى قاعدة (لا إثم مع الضرورة) (٥). ٢ - الأخذ بالرخصة التي أباحتها الضرورة إما واجب أو مباح على اختلاف

стр. 191

بين الفقهاء؛ فقد ذهب فريق من الفقهاء إلى القول بالإباحة، فالمضطر مخير بين الأخذ بالرخصة، وبين تركها؛ إذ أن هذا هو الذي يتفق ومعنى الرخصة، وأيَّدوا هذا الموقف أيضاً بما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمراً ممزوجاً بماء، ولحم خنزير مشوياً ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش، وخشوا موته فأخرجوه فقال: ... «قد كان الله أحلَّه لي؛ لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام» ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص، ولأنَّ له غرضاً في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة، وفارق الحلال في هذا الأصل من هذه الوجوه. وذهب فريق آخر إلى أن الحكم في حال الضرورة هو وجوب الأخذ بالرخصة وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل؟ فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل، ولم يشرب فمات دخل النار، وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول الله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة/١٩٥. وقال الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء/٢٩. ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له، فلزمه كما لو كان معه طعام حلال (١). ٣ - لا رخصة بسبب معصية، فلو نشأت الضرورة نتيجة ارتكاب معصية فليس للمتلبس بها الترخص بما يباح لمن عداه (٢). ٤ - وجوب الاقتصار في تناول المحظور، أو ترك الواجب المطلوب، على القدر الذي يرفع الضرر دون زيادة عليه، إذا كان الضرر مؤقتاً مرجو الزوال، أما إذا كان مستمراً، وليس متوقعاً رفعه أو دفعه، فيباح الإعداد له إلى الوقت الذي يغلب على الظن استمراره. ٥ - لا تبيح الضرورة للمضطر الاعتداء على مال غيره أو أخذه بدون إذن صاحبه ورضاه، وهذا ما تعبر عنه القاعدة الفقهية التالية: «الاضطرار لا يبطل

стр. 192

حق الغير» (١). وللضرورة ضوابط معروفة فليَرجع إليها من أراد التفصيل (٢).

стр. 193

الفصل الثالث حكم تعدد الخلفاء وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: من لم يجوز تعدد الخلفاء أو أجازه بشروط. - المبحث الثاني: من أجاز تعدد الخلفاء مطلقاً. - المبحث الثالث: الأدلة.

стр. 194

المبحث الأول: من لم يجوز تعدد الخلفاء أو أجازه بشروط أولاً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى المكان: ينقسم الكلام هنا إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: حكم تعدد الخلفاء في البلد الواحد: لا خلاف بين المسلمين - باستثناء قلة (١) - في أنَّه لا يجوز عقد الإمامة لشخصين في صُقْع (٢) واحد، متضايق الأقطار ومتقارب الأمصار، لما في ذلك من اختلال الرأي وتفرق الشمل ووقوع الفتنة، وهذا هو رأي أهل السنة من المتكلمين (٣)، والحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧)

стр. 195

والظاهرية (١) والمعتزلة (٢) وأكثر الشيعة (٣) وأكثر الزيدية (٤) والإباضية (٥). وقالت الجارودية من الزيدية في بعض الروايات بجواز تعدد الأئمة في البلد الواحد وفي نفس الوقت، وسيأتي بيان قولهم (٦). القسم الثاني: حكم تعدد الخلفاء في البلدان القريبة: وكذلك الأمر في البلدان القريبة، فلا يجوز أن يكون فيها إلا خليفة واحد، وهو الحق الذي جاء به الدليل، وبهذا قال جمهور أهل السُّنَّة من المتكلمين (٧) والحنفية (٨) والمالكية (٩) وأصح الوجهين عند الشافعية (١٠)

стр. 196

والحنابلة (١) والظاهرية (٢)، وهو رأي الإماميَّة (٣) والإسماعيليَّة (٤) وأكثر الزيدية (٥) والمعتزلة (٦) والخوارج (٧) والإباضية (٨). وأجاز بعض الإباضية التعددَ في البلدان القريبة عند الضرورة فقط، ولا يسمى كل واحد منهما إماماً، بل هو أمير من الأمراء (٩). فإن عقد لاثنين في بلدين في وقت واحد فقد قال المالكية في قول (١٠) والإباضية (١١): هي للذي عقدت له ببلد الإمام الميت. وقال الجبائي (١٢) والمالكية في قول آخر (١٣): يقرع بينهما، وقد رد ابنُ حزم قولَ من اشترط أن يكون الإمام

стр. 197

من بلد الإمام الميت قبله (١). وأجاز بعض الزيدية تعدد الأئمة في بلدين (٢). القسم الثالث: حكم تعدد الخلفاء في البلدان البعيدة: لا يختلف حكم تعدد الخلفاء هنا عن حكم التعدد في البلدان القريبة عند جمهور أهل السنة من المتكلمين (٣)، والحنفية (٤) وأكثر المالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨) والإباضية (٩) والمعتزلة (١٠). إلا أنه أجاز بعض المتكلمين من أهل السنة تعدد الخلفاء في الأماكن البعيدة للضرورة كالإسفراييني (١١)، والبغدادي (١٢) وأبي الحسن الأشعري (١٣)، والإيجي والجرجاني والفناري (١٤)، وظاهر كلام الجويني في كتابه (الإرشاد) (١٥)، والحقيقة أن

стр. 198

الجويني لم يَقُلْ بجواز التعدد عند تباعد الأراضي، لكنه أجاز تعيين أمير آخر في البلد البعيد ولكنه لم يُسَمِّه خليفةً، وقد بيَّن الجويني رأيه هذا في كتابه (غياث الأمم) بقوله: «تباينت المذاهب إذا كانت الحالة بحيث لا ينبسط رأي الإمام الواحد على الممالك، وذلك يتصور بأسباب: أ- منها اتساع الخِطَّة وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة، وقد يقع قوم في نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام. ب- وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام، وينقطع بسبب ذلك نظر الإمام عن الذين وراءه من المسلمين، فإذا اتفق ما ذكرناه، فقد صار صائرون عند ذلك إلى تجويز نصب إمام في كل قطر لا يبلغه نظر الإمام، ويعزى هذا المذهب إلى شيخنا أبي الحسن والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. وأنا أقول مستعيناً بالله: - والقائل هو الجويني- إن سبق عقدُ الإمامة لصالح لها، وكنَّا نراه عند العقد مستقلاً بالنظر في جميع الأقطار ثمَّ ظهر ما يمنع من انبثاث نظره، فلا وجه لترك الذين لا يبلغهم أمر الإمام مهملين ولكنَّهم ينصبون أميراً يرجعون إلى رأيه، ويصدرون عن أمره، ويلتزمون شرعة المصطفى ﷺ فيما يأتون ويذرون، ولا يكون ذلك المنصوب إماماً، ولو زالت الموانع واستمكن الإمام من النظر لهم أذعن الأمير والرعايا للإمام، فإن رأى تقرير من نصبوه فَعَل وإن رأى تغيير الأمير فرأيه المتبوع. وإن لم يتقدم نصب إمام، ولكن خلا الدهر عن إمام في زمنِ فترةٍ وانفصل شطرٌ من الخطة عن شطر، وعَسُر نصب إمام واحد يشمل رأيه البلاد والعباد، فنُصِبَ أميرٌ في أحد الشطرين للضرورة في هذه الصورة، ونُصِبَ في القطر الآخر منصوب، ولم يقع العقد الواحد على حكم العموم، فالحقُّ المتبع في ذلك أنَّ واحداً منهما ليس إماماً إذ الإمام هو الواحد الذي به ارتباط المسلمين أجمعين، ولست أنكر تجويز نصبهما على حسب الحاجة ونفوذ أمرهما على موجب الشرع، ولكنَّه زمان خالٍ عن الإمام، ثم إن اتفق نصب إمام فحق على الأميرين أن يستسلما له» (١). كما أجاز بعض الفقهاء التعدد في البلدان البعيدة للضرورة: فقد ذهب المالكية في قول (٢): إلى أنه إذا تباعدت البلاد وتعذرت الاستنابة

стр. 199

جاز تعدد الأئمة بقدر الحاجة. وقال بعض الشافعية - كما ذكر الآمدي عنهم -: «إن تباعدت الأقطار وتناءت الديار بحيث لا يستقل إمام واحد بتدبيرها والنظر في أحوالها فقد قال بعض الأصحاب إنَّ إقامة إمام آخر في محل الاجتهاد». ولم يبين الآمدي رأيه هو أو من القائل بهذا (١)، وقد ذكر الحلي في تذكرة الفقهاء أن أبا إسحاق من الشافعية قال بجواز نصب إمامين بإقليمين (٢). وأجازه بعض الحنابلة عند التغلب بناء على الضرورة (٣). وقال القرطبي: إذا تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز إقامة إمامين (٤). ويروى عن الأصم وغيره - كما ذكر يوجه سوي - إمكان وجود أكثر من إمام في دار الإسلام إذا استجدت ظروف تستوجب ذلك كفقد الإمام الواحد سيطرته على أرجاء الخلافة، وانعدام قدرته على ضبط الأمور، على أن يحكم كل واحد من الأئمة مصره، وعلى أن يكونوا متعاونين فيما بينهم على البر والتقوى (٥). وقال بعض الإمامية بإمكان وجود إمامين أو أكثر ولكن الناطق منهم واحد، وزعموا أن علياً ﵁ كان إماماً صامتاً في حياة النبي ﷺ ، وأن الحسن والحسين ﵄ كانا إمامين صامتين في وقت سيدنا علي ﵁، وأن الحسين بن علي ﵁ كان إماماً صامتاً في عهد الحسن بن علي ﵁ ثم نطق بعد موته، وأنكر أكثرهم ذلك، وعلى كل حال فلا يعتبر هذا قولاً بالتعدد طالما أن الإمام الناطق

стр. 200

واحد (١)، ويستدلون على ذلك بما روي عن النبي ﷺ : «الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا» (٢). بينما قال أكثر الإمامية - كما مر- بالمنع من التعدد، مستدلين بما رواه الكليني عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: «لا» قلت: يكون إمامان؟ قال: «لا، إلا وأحدهما صامت» (٣). وأجاز تعددَ الخلفاء للضرورة من علماء القرن الماضي والذي قبله: ١ - مصطفى صبري حيث قال: إذا كان ذلك ضرورياً لبعد الشقة ولم يحصل مزاحمة كلٍ من الخلافات للأخرى فتنتقض قوة الكل، أو لا يتكون شيء منها رأساً وإن كان الأصوب والأنفع اتخاذ واحد منهم خليفة أعظم يقع نفوذه عليهم ويكون رأيه واجتهاده آخر مرجع لتوحيد الكلمة بين المسلمين (٤). ٢ - ورشيد رضا حيث قال: قول من قال بالتعدد للضرورة أقوى من قول الجمهور بإمامة المتغلب للضرورة إذا كان كلٌ مستجمعاً للشروط، فإن كان في هذه تفرق (٥) فهو في غير عدوان ولا عداوة، وفي تلك (٦) بغي وجور ربما يفسد الدين والدنيا معاً، بل أفسدهما بالفعل (٧). ٣ - وصديق حسن خان - ناقلاً عن الشوكاني - قال: «وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير

стр. 201

قطره أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر ولا يجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها ولا يدرى من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة هذه تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلاً عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن وهكذا العكس، فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار» (١).

стр. 202

ثانياً: حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى الزمان: مرَّ معنا حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى المكان، وعرفنا حكم عقد البيعة لاثنين معاً في البلد الواحد (١)، وفي البلدان القريبة (٢)، وفي البلدان البعيدة (٣). وأما حكم تعدد الخلفاء بالنظر إلى الزمان فالكلام فيه يقع أيضاً على ثلاثة أقسام، مع ملاحظة أن كلام العلماء عن عدم جواز التعدد في العصر الواحد يقصد به كل الدنيا، كما أن كلام العلماء عن عدم جواز التعدد في البلد الواحد يقصد به في نفس الزمان، فهذا التقسيم نظري قد تتداخل فيه الأقسام، وهدفه التوضيح: القسم الأول: حكم مبايعة خليفتين معاً بنفس الوقت: لا يجوز مبايعة خليفتين معاً بنفس الوقت، فإن عقدت لاثنين معاً بطلت فيهما، وبهذا قال المتكلمون من أهل السنة (٤)، والحنفية (٥) والمالكية (٦) والشافعية (٧) والحنابلة (٨)، والإمامية (٩) وأكثر الزيدية (١٠)، والإباضية (١١) والمعتزلة (١٢).

стр. 203

القسم الثاني: حكم مبايعة خليفتين على التعاقب: ونميز هنا بين حالتين: ١ - الحالة الأولى: تعدد الخلفاء عند معرفة الخليفة الأول: إذا تُوفِّي الإمام ووقعت البيعة لأكثر من شخص في أماكن مختلفة، بفارق زمني بينهما، فجمهور أهل السنة على أنَّ البيعة الأولى هي المعتبرة دون غيرها (١)، وهو رأي الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) والظاهرية (٦)، والزيدية (٧) والمعتزلة (٨) وجعل ابن محبوب من الإباضية اختيارَ الأسبق بيعة كخيار أخير حيث قال: «إذا عقد كل فريق من المسلمين لإمام في موضع، فمن هو في موضع الأئمة فهو الإمام، وإن كانا في بلاد الإمامة فالذي قدمه أهل الدين أولى بالإمامة، فإن استويا فأفضل الإمامين ديناً وفقهاً وأقواهم في عز الدعوة أحق بالإمامة، وإن استويا فالمعقود له أولاً» (٩).

стр. 204

ورأي الجمهور هو الحق المؤيد بقوله ﷺ : «فُوا ببيعة الأول فالأول» (١)، وقوله ﷺ : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٢). ودفعاً لادِّعاءِ مدَّعٍ عقدَ الإمامة له سراً، متقدماً على عقد من كان العقد له جهراً عياناً، قال الآمدي وغيره: «قال بعض الأصحاب: يجب أن يكون اختيار الإمام بمحضر من الشهود وبينة عادلة، كفَّاً للخصام ووقوعِ الخلاف بين الأنام وادعاء مدع عقد الإمامة له سراً متقدماً على عقد من كان له جهراً عياناً، وهو لا محالة واقع في محل الاجتهاد» (٣). وجاء بمقابل رأي الجمهور آراء أخرى منها: أ) هناك من رأى أن الإمام هو الذي عُقد له في بلد الإمام دون غيره، سواء عُقد له أولاً أم لا (٤)، بينما جعل القاضي عبد الجبار نصبَ الإمام واجباً على أهل المدينة التي مات فيها الإمام، وهم بوجوب ذلك أولى ممن بعُد (٥)، وهذا يعني أنه إذا بايع الإمامَ غيرُهم صحت البيعة، وهو كقول أهل السنَّة. ب) ورأى بعض الحنابلة ضرورة القرعة (٦).

стр. 205

ت) وهناك من يرى باعتزال المعقود لهم حتى تُعقد الإمامةُ لأحدهم أو لغيرهم، أو بعرض اعتزال الأمر عليهم فالذي يأبى الاعتزال لا يكون إماماً وتعقد الإمامة لمن يعتزل (١)، وهي حلول نظرية يصعب تطبيقها. ج) وفصَّل الإباضية فقالوا: «ومن عقدت له الإمامة على بلدٍ مخصوصٍ أو إقليمٍ لا على الإطلاق ولا على الكل، ثم ولى أهلُ بلد إماماً على المسلمين كلهم والدنيا، فالأول عاملٌ له، وقيل: إن الأول هو الإمام على الكل ولا يستعمل غيره» (٢)، والقول الثاني هو الموافق لقول أهل السنة. عقوبة من يطلب الخلافة مع وجود خليفة: إذا بويع لرجل آخر مع وجود الخليفة الأول وأصر على بيعته فهو من البغاة يجب أن يُقاتل حتى يرجع إلى الحق أو يقتل. والقتل يكون: - إمَّا حِسَّاً كما قال ﷺ : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٣) وكما قال ﷺ أيضاً: «إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» (٤) هذا إذا لم يندفع إلا بقتله (٥). - أو يقتل معنى أي بعزله كما قال الشافعية (٦). ويعزر الخليفة الثاني هو ومبايعوه إن علموا ببيعة السابق، لارتكابهم محرماً، فإن جهلوا فلا يعزرون، وأوَّلوا ما ورد في مسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر

стр. 206

منهما» بأن معنى الحديث لا تطيعوه وأعرضوا عنه أو اخلعوه، فيكون كمن قُتل، وكذا قال الخطابي في قول عمر ﵁ يوم السقيفة في حق سعد: اقتلوه. أي اجعلوه كمن قتل (١). وقيل: معناه أنه إن أصر فهو باغ يقاتل (٢). وقال السيوطي: «معنى قوله ﷺ : (فاقتلوا الآخر) أي أنه يقاتل ولو أدى ذلك إلى قتله» (٣). وسببُ تشددِ الشرع في حكم من يطلب الخلافة مع وجود خليفة، أنه لو تُرك وما يريد فسيؤدي إلى فتنة كبيرة وإلى شق صف المسلمين وضعفهم، لهذا كان قتله أفضل من سفك دم آلاف معه، ممن أيَّده أو ممن عارضه، إذا استفحل أمره. ٢ - الحالة الثانية: تعدد الخلفاء عند جهل تاريخ مبايعة كل منهما: عرفنا حكم مبايعة خليفتين على التعاقب فيما مر، أما إذا لم يُعلم تاريخُ مبايعة كلِّ خليفة، فالأمر يخضع للاجتهاد؛ لأن الأدلة التي أمرت بقتل الثاني إنما هي عند معرفة الخليفة الأول، وأما عند جهله فلا دليل، لذا فقد اختلفت أقوال العلماء؛ فقال جمهور المتكلمين من أهل السنة (٤)، والحنفية (٥) والشافعية (٦) والمالكية (٧) ورواية عند الحنابلة (٨)، والإباضية (٩)، وأبو علي من المعتزلة (١٠) يجب إبطالُ الجميع،

стр. 207

ويُبايَع من يقع عليه الاختيار منهما، ولا نختار من غيرهما لوجود شبهة ألغت النظر لغيرهما، ولامتناع تعدد الأئمة. وقال أبو هاشم من المعتزلة: نبطل البيعتين ونختار واحداً منهما أو من غيرهما (١)، وهو قول البلقيني من الشافعية (٢) والتفتازاني (٣) والآمدي (٤) والجرجاني (٥) والبغدادي (٦) والجويني (٧)، وابن حزم مع تقديم أحدهما إن أمكن وإلا فيختار من غيرهما (٨). وفي الرواية الثانية عند الحنابلة: يقرع بينهما ولا يختار غيرهما (٩). معيار الاختيار بين من يصلح للخلافة عند وجود أكثر من واحد: إن صلح للإمامة واحدٌ فقد تعيَّن، وإن صلح لها اثنان، فقد اختلف العلماء في الأصلح، وهذا راجع لكل عصر وحاجات الأمة فيه، فورد أنه يستحب لأهل العقد والحل أن: ١ - يقدموا في الأحوال العادية الأعلم فالأورع فالأسنُّ (١٠)، وعند الفرَّاء يقدم الأسنُّ (١١). ٢ - ثم إن كَثُرت الحروب كأن ظهر أهل الفساد أو البغاة فالأشجع أحق، لأنَّ الحاجة دعت إلى زيادة الشجاعة، وإن كَثُرت البدع فالأعلم أحق لأن الحاجة دعت إلى زيادة العلم (١٢).

стр. 208

٣ - وينقل ابنُ الهمام عن الإمام الغزالي قولَه: «إذا اجتمع عدد من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف للأكثر باغ يجب رده إلى الانقياد إلى الحق». ثم يقول: «وكلام غيره من أهل السُّنَّة مقتضاه اعتبار السبق فقط، فإذا بايع الأقل ذا أهلية أولاً، ثم بايع الأكثرُ غيرَه فالثاني يجب رده، والإمام هو الأول. ويمكن تأويل كلام الحجة الغزالي على ما يوافق غيره من أهل السُّنَّة بأنَّ مراده من اجتماع العدد، اجتماعهم في الوجود لا في عقد الولاية لكل منهم، ويكون قوله: فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق جرياً على ما هو العادة الغالبة فلا مفهوم له وبالله التوفيق» (١). ويمكن تفسير قول الغزالي - أيضاً- بأن مراده أن الإمام يكون من أراد أن يَعقد له الأكثر، لا من عقد له الأكثر، وهو بهذا يستدل بمنهج عمر في الستة أصحاب الشورى عندما قال: «فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد، فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما» (٢). ٤ - فإن تنازعاها يقرع بينهما عند الحنابلة (٣) وفي قول عند الشافعية (٤)، واحتجوا بقول سعد؛ ولفظ الحديث ما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن ابن شبرمة: «أن الناس تشاحوا في الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد»، وبإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (٥). ٥ - وقال أبو هاشم من المعتزلة: «فإذا كان في الزمان جماعة يتساوون في الفضل، وجب الإجماع على المشاورة في تقديم أحدهم، وإن لم يكن ما يوجب التقديم فالاختيار إليهم، ولهم أن يعقدوا للواحد منهم» (٦).

стр. 209

المبحث الثاني: من أجاز تعدد الخلفاء مطلقاً بقي أن أذكر أنَّ بعض الآراء قد شذَّت عن الجمهور وقالت بجواز التعدد مطلقاً وهم قلَّة قليلة أذكرها لاستكمال البحث: - فقد أجاز الجارودية من الزيدية في بعض الروايات تعدد الأئمة في البلد الواحد وفي نفس الوقت، وهو خلاف الإجماع المنعقد من السلف قبل ظهورهم (١). واحتج هؤلاء بقول الأنصار يوم السقيفة: «منَّا أمير ومنكم أمير» (٢) واحتجوا بأمر علي والحسن مع معاوية ﵃. وردَّ ابن حزم على هذا القول بأنَّ قول الأنصار كان خطأً لا صواباً لقوله ﷺ : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٣). وأمَّا أمر عليٍّ والحسن ومعاوية ﵃ فقد صحَّ عن النَّبي ﷺ أنَّه أنذر بخارجة تخرج من طائفتين من أمة، يقتلها أَولى الطائفتين بالحق (٤)، فكان عليٌّ ﵁ قاتلَ تلك الطائفة (أي الخوارج). وأما علي ﵁ ومعاوية ﵁ فما سلَّم أحدهما للآخر، وكذلك كان الحسن ﵁ مع معاوية ﵁ إلى أن أسلمَ الأمرَ إليه (٥). وقد بيَّن القمي حقيقةَ قول الجارودية بجواز التعدد في البلد الواحد بأنهم قصدوا بقولهم هذا دعاةَ الإمام المنتشرين في بقاع الأرض، فهم على هذا لا يقولون بالتعدد (٦).

стр. 210

- وهو رأي أبي الصباح السمرقندي (١)، والكرَّامية (كما نقل عنهم القرطبيُ (٢) وابنُ تيمية (٣) والبغداديُّ (٤) وابنُ كثير (٥) وابنُ حزم (٦) والمقريزيُّ (٧) والجرجاني (٨) والشهرستاني (٩))، حيث قالوا بجواز نصب إمامين أو أكثر، وغرضهم من ذلك هو إثبات إمامة كل من علي ﵁ ومعاوية ﵁، فقد كان كلٌّ منهما - في رأيهم - إماماً ينفذ حكمه في أهل ولايته. وسبقت الإشارة لقول الزيدية: «لو وجد إمامان في قطرين انفرد كل واحد منهما بقطره، ويكون واجب الطاعة في قومه، ولو أفتى أحدهما بخلاف ما يفتي الآخر كان كل واحد منهما مصيباً وان أفتى باستحلال دم الإمام الآخر!!». ووافقهم الجبائي (١٠). وقد وصف الشهرستاني مذهبهم فقال: «ولهم خبط عظيم في إمامين وجدت فيهما الشرائطُ» (١١). وهذا هو مذهب الحمزية من الخوارج (١٢). وفي قول ضعيف عند الإباضية أجازوا التعددَ في أكثر من بلد بلا ضرورة (١٣).

стр. 211

وأجازه أيضاً في البلاد المتباعدة بدون ضرورة الجاحظُ (على رأي ابن المرتضى وقد تقدَّم أنَّ الجاحظ لم يُجوِّز التعدد (١)) وعبادُ المعتزلي (٢)، والصيمري (٣) وبعض التابعين، والإمام يحيى وأحد قولي المؤيد بالله (٤) من الزيدية، واستدل بفعلِ الهادي والناصر، وقولِ الناصر: «من كان في ناحيتنا أجاب دعوتنا، ومن كان في ناحية الهادي أجاب دعوته». لكن نقلَ بعدها قولَ القاسمية من أهل العترة: «لم تنعقد إمامة الناصر إلا بعد وفاة الهادي» (٥)، وهذا دليل على أنهم لم يقبلوا التعدد.

стр. 212

المبحث الثالث: الأدلة أولاً: أدلة من لم يجوز التعدد: استدل من لم يجوز التعدد بالقرآن والسُّنَّة وإجماع الصحابة والمعقول: ١ - فمن القرآن: - قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ آل عمران/١٠٣. - وقوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ آل عمران/١٠٥. - وقوله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الأنفال/٤٦. - وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا المعنى، ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها جميعاً جاءت متفقة على الأمر بالوحدة والتضامن والنهي عن الافتراق والاختلاف، لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحداً لا ينازعه أحد. ٢ - ومن السُّنَّة أحاديث منها: ١ - ما رواه مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلَّما هلك نبيٌّ خَلَفَهُ نبيٌّ، وإنَّه لا نبيَّ بعدي وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فُوا ببيعة الأوَّل فالأوَّل وأعطوهم حقَّهم فإنَّ الله سائلهم عمَّا استرعاهم» (١). ٢ - ما جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر ... إلى أن قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»

стр. 213

قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها» (١). ٣ - ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» (٢). ٤ - ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٣). ٥ - ما رواه مسلم عن عرفجة أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يَشُقَّ عصاكم أو يُفرِّقَ جماعتَكم فاقتلوه» (٤). ٦ - واستدل بقول أبي بكر ﵁ يوم السقيفة: «وقد رضيت لكم أحد هذين

стр. 214

الرجلين» أن شرط الإمام أن يكون واحداً (١). ٧ - ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو يرفعه: «لا يَحلُّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمَّروا عليهم أحدَهم» (٢) وروى أبو داود عن أبي سعيد يرفعه: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدَهم» (٣) وكلمة أحد هي كلمة واحد، وهي تدل على العدد أي واحداً ليس أكثر، ويفهم ذلك من مفهوم المخالفة لكلمة (أحدهم) ومفهوم المخالفة يعمل به عند الجمهور عدا أبي حنيفة (٤) وجماهير المعتزلة، فإذا كان الحكم الشرعي في حق إمارة الثلاثة هكذا فإنَّه في حق الأمَّة الإسلاميَّة في جميع أنحاء العالم من باب أولى. ٨ - ويستأنس بما رواه الإمام أحمد أن ابن عمر ﵁ أتى أبا سعيد الخدري ﵁ فقال: يا أبا سعيد ألم أخبر أنك بايعت أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد! قال: نعم، بايعت ابن الزبير، فجاء أهل الشام فساقوني إلى جيش ابن دلجة فبايعته. فقال ابن عمر ﵁: إياها كنت أخاف، إياها كنت أخاف. ومدَّ بها حماد - أحد رواة الحديث - صوتَه. قال أبو سعيد: يا أبا عبد الرحمن أوَ لم تسمع أن النبي ﷺ قال: «من استطاع أن لا ينامَ نوماً ولا يصبحَ صباحاً ولا يمسيَ مساءاً إلا وعليه أمير. قال: نعم. ولكني أكره أن أبايع أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد» (٥).

стр. 215

٣ - ومن إجماع الصحابة ﵃: في سقيفة بني ساعدة (١) لمَّا قال الحباب ﵁: «منَّا أمير ومنكم أمير» ردَّ عليه أبو بكر ﵁: «إنَّه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران» (٢)، فأعطى بذلك الحكمَ الشرعي في وحدة الخلافة ولم ينكر عليه أحد فانعقد الإجماع، ونقل عن عمر بن الخطاب ﵁ مثله يوم السقيفة: «سيفان في غمد واحد إذاً لا يصطلحان» (٣). وقد نقل هذا الإجماعَ الإمامُ النووي عن الجويني (٤) والقرطبي (٥) والقاضي عبد
следующие страницы →