← Общие книги

Общие книги · id 96234

تعدد الخلفاء ووحدة الأمة فقها وتاريخا ومستقبلا

محمد خلدون مالكي

Полный текст (430 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأجازه أيضاً في البلاد المتباعدة بدون ضرورة الجاحظُ (على رأي ابن المرتضى وقد تقدَّم أنَّ الجاحظ لم يُجوِّز التعدد (١)) وعبادُ المعتزلي (٢)، والصيمري (٣) وبعض التابعين، والإمام يحيى وأحد قولي المؤيد بالله (٤) من الزيدية، واستدل بفعلِ الهادي والناصر، وقولِ الناصر: «من كان في ناحيتنا أجاب دعوتنا، ومن كان في ناحية الهادي أجاب دعوته». لكن نقلَ بعدها قولَ القاسمية من أهل العترة: «لم تنعقد إمامة الناصر إلا بعد وفاة الهادي» (٥)، وهذا دليل على أنهم لم يقبلوا التعدد.

стр. 212

المبحث الثالث: الأدلة أولاً: أدلة من لم يجوز التعدد: استدل من لم يجوز التعدد بالقرآن والسُّنَّة وإجماع الصحابة والمعقول: ١ - فمن القرآن: - قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ آل عمران/١٠٣. - وقوله : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ آل عمران/١٠٥. - وقوله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الأنفال/٤٦. - وغيرها من الآيات الكثيرة في هذا المعنى، ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها جميعاً جاءت متفقة على الأمر بالوحدة والتضامن والنهي عن الافتراق والاختلاف، لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحداً لا ينازعه أحد. ٢ - ومن السُّنَّة أحاديث منها: ١ - ما رواه مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلَّما هلك نبيٌّ خَلَفَهُ نبيٌّ، وإنَّه لا نبيَّ بعدي وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فُوا ببيعة الأوَّل فالأوَّل وأعطوهم حقَّهم فإنَّ الله سائلهم عمَّا استرعاهم» (١). ٢ - ما جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر ... إلى أن قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»

стр. 213

قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها» (١). ٣ - ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» (٢). ٤ - ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (٣). ٥ - ما رواه مسلم عن عرفجة أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يَشُقَّ عصاكم أو يُفرِّقَ جماعتَكم فاقتلوه» (٤). ٦ - واستدل بقول أبي بكر ﵁ يوم السقيفة: «وقد رضيت لكم أحد هذين

стр. 214

الرجلين» أن شرط الإمام أن يكون واحداً (١). ٧ - ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو يرفعه: «لا يَحلُّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمَّروا عليهم أحدَهم» (٢) وروى أبو داود عن أبي سعيد يرفعه: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدَهم» (٣) وكلمة أحد هي كلمة واحد، وهي تدل على العدد أي واحداً ليس أكثر، ويفهم ذلك من مفهوم المخالفة لكلمة (أحدهم) ومفهوم المخالفة يعمل به عند الجمهور عدا أبي حنيفة (٤) وجماهير المعتزلة، فإذا كان الحكم الشرعي في حق إمارة الثلاثة هكذا فإنَّه في حق الأمَّة الإسلاميَّة في جميع أنحاء العالم من باب أولى. ٨ - ويستأنس بما رواه الإمام أحمد أن ابن عمر ﵁ أتى أبا سعيد الخدري ﵁ فقال: يا أبا سعيد ألم أخبر أنك بايعت أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد! قال: نعم، بايعت ابن الزبير، فجاء أهل الشام فساقوني إلى جيش ابن دلجة فبايعته. فقال ابن عمر ﵁: إياها كنت أخاف، إياها كنت أخاف. ومدَّ بها حماد - أحد رواة الحديث - صوتَه. قال أبو سعيد: يا أبا عبد الرحمن أوَ لم تسمع أن النبي ﷺ قال: «من استطاع أن لا ينامَ نوماً ولا يصبحَ صباحاً ولا يمسيَ مساءاً إلا وعليه أمير. قال: نعم. ولكني أكره أن أبايع أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد» (٥).

стр. 215

٣ - ومن إجماع الصحابة ﵃: في سقيفة بني ساعدة (١) لمَّا قال الحباب ﵁: «منَّا أمير ومنكم أمير» ردَّ عليه أبو بكر ﵁: «إنَّه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران» (٢)، فأعطى بذلك الحكمَ الشرعي في وحدة الخلافة ولم ينكر عليه أحد فانعقد الإجماع، ونقل عن عمر بن الخطاب ﵁ مثله يوم السقيفة: «سيفان في غمد واحد إذاً لا يصطلحان» (٣). وقد نقل هذا الإجماعَ الإمامُ النووي عن الجويني (٤) والقرطبي (٥) والقاضي عبد

стр. 216

الجبار (١) وابن حزم (٢). وقد انعكس هذا على الواقع فالخلفاء الراشدون ﵃، ثمَّ خلفاء بني أميَّة، ثمَّ خلفاء بني العبَّاس بالعراق، ثمَّ خلفاؤهم بالديار المصريَّة، ثم خلفاء الدولة العثمانية، كلهم جارون على نسق واحد يتولى الخلافة منهم الواحد بعد الواحد، إمَّا بالعهد ممن قبله أو بالبيعة من أهل الحلِّ والعقد. كما كانت هذه هي ممارسات الصَّحابة ﵃ والتَّابعين ومَنْ بعدهم، فقد رفض محمد بن الحنفيَّة مبايعةَ ابن الزبير وعبد الملك بن مروان في فترة صراعهما وبايع عبدَ الملك بعد مقتل ابن الزبير، ورفض سعيد بن المسيب أن يبايع ابني عبد الملك بن مروان وقال: لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحدث منهما» (٣). ٤ - ومن المعقول: فإن تعدد الأئمة والخلفاء يؤدي إلى التفرق والضعف والشقاق والخلاف، وربما إلى سفك الدماء، وهذا كله منهي عنه، فما يسببه منهي عنه أيضاً، فالطريق إلى الحرام حرام، ولأنَّ التعدد يقتضي لزوم امتثال أحكام متضادة (٤). ثانياً: أدلة من أجاز التعدد: وقد استند من أجاز التعدد مطلقاً إلى قول الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير» ولكن هذا الاقتراح رُفض من الصحابة، وتراجع الأنصار عن ذلك الاقتراح لما قال لهم أبو بكر: «إنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران» (٥)، ونقل عن عمر أيضاً أنه قال: «لا يصلح سيفان في غمد واحد» (٦). وكان سببَ اقتراح الأنصار ذلك

стр. 217

خوفُهم من أن يَليَهم قومٌ قتل الأنصار آباءَهم وأبناءَهم (١). وقالوا إن تنصيب إمام في كل بلد يجعله أقدر على تحقيق مصالح الرعية ومتابعة شؤونهم، ومراقبة العمال والقضاة والولاة. واستدل الكرًّامية بأن علياً ﵁ ومعاوية ﵁ كانا إمامين (٢)، وبأنَّه لمَّا جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. وأجاب القرطبي: أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه لقوله ﷺ : «فاقتلوا الآخر منهما» ولأنَّ الأمَّة عليه. وأما الاستدلال بجواز تعدد الأنبياء على جواز تعدد الأئمة فغير صحيح، لأن الأنبياء معصومون عن الخطأ، ومن جوَّز عليهم السهو لم يُجِزْ الإقرار عليه بل يُنهون في الوقت فيُؤمن من وقوع الفتنة، والأئمة غير معصومين ولا نأمن من وقوع الفتنة بتعددهم (٣). كما استدل من قال بالتعدد عند الضرورة على نظرية الضرورة نفسها، وهذا واضح من اعتمادهم على الحجج المبنية على الضرورة والحاجة العامة مثل: أن تكون الحاجة تدعو لذلك، أو إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شسوع النوى، أو يكون بين الصقعين حاجز من بحر أو عدو لا يطاق، ولم يقدر أهل كل من الصقعين على نصرة أهل الصقع الآخر (٤). وأما معاوية ﵁ فلم يدَّعِ الإمامة لنفسه (٥) وإنَّما ادَّعى ولاية الشام بتولية مَنْ قَبْلَهُ من الأئمة، ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما، ولم يقل أحدهما: إني إمام ومخالفي إمام (٦).

стр. 218

الترجيح: مما سبق من أدلة وما جاء في الرد عليها، يتوضح ضعف رأي من قال بجواز تعدد الخلفاء مطلقاً، ويُرَدُّ على من قال إن تنصيب إمام في كل بلد أفضل لتحقيق مصالح أهله، بأن هذا الأمر غير أكيد، بل إن وحدة الأمة تحت راية واحدة هي الأقدر على تحقيق مصالحهم، وخاصة في هذا العصر الذي يتميز بالتكتلات الكبرى، ثم إن الخليفة مكلف بحراسة الدين أيضاً، وليس فقط بتحقيق المصالح الدنيوية، وهذا لا يتأتى مع الفرقة والتعدد. ولا أدل على هذا من أن أعداء الأمة كان أول ما فعلوه عند تمكنهم من البلاد الإسلامية مطلع القرن الماضي بعد سقوط الخلافة العثمانية، وما قبله، هو تمزيقها وتجزئتها إلى دويلات ليسهل التحكم بها، ثم إن هذه المصالح التي يتكلمون عنها يمكن تحقيقها عن طريق تعيين الولاة في هذه البلاد المختلفة. وأما من قال بجواز التعدد بالضرورة فقوله صحيح، على ألا نتوسع بالضرورة ونظن أنها الحكم الأصلي في المسألة، وأن نسعى لإزالة أسباب الضرورة بكل ما نستطيع. قال محمد رشيد رضا: «آن للمسلمين أن يفقهوا أن جعل أحكام الضرورة في خلافة التغلب أصلاً ثابتاً دائماً هو الذي هدم بناء الإمامة، وترتب عليه تفرق الكلمة، وضعف الدين والدولة» (١). وأما قياس الإمامة على النبوة فهو قياس مع الفارق، إذ إن التنازع بين الأنبياء منفي، بعكس الخلفاء والأئمة، فالأنبياء معصومون دون غيرهم. ولابد من التريث قبل التسليم بما ذكره الطبري في تاريخه أنه في سنة ٤٠هـ جرت بين علي ﵁ وبين معاوية ﵁ المهادنة على وضع الحرب بينهما وأن يكون لعلي ﵁ العراق، ولمعاوية ﵁ الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، وأن معاوية ﵁ أقام بجنوده في الشام يجبيها وما حولها وعلي ﵁ في العراق يجيبها ويقسمها بين جنوده (٢)، لأن هذه الرواية لو صحت

стр. 219

لظهر أثرها على فتاوى الفقهاء بجواز تعدد الخلفاء، ولَمَا نقلوا الإجماع على عدم جواز تعددهم!!، إلا أن نعتبر أن هذا الاتفاق ليس إقراراً بجواز التعدد، بقدر ما هو قَبولٌ بأمرٍ واقعٍ لم يمكن إزالته بكل الوسائل فهو قَبولٌ مبني على الضرورة. وقد وردت أخبار موضوعة تروي مثل هذا (١). ثم إنَّ معاوية ﵁ لم يدَّع الخلافة قبل واقعة التحكيم، ولم يكن يعلن إلا المطالبة بقتلة عثمان ﵁، وبعد حادثة التحكيم تمكن من أن يعلن نفسه خليفة ويُبايَع بذلك، وهذا الإعلان مبني على حكم الواقع، لا على حكم الشرع، وليس هذا دليلاً شرعياً على جواز التعدد، وخاصة إذا لاحظنا أن أبا موسى الأشعري قد عزل علياً ﵁ عن الخلافة فاهتبلها عمرو بنُ العاص فرصةً فأعلن تثبيت ولاية معاوية (٢). وقد اعتبر كثير من العلماء أن معاوية ﵁ كان باغياً، ولم يقولوا إنه كان إماماً مع علي ﵁ (٣). ويقول رشيد رضا مستدلاً على التعدد - بعد أن نقل قول صديق حسن خان في التعدد -: «هذا أَوْجَهُ تفصيلٍ قيل في جواز التعدد للضرورة وهو اجتهاد وجيه ويشبهه عند بعض الأئمة تعدد الجمعة في البلد الواحد، فالأصل في الشرع أن يجتمع أهل البلد كلهم في مسجد واحد لأن للشارع حكمة جليلة في الاجتماع، فإن تعددت فالجمعة للسابق، والمتأخر لا يعتد بجمعته، فمتى علم أنها أقيمت في مسجد لم يجز أن تقام ثانية فيه ولا في غيره من ذلك البلد، وجوَّز التعددَ للضرورة بقدرها

стр. 220

أشدُ المانعين حظراً له في حال الاختيار» (١). وأقول: شتان بين تعدد الجمعة في البلد الواحد، وبين تعدد الخلفاء في البلاد المختلفة فلا يصح قياسها به، وعلى كل حال فقول رشيد رضا في جواز التعدد إنما هو في حال الضرورة فقط (٢). ثم إذا أمكن في بدايات الخلافة الإسلامية وحتى عصور طويلة بعدها أن تُثبِتَ فكرة وحدة الخلافة جدارتها وصوابها، رغم بعد المسافات وضعف وسائل الاتصال والمواصلات، فتحقيقها اليوم أسهل وأولى وأجدر، فلم يبق للمستدلين بالبعد أي حجة اليوم. وأقوى دليل على هذا الرأي هو الضرورة. فيكون هذا الحكم استثنائياً، يزول بزوال الضرورة، ويبقى جواز التعدد للضرورة مقترناً بحالة العجز عن الوحدة، مقدَّراً بقدرها، وعلى أن تبذل الجهود لإزالة أسباب الضرورة وليس الاستكانة لها، ففي المثال السابق يجب بناء مسجد جامع يتسع لكل الناس يوم الجمعة في كل بلد، وهذا ممكن الحصول وهو هدف ديني سياسي اجتماعي هام، وهذا خير من بناء الملاعب الضخمة لأهداف بسيطة، أو بناء المسارح الكبيرة وبذل الأموال عليها لأهداف أقل أهمية من هذا الهدف، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السعي نحو الوحدة. وينبغي ملاحظة أن السبب الأبرز الذي استند إليه من أجاز التعدد للضرورة هو تباعد الأراضي وما فيه من مشقة في حكمها على البعد، وهذا العذر قد زال تماماً في العصر الحاضر الذي اتصلت فيه المعمورة من أقصاها إلى أقصاها بوسائل الاتصال والمواصلات السريعة المختلفة، حتى أن الناس أصبحوا يعيشون بما يشبه قرية صغيرة فلم يعد البعد عذراً للتعدد، ثم إن البعد معيار غير منضبط فما كان يسمى بعيداً في الماضي لم يعد كذلك اليوم. ولكن لا زال الوضع العالمي العام مانعاً من قيام خلافة إسلامية، بل لعله ازداد شراسة وعنفاً، مع ملاحظة الضعف والتفرق الواقع في الأمة الإسلامية، مما يبقي التعدد جائزاً، ولكن لا بعذر البعد بل بعذر الوضع العالمي العام المانع من ذلك،

стр. 221

إلى أن يأذن الله تعالى بتغيره، فهو تبرير لمرحلة مؤقتة من تفرق الأمة على عدد من القادة، على ألا تصبح قاعدة مضطردة ومنهجاً متبعاً وتبريراً لتفريق الأمة على الدوام.

стр. 222

الباب الثالث تعدد الخلفاء في التاريخ الإسلامي والتكييف الفقهي لذلك ويتضمن فصلين: - الفصل الأول: الخلاف بين عبد الله بن الزبير ﵁ والأمويين. - الفصل الثاني: الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والخلافة الأموية في الأندلس. ويشتمل على ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الخلافة العباسية. - المبحث الثاني: الخلافة الفاطمية. - المبحث الثالث: الخلافة الأموية في الأندلس.

стр. 223

الفصل الأول الخلاف بين عبد الله بن الزبير ﵁ والأمويين توطئة: الصراع على الحكم ظاهرة اجتماعية وتاريخية لا يمكن تجاهلها، ولا يمكننا استثناء فترة الخلافة الإسلامية عبر العصور من هذه الظاهرة، وسأبين في هذا الباب ما حصل عبر التاريخ من تنازع على الخلافة، مقتصراً على تسليط الضوء على ما وصل إلى مرحلة التعدد الفعلي للخلفاء - بغض النظر عن الاعتراف لهم بشرعية إطلاق اسم الخلفاء عليهم كلهم أو لا - وفق التسلسل الزمني للظهور. وإنما أردت أن أشير لهذا التعدد لمعرفة رأي الفقهاء فيه، ولمعرفة كم هو مقدار هذا التعدد وحجمه زمنياً في التاريخ مقارنة بمسيرة التاريخ الإسلامي كله، وأنه ليس - كما قال بعضهم - شاملاً لأغلب التاريخ الإسلامي، بل كانت القاعدة الأساسية هي وحدة الأمة ووحدة الخلافة، فالخلافة الإسلامية منذ نشأتها بقيادة الرسول ﷺ لم تقبل التعدد، واستمر هذا الأمر قروناً حتى انهيار الخلافة العثمانية، وما حصل من تعدد في فترات متقطعة من هذا التاريخ الطويل يمثل استثناء من هذه القاعدة، ويستمد شرعيته من أحكام الضرورة، فهي خلافات ناقصة، والاقتتال الداخلي والفتن التي تصاحب التعدد في الغالب دليلٌ على صواب رأي من قال بوحدة الخلافة وخطأ تعددها (١). ولكن ينبغي أن نتنبه إلى أن ذكر هذا التعدد ليس دليلاً للجواز، لأن الدليل لا يكون من الواقع بل من النصوص الشرعية، فالنص يحكم على الواقع وليس العكس، وذلك بعد استثناء الخلاف بين علي ومعاوية، ثم الخلاف بين الحسن بن علي ومعاوية ﵃ لأن له صبغة فقهية شرعية لحديث النبي ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» (٢)، أما ما حصل من خلاف على منصب

стр. 224

الخلافة بعد ذلك فليس له صبغة فقهية يُستدل بها على أحكام التعدد، لذا أدرجته ضمن القسم التاريخي لا الفقهي. وقد كان ما حصل بين عبد الله بن الزبير ﵄ والأمويين المظهرَ الثالث لتعدد الخلافة في التاريخ الإسلامي، وذلك بعد ما حصل بين علي ومعاوية أولاً، ثم بين الحسن بن علي ومعاوية ﵃ ثانياً. ولما تنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة لمعاوية هدأت النفوس واستقرت الخلافة لمعاوية ﵁ واجتمعت كلمة المسلمين عليه، ثم ما لبثت أن عادت الخلافات إلى السطح مرة أخرى عندما أراد معاوية أن يبايع لابنه يزيد بالخلافة من بعده (١)، والتي جاءت على الشكل التالي: ١ - عبد الله بن الزبير ويزيد بن معاوية (٢): أراد معاوية ﵁ أن يعهد بالخلافة من بعده لابنه يزيد ويبايع له، حتى لا تظهر الفتنة في أمر الخلافة مرة ثانية بعد موته، ورغم ذلك فقد كان عهدُ يزيد عهدَ اضطرابات سياسية، فقد ثار عليه معظم الأمصار الإسلامية كالبصرة والكوفة والمدينة والحجاز عموماً. وكانت بداية ظهور فكرة تولية يزيد الخلافة بعد معاوية ﵁ عندما أراد معاوية ﵁ أن يعزل المغيرةَ بنَ شعبة عن الكوفة، فسمع بذلك المغيرة فقدم إلى الشام وطرح عليه فكرة تولية يزيد بعده ليتراجع عن عزله وذكر له أنه يعمل على ذلك، فأعجب معاوية ﵁ بذلك - ولعل الأمر كان في نفسه أيضاً - وأعاده والياً على الكوفة ليُتِمَّ ما بدأه (٣). وصار معاوية ﵁ يمهِّد لإعلان ذلك، فدعا وفود الأمصار إليه وبدأ يرتب

стр. 225

الأمر (١)، ولما رفض الصحابة في المدينة طلب مروان بن الحكم أن يبايعوا ليزيد، سافر معاوية إلى المدينة ليقنعهم برأيه ويبيِّن لهم حُجَّته فخطب فيهم قائلاً: يا أيها الناس قد علمتُ أن رسول الله ﷺ قبض ولم يستخلف أحداً فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، فلما حضرته الوفاة استخلف عمر، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله ﷺ وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظراً للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لِما وقع الناس فيه من اختلاف. فردَّ عليه كبار أبناء الصحابة ورفضوا قوله ورأيه، واعتبروا عمله مغايراً للسنَّة ولمفهوم الشورى والاختيار، وعلى رأسهم الحسين بن علي (٢) وعبد الله بن الزبير (٣) وعبد الله بن عمر (٤) وعبد الرحمن بن أبي بكر (٥)، وعبد الله بن عباس

стр. 226

وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵃ (١)، وكان ابن الزبير من أشدهم إنكاراً وكانت وجهة نظره أنه لا يجوز أن يبايع لاثنين معاً، فقد روى الأصبهاني عن ابن شهاب أن القاسم بن محمد أخبره أن معاوية أُخبر أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير ﵃ خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد، فلما قدم معاوية مكة دعا ابن الزبير فقال له: هذا صنيعك أنت استزللت هذين الرجلين وسننت هذا الأمر وإنما أنت ثعلب رواغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر. فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق ولكن أكره أن أبايع رجلين، أيكما أطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق! فإن كنتَ مللتَ الإمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك، ويبدو أن معاوية ﵁ اتهم كل واحد منهم بأنه كان وراء رفض مبايعة يزيد ليتبين له من كان يقود هذه المعارضة (٢). وأعرَض بعد ذلك معاوية ﵁ عن البيعة حتى مات الحسن بن علي ﵁ سنة ٥١ هـ (٣)، فأخذ بعدها من الناس البيعة العامة ليزيد، وترك الحسين وابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير ﵃ دون أن يبايعوا (٤) وبهذه البيعة أصبح يزيد بن معاوية ولي العهد لأبيه، وأصبحت بيعته ملزمة للناس وهو خليفة المسلمين المنتظر، وطاعته واجبة في غير معصية الله. وكان ما قام به معاوية ﵁ في نظر بعضهم (٥) - عاملاً من عوامل جمع

стр. 227

كلمة المسلمين بدلاً من تفرقها بين الطامعين في الخلافة، فقد كان يزيد مؤيَّداً من قبيلة أمه بني كلب (١) وحلفائها مثل خولان وسكون وجذام، وكانت الخلافة تحتاج إلى عصبية تدعمها، وتعيد هيبتها وتستمر في حمايتها ضد الذين أفرطوا في التطاول على منصب الخلافة الذي راح ضحيته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ومن بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. وبعد وفاة معاوية أراد يزيد أن يؤكد البيعة له وذلك في نصف رجب سنة ستين وكانت سِنُّهُ حينئذ ثلاثاً وثلاثين سنة، ولما تولى كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعلى مكة عمرو بن سعيد بن العاص وعلى البصرة عبيد الله بن زياد وعلى الكوفة النعمان بن بشير ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية بيعته، فكتب إلى الوليد يخبره بموت معاوية وكتاباً آخر صغيراً فيه: «أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام» ففشل، وكان أشدهم رفضاً للبيعة الحسين بن علي وابن الزبير ﵄؛ فأما ابن الزبير فقد خرج من المدينة بعد رفضه المبايعة ليزيد حتى قدم مكة وأقام فيها، وصار يدعو إلى نفسه سراً، ثمَّ لحقه الحسين بن علي أيضاً بعد أيام، ثمَّ جاءت كتب أهل العراق إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم فسار بجميع أهله حتى بلغ كربلاء بقرب الكوفة، فعرض له جيش عبيد الله بن زياد فقتله وقتل معه كثيراً من أهله، في قصة مأساوية ليس هنا مكان تفصيلها (٢). ولما قتل الحسين بن علي ﵄ أظهر ابنُ الزبير شتمَ يزيد، فأرسل له يزيد من المدينة سبعمائة وعليهم أنيس بن عمرو الأسلمي، ونحو ألفي رجل وعليهم عمرو بن الزبير، وهو أخو عبد الله بن الزبير، وكان بينهما بغض

стр. 228

شديد، وأرسل عبدُ الله بن الزبير عبدَ الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه، فهزمه ابن صفوان وقتل أنيس بن عمرو، وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير فتفرق عن عمرو أصحابه فقبض عليه ومات تحت السياط وهو يقتص منه لضربه بعض الناس لمَّا كان على شرطة المدينة (١). ثم خلع أهلُ المدينة يزيدَ وأمَّروا عليهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة. فبعث يزيدُ النعمان بن بشير الأنصاري فأمرهم بلزوم الطاعة وخوفهم الفتنة ففشل في إقناعهم. ثم إن أهل المدينة أخرجوا عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل يزيد وحصروا بني أمية بعد بيعتهم عبد الله بن حنظلة، فاجتمع بنو أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل حتى نزلوا دار مروان بن الحكم فكتبوا إلى يزيد يستغيثون به، فبعث إليهم مسلم بن عقبة المري (٢) على رأس جيش بلغ اثني عشر ألفاً وأمره أن يسير إليهم، فكان من أمر الحَرَّة ما كان. ثم توجه الجيش إلى مكة لقتال ابن الزبير ﵁ وعليهم الحصين بن نمير (٣) بعد موت مسلم بن عقبة في الطريق، فقدم مكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع وستين وقد بايع أهلُها وأهلُ الحجاز عبدَ الله بن الزبير واجتمعوا عليه، ولحق به المنهزمون من أهل المدينة وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي (٤) في الناس من الخوارج يمنعون البيت، وخرج ابن الزبير إلى لقاء أهل الشام ومعه أخوه المنذر، وظلوا يتقاتلون بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين رموا البيت بالمجانيق والعرَّادات (٥) وحرقوه بالنار، وأقام أهل الشام يحاصرون ابن الزبير حتى بلغهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر، فقد توفي بحوارين من أرض الشام لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر وقيل ثمانية أشهر، وكانت هذه هي المواجهة

стр. 229

الثانية بين يزيد وابن الزبير والتي انتهت بالفشل ورجوع الجيش إلى دمشق (١). بويع لعبد الله بن الزبير ﵄ بعدها بالخلافة في مكة والمدينة واليمن والعراق وخراسان ومصر، وبويع له أيضاً بحمص وقنسرين من الشام وكاد أن يتم له الأمر بجملته، لولا أن خرج عليه مروان بن الحكم فغلب على الشام ثم مصر، ثم غلب من بعده ابنه عبد الملك على العراق والحجاز كما سيأتي، وقد استمرت خلافة ابن الزبير حوالي تسع سنين، وكانت صورة أخرى لتعدد الخلفاء (٢). تحليل الأحداث: انقسم الناس في تفسير دوافع ابن الزبير ﵁ في خروجه على يزيد بن معاوية: فقال الذهبي وابن كثير وغيرهما: كان قيامه لله وهدفه هو إعادة نظام الشورى ورفض مبدأ توريث الخلافة، وقد شاركه عدد من الصحابة كالمسور بن مخرمة وعبد الله بن صفوان ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف وغيرهم من فضلاء عصرهم، وقام أهل المدينة بوجه يزيد وأيَّدوه وبايعوه، لِما شاع من فسق يزيد، وهيهات أن يكون خروج هؤلاء على يزيد لأجل الدنيا (٣)، وابن الزبير إن أخطأ في هذا فإنه مجتهد مأجور بلا أدنى شك، وذلك لتعارض الأدلة الناهية عن الخروج على الحكام، مع الأدلة الآمرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فامتناع ابن الزبير - وكذا الحسين بن علي ﵃ عن بيعة يزيد بن معاوية لا يمكن تسميته بغياً، فهما لم يعتبرا يزيد إماماً، ولم يبدآه بقتال، ويمكن تسمية ما

стр. 230

حصل بينهما من جهة، وبين يزيد من جهة أخرى، فتنة، لأنه قتال بين المسلمين لا نفع من ورائه ولا خير (١). بينما كان يرى بعض الصحابة أنَّ خروجه كان للدنيا ليثنوا الناس عن متابعته لما كانوا يرون في ذلك من الفتن وسفك الدماء. فعبد الله بن عمر ﵄ كان يحذر الناس أن خروج ابن الزبير ﵁ إنما هو لأجل الملك فقط، بل وكان ينظر إلى جميع المتصارعين على الخلافة في تلك الفترة نفس النظرة (٢)، ويمثِّل يزيد بن معاوية في نظره ﵁ الخليفة الشرعيّ للمسلمين، وأنه قد أعطاه البيعة ولا يجوز الخروج عليه (٣)، وكان ينظر لابن الزبير ومن معه على أنهم بغاة، وتمنى مقاتلتهم لبغيهم على بني أمية (٤). وكذلك رفض محمد بن الحنفية الخروج على يزيد بن معاوية لما خلعه أهل المدينة ولم يخرج لا هو ولا ابن عباس مع الحسين بن علي ﵃ على يزيد (٥).

стр. 231

وكان ابن عباس وابن الحنفية يفضلان حكم بني أمية على حكم ابن الزبير (١)، ورفض ابن عمر وابن عباس وابن الحنفية وسعيد بن المسيب أن يبايعوا لابن الزبير حتى يجتمع الناس، ثم بايعوا ﵃ عبد الملك بن مروان بعد موت ابن الزبير (٢). وكذلك كان أبو برزة الأسلمي وجندب بن عبد الله البجلي ﵃ يرون أن الجميع كانوا يقتتلون على الدنيا (٣). وقال ابن خلدون عن عهد يزيد: «ولم يبق في المخالفة لهذا العهد - الذي اتفق عليه الجمهور - إلا ابن الزبير ﵁، وندور المخالف معروف» (٤). وعلى كلٍ فإن هذا الخلاف في تفسير خروج ابن الزبير ﵁ كان في حياة يزيد، أما بعد موته، وموت معاوية بن يزيد بعده بقليل، فقد بايع الناسُ ابنَ الزبير بيعة شرعية، وهو إن كان في نظر كثير ممن بقي من الصحابة في المدينة هو الأولى بالخلافة من يزيد في حياته، فإن خلافته اكتسبت شرعيتها الكاملة عند الجميع بعد وفاة يزيد وابنه معاوية بن يزيد (٥).

стр. 232

حكم خلافة يزيد بن معاوية: اختلف المؤرخون حول مبايعة معاوية ﵁ بالعهد لابنه فانقسموا إلى فئتين؛ فالفئة الأولى كانت تؤيد وتبرر ما قام به معاوية ﵁ حتى لا تتفرق كلمة الإسلام والمسلمين وتَزَعَّم هذه الفئة من المؤرخين ابنُ خلدون (١)، وكان الليث بن سعد يسميه أميرَ المؤمنين (٢). أما الفئة الثانية فتنكر خلافة يزيد ولا ترى فيها أي ميزة وترى فيه المدلل وغير الكفء لهذه الولاية الكبيرة إذ إنه فيما يقولون كان منصرفاً إلى اللعب بالقردة وقولِ الشعر وسفك دماء الأبرياء كالحسين بن علي بن أبي طالب ﵄، والهجوم على المدينتين المقدستين مكة والمدينة ورمي الكعبة بالأحجار والنفط وإحراقها (٣)، وتضيف هذه الفئة بأن بيعة يزيد لا يتوافر فيها أسس البيعة الشرعية بل أخذت بالمال والدهاء والخوف والبطش والسيف، وممن قال بهذا من المؤرخين: الطبري (٤) واليعقوبي (٥) والمسعودي (٦)، والدينوري (٧) وغيرهم (٨).

стр. 233

قال الأشعري: «اختلف المسلمون في إمامة يزيد فقال قائلون: كان إماماً بإجماع المسلمين على إمامته وبيعتهم له غير أن الحسين أنكر عليه أشياء مثلُها يُنكر, وقال قائلون بإمامته وتخطئة الحسين في إنكاره عليه , وقال قائلون لم يكن إماماً على وجه من الوجوه» (١). وقال ابن تيمية: «افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق: طرفان ووسط؛ فأحد الطرفين قالوا: إنه كان كافراً منافقاً، والطرف الثاني يظنون أنه كان رجلاً صالحاً وإمام عدل وأنه كان من الصحابة، وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسِيَرِ المتقدمين؛ ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأي وخبرة، والقول الثالث: أنه كان ملكاً من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان ولم يكن كافراً؛ ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وما فعل بأهل الحرة ولم يكن صاحباً ولا من أولياء الله الصالحين وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة» (٢). وسئل الحافظ عبد الغني المقدسي عن يزيد بن معاوية فأجاب بقوله: «خلافته صحيحة، وقال بعض العلماء: بايعه ستون من أصحاب النبي ﷺ ، منهم ابن عمر ﵁، وأما محبته: فمن أحبه فلا ينكر عليه، ومن لم يحبه فلا يلزمه ذلك، لأنه ليس من الصحابة الذين صحبوا رسول الله ﷺ فيلزم محبتهم إكراماً لصحبتهم، وليس ثَمَّ أمرٌ يمتاز به عن غيره من خلفاء التابعين، كعبد الملك وبنيه، وإنما يمنع من التعرضِ للوقوع فيه، خوفاً من التسلق إلى أبيه، وسداً لباب الفتنة» (٣). ٢ - عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم (٤):

стр. 234

كانت وفاة يزيد بن معاوية بمثابة نكسة مؤقتة لحكم الأمويين، فبوفاته أعلن عبد الله بن الزبير - كما مر - نفسه خليفة في ربيع الثاني عام ٦٤ هـ (١)، وكانت سنُّه تزيد على ستين سنة، فزادت قوة الحجاز ودان له اليمن، ونجح في السيطرة على المدينة وبايعه أهلها، وطرد الجالية الأموية التي كانت تقيم فيها وعلى رأسها مروان بن الحكم وولداه عبد الملك وعبد العزيز، وعين عليها أخاه عبيد الله بن الزبير. وقامت في مصر معركة محدودة لنصرة ابن الزبير ﵁ انتهت بإعلان بيعته بالخلافة، فعيَّن لها ابنُ الزبير عبد الرحمن بن جحدم الفهري. وأما العراق وما وراءها فقد كان عبيد الله بن زياد يقبض على الأمور بيد من حديد، فارتقى منبر البصرة -عقب وفاة يزيد وتنازلِ معاوية الثاني- وخطب الناس يخيرهم في أمرهم ويُعرِّض لهم بنفسه فبايعوه بالخلافة، وطالب الكوفة بالبيعة فرفضوا، ولم تلبث البصرة أن ثارت عليه كذلك وولى البصريون واحداً منهم، وكاتبوا ابن الزبير يبايعونه بالخلافة، وفعلت الكوفة مثل ذلك، فقبل ابن الزبير منهم وأرسل إليهم عمالاً من قبله. أما الشام معقل الأمويين فلم تكن أكثر من غيرها ولاء للأمويين، إذ خرج معظم جهاتها عن طاعة الأمويين، ذلك أن الشام كانت موزعة بين أربع ولايات - بالإضافة إلى دمشق عاصمة الدولة - وهي: إقليم الثغور ويشمل شمالي الجزيرة العراقية أيضاً وعاصمته قنسرين، ثم ولاية حمص، وفي الجنوب ولايتا الأردن وفلسطين، فأما قنسرين وحمص فقد أعلنتا طاعتهما لابن الزبير مبايعتين بالخلافة، وأما فلسطين فقد تركها واليها حسان بن مالك بن بحدل الكلبي خال معاوية الثاني (٢) وذهب إلى الأردن وأعلن تمسكه بخلافة الأمويين، وانضمت فلسطين بعد أن

стр. 235

هجرها حسان ابن مالك إلى طاعة ابن الزبير كذلك، وبقيت دمشق بزعامة الضحاك بن قيس الفهري فترة غير واضحة الميول ثم بايعت ابن الزبير، ولم يبقَ للأمويين من نصر إلا ما يجدونه في طاعة الكلبيين بالأردن والقبائل اليمنية (١)، حتى كان من رأي مروان أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فقدم ابن زياد من العراق وبلغه ما يريد مروان أن يفعل، فقال له: قد استحييت لك من ذلك أنت كبير قريش وسيدها تمضي إلى أبي خبيب فتبايعه! - يعني ابن الزبير - فقال: ما فات شيء بعد (٢). ويمكن تلخيص التيارات المتصارعة على الخلافة بعد موت يزيد وابنه معاوية بن يزيد بثلاثة تيَّارات سياسيَّة: الأول: التيَّار الإسلامي ويمثِّله ابن الزبير، والثَّاني: التيَّار القبلي ويمثِّله مروان بن الحكم، والثَّالث: التيَّار الوراثي الذي مثَّله خالد بن يزيد، ولكن لم يلبث أن سلَّم التيارُ الوراثي لمروان وبقي الصراع محصوراً بين التيارين الأول والثاني. وإنَّما كان تيار ابن الزبير تيَّاراً إسلامياً لأنَّه بويع بالخلافة - بعد موت يزيد بن معاوية وابنه - بناء على الشورى لا بالقوة كما فعل مروان بن الحكم، وقد كان اختيار مروان بن الحكم انتصاراً للمبدأ القبلي، الذي وقف حاجزاً أساسياً أمام نجاح المبدأ الإسلامي بالإضافة لصفات ابن الزبير التي كانت وراء انصراف النَّاس عنه بعد أن كانوا يؤيِّدونه كما سيأتي ذكره (٣). وهكذا أصبح ابن الزبير - بعد موت يزيد وتنازل معاوية بن يزيد عن

стр. 236

الخلافة - خليفةً شرعياً، فناهضه مروان بن الحكم مخالفاً بذلك حكماً شرعياً!! (١) فقد كان أمر الخلافة خاضعاً للشوكة فقط، فمن كان قوياً وفرض نفسه بالقوة كانت له الخلافة، وقد عبَّر عن هذا الواقع مروانُ بن الحكم بعد موت يزيد فقال: إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والمُلْكُ بعد أبي ليلى لمن غلبا (٢) وكانت بداية ظهور أمر مروان بن الحكم - بعد إشارة عبيد الله بن زياد عليه بأن يرشح نفسه للخلافة - عندما عقد بنو أمية مؤتمراً في بلدة الجابية بايعوا فيه لمروان بن الحكم بعد أن رفضوا أن تنتقل الخلافة إلى أهل الحجاز (٣)، وأيَّده بقية الأمراء حفاظاً على سلطان بني أمية، وبايعوا مروان بن الحكم، وبقي عليهم ليدخلوا دمشق أن يقاتلوا الضحاك بن قيس الفهري الذي كان يعسكر في مرج راهط (٤) بعدما رفض الذهاب إلى مؤتمر الجابية، ومعه جيش قوامه ستون ألفاً أو مائة ألف على خلاف، فاقتتلوا ومروان يومئذ في جيش صغير من بني أمية ومواليهم وأتباعهم من أهل الشام قُدِّر بثلاثة عشر ألفاً، وقتل الضحاك بن قيس وانصدع الجيش، ودخل مروان بن الحكم دمشق ظافراً ونزل دار الإمارة، بعد أن بقيت الشام بعد معاوية بن يزيد دون خليفة أو حكومة نحو ستة أشهر، ثم تتابعت انتصارات مروان، فانضمت فلسطين إلى دمشق بعد هروب أميرها ناتل بن قيس

стр. 237

الجذامي إلى ابن الزبير بمكة، وأعلنت حمص ولاءها للأمويين بعد أن قتلَ أهلُ حمص النعمانَ بن بشير، ثم هرب أمير قنسرين والثغور فتحولت الولاية إلى طاعة مروان، وعادت الشام قوة متماسكة تحت راية الأمويين. ثم وجَّه مروان جيشاً بقيادة عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعها من رجال ابن الزبير والذي لم يصل لوجهته إلا ومروان قد مات، وأعد مروان جيشاً آخر قاده بنفسه إلى مصر ليستعيدها، وخلَّف ابنه عبد الملك على دمشق، ونجح بعد اشتباك محدود في خداع عبد الرحمن بن جحدم إذ احتفظ به والياً عليها فاستسلم له، وعندئذ عزله وولى أخاه عبد العزيز مكانه. ورجع مروان إلى دمشق فلما دنا منه بلغه أن ابن الزبير قد بعث إليه أخاه مصعباً في جيش فأرسل إليه مروان عمرو بن سعيد قبل أن يدخل الشام فقاتله فانهزم مصعب وأصحابه. مات بالطاعون بعد ذلك في رمضان سنة ٦٥ هـ وقيل بل قتلته زوجته، وكانت خلافته تسعة أشهر وكان قد عهد بالخلافة من بعده لابنه عبد الملك (١). حكم خلافة مروان بن الحكم: قال السيوطي: والأصح ما قاله الذهبي إن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين بل هو باغ خارج على ابن الزبير، ولا عهدُه إلى ابنه بصحيح وإنما صحَّت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير (٢)، واعتبره ابن خلدون من ملوك المسلمين الشرعيين (٣).

стр. 238

٣ - عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان (١): بعد موت مروان بن الحكم بايع الناسُ عبدَ الملك في رمضان سنة ٦٥ هـ، فوعد الناس خيراً ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة وإقامة العدل , وكان معروفاً بالصدق والفضل والعلم فقبلوا منه ولم يختلف عليه أحد من أهل الشام (٢). وقد كانت تنتظر عبد الملك مهام كبيرة، فلم تكن الأمور بأحسن حالاتها في البلاد الإسلامية، فتوطيد حكمه وتوحيد الدولة الإسلامية كان يتطلب منه مواجهة مع ابن الزبير والتي كان دونها مواجهات مع الشيعة (٣) والخوارج والقيسية في قرقيسياء من جهة، كما كان عليه أن يسوي بعض المشاكل داخل البيت الأموي من جهة أخرى، مع الانتباه لتحركات الامبراطورية البيزنطية، وقد استطاع عبد الملك أن يتناول هذه المشاكل واحدة إثر أخرى بكفاءة وإصرار، فكان الخليفة الذي وحَّد الأمة الإسلامية للمرة الثانية بعد تفرقها، ولما انتصر على ابن الزبير سمي ذلك العام عام الجماعة، تشبيهاً له بعام الجماعة الأول الذي كان بعد تنازل الحسن بن علي ﵁ عن الخلافة لمعاوية ﵁ عام ٤١ هـ، وبالفعل فقد خاض عبد الملك عدة مواجهات للوصول إلى ذلك، أذكر منها ما حصل بينه وبين ابن الزبير فقط، وقد حصلت بينهما ثلاث مواجهات هي: المواجهة الأولى: استلم عبد الملك الخلافة وكان أبوه مروان قد بعث بعثين أحدهما إلى العراق عليه عبيد الله بن زياد، والآخر إلى المدينة عليه حبيش ابن دلجة (٤)، فأما الجيش المتجه إلى العراق فلم يصل إلى ابن الزبير بسبب المعركة التي حصلت بينه وبين التوَّابين المطالبين بدم الحسين، مما أعاقه عن التقدم بعد أن أُثخن بالقتل والجراح (٥).

стр. 239

وأما الجيش المتجه إلى المدينة فقد حصلت عدة مواجهات بينه وبين جيوش ابن الزبير انتهت بهزيمته وكان فيه يومئذ يوسف بن الحكم والحجاج بن يوسف وما نجوا يومئذ إلا على جمل واحد، ورجعت فلول جيش حبيش إلى الشام (١). المواجهة الثانية: خرج عبد الملك بن مروان بنفسه إلى العراق لأخذها من مصعب بن الزبير، الذي كان أخذها من المختار، وفي طريقه استولى على قرقيسياء (٢) بعد أن صالح زفر بن الحارث عاملها لابن الزبير، ثم توجه إلى الكوفة لقتال مصعب وكان قد كاتب وجوه الناس في الكوفة يعدهم ويمنيهم، ليتركوا نصرة مصعب ويخذلوه فلما تواقف الطرفان بدير الجاثليق (٣) من مسكن خَذل أصحابُ مصعب مصعباً وتركوه وذهبوا إلى عبد الملك بن مروان وغدروا به، ودارت بينهما عدة معارك تمكن بعدها عبد الملك من القضاء عليه وكان ذلك سنة ٧١ هـ وقيل سنة ٧٢ هـ، ودخل الكوفة وأخذ البيعة من أهلها لنفسه وأرسل ولاته على العراق (٤). المواجهة الثالثة والأخيرة مع ابن الزبير: لم يبق أمام عبد الملك إلا الحجاز الذي يسيطر عليه عبد الله بن الزبير من مكة، وقد حانت الساعة الفاصلة، ساعة الحزم والحسم، فأرسل عبدُ الملك بن

стр. 240

مروان الحجاجَ بن يوسف الثقفي على رأس جيش قوامه ثلاثة آلاف لقتال عبد الله ابن الزبير المتحصن بمكة المكرمة فنزل بالطائف بلدته الأولى فهو من ثقيف ثم بدأ حصاره لابن الزبير في أول ذي القعدة من عام ٧٢ هـ، وطلب المدد من عبد الملك فأرسل له جيشاً آخر على رأسه طارق بن عمرو فاحتل هذا الجيش المدينة في طريقه، ثم وصل إلى مكة وانضم إلى الحجاج. قاوم ابن الزبير بضراوة وظل الحصار مضروباً عليه سبعة أشهر، حتى تفرق عنه معظم أنصاره، لكنه ظل يقاوم رافضاً أن يستسلم منفذاً وصية أمه حتى بقي في قلة قليلة من أصحابه، كلما دخل عليه قوم من باب من أبواب الحرم حمل عليهم وحده فأخرجهم منه وهو يقول: لا عهد لي بغارة مثل السيل ... لا ينجلي غبارها حتى الليل إلى أن أصابته آجرة في مفرقه فَلَقَتْ رأسَه فوقف وهو يقول: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما يشير إلى أن الإصابة كانت من الإمام لا من الخلف، ثم وقع، وكان هذا في ١٧ جمادى الأولى سنة ٧٣ هـ وكانت خلافته تسع سنين، وعادت الدولة موحدة لها خليفة واحد وصارت حدودها من نهر بلخ وجبال سجستان ومشارف الهند شرقاً إلى أواسط بلاد المغرب غرباً ومن بحر قزوين والبحر الأسود شمالاً إلى حدود النوبة والسودان جنوباً (١). حكم خلافة عبد الملك بن مروان: قال السيوطي: لم تصح خلافة عبد الملك بن مروان وبقي متغلباً على مصر والشام، ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين فصحت خلافته من يومئذ واستوثق له الأمر (٢). أما قبل ذلك فكانت خلافته تغلباً

стр. 241

وهذا ما ذكره ابن عمر ﵁ لما طُعِن عَرَضاً في الحرم بسبب حرس الحجاج الذين كانوا موجودين، وعاده الحجاج في مرضه فلما خرج من عنده قال ابن عمر ﵁: «ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمء الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا» (١). وقال النووي: مذهب أهل الحق أن ابن الزبير كان مظلوماً والحجاج ورفقته خارجون عليه (٢) وكان يسمي فترتَه بالإمارة تارة وبالفتنة تارة أخرى (٣). أسباب فشل ابن الزبير وعودة الخلافة للأمويين: يعزى فشل ابن الزبير لعوامل عدة منها: ١ - بقاؤه في مكة لا يغادرها إلى البلدان الأخرى لتتبع أمور الخلافة. ٢ - بخله وعدم إنفاقه وخاصة على الجند والأتباع، وبشكل خاص بخله على قادة الجند الذين جاؤوا مع مصعب إليه بعد انتصاره على المختار. ٣ - استقلاله برأيه وعدم مشاورته لأصحابه واكتفاؤه بشجاعته. وكان هذا جلياً بعد وفاة يزيد في رده على الحصين بن نمير لما عرض عليه أن يبايعه، وفي أمره بإخراج بني أمية من المدينة الذي أدى لجمع كلمتهم في دمشق على مروان. ٦ - عدم مشاركة الضحاك بمرج راهط بالرأي والقتال وتركه وحده، فلو كان حاضراً بجنده في مؤتمر الجابية لاختلفت نتيجته. ٧ - عدم إرسال الجيوش لتوحيد الدولة تحت راية واحدة، واستغلال قوته وضعف خصومه، وخاصة بعد موت يزيد، ثم بعد موت مروان وهزيمة جيشه الذي أرسله إلى الحجاز. ٨ - عدم وجود عصبية قوية تدعمه كعصبية بني أمية ومن ورائهم بني كلب ومن معهم من القبائل. وأما عودة الخلافة للأمويين فكان سببه الرئيس العصبية القوية التي كانت

стр. 242

تدعمهم من قبائل بني كلب ومن معهم، وكان هذا واضحاً في خلاف معاوية ﵁ مع علي ﵁ ثم في حربهم للضحاك، فاستردوا الخلافة بعد أن خسروها رغم أن عدداً من أنصار الأمويين كان على استعداد للتخلي عن ولائهم لهم سعياً وراء مصالحهم الخاصة، وعبيد الله بن زياد والحصين بن نمير أبرز الأمثلة (١). بعض من اعتزل الفتنة: كان هناك اتجاه ثالث لا يتبنى رأي أيٍّ من الأطراف المتصارعة على الخلافة، سواء في أيام علي ﵁ ومعاوية ﵁ أو مَن بَعْدَهم، أذكره على عجل ودون تفصيل استكمالاً للصورة التي كانت تلك الأيام، وقد حوى هذا الاتجاه عدداً كبيراً من الصحابة والتابعين (٢) ومنهم: سعد بن أبي وقاص (٣) وعبد الله بن عمر (٤) ومحمد بن مسلمة (٥) وسعيد بن

стр. 243

زيد (١) وأبو بَكْرَة (٢) وأسامة بن زيد (٣) وزيد بن ثابت (٤) وأبو هريرة (٥) والمغيرة بن شعبة (٦) وسعيد بن العاص (٧) وأهبان بن صيفي (٨) وأبو موسى الأشعري (٩) وجرير ابن عبد الله البجلي (١٠) وأبي سعيد الخدري (١١) وكعب بن مالك (١٢) وحسان بن ثابت (١٣) وفضالة بن عبيد (١٤) والحكم بن عمرو الغفاري (١٥)

стр. 244

وصهيب الرومي (١) وأبو أيوب الأنصاري (٢) وعبد الله بن سلام (٣) وعمران بن حصين (٤) والأحنف بن قيس (٥) وأبو العالية (٦) وغيرهم ﵃.

стр. 245

الفصل الثاني الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية والخلافة الأموية في الأندلس ويشتمل على ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الخلافة العباسية. - المبحث الثاني: الخلافة الفاطمية. - المبحث الثالث: الخلافة الأموية في الأندلس.

стр. 246

تمهيد: مرت فترة طويلة من استقرار وحدة الدولة الإسلامية بعد انتصار عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير ﵁، فقد مرَّ حوالي ستين سنة منذ سنة ٧٣ هـ وحتى انهيار الدولة الأموية سنة ١٣٢ هـ، ولا أقصد بهذا أنه لم يكن هناك صراع على الحكم، فهذا لم ينتهِ ولن ينتهي طالما كانت هناك حياة في البشر، فالصراع والتدافع والتنافس سنة الحياة الدنيا، ولكن الذي أقصده هو عدم وصول هذا الصراع إلى درجة أن يكون هناك خليفتان أو أكثر للمسلمين في وقت واحد. وبعد انهيار الخلافة الأموية كانت الخلافة العباسية هي الخلافة الشرعية التي لا ينازع أحد في شرعيتها، ولكن طريقة قيامها حمل في طياته بذرة التعدد في الخلفاء للمرة الرابعة، فقد هرب عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس فاراً من بطش العباسيين، وأقام إمارة أموية مستقلة في الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية في دمشق بحوالي ست سنين، ثم لتتطور بعد ذلك إلى خلافة سنة ٣١٦ هـ نتيجة لعوامل مختلفة أهمها ضعف الخلافة العباسية وإعلان الخلافة الفاطمية سنة ٢٩٥هـ. كما كانت الطريقة التي استغل بها العباسيون العلويين في بداية دعوتهم ثم انقلابهم عليهم بعد ذلك، سبباً في تشكل بذرة الخلافة الفاطمية، والتي كانت أيضاً مظهراً عملياً لتعدد الخلفاء في التاريخ الإسلامي، فاجتمع ولأول مرة ثلاثة خلفاء في وقت واحد. وتسهيلاً للبحث المتداخل والمتشابك زمنياً ومكانياً بشكل كبير، سأتناول الموضوع مجزَّأً إلى ثلاثة مباحث، تبعاً لأطرافه الثلاثة العباسيين والأمويين والفاطميين، مبيناً باختصار نشأة كل خلافة وطبيعة العلاقات التي كانت بين هذه الخلافات الثلاث.

стр. 247

المبحث الأول: الخلافة العباسية نظرة عامة للخلافة العباسية: كانت فترة الخلافة العباسية مليئة بمظاهر التعدد في الخلافة، سواءً كانت هذه المظاهر شكلية أو فعلية، فقد نشأت الدولة العباسية سنة ١٣٢ هـ وهي تحمل في طياتها بذور التعدد، لأنه كان وراء نشوئها عدد من الأسباب، منها المظالم التي كان يقوم بها الأمويون ضد القوميات غير العربية، واستئثارهم بالحكم وسوء توزيع الثروة، وكان من شعارات الثورة العباسية المساواة بين القوميات الإسلامية المختلفة، مما أظهر الروح القومية التي قويت بعد ذلك، وأقامت أسراً ودويلات إقليمية استقلت عن الدولة استقلالاً جزئياً، محافظة على ولائها للخليفة العباسي، ولم تكن ولاية وال في هذه الأقاليم المنفصلة تصبح شرعية إلا إذا أقرها الخليفة العباسي، من هذه الدول: الدولة الأغلبية التي أقامها إبراهيم بن الأغلب في أفريقية، والدولة الطاهرية التي أقامها طاهر بن الحسين في خراسان (١). وقبل ذلك كانت أجزاء من العالم الإسلامي قد انفصلت انفصالاً تاماً عن الخلافة العباسية كالأندلس التي استقل بها عبد الرحمن الداخل بعد قيام الدولة العباسية بقليل، ودولة الأدارسة: بالمغرب التي أسسها إدريس العلوي الفار من وجه الخلافة العباسية. وفي العصر العباسي الثاني الذي يبدأ بوفاة الواثق سنة ٢٣٢ هـ دخلت الخلافة العباسية بفترة ضعفها وظهرت الإمارات المستقلة في الشرق والغرب على حد سواء، كدعوة القرامطة في الشام، والخوارج في المغرب، والإسماعيلية في اليمن والمغرب، والطولونيين والإخشيديين في مصر. هكذا بدت الخلافة العباسية من حيث الجملة، وسأركز البحث على أهم مظهر من مظاهر تعدد الخلفاء أثناء الخلافة العباسية، وهو الخلافة الأموية في الأندلس، والفاطمية في إفريقية والمغرب، ولبيان كيف نشأ التعدد الرابع للخلفاء من رحم هذه

стр. 248

الخلافة أذكر التفاصيل التالية: سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية: لم يكن قيام الدولة العباسية على أنقاض دولة بني أمية حدثاً عابراً من أحداث التاريخ الإسلامي انتهى بمجرد تغيير للأسرة الحاكمة، بل كان في واقع الأمر ثورة جذرية على النظام القديم، تهيأ لها النجاح بفضل دعوة منظمة وتنظيم سري دقيق يعبر - على حد تعبير أحد المستشرقين- عن سخط عناصرَ مهمة من الأمة العربية الإسلامية على الحكم الأموي وعن رغبة مشتركة في إسقاطه (١). وكان معاوية بن أبي سفيان ﵁ قد نجح في انتزاع الخلافة بعد صراع طويل مع الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، ولم يكن هناك من ينافسه على الخلافة، ولا سيما بعد أن تنازل له عنها الحسن بن علي ﵄ سنة ٤١ هـ فيما عرف بعام الجماعة. بَيْدَ أنَّ هذا الاجتماع حول معاوية ﵁ كان بمثابة هدنة مؤقتة، تحمل في طيَّاتها عوامل الاضطراب والعداوة، وأسباب الثورة والصراع (٢)؛ إذ كان ثمة من المسلمين من ينكر على معاوية استيلاءه على الخلافة وافتئاته على حق آل البيت أولى الناس بهذا المنصب من وجهة نظرهم، ومن هؤلاء تكوَّن حزب الشيعة؛ فهم أنصار آل البيت المتحمسون للدفاع عن حقوقهم في الحكم والخلافة، ولا سيما حق علي ﵁. وهناك كذلك الخوارج وهم الذين يقولون باختيار الخلفاء من بين الأكفاء أنَّى كانت الطبقة التي كانوا ينتمون إليها، كما كانوا يرون عزل الخليفة منذ اللحظة التي يفقد فيها ثقة الأغلبية (٣). وكانت نقطة البداية في معارضة حكم الأمويين حين أخذ معاوية ﵁ البيعة لابنه يزيد من بعده، فكان بذلك أول من سنَّ سنة التوريث من خلفاء بني أمية، وهو ما أثار في نفوس عدد غير قليل من المسلمين شعوراً عارماً بالسخط وعدم الرضا؛ لأن معاوية خالف بذلك سنة النبي ﷺ والخلفاء بعده في اختيار الخليفة،

стр. 249

فقد كان اختيار الخليفة يتم بالشورى والانتخاب، فينتخبه أهل الحل والعقد، ثم تزكي الأمة في مجموعها هذا الانتخاب فيما عرف بالبيعة العامة، أو باستخلاف الإمام السابق للخليفة الذي بعده فيختار - كما فعل أبو بكر ﵁ للأمة أفضل وأكفأ مَن فيها، ويعهد إليه بالأمر بعد أن يستشير الناس ويأخذ مواقفهم، فالعهد للابن لا يخلو من دافع العاطفة وحب الولد والتحيز للأسرة، ثم لا يُضمن - دائماً- أن الولد أو القريب من الكفاءة والفضل بحيث يكون أهلاً لهذا المنصب الخطير (١)، فكان مبدأ التوريث الذي سنَّه معاوية، والتزمه خلفاء بني أمية بعده أحد الاعتراضات الأساسية التي وجهتها المعارضة السياسية إلى الدولة الأموية (٢). ولكنَّ هذا الاعتراض لم تسلم منه دولة الخلافة العباسية نفسها، ولا مَن جاء بعدها، حتى سقوط الخلافة العثمانية، ثم في كثير من البلاد الإسلامية بعد ذلك. وقد تركزت المعارضة السياسية المناوئة لبني أمية في حزبين أساسيين هما: آل البيت أو بنو هاشم من العلويين والعباسيين، والخوارج. ويعنينا في هذا السياق النشاط السياسي للحزب الأول، وهو النشاط الذي توَّجَهُ العباسيون بإسقاط دولة بني أمية، وبناء دولتهم التي عُمِّرت ما يربو على خمسة قرون «١٣٢ - ٦٥٦هـ»، كانت خلافتهم خلالها هي الخلافة الشرعية للمسلمين. والحقُّ أن العلويين كانوا أسبق في المطالبة بالخلافة من العباسيين الذين تأخرت مشاركتهم السياسية الفاعلة إلى مطلع القرن الثاني الهجري، ففي أعقاب وفاة معاوية بن أبي سفيان ﵁، ومبايعة ابنه يزيد بالخلافة ظهرت ثلاث حركات ثورية من طراز واحد، وإن اختلف القائمون بها طبيعة وميولاً، أولها حركة الحسين بن علي ﵁ التي انتهت باستشهاده في كربلاء بالكوفة سنة ٦١هـ، ثم ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي دعا إلى حق محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بمحمد بن الحنفية في الخلافة، وفي مكة تجمع الهاشميون بعامة حول

стр. 250

ثائرٍ ثالث - إن صح التعبير- على بني أمية هو عبد الله بن الزبير، الذي نجح في إعلان نفسه خليفة، وانضمت إليه مصر والعراق، وأغلب بلاد الشام إلى أن انقلبت الأمور عليه. أما أبناء الأسرة العباسية فظلوا بمنأى عن النشاط السياسي والتطلعات نحو الخلافة حتى عهد عمر بن عبد العزيز (١٠٠ - ١٠١هـ)، وكانت صِلاتهم بالأمويين في مجموعها صِلات طيبة، تقوم على إظهار الطاعة والخضوع من جانب العباسيين، والاحترام والتكريم من جانب الخلفاء الأمويين (١)، ولعل من أبرز مظاهر هذا التكريم ما فعله عبد الملك بن مروان «٦٥ - ٨٦هـ» مع علي بن عبد الله بن عباس؛ حيث أقطعه قرية الحميمة (٢) بمنطقة البلقاء في بلاد الشام، وهي القرية التي شهدت بداية انطلاق الدعوة العباسية. وذلك في الوقت الذي أثار فيه مقتل الحسين حماسة المسلمين؛ فتوحدت صفوف الشيعة وزادت الدعوة لآل علي قوة، واشتد العداء بين الأمويين والعلويين الذين أثاروا الفتن والثورات في الولايات الإسلامية (٣). إذ انتشر التشيع منذ ذلك التاريخ لآل البيت، ونادى فريق من الشيعة بعلي زين العابدين بن الحسين بن علي إماماً، وعُرف هؤلاء بـ «الشيعة الإمامية»، في حين قام فريق آخر بالدعوة لمحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بـ «ابن الحنفية»؛ نسبة إلى قبيلة أمه خولة بنت قيس بن جعفر الحنفي، وهي قبيلة بني حنيفة، وكان يتزعم هذا الفريق المختار بن عبيد الثقفي، وقائد حرسه أبو عمرو كيسان؛ ولذلك عرفت هذه الدعوة بالمختارية أو الكيسانية، ونسبت في بعض الأحيان إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقيل لها: الهاشمية. على أن محمد بن الحنفية كان زاهداً في الخلافة؛ ولذلك بايع - كما مر -عبدَ الملك بنَ مروان بعد نجاحه في القضاء على فتنة ابن الزبير؛ كذلك فقد تبرأ محمد بن الحنفية من الآراء المنحرفة التي نادى بها كيسان وما تضمنته من أباطيل
следующие страницы →